← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 30179

معراج الدراية في شرح الهداية

الكاكي

Полный текст (7 597 стр.). Показаны 4096–4135 · переход к 4101.

стр. 4096

مُحَمَّدٌ: يَصِحُّ) (*) وَهُوَ قَولُ الشَّافِعِيّ، وَأَبُو يُوسُفَ مَعَهُ فِي رِوَايَة، وَمَعَ أَبِي حَنِيفَةَ فِي رِوَايَة، لِمُحَمَّد: قَولُهُ ﵊: «أَمَانُ العَبدِ أَمَانٌ» رَوَاهُ أَبُو مُوسَى الأَشْعَرِيُّ، وَلِأَنَّهُ مُؤمِنٌ مُمتَنِعٌ فَيَصِحُّ أَمَانُهُ اعْتِبَارًا بِالمَأْذُونِ لَهُ فِي القِتَالِ وَبِالمُؤَبَّدِ، مِنْ الأَمَانِ، فَالإِيمَانُ لِكَونِهِ شَرطًا لِلعِبَادَةِ، وَالجِهَادُ عِبَادَةٌ، وَالِامْتِنَاعُ لِتَحَقُّقِ إِزَالَةِ الخَوفِ بِهِ، وَالتَّأثِيرُ إعزَازُ الدِّينِ، وَإِقَامَةُ المَصْلَحَةِ فِي حَقِّ جَمَاعَةِ المُسلِمِينَ؛ إذ الكَلَامُ فِي مِثْلِ هَذِهِ الحَالَةِ، وَإِنَّمَا لَا يَمْلِكُ المُسَايَفَةُ لِمَا فِيهِ مِنْ تَعطِيلِ مَنَافِعِ قوله: (وقال الشافعي)، وبه قال مالك وأحمد وأبو يوسف في رواية للحديث المذكور. وعن عمر قال: إن أول أمان واحد من المسلمين كيف أرده حين أعلم بأمان عبد، ولأنه مؤمن من أهل القتال؛ لأن تأثير الإذن في رفع المانع لا في إثبات الأهلية لمن ليس بأهل، ولأن الأمان ترك القتال، فلا يستفاد بالإذن في القتال لأنه ضده، وبعد الإذن هو في الأمان ليس بنائب عن سيده حتى يعتبر دينه لا دين سيده؛ فدل أنه إنما كان أهلا لكونه مسلما إذ الإسلام شرط صحة العبادة. والجهاد عبادة، والأمان جهاد معنى من أهل القتال. قوله: (مُؤْمِنٌ مُمْتَنِعُ)؛ أي ذي قوة وامتناع يعني له نية صالحة للقتال. قوله: (وبالمؤبد من الأمان) وهو عقد الذمة حيث يصح عقد الذمة منه بالاتفاق، وعقد الذمة أقوى من الأمان فيستدل بصحة الأقوى على صحة الأدنى بالطريق الأولى. وقوله: (فالإيمان)؛ أي شرطنا الإيمان ليصح منه الأمان كما ذكرنا أنه جهاد معنى (والامتناع)؛ أي شرطنا كونه ذا امتناع وقوة؛ ليتحقق إزالة الخوف فيكون الأمان في محله. قوله: (وَإِنَّمَا لَا يَمْلِكُ الْمُسابقة) (١)؛ أي القتال يعني إنما حجر عن القتال للمسايفة؛ لما فيه من الضرر بالمولى؛ فربما يقتل فتفوت ماليته، ولأنه يقوم

стр. 4097

المُوَلَّى وَلَا تَعطِيلَ فِي مُجَرَّدِ القَولِ. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ: أَنَّهُ مَحْجُورٌ عَنِ الْقِتَالِ فَلَا يَصِحُ أَمَانُهُ، لِأَنَّهُم لَا يَخَافُونَهُ فَلَم يُلاقِ الأَمَانُ مَحَلَّهُ، بِخِلَافِ المَأْذُونِ لَهُ فِي القِتَالِ، لِأَنَّ الخَوفَ مِنهُ مُتَحَقِّقٌ، وَلِأَنَّهُ إِنَّمَا لَا يَمْلِكُ المُسَابَقَةَ لِمَا أَنَّهُ تَصَرُّفٌ فِي حَقِّ المُوَلَّى عَلَى وَجْه لَا يَعْرَى عَنْ احْتِمَالِ الضَّرَرِ فِي حَقِّهِ، وَالْأَمَانُ نَوعُ قِتَالِ وَفِيهِ مَا ذَكَرنَاهُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يُخطِئُ، بَلْ هُوَ الظَّاهِرُ، وَفِيهِ سَدُّ بَابِ الِاسْتِعْنَامِ، بِخِلَافِ المَأْذُونِ، لِأَنَّهُ رَضِيَ بِهِ بمنفعة البدن، إذ لا مال له حتى يقوم جهاده؛ فيقوم الجهاد بمنفعة بدنه ومنافع بدنه مستحقة للمولى. قوله: (ولا تعطيل)؛ أي (ولا تعطيل المنافع بمجرد القول)، وهو الأمان بل فيه نفع يعود إلى المولى وغيره من المسلمين؛ إذ الكلام في موضع يكون في أمانه مصلحة لهم. قوله: (ولأبي حنيفة)، وبه قال مالك في رواية سحنون عنه؛ أي (العبد محجور عن القتال فلا يصح أمانه لأنهم لا يخافونه)؛ فلا يقع الأمان في محله. قوله: (وَالْأَمَانُ نَوْعُ قِتَالٍ)؛ لأن القتال ما شرع لعين المسابقة (١) والمقاتلة، وإنما شرع لكونه سببا لكسر شوكة العدو ودفع شرهم وإعزاز الدين، وهذا كما يحصل بالقتال يحصل بالأمان أيضًا؛ فإن الأمان شرع حال ضعف المسلمين وقوة الكفار، ولا شك أن كسر شوكتهم وإعزاز الدين يحصل في هذه الحالة بالأمان؛ فثبت أن الأمان قتال معنى والعبد لا يملك القتال بغير إذن المولى فكذا لا يملك الأمان. وهذا لأنه قد يخطئ لأن الخيرية في الأمان مستورة لا يعرفه إلا من يكون مشغولا، والعبد محجور عنه فيتحقق الضرر وهذا معنى قوله: (وفيه) أي في الأمان ما ذكرناه وهو إلحاق الضرر بالمولى. (وفيه)؛ أي في الأمان سد باب الاستغنام والاسترقاق يعني تصرفه لما يوهم الضرر بالمولى، وفي حق جميع المسلمين بخلاف المأذون له في القتال (لأنه) أي المولى (رضي به).

стр. 4098

وَالخَطَأُ نَادِرٌ لِمُبَاشَرَتِهِ القِتَالَ، وَبِخِلَافِ المُؤَيَّدِ، لِأَنَّهُ خَلَفَ عَنِ الإِسْلَامِ فَهُوَ بِمَنزِلَةِ الدَّعْوَةِ إِلَيْهِ، وَلِأَنَّهُ مُقَابَلٌ بِالجِزْيَةِ، وَلِأَنَّهُ مَفْرُوضٌ عِنْدَ مَسْأَلَتِهِم ذَلِكَ، وَإِسْقَاط الفَرضِ نَفْعٌ فَافْتَرَقَا. وَلَو أَمِنَ الصَّبِيُّ وَهُوَ لَا يَعْقِلُ لَا يَصِحُ كَالمَجْنُونِ وَإِنْ كَانَ يَعْقِلُ وَهُوَ مَحْجُورٌ عَنِ القِتَالِ فَعَلَى الخِلَافِ، وَإِنْ كَانَ مَأْذُونَا لَهُ فِي القِتَالِ فَالْأَصَحُ أَنَّهُ يَصِحُ بِالاتِّفَاقِ. قوله: (والخطأ نادر) يعني احتمال الخطأ في الأمان لمباشرة العبد القتال؛ فالظاهر أنه إذا باشر القتال يعرف الخيرية في الأمان، ولا يخطئ إلا نادرا، والمروي محمول على المأذون. (وبخلاف المؤبد): وهو عقد الذمة. (لأنه) أي المؤبد (خلف عن الإسلام) فكان كالدعوة إلى الإسلام، وللعبد ولاية عرض الإسلام على غيره. (ولأنه) أي عقد الذمة أمان مقابل بالجزية وفيه نفع للمسلمين. (ولأنه) أي الأمان المؤبد (مفروض)؛ أي فريضة (عند مسألتهم) يعني الكفار إذا طلبوا عقد الذمة يفترض على الإمام إجابتهم إليه، وإسقاط الفرض عن الإمام وغيره نفع محض؛ فيصح منه كقبول الهبة والصدقة. وفي المبسوط (١): ولو اعتبر ما سبق من العقد احتسب عليهم بتلك المدة لا الجزية، ولو لم يعتبر كان ابتداء المدة من الحال لكونه محض منفعة حكمنا بصحته من العبد، فأما الأمان متردد بين النفع والضرر، ولهذا لا يفترض إجابة الكفار، وفيه إبطال حق المسلمين في الاستغنام. قوله: (وهو) أي الصبي (لا يعقل) لا يصح، وبه قالت الأئمة الثلاثة كالمجنون. قوله: (فعلى هذا الخلاف)، يعني لا يصح عند أبي حنيفة وبه قال الشافعي وأحمد في وجه؛ لأن قوله غير معتبر كما في الطلاق والعتاق. وعند محمد: يصح وبه قال مالك وأحمد. قوله: (والأصح أنه يصح بالاتفاق)؛ أي باتفاق أصحابنا ومالك وأحمد؛ لأنه تصرف دائر بين النفع والضر كالبيع فيملكه الصبي بعد الإذن.

стр. 4099

بَابُ الغَنَائِمِ وَقِسْمَتِهَا (وَإِذَا فَتَحَ الإِمَامُ بَلدَة عَنوَة) أَي قَهْرًا فَهُوَ بِالخِيَارِ: إِنْ شَاءَ قَسَّمَهُ بَينَ باب الغنائم وقسمتها لما ذكر القتال وما يسقط به القتال وهو الصلح والأمان، شرع في بيان ما يحصل بالقتال. وفي المغرب (١) عن أبي عبيد؛ ما نيل من الكفار عنوة والحرب قائمة؛ فهو غنيمة يخمس وأربعة أخماسه للغانمين خاصة والفيء؛ ما نيل منهم بعد وضع الحرب، وصيرورة الدار دار الإسلام فحكمه أن يكون لكافة المسلمين، لا يخمس كالخراج والجزية. والنفل؛ ما يعطي الإمام الغازي زيادة على سهمه ومنه النفل والنافلة. وفي الذخيرة: يجب أن يعلم بالاتفاق في قوله تعالى: ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنفَالِ﴾ [الأنفال: ١] الغنائم؛ لأنها زيادة على محللات هذه الأمة؛ فإن الغنائم حرام على الأمم الماضية، وأحلت لهذه الأمة زيادة ما يحصل للغازي من المقصود الأصلي، وهو الثواب، أما لفظ النفل يستعمل في عرف الفقهاء؛ فيما يعطي الإمام زيادة على سهمه. وقوله: (أي قهرا) هذا ليس بتفسير له لغة؛ لأن عنا عنوا بمعنى ذل وخضع، وهو لازم وقهر متعد؛ بل يكون تفسيره من طريق شعور الذهن لا من الذلة يلزم القهر أو أن الفتح بالذلة؛ فيكون تفسيرا بلازمه. قوله: (إن شاء قسمه)؛ أي البلدة على تأويل البلد ووضع على رؤوسهم الجزية وبه صرح في الزيادات وهذا عندنا. وقال الشافعي وأحمد: تقسم الأراضي أيضًا ولا يتركها في أيديهم. وقال مالك في المشهور عنه: أراضي الكفار المأخوذة قهرا وَقْفٌ تُصرَفُ في مصالح المسلمين، وعن مالك في رواية يقسمها وعنه في رواية الإمام يُخيَّر كما قلنا.

стр. 4100

المُسلِمِينَ كَمَا فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِخَيْبَرَ (وَإِنْ شَاءَ أَقَرَّ أَهْلَهُ عَلَيْهِ وَوَضَعَ عَلَيْهِم الجِزْيَةَ، وَعَلَى أَرَاضِيهم الخَرَاجَ) كَذَلِكَ فَعَلَ عُمَرُ ﵁ بِسَوَادِ العِرَاقِ بِمُوَافَقَة مِنْ الصَّحَابَةِ، وَلَم يُحمَد مَنْ خَالَفَهُ، وَفِي كُلِّ مِنْ ذَلِكَ قُدوَةٌ فَيَتَخَيَّرُ. للشافعي عموم قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنفال: ٤١] الآية، ولأن الأراضي صارت حقًا للغانمين عندكم وملكاً لهم عندي بالاستيلاء؛ فلا يجوز إبطال ملكهم أو حقهم إلا ببدل يعدلها. والخراج لا يعدلها لقلته بخلاف الرقاب أن للإمام أن يبطل حقهم أصلا بالقتل؛ فالعوض القليل أولى لأنها خلقت في الأصل أحرارًا فالإمام إذا استرقهم بدل حكم الأصل وإذا جعلهم أحرارًا بقي حكم الأصل. وله في فتح السواد وجوه: أحدها؛ أنه فتح صلحا لا قهرا، والمشهور عن أصحابه أنه فتح عنوة، وقسم أراضي السواد في جملة الغنائم فجعل الأراضي لأهل الخمس، ثم استطاب قلوبهم والمنقولات للغانمينن والصحيح المشهور أنه خصصها بأهل الخمسن ثم استطاب قلوبهم عنها واستردها وردها على أربابهم بخراج يؤدونه كل سنة. وقال ابن سريج: باعها من أهلها بثمن منجم وفتحت مكة صلحا لا عنوة فيجوز بيع أراضيها عنده. ولنا؛ حديث فتح مكة فإنها فتحت عنوة وتركت في أيديهم وأبنيتها مما تملك ولم يقسمها بين الغانمين لقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُم بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ﴾ [الفتح: ٢٤]، والظفر في القتال يكون لا في الصلح، وقال ﵇ يومئذ: «مَنْ دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومَنْ ألقى السلاح فهو آمن» (١). ولو كان الأمن ثابتا بالصلح لما احتيج إلى ذلك، وقصة أم هانئ مع علي دليل عليه أيضًا؛ فأجمع أهل العلم أنها فتحت عنوة وفتح السواد عنوة وهو مشهور في كتب المغازي.

стр. 4101

وَقِيلَ: الأُولَى هُوَ الأَوَّلُ عِنْدَ حَاجَةِ الغَانِمِينَ، وَالثَّانِي عِنْدَ عَدَمِ الحَاجَةِ، لِيَكُونَ عِدَّة فِي الزَّمَانِ الثَّانِي، وَهَذَا فِي العَقَارِ. أَمَّا فِي المَنقُولِ المُجَرَّدِ لَا يَجُوزُ المَنُّ بِالرَّدِّ عَلَيْهِم؛ لِأَنَّهُ لَم يَرِد بِهِ الشَّرعُ فِيهِ، وَفِي العَقَارِ خِلَافُ الشَّافِعِيِّ، لِأَنَّ فِي المَنِّ إِبْطَالَ حَقِّ الغَانِمِينَ أَوْ مِلْكِهِم فَلَا يَجُوزُ مِنْ غَيرِ بَدَل يُعَادِلُهُ، وَالخَرَاجُ غَيْرُ مُعَادِلٍ لِقَتِلِهِ، بِخِلَافِ الرِّقَابِ لِأَنَّ لِلإِمَامِ أَنْ يُبْطِلَ حَقَّهُم رَأْسًا بِالقَتْلِ، وَالحُجَّةُ عَلَيْهِ ومن عمر حين فتح السواد عنوة على أهلها بأن ضرب الخراج على أراضيهم، وضرب الجزية على رؤوسهم، ولم يقسم بين الغانمين محتجا بقوله ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾ إلى قوله: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُو مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ [الحشر: ٧ - ١٠]؛ أي: أن الغنيمة لله ولرسوله إلى آخره، ﴿وَالَّذِينَ جَاءُو مِنْ بَعْدِهِمْ﴾؛ فالله تعالى جعل للذين يحبون من بعد المهاجرين والأنصار نصيبا في الفيء كما جعل للمهاجرين والأنصار الموجودين، ولو كانت القسمة حتما، لم يكن لمن يجيء من بعدهم في الفيء نصيب، وإنما يكون لهم بالمن بوضع الخراج والجزية. ولهذا قرأ عمر ﵁ على الصحابة حين استشارهم ولم يخالف على ذلك إلا نفر يسير مثل بلال وسلمان وأبي هريرة حتى دعاهم على المنبر فقال: اللَّهُم اكفني بلالا وأصحابه فلم يحملوا عليه وندموا ورجعوا إلى رأيه كذا في المبسوط (١)، وفيه فما حال عليهم الحول إلا ماتوا جميعًا. قوله: (وقيل: الأولى هو الأول عند الحاجة كما فعل النبي ﷺ بخيبر فإنه كان عند حاجة المسلمين. (والثاني) أولى عند عدم الحاجة) كما فعل عمر ﵁ بسواد العراق عند عدم الحاجة ليكون عدة في الزمان الثاني. قوله: (أما في المنقول المجرد قيد به؛ لأنه جاز المن بالرقاب تبعا للأراضي؛ لأنه ﵇ منَّ على أهل مكة برقابهم مع أراضيهم، أما في الرقاب المجرد تعلق بها حق الغانمين (ولم يرد الشرع) بالرد والمن فيه. قوله: (وفي العقار خلاف الشافعي) وقد بيناه. والحجة عليه)؛ أي على الشافعي ما روينا من قصة عمر، وفعل النبي ﷺ بأهل مكة والآية والإجماع حجة عليهم.

стр. 4102

مَا رَوَيْنَاهُ، وَلِأَنَّ فِيهِ نَظَرًا؛ لِأَنَّهُم كَالأَكَرَةِ العَامِلَةِ لِلمُسلِمِينَ العَالِمَةِ بِوُجُوهِ الزِّرَاعَةِ وَالْمُؤَنِ مُرتَفِعَةٌ مَعَ مَا أَنَّهُ يَحظى بِهِ الَّذِينَ يَأْتُونَ مِنْ بَعدُ، وَالخَرَاجُ وَإِنْ قَلَّ حَالًا فَقَد جَلَّ مَالًا لِدَوَامِهِ، وَإِنْ مَنَّ عَلَيْهِم بِالرِّقَابِ وَالْأَرَاضِي يَدفَعُ إِلَيْهِم مِنْ المَنقُولَاتِ بِقَدرِ مَا يَتَهَيَّأُ لَهُمْ العَمَلُ لِيَخْرُجَ عَنْ حَدَّ الكَرَاهَةِ. قَالَ: (وَهُوَ فِي الأَسَارَى بِالخِيَارِ: إِنْ شَاءَ قَتَلَهُم)؛ لِأَنَّهُ ﵊ فإن قيل: لا إجماع مع مخالفة من خالف. قلنا: لا يعتبر خلافهم مع إجماع أهل الفقه؛ لأنهم أصحاب الظواهر، ويدل عليه دعاء عمر عليهم على المنبر، وإذا كان خلافهم بالاجتهاد والدليل، لا يجوز الدعاء عليهم، مع أنه صح ندمهم ورجوعهم كما ذكرنا. قوله: (ولأن فيه) أي فيما بين المَنِّ إذ لو قسمها بينهم؛ لاشتغلوا بالزراعة المتهي عنها، وقعدوا عن الجهاد المأمور فيظفر عليهم العدو وهم لا يهتدون إلى الزراعة، أما إذا تركها في أيدي أرقائهم، وهم عارفون بوجوه الزراعة يشتغلون بها، ويؤدون الجزية فتصرف إلى المقاتلة ليشتغلوا بالجهاد فارغين. والمقصود من المال فراغ البال فمنفعة القسمة، وإن كانت أعجل فمنفعة الخراج أدوم والعبرة للدوام، وفي المنّ رعاية حقهم وحق من يجيء بعدهم، وإنما قسم النبي ﵇ خيبر لحاجة أصحابه كان يومئذ، وعندنا الأولى للإمام القسمة عند الحاجة كما ذكرنا. قوله: (والمؤن مرتفعة)؛ أي من المسلمين أو من الإمام مؤنة الزراعة مرتفعة بالمن. قوله: (لِيَخْرُجَ عَنْ حَدِّ الْكَرَاهَةِ) فإنه إذا منَّ عليهم برقابهم وأراضيهم وقسم سائر الأموال جاز ويكره، ولأن عمر ﵁ لم يفعل وهو الإمام في هذا الباب، ولأن منفعة المنّ الزراعة، وهم لا يقدرون عليها بلا مال فلا يفيد المنّ، وفيه تعذيب الحيوان بلا فائدة ذكره التمرتاشي. قوله: (إن شاء قتلهم)؛ أي قبل إسلامهم؛ لأنه قتل عقبة ابن أبي معيط والنضر بن أبي سهيل بعدما حصلا في يده، وقتل بني قريظة بعد ثبوت اليد عليهم.

стр. 4103

قَدْ قَتَلَ، وَلِأَنَّ فِيهِ حَسمَ مَادَّةِ الفَسَادِ (وَإِنْ شَاءَ اسْتَرَقَهُم) لِأَنَّ فِيهَا دَفَعَ شَرِّهِم مَعَ وُفُورِ المَنفَعَةِ لِأَهْلِ الإِسْلَامِ (وَإِنْ شَاءَ تَرَكَهُم أَحرَارًا ذِمَّة لِلمُسلِمِينَ) لِمَا بَيَّنَّاهُ (إِلَّا مُشْرِكِي العَرَبِ وَالمُرتَدِّينَ) عَلَى مَا نُبَيِّنُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَرُدَّهُم إِلَى دَارِ الحَربِ لِأَنَّ فِيهِ تَقْوِيَتَهُم عَلَى المُسلِمِينَ، فَإِنْ أَسْلَمُوا لَا يَقْتُلُهُم لِاندِفَاعِ الشَّرِّ بِدُونِهِ (وَلَهُ أَنْ يَسْتَرِقَهُم) تَوفِيرا لِلمَنفَعَةِ بَعدَ انعِقَادِ سَبَبِ المِلكِ بِخِلَافِ إِسْلَامِهِم قَبلَ الأخذ؛ لِأَنَّهُ لَم يَنعَقِد السَّبَبُ بَعدُ (وَلَا يُفَادِي بِالأَسَارَى عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَا: يُفَادِي بِهِمْ أُسَارَى المُسلِمِينَ) (*) وَهُوَ قَولُ الشَّافِعِيّ، لِأَنَّ فِيهِ تَحْلِيصَ المُسلِمِ وَهُوَ قوله: (بدونه)؛ أي بدون القتل. قوله: (لم ينعقد السبب)؛ أي سبب الملك، وهو الاستيلاد فلا يسترق، وحاصله أن الإسلام لا ينافي بقاء حكم الاسترقاق؛ لأن الرقبة تثبت بطريق التبعية فبقاؤها يكون تبعا، ولكن الإسلام ينافي حكم القتل؛ لأن القتل جزاء الكفر الحقيقي لا جزاء أثره، ولهذا لا يثبت حكم القتل بطريق التبعية وإن شاء تركهم أحرارا. فإن قيل: قوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] ينافي ترك خيار القتل. قلنا: خص من هذه الآية أهل الذمة والمستأمنون والنساء وغير ذلك بالنص والإجماع؛ فيخص المتنازع فيها بفعل عمر ﵁ بمحضر من الصحابة. وقوله: (لما بينا) إشارة إلى قوله: (كذلك فعل عمر بسواد العراق … ) إلى آخره. قوله: (ولا يُفادي) في المغرب (١): المفاداة بين اثنين يقال: فاداه إذا أطلقه وأخذ فديته. وعندهما؛ (يفادي بهم أسارى المسلمين) وهو قول الشافعي وأحمد ومالك إلا النساء فإنه لا يجوز المفاداة بالنساء عندهم، ومنع أحمد المفاداة بصبيانهم. (لأن فيه تخليص المسلم … ) إلى آخره، وقد روى أنه ﵇ فعل ذلك.

стр. 4104

أُولَى مِنْ قَتْلِ الكَافِرِ وَالانتِفَاعِ بِهِ. وَلَهُ: أَنَّ فِيهِ مَعُونَة لِلكَفَرَةِ؛ لِأَنَّهُ يَعُودُ حَربا عَلَيْنَا، وَدَفْعُ شَرِّ حَربِهِ خَيْرٌ مِنْ استنقَاذِ الأَسِيرِ المُسلِمِ؛ لِأَنَّهُ إِذَا بَقِيَ فِي أَيْدِيهِم كَانَ ابْتِلَاء فِي حَقِّهِ غَيْرَ مُضَافٍ إِلَيْنَا، وَالإِعَانَةُ بِدَفْعِ أَسِيرِهِم إِلَيْهِم مُضَافُ إِلَيْنَا. أَمَّا المُفَادَاةُ بِمَال يَأْخُذُهُ مِنهُم لَا يَجُوزُ فِي المَشهُورِ مِنْ المَذْهَبِ لِمَا بَيَّنَّا. وَفِي السِّيَرِ الكَبِيرِ: أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ إِذَا كَانَ بِالمُسلِمِينَ حَاجَةٌ اسْتَدَلُّوا بِأُسَارَى بَدر، وَلَو كَانَ أَسْلَمَ الأَسِيرُ فِي أَيْدِينَا لَا يُفَادَى بِمُسلِم أَسِيرٌ فِي أَيْدِيهِم، لِأَنَّهُ لَا يُفِيدُ إِلَّا إِذَا طَابَت نَفْسُهُ بِهِ وَهُوَ مَأمُونٌ عَلَى إِسْلَامِهِ. قَالَ: (وَلَا يَجُوزُ المَنُّ عَلَيهِم) أَي عَلَى الأَسَارَى، خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ، فَإِنَّهُ يَقُولُ «مَنَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى بَعْضِ الأَسَارَى يَومَ وفي السير الكبير: لا بأس بالمفاداة بأسارى المسلمين وهو قوله، وأظهر الروايتين عن أبي حنيفة؛ لأن تخليص المسلم واجب ولا يمكن إلا بمفاداة. وقال أبو يوسف: يجوز المفاداة بالأسارى قبل القسمة، وبعده لا يجوز. وعند محمد؛ يجوز بكل حال. قوله: (لما بينا) إشارة إلى قوله: (فيه معونة على الكفرة). قوله: (لا بأس) بالفداء بالمال. قوله: (بأسارى بدر) فإنه ﵇ فادى أسارى بدر بالمال، والفداء كان أربعة آلاف درهم وبه قال الشافعي وأحمد. وقلنا انتسخ ذلك بقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى﴾ إلى قوله ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [الأنفال: ٦٧ - ٦٨] وقال ﵇: «لَو نَزل بنا عَذَابٌ مَا نَجَا إِلَّا عُمَرَ» (١)؛ لأنه أشار بقتلهم. وفي الإيضاح: سورة براءة آخر سورة نزلت، وقد تضمنت وجوب القتل بقوله ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] فكان ناسحًا. قوله: (إلا إذا طابت نفسه) أو نفس الأسير الذي أسلم. (به)؛ أي بالفداء. قوله: (وَلَا يَجُوزُ الْمَنُّ عَلَيْهِمْ) بأن أنعم عليهم من غير استرقاق ولا ذمة ولا قتل. خلافا للشافعي وبه قال أحمد ومالك فإن عند الشافعي حكمهم أحد

стр. 4105

بدر، وَلَنَا: قوله تَعَالَى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥]» وَلِأَنَّهُ بِالأَسرِ وَالقَسْرِ ثَبَتَ حَقُّ الاستِرقَاقِ فِيهِ فَلَا يَجُوزُ إِسْقَاطُهُ بِغَيْرِ مَنفَعَةٍ وَعِوَضٍ، وَمَا رَوَاهُ مَنسُوخُ بِمَا تَلُونَا وَإِذَا أَرَادَ الإِمَامُ العَودَ وَمَعَهُ مَوَاشٍ فَلَم يَقْدِر عَلَى نَقْلِهَا إِلَى دَارِ الإِسْلَامِ ذَبَحَهَا وَحَرَقَهَا، وَلَا يَعْقِرُهَا وَلَا يَتْرُكَهَا وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يَتْرُكُهَا؛ لِأَنَّهُ ﵊ «نَهَى عَنْ ذَبحِ الشَّاةِ إِلَّا لِمَأْكَلَة». وَلَنَا: أَنَّ ذَبَحَ الحَيَوَانِ يَجُوزُ لِغَرَض صَحِيح، وَلَا غَرَضَ أَصَحٌ مِنْ كَسْرِ شَوكَةِ الأَعدَاءِ، ثُمَّ يُحرَقُ بِالنَّارِ لِيَنقَطِعَ مَنفَعَتُهُ عَنْ الكُفَّارِ وَصَارَ كَتَحْرِيبِ البُنيَانِ الأمور الأربعة: القتل والاسترقاق والفداء بالأسارى أو بالمال والمن. وعندهما أحد الأمور الثلاثة، ولا يجوز المنّ عند أبي حنيفة، يجوز أحد الأمرين القتل أو الأسر ولا يجوز الفداء والمن. للشافعي قوله تعالى: ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاء﴾ [محمد: ٤] وروي أنه ﵇ من على أبي عزة الجمحي يوم بدر. (١) ولنا قوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ﴾، وقد بينا أن سورة براءة آخر ما نزلت فكان ناسخا لما قبله، وهذا معنى قوله: (وما رواه الشافعي منسوخ بما تلوناه)، وهو قوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ الآية لأنه متأخر كما ذكرنا والقسر القهر والضمير في (لأنه)، وفي (فيه) راجع إلى المأسور وفي إسقاطه إلى الحق. قوله: (ولا يَعْقِرُهَا)، وقال مالك: يجوز عقرها لا ذبحها. وقال الشافعي وأحمد: يتركها ولا يعقرها ولا يذبحها لقوله ﵇: «لا تُذبَحُ شاةٌ ولا بقرةٌ إِلَّا لِمَأكَلَةٍ»، والمأكلة مصدر كالأكل. وقلنا: في الذبح غرض صحيح، وهو كسر شوكتهم وهو من أقوى المصالح؛ إذ فيه إلحاق الغيض (٢) بهم، وهو مندوب النص.

стр. 4106

بِخِلَافِ التَّحْرِيقِ قَبلَ الذَّبحِ لِأَنَّهُ مَنهِيٌّ عَنهُ، وَبِخِلَافِ العَقرِ، لِأَنَّهُ مُثَلَةٌ، وَتُحرَقُ الأَسْلِحَةُ أَيضًا، وَمَا لَا يَحْتَرِقُ مِنهَا يُدفَنُ فِي مَوضِع لَا يَقِفُ عَلَيْهِ الكُفَّارُ إِبطالا لِلمَنفَعَةِ عَلَيْهِم. (وَلَا يُقَسِّمُ غَنِيمَة فِي دَارِ الحَربِ حَتَّى يُخْرِجَهَا إِلَى دَارِ الإِسْلَامِ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا بَأسَ بِذَلِكَ. وَأَصلُهُ: أَنَّ المِلكَ لِلغَانِمِينَ لَا يَثْبُتُ قَبْلَ الإِحْرَازِ بِدَارِ الإِسْلَامِ عِندَنَا، وَعِندَهُ يَثْبُتُ وَيَبْتَنِي عَلَى هَذَا الأَصلِ عِدَّةٌ مِنْ المَسَائِلِ ذَكَرنَاهَا فِي قوله: (بخلاف التحريق قبل الذبح) حيث لا يجوز؛ لأنه منهي عنه قال: «لَا يُعَذِّبُ بالنَّارِ إِلَّا رَبُّ النَّارِ». (لأنه)؛ أي العقر (مثلة) ونهى النبي ﵇ عن المثلة ولو بالكلب العقور (١)، أما قطع الأشجار وتخريب البنيان يجوز بلا خلاف. قوله: (وما لا يحترق منها)؛ أي من الأسلحة كالحديد ونحوه (يدفن في موضع) لا يقفون عليها؛ لأنه مأمور بقطع قوتهم وإثبات قوة المسلمين، وقد عجز عن الثاني، وقدر على الأول فيأتي به. قوله: (وقال الشافعي: لا بأس بذلك)؛ أي بالقسمة في دار الحرب بعد ما تم انهزام المشركين، وبه قال أحمد. وقال مالك: يعجل قسمة الأموال في دار الحرب ويؤخر قسمة السبي إلى دار الإسلام. قوله: (وعنده)؛ أي وعند الشافعي يثبت الملك بالاستيلاء بعد ما تم الانهزام للمشركين، وبه قال مالك وأحمد. قوله: (عدة من المسائل) منها: أن أحدا من الغانمين لو وطئ أمة من السبي؛ فولدت فادعاه يثبت نسبه منه

стр. 4107

الكِفَايَةِ. لَهُ: أَنَّ سَبَبَ المِلكِ الاستيلاءُ إِذَا وَرَدَ عَلَى مَال مُبَاحٍ فِي الصَّيُودِ، وَلَا مَعنَى لِلاسْتِيلَاءِ سِوَى إِثْبَاتِ اليَدِ وَقَدْ تَحَقَّقَ. وَلَنَا: أَنَّهُ ﵊ نَهَى عَنْ بَيع الغَنِيمَةِ فِي دَارِ الحَربِ، وَالخِلَافُ ثَابِتٌ فِيهِ، وَالقِسْمَةُ بَيْعٌ مَعنى فَتَدخُلُ تَحْتَهُ، وَلِأَنَّ الاستيلاء إثباتُ اليَدِ الحَافِظَةِ وَالنَّاقِلَةِ وَالثَّانِي: مُنعَدِمٌ لِقُدْرَتِهِم عَلَى الاسْتِنقَادِ عندهم، وصارت الأمة أم ولد له. وعندنا: لا يثبت النسب لعدم الملك ويجب العقر، وتقسم الأمة والولد والعقر بين الغانمين، وعندهم سهمهم من الغنيمة إن استوت قيمة الأمة أخذ منه قيمتها يوم الحمل، وإن لم يفِ سهمه كمل من ماله. ومنها: جواز البيع بأن باع الإمام أو واحد من الغزاة شيئًا من الغنيمة، لا يجوز عندنا خلافا لهم. ومنها: الإرث فإذا مات أحد الغزاة في دار الحرب لا يورث سهمه عندنا خلافا لهم. ومنها: لو لحق المدد قبل القسمة لا يشارك عندهم وعندنا يشارك. ومنها: قسمة الإمام في دار الحرب لا لحاجة ولا مجتهدا لا يجوز عندنا، ولهذا لو أسلم الأسير قبل الإحراز بدار الإسلام لا يعتق، أو أسلم أرباب الأموال بعد الأخذ قبل الإحراز لا يكون لهم شيء من ذلك، وكذا لا يجوز لأحد من الغزاة أن يأخذ شيئا من المغنم بغير حاجة؛ فعلم أن الحق يثبت للغزاة عندنا ذكره في التحفة. قوله: (له)؛ أي للشافعي (أن سبب الملك الاستيلاء على مال مباح) قديم فإن الغزاة أخذوا أموالهم وقتلوهم وهزموهم، واستقر الأمر عليه فيملكونها كالاحتطاب والاصطياد. ولنا: الحديث المذكور في المتن. (والخلاف ثابت فيه)؛ أي في البيع فمتى حرم البيع حرمت القسمة؛ لأن في القسمة معنى البيع؛ لاشتمالها على الإقرار والمبادلة لا محالة، ولأن الخلاف ثابت في البيع أيضًا. قوله: (والناقلة)؛ بأن ينقله كيف شاء ويتصرف فيه. (والثاني) أن اليد الناقلة (منعدم لقدرتهم على الاستنقاذ).

стр. 4108

وَوُجُودِهِ ظَاهِرًا. ثُمَّ قِيلَ: مَوضِعُ الخِلَافِ تَرَتُبُ الأَحكَامِ عَلَى القِسْمَةِ إِذَا قَسَّمَ الإِمَامُ لَا عَنْ اجتهاد، لِأَنَّ حُكمَ المِلكِ لَا يَثْبُتُ بِدُونِهِ. وَقِيلَ: الكَرَاهَةُ، وَهِيَ كَرَاهَةُ تَنزِيهِ عِنْدَ (ووجوده)؛ أي وجود الاستنقاذ (ظاهرا)؛ أي الظاهر وجوده إذ الدار دارهم؛ لأن الدار إنما تضاف إلينا وإليهم باعتبار القوة والاستيلاء، ولما بقيت هذه البقعة منسوبة إليهم، عرف أن القوة لهم. ألا ترى أنه يحل للإمام أن يرجع إلى دار الإسلام، ويترك هذه البقعة في أيديهم، والقوة على الاسترداد ظاهرًا تمنع ثبوت يد المسلمين بخلاف ما إذا فتحت البلدة؛ لأنها صارت دار الإسلام بفتحها وإجراء الأحكام فيها؛ فكان فتح البلدة كالإحراز بدارنا إليه أشار في المبسوط (١). وفي السير الكبير: دار الحرب؛ الأرض التي يخاف فيها المسلمون من أرض العدو، ودار الإسلام ما غلب عليها المسلمون، وكانوا فيه آمنين. وفي شرح بكر وجامع الإسبيجابي: دار الحرب تصير دار الإسلام بشرط واحد، وهو إظهار حكم الإسلام فيها، ودار الإسلام تصير دار الحرب بإظهار أحكام الشرك عندهما. وعند أبي حنيفة بثلاث شرائط: أحدها هذه. والثانية: ألا يبقى فيها مسلم أو ذمي آمن بالأمان الأول. والثالثة: الاتصال بدار الحرب؛ يعني ليس بينها وبين دار الحرب مصر للمسلمين، ولو غلب المرتدون على مدينة، وفيها قوم من المسلمين آمنون بالأمان الأول، وارتدت نساؤهم ثم ظهر عليها المسلمون؛ فالنساء والذراري فيء عندهما خلافاً لأبي حنيفة. قوله: (إذا قسمه لَا عَنِ اجتهاد)؛ لأن حكم الملك لا يثبت بلا ملك، أما إذا أدى اجتهاد الإمام إلى القسمة وقسمها جاز؛ لأنه قضى في فصل مجتهد فيه فينفذ، ويثبت الملك بالإجماع.

стр. 4109

مُحَمَّد، فَإِنَّهُ قَالَ عَلَى قَولِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ: لَا تَجُوزُ القِسْمَةُ فِي دَارِ الحَربِ. وَعِنْدَ مُحَمَّد: الأَفضَلُ أَنْ يُقَسِّمَ فِي دَارِ الإِسْلَامِ. وَوَجهُ الكَرَاهَةِ: أَنَّ دَلِيلَ البُطَلَانِ رَاجِعٌ، إِلَّا أَنَّهُ تَقَاعَدَ عَنْ سَلَبِ الجَوَازِ فَلَا يَتَقَاعَدُ عَنْ إِيرَاثِ الكَرَاهَةِ. قَالَ: (وَالرِّدْءُ وَالمُقَاتِلُ فِي العَسكَرِ سَوَاءٌ لِاسْتِوَائِهِم فِي السَّبَبِ وَهُوَ المُجَاوَزَةُ أَوْ شُهُودُ الوَقعَةِ عَلَى مَا عُرِفَ، وَكَذَلِكَ إِذَا لَم يُقَاتِل لِمَرَض أَوْ غَيْرِهِ لِمَا ذَكَرنَا وَإِذَا) لَحِقَهُم المَدَدُ فِي دَارِ الحَربِ قَبلَ أَنْ يُخْرِجُوا الغَنِيمَةَ إِلَى دَارِ الإِسْلَامِ شَارَكُوهُم (وقيل): مذهبنا كراهة القسمة في دار الحرب لا بطلانها؛ لأنهم لو اشتغلوا بها يتكاسلون في أمر الحرب ويتفرقون؛ فربما يكر العدوّ على بعضهم فكان نهيًا لمعنى في غير المنهي عنه فلا يعدم الجواز. و (قوله): (الأفضل) عندنا (أن يقسم في دار الإسلام)؛ لما أنه ﵇ ما قسم الغنائم إلا في دار الإسلام؛ ففي هذا دليل على أنه لا يقسم في دار الحرب؛ لأن الأفعال المتفقة في الأوقات المختلفة، لا تكون إلا لداع إليها أو ليس ذلك إلا لكراهة القسمة، ولا يقال: إن الأفعال المتفقة في الأوقات المختلفة قد تكون احترازًا عن البطلان؛ لأنا نقول إن الكراهة أدنى الأمرين؛ فتحمل عليه لتبقيه كذا في المبسوط (١). قوله: (أَنَّ دَلِيلَ الْبُطْلَانِ رَاجِحٌ)؛ لأنه محرم والمحرم راجح على المبيح. (إلا أنه؛ أي دليل البطلان تقاعد عن سلب الجواز) بالإجماع بيننا وبين الخصم. (فلا يتقاعد عن إيراث الكراهة)؛ لأن الدليل المرجوح لما لم يبطل أصلا حصل من معارضة الدليلين الراجح والمرجوح الكراهة كما في سؤر الهرة، وهذا الذي ذكرنا من الكراهة عند عدم الحاجة، أما لو احتاج الغزاة إلى الانتفاع بالمتاع والثياب والدواب قسمها بينهم في دار الحرب؛ لتحقق الحاجة. (والردء والمقاتل سواء) في قسمة الغنيمة بلا خلاف. وكذا أمير الجند كواحد من الجند في القسمة بلا خلاف.

стр. 4110

فِيهَا) خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ بَعدَ انْقِضَاءِ القِتَالِ وَهُوَ بِنَاء عَلَى مَا مَهَّدْنَاهُ مِنْ الأَصْلِ، وَإِنَّمَا يَنقَطِعُ حَقُّ المُشَارَكَةِ عِنْدَنَا بِالإِحْرَازِ أَوْ بِقِسْمَةِ الإِمَامِ فِي دَارِ الحَرْبِ أَوْ بِبَيعِهِ المَغَانِمَ فِيهَا، لِأَنَّ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنهَا يَتِمُّ المِلكُ فَيَنقَطِعُ حَقُّ شَرِكَةِ المَدَدِ. قَالَ: (وَلَا حَقَّ لِأَهْلِ سُوقِ العَسْكَرِ فِي الغَنِيمَةِ إِلَّا أَنْ يُقَاتِلُوا) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي أَحَدِ قَولَيهِ: يُسهِمُ لَهُمْ لِقَولِهِ ﵊: «الغَنِيمَةُ لِمَنْ شَهِدَ الوَقعَةَ» وَلِأَنَّهُ وَجَدَ الجِهَادَ مَعنى بِتَكثِيرِ السَّوَادِ. وَلَنَا: أَنَّهُ لَم تُوجَدُ المُجَاوَزَةُ عَلَى قَصدِ القِتَالِ فَانعَدَمَ السَّبَبُ الظَّاهِرُ، فَيُعْتَبَرُ السَّبَبُ الحَقِيقِيُّ وَهُوَ القِتَالُ، فَيُفِيدُ الاستحقاقَ عَلَى حَسَبِ حَالِهِ فَارِسًا أَوْ رَاجِلًا عِنْدَ القِتَالِ، وَمَا رَوَاهُ مَوقُوفٌ عَلَى عُمَرَ ﵁ أَنَّ تَأْوِيلَهُ أَنْ يُشْهِدَهَا عَلَى قَصدِ القِتَالِ. قوله: (على ما مهدناه من الأصل)، أن سبب ملك الغانمين تمام القهر، وذلك بالإحراز بدار الإسلام عندنا، وعنده بتمام الانهزام. قوله: (ولا حَقَّ لأهل سوق العسكر)؛ أي لا سهم ولا رضخ، وبه صرح في المبسوط (١). قوله: (إلا أن يقاتلوا)؛ فحينئذ يستحقون السهم وبه قال مالك وأحمد والشافعي في قول. وقال أشهب المالكي: لا يستحق أحد منهم شيئا، وإن قاتل لعدم قصده الجهاد. قوله: (في أحد قوليه يسهم لهم) وفي قول: يرضخ. وقيل: إن لم يقاتلوا فله قولان. قوله: (وما رواه)؛ أي الشافعي (موقوف على عمر ﵁، وذلك ليس بحجة عند بعض مشايخنا، خصوصًا على أصل الشافعي؛ فإنه لا يرى تقليد الصحابي أو تأويله أن يشهد على قصد القتال إذ الوقعة القتال، وشهود القتال على قصد الجهاد، ولهذا يشهد الكفار القتال وليس لهم حق، أما إذا قاتل فقد

стр. 4111

(وإن لم تكن للإمام حمولة تحمل عليها الغنائم، قسمها بين الغانمين قسمة إيداع ليحملها إلى دار الإسلام، ثم يرتجعها منهم فيقسمها) قال العبد الضعيف: هكذا ذكر في المختصر، ولم يسترط رضاهم وهو رواية «السير الكبير». والجملة في هذا: أن الإمام إذا وجد في المعنم حمولة يحمل الغنائم عليها، لأن الحمولة والمحمول مالهم. وكذا إذا كان في بيت المال فضل حمولة لأنه مال المسلمين، ولو كان للغانمين أو لبعضهم لا يجبرهم في رواية «السير الصغير»، لأنه ابتداء إجارة وصار كما إذا نفقت دابته في مفازة ومع رفيقه فضل حمولة، ويجبرهم في رواية «السير الكبير»، لأنه دفع الضرر العام بتحميل ضرر خاص (ولا يجوز بيع الغنائم قبل القسمة في دار الحرب) لأنه لا ملك قبلها، وفيه خلاف الشافعي، وقد بينا الأصل (ومن مات من الغانمين في دار الحرب فلا حق له في الغنيمة، ومن مات منهم بعد إحراجها إلى دار الإسلام، فنصيبه لورثته) لأن الإرث يجري في الملك، ولا ملك قبل الإحراز، وإنما الملك بعده. وقال الشافعي: من مات منهم بعد استقرار الهزيمة، يورث نصيبه لقيام الملك فيه عنده وقد بيناه. قصد الجهاد والتجارة تبع له كالتجارة في طريق الحج، لا ينتقص به ثواب حجه. قوله: (حمولة)، الحمولة بفتح الحاء -؛ لما يحمل عليه من بعير أو فرس وغيره. قوله: (ابتداء إجارة)؛ أي من كل وجه هذا احتراز عن إجارة مستأنفة في حال البقاء، كما في مسألة السفينة إذا مضت مدة الإجارة في وسط البحر؛ فإنه تنعقد إجارة أخرى بأجر المثل من غير رضاء المالك ذكره في المحيط. قوله: (لأنه)؛ أي الإجبار على الإجارة دفع ضرر العام بتحميل الضرر الخاص، وقاسه بمسألة السفينة في وسط البحر والدابة في وسط المفازة عند مضي الإجارة أو مات صاحب الدابة أو السفينة؛ فإنه تبقى الإجارة والإجارة من الغنيمة.

стр. 4112

قَالَ: (وَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَعلِفَ العَسكَرُ فِي دَارِ الحَرْبِ وَيَأْكُلُوا مَا وَجَدُوهُ مِنْ الطَّعَامِ) قَالَ ﵁: أَرسَلَ وَلَم يُقَيِّدهُ بِالحَاجَةِ، وَقَدْ شَرَطَهَا فِي رِوَايَةٍ وَلَم يَشْتَرِطَهَا فِي أُخرَى. وَجهُ الأُولَى: أَنَّهُ مُشْتَرَكٌ بَينَ الغَانِمِينَ فَلَا يُبَاحُ الانتِفَاعُ بِهِ إِلَّا لِحَاجَة كَمَا فِي الثَّيَابِ وَالدَّوَابِّ. وَجهُ الأُخرَى قَولُهُ ﵊: «فِي طَعَامِ خَيْبَرَ كُلُوهَا وَاعْلِفُوهَا وَلَا تَحْمِلُوهَا» وَلِأَنَّ الحُكمَ يُدَارُ عَلَى دَلِيلِ الحَاجَةِ وَهُوَ كُونُهُ فِي دَارِ الحَربِ، لِأَنَّ الغَازِيَ لَا يَسْتَصْحِبُ قُوتَ نَفْسِهِ قوله: (لا بَأْسَ بِأَنْ يَعْلِفَ الْعَسْكَرَ)، في المغرب (١): علف الدابة؛ أطعمها العلف وأعلفها لغة. قوله: (وشرطها)؛ أي محمد (الحاجة). في المحيط: ذكر محمد في السير الصغير الإباحة بالحاجة، وهو جواب القياس حتى لو كان بلا حاجة يكره؛ لأنه مال مشترك فلا يباح الانتفاع للبعض بلا حاجة، كما في الثياب والدواب أو السلاح. (ولم يشترطها)؛ أي الحاجة في رواية السير الكبير وبه قالت الأئمة الثلاثة؛ لإطلاق قوله ﵇ في طعام خيبر: «كلوها واغلفوها ولا تَحْمِلوها» (٢). ولأن الحكم يدار على دليل الحاجة، وهو كونه في دار الحرب؛ إذ الغازي يتعذر عليه حمل الطعام والعلف إلى دار الحرب مدة الذهاب والمكث والإياب، والشراء منهم متعذر فلو لم يجز التناول؛ لضاق الأمر على الغزاة بخلاف السلاح والدواب. (لأنه لا يستصحبها) فلم يوجد (دليل الحاجة)، وربما تمس الحاجة إليهما بأن تموت دابته أو انقطع سيفه فاعتبرنا حقيقة الحاجة فيستعمل ثم يرد إلى المغنم عند الاستغناء فعلى هذه الرواية يستوي فيه الغني والفقير في حل الانتفاع. وفي السير الكبير: فكما يجوز للغازي الأخذ من الطعام والعلف بقدر كفايته، يجوز أن يأخذ ما يكفي عبيده ونساءه وصبيانهم الذين دخلوا معه، ومن دخل ليخدم الجندي، لا يباح له أن يتناول شيئا من الغنيمة، وكذا التاجر.

стр. 4113

وَعَلَفَ ظَهْرَهُ مُدَّةَ مُقَامِهِ فِيهَا وَالمِيرَةُ مُنقَطِعَةٌ، فَبَقِيَ عَلَى أَصْلِ الإِبَاحَةِ لِلحَاجَةِ بِخِلَافِ السِّلَاحِ، لِأَنَّهُ يَسْتَصْحِبُهُ فَانعَدَمَ دَلِيلُ الحَاجَةِ، وَقَدْ تُمَسُّ إِلَيْهِ الحَاجَةُ فَتُعْتَبَرُ حَقِيقَتُهَا فَيَسْتَعْمِلُهُ ثُمَّ يَرُدُّهُ فِي المَعْنَمِ إِذَا اسْتَغْنَى عَنهُ، وَالدَّابَّةُ مِثْلُ السِّلَاحِ، وَالطَّعَامُ كَالخُبْزِ وَاللَّحْمِ وَمَا يُسْتَعْمَلُ فِيهِ كَالسَّمْنِ وَالزَّيْتِ. قَالَ: (وَيَستَعمِلُوا الحَطَبَ) وَفِي بَعضِ النُّسَخِ: الطَّيبَ، وَيَدَّهِنُوا بِالدُّهنِ، وَيُوَقِّحُوا بِهِ الدَّابَّةَ لِمَسَاسِ الحَاجَةِ إِلَى جَمِيعِ ذَلِكَ وَيُقَاتِلُوا بِمَا يَجِدُونَهُ مِنْ قوله: (وعلف ظهره)؛ أي مركبه ولفظ الظهر مستعار. قوله: (الميرة)؛ الطعام ذكره في المغرب (١). (والدابة مثل السلاح (٢) أن يعتبر فيها حقيقة الحاجة، وهذا إذا اعتبرت في الدابة الركوب، أما إذا عتبرت فيها الأكل فهي كالطعام حتى يجوز ذبح الإبل والبقر والغنم للأكل ذكره في المحيط والإيضاح. (والطعام … ) إلى آخره تفسير لقوله: (ويأكلوا مما وجدوا من الطعام) (٣)، والمراد من الطعام المهيأ للأكل وغير المهيأ على ما ذكرنا من رواية المحيط؛ لأن الذبح يجوز للأكل. وفي المحيط (٤): لو أصابوا سمسماً أو زيتاً أو دهن سمسم أو فاكهة يابسة، أو رطبة أو سكّرًا أو بصلا أو غير ذلك من الأشياء التي تؤكل عادة للتعيش لا بأس بالتناول منها قبل القسمة، ولا يجوز تناول شيء من الأدوية والطيب ودهن البنفسج أو دهن الْخِيرِي؛ لأن هذه الأدهان لا تؤكل ولا تستعمل للحاجة الأصلية؛ بل تستعمل للزينة، وكل ما لا يؤكل ولا يشرب؛ فلا ينبغي أن ينتفع به شيء قل أو كثر لقوله ﵇:: «ردّوا الخَيْطَ والمخيط» (٥) ثم قال فيه: وما استهلكه في دار الحرب مما له قيمة أو ليس له قيمة فذاك هدر كله. قوله: (وَيُوَقِّحُوا بِهِ الدَّابَّةَ)، توقيح الدابة؛ تصليب حافرها بالشحم المذاب

стр. 4114

السِّلَاحِ، كُلُّ ذَلِكَ بِلَا قِسمَة) وَتَأْوِيلُهُ: إِذَا احتاجَ إِلَيْهِ بِأَنْ لَم يَكُنْ لَهُ سِلَاحٌ وَقَدْ بَيَّنَّاهُ (وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَبِيعُوا مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا وَلَا يَتَمَوَّلُونَهُ) لِأَنَّ البَيعَ يَتَرَتَّبُ عَلَى المِلكِ وَلَا مِلكَ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ، وَإِنَّمَا هُوَ إِبَاحَةٌ وَصَارَ كَالمُبَاحِ لَهُ الطَّعَامُ، وَقَولُهُ: «وَلَا إذا حفي؛ أي رق من كثرة المشي والراء خطأ، كذا في المغرب (١). قال شيخي العلامة صاحب النهاية: ولكن صححه شيخي مولانا حافظ الدين ﵀ بالراء من الترقيح، وهو الإصلاح. هكذا نقل عن المصنف أنه قال: هكذا قرأنا على المشايخ، وهذا أصح لأنه أعم في الإصلاح. وقال الشافعي وأحمد في الأدهان وجهان في وجه يجوز وفي الأصح لا يجوز. وقال مالك: يجوز في كل ما هو قوت كاللحم والتين والشعير لا في غيرها، ويجوز ذبح الأنعام للأكل إن احتاج. وقال الشافعي: لها ذبح الغنم فقط، وقال معظم أصحابه: يجوز في كل الحيوانات ويُرَدُّ جلدها إلى المغنم كما قلنا، وعندهم لا يجوز التداوي بالأدوية، والسكر والفانيذ (٢) ملحقان بالأدوية ولبس الثياب (٣) وركوب الدواب؛ فلو خالف لزمه الأجرة كما يلزمه الضمان بإتلاف بعض الأعيان. قال الروياني: يستأذن الإمام ويحسب عليه، ويجوز أن يأذن في لبسه بالأجرة مدة الحاجة، ثم يرد إلى المغنم، ولا يجوز استعمال الأسلحة إلا أن يضطر إلى القتال كذا في شرح الوجيز (٤). قوله: (وتأويله … ) إلى آخره إنما احتاج المصنف إلى هذا التأويل؛ لما أن استعمال السلاح والدواب بسبب صيانة سلاحه، ودابته لا يجوز ذكره. وقوله: (لما بيناه) إشارة إلى قوله: (بخلاف السلاح لأنه يستصحبه … ) (٥) إلى آخره.

стр. 4115

يَتَمَوَّلُونَهُ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُمْ لَا يَبِيعُونَهُ بِالذَّهَبِ وَالفِضَّةِ وَالعُرُوضِ، لِأَنَّهُ لَا ضَرُورَةَ إِلَى ذَلِكَ، فَإِنْ بَاعَهُ أَحَدُهُمْ رَدَّ الثَّمَنَ إِلَى الغَنِيمَةِ؛ لِأَنَّهُ بَدَلُ عَيْن كَانَتْ لِلجَمَاعَةِ. وَأَمَّا الثَّيَابُ وَالمَتَاعُ فَيُكْرَهُ الاِنتِفَاعُ بِهَا قَبلَ القِسمَةِ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ لِلِاشْتِرَاكِ، إِلَّا أَنَّهُ يُقَسِّمُ الإِمَامُ بَينَهُم فِي دَارِ الحَربِ إِذَا احْتَاجُوا إِلَى الثَّيَابِ وَالدَّوَابِّ وَالمَتَاعِ؛ لِأَنَّ المُحَرَّمَ يُستَبَاحُ لِلضَّرُورَةِ فَالمَكرُوهُ أَولَى، وَهَذَا لِأَنَّ حَقَّ المَدَدِ مُحْتَمَلٌ، وَحَاجَةُ هَؤُلَاءِ مُتَيَقَّنُ بِهَا فَكَانَ أُولَى بِالرِّعَايَةِ، وَلَم يَذْكُر القِسْمَةَ فِي السِّلَاحِ، وَلَا فَرقَ فِي الحَقِيقَةِ، لِأَنَّهُ إِذَا احتاجَ وَاحِدٌ يُبَاحُ لَهُ الانتِفَاعُ فِي الفَصْلَينِ، وَإِنْ احتاج الكُلُّ يُقَسِّمُ فِي الفَصْلَينِ، بِخِلَافِ مَا إِذَا احْتَاجُوا إِلَى السَّبِي حَيثُ لَا يُقَسَّمُ، لِأَنَّ الحَاجَةَ إِلَيْهِ مِنْ فُضُولِ الحَوَائِجِ. قَالَ: (وَمَنْ أَسْلَمَ مِنهُم) مَعْنَاهُ: فِي دَارِ الحَربِ (أَحْرَزَ بِإِسْلَامِهِ نَفْسَهُ) لِأَنَّ الإِسْلَامَ يُنَافِي ابْتِدَاءَ الإستِرقَاقِ (وَأَوْلَادَهُ الصِّغَارَ) لِأَنَّهُم مُسْلِمُونَ بِإِسْلَامِهِ تَبَعًا (وَكُلُّ مَالَ هُوَ فِي يَدِهِ) لِقَولِهِ ﵊: «مَنْ أَسْلَمَ عَلَى مَالِ فَهُوَ لَهُ» قوله: (في الفصلين)؛ أي في فصل السلاح وفصل الثياب والمتاع. قوله: (معناه في دار الحرب) إنما احتاج إلى هذا التأويل؛ ليقع الاحتراز به عن مستأمن (أسلم) في دار الإسلام، ثم ظهرنا على دار الحرب كان أولاده وأمواله كلها فيئا، ذكره في الفوائد الظهيرية (١). وهنا أربع مسائل: أحدها: أسلم الحربي في دار الحرب، ولم يخرج حتى ظهرنا على الدار أحرز نفسه، وأولاده الصغار وما في يده. والثانية: دخل دارنا بأمان وأسلم ثم ظهرنا على الدار؛ فجميع ماله وأولاده الصغار فيء. والثالثة: أسلم في دار الحرب ثم دخل دارنا، ثم ظهرنا على الدار فجميع ماله فيء إلا أولاده الصغار.

стр. 4116

وَلِأَنَّهُ سَبَقَت يَدَهُ الحَقِيقِيَّةَ إِلَيْهِ يَدُ الظَّاهِرِينَ عَلَيْهِ أَوْ وَدِيعَة فِي يَدِ مُسلِم أَوْ ذِمِّي لِأَنَّهُ في يَد صَحِيحَة مُحتَرَمَة وَيَدُهُ كَيَدِهِ (فَإِنْ ظَهَرنَا عَلَى دَارِ الحِرَابِ فَعَقَارُهُ فَيءٌ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: هُوَ لَهُ، لِأَنَّهُ فِي يَدِهِ فَصَارَ كَالمَنقُولِ. وَلَنَا: أَنَّ العَقَارَ فِي يَدِ أَهْلِ الدَّارِ وَسُلطَانِهَا إِذْ هُوَ مِنْ جُملَةِ دَارِ الحَرْبِ فَلَم يَكُنْ فِي يَدِهِ حَقِيقَة، وَقِيلَ: هَذَا قَولُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ الْآخَرُ. وَفِي قَولِ مُحَمَّد وَهُوَ قَولُ أَبِي يُوسُفَ الأَوَّلُ: هُوَ كَغَيرِهِ مِنْ الأَمْوَالِ بِنَاء عَلَى أَنَّ اليَدَ حَقِيقَة لَا تَثْبُتُ عَلَى العَقَارِ عِندَهُمَا، وَعِنْدَ مُحَمَّد: تَثْبُتُ وَزَوجَتُهُ فَيءٌ لِأَنَّهَا كَافِرَةٌ حَرِبِيَّةٌ لَا تَتْبَعُهُ فِي الإِسْلَامِ وَكَذَا حَملُهَا فَيءٌ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ. هُوَ يَقُولُ: إِنَّهُ مُسْلِمٌ تَبَعًا كَالمُنفَصِلِ. والرابعة: مسلم دخل دارهم بأمان واشترى أموالا وأولادًا، ثم ظهرنا على الدار فالجواب كالجواب في مسألة الكتاب. وعند الأئمة الثلاثة: يعتبر إسلامه في حالة الحرب أو في حالة محصورا، فيحرز كل ماله وأولاده الصغار، أما بعد تمام الانهزام ووضع الحرب أوزارها لا يعتبر. وقوله: (في يد صحيحة)؛ احتراز عن يد الغاصب. وقوله: (محترمة)؛ احتراز عن يد الحربي فإن وديعته عند حربي لا يصير فيئا على رواية أبي سليمان، وعلى رواية أبي حفص؛ تصير فيئا. قوله: (وقال الشافعي: هو له) وبه قال مالك وأحمد لأنه في يده كالمنقول. وقلنا: اليد على العقار تثبت حكما، ودار الحرب ليست بدار الأحكام؛ فلا معتبر بيده قبل ظهور المسلمين وبعده يد المسلمين على الدار أقوى من يده؛ لأن الدار في يد السلطان وأهل الدار والعقار تبع للدار. قوله: (خلافا للشافعي)؛ أي في الحمل فقط وبه قال مالك وأحمد: لأن الحمل مسلم تبعا له. وقلنا: كل حكم يثبت في الأم عتقًا أو رِقًا بدليله يثبت للولد تحقيقا للتبعية، والمسلم محل للتمليك تبع لغيره كما لو زوج أمة الغير وولدت، يكون ولده رقيقا تبعا لأمه.

стр. 4117

وَلَنَا: أَنَّهُ جُرْؤُهَا فَيَرِقُ بِرِقْهَا، وَالمُسلِمُ مَحَلٌّ لِلتَّمَلُّكِ تَبَعًا لِغَيْرِهِ بِخِلَافِ المُنفَصِلِ، لِأَنَّهُ حُرٌّ لِانعِدَامِ الجُزئِيَّةِ عِنْدَ ذَلِكَ (وَأَولَادُهُ الكِبَارُ فَيءٌ) لِأَنَّهُم كُفَّارٌ حَربِيُّونَ وَلَا تَبَعِيَّةَ (وَمَنْ قَاتَلَ مِنْ عَبِيدِهِ فَيءٌ) لِأَنَّهُ لَمَّا تَمَرَّدَ عَلَى مَولَاهُ خَرَجَ مِنْ يَدِهِ فَصَارَ تَبَعًا لِأَهْلِ دَارِهِم وَمَا كَانَ مِنْ مَالِهِ فِي يَدِ حَربِيٌّ فَهُوَ فَيءٌ غَصبا كَانَ أَوْ قوله: (وأولاده الكبار فيء)، ولا نعلم فيه خلافا. قوله: (ومن قاتل من عبيده فهو فيء) خلافا للأئمة الثلاثة. قوله: (وما كان من ماله في يد حربي … ) إلى آخره. وقالت الأئمة الثلاثة: كل مال له في دار الحرب كان له لإطلاق هذا الحديث كقول محمد وأبي يوسف؛ إن كان وديعة عند حربي؛ لأن يد المودع كيده فلو كانت في يده حقيقة لا يكون فيئا؛ فكذا إذا كانت في يده حكما بخلاف الغصب؛ لأنه ليس في يده حقيقة ولا حكما. ولأبي حنيفة؛ أن يد المودع هاهنا ليست بيد صحيحة محترمة فإنها لا تدفع استغنام المسلمين عن ماله؛ فكذا عن هذه الوديعة فصار كغصب في يده أو يد مسلم أو ذمي؛ لأنه مال مباح لا يد لأحد عليه لا حقيقة ولا حكما. فإن قيل: لما قام يد الحربي مقام الذي أسلم؛ لأنه يودعه بعمل بوصف الأصل وهو يد المسلم لا بوصف نفسه كالتراب لما قام مقام (١) الماء عَمِلَ عَمَلَ الماء، لا عمل نفسه؛ فينبغي ألا يعتبر عدم احترام يد الحربي. قلنا: عصمة المال تبع بعصمة مالكه، أما بالنظر إلى نفس المال ليس له عصمة؛ لما أن الأصل في المال الإباحة قال تعالى: ﴿خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ﴾ الآية [البقرة: ٢٩]. ثم تبعية المال للمالك في العصمة إنما تثبت أن لو ثبتت يد المالك المعصوم حقيقة أو حكمًا مع الاحترام (٢)؛ لما أن في ثبوت يده حكما بدون

стр. 4118

وَدِيعَة؛ لِأَنَّ يَدَهُ لَيسَت بِمُحْتَرَمَة (وَمَا كَانَ غَصبًا فِي يَدِ مُسلِم أَوْ ذِمِّيِّ، فَهُوَ فَيءٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، (*) وَقَالَ مُحَمَّدٌ: لَا يَكُونُ فَيْئًا) قَالَ العَبدُ الضَّعِيفُ اللهُ: كَذَا ذَكَرَ الاخْتِلَافَ فِي «السِّيَرِ الكَبِيرِ». وَذَكَرُوا فِي شُرُوحِ الجَامِعِ الصَّغِيرِ قَولَ أَبِي يُوسُفَ مَعَ مُحَمَّد. لهُمَا: أَنَّ المَالَ تَابِعُ لِلنَّفْسِ، وَقَدْ صَارَت مَعصُومَة بِإِسْلَامِهِ فَيَتَبَعُهَا مَالُهُ فِيهَا. وَلَو أَنَّهُ مَالٌ مُبَاحٌ فَيُمْلَكُ بِالاستيلاء، وَالنَّفْسُ لَم تَصِر مَعصُومَة بِالإِسْلَامِ؛ أَلَا تَرَى أَنَّهَا لَيسَت بِمُتَقَوِّمَة، إِلَّا أَنَّهُ مُحرَّمُ التَّعَرُّضُ فِي الأَصلِ لِكَونِهِ مُكَلَّفًا، وَإِبَاحَةُ التَّعَرُّضِ بِعَارِضِ شَرِّهِ الاحترام تعارضه جهة الإباحة الأصلية فلم تثبت العصمة؛ لأن العصمة أمر عارض فلا تثبت عند معارضة الدليلين، ولأن قيام يد المودع في الوديعة حقيقية، وقيام يد المالك عليها حكمي؛ فاعتبار الحكمي إن أوجب العصمة واعتبار الحقيقة يمنع والعصمة لم تكن ثابتة فلا تثبت بالشك إليه، أشار قاضي خان والمرغيناني. قوله: (وَقَالَ مُحَمَّدٌ: لَا يَكُونُ فَيْئًا)، وفي النهاية: وفي بعض النسخ: (وقالا: لا يكون فيئا ولكن ما هو صحيح؛ لأن قوله: (قال العبد الضعيف: هكذا ذكر الاختلاف) … إلى قوله قول أبي يوسف مع محمد) يكون تكرارًا محضا بلا فائدة ولكن بتعب (١) وجدت الصحيح الفسخ؛ فهو فيء عند أبي حنيفة بذكر أبي يوسف. وقال محمد: لا. وقال: لأن رواية السير الكبير للسَّرَخْسِي والمحيط وجامع البزدوي وقاضي خان وغيرها هكذا. قوله: (وَالنَّفْسُ لَمْ تَصِرْ مَعْصُومَةً بِالْإِسْلَامِ؛ ولهذا لم يجب القصاص أو الدية على عاقلتها في دار الحرب بالنص. (إلا أنه)؛ أي النفس خلقت محترمة (التعرض في الأصل)؛ لأنه مكلفا)، ولا يتهيأ التقضي عن عهدة التكليف إلا بحرمة التعرض، ولأن الآدمي بنيان الرب فلا يجوز تعرضه، وحل التعرض بعارض شر الحراب، فإذا اندفع بالإسلام عادت حرمة التعرض بالإتمام، أما المال فخلق عرضة (٢) للابتذال؛ فكان محلا للتملك في الأصل. و (حرمة) التعرض (بعارض) وقوعه في اليد المحترمة، وهي يد المالك ويد

стр. 4119

وَقَدْ اندَفَعَ بِالإِسْلَامِ، بِخِلَافِ المَالِ؛ لِأَنَّهُ خُلِقَ عُرضَةً لِلامْتِهَانِ، فَكَانَ مَحَلًّا لِلتَّمَلُّكِ وَلَيسَت فِي يَدِهِ حُكمًا فَلَم تَثبت العِصمَةُ. (وَإِذَا خَرَجَ المُسلِمُونَ مِنْ دَارِ الحَربِ لَم يَجُز أَنْ يَعلِفُوا مِنْ الغَنِيمَةِ، وَلَا يَأْكُلُوا مِنهَا) لِأَنَّ الضَّرُورَةَ قَدْ ارتَفَعَت، وَالإِبَاحَةُ بِاعْتِبَارِهَا، وَلِأَنَّ الحَقَّ قَدْ تَأَكَّدَ حَتَّى يُوَرِّثَ نَصِيبَهُ وَلَا كَذَلِكَ قَبْلَ الإِحْرَاجِ إِلَى دَارِ الإِسْلَامِ (وَمَنْ فَضَلَ مَعَهُ عَلَفٌ أَوْ طَعَامٌ رَدَّهُ إِلَى الغَنِيمَةِ) مَعْنَاهُ: إِذَا لَم تُقَسَّم. وَعَنْ الشَّافِعِيِّ مِثْلُ قَولِنَا. وَعَنهُ: أَنَّهُ لَا يَرُدُّ اعْتِبَارًا بِالمُتَلَصِّصِ. وَلَنَا: أَنَّ الاِختِصَاصَ ضَرُورَةُ الحَاجَةِ وَقَدْ زَالَت، بِخِلَافِ المُتَلَصِّصِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ أَحَقَّ بِهِ قَبْلَ الإِحْرَازِ فَكَذَا بَعدَهُ، وَبَعدَ القِسْمَةِ تَصَدَّقُوا بِهِ إِنْ كَانُوا أَغْنِيَاءَ، وَانتَفَعُوا بِهِ إِنْ كَانُوا مَحَاوِيجَ، لِأَنَّهُ صَارَ فِي حُكمِ اللُّقَطَةِ لِتَعَذَّرِ الرَّدِّ عَلَى الغَانِمِينَ، وَإِنْ كَانُوا انتَفَعُوا بِهِ بَعدَ الإِحْرَازِ تُرَدُّ قِيمَتُهُ إِلَى الْمَعْنَمِ إِنْ كَانَ لَم يُقَسَّم، وَإِنْ قُسِّمَت الغَنِيمَةُ فَالغَنِيُّ يَتَصَدَّقُ بِقِيمَتِهِ، وَالفَقِيرُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ لِقِيَامِ القِيمَةِ مَقَامَ الأَصْلِ فَأَخَذَ حُكمَهُ. من أقامها المالك مقام يده بالإيداع، ولم توجد فلم تثبت العصمة. قوله: (وليست)؛ أي المال على تأويل الأموال. قوله: (وعن الشافعي مثل قولنا) وبه قال مالك وأحمد. (وعنه)؛ أي عن الشافعي في قول: (اعتبارًا بالمتلصص) بأن دخل واحد [أو (١)] اثنان في دار الحرب، وأخذ شيئا ثم أخرجه فهو له؛ لأنه مال مباح سبقت يده فكذا هذا. وقلنا: مال تعلق به حق الغانمين والاختصاص من ضرورة الحاجة، وقد زالت. قوله: (تصدقوا به)؛ أي بما فضل إن كان قائما ويضمنه إذا كانوا باعوه. قال الزرنوجي: يقال رجل محوج أي محتاج وقوم محاوج. وفي المغرب (٢): المحاويج: المحتاجون، عامي. قوله: (لِتَعَذَّرِ الرَّدِّ)؛ لتفرقهم.

стр. 4120

فَصْلٌ فِي كَيْفِيَّةِ القِسْمَةِ قَالَ: (وَيَقْسِمُ الإِمَامُ الغَنِيمَةَ فَيُخْرِجُ خُمُسَهَا) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: ٤١] استثنى الخُمُسَ (وَيَقْسِمُ الأَربَعَةَ الأَحْمَاسِ بَينَ الغَانِمِينَ) «لِأَنَّهُ ﵊ قَسَّمَهَا بَينَ الغَانِمِينَ» (ثُمَّ لِلفَارِسِ سَهمَانِ، وَلِلرَّاجِلِ سَهِمْ) عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - (وَقَالَا: لِلفَارِسِ ثَلَاثَةُ أَسهُم) (*) وَهُوَ قَولُ الشَّافِعِيِّ ﵀، لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ ﵁ «أَنَّ النَّبِيَّ ﵊ أَسْهَمَ لِلفَارِسِ ثَلَاثَةَ أَسهُم وَلِلرَّاجِلِ سَهْمًا» وَلِأَنَّ الاستحقاقَ بِالغِنَاءِ، وَغِنَاؤُهُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَمْثَالِ الرَّاجِلِ؛ لِأَنَّهُ لِلكَرِّ وَالفَرِّ وَالثَّبَاتِ، وَالرَّاجِلُ لِلثَّبَاتِ لَا غَيْرُ. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ ﵀ مَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسِ ﵄ «أَنَّ النَّبِيَّ ﵊ أَعْطَى الفَارِسَ سَهِمَينِ فصل في كيفية القسمة لما بين أحكام الغنائم ثم شرع في بيان قسمتها، والقسمة: عبارة عن جمع النصيب الشائع في محل معين. قوله: (استثنى)؛ أي أخرج (الخمس) من أن يثبت حق الغانمين فيه فكان استثناء معنى لا لفظا، ويحتمل أن تكون من استثنيت الشيء؛ أي زويته لنفسي وهو من ثنى العود إذ جفاه وعطفه أي استبقى الله الخمس لنفسه بقوله ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: ٤١]. قوله: (عند أبي حنيفة) وبه قال زفر. (وقالا)؛ أي أبو يوسف ومحمد وبه قال الشافعي ومالك وأحمد والليث وأبو ثور وأكثر أهل العلم لما روي أن عمر ﵁ أسهم يوم خيبر للراجل سهم وللفارس ثلاثة أسهم متفق عليه، ولا خلاف أن للراجل سهم، وعن ابن عباس مثله. (ولأن الاستحقاق بالغناء) بالفتح والمد الآخر والكفاية. و (غناؤه)؛ أي غنا الفرس. (للكر): الصولة والحملة، و (الفر): بمعنى الفرار، والفرار في موضع الفرار محمود؛ كيلا يرتكب النهي المذكور في قوله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى النَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥].

стр. 4121

وَالرَّاحِلَ سَهمًا فَتَعَارَضَ فِعلَاهُ، فَيُرجَعُ إِلَى قَولِهِ وَقَدْ قَالَ ﵊: «لِلفَارِسِ سَهمَانِ وَلِلرَّاجِلِ سَهمًا» كَيْفَ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنهُمَا - «أَنَّ النَّبِيَّ ﵊ قَدَّمَ لِلفَارِسِ سَهمَينِ وللراجلَ سَهما» وَإِذَا تَعَارَضَت رِوَايَتَاهُ تُرَجَّحَ رِوَايَةُ غَيْرِهِ، وَلِأَنَّ الكَرَّ وَالفَرَّ مِنْ جِنس وَاحِد، فَيَكُونُ غِنَاؤُهُ مِثْلَي غِنَاءِ الرَّاجِلِ فَيَفْضُلُ عَلَيْهِ بِسَهم، وَلِأَنَّهُ تَعَذَّرَ اعْتِبَارُ مِقدَارِ الزِّيَادَةِ لِتَعَذُّرِ قوله: (رِوَايَتَاهُ)؛ أي روايتا ابن عمر؛ فإن عبيد الله روى عن نافع عن ابن عمر أنه ﵇ قسم للفارس سهمين سهمًا له وسهما لفرسه، وعبيد الله أوثق من أخيه عبد الله، ولئن استويا تعارضا فتداخل برواية ابن عباس على أن فعله ﵇ تعارضا فبقي لنا قوله ﵇: «للفارس سهمان وللراجل سهم» كذا ذكره في الأسرار. وما قاله الخصم: إن حديث ابن عمر أصح، وتأويله حديث ابن عباس أن المراد أعطى للفارس سهمين لفرسه غير قوي؛ لما ذكرنا من رواية عبيد الله ويعارض رواية ابن عمر، ولو كان المراد ما قاله الخصم: ينبغي أن يقول سهم له وسهمين لفرسه؛ لأنه في بيان الاستحقاق، وتأويلنا حديث ابن عمر إن صح أن تحمل الزيادة على النفل فكان الواحد متيقنا؛ فالأخذ به أولى من المشكوك. قوله: (من جنس واحد)؛ لأن الفرار إنما يحمد للكر لا لذاته فلا يكون الفرار نوعا آخر؛ بل زيادة (غناء) في نوعه، و (الزيادة) لا تتعلق بزيادة الغناء في نوعه؛ إذ بعضهم لا بد أن يكون أغنى من بعض فذو سلاح أغنى من غيره فكان غناء الفرس مثل غناء الراجل، ولأن الفرس تبع الرجل فلا يزاد سهم عليه، ولأنه تعذر اعتبار مقدار الزيادة؛ فإن الفارس قد يزيد على فارس آخر في الغناء والكفاية. وكذا الراجل على راجل آخر فلم تعتبر تلك الزيادة لتعذر الوقوف عليها؛ لأن ذلك إنما يظهر عند المسايفة والمقاتلة عند التقاء الصفين؛ فكل منهم مشغول بشأنه في ذلك الوقت فلما تعذر الوقوف أدير الحكم بزيادة الغناء على السبب الظاهر، وهو مجرد كونه فارسا وكونه راجلا إليه أشار في الأسرار.

стр. 4122

مَعرِفَتِهِ، فَيُدَارُ الحُكمُ عَلَى سَبَب ظَاهِر، وَلِلفَارِسِ سَبَبَانِ النَّفْسُ وَالفَرَسُ، وَلِلرَّاجِلِ سَبَبٌ وَاحِدٌ، فَكَانَ اسْتِحقَاقُهُ عَلَى ضَعْفِهِ (وَلَا يُسْهِمُ إِلَّا لِفَرَسِ وَاحِدٍ) وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: يُسهِمُ لِفَرَسَينِ (*)، لِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَسْهَمَ لِفَرَسَينِ وَلِأَنَّ الوَاحِدَ قَدْ يَعيَا فَيَحتَاجُ إِلَى الْآخَرِ، وَلَهُمَا: «أَنَّ البَرَاءَ ابْنَ أَوسٍ قَادَ فَرَسَينِ فَلَم يُسهِم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَّا لِفَرَسٍ وَاحِدٍ» وَلِأَنَّ القِتَالَ لَا يَتَحَقَّقُ بِفَرَسَينِ دَفعَة وَاحِدَة، فَلَا يَكُونُ السَّبَبُ الظَّاهِرُ مُفضِيًا إِلَى القِتَالِ عَلَيْهِمَا فَيُسهِمُ لِوَاحِدٍ، وَلِهَذَا لَا يُسهِمُ لِثَلَاثَةِ أَفرَاسٍ، وَمَا رَوَاهُ مَحْمُولٌ عَلَى التَّنْفِيلِ كَمَا أَعْطَى سَلَمَةَ بْنَ الأَكوَعِ سَهمَينِ وَهُوَ رَاجِلٌ وَالبَرَاذِينُ وَالعِتَاقُ سَوَاءٌ لِأَنَّ الإِرْهَابَ قوله: (ولا يسهم إلا لفرس واحد) وبه قال الشافعي ومالك. وقال أبو يوسف: يسهم لفرسين وبه قال أحمد؛ لأنه ﵇ أسهم للزبير خمسة أسهم سهم له وسهمين لكل واحد من فرسيه (١). (ولأن الواحد قد يعيا فيحتاج في القتال … ) إلى آخر، ولنا أنه ﵇ لم يسهم لصاحب الأفراس يوم خيبر. قوله: (السبب الظاهر) وهو مجاوزة الدرب بفرسين مُفضيًا إلى القتال على فرسن؛ فلم يعتبر الفرس الآخر لامتناعه على الفرسين فيعتبر الابتداء بالانتهاء في أمر القتال؛ لأن إرهابهم إنما يحصل لخوفهم عاقبة أمرهم من القتال معهم على الأفراس، والقتال لا يتصور على فرسين إليه أشار في الأسرار. قوله: (وما رواه … )؛ أي أبو يوسف من حديث الزبير بطريق التنفيل كما روي أنه ﵇ أعطى لسلمة بن الأكوع سهمين وكان راجلا للتنفيل لجده في القتال فإنه ﵇ قال: «خيرُ رَجَالِتنا سلمة بن الأكوع، وخيرُ فُرساننا أبو قتادة» (٢)، وروي أن سلمة بن الأكوع كان يعدو عَدْوَ الفرس. قوله: (والبراذين والعتاق) بكسر العين البرذون واحد البراذين، وهو فرس

стр. 4123

مُضَافٌ إِلَى جِنسِ الخَيلِ فِي الكِتَابِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ [الأنفال: ٦٠] وَاسْمُ الخَيلِ يَنْطَلِقُ عَلَى البَرَاذِينِ وَالعِرَابِ وَالهَجِينِ وَالمَعْرِفِ إطلاقًا وَاحِدًا، وَلِأَنَّ العَرَبِيَّ إِنْ كَانَ فِي الطَّلَبِ وَالهَرَبِ أَقوَى فَالبرذُونُ أَصَبْرُ وَأَليَنُ عَطفاً، فَفِي كُلِّ وَاحِدِ مِنْهُمَا مَنفَعَةٌ مُعتَبَرَةٌ فَاسْتَوَيَا. العجم، والعِتاق؛ كِرامُ الخيل العربي، والهجين: ما يكون أبوه من البراذين وأمه من العربي. وقال في المغني (١) لابن قدامة: ما يكون أبوه عربيًا وأمه برذونة، والمقرف ما يكون أبوه عربيا وأمه برذونة. وفي المغني على عكس ذلك. قال الأوزاعي: لا يسهم للبرذون، ويسهم للمقرف سهم وللهجين سهم واحد. وقال أحمد: يسهم لما عدا العربي سهم واحد. وعن أبي يوسف: روايتان في رواية مثل قول العامة، وفي رواية مثل قول أحمد؛ لما روى مكحول أنه ﵇ أعطى للعربي سهمين، وللهجين سهما. وعن أبي موسى الأشعري أنه كتب عمر ﵁ إليه أن من البراذين ما قارب العتاق فاجعل له سهماً واحداً. وفي المبسوط (٢): وغيره إنما ذكر محمد هذا؛ لأن أهل الشام يقولون لا يسهم للبراذين وزوروا فيه حديثا شاذًا وحجتنا ما ذكر في الكتاب. قوله: (وَأَلْيَنُ عَطْفًا) - بفتح العين وكسرها ومعنى الفتح الإمالة، وبالكسر الجانب. ولا يسهم الراحلة ولا بغل باتفاق العلماء؛ لأن الإرهاب لا يحصل بهما إذ لا يقاتل عليهما. ومن غزا على بعير لا يسهم له ولبعيره عند أكثر أهل العلم وهو رواية عن أحمد واختاره أبو الخطاب. عن أحمد: يسهم للبعير سهم فرس؛ لظاهر قوله تعالى: ﴿فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلِ وَلَا رِكَابِ﴾ [الحشر: ٦].

стр. 4124

(وَمَنْ دَخَلَ دَارَ الحَرْبِ فَارِسًا فَنَفَقَ فَرَسُهُ اسْتَحَقَّ سَهِمَ الفُرْسَانِ، وَمَنْ دَخَلَ رَاجِلًا فَاشْتَرَى فَرَسًا استَحَقَّ سَهمَ رَاجِلٍ) وَجَوَابُ الشَّافِعِيِّ عَلَى عَكْسِهِ فِي الفَصْلَينِ، وَهَكَذَا رَوَى ابنُ المُبَارَكِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ فِي الفَصْلِ الثَّانِي أَنَّهُ يَسْتَحِقُّ سَهِمَ الفُرْسَانِ. وَالحَاصِلُ: أَنَّ المُعتَبَرَ عِنْدَنَا حَالَةُ المُجَاوَزَةِ، وَعِندَهُ: حَالَةُ انْقِضَاءِ الحَربِ، لَهُ: أَنَّ السَّبَبَ هُوَ القَهْرُ وَالقِتَالُ فَيُعتَبَرُ حَالُ الشَّخصِ عِندَهُ، وَالمُجَاوَزَةُ وَسِيلَةٌ إِلَى السَّبَبِ كَالخُرُوجِ مِنْ البَيتِ، وَتَعلِيقِ الأَحكَامِ بِالقِتَالِ يَدُلُّ عَلَى إِمْكَانِ الوُقُوفِ عَلَيْهِ، وعنه أنه إن عجز عن الفرس وغزا عليه يسهم له سهم واحد كالبرذون. والصحيح قول العامة؛ لأنه ﵇ ما أسهم لغير الخيل، وقد كان معه يوم بدر سبعون بعيرا، ولم يَخلُ غزو من غزواته ﵇ عن إبل وكذا من بعده من خلفائه، وأنه لا يتمكن صاحبه من الكر والفر فكان كالبغل. قوله: (في الفصل الثاني) وهو ما إذا دخل راجلا واشترى فرسا وقاتل عليه. (حالة المجاوزة)؛ أي مجاوزة الدرب وهو الفاصل بين دار الإسلام ودار الحرب، والدرب لغة الباب الواسع على السكة، وعلى كل مدخل من مداخل الروم درب من دروبها ذكره في المغرب (١)، والمراد الموضع الفاصل بين الدارين. (وعنده)؛ أي عند الشافعي حالة انقضاء الحرب، وهو رواية عنه، والظاهر المشهور عنده شهود الوقعة، وبه قال مالك وأحمد. قوله: (كالخروج)؛ أي الخروج (من البيت) للقتال وسيلة إلى السبب كالمجاوزة، ثم عند الخروج لا يعتبر حال الغازي فكذا في هذه الوسيلة وهي المجاوزة. قوله: (وتعليق الأحكام بالقتال) إلى آخره، هذا جواب عن قولنا: (أن الحقيقة (٢) على حقيقة القتال متعسر) فقال: ولو كان متعسرا لما تعلقت الأحكام لوجود القتال حالة (شهود الوقعة) وقد تعلقت؛ فإن الصبي إذا قاتل يرضخ له

стр. 4125

وَلَو تَعَذَّرَ أَوْ تَعَسَّرَ تَعَلَّقَ بِشُهُودِ الوَقعَةِ؛ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ إِلَى القِتَالِ وَلَنَا: أَنَّ المُجَاوَزَةَ نَفْسَهَا قِتَالٌ، لِأَنَّهُ يَلْحَقُهُم الخَوفُ بِهَا وَالحَالُ بَعدَهَا حَالَةُ الدَّوَامِ وَلَا مُعتَبَرَ بِهَا؛ وَلِأَنَّ الوُقُوفَ عَلَى حَقِيقَةِ القِتَالِ مُتَعَسِّرٌ؛ وَكَذَا عَلَى شُهُودِ وإلا لا، وكذا العبد والمرأة والذمي والتاجر؛ فعلم أن القتال في تلك الحالة مما يمكن الوقوف عليه. وقوله: (ولو تعذر)؛ أي الوقوف عليه (أو تعسر)؛ يعني لو كان الوقوف على القتال في هذه الحالة متعذرًا أو متعسرا؛ تعلق حكم كونه فارسا أو راجلا بحالة وهي أقرب إلى القتال أولى لا بمجاوزة الدرب؛ لأن المجاوزة قد تكون لغير القتال. (ولنا أن المجاوزة نفسها قتال)، وهذا لأن القتال: اسم لفعل يقع به غيظ العدو وإرهابهم، ودخول دارهم بالشوكة والقوة سبب لإرهابهم وغيظهم، قال تعالى: ﴿وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ [الأنفال: ٦٠] وقال تعالى: ﴿وَلَا يَطَعُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ﴾ [التوبة: ١٢٠]. (فمتى)؛ أي المجاوزة قتال، فمتى وجد أصل القتال فارس لم يتغير حكمه بتغير أحوالهم بعد ذلك؛ لأن المنظور أصل القتال لا دوامه؛ لأنه لا يمكن تعلق الحكم بدوامه؛ لأن الفارس لا يمكنه أن يقاتل فارسًا دائما؛ لأنه لا بد له من النزول في بعض المضايق خصوصا في المَشْجَرَةِ أو في الغَيْضَةِ أو في الحصن أو في البحر كذا في مبسوط فخر الإسلام. وهو معنى قوله: (ولا معتبر بها)؛ أي بحالة الدوام بالإجماع، ولأنه ينشر الخبر في دارهم أنه دخل كذا كذا فارسًا فيعتبر حال الشخص عندهم أو (لأن الوقوف على حقيقة القتال متعسر)؛ لأنه يشق على الإمام اعتبار حالهم عند القتال وعند شهود الوقعة؛ لأنه حال التقاء (١) الصفين، واشتغال كل بنفسه فأقمنا السبب الظاهر الذي تيسر الوقوف عليه (٢) مقام حقيقة القتال؛ لأن الإمام يمكنه ولا يتعسر عليه أن يكتب أساميهم يعني الفرسان والرجالة عند المجاوزة.

стр. 4126

الوَقعَةِ، لِأَنَّ حَالَ التِقَاءِ الصَّفَّينِ، فَتُقَامُ المُجَاوَزَةُ مَقَامَهُ، إِذْ هُوَ السَّبَبُ المُفضِي إِلَيْهِ ظَاهِرًا إِذَا كَانَ عَلَى قَصدِ القِتَالِ، فَيُعتَبَرُ حَالُ الشَّخصِ بِحَالَةِ المُجَاوَزَةِ فَارِسًا كَانَ أَوْ رَاجِلًا. وَلَو دَخَلَ فَارِسًا وَقَاتَلَ رَاجِلًا لِضِيقِ المَكَانِ يَسْتَحِقُّ سَهِمَ الفُرْسَانِ بِالاتِّفَاقِ، وَلَو دَخَلَ فَارِسًا ثُمَّ بَاعَ فَرَسَهُ أَوْ وَهَبَ أَوْ أَجْرَ أَوْ رَهَنَ، فَفِي رِوَايَةِ الحَسَنِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ يَسْتَحِقُّ سَهمَ الفُرْسَانِ اعْتِبَارًا لِلمُجَاوَزَةِ. وَفِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ: يَستَحِقُّ سَهمَ الرَّجَالَةِ، لِأَنَّ الإِقدَامَ عَلَى هَذِهِ التَّصَرُّفَاتِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَم يَكُنْ مِنْ قَصدِهِ بِالمُجَاوَزَةِ القِتَالُ فَارِسًا. وَلَو بَاعَهُ بَعدَ الفَرَاغِ لَم يَسقُط سَهُمُ الفُرسَانِ، وَكَذَا إِذَا بَاعَ فِي حَالَةِ القِتَالِ عِنْدَ البَعضِ. وَالأَصَحُ: أَنَّهُ يَسقُطُ، لِأَنَّ البَيعَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ غَرَضَهُ التِّجَارَةُ فِيهِ إِلَّا أَنَّهُ يَنتَظِرُ عِزَّتَهُ (وَلَا يُسهِمُ لِمَملُوك وَلَا امْرَأَة وَلَا صَبِيٌّ وَلَا ذِمِّي، وَلَكِن يُرْضَخُ لَهُمْ عَلَى (بعد الفراغ)؛ أي الفراغ من (القتال) ثم يسقط سهم الفرسان بالإجماع. وفي المحيط: لو جاوز الدرب بفرس لا يستطيع القتال عليه؛ لكبره أو لصغره أو لكونه مهزولاً لا يستحق سهم الفرسان، وإن كان مريضا فعلى التفصيل المذكور فيه، ولو جاوزها على فرس مغصوب أو مستعار أو مستأجر، ثم استرد المالك وشهد الوقعة راجلا ففيه روايتان يستحق سهم الرجالة، وفي رواية سهم الفرسان. وقال الشافعي ومالك وأحمد: لو شهد الوقعة بفرس لا يستطيع عليه القتال، لا يسهم لفرسه ولو كان أعجف عند مالك وأحمد؛ لا يسهم له وبه قال الشافعي في قول وقال في قول: يُسهم له كالمريض. قوله: (ولكن يُرضخ لهم) وبه قالت الأئمة الثلاثة وأكثر أهل العلم. وعن أحمد؛ في رواية يرضخ للكافر إن قاتل بإذن الإمام، وبغير إذن الإمام؛ لما روي أنه ﵇ استعان بناس من اليهود فأعطى لهم سهما. وروي أن صفوان بن أمية خرج مع النبي ﵇ مع شركه يوم حنين فأسهم له من سهم المؤلفة. وقلنا: الكافر ليس من أهل الجهاد فلا يستحق السهم وما رواه: رضخ؛

стр. 4127

حَسَبِ مَا يَرَى الإِمَامُ) لِمَا رُوِيَ «أَنَّهُ ﵊ كَانَ لَا يُسْهِمُ لِلنِّسَاءِ وَالصَّبْيَانِ وَالعَبِيدِ وَكَانَ يَرضَخُ لَهُمْ» وَلَمَّا اسْتَعَانَ ﵊ بِاليَهُودِ عَلَى اليَهُودِ لَم يُعطِهِم شَيْئًا مِنْ الغَنِيمَةِ. يَعْنِي: أَنَّهُ لَم يُسهِم لَهُم، وَلِأَنَّ الجِهَادَ عِبَادَةٌ، وَالذُّمِّيُّ لَيسَ مِنْ أَهلِ العِبَادَةِ، وَالصَّبِيُّ وَالمَرأَةُ عَاجِزَانِ عَنهُ وَلِهَذَا لَم يَلحَقَهُمَا فَرضُهُ، وَالعَبدُ لَا يُمَكِّنُهُ المَوْلَى وَلَهُ مَنعُهُ، إِلَّا أَنَّهُ يَرضَخُ لَهُمْ تَحْرِيضًا عَلَى الْقِتَالِ مَعَ إِظْهَارِ انحطاط رُتبَتِهِم، وَالمُكَاتَبُ بِمَنزِلَةِ العَبدِ لِقِيَامِ الرِّقِّ وَتَوَهُم عَجزِهِ فَيَمْنَعُهُ المَوْلَى عَنْ الخُرُوجِ إِلَى القِتَالِ، ثُمَّ العَبْدُ إِنَّمَا يُرْضَخُ لَهُ إِذَا قَاتَلَ، لِأَنَّهُ دَخَلَ لِخِدمَةِ المَوْلَى فَصَارَ كَالتَّاجِرِ، وَالمَرأَةُ يُرضَخُ لَهَا إِذَا كَانَتْ تُدَاوِي الجَرحَى، وَتَقُومُ عَلَى المَرضَى، لِأَنَّهَا عَاجِزَةٌ عَنْ حَقِيقَةِ القِتَالِ فَيُقَامُ هَذَا النَّوعُ مِنْ الإِعَانَةِ مَقَامَ الْقِتَالِ، لما روي أنه ﵇ لم يعطهم شيئا من الغنيمة، ولو كان سهما ينبغي أن يعطيهم من الغنيمة فعلم أنه ﵇ رضخ لهم. وقال مالك: يسهم للصبي المراهق إذا أطاق القتال لأنه من أهل الجهاد. والرضخ من أين يكون؟ قال الشافعي في قول وأحمد في رواية: من الغنيمة وبه قال أصحابنا، وقال في قول: من خُمْسِ الخُمُس. وقال مالك: الرضخ من الخُمُس، وهل يستعان بالكافر في القتال عند الحاجة؟ فعندنا وأحمد يستعان؛ [لما روي من استعانة النبي ﵇ بناس من اليهود وبصفوان بن أمية وبه قال الشافعي، وقال ابن المنذر وجماعة من أهل العلم] (١): لا يستعان الكافر؛ لما روي أنه ﵇ قال: «إِنَّا لَا نَستَعينُ بالمُشركين على المشركين» (٢)، وما ذكر أنه استعان بهم غير ثابت. وقلنا: بل هو ثابت ذكره الثقات المشهورون وما رواه غير مشهور، ولئن ثبت؛ فهو محمول على زجر قوم معين يريد إسلامهم. قوله: (لأنها عاجزة عن حقيقة القتال)، قيد به؛ لأنها غير عاجزة عن شبهة

стр. 4128

بِخِلَافِ العَبْدِ؛ لِأَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى حَقِيقَةِ القِتَالِ، وَالذُّمِّيُّ إِنَّمَا يُرْضَخُ لَهُ إِذَا قَاتَلَ، أَوْ دَلَّ عَلَى الطَّرِيقِ، وَلَم يُقَاتِل لِأَنَّ فِيهِ مَنفَعَةً لِلمُسلِمِينَ، إِلَّا أَنَّهُ يُزَادُ عَلَى السَّهِم فِي الدَّلَالَةِ، إِذَا كَانَتْ فِيهِ مَنفَعَةٌ عَظِيمَةٌ، وَلَا يَبْلُغُ بِهِ السَّهِمَ إِذَا قَاتَلَ؛ لِأَنَّهُ جِهَادٌ، وَالأَوَّلُ لَيسَ مِنْ عَمَلِهِ وَلَا يُسَوِّي بَينَهُ وَبَينَ المُسلِمِ فِي حُكمِ الجِهَادِ. (وَأَمَّا الخُمُسُ فَيُقَسَّمُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَسهُم: سَهم لِليَتَامَى، وَسَهِمْ لِلمَسَاكِينِ، وَسَهُمْ لِابْنِ السَّبِيلِ، يَدخُلُ فُقَرَاءُ ذَوِي القُربَى فِيهِمْ وَيُقَدَّمُونَ، وَلَا يُدفَعُ إِلَى أَغْنِيَائِهِم) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَهُمْ خُمُسُ الخُمُسِ القتال وهو الأمان فإن أمانها يصح بلا خلاف. قوله: (ولا يبلغ به)؛ أي برضخ الكافر سهم المؤمن، ولا نعلم فيه خلافًا. وقوله: (أسهم) بالرفع؛ لأنه مفعول بلا واسطة حرف وهو يقام مقام الفاعل. قوله: (والأول)؛ أي الدلالة ليس من عمله؛ أي عمل الجهاد، ولما كان كذلك كانت الدلالة عملا كسائر الأعمال؛ فيبلغ آخره بالغا ما بلغ. قوله: (يدخل فقراء ذوي القربى فيهم)؛ أي في هذه الأصناف الثلاثة. قال العلامة بدر الكردري: معنى هذا القول؛ أي أيتام ذوي القربى، ومساكين ذوي القربى يدخلون في سهم المساكين، وأبناء السبيل يدخلون في سهم ابن السبيل؛ لما أن سبب الاستحقاق في هذه الأصناف الثلاثة مصارف الخمس عندنا، لا على سبيل الاستحقاق حتى لو صرف إلى صنف واحد منهم جاز كما في الصدقات. قوله: (وقال الشافعي لهم خُمُسُ الخُمُسِ)؛ أي لذي القربى خمس الخمس فإن عند الشافعي يقسم الخمس على خمسة أسهم للنبي ﵇ في حياته، وبعد مماته يصرفه الإمام إلى مصالح الدين على ما يرى وبه قال أحمد وعن الشافعي أنه يردّ سهم النبي بعده على سائر الأصناف. وحكى ابن المنذر قولا ثالثا؛ أنه يكون للأئمة بعده؛ أي الخليفة. وقال مالك: تفرقة الخمس على الإمام يفرقه فيما يشاء، وسهم اليتامى لكل

стр. 4129

يَسْتَوِي فِيهِ غَنِيُّهُم وَفَقِيرُهُم، وَيُقَسَّمُ بَينَهُم لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ، وَيَكُونُ لِبَنِي هَاشِم وَبَنِي المُطَّلِبِ دُونَ غَيْرِهِم لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلِذِي الْقُرْبَى﴾ [الأنفال: ٤١] مِنْ غَيْرِ فصل بَينَ الغَنِيِّ وَالفَقِيرِ. وَلَنَا: أَنَّ الخُلَفَاءَ الأَربَعَةَ الرَّاشِدِينَ قَسَّمُوهُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَسهُم عَلَى نَحْوِ مَا قُلْنَاهُ وَكَفَى بِهِمْ قُدوَة. وَقَالَ ﵊: «يَا مَعشَرَ بَنِي هَاشِمٍ، إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى كَرِهَ لَكُمْ غُسَالَةَ النَّاسِ وَأَوسَاخَهُم وَعَوَّضَكُم مِنهَا بِخُمُسِ الخُمُسِ» صغير فقير لا أب له. ومن أصحاب الشافعي لليتيم الغني فيه حق ومذهبنا لا حَقَّ للغني من اليتيم وسهم لذي القربى (يستوي فيه غنيهم وفقيرهم يقسم بينهم) ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١١]. وقال المزني والثوري؛ يستوي فيه الذكر والأنثى ويدفع إلى القاصي والداني لإطلاق النص، (ويكون لبني هاشم وبني المطلب) فقط. والثاني؛ للفرق الثلاث لأنه ﵇ قسم الخمس على خمسة أسهم، ولا نسخ بعده فكان سهمه لنائبه بعده، وذوي القربى بالقرابة يستحق؛ لأن الحكم إذا علق بأمر مشتق كان مأخذ الاشتقاق عليه لثبوته، كما في الزاني والسارق. (فيستوي فيه غنيهم وفقيرهم) كالإرث ولا يلزم عليه اليتيم، فإن الآية في حقه مطلقة. قال: واليتامى مع أن الفقر شرط فيه عنده وعند أحمد وعندنا أيضًا؛ لأنا نقول: اسم اليتيم يبنى على الحاجة، ولهذا لو أوصى لأيتام فلان وهم لا يحصون يدخل فقراؤهم. أما ذوو القربى فإنه ﵇ أعطى العباس، وله عشرون عبدًا يتجرون في عشرين ألفا. ولنا: ما روى عن ابن عباس أن الخلفاء الراشدين كانوا يقتسمون على ثلاثة أسهم كما قلنا، وكان ذلك بمحضر من الصحابة ولم ينكر عليهم فحل محل الإجماع علم أن قسمة النبي ﵇ ما كان بطريق الحتم واللزوم بل بطريق الجواز؛ إذ لا يظن بهم خلاف رسول الله يؤيده ما قال ﵇ سهم ذوي القربى: «لهم في حال حياتي لا بعد مماتي».

стр. 4130

وَالعِوَضُ إِنَّمَا يَثْبُتُ فِي حَقٌّ مَنْ يَثْبُتُ فِي حَقِّهِ المُعَوَّضُ وَهُمْ الفُقَرَاءُ. وَالنَّبِيُّ ﵊ أَعطَاهُم لِلنُّصرَةِ؛ أَلَا تَرَى أَنَّهُ ﵊ عَلَّلَ فَقَالَ: «إِنَّهُمْ لَنْ يَزَالُوا مَعِي هَكَذَا فِي الجَاهِلِيَّةِ وَالإِسْلَامِ، وَشَبَّكَ بَينَ قوله: (والعوض إنما يستحق المعوض)، وهو الصدقة لولا القرابة واستحقاقهم للصدقة، لولا القرابة باعتبار الفقر فكذا السهم. فإن قيل: العمل بهذا الحديث خلاف مذهبكم لا يتم، قلتم بسقوط سهم ذوي القربى وجعلتم الخمس على ثلاثة أسهم. قلنا: في الحديث دليلان: أحدهما؛ إثبات العوض في المحل الذي فات عنه المعوض على ما ذكرنا. والثانية (١): جعله على خمسة أسهم ولكن قام الدليل على انعدام الحكم الثاني، وهو فعل الخلفاء الراشدين على ثلاثة أسهم كما ذكرنا، ولم يقم دليل على تغيير العوض ممن فات في حقه المعوض فقلنا به. ونظيره ما عمل الشافعي في تكرار صلاة الجنازة بحديث صلاته ﵇ على حمزة سبعين صلاة ومع أنه لا يقول بالصلاة على الشهيد ويقول: للحديث دلالتان أحدهما باقية وانتسخت الأخرى. قوله: (ألا ترى أنه قال: «لن يزالوا معي … ») الحديث، روي أنه ﵇ قسم غنائم خيبر فأعطى بني هاشم وبني المطلب، ولم يعط بني نوفل وبني عبد شمس وبني أمية، فقال عثمان، وجبير بن مطعم - وعثمان من بني عبد شمس، وجبير من بني نوفل -، فقالا: نحن لا ننكر فضل بني هاشم لمكانك الذي وضع الله فيهم، ولكن نحن وبني المطلب في القرب إليك سواء، بل بنو أمية أقرب إلى رسول الله - لأن أمية أخوها هاشم لأبيه وأمه، والمطلب أخوه لأبيه - فما بالك أعطيتهم وحرمتنا؟ فقال ﵇: «إِنَّهُمْ لَنْ يَزالوا … » (٢) الحديث.

стр. 4131

أَصَابِعِهِ» دَلَّ عَلَى أَنَّ المُرَادَ مِنْ النَّصْرِ قُربُ النُّصْرَةِ لَا قُربُ القَرَابَةِ. قَالَ: (فَأَمَّا ذِكرُ اللَّهِ تَعَالَى فِي الخُمْسِ فَإِنَّهُ لافتِتَاحِ الكَلَامِ تَبَرُّعًا بِاسْمِهِ، وَسَهِمُ النَّبِيِّ ﵊ سَقَطَ بِمَوتِهِ كَمَا سَقَطَ الصَّفِيُّ) لِأَنَّهُ ﵊ كَانَ يَسْتَحِقُّهُ بِرِسَالَتِهِ وَلَا رَسُولَ بَعدَهُ، وَالصَّفِيُّ شَيْءٌ كَانَ ﵊ يَصْطَفِيهِ لِنَفْسِهِ مِنْ الغَنِيمَةِ مِثْلَ دِرعٍ أَوْ سَيْفٍ أَوْ جَارِيَةٍ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يُصْرَفُ سَهمُ الرَّسُولِ إِلَى الخَلِيفَةِ، وَالحُجَّةُ عَلَيْهِ مَا قَدَّمْنَاهُ والشبك؛ الخلط والتداخل ومنه تشبيك الأصابع كذا في الصحاح (١)؛ فعلم أن المراد قرب النصرة لا قرب القرابة وهذا جواب عن قول الشافعي: أن مأخذ الاشتقاق … إلى آخره. فإن قيل: لو كان المراد قرب النصرة ينبغي ألا تستحق النساء والذراري؛ لأنهم ليسوا بأهل النصرة. قلنا: المراد نصرة الاجتماع في الشعب للمؤانسة في حال هجرة الناس لا القتال، ومثل هذا يكون للنساء والولدان على أنهم تبع للرجال، والنصرة قد فات (٢) بفوته ﵇ فيفوت الاستحقاق لانتهاء العلة وهي النصرة لا للانتساخ، وانتهاء الحكم بانتهاء علته لا يكون نسخا كما في المؤلفة القلوب. قوله: (ولهذا كان يستحقه برسالته لا بالقيام بأمور أمته، ولهذا لم يرفع الخلفاء الراشدون بعده هذا السهم لأنفسهم. ولا رسول بعده) وقد كانت له خصوصيات بشرف الرسالة لم تكن للأمة كحل التسعة وحرمة نسائه على المؤمنين، وإباحة البضع بلا مال والعصمة عن الكذب. (والصَّفِيُّ شيء) أي شيء نفيس. قوله: (والحجة عليه)؛ أي على الشافعي ما قدمناه، وهو أن الخلفاء قسموه على ثلاثة أسهم.

стр. 4132

(وَسَهُمُ ذَوِي القُرْبَى كَانُوا يَسْتَحِقُونَهُ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِالنُّصْرَةِ) لِمَا رَوَيْنَا. قَالَ: (وَبَعدَهُ بِالفَقْرِ) قَالَ العَبدُ الضَّعِيفُ عَصَمَهُ اللَّهُ: هَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ قَولُ الكرخي. وَقَالَ الطَّحَاوِيُّ: سَهُمُ الفَقِيرِ مِنهُم سَاقِطٌ أَيضا لِمَا رَوَينَا مِنْ الإِجْمَاعِ، وَلِأَنَّ قوله: (وبعده)؛ أي بعد النبي ﵇ (بالفقر)؛ لأن عمر ﵁ أعطى الفقراء منهم. وجه الأول؛ أي قول الكرخي. وقيل: هو الأصح، إنما قال: قيل: هو الأصح، ولم يقل: وهو الأصح؛ لأن بعض مشايخنا اختار قول الطحاوي. في المبسوط (١): قال أبو بكر الرازي: سهمهم ما كان بالقرابة؛ بل تصرف إليهم رسول الله مجازاة على النصرة التي كانت منهم ولم يبق ذلك المعنى بعده ﵇. قال: والاعتماد على هذا، ومن مشايخنا من قال الاستحقاق للفقراء منهم دون الأغنياء؛ لقوله تعالى: ﴿كَى لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنكُمْ﴾ [الحشر: ٧] فبين مصارف الخُمس ثم بين المعنى فيه، وهو ألا يكون شيء منه دولة بين الأغنياء تتداوله أيديهم، واسم ذوي القربى عام فيخصه على الفقراء بهذا الدليل، وإنما حملنا على هذا الإجماع الخلفاء على القسمة على ثلاثة أسهم، ولا يظن بهم أنه خفي عليهم هذا. والشافعي يقول: لا إجماع، ويستدل بحديث ذكر عن أبي جعفر بن محمد ابن علي قال: كان رأي علي في الخمس رأي أهل بيته، ولكنه كره أن يخالف أبا بكر وعمر ﵄. قال: ولا إجماع بدون [أهل] (٢) البيت. وقلنا: في الحديث بيان من كان يرى ذلك من أهل البيت، وقد كان فيهم من لا يكون قوله حجة، وإنما كره علي ﵁ هذه المخالفة؛ لأنه رأى الحجة معهما فإنه قد خالفهما في كثير من المسائل، حين ظهر الدليل عنده، وهذا لأنه كان مجتهدا، ولا يحل للمجتهد أن يدع رأي نفسه برأي مجتهد آخر احتراما له.

стр. 4133

فِيهِ مَعنَى الصَّدَقَةِ نَظَرًا إِلَى المَصْرِفِ فَيُحْرَمُهُ كَمَا حُرِمَ العُمَالَةَ. وَجهُ الأَوَّلِ: وَقِيلَ هُوَ الأَصَحُ، مَا رُوِيَ أَنَّ عُمَرَ ﵁ أَعْطَى الْفُقَرَاءَ مِنهُم، وَالإِجْمَاعُ انعَقَدَ عَلَى سُقُوطِ حَقِّ الأَغْنِيَاءِ، أَمَّا فُقَرَاؤُهُم فَيَدْخُلُونَ فِي الأَصْنَافِ الثَّلَاثَةِ. (وَإِذَا دَخَلَ الوَاحِدُ أَوْ الاثْنَانِ دَارَ الحَربِ مُغِيرَينِ بِغَيْرِ إِذْنِ الإِمَامِ فَأَخَذُوا شَيْئًا قوله: (فيدخلون في الأصناف الثلاثة)؛ أي أيتام ذوي القربى يدخلون في سهم اليتامى، ومساكينهم يدخلون في سهم المساكين وابن السبيل ولو كانت فيه شبهة الصدقة لصينت قرابته في حياته عنه، ولَما حلَّ لهم أصلا؛ بل هو مال الله لأن الجهاد حقه فصار المضاف به له؛ فلم يكن حقا لزمنا أداؤه طاعة له ليصير وسخا، وقد بيناه في أول المسألة من قول بدر الأئمة الكردري وصاحب التحفة. وفي التيسير: هؤلاء الثلاثة مصارف باعتبار الحاجة فلا يحل للغني. فإن قيل: إذ لا فائدة حينئذ في ذكر اليتيم في القرآن حيث دخل في المساكين. قيل في جوابه: إنما ذكر اليتيم لدفع وهم من يتوهم أن اليتيم لا يستحق الخمس؛ لأن الخمس من الغنيمة والغنيمة بالجهاد تحصل، واليتيم ليس بأهل للجهاد فأزال ذلك الوهم بتخصيص ذكر اليتيم. كما ذكر في التأويلات للشيخ أبي منصور في جواب سؤال وهو أن يقال: لما كان فقراء ذوي القربى يستحقون بالفقر فلا فائدة في ذكرهم في القرآن فأجاب وقال: إنما ذكرهم لأن أفهام بعض الناس قد خصه إلى أن الفقير منهم لا يستحق؛ لما أنه من قبيل الصدقة، وقد قال ﵇: «لا تَحِلُّ الصَّدقةُ لمحمد ولآله» (١) فأزال ذلك الوهم بتخصيصهم بالذكر. قوله: (مغيرين) بلفظ الجمع نظرا إلى قوله: احذروا فكان هذا نظير قوله تعالى: ﴿إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا﴾ [النساء: ١٣٥]؛ فرد الضمير إلى المعطوف والمعطوف عليه جميعًا في كلمة (أو)، وإن كانت (أو) لأحد الشيئين.

стр. 4134

لَم يُخَمَّس) لِأَنَّ الغَنِيمَةَ هُوَ المَأخُوذُ قَهْرًا وَغَلَبَةً لَا اخْتِلَاسًا وَسَرِقَة، وَالخُمُسُ وَظِيفَتُهَا، وَلَو دَخَلَ الوَاحِدُ أَوْ الاِثْنَانِ بِإِذنِ الإِمَامِ: فَفِيهِ رِوَايَتَانِ، وَالمَشْهُورُ: أَنَّهُ يُخَمَّسُ، لِأَنَّهُ لَمَّا أَذِنَ لَهُمْ الإِمَامُ فَقَد التَزَمَ نُصرَتَهُم بِالإِمْدَادِ فَصَارَ كَالمَنَعَةِ (فَإِنْ دَخَلَت جَمَاعَةٌ لَهَا مَنَعَةٌ فَأَخَذُوا شَيْئًا خُمْسَ، وَإِنْ لَم يَأْذَن لَهُمْ الإِمَامُ) لِأَنَّهُ مَأْخُوذُ قَهْرًا وَغَلَبَةٌ فَكَانَ غَنِيمَةٌ، وَلِأَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الإِمَامِ أَنْ يَنصُرَهُم، إِذْ لَو خَذَلَهُم كَانَ فِيهِ وَهنُ المُسلِمِينَ، بِخِلَافِ الوَاحِدِ وَالاثْنَيْنِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ نُصْرَتُهُم. فَصلٌ فِي التَّنْفِيلِ قَالَ: (وَلَا بَأْسَ بِأَنْ يُنَفِّلَ الإِمَامُ فِي حَالِ القِتَالِ، وَيُحَرِّضَ بِهِ عَلَى القِتَالِ وفي المنية (١): والثلاثة في حكم الاثنين وفي الأربعة يخمس ويوضع في بيت المال. وفي المحيط (٢): عن أبي يوسف أنه قدر الجماعة التي لا منعة لها بتسعة نفر والتي لها منعة بعشرة. وقال الشافعي ومالك وأكثر أهل العلم؛ يخمس؛ لأنه مال حربي أُخِذَ قهرًا فكان غنيمة فيخمس لإطلاق الآية، وبالقياس على ما لو دخلوا بإذن الإمام. ولنا وأحمد في رواية؛ أن الغنيمة ما أخذ قهرا وغلبة لا اختلاسًا وسرقة، والمتلصص لا يأخذ إلا بحيلة فكان هذا اكتساب مباح كالاحتطاب والاصطياد، والخمس: الغنيمة بالنص. يقال: خذله خذلا؛ أي ترك عونه ونصرته من حد نصر. فصل في التنفيل التنفيل: نوع من قسمة الغنيمة فلذلك ألحقه بها يقال نفل الإمام الغازي أي أعطاه زائدا على سهمه بقوله ﵇: «مَنْ قتل قتيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ» (٣). قوله: (ولا بأس)، وفي المبسوط: ويستحب للإمام أن ينفل قبل الإصابة

стр. 4135

فَيَقُولَ: «مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ»، وَيَقُولَ لِلسَّرِيَّةِ: قَدْ جَعَلتُ لَكُمْ الرُّبُعَ بَعدَ الخُمْسِ) مَعْنَاهُ: بَعدَمَا رَفَعَ الخُمُسَ لِأَنَّ التَّحْرِيضَ مَندُوبٌ إِلَيْهِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَأَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ﴾ [الأنفال: ٦٥] وَهَذَا نَوعُ تَحْرِيضِ، ثُمَّ قَدْ يَكُونُ التَّنْفِيلُ بِمَا ذَكَرَ وَقَدْ يَكُونُ بِغَيْرِهِ، إِلَّا أَنَّهُ لَا يَنبَغِي لِلإِمَامِ أَنْ يُنَفِّلَ بِكُلِّ فعلم من هذا ما قالوه أن لفظ (لا بأس) يستعمل فيما تركه أولى ليس بمجرى على عمومه ولهذا قال في الكتاب: (التحريض مندوب إليه). فإن قيل: قوله تعالى: ﴿حَرِّضِ﴾ [الأنفال: ٦٥] أمر، ومطلقه منصرف إلى الوجوب. قلنا: في التنفيل ترجيح بعض الغزاة مع توهين البعض؛ فتوهين المسلم حرام خصوصًا في مثل هذا الوقت، ولأن التحريض قد يكون بالتنفيل، وقد يكون بذكر ثواب الآخرة فلو كان مطلق التحريض واجبًا لا يلزم أن يكون المعين منه واجبًا كذا قيل. ثم التنفيل يجوز بالسلب وغيره من الأموال بأن يقول الإمام: من قتل قتيلا فله سلبه، ومن أصاب شيئا فهو له، أو ما أصبتم فلكم ربعه أو خمسه أي بعد الخمس. أما لو قال للعسكر: كل ما أصبتم فهو لكم بالسوية بعد الخمس فهذا لا يجوز؛ لأن المقصود من التنفيل التحريض، وذا يحصل إذا خص البعض أما إذا عمهم فلا يحصل ذلك، وفيه إبطال السهمان التي أوجبها النبي ﵇، وإبطال تفضيل الفارس على الراجل وكذا لو قال: ما أصبتم لكم ولم يقل بعد الخمس؛ لأن فيه إبطال الخمس الثابت بالنص في الغنيمة هكذا ذكره في السير الكبير. ثم التنفيل عندنا في أربعة الأخماس وبه قال أحمد. وقال الشافعي ومالك: التنفيل لا يصح من الخمس؛ لأنه مفوض إلى رأي الإمام وما بقي للغانمين. وقلنا: حقهم فيها بعد الإصابة لا قبلها، وهو في الحال مال الكفرة.
следующие страницы →