وَالحَالَةُ الثَّالِثَةُ كَمَا بَيَّنَّاهَا لِمَا تَلَونَاهُ وَيُقْتَلُونَ حَدًّا، حَتَّى لَو عَفَا الأَوْلِيَاءُ عَنهُم لَا يُلتفت إِلَى عَفْوِهِم لِأَنَّهُ حَقُّ الشَّرعِ.
(وَ) الرَّابِعَةُ (إِذَا قَتَلُوا وَأَخذُو المَالَ فَالإِمَامُ بِالخِيَارِ: إِنْ شَاءَ قَطَعَ أَيْدِيَهُم وَأَرْجُلَهُم مِنْ خِلَاف وَقَتَلَهُم وَصَلَبَهُم، وَإِنْ شَاءَ قَتَلَهُم، وَإِنْ شَاءَ صَلَبَهُم، وَقَالَ مُحَمَّدٌ: يَقْتُلُ أَوْ يَصْلُبُ وَلَا يُقْطَعُ) (*) لِأَنَّهُ جِنَايَةٌ وَاحِدَةٌ فَلَا تُوجِبُ حَدَّينِ، وَلِأَنَّ مَا دُونَ النَّفْسِ يَدخُلُ فِي النَّفْسِ فِي بَابِ الحَدِّ كَحَدٌ السَّرِقَةِ وَالرَّحِمِ. وَلَهُمَا: أَنَّ هَذِهِ عُقُوبَةٌ وَاحِدَةٌ تَغَلَّظَت لِتَغَلَّظِ سَبَبِهَا، وَهُوَ تَفوِيتُ الأَمنِ عَلَى التَّنَاهِي بِالقَتلِ وَأَحْذِ
قوله: (وإن شاء قتلهم وقطعهم وصلبهم)، وفي جامع البزدوي: أو صلبهم وإن شاء قتلهم من غير قطع، وإن شاء صلبهم، وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف، وبه قال أحمد في رواية.
قوله: (وقال محمد … ) إلى آخره، وفي عامة الروايات من المباسيط وشروح الجامع أبو يوسف مع محمد وبه قال الشافعي وأحمد في رواية ومالك، إن كان ذا رأي؛ لأن القتل حد على حده، والقطع كذلك بالنص؛ فلا يجمع بينهما بجناية واحدة أعني قطع الطريق، ولأنه اجتمع عليه العقوبة في النفس، وما دونها حقا الله تعالى فيدخل ما دون النفس في النفس، كما لو اجتمع حد الشرب والسرقة والرجم فإنه يكتفى بالرجم، ويترك ما عداه.
ولأبي حنيفة؛ إن وجد موجب القطع، وهو أخذ المال وموجب القتل، وهو القتل فالكل حد واحدٌ؛ لاتحاد سببه، وإنما غلظ لتغليظ سببه، وهو قطع الطريق؛ لأن ما يقطع به الطريق متفاوت فإذا تناهي تفويت الأمن بأخذ المال والقتل تغلّظ حكمه، وصار كقطع اليد والرجل فإنه حدان في الصغرى حد واحد في الكبرى، ولا تداخل في حدّ واحد كجلدات الزنا، وإنما التداخل في الحدود.
ولا يلزم أن للإمام أن يقتله ويدع القطع فلو كان حدا واحدًا، ينبغي ألا يكون ترك أحدهما؛ لأنا نقول: ليس هذا من التداخل؛ بل باعتبار أنه ليس عليه رعاية الترتيب في أخذ حدّ واحد؛ فله أن يبدأ بالقتل فإذا قتله لا يفيد القطع
стр. 4062
المَالِ، وَلِهَذَا كَانَ قَطعُ اليَدِ وَالرِّجلِ مَعا فِي الكُبْرَى حَدًّا وَاحِدًا وَإِنْ كَانَا فِي الصُّعْرَى حَدَّينِ، وَالتَّدَاخُلُ فِي الحُدُودِ لَا فِي حَدٌ وَاحِد. ثُمَّ ذَكَرَ فِي الكِتَابِ: التَّحْيِيرَ بَين الصَّلبِ وَتَركِهِ، وَهُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ: أَنَّهُ لَا يَتْرُكُهُ لِأَنَّهُ مَنصُوصٌ عَلَيْهِ، وَالمَقْصُودُ التَشهِيرُ لِيَعتَبِرَ بِهِ غَيْرُهُ. وَنَحْنُ نَقُولُ أَصلُ التَّسْهِيرِ بِالقَتْلِ وَالمُبَالَغَةِ بِالصَّلْبِ فَيُخَيَّرُ فِيهِ. ثُمَّ قَالَ: (وَيُصْلَبُ حَيًّا وَيُبْعَجُ بَطْنُهُ بِرُمحٍ إِلَى أَنْ يَمُوتَ) وَمِثْلُهُ عَنْ الكَرخِيّ. وَعَنْ الطَّحَاوِيِّ: أَنَّهُ يُقتَلُ ثُمَّ يُصْلَبُ تَوَفّيًا عَنْ المُثَلَةِ.
وَجهُ الأَوَّلِ: وَهُوَ الأَصَحُ: أَنَّ الصَّلبَ عَلَى هَذَا الوَجْهِ أَبْلَغُ فِي الرَّاعِ وَهُوَ
بعده، كالزاني إذا ضرب خمسين جلدة فمات ترك ما بقي؛ لأنه لا فائدة في إقامته كذا في المبسوط (١)، وجعل في الأسرار قول محمد أصح.
قوله: (وعن أبي يوسف أنه؛ أي الإمام لا يتركه الصلب لأنه)؛ أي الصلب منصوص عليه وبه قال الشافعي وأحمد، ولأنه شرع حدا فلا يجوز تركه كالقتل وسائر الحدود.
وقلنا: إن معنى الزجر والتشهير يتم بالقتل، ولم ينقل أنه ﵇ ولا غره صلب أحدًا، ألا ترى أنه ﵇ لم يفعله بالعرنيين كذا في المبسوط (٢).
قوله: (وَعَنِ الطَّحَاوِي أَنَّهُ يُقْتَلُ ثُمَّ يُصْلَبُ تَوَفّيًا عَنِ الْمُثْلَةِ). وقد نهى النبي ﵇ عن المثلة ولو بالكلب العقور (٣) وبه قال الشافعي وأحمد لأن المقصود منه التشهير وذا يحصل بالصلب بعد القتل فلا حاجة إلى تعذيب الحيوان بلا فائدة.
قوله: (وجه الأول) وهو قول الكرخي أصح لأن المقصود الزجر وإنما
стр. 4063
المَقْصُودُ بِهِ. قَالَ: (وَلَا يُصْلَبُ أَكثَرَ مِنْ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ) لِأَنَّهُ يَتَغَيَّرُ بَعدَهَا فَيَتَأَذَّى النَّاسُ بِهِ. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ: أَنَّهُ يُتَرَكُ عَلَى خَشَبَة حَتَّى يَتَقَطَّعَ فَيَسْقُطَ لِيَعْتَبِرَ بِهِ غَيْرُهُ.
قُلْنَا: حَصَلَ الِاعْتِبَارُ بِمَا ذَكَرنَاهُ وَالنَّهَايَةُ غَيْرُ مَطْلُوبَة.
قَالَ: (وَإِذَا قَتَلَ القَاطِعُ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فِي مَال أَخَذَهُ) اعْتِبَارًا بِالسَّرِقَةِ الصُّغَرَى وَقَدْ بَيَّنَّاهُ (فَإِنْ بَاشَرَ القَتلَ أَحَدُهُمْ أُجْرِيَ الحَدَّ عَلَيْهِم بِأَجْمَعِهِم) لِأَنَّهُ جَزَاءُ
يحصل بالحي لا للميت، وهذا يكفي في التشهير والردع ولأنه حد فيشرع في الحياة كسائر الحدود وبه قال مالك والليث والشافعي في قول والأوزاعي.
(البعج)؛ الشَّقُّ من حدِّ مَنَعَ.
قوله: (أكثر من ثلاثة أيام) وبه قال الشافعي في الأصح.
وعن أحمد؛ أنه لم يؤقت في الصلب. وقال أصحابه: الصحيح أنه يؤقت بما حصل به التشهير، والتوقيت بثلاثة أيام بغير دليل ذكره ابن قدامة في المغني (١).
وليس كذلك فإن التشهير لا يحصل بالزمان القليل عادة، فنعتبره بالثلاث كما في مدة الخيار ومهلة الرد وغيرهما.
قوله: (وعن أبي يوسف أنه يُترك إلى أن يتقطع) وبه قال الشافعي في وجه ليكون أبلغ في الاعتبار.
قلنا: حصل الاعتبار بما ذكرنا فلا يشترط نهايته، وفي الترك على هذا الوجه، يتغير ويتأذى الناس به.
قوله: (وقد بيناه)؛ أي الضمان مع الخلافات في السرقة الصغرى.
قوله: (أَجْرَى الْحَدَّ عَلَيْهِمْ بِأَجْمَعِهِمْ) وبه قال مالك وأحمد.
стр. 4064
المُحَارَبَةِ، وَهِيَ تَتَحَقَّقُ بِأَنْ يَكُونَ البَعضُ رِدْءًا لِلبَعضِ، حَتَّى إِذَا زَلَّت أَقْدَامُهُم انحَازُوا إِلَيهِم، وَإِنَّمَا الشَّرطُ القَتلُ مِنْ وَاحِد مِنهُم وَقَدْ تَحَقَّقَ. قَالَ: (وَالْقَتْلُ وَإِنْ كَانَ بِعَصًا أَوْ بِحَجَرٍ أَوْ بِسَيْفٍ فَهُوَ سَوَاءٌ) لِأَنَّهُ يَقَعُ قَطعًا لِلطَّرِيقِ بِقَطْعِ المَارَّةِ (وَإِنْ لَم يَقتُل القَاطِعُ وَلَم يَأخُذ مَالًا، وَقَدْ جَرَحَ، أقتُصَّ مِنْهُ فِيمَا فِيهِ القِصَاصُ، وَأُخِذَ الأَرسُ مِنْهُ فِيمَا فِيهِ الأَرسُ وَذَلِكَ إِلَى الأَولِيَاءِ) لِأَنَّهُ لَا حَدَّ فِي هَذِهِ الجِنَايَةِ فَظَهَرَ حَقُّ العَبْدِ وَهُوَ مَا ذَكَرنَاهُ فَيَستَوفِيهِ الوَلِيُّ (وَإِنْ أَخَذَ مَالًا ثُمَّ جَرَحَ، قُطِعَت يَدُهُ وَرَجلُهُ وَبَطَلَت الجِرَاحَاتُ) لِأَنَّهُ لَمَّا وَجَبَ الحَدُّ حَقًّا لِلَّهِ سَقَطَت عِصْمَةُ النَّفْسِ حَقًّا لِلعَبدِ كَمَا تَسْقُطُ عِصْمَةُ المَالِ وَإِنْ أُخِذَ بَعدَ مَا تَابَ وَقَدْ قَتَلَ عَمدًا، فَإِنْ شَاءَ الأَوْلِيَاءُ
وقال الشافعي: يحدُّ المباشِرُ لَا الرّدْءُ؛ لأنه جزاء الفعل كحد الزنا فلا يجب على غير المباشر.
وقلنا: حد يتعلق بالمحاربة فيستوي فيه الرِّدْءُ والمباشر، كاستحقاق السهم في الغنيمة، والرِّدْءُ باشر السبب، وهو المحاربة، وقطع الطريق يكون هكذا عادة؛ بأن يباشر البعض ويترصد البعض للدفع فيحصل قطع الطريق بالكل؛ إذ لو اشتغل الكل بالقتال؛ لتعذر عليهم أخذ المال فيكون كلهم قاطع الطريق.
قوله: (انحازوا)؛ أي انضموا.
وفي الصحاح (١): انحاز القوم؛ أي انضموا تركوا مركزهم إلى آخر.
قوله: (فيستوفيه)؛ أي القصاص (الولي) أو أخذ الأرش؛ لأنه ما جاء نص في حده، فصار كما لو كان الجرح في غير قطع، وبه قالت الأئمة الثلاثة.
قوله: (فبطلت الجراحات كلها)؛ لأنه لما أقيم الحد بطلت عصمة النفس والمال؛ لأن القطع مع الضمان يجتمعان عندهم وقد مر.
قوله: (بَعْدَ مَا تَابَ) ورد المال أيضًا، وبه صرح في المبسوط، ويسقط حد المحاربة بالنص قال تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ الآية [المائدة: ٣٤]، ولا خلاف فيه.
وفي المبسوط (٢) والمحيط: رد المال من تمام توبتهم لتنقطع به خصومة
стр. 4065
قَتَلُوهُ وَإِنْ شَاؤُوا عَفَوا عَنهُ) لِأَنَّ الحَدَّ فِي هَذِهِ الجِنَايَةِ لَا يُقَامُ بَعدَ التَّوْبَةِ لِلاسْتِثْنَاءِ المَذْكُورِ فِي النَّص، وَلِأَنَّ التَّوبَةَ تَتَوَقَّفُ عَلَى رَدِّ المَالِ وَلَا قَطعَ فِي مِثْلِهِ، فَظَهَرَ حَقٌّ
صاحب المال، وقد انقطعت خصومته برد المال إليه قبل ظهور الجريمة عند الإمام فيسقط الحد.
أما إذا تابوا ولم يردّوا المال، لم يذكره في الكتاب نصا فقد اختلف المتأخرون فيه.
قيل: لا يسقط الحد قاسه على سائر الحدود فإنها لا تسقط بنفس التوبة. وقيل: يسقط وإليه أشار محمد في الأصل؛ لما أن التوبة مسقط للحد في السرقة الكبرى، للاستثناء في النص ولا استثناء في غيره، وسائر الحدود غير حد القذف لا يسقط بالتوبة عندنا ومالك وأحمد في رواية، والشافعي في قول.
وقال أحمد في رواية والشافعي في قول؛ سقط لقوله تعالى: ﴿وَالَّذَانِ يَأْتِيَنِهَا مِنكُمْ فَقَاذُوهُمَا فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا﴾ [النساء: ١٦] الآية، وقال تعالى في حد السرقة: ﴿فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ، وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٣٩]، وقال ﵇ في ماعز لما أخبر بهربه: «هلا تركتموه يتوب فيتوب اللهُ عليهِ» (١)، ولأنه حق الله تعالى فيسقط بالتوبة كحد المحارب.
قلنا: قوله: ﴿فَاجْلِدُوا﴾ [النور: ٢]، ﴿فَأَقْطَعُوا﴾ [المائدة: ٣٨] عام في التائب وغيره والنبي ﵇ رجم ماعزا والغامدية، وقطع الذي أقر بالسرقة، وقد جاؤوا تائبين يطلبون التطهير، وعلم النبي ﵇ توبتهم فأقام الحد، ولأن الحد كفارة فلم يسقط بالتوبة ككفارة اليمين والقتل، ولأنه يقدر عليه كل أحد فينسد باب الحد.
وأما الآية منسوخة، وكان ذلك في بدء الإسلام كما ذكرنا. والآية الثانية تدل على أن بالحد لم يستحق المغفرة، وأما حد القطاع فيسقط بالإجماع بالنص، ولم يجئ نص في غيره.
стр. 4066
العَبدِ فِي النَّفْسِ وَالمَالِ حَتَّى يَستَوفِيَ الوَلِيُّ القِصَاصَ أَوْ يَعفُوَ، وَيَجِبُ الضَّمَانُ إِذَا هَلَكَ فِي يَدِهِ أَوْ اسْتَهْلَكَهُ وَإِنْ كَانَ مِنْ القُطَّاعِ صَبِيٌّ أَوْ مَجْنُونٌ أَوْ ذُو رَحِم مُحَرَّمِ مِنَ المَقطوعِ عَلَيْهِ، سَقَطَ الحَدُّ عَنْ البَاقِينَ فَالمَذْكُورُ فِي الصَّبِيِّ وَالمَجنُونِ قَولُ أَبِي حَنِيفَةَ وَزُفَرَ (*)
وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ: أَنَّهُ لَو بَاشَرَ العُقَلَاءُ يُحَدُّ البَاقُونَ وَعَلَى هَذَا السَّرِقَةُ الصغرى.
لَهُ: أَنَّ المُبَاشِرَ أَصلٌ، وَالرِّدءَ تَابِعٌ وَلَا خَلَلَ فِي مُبَاشَرَةِ العَاقِلِ وَلَا اعْتِبَارَ بِالخَلَلِ فِي التَّبِعِ، وَفِي عَكْسِهِ يَنعَكِسُ.
قوله: (ويجب الضمان إذا هلك في يده … ) إلى آخره.
فإن قيل: وجوب الضمان لسقوط الحد؛ لأن الضمان مع الحد لا يجتمعان، وسقوط الحد باعتبار التوبة، وقلتم والتوبة إنما تتم برد المال فكيف يتصور الهلاك والاستهلاك بعد الرد؟.
قلنا: نفرض المسألة في رد بعض المال، فكان رد البعض شبهة فيسقط الحد، ووجب الضمان في هلاك الباقي واستهلاكه.
قوله: (وعلى هذا السرقة الصغرى) إن وَلِيَ الصبي والمجنون إخراج المتاع سقط عنهم الحد، وإن ولي غيرهما قُطعوا إلا (الصبي والمجنون وذي الرحم)؛ لأنها شبهة اختص بها واحد فلم يسقط الحد عن الباقين، كما لو اشتركوا في وطء امرأة.
وأبو يوسف يقول: (المباشر أصل والردء تابع) فإذا لم يجب على المباشر لا يجب على التبع، (ولو باشر العقلاء) البالغون لا يسقط عنهم؛ لأنه لا خلل في الأصل، وإنما الخلل في التابع، وسقوط الحد عن التبع لا يوجب سقوطه عن المتبوع.
قوله: (وفي عكسه)، وهو أن يباشر الصبي أو المجنون (ينعكس الحكم)؛ أي لا يجب على الباقين لما ذكرنا.
стр. 4067
المَعْنَى وَالحُكمُ. وَلَهُمَا: أَنَّهُ جِنَايَةٌ وَاحِدَةٌ قَامَت بِالكُلِّ، فَإِذَا لَمْ يَقَعَ فِعَلُ بَعْضِهِم مُوجِبًا كَانَ فِعْلُ البَاقِينَ بَعضَ العِلَّةِ، وَبِهِ لَا يَثْبُتُ الحُكمُ، فَصَارَ كَالخَاطِئِ مَعَ الْعَامِدِ.
وَأَمَّا ذُو الرَّحِمِ المُحَرَّمِ: فَقَد قِيلَ تَأْوِيلُهُ إِذَا كَانَ الْمَالُ مُشْتَرَكًا بَينَ المَقْطُوعِ عَلَيْهِم، وَالأَصَحُ أَنَّهُ مُطلَقٌ لِأَنَّ الجِنَايَةَ وَاحِدَةٌ عَلَى مَا ذَكَرنَاهُ فَالِامْتِنَاعُ فِي حَقٌّ البَعضِ يُوجِبُ الامتِنَاعَ فِي حَقِّ البَاقِينَ، بِخِلَافِ مَا إِذَا كَانَ فِيهِمْ مُسْتَأْمَنُ؛ لِأَنَّ
و (المعنى)؛ أي العلة، وهي أن السقوط عن الأصل يوجب السقوط عن التبع. (ولهما)؛ أي لأبي حنيفة ومحمد. (أنه)؛ أي قطع الطريق (جناية واحدة) قامت بالكل فإذا تمكنت الشبهة في حق أحدهم سقط عن الباقين (كالعامد والخاطئ)؛ إذا اشتركا في القتل فإنه لا يجب القود.
ومعنى قوله: كان فعل الباقين بعض العلة يعني قطع الطريق جناية واحدة؛ لأن المقصود منه قطع الطريق، والحد يتعلق به لا بنفس الأخذ؛ فكان الأخذ بعض العلة إليه أشار في الإيضاح والمبسوط (١).
قوله: (فقد قيل) قال أبو بكر الرازي (٢): إن المسألة محمولة على ما إذا كان المال مشتركا بين المقطوع عليهم، وفي قطاع الطريق ذو رحم مُحرّم، لا يجب الحد باعتبار نصيب ذي الرحم المُحَرَّم، ويصير شبهة في نصيب الباقين، فلا يجب الحد عليهم؛ لأن المأخوذ شيء واحد، فإذا امتنع في حق أحدهم بسبب القرابة يمتنع في حق الباقين.
فأما إذا لم يكن المال مشتركا بينهم، فإن لم يأخذوا المال إلا من ذي الرحم المُحَرّم فكذلك، وإن أخذوا منه ومن غيره يحدّون باعتبار المال المأخوذ من الأجنبي.
(والأصح أنه مطلق)؛ أي يجري على إطلاقه، وأنهم لا يحدون بكل حال؛ لأن مال جميع القافلة في حق القطاع كشيء واحد؛ لأنه محرز بحرز واحد وهو القافلة، والجناية واحدة أيضًا وهو قطع الطريق.
وقوله: (على ما ذكرناه إشارة إلى قوله: أنه جناية واحدة … ) إلى آخره.
قوله: (بخلاف ما إذا كان فيهم)؛ أي في القافلة (مستأمن) إن لم يوجب
стр. 4068
الامتِنَاعَ فِي حَقِّهِ لِخَلَا فِي العِصْمَةِ وَهُوَ يَخُصُّهُ، أَمَّا هُنَا الامتِنَاعُ لِخَلَا فِي الحِرز، وَالقَافِلَةُ حِرزٌ وَاحِدٌ (وَإِذَا سَقَطَ الحَدُّ صَارَ القَتلُ إِلَى الأولِيَاءِ) لِظُهُورِ حَقٌّ العَبْدِ عَلَى مَا ذَكَرنَاهُ (فَإِنْ شَاؤُوا قَتَلُوا وَإِنْ شَاؤُوا عَفَوا، وَإِذَا قَطَعَ بَعضُ القَافِلَةِ الطَّرِيقَ عَلَى البَعضِ، لَم يَجِب الحَدُّ) لِأَنَّ الحِرزَ وَاحِدٌ فَصَارَت القَافِلَةُ كَدَارٍ وَاحِدَة (وَمَنْ قَطَعَ الطَّرِيقَ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فِي المِصرِ، أَوْ بَينَ الكُوفَةِ وَالحِيرَةِ، فَلَيْسَ بِقَاطِعِ الطَّرِيقِ) استحسانًا.
فقطع الطريق على المسلمين والمستأمنين، وقطع الطريق على المستأمنين إن لم يوجب الحد فقطع الطريق على المسلمين يوجبه وغير الموجب لا يصلح معارضا للموجب.
وهذا (لأن الامتناع في حق المستأمن لخلل في العصمة)، وهو بقاء شبهة الإباحة في ماله على تقدير رجوعه إلى داره. (وهو)؛ أي الخلل (يخصه)؛ أي المستأمن وهاهنا الخلل في الحرز إذ القافلة حرز واحد وهو بسبيل من الدخول على هذه القافلة بلا استئذان لمكان قريبه الذي يفترض وصله فمتى لم يبق حرزا في حقه لم يبق حرزا في حق الكل كدار يسكنها أخوه وأجنبي فسرق منها مال الأجنبي لا يقطع بمثله لو سرق مال مسلم ومستأمن من بيت يسكنان فيه، يُقطع. وقوله: (على ما ذكرناه إشارة إلى قوله: فظهر حق العبد … ) إلى آخره.
قوله: (بين الحيرة والكوفة)، وكذا بين القريتين لم يلزمهم حد القطاع استحسانا.
وعن أبي يوسف، وهو قول الشافعي: يلزمهم حد القطاع؛ لوجود حقيقة المحاربة إذ أخذ المال والقتل على وجه المحاربة أغلظ في الجريمة من المفازة وما فضل في النص بين المصر وغيره.
وعن مالك في رواية: كل من أخذ مال الغير على وجه لا يمكن لصاحب المال الاستغاثة؛ فهو محارب. وعنه لا تثبت المحاربة حتى تكون على ثلاثة أميال من العمران.
وعن أحمد؛ أنه توقف فيه. وقال أصحابه: تثبت المحاربة في أي موضع لا يلحقه الغوث كما قال الشافعي وأبو يوسف.
стр. 4069
وَفِي القِيَاسِ: يَكُونُ قَاطِعَ الطَّرِيقِ وَهُوَ قَولُ الشَّافِعِيِّ لِوُجُودِهِ حَقِيقَة. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ: أَنَّهُ يَجِبُ الحَدُّ إِذَا كَانَ خَارِجَ المِصرِ إِنْ كَانَ بِقُربِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَلْحَقُهُ الغَوثُ (*). وَعَنهُ: إِنْ قَاتَلُوا نَهَارًا بِالسِّلَاحِ أَوْ لَيْلًا بِهِ أَوْ بِالخَشَبِ فَهُمْ قُطَّاعُ الطَّرِيقِ، لِأَنَّ السِّلَاحَ لَا يَلْبَثُ
وفي الحلية (١): ذكر في الحاوي؛ أن القرى التي يقل أهلها حكمها حكم الصحراء فتتحقق المحاربة. وأما الأمصار الكبار فمن قصد نواحيها جهارا فكذلك، وأما وسط المصر في المواضع التي يتكاثر فيها الناس في أسواقهم ودورهم إذا كبسوا منها سوقا ونهبوها أو دورًا فنهبوها؛ ففيه وجهان أصحهما أن حكمهم حكم المحاربين.
قوله: (لِأَنَّ الظَّاهِرَ لُحُوقُ الْغَوْثِ)، من السلطان أو الناس عادة، وصاحب المال يعتمد عليهما فيتمكن النقصان في فعل من يتعرض له، من حيث محاربه يعني السبب محاربة الله تعالى، وذا إنما يتحقق في المفازة؛ لأنه لا يلحقه الغوث عادة، والمسافر يسير في حفظه معتمدا عليه فمن تعرض له يكون محاربا لله، فأما المصر وفيما بين القرى يلحقه الغوث من السلطان أو الناس عادة وهو أيضًا يعتمد على ذلك فلا تتحقق محاربة الله كذا في المبسوط (٢).
وفي المحيط (٣): قال بعض المتأخرين: أجاب أبو حنيفة بذلك على عرف زمانه؛ فإن الناس في المصر، وفيما بين القرى كانوا يحملون السلاح مع أنفسهم فيتحقق بذلك دفعهم، ولو تحقق يكون نادرا؛ فلا يبنى الحكم عليه، وكذا يندر ذلك بين الحيرة والكوفة؛ لاتصال عمران أحد الموضعين بالآخر؛ فأما الآن صار كبرية، وتركوا عادة حمل السلاح في الأمصار فتتحقق المحاربة، وعليه الفتوى لمصلحة الناس.
(وعنه)؛ أي عن أبي يوسف (إن قاتلوا) في المصر (أو بين القرى بالسلاح نهارا) حدوا وإن قطعوا بالحجر والخشب لا يحدّوا وإن كان ليلا حُدُّوا سواء قصدوا بالسلاح وغيره لقلة الغوث في الليالي وفي النهار يلحقه الغوث والسلاح
стр. 4070
وَالغَوتُ يُبْطِئُ بِاللَّيَالِي، وَنَحْنُ نَقُولُ: إِنَّ قَطعَ الطَّرِيقِ بِقَطْعِ المَارَّةِ وَلَا يَتَحَقَّقُ ذَلِكَ فِي المِصْرِ وَيَقرُبُ مِنْهُ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ لُحُوقُ الغَوثِ، إِلَّا أَنَّهُمْ يُؤْخَذُونَ بِرَدِّ المَالِ أيضًا لَا لِلحَقِّ إِلَى المُستَحِقٌ، وَيُؤَدِّبُونَ وَيُحْبَسُونَ لِارتكابهم الجِنَايَةَ، وَلَو قَتَلُوا فَالأَمرُ فِيهِ إِلَى الأَوْلِيَاءِ لِمَا بَيَّنَّا (وَمَنْ خَنَقَ رَجُلًا حَتَّى قَتَلَهُ فَالدِّيَةُ عَلَى عَاقِلَتِهِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ) وَهِيَ مَسْأَلَةُ القَتلِ بِالمُثقَّلِ، وَسَنُبَيِّنُ فِي بَابِ الدِّيَاتِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى (وَإِنْ خَنَقَ فِي المِصْرِ غَيْرَ مَرَّة قُتِلَ بِهِ)؛ لِأَنَّهُ صَارَ سَاعِيًا فِي الْأَرْضِ بِالفَسَادِ فَيُدفَعُ شَرُّهُ بِالقَتْلِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
لا يثبت وعليه الفتوى لمصلحة الناس، واختاره القفال من أصحاب الشافعي.
و (الغوث)؛ اسم للإغاثة التي هي النصرة.
قوله: (وَمَنْ خَنَقَ) بالتخفيف من خنقه؛ إذا عصر حلقه خنقا - بكسر النون- من حد دخل، والخنّاقُ فاعله.
قوله: (غير مرة)؛ لما أنه إذا خنق رجلا حتى قتله فالدية على عاقلته عند أبي حنيفة. وهي مسألة القتل بالمثقل وموضعه كتاب الديات.
أما لو (خنق في المصر غير مرة) يُقتَلُ سياسة؛ لأنه غير صالح ذو فتنة ساع في الأرض بالفساد؛ فيقتله الإمام دفعا لشره عن العباد.
وفي المحيط (١): عشرة نسوة قطعن الطريق فأخذن المال، قُتِلْنَ وضمِنَّ المال وبه قالت الأئمة الثلاثة.
ولو كانت فيهم امرأة فَقَتَلَتْ وأخذت المال، ولم يفعل الرجال يُقتل الرجال دون المرأة عند أبي يوسف، وعند الثلاثة تُقتَلُ المرأة أيضًا، وعند أبي حنيفة ومحمد: سقط الحد عن الرجال أيضًا.
خرج رجل قاطعا للطريق على أن يسلب أموال الناس؛ فاستقبله الناس فقتلوه، لا شيء عليهم.
ولو فر رجل من القطاع إلى موضع لا يقدر على قطع الطريق، ثم قتلوه كان عليهم الدية والله أعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب.
стр. 4071
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
كِتَابُ السِّير
السِّيرُ: جَمعُ سِيرَة، وَهِيَ الطَّرِيقَةُ فِي الأُمُورِ، وَفِي الشَّرِعِ تَحْتَصُّ بِسِيَرِ النَّبِيِّ
كتاب السير
ولما كان القصد من الحدود إخلاء العالم عن المعاصي، أورد السير عقيب الحدود؛ لأن في الجهاد إخلاء العالم عن رأس المعاصي.
وقدم الحدود لأنه أدنى، والترقي يكون من الأدنى إلى الأعلى، ولأن كل واحد من الحدود حسن لمعنى في غيره، وذلك الغير يتأدى بفعل المأمور، كما ذكر في الأصول، ناسب السير الحدود لأنها معاملة مع المسلمين في الأغلب والجهاد مع المشركين، فقدم ما يختص بالمسلمين.
(السِّيَرُ جَمْعُ سِيرَةٍ، وَهِيَ الطَّرِيقَةُ)؛ سُمِّي بها هذا الكتاب لما فيه من بيان سيرة النبي ﷺ والصحابة والمسلمين فيه.
وفي المنشور: السيرة فعلة من السير، وقد يراد به السير الذي هو قطع المسافة، وقد يراد به السنة في المعاملات، وسميت المغازي سيرًا بأن أول أمورها السير إلى العدو، والمراد بها سير الإمام إلى العدو ومعاملاته مع الغزاة والعداة والكفار.
وفي المغرب (١): أصل السِّيرة حالة السير إلا أنها غلبت شرعا على أمور المغازي؛ كالمناسك على أمور الحج، وقالوا: السير الكبير وسير الكبير خطأ كجامع الكبير. والمغازي - جمع المغزاة - من غزوت العدو قصدته للقتال غزوا، وهي الغزوة والغزو والغزاة والمغزاة.
والجهاد شرعا: هو الدعاء إلى الدين الحق، والقتال مع من لا يقتله ذكره في التحفة.
стр. 4072
﵊ فِي مَغَازِيهِ.
قَالَ: (الجِهَادُ فَرضٌ عَلَى الكِفَايَةِ إِذَا قَامَ بِهِ فَرِيقٌ مِنْ النَّاسِ سَقَطَ عَنِ البَاقِينَ) أَمَّا الفَرْضِيَّةُ فَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥] وَلِقَولِهِ ﵊: الجِهَادُ مَاضٍ إِلَى يَومِ القِيَامَةِ وَأَرَادَ بِهِ فَرْضًا بَاقِيَا، وَهُوَ فَرضٌ عَلَى الكِفَايَةِ؛ لِأَنَّهُ مَا فُرِضَ لِعَيْنِهِ، إِذْ هُوَ إِفْسَادُ فِي نَفْسِهِ،
قوله: (الْجِهَادُ مَاضٍ) من مضى الأمر نفذ قال ﵇: «الجهاد ماض منذُ بَعثَنِي اللهُ إلى أن يُقاتِلَ آخِرُ عصابة من أمتي الدَّجال»، وقال ﵇: «أمرتُ أنْ أُقاتِلَ الناس … » الحديث (١)، وأجمعت الأمة على فرضيته.
وفي الإيضاح: خبر الواحد إذا تأيد بالكتاب والإجماع يفيد الفرضية وهاهنا كذلك.
قوله: (وهو)؛ أي الجهاد فرض على الكفاية وبه قال أكثر أهل العلم إلا ابن المسيب فإنه قال: فرض عين للعمومات في النصوص.
وحكي عن ابن شبرمة والثوري أنه غير واجب، وهكذا روي عن ابن عمر، وسئل ابن عطاء وعمرو بن دينار أن الغزو واجب؟ قالا: ما علمناه واجبا، وقالوا: قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ﴾ [البقرة: ٢١٦] للندب كما في قوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ﴾ [البقرة: ١٨٠].
ولنا: قوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥] ﴿وَقَاتِلُوهُمْ﴾ [البقرة: ١٩٣] ﴿وَقَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة: ٢٩] الآيات كثيرة ظاهرة في وجوب الجهاد، وقوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ﴾ (٢) الآية تدل على الوجوب إلا إذا دل الدليل على الندب، وهاهنا لم يوجد الدليل.
وقد روى عن أبي بكر الصديق أنه قال: فرض الجهاد على المسلمين بهذه الآية والأحاديث فيه كثيرة.
وروي عن ابن عمر ما يدل على الوجوب، وما روى عنه أنه قال: ليس
стр. 4073
وإنما فرض لإعزاز دين الله ودفع الشر عن العباد، فإذا حصل المقصود بالبعض سقط عن الباقين كصلاة الجنازة ورد السلام (فإن لم يقم به أحد أثم جميع الناس بتركه) لأن الوجوب على الكل، ولأن في استغال الكل به قطع مادة الجهاد من الكراع والسلاح، فيجب على الكفاية (إلا أن يكون النفير عاما) فحينئذ يصير من
بفرض؛ أي عين في كل زمان، وكذا يحمل على هذا قول عطاء وعمرو بن دينار أنهما قالا: ما علمناه؛ أي من الفروض الأعيان.
قلنا: فرض كفاية لقوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ﴾ [التوبة: ١٢٢] الآية فإنها تدل على الكفاية، ولقوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ إلى قوله ﴿وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ [النساء: ٩٥]، ولو كان فرضا على الجميع لما وعد الحسنى لتاركه، ولأنه لو فرض على الأعيان؛ لاشتغل الناس عن العمارة وطلب المعاش والعلم؛ فيؤدي إلى خراب الأرض.
قوله: (وإعزاز الدين ودفع الشر عن العباد)، وإليه وقعت الإشارة في قوله تعالى: ﴿وَقَتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ [الأنفال: ٣٩].
قوله: (إلا أن يكون النفير عاما)، وفي الإيضاح: إنما يسقط عن البعض إذا حصل به الكفاية، وإذا لم يحصل تعين الفرض على الكل، وشرط ذلك من كان فيه غناء ودفاع؛ لأن من لا ينتفع به فهو عاجز عن إقامة الفرض، والتكليف لا يتأتى مع العجز كما في سائر العبادات.
وفي الذخيرة (١): عند النفير يصير فرض عين على من يقرب من العدو، وهم يقدرون على الجهاد، فأما من عداهم من البعد ففي حقهم فرض كفاية إذا لم يحتج فإذا احتيج إليهم؛ بأن عجز القريب أو تكاسل ولم يجاهد، يصير فرضا على من يليهم فرض عين ثم، وثم إلى أن يفترض على جميع أهل الإسلام شرقا وغربا على هذا التدريج؛ كالصلاة على الميت تجب على أهل محلته، ولا تجب على من بعد عن الميت إلا إذا علم [أن] (٢) أهل المحلة يضيعونه أو عاجزون عن إقامة أسبابه، ثم يستوي المستنفر عدلا أو فاسقا.
و (النفير): من نفر القوم في الأمر أو إلى الثغر نفرا ونفيرا؛ أي خرجوا.
стр. 4074
فُرُوضِ الأَعْيَانِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَنفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ [التوبة: ٤١] الآيَةَ. وَقَالَ فِي الجَامِعِ الصَّغِيرِ: الجِهَادُ وَاجِبٌ إِلَّا أَنَّ المُسلِمِينَ فِي سَعَة حَتَّى يُحتَاجَ إِلَيْهِم، فَأَوَّلُ هَذَا الكَلَامِ إِشَارَةٌ إِلَى الوُجُوبِ عَلَى الكِفَايَةِ وَآخِرُهُ إِلَى النَّفِيرِ العَامُ، وَهَذَا لِأَنَّ المَقصُودَ عِنْدَ ذَلِكَ لَا يَتَحَصَّلُ إِلَّا بِإِقَامَةِ الكُلِّ فَيُفتَرَضُ عَلَى الكُلِّ (وَقِتَالُ الكُفَّارِ وَاجِبٌ) وَإِنْ لَم يَبْدَؤُوا لِلعُمُومَاتِ (وَلَا يَجِبُ الجِهَادُ عَلَى صَبِيٌّ)؛
قوله: ﴿أَنفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ [التوبة: ٤١]؛ أي اخرجوا ركبانًا، ومشاةً.
وقيل: شبانًا، وشيوخا، وقيل: عُزابًا، ومتأهلين، وقيل: أغنياء، وفقراء.
وظاهر الآية يقتضي الفرضية عند النفير وغيره إلا أن فرضية الكفاية تثبت بقوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ﴾ [النساء: ٩٥] الآية كما ذكر، وبأنه ﵇ يخرج في بعض الغزوات ويقعد في البعض، ولأنه ﵇ حين خرج إلى الغزو ما خرج كل أهل المدينة؛ فلو كان فرض عين لم يدع أحدا منهم، وبالمعقول كما ذكر في المتن فعلم أن المراد من هذه الآية عند النفير.
قوله: (وأول الكلام) وهو قوله: (الجهاد واجب)، (وآخره)؛ أي آخر الكلام وهو قوله: (حتى يحتاج إليهم).
قوله: (فَيُفْتَرَضُ عَلَى الْكُلِّ) على كل من يقرب ويقدر على جميع أهل الإسلام كما ذكرنا من الذخيرة.
قوله: (وَقِتَالُ الْكُفَّارِ وَاجِبٌ)؛ أي الكفار الذين امتنعوا عن الإسلام والجزية وإن لم يبدؤوا بالقتال.
في السير الكبير: قال الثوري: قتالهم ليس بفرض إلا أن تكون البداية منهم بظاهر قوله تعالى: ﴿فَإِنْ قَتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ﴾ [البقرة: ١٩١] وقوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ [التوبة: ٣٦].
ولنا: قوله ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥] ﴿وَقَاتِلُوهُمْ﴾ [البقرة: ١٩٣] و ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ﴾ [البقرة: ٢١٦] وغيرها من الآيات بلا فصل.
والنبي ﵇ أمر في بدء الإسلام بالصفح والإعراض، ثم أمر بدعاء
стр. 4075
لِأَنَّ الصِّبَا مَظِنَّةُ المَرحَمَةِ (وَلَا عَبد وَلَا امْرَأَة) لتقَدُّمُ حَقُّ المَولَى وَالزَّوجِ (وَلَا أَعْمَى وَلَا مُقعَد وَلَا أَقطَعَ) لِعَجزِهِم، (فَإِنْ هَجَمَ العَدُوُّ عَلَى بَلَد وَجَبَ عَلَى جَمِيعِ النَّاسِ الدَّفْعُ تَخْرُجُ المَرأَةُ بِغَيْرِ إِذنِ زَوجِهَا وَالعَبْدُ بِغَيْرِ إِذنِ المَولَى) لِأَنَّهُ صَارَ فَرضَ عَيْنٍ، وَمِلكُ اليَمِينِ وَرِقُ النِّكَاحِ لَا يَظْهَرُ فِي حَقِّ فُرُوضِ الأَعْيَانِ كَمَا فِي الصَّلَاةِ وَالصَّومِ، بِخِلَافِ مَا قَبلَ النَّفِيرِ؛ لِأَنَّ بِغَيْرِهِمَا مُقنِعًا فَلَا ضَرُورَةَ إِلَى إِبْطَالِ حَقٌّ المَولَى وَالزَّوجِ (وَيُكرَهُ الجُعَلُ مَا دَامَ لِلمُسلِمِينَ فَي) لِأَنَّهُ يُشْبِهُ الأَجرَ، وَلَا ضَرُورَةَ
الدين بالموعظة الحسنة والمجادلة فنسخ الإعراض، ثم أمر بالقتال في بعض الأزمان فقال تعالى: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥]، ثم أمر بالقتال ابتداء في الأزمان كلها وفي الأماكن بأسرها قال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ [الأنفال: ٣٩] و ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [التوبة: ٢٩] كذا في المبسوط (١) والذخيرة.
وفي الإيضاح (٢): وحرمة القتال في الأشهر الحرم نسخت بقوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ﴾، وبأنه ﵇ حاصر الطائف لعشر بقين من المحرم، والمحاصرة نوع من القتال.
قوله: (لأن الصِّبَا مَظِنَّةُ الْمَرْحَمَةِ وضعف البنية)، وعن ابن عمر أنه قال: «عُرِضْتُ على النبي ﷺ يوم أحد، وأنا ابن أربع عشرة فلم يُجز في المقاتلة» متفق عليه (٣)، وكذا ليس للولد أن يخرج إلى الجهاد بغير إذن والديه، ولا للمرأة والعبد بدون إذن الزوج والسيد، بإجماع الأئمة الأربعة إلا أن يكون النفير عاما.
قوله: (وَيُكْرَهُ الْجُعْلُ)، أراد ما يضرب الإمام على الناس للغزاة بما يتقوى به الغزاة.
والفيء: اسم للمال المصاب منهم بالقتال؛ (لأنه)؛ أي الجعل يشبه الأجر على الطاعة، ومحض الأجرة حرام فما يشبهها يكره.
стр. 4076
إِلَيْهِ؛ لِأَنَّ مَالَ بَيتِ المَالِ مُعَدُّ لِنَوَائِبِ المُسلِمِينَ. قَالَ: (فَإِذَا لَم يَكُنْ فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يُقَوِّيَ بَعضُهُم بَعْضًا) لِأَنَّ فِيهِ دَفعَ الضَّرَرِ الأَعْلَى بِالحَاقِ الأَدْنَى، يُؤَيِّدُهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﵊ أَخَذَ دُرُوعًا مِنْ صَفْوَانَ وَعُمَرُ ﵁ كَانَ يُعْزِي الْأَعْزَبَ عَنْ ذِي الحَلِيلَةِ، وَيُعطِي الشَّاخِصَ فَرَسَ القَاعِدِ.
بَابُ كَيْفِيَّةِ القِتَالِ
(وَإِذَا دَخَلَ المُسلِمُونَ دَارَ الحَربِ فَحَاصَرُوا مَدِينَة أَوْ حِصنًا دَعَوهُم إِلَى
أنه أخذ الدروع من صفوان بن أمية بغير رضاه.
قوله: (كَانَ يُغْزِي الْأَعْزَبَ) يقال: أغزى الأمير الجيش، ورَجُلٌ عَزَبٌ بالتحريك؛ لا زوج له ولا يقال: أعزب وقد جاء في الحديث «وهو شاب أعزب» كذا في المغرب (١).
(الشاخص)؛ الذاهب من الشخوص، وهو الذهاب من بلد إلى بلد من حد فَتَحَ.
وقيل: يكره لما بينا.
وقلنا: إن عمر أعانه على البر والجهاد بالمال وكلاهما منصوصان، وأحوال الناس في الجهاد تتفاوت منهم من يقدر عليه بالنفس والمال، ومنهم من يقدر عليه بالنفس دون المال الفقره، ومنهم من يقدر عليه بالمال لغناه دون النفس لعجزه؛ فيُجَهّز الغني بماله الفقير القادر حتى يكون الخارج مجاهدًا بنفسه، والقاعد مجاهدًا بماله، و «المُؤمنونَ كالبنيان يشدُّ بعضُهُ بعضًا» (٢).
باب كيفية القتال
لما ذكر فرضية الجهاد وشرائطه شرع في بيان كيفية القتال.
قوله: (حَاصَرُوا مَدِينَةً أَوْ حِصْنًا) يقال: حاصر العدو محاصرة وحصارًا إذا ضيقوا عليه وأحاطوا به مدن الرجل بالمكان؛ أقام، ومنه المدينة.
стр. 4077
الإِسْلَامِ) لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسِ ﵄ «أَنَّ النَّبِيَّ ﵊ مَا قَاتَلَ قَوْمًا حَتَّى دَعَاهُم إِلَى الإِسْلَامِ» قَالَ: «فَإِنْ أَجَابُوا كَفُّوا عَنْ قِتَالِهِم» لِحُصُولِ المَقْصُودِ، وَقَدْ قَالَ ﷺ : «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ» الحَدِيثَ.
(وَإِنْ امْتَنَعُوا دَعَوهُم إِلَى أَدَاءِ الجِزْيَةِ بِهِ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﵊ أُمَرَاءَ الجُيُوشِ، وَلِأَنَّهُ أَحَدُ مَا يَنتَهِي بِهِ القِتَالُ عَلَى مَا نَطَقَ بِهِ النَّصُّ، وَهَذَا فِي حَقِّ مَنْ تُقبَلُ مِنهُ الجِزْيَةُ، وَمَنْ لَا تُقبَلُ مِنهُ كَالمُرتَدِّينَ وَعَبَدَةِ الأَوثَانِ مِنْ العَرَبِ، لَا فَائِدَةَ فِي دُعَائِهِم إِلَى قَبُولِ الجِزْيَةِ، لِأَنَّهُ لَا يُقْبَلُ مِنهُم إِلَّا الإِسْلَامُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿قَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ﴾ [الفتح: ١٦] (فَإِنْ بَذَلُوهَا فَلَهُم مَا لِلمُسلِمِينَ وَعَلَيْهِم مَا عَلَى المُسلِمِينَ) لِقَولِ عَلِيٌّ ﵁: إِنَّمَا بَذَلُوا الجِزْيَةَ لِيَكُونَ دِمَاؤُهُم كَدِمَائِنَا وَأَمْوَالُهُم كَأَمْوَالِنَا، وَالمُرَادُ بِالبَدْلِ: القَبُولُ وَكَذَا المُرَادُ بِالإِعطاءِ المَذْكُورِ فِيهِ فِي القُرآنِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقَاتِلَ مَنْ لَم تَبْلُغُهُ الدَّعوَةُ إِلَى الإِسْلَامِ إِلَّا أَنْ يَدْعُوهُ) لِقَولِهِ ﵊ فِي وَصِيَّةِ أُمَرَاءِ الأَجنَادِ «فَادعُهُم إِلَى شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ» وَلِأَنَّهُم بِالدَّعَوَةِ يَعْلَمُونَ أَنَّا نُقَاتِلُهُم عَلَى الدِّينِ لَا عَلَى سَلبِ الأَمْوَالِ وَسَبي الدَّرَارِيِّ، فَلَعَلَّهُم يُجِيبُونَ فَتُكفَى مُؤنَةُ القِتَالِ، وَلَو قَاتَلَهُم قَبلَ الدَّعَوَةِ أَثِمَ لِلنَّهي،
والحصن - بالكسر -؛ كلُّ مكان محميّ مُحرز لا يتوصل إلى ما في جوفه؛ فالمدينة أكبر من الحصن.
قوله: (كفوا)؛ أي امتنعوا أو امنعوا أنفسهم عن القتال؛ إذ الكف جاء لازم ومتعد.
قوله: (على ما نطق به النص)، وهو قوله تعالى ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدِ﴾ [التوبة: ٢٩] الآية، جعل غاية قتالهم إعطاء الجزية والمراد القبول، وبالقبول يصيرون من أهل دارنا.
قوله: (فَنُكْفَى) بالنون على بناء المفعول بنصب (مؤنة) على المفعول الثاني، ولأنه تعالى قال: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥]، فظاهره يدل على عدم القتل قبل الدعوة.
стр. 4078
وَلَا غَرَامَةَ لِعَدَمِ العَاصِمِ، وَهُوَ الدِّينُ أَوْ الإِحرَازُ بِالدَّارِ، فَصَارَ كَقَتلِ النِّسْوَانِ وَالصِّبْيَانِ وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَدعُوَ مَنْ بَلَغَتْهُ الدَّعْوَةُ مُبَالَغَة فِي الإِنذَارِ، وَلَا يَجِبُ ذَلِكَ، لِأَنَّهُ صَحَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﵊ أَغَارَ عَلَى بَنِي المُصطَلِقِ وَهُمْ غَارُّونَ»، «وَعَهِدَ إِلَى أُسَامَةَ ﵁ أَنْ يُغِيرَ عَلَى أُبَنَى صَبَاحًا ثُمَّ يُحَرِّقَ»
قوله: (للنهي)، روي أنه ﵇ بعث عليا في سرية وقال: «لا تُقاتلوهم حتى تدعوهُمْ إِلَى [الإسلام] (١)(٢)».
قوله: (ولا غرامة)؛ أي لما أتلف من الأموال والدماء لعدم العصمة المقومة؛ لأنها بالدار عندنا، وعن الشافعي يضمن لحرمة القتل.
وقلنا: العصمة إما بالدين أو الإحراز ولم يوجد، ومجرد حرمة القتل لا تكفي لوجوب الضمان كما في (قتل النساء والصبيان).
قوله: (مبالغة في الإنذار) والمبالغة في الإنذار ربما تنفع فالقلب ميال خصوصا إلى المحاسن.
وفي المحيط (٣): بلوغ الدعوة إما حقيقةً أو حكمًا؛ بأن استفاض شرقا وغربا أنهم إلى ما يدعون؟ وعلى ماذا يقاتلون؟ فأقيم ظهور الدعوى مقامها في حق كل مشرك بدليل حديث بني المصطلق.
ثم إنما يستحب تقديم الدعوة مرة أخرى؛ بشرط ألا يكون في التقديم ضرر بالمسلمين، حتى لو علم أنهم بالدعوة يستعدون أو يحتالون بحيلة أو يتحصنون لا يستحب؛ لأن الدعوة مستحبة، ودفع الضرر واجب؛ فلا يجوز الاشتغال بالمستحب إذا تضمن ترك الواجب.
قوله: (وَهُمْ غَارُّونَ)؛ أي غافلون والغِرَّة: الغفلة، وعَهِدَ رسول الله ﷺ ؛ أي أوصى.
قوله: (أَنْ يُغِيرَ)، من أغار على العدو: أخرجه من حياته بهجومه عليه.
و (أُبْنَى) بوزن حبلى بالشام.
стр. 4079
وَالغَارَةُ لَا تَكُونُ بِدَعوَة.
قَالَ: (فَإِنْ أَبَوا ذَلِكَ اسْتَعَانُوا بِاللَّهِ عَلَيْهِم وَحَارَبُوهُم) لِقَولِهِ ﵊ فِي حَدِيثِ سُلَيْمَانَ بنِ بُرَيْدَةَ: «فَإِنْ أَبَوا ذَلِكَ فَادعُهُم إِلَى إعطاء الجزيَةِ، إِلَى أَنْ قَالَ: فَإِنْ أَبَوْهَا فَاسْتَعِن بِاللَّهِ عَلَيْهِم وَقَاتِلهُم» وَلِأَنَّهُ تَعَالَى هُوَ النَّاصِرُ لِأُولِيَائِهِ وَالمُدَمِّرُ عَلَى أَعدَائِهِ فَيُستَعَانُ بِهِ فِي كُلِّ الأُمُورِ.
قَالَ: (وَنَصَبُوا عَلَيْهِم المَجَانِيقَ كَمَا نَصَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﵊ عَلَى الطَّائِفِ وَحَرَّقُوهُم) لِأَنَّهُ ﵊ أَحْرَقَ الْبُوَيرَةَ.
قَالَ: (وَأَرْسَلُوا عَلَيْهِم المَاءَ، وَقَطَّعُوا أَشْجَارَهُم وَأَفْسَدُوا زُرُوعَهُم) لِأَنَّ فِي
(والغارة لا تكون بدعوة)؛ لأن فيها ستر الأمر والإسراع؛ لأنها اسم مصدر للإغارة التي هي مصدر؛ أغار الثعلب أو الفرس إغارة وغارة؛ إذا أسرع في العدو، ولأنهم لو اشتغلوا بالدعوة ربما يتحصنون فلا يقدر عليهم.
وفي بعض النسخ: (أشجارهم وزروعهم)، وقال الشافعي في قول وأحمد في رواية: لا يفعلون ذلك إلا أن الكفار يفعلون ذلك معنى؛ لما روي أن أبا بكر ﵁ قال لزيد حين بعثه أميرًا وتوصيته يا زيد لا تقتل صبيا ولا امرأة ولا هَرِمًا، ولا تُخَرِّبَنَّ عامرًا ولا تعقِرَنَّ شجرًا مثمرًا ولا دابة عجماء ولا شاةً إلّا لمأكلة، ولا تحرقن نخلا ولا تعرقبه ولا تغلل ولا تَخُن، وإن كان يفعلونه معنى جاز فعله بهم.
وقلنا ومالك والشافعي في قول، وأحمد في رواية: يجوز الغرق والحرق بكل حال؛ لما روى الزهري عن ابن عمر أنه ﵇ حرق نخل بني النضير، وقطع وهي البويرة؛ فأنزل الله تعالى: ﴿مَا قَطَعْتُم مِنْ لِينَةٍ﴾ الآية [الحشر: ٥] ولها يقول حسان: [من البحر الوافر]
وهان على سراة بني لؤي … حريق بالبُوَيْرَةِ مُسْتَطيرُ
رواه مسلم (١).
стр. 4080
جَمِيعُ ذَلِكَ الحَاقَ الكَبتِ وَالغَيظِ بِهِمْ وَكَسرِ شُوكَتِهِم وَتَفْرِيقَ جَمعِهِم فَيَكُونُ مَشرُوعًا، (وَلَا بَأْسَ بِرَمِيهِم، وَإِنْ كَانَ فِيهِمْ مُسلِمٌ أَسِيرٌ أَوْ تَاجِرُ) لِأَنَّ فِي الرَّمِي دَفْعَ الضَّرَرِ العَامُ بِالذَّبٌ عَنْ بَيضَةِ الإِسْلَامِ، وَقَتلَ الأَسِيرِ وَالتَّاجِرِ ضَرَرٌ خَاصٌ، وَلِأَنَّهُ
والبويرة: مثل الدويرة تصغير الدار، وكان ﵇ أوصى لأسامة وقال: «اغْزُ عَلَى أَبْنَى صباحًا وحَرِّقْ» (١).
وفي المحيط: وينبغي للإمام إذا تيقن بالفتح بدون التغريق والتحريق، أن لا يحكم به؛ لأن ذلك مكروه.
و (الكبت): الإذلال والصرف، ويقال: كبت العدو وصرفه وأذله من حدّ ضرب كذا في الصحاح (٢).
قوله: (لا بأس برميهم وإن كان معهم أسير مسلم … ) إلى آخره.
قال الحسن بن زياد: إذا علم أن فيهم مسلما وأنه يتلف بهذا الصنع لم يحلّ ذلك وبه قالت الأئمة الثلاثة؛ لأن الإقدام على قتل المسلم حرام، وترك قتال الكافر جائز. ألا ترى أن للإمام ألا يقتل الأسارى لمنفعة المسلمين، فكان مراعاة جانب المسلم أولى.
وقالت الأئمة الثلاثة: إلا أن يخاف انهزام المسلمين إذا لم يرم فيجوز حينئذ لتتحقق الضرورة.
وقلنا: أمرنا بقتالهم ولو اعتبرنا ذلك المعنى؛ لانْسَدَّ باب القتال معهم؛ فإن حصونهم ومدائنهم (قلما تخلو عن مسلم) عادة. (ولأن الرمي دفع الضرر العام بالذب عن بيضة الإسلام)؛ أي مجتمعهم.
و (قتل الأسير والتاجر ضرر خاص)؛ فيتحمل لدفع الضرر الأعلى، ولهذا يجوز الرمي إليهم، وإن كان فيهم نساؤهم وصبيانهم، وحرم قتلهم كذا في المبسوط (٣).
وفي المغرب (٤): سمي مجتمع أهل الإسلام بيضة تشبيها ببيضة النعامة وغيرها؛ لأن تلك مجتمع الولد.
стр. 4081
قَلَّمَا يَخلُو حِصنٌ عَنْ مُسلِم، فَلَو امْتَنَعَ بِاعْتِبَارِهِ لَانسَدَّ بَابُهُ (وَإِنَّ تَتَرَّسُوا بِصِبْيَانِ المُسلِمِينَ أَوْ بِالأَسَارَى لَم يَكُفُّوا عَنْ رَميِهِم) لِمَا بَيَّنَّاهُ (وَيَقْصِدُونَ بِالرَّمِيِ الكُفَّارَ) لِأَنَّهُ إِنْ تَعَدَّرَ التَّميزُ فِعلا فَلَقَد أُمكِنَ قَصدًا، وَالطَّاعَةُ بِحَسَبِ الطَّاقَةِ، وَمَا أَصَابُوهُ مِنهُم لَا دِيَةَ عَلَيْهِم وَلَا كَفَّارَةَ،
وقوله: (لما بيناه)؛ إشارة إلى ما ذكرنا بأن فيهم أسيرًا وتاجرا. وقال الشافعي ومالك وأحمد: إذا تترسوا بالمسلم، نظر إن لم تدع الضرورة إلى رميهم واحتمل الحال الإعراض لم يجز رميهم، وإن دعت الضرورة يجوز كما لو تترسوا في حال التحام القتال، وخوف ظفرهم على المسلمين؛ فذلك عذر في جواز الرمي إلى المسلم وهو الأظهر.
وعن الشافعي في وجه: لا يجوز إذا لم يتأثّ ضرب الكفار إلا بضرب المسلم؛ لأن دم المسلم لا يباح لخوف قتله كما في الإكراه.
ولنا: أن الطاعة بحسب الطاقة، وما في وسعه التمييز في الرمي بين المسلم والكافر؛ فلو امتنعنا باعتباره ينسد باب الجهاد، كما بينا حتى لو قدرنا على التمييز يجب التمييز.
قوله: (وما أصابوه منهم)؛ أي من قتل صبيانهم المسلمين وأساراهم (لا دية عليهم ولا كفارة) وعند الشافعي تجب الكفارة قولا واحدًا، وفي الدية قولان.
وفي التهذيب: ولو رمى في غير حال الضرورة وهو يعلم أنه مسلم يجب القود، وإن ظنه كافرا فلا قود، وتجب الكفارة وفي الدية قولان.
وعن المزني؛ إن علم أنه مسلم وعلم للضرورة تجب الدية.
وقال أبو إسحق؛ إن قصده لزمته الدية علمه مسلم أو لا لقوله ﵇: «لَيْسَ فِي الإِسْلَامِ دَمٌ مُفَرَّجٌ» (١)؛ أي مبطل دمه، وإن لم يقصده بعينه؛ بل رمى
стр. 4082
لِأَنَّ الجِهَادَ فَرضٌ وَالغَرَامَاتُ لَا تُقرَنُ بِالفُرُوضِ، بِخِلَافِ حَالَةِ المَحْمَصَةِ، لِأَنَّهُ لَا يُمتَنَعُ مَخَافَةَ الضَّمَانِ لِمَا فِيهِ مِنْ إِحْيَاءِ نَفْسِهِ.
أَمَّا الجِهَادُ فَمَبْنِيٌّ عَلَى إِبْلَافِ النَّفْسِ، فَيُمْتَنَعُ حِذَارَ الضَّمَانِ قَالَ: (وَلَا بَأْسَ بِإِحْرَاجِ النِّسَاءِ
إلى الصف لم تلزمه الدية كذا في شرح الوجيز (١).
وقلنا: في الاحتراز سد باب الجهاد فكان القتال فرضًا والرمي منه.
(والغرامة لا تلحق الفروض)؛ لأن الضمان أثر التعدي، والفرض يمنع كون الفعل تعديا، والضمان يلائم المباحات بشرط السلامة لا الفروض، وخص من الحديث؛ قطاع الطريق والبغاة فيختص المنازع فيه؛ الضرورة إعلاء كلمة الله تعالى.
قوله: (بِخِلَافِ حَالَةِ الْمَخْمَصَةِ)؛ فإن المضطر لو أكل مال الناس في حالة المخمصة؛ فإنه يضمن فإن الأكل ليس بفرض في هذه الحالة؛ بل إذا صبر حتى مات كان مثابا، ولأن الضمان إذا وجب في الجهاد يمتنع عن الفرض لئلا تلزم عليه غرامة بخلاف حالة المخمصة؛ فإنه يقدم على التناول عند رفع الحظر وإن كان ضمان لزيادة محبته البقاء طبعًا؛ فكان رفع الخطر هناك بمنزلة رفع الضمان هاهنا فلما كان كذلك لا يلزم من وجوب الضمان في حالة المخمصة وجوب الضمان أي ضمان المال إحياء نفسه في حالة المخمصة.
(أما الجهاد بني على إتلاف النفس)؛ أي أنفس الكفار، وقد يكون فيهم مسلمون فلو وجب الضمان بقتالهم لامتنعوا من القتال وهو فرض، وذا لا يجوز كما لا يجوز وجوب الدية والكفارة على الإمام فيما إذا مات الزاني من جلده أو رجمه؛ لئلا يمتنع عن تقلد القضاء وهو فرض.
(حذار)؛ منصوب على أنه مفعول به.
قوله: (إخراج النساء) العجائز للتداوي، والخدمة من الطبخ والسقي؛ لأن خروج النساء مع النبي ﵇ مشهور، وأم أيمن كانت تخرج مع النبي ﷺ ؛
стр. 4083
وَالمَصَاحِفِ مَعَ المُسلِمِينَ إِذَا كَانُوا عَسكَرًا عَظِيمًا يُؤْمَنُ عَلَيْهِ) لِأَنَّ الغَالِبَ هُوَ السَّلَامَةُ وَالغَالِبُ كَالمُتَحَقِّقِ وَيُكرَهُ إِخْرَاجُ ذَلِكَ فِي سَرِيَّة لَا يُؤْمَنُ عَلَيْهَا لِأَنَّ فِيهِ تَعْرِيضَهُنَّ عَلَى الضَّيَاعِ وَالفَضِيحَةِ، وَتَعْرِيضَ المَصَاحِفِ عَلَى الاسْتِحْفَافِ فَإِنَّهُم يَسْتَخِفُونَ بِهَا مُغَايَظَة لِلمُسلِمِينَ، وَهُوَ التَّأْوِيلُ الصَّحِيحُ لِقَولِهِ ﵊: لَا تُسَافِرُوا بِالقُرآنِ فِي أَرضِ العَدُوِّ وَلَو دَخَلَ مُسلِمٌ إِلَيْهِم بِأَمَانَ لَا بَأْسَ بِأَنْ يَحْمِلَ مَعَهُ المُصْحَفَ إِذَا كَانُوا قوما يَفُونَ بِالعَهْدِ، لِأَنَّ الظَّاهِرَ عَدَمُ التَّعَرُّضِ، وَالعَجَائِزُ يَخرُجنَ فِي العَسكَرِ العَظِيمِ لِإِقَامَةِ عَمَل يَلِيقُ بِهِنَّ كَالطَّبِخِ وَالسَّقِيِ وَالمُدَاوَاةِ، فَأَمَّا الشَّوَابُّ فَمَقَامُهُنَّ فِي البُيُوتِ أَدفَعُ لِلفِتْنَةِ، وَلَا يُبَاشِرنَ القِتَالَ، لِأَنَّهُ يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى ضعفِ المُسلِمِينَ إِلَّا عِنْدَ ضَرُورَة،
فتداوي الجرحى والمرضى وتقوم على الطبخ. أما الشواب فمقامهن في البيوت أحق بهن.
قوله: (وَلَا يُبَاشِرْنَ الْقِتَالَ؛ لِأَنَّهُ يدل على ضعفنا إلا للضرورة) فقد روى أن أم سليم قاتلت يوم خيبر شادةً على بطنها حتى قال النبي ﵇: «لَمُقامها خيرٌ مِنْ مُقامِ فُلان وفلان» (١)؛ أي من المنهزمين هذا (في العسكر العظيم) أما في سرية لا يؤمن عليها يكره.
وفي فتاوى قاضي خان (٢): قال أبو حنيفة: أقل السرية مائتان وأقل الجيش أربعمائة.
وقال الحسن بن زياد أقل السرية أربعمائة، وأقل الجيش أربعة آلاف.
وفي المبسوط (٣): السرية؛ عدد قليل يسيرون بالليل ويكمنون بالنهار.
قوله: (لأن الغالب هو السلامة)؛ إذ الغالب هو الظفر والنصرة كذا صنع الله
стр. 4084
وَلَا يُسْتَحَبُّ إِحْرَاجُهُنَّ لِلمُبَاضَعَةِ وَالخِدمَةِ، فَإِنْ كَانُوا لَا بُدَّ مُخْرَجِينَ فَبِالإِمَاءِ دُونَ الحَرَائِرِ (وَلَا تُقَاتِلُ المَرأَةُ إِلَّا بِإِذنِ زَوجِهَا وَلَا العَبْدُ إِلَّا بِإِذْنِ سَيِّدِهِ) لِمَا بَيَّنَّا (إِلَّا أَنْ يَهجُمَ العَدُوُّ عَلَى بَلَد لِلضَّرُورَةِ، وَيَنبَغِي لِلمُسلِمِينَ أَنْ لَا يَعْدِرُوا وَلَا يَعْلُّوا وَلَا يُمَتِّلُوا) لِقَولِهِ ﵊: «لَا تَغُلُّو وَلَا تَعْدِرُوا وَلَا تُمَثَّلُوا» وَالغُلُولُ: السَّرِقَةُ مِنْ المَعْنَمِ، وَالغَدرُ: الخِيَانَةُ وَنَقضُ العَهْدِ، وَالمُثلَةُ المَروِيَّةُ فِي قِصَّةِ العُرَنِيِّينَ مَنسُوخَةٌ بِالنَّهي المُتَأَخِّرِ هُوَ المَنقُولُ وَلَا يَقْتُلُوا امْرَأَة وَلَا صَبِيًّا وَلَا شَيْخًا فَانِيًا وَلَا مُقْعَدًا وَلَا أَعْمَى)
بأوليائه وحزبه والغالب كالمتحقق في الأحكام.
وفي المحيط (١): يكره إدخال المصاحف وكتب الفقه في سرية ذكره في السير الكبير. وقال الطحاوي: هذا كان في بدء الإسلام عند قلة المصاحف وحملة القرآن، ثم انتسخ ذلك متى كثرت المصاحف وكثر القراء؛ فحينئذ لا بأس به، والأصح ما ذكره محمد.
وقوله: (لما بينا)، إشارة إلى قوله: (لتقدم حق المولى والزوج … ) إلى آخره.
قوله: (ألا يغدروا … ) إلى آخره. في المحيط: هذا بعد الظفر وإعطاء الأمان أما قبل الأمان فلا بأس به وكذا بالمثلة قبل الظفر أو الأمان.
(قول) (٢): هو المنقول في المبسوط، روى عمران بن الحصين أنه قال: ما قام فينا رسول الله ﷺ خطيبا بعدما مُثّل بالعرنيين؛ إلا كان يحثنا على الصدقة وينهانا عن المثلة (٣)؛ فتخصيصه بالذكر في كل خطبة يدل على تأكيد الحرمة.
قوله: (ولا شيخاً فانياً) في الذخيرة: هذا الجواب في الشيخ الكبير الفاني لا يقدر على القتال، ولا على الصياح عند التقاء الصفين، ولو كان يقدر على
стр. 4085
لِأَنَّ المُبِيحَ لِلقَتلِ عِنْدَنَا هُوَ الحِرَابُ وَلَا يَتَحَقَّقُ مِنهُم، وَلِهَذَا: لَا يُقْتَلُ يَابِسُ الشَّقِّ وَالمَقطُوعُ اليُمْنَى وَالمَقطُوعُ يَدُهُ وَرِجلُهُ مِنْ خِلَاف وَالشَّافِعِيُّ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِ - يُخَالِفُنَا فِي الشَّيخِ الفَانِي
الصياح يُقتل؛ لأنه بصياحه يحرضهم على القتال، وكذا إذا كان قادرًا على الإحبال؛ لأنه يجيء منه الولد فيكثر محارب المسلمين.
قوله: (لأن المبيح عندنا هو الْحِرَابُ) وبه قال مالك وأحمد والشافعي في قول وقال في قول آخر.
وقوله: (والشافعي يخالفنا في الشيخ الفاني … ) إلى آخره هذا في قول له.
وفي شرح الوجيز (١): وفي الشيوخ الضعفاء والعميان والزَّمنى ومقطوعو الأيدي والأرجل قولان:
في قول: يجوز قتلهم وبه قال أحمد في رواية لعموم قوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥]، وروي أنه ﵇ قال: «اقْتُلُوا شُيُوخَ الْمُشْرِكِينَ، وَاسْتَحْيُوا شَرْخَهُمْ» (٢)؛ أي المراهقين؛ لأنهم كفار والكفر مبيح للقتل.
وفي قول: لا يجوز وبه قال أبو حنيفة ومالك وأحمد في رواية؛ لما روي أنه ﵇ قال: «لا تَقتُلوا شيخًا فانياً ولا طفلًا ولا امرأة» رواه أبو داود (٣)، والمُقعدُ والزَّمِنُ ومقطوع اليدين والرجلين في معناه.
وعن أبي بكر ﵁ أنه أوصى يزيد بن أبي سفيان حين بعثه إلى الشام فقال: لا تقتلوا الولدان ولا النساء ولا الشيوخ، وستجدون قوماً حبسوا أنفسهم في الصوامع، فدعوهم وما حبسوا له أنفسهم.
قوله: (وَلِهَذَا لَا يُقْتَلُ يَابِسُ الشِّقِّ)؛ أي المفلوج، ويراد باليبس بطلان
مَعْرُوفًا﴾ [لقمان: ١٥] وَلِأَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ إِحيَاؤُهُ بِالإِنفَاقِ فَيُنَاقِضُهُ الإِطْلَاقُ فِي إِفْنَائِهِ (فَإِنْ أَدْرَكَهُ امْتَنَعَ عَلَيْهِ حَتَّى يَقتُلَهُ غَيْرُهُ) لِأَنَّ المَقصُودَ يَحْصُلُ بِغَيْرِهِ مِنْ غَيْرِ امْتِحَامِهِ المَأْثَمَ، وَإِنْ قَصَدَ الأَبُ قَتلَهُ بِحَيثُ لَا يُمكِنُهُ دَفَعُهُ إِلَّا بِقَتْلِهِ لَا بَأْسَ بِهِ؛ لِأَنَّ مقْصُودَهُ الدَّفْعُ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَو شَهَرَ الأَبُ المُسلِمُ سَيفَهُ عَلَى ابْنِهِ وَلَا يُمْكِنُهُ دَفَعُهُ إِلَّا بِقَتْلِهِ يَقْتُلُهُ لِمَا بَيَّنَّا فَهَذَا أُولَى، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
وفي السير الكبير (١): المراد الأبوان المشركان بدليل قوله تعالى: ﴿وَإِنْ جَهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي﴾ [لقمان: ١٥]، وليس من المعروف أن يقتلهما ويتركهما جَزَرًا للسباع، وروي أنه ﵇ منع أبا بكر عن قتل أبيه يوم بدر ولا خلاف فيه.
قوله: (امتنع عليه)، وفي الذخيرة (٢): لو ظفر على قتل أبيه لا ينبغي أن يقصده بالقتل، ولا ينبغي أن يمكنه من الرجوع، حتى لا يعود حرباً علينا، ولكنه يلجئه إلى موضع يستمسك به حتى يجيء غيره فيقتله.
قوله: (لا بأس به)؛ أي يقتل أبيه؛ لأن مقصود الابن الدفع؛ لأن الابن في هذه الحالة يؤثر حياة نفسه على حياة أبيه، وله ذلك، ألا ترى أنهما إذا كانا في سفر وعطشا ومع الابن ماء يكفي لأحدهما للابن أن يشربه، وإن كان الأب يموت عطشا فكذا هاهنا.
قوله: (لما بينا)، وهو أن المقصود الدفع فهذا أولى لأنه كافر، وكذا هذا في الأم والجد والجدة، ولو كان المشرك أخاً؛ له أن يبتدئ بقتله.
وعند الشافعي: يكره أن يقتل ذا رحم مُحَرّم من الكفار، وفي ذي رحم غير مُحَرّم له وجهان في وجه يكره، وفي وجه لا يكره، وقول مالك وأحمد كقولنا.
فإن قيل: الأب والأخ إذا كانا باغيين، لا يحل له أن يبتدئ بقتلهما، وفي الأخ المشرك يحل الابتداء بقتله فما وجه الفرق؟.
قلنا: الأخ إذا كان مسلما يجب إحياؤه بالاتفاق بالكف عن قتله فكذا إذا كان باغياً، وإذا كان كافراً لا يجوز إحياؤه بالاتفاق؛ فكذا لا يجب إحياؤه
стр. 4088
بَابُ المُوَادَعَةِ وَمَنْ يَجُوزُ أَمَانَهُ
(وَإِذَا رَأَى الإِمَامُ أَنْ يُصَالِحَ أَهْلَ الحَربِ أَوْ فَرِيقًا مِنهُم، وَكَانَ ذَلِكَ مَصْلَحَةٌ لِلمُسلِمِينَ فَلَا بَأْسَ بِهِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ [الأنفال: ٦١] «وَوَادَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَهلَ مَكَّةَ عَامَ الحُدَيبِيَةِ عَلَى أَنْ يَضَعَ الحَربَ بَينَهُ وَبَيْنَهُم عَشْرَ سِنِينَ»، وَلِأَنَّ المُوَادَعَةَ جِهَادٌ مَعنى إِذَا كَانَ خَيْرًا لِلمُسلِمِينَ، لِأَنَّ المَقْصُودَ وَهُوَ دَفعُ الشَّرِّ حَاصِلٌ بِهِ، وَلَا يُقْتَصَرُ الحُكمُ عَلَى المُدَّةِ المَروِيَّةِ لِتَعَدِّي المَعْنَى إِلَى مَا
بالكف عن قتله فكذا إذا كان باغياً، بخلاف الأبوين فإنه يجب إحياؤهما إذا كانا كافرين بالاتفاق؛ فكذا يجب إحياؤهما بالكف عن قتلهما.
وفي المحيط: وكذا لا يجوز قتل الأجداد والجدات المشركات، ولا خلاف فيه للأئمة الأربعة.
ولا يكره قتل ابنه المشرك، وعند الشافعي يكره؛ لأنه يكره عنده قتل ذي الرحم المُحرَّم، إلّا أن يستمع منه أو من ابنه ذكر الله تعالى بسوء أو رسوله؛ فحينئذ لم يكره عنده؛ لما روي أن عبيدة بن الجراح قتل أباه سمعه يسب النبي ﷺ فلم ينكر النبي ﵇ صنيعه والله أعلم.
باب الموادعة ومن يجوز أمانه
لما ذكر القتال شرع في تركه إذ ترك الشيء يعقب وجوده، والمراد بالموادعة؛ المصالحة، وسميت المصالحة بالموادعة؛ لأنها متاركة من الودع وهو الترك.
قوله: (وكان مصلحة للمسلمين)، وإن لم يكن في الصلح مصلحة للمسلمين، لا يجوز باتفاق الفقهاء.
فإن قيل: قوله تعالى ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا﴾ [الأنفال: ٦١] الآية عامة فتقتضي الجواز مطلقًا.
قلنا: هذه الآية محمولة فيما إذا كانت مصلحة فيه للمسلمين بدليل آية أخرى، وهي قوله تعالى: ﴿فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ﴾ [محمد: ٣٥]، وبدليل الآيات الموجبة للقتال وإلا يلزم التناقض؛ فإنا أمرنا بقتالهم وترك ما هو فرض لا يجوز بغير عذر؛ لأنه يلزم ترك الجهاد.
стр. 4089
زَادَ عَلَيْهَا، بِخِلَافِ مَا إِذَا لَم يَكُنْ خَيْرًا؛ لِأَنَّهُ تَركُ الجِهَادِ صُورَة وَمَعنى (وَإِنْ صَالَحَهُم مُدَّة، ثُمَّ رَأَى نَقضَ الصُّلحِ أَنفَعَ نَبَذَ إِلَيْهِم وَقَاتَلَهُم) لِأَنَّهُ ﵊ نَبَذَ المُوَادَعَةَ الَّتِي كَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَهْلِ مَكَّةَ، وَلِأَنَّ المَصْلَحَةَ لَمَّا تَبَدَّلَت
(صورة ومعنى) أما صورة فظاهر، وأما معنى فلأنها إذا لم تكن في المصالحة مصلحة لنا، لم يكن فيها دفع شرهم فلم يحصل الجهاد معنى، وبدليل موادعة النبي ﵇ على ما ذكر في الكتاب.
قوله: (ولا يَقْتَصِرُ الْحُكْمُ عَلَى الْمُدَّةِ المذكورة)، وهي عشر سنين؛ بل على ما يراه الإمام وبه قال مالك وأصحاب أحمد لإطلاق النص.
وقال الشافعي: لا يجوز سنة إذا كان الإمام مستظهرًا، أما إذا كان الإمام من غير مستظهر؛ بأن يكون في المسلمين ضعف فتجوز أكثر من سنة مدة تدعو الحاجة إليها، وأكثرها عشر سنين، وفي الأصح لا يجوز أكثر من أربعة أشهر وكان ذلك في أقوى ما كان عند منصرفه من تبوك.
وروى أنه ﵇ صالح صفوان بن أمية يوم الفتح أربعة أشهر فأسلم قبل المدة، ولا يجوز أن يصالح سنة؛ لأنها مدة الجزية، ولا يقر الكافر سنة بلا جزية، وفيما بين أربعة أشهر وسنة قولان: أصحهما المنع لأنه أمر بقتل المشركين مطلقًا وأذن في الصلح أربعة أشهر.
وقلنا: قوله تعالى: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ﴾ الآية مطلق غير مقيد، وقد صالح النبي ﵇ عشر سنين فعلم أن المدة غير مقتصرة بمدة لما روينا، ولما رأيت من أربعة أشهر ففوض إلى رأي الإمام، ويقدر بقدر الحاجة والمصلحة، وهي قد تزيد وتنقص لتعدي المعنى، وهو دفع الشر، كما أنه يحتمل أن تكون المصلحة فيما إذا زاد على عشر سنين.
الحديبية - بتخفيف الياء الأخيرة وقد يشد: موضع قريب من مكة، وكان في صلح الحديبية مصلحة للمسلمين؛ لمواطأة كانت بين أهل مكة وبين أهل خيبر.
قوله: (نَبَذَ إِلَيْهِمْ)، وفي المغرب (١): نبذ الشيء من يده؛ طرحه نبدا ونبذ العهد نقضه، وهو بين ذلك؛ لأنه لما أضرهم طرحه عليهم.
стр. 4090
كَانَ النَّبِذُ جِهَادًا، وَإِيفَاءُ العَهْدِ تَركُ الجِهَادِ صُورَةً وَمَعنَى، وَلَا بُدَّ مِنْ النَّبِذِ تَحَرُّزًا عن الغدرِ، وَقَدْ قَالَ ﵊: فِي العُهُودِ وَفَاءٌ لَا غَدْرُ وَلَا بُدَّ مِنْ اعتِبَارِ مُدَّة يَبْلُغُ فِيهَا خَبَرُ النَّبذِ إِلَى جَمِيعِهِم، وَيَكتَفِي فِي ذَلِكَ بِمُضِيِّ مُدَّةٍ يَتَمَكَّنُ مَلِكُهُم بَعدَ عِلمِهِ بِالنَّبذِ مِنْ إِنفَاذِ الخَبَرِ إِلَى أَطرَافِ مَمْلَكَتِهِ؛ لِأَنَّ بِذَلِكَ يَنتَفِي الغَدرُ. قَالَ: (وَإِنَّ بَدَوُوا بِخِيَانَة قَاتَلَهُم وَلَم يَنْبِذْ إِلَيهِم إِذَا كَانَ ذَلِكَ بِاتِّفَاقِهِم) لأَنَّهُم صَارُوا نَاقِضِينَ لِلعَهْدِ فَلَا حَاجَةَ إِلَى نَقضِهِ، بِخِلَافِ مَا إِذَا دَخَلَ جَمَاعَةٌ مِنهُم فَقَطَعُوا الطَّرِيقَ وَلَا مَنَعَةَ لَهُمْ حَيثُ لَا يَكُونُ هَذَا نَقضًا لِلعَهْدِ، وَلَو كَانَتْ لَهُمْ مَنَعَةٌ وَقَاتَلُوا المُسلِمِينَ عَلَانِيَة، يَكُونُ نَقضًا لِلعَهْدِ فِي حَقِّهِم دُونَ غَيْرِهِم؛ لِأَنَّهُ بِغَيْرِ إِذنِ مَلِكِهِم، فَفِعْلُهُم لَا يُلزِمُ غَيْرَهُم حَتَّى لَو كَانَ بِإِذْنِ مَلِكِهِم صَارُوا نَاقِضِينَ للعَهْدِ، لِأَنَّهُ بِاتِّفَاقِهِم مَعنى.
(وَإِذَا رَأَى الإِمَامُ مُوَادَعَةَ أَهْلِ الحَرْبِ وَأَنْ يَأْخُذَ عَلَى ذَلِكَ مَالًا فَلَا بَأْسَ بِهِ) لِأَنَّهُ لَمَّا جَازَتِ المُوَادَعَةُ بِغَيرِ المَالِ فَكَذَا بِالمَالِ، لَكِن هَذَا إِذَا كَانَ بِالْمُسْلِمِينَ حَاجَةٌ، أَمَّا إِذَا لَم تَكُنْ لَا يَجُوزُ لِمَا بَيَّنَّا مِنْ قَبْلُ، وَالمَأْخُوذُ مِنْ المَالِ يُصْرَفُ مَصَارِفَ الجِزْيَةِ، هَذَا إِذَا لَم يَنزِلُوا بِسَاحَتِهِم بَلْ أَرسَلُوا رَسُولًا؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الجِزْيَةِ، أَمَّا إِذَا أَحَاطَ الجَيْشُ بِهِمْ ثُمَّ أَخَذُوا المَالَ فَهُوَ غَنِيمَةٌ يُخَمِّسُهَا وَيُقَسِّمُ البَاقِيَ بَيْنَهُم، لِأَنَّهُ مَأْخُوذُ بِالقَهْرِ
قال ﵇ في العهود: «وفَاءُ» أي هي وفاء، وقال تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَأَنْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءِ﴾ [الأنفال: ٥٨]؛ أي على سواء منكم ومنهم في العلم بذلك؛ فعلم أنه لا يحل قتالهم قبل النبذ وقبل علمهم بذلك.
قوله: (لما بينا من قبل)، وهو أنه ترك الجهاد صورة ومعنى.
قوله: (إذا لم ينزلوا بساحتهم)؛ أي بدار أهل الحرب للحرب؛ لأنه المأخوذ منهم بعد نزول العسكر بدار الحرب للحرب.
(مأخوذ قهرا) معنى فكأنما المأخوذ قهرا صورة ومعنى وهو المأخوذ بعد الفتح (١).
стр. 4091
معنى (وَأَمَّا المُرتَدُّونَ فَيُوَادِعُهُم الإِمَامُ حَتَّى يَنظُرَ فِي أَمْرِهِم)؛ لِأَنَّ الإِسْلَامَ مَرجُوٌّ مِنهُم، فَجَازَ تَأْخِيرُ قِتَالِهِم طَمَعًا فِي إِسْلَامِهِم (وَلَا يَأْخُذُ عَلَيْهِ مَالًا)؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَخْذُ الجِزْيَةِ مِنْهُم لِمَا نُبَيِّنُ (وَلَو أَخَذَهُ لَم يَرُدَّهُ)؛ لِأَنَّهُ مَالٌ غَيْرُ مَعصُوم، وَلَو حَاصَرَ العَدُوُّ المُسلِمِينَ وَطَلَبُوا المُوَادَعَةَ عَلَى مَال يَدفَعُهُ المُسلِمُونَ إِلَيْهِم، لَا يَفْعَلُهُ الإِمَامُ، لِمَا فِيهِ مِنْ إعطاءِ الدَّنِيَّةِ وَالحَاقِ المَذَلَّةِ بِأَهلِ الإِسْلَامِ، إِلَّا إِذَا خَافَ الهَلَاكَ،
قوله: (وَأَمَّا الْمُرْتَدُّونَ) وكذا الباغون فتجوز موادعتهم حتى ينظروا في أمرهم؛ لأنه ترك القتال لمصلحة فجاز كما في حق أهل الحرب.
(ولا يأخذ عليه)؛ أي على تأخير قتالهم (مالا)؛ لأن في أخذ المال تقريرا على ذلك، وتقرير المرتد على الردة لا يجوز، ولأنه يشبه الجزية، (ولو أخذ لا رده)؛ لأن في الرد عليهم معونة على القتال لهم.
قوله: (لما فيه)؛ أي في ذلك الصلح (من إعطاء الدنية)؛ أي النقيصة، ومنها قول عمر ﵁: إن الله تعالى أعزّ الإسلام فلم نُعْطِ الدنية في ديننا ذكره في المغرب (١)، في الحديث: «ليس للمُؤمِن أن يُذِلَّ نفسَهُ» (٢) (إلا إذا خاف)؛ أي الإمام (الهلاك) على نفسه وسائر المسلمين كما قال تعالى: ﴿هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا﴾ [الأحزاب: ١١].
بعث النبي ﷺ إلى عيينة بن حصن وطلب منه أن يرجع بمن معه على أن يعطيه كل سنة ثلث ثمار المدينة فأبى إلا النصف فلما حضر رسله ليكتبوا بين يدي النبي ﷺ ، قام سيد الأنصار سعد بن معاذ وسعد بن عبادة ﵃ وقالا: يا رسول الله إن كان هذا عن وحي فامض بما أمرت به، وإن كان رأيًا رأيته فقد كنا نحن وهم في الجاهلية، لم يكن لنا ولهم دين، وكانوا لا يطمعون في ثمار المدينة إلا بشراء أو قرى؛ فإذا أعزنا الله بالدين، وبعث فينا رسوله نعطيهم الدنية لا نعطيهم إلا السيف.
стр. 4092
لِأَنَّ دَفعَ الهَلَاكِ وَاجِبٌ بِأَيِّ طَرِيق يُمكِنُ وَلَا يَنبَغِي أَنْ يُبَاعَ السِّلَاحُ مِنْ أَهلِ الحَربِ، وَلَا يُجَهَّزُ إِلَيْهِم لِأَنَّ النَّبِيَّ ﵊ نَهَى عَنْ بَيعِ السِّلَاحِ مِنْ أَهْلِ الحَرْبِ وَحَملِهِ إِلَيْهِم، وَلِأَنَّ فِيهِ تَقوِيَتَهُم عَلَى قِتَالِ المُسلِمِينَ، فَيُمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ، وَكَذَا الكُرَاعُ لِمَا بَيَّنَّا،
فقال ﵇: «إِنِّي رأيتُ العربَ رَمَتْكُمْ بقوس واحدة - أي: شديد الاجتماع على المعاد فأحببت أن أصرفهم عنكم فإن أبيتُم إِلَّا ذلك فأنتُم وذاك فاذهبوا فلا نعطيكم إلا السيف» (١) فقد مال ﵇ إلى الصلح في الابتداء لما أحس الضعف بالمسلمين؛ فحين رأى القوة لهم امتنع عن ذلك، وقد كان ﵇ يعطي المؤلفة قلوبهم من الصدقة؛ لدفع ضررهم؛ فدل أنه لا بأس به عند خوف الضرر كذا في المبسوط (٢).
قوله: (لأن دفع الهلاك (واجب) بأي طريق كان، وهذا لا يجري على عمومه فإنه لو لم يكن دفع الهلاك عن نفسه إلا بإجراء كلمة الكفر، ينبغي أن يجب إجراؤها حيث لا يجب؛ بل هو ترخص فيه، وكذا لو أكرهه بقتل نفسه أن يقتل غيره لا يجب عليه قتل الغير؛ بل الصبر عن قتل الغير هو الواجب حتى لو صبر على الصورتين كان شهيدا؛ فعلم أن المراد بأي طريق) كان سوى المستثنيات التي لا إباحة في مباشرتها شرعا.
قوله: (وَلَا يُجَهِّزُ إِلَيْهِمْ)؛ أي لا يبعث التجار إليهم بالجهاز، وهو فاخر المتاع والمراد هنا السلاح والكراع والحديد.
وقوله: (لما بينا) إشارة إلى قوله: (لأن فيه تقويتهم) يقال: مَارَأَهُ؛ أي أتاهم بالميرة، وهو الطعام، ولو شرطوا في الصلح أن يرد عليهم الإمام من جاءنا مسلما منهم بطل الشرط، ولم يجب الوفاء به عندنا.
وبه قال مالك وقال الشافعي وأحمد في رواية: يجب الوفاء به في الرجال
стр. 4093
وَكَذَلِكَ الحَدِيدُ لِأَنَّهُ أَصلُ السِّلَاحِ، وَكَذَا بَعدَ المُوَادَعَةِ؛ لِأَنَّهَا عَلَى شَرَفِ النَّقْضِ أو الانقِضَاءِ فَكَانُوا حَربًا عَلَيْنَا، وَهَذَا هُوَ القِيَاسُ فِي الطَّعَامِ وَالثَّوبِ، إِلَّا أَنَّا عَرَفْنَاهُ بِالنَّصِّ «فَإِنَّهُ ﵊ أَمَرَ ثُمَامَةَ أَنْ يَمِيرَ أَهْلَ مَكَّةَ وَهُمْ حَربٌ عَلَيْهِ».
فَصْلٌ: [بَيَانُ أَحْكَامِ الْأَمَانِ]
(إِذَا أَمَّنَ رَجُلٌ حُرٌّ أَوْ امرَأَةٌ حُرَّةٌ كَافِرًا أَوْ جَمَاعَةٌ أَوْ أَهْلَ حِصْنٍ أَوْ مَدِينَةٍ، صَحَّ أَمَانُهُم وَلَم يَكُنْ لِأَحَد مِنْ المُسلِمِينَ قِتَالُهُم) وَالأَصلُ فِيهِ قَولُهُ ﵊: «المُسلِمُونَ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُم وَيَسْعَى بِذِمَّتِهِم أَدْنَاهُم» أَي أَقَلُّهُم، وَهُوَ الوَاحِدُ
دون النساء؛ لأنه ﵇ فعل ذلك بأهل مكة.
ولو شرط رد النساء المهاجرات لا يجب على الإمام الرد؛ فإذا جاءت مسلمة مهاجرة إلينا أو شرط بقوله: من جاءنا منكم لا يجب على الإمام رد النساء.
وهل يغرم المهر؟ فيه قولان له في قول: لا يغرم، وهو قولنا ومالك وأحمد، وفي قول: يغرم.
وقلنا: إن شرط الرد مخالف للنص قال تعالى: ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتِ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾ [الممتحنة: ١٠] الآية، وما روى نسخ بما تلونا.
فصل
ألحق فصل الأمان بالموادعة؛ لما أن كلا منهما سبب ترك القتال إلا أن الموادعة من الإمام فقدمها لتقدم فاعلها.
قوله: (صَحَّ أَمَانُهُمْ)؛ أي أمان تلك الجماعة الكفار، أو أهل الحصن أضاف المصدر إلى المفعول.
قوله: (تَتَكَافَأُ)؛ أي تتماثل. (بذمتهم)؛ أي بعهدهم فإضافة المصدر إلى الفاعل هاهنا (أدناهم)؛ أي أقلهم (وهو الواحد)؛ لأنه لا أقل منه. والمراد بالذمة العهد مؤقتا كان أو مؤبدا وذلك الأمان وعقد الذمة.
وإنما فسر الأدنى بالأقل هاهنا؛ احترازًا عن تفسير محمد حيث فسره
стр. 4094
وَلِأَنَّهُ مِنْ أَهلِ القِتَالِ فَيَخَافُونَهُ، إذ هُوَ مِنْ أَهلِ المَنَعَةِ فَيَتَحَقَّقُ الأَمَانُ مِنهُ لِمُلَاقَاتِهِ مَحَلَّهُ، ثُمَّ يَتَعَدَّى إِلَى غَيْرِهِ، وَلِأَنَّ سَبَبَهُ لَا يَتَجَزَّأُ وَهُوَ الإِيمَانُ، وَكَذَا الْأَمَانُ لَا يَتَجَزَّأُ فَيَتَكَامَلُ كَوِلَايَةِ الإِنكَاحِ.
بالعبد؛ لأنه أدنى المسلمين فجعل الأدنى هاهنا من الدناءة، وجعله غيره من الدنو (لأنه)؛ أي لأن الواحد سواء كان رجلا أو امرأة (من أهل القتال) بالتسبيب إما بنفسها، بأن تخرج للمداواة والخير، وذلك منها جهاد، أو بمالها أو بعبيدها.
وأما قوله ﵇: «هاه ما كانَتْ هذهِ تُقاتِلُ»؛ أي بنفسها.
وفي المبسوط (١): أن زينب بنت رسول الله ﷺ أمنت زوجها أبا العاص بن الربيع؛ فأجاز رسول الله أمانها.
وعن أم هانئ: أجرْتُ حَمَوين لي يوم فتح مكة فدخل علي يريد قتلهما فقال: أتجيرين المشركين فقالت: لا إلا أن يبدأني قتلهما وأخرجته من البيت وغلقت الباب عليهما ثم أتيت رسول الله ﷺ فلما رآني قال: مرحبًا بأم هاني قلت: ماذا لقيت من ابن أمي عليّ أجرت حَمَوين لي، وأراد قتلهما قال ﵇: «ليسَ لَهُ ذلِكَ قد أجَرْنا من أجَرْتِ وأمنًا مَنْ أَمَنتِ» (٢).
(فيتحقق الأمان منه؛ أي من واحد لملاقاته)؛ أي لملاقاة الأمان (محله)؛ أي محل الأمان، وهو محل الخوف إذ الأمان إزالة الخوف، وهو موجود فيهما على ما ذكرنا. ثم يتعدى؛ أي الأمان (إلى غيره)؛ أي غير الذي أمن من أهل الإسلام كما في شهادة هلال رمضان.
(ولأن سببه)؛ أي سبب الأمان (لا يتجزأ وهو الإيمان بالقلب أو هو الإسلام لا يتجزأ فكذا الأمان لا يتجزأ فيتكامل)؛ أي ينفرد كل به؛ أي كل مسلم لكمال سببه في حقه كالتزويج بولاية القرابة فإن الصغيرة، إذا كان لها أخوان ينفرد كل واحد منهما بولاية التزويج؛ لأن سببها الأخوة لا تتجزأ.
стр. 4095
قَالَ: (إِلَّا أَنْ يَكُونَ فِي ذَلِكَ مَفْسَدَةٌ. فَيُنْبِذُ إِلَيْهِم) كَمَا إِذَا أَمَّنَ الإِمَامُ بِنَفْسِهِ ثُمَّ رَأَى المَصْلَحَةَ فِي النَّبذِ وَقَدْ بَيَّنَّاهُ.
وَلَو حَاصَرَ الإِمَامُ حِصنا وَأَمَّنَ وَاحِدٌ مِنْ الجَيشِ وَفِيهِ مَفْسَدَةٌ يَنبِذُ الإِمَامُ لِمَا بَيَّنَا، وَيُؤَدِّبُهُ الإِمَامُ لِافتِيَاتِهِ عَلَى رَأْيِهِ، بِخِلَافِ مَا إِذَا كَانَ فِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّهُ رُبَّمَا تَفُوتُ المَصْلَحَةُ بِالتَّأْخِيرِ فَكَانَ مَعذُورًا وَلَا يَجُوزُ أَمَانُ ذِمِّي لِأَنَّهُ مُتَّهَمْ بِهِم، وَكَذَا لَا وِلَايَةَ لَهُ عَلَى المُسلِمِينَ. قَالَ: (وَلَا أَسِير وَلَا تَاجِر يَدخُلُ عَلَيْهِم) لِأَنَّهُمَا مَقْهُورَانِ تَحتَ أَيْدِيهِمْ فَلَا يَخَافُونَهُمَا وَالأَمَانُ يَختَصُّ بِمَحَلِّ الخَوفِ وَلِأَنَّهُمَا يُجِبَرَانِ عَلَيْهِ فِيهِ، فَيَعرَى الأَمَانُ عَنْ المَصْلَحَةِ، وَلِأَنَّهُم كُلَّمَا اشْتَدَّ الأَمرُ عَلَيْهِم يَجِدُونَ أَسِيرًا أَوْ تَاجِرًا فَيَتَخَلَّصُونَ بِأَمَانِهِ فَلَا يَنفَتِحُ لَنَا بَابُ الفَتحِ.
وَمَنْ أَسْلَمَ فِي دَارِ الحَرب وَلَم يُهَاجِر إِلَيْنَا، لَا يَصِحُ أَمَانُهُ لِمَا بَيَّنَّا (وَلَا يَجُوزُ أَمَانُ العَبدِ المَحْجُورِ عَليهِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ إِلَّا أَنْ يَأْذَنَ لَهُ مَولَاهُ فِي القِتَالِ، وَقَالَ
(وقد بيناه) أي في باب الموادعة، وكذ (ا لما بينا) إشارة إلى ما ذكر في باب الموادعة، ثم رأى نقض الصلح (نبذ إليهم … ) إلى آخره.
قوله: (لافتياته)؛ أي لسبقه على رأي الإمام في أمر الحرب وحقيقة الافتئات الاستبداد بالرأي، وأصله الافتوات قلبت الواو بالياء لكسرة ما قبلها، وهو افتعال من الفوت والسبق.
قوله: (أي الذمي متهم بهم)؛ لأنه يوافقهم اعتقادا أو يميل إليهم، ولأنه لم يوجد في حقه سبب ولاية الأمان وهو الإيمان.
وعن مالك يصح أمانه؛ لأن له ذمة فكان تابعا للمسلمين، والمشهور منه لا يصح كقول الجماعة.
(ولا تاجر ولا أسير)، ولا يصح أمان الخائف وبه قال مالك.
وقال الشافعي: إن لم يستأمنوا من التاجر والمسلم الذي بين أظهرهم؛ لم يصح أمانه في وجه وفي وجه يصح والأول أصح، أما لو أكرهوه أو استأمنوه لا يصح وجهاً واحداً.
قوله: (لما بينا) إشارة إلى قوله: (إن الأمان يختص بمحل).
стр. 4096
مُحَمَّدٌ: يَصِحُّ) (*) وَهُوَ قَولُ الشَّافِعِيّ، وَأَبُو يُوسُفَ مَعَهُ فِي رِوَايَة، وَمَعَ أَبِي حَنِيفَةَ فِي رِوَايَة، لِمُحَمَّد: قَولُهُ ﵊: «أَمَانُ العَبدِ أَمَانٌ» رَوَاهُ أَبُو مُوسَى الأَشْعَرِيُّ، وَلِأَنَّهُ مُؤمِنٌ مُمتَنِعٌ فَيَصِحُّ أَمَانُهُ اعْتِبَارًا بِالمَأْذُونِ لَهُ فِي القِتَالِ وَبِالمُؤَبَّدِ، مِنْ الأَمَانِ، فَالإِيمَانُ لِكَونِهِ شَرطًا لِلعِبَادَةِ، وَالجِهَادُ عِبَادَةٌ، وَالِامْتِنَاعُ لِتَحَقُّقِ إِزَالَةِ الخَوفِ بِهِ، وَالتَّأثِيرُ إعزَازُ الدِّينِ، وَإِقَامَةُ المَصْلَحَةِ فِي حَقِّ جَمَاعَةِ المُسلِمِينَ؛ إذ الكَلَامُ فِي مِثْلِ هَذِهِ الحَالَةِ، وَإِنَّمَا لَا يَمْلِكُ المُسَايَفَةُ لِمَا فِيهِ مِنْ تَعطِيلِ مَنَافِعِ
قوله: (وقال الشافعي)، وبه قال مالك وأحمد وأبو يوسف في رواية للحديث المذكور.
وعن عمر قال: إن أول أمان واحد من المسلمين كيف أرده حين أعلم بأمان عبد، ولأنه مؤمن من أهل القتال؛ لأن تأثير الإذن في رفع المانع لا في إثبات الأهلية لمن ليس بأهل، ولأن الأمان ترك القتال، فلا يستفاد بالإذن في القتال لأنه ضده، وبعد الإذن هو في الأمان ليس بنائب عن سيده حتى يعتبر دينه لا دين سيده؛ فدل أنه إنما كان أهلا لكونه مسلما إذ الإسلام شرط صحة العبادة. والجهاد عبادة، والأمان جهاد معنى من أهل القتال.
قوله: (مُؤْمِنٌ مُمْتَنِعُ)؛ أي ذي قوة وامتناع يعني له نية صالحة للقتال.
قوله: (وبالمؤبد من الأمان) وهو عقد الذمة حيث يصح عقد الذمة منه بالاتفاق، وعقد الذمة أقوى من الأمان فيستدل بصحة الأقوى على صحة الأدنى بالطريق الأولى.
وقوله: (فالإيمان)؛ أي شرطنا الإيمان ليصح منه الأمان كما ذكرنا أنه جهاد معنى (والامتناع)؛ أي شرطنا كونه ذا امتناع وقوة؛ ليتحقق إزالة الخوف فيكون الأمان في محله.
قوله: (وَإِنَّمَا لَا يَمْلِكُ الْمُسابقة) (١)؛ أي القتال يعني إنما حجر عن القتال للمسايفة؛ لما فيه من الضرر بالمولى؛ فربما يقتل فتفوت ماليته، ولأنه يقوم
стр. 4097
المُوَلَّى وَلَا تَعطِيلَ فِي مُجَرَّدِ القَولِ. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ: أَنَّهُ مَحْجُورٌ عَنِ الْقِتَالِ فَلَا يَصِحُ أَمَانُهُ، لِأَنَّهُم لَا يَخَافُونَهُ فَلَم يُلاقِ الأَمَانُ مَحَلَّهُ، بِخِلَافِ المَأْذُونِ لَهُ فِي القِتَالِ، لِأَنَّ الخَوفَ مِنهُ مُتَحَقِّقٌ، وَلِأَنَّهُ إِنَّمَا لَا يَمْلِكُ المُسَابَقَةَ لِمَا أَنَّهُ تَصَرُّفٌ فِي حَقِّ المُوَلَّى عَلَى وَجْه لَا يَعْرَى عَنْ احْتِمَالِ الضَّرَرِ فِي حَقِّهِ، وَالْأَمَانُ نَوعُ قِتَالِ وَفِيهِ مَا ذَكَرنَاهُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يُخطِئُ، بَلْ هُوَ الظَّاهِرُ، وَفِيهِ سَدُّ بَابِ الِاسْتِعْنَامِ، بِخِلَافِ المَأْذُونِ، لِأَنَّهُ رَضِيَ بِهِ
بمنفعة البدن، إذ لا مال له حتى يقوم جهاده؛ فيقوم الجهاد بمنفعة بدنه ومنافع بدنه مستحقة للمولى.
قوله: (ولا تعطيل)؛ أي (ولا تعطيل المنافع بمجرد القول)، وهو الأمان بل فيه نفع يعود إلى المولى وغيره من المسلمين؛ إذ الكلام في موضع يكون في أمانه مصلحة لهم.
قوله: (ولأبي حنيفة)، وبه قال مالك في رواية سحنون عنه؛ أي (العبد محجور عن القتال فلا يصح أمانه لأنهم لا يخافونه)؛ فلا يقع الأمان في محله.
قوله: (وَالْأَمَانُ نَوْعُ قِتَالٍ)؛ لأن القتال ما شرع لعين المسابقة (١) والمقاتلة، وإنما شرع لكونه سببا لكسر شوكة العدو ودفع شرهم وإعزاز الدين، وهذا كما يحصل بالقتال يحصل بالأمان أيضًا؛ فإن الأمان شرع حال ضعف المسلمين وقوة الكفار، ولا شك أن كسر شوكتهم وإعزاز الدين يحصل في هذه الحالة بالأمان؛ فثبت أن الأمان قتال معنى والعبد لا يملك القتال بغير إذن المولى فكذا لا يملك الأمان.
وهذا لأنه قد يخطئ لأن الخيرية في الأمان مستورة لا يعرفه إلا من يكون مشغولا، والعبد محجور عنه فيتحقق الضرر وهذا معنى قوله: (وفيه) أي في الأمان ما ذكرناه وهو إلحاق الضرر بالمولى.
(وفيه)؛ أي في الأمان سد باب الاستغنام والاسترقاق يعني تصرفه لما يوهم الضرر بالمولى، وفي حق جميع المسلمين بخلاف المأذون له في القتال (لأنه) أي المولى (رضي به).
стр. 4098
وَالخَطَأُ نَادِرٌ لِمُبَاشَرَتِهِ القِتَالَ، وَبِخِلَافِ المُؤَيَّدِ، لِأَنَّهُ خَلَفَ عَنِ الإِسْلَامِ فَهُوَ بِمَنزِلَةِ الدَّعْوَةِ إِلَيْهِ، وَلِأَنَّهُ مُقَابَلٌ بِالجِزْيَةِ، وَلِأَنَّهُ مَفْرُوضٌ عِنْدَ مَسْأَلَتِهِم ذَلِكَ، وَإِسْقَاط الفَرضِ نَفْعٌ فَافْتَرَقَا. وَلَو أَمِنَ الصَّبِيُّ وَهُوَ لَا يَعْقِلُ لَا يَصِحُ كَالمَجْنُونِ وَإِنْ كَانَ يَعْقِلُ وَهُوَ مَحْجُورٌ عَنِ القِتَالِ فَعَلَى الخِلَافِ، وَإِنْ كَانَ مَأْذُونَا لَهُ فِي القِتَالِ فَالْأَصَحُ أَنَّهُ يَصِحُ بِالاتِّفَاقِ.
قوله: (والخطأ نادر) يعني احتمال الخطأ في الأمان لمباشرة العبد القتال؛ فالظاهر أنه إذا باشر القتال يعرف الخيرية في الأمان، ولا يخطئ إلا نادرا، والمروي محمول على المأذون.
(وبخلاف المؤبد): وهو عقد الذمة. (لأنه) أي المؤبد (خلف عن الإسلام) فكان كالدعوة إلى الإسلام، وللعبد ولاية عرض الإسلام على غيره.
(ولأنه) أي عقد الذمة أمان مقابل بالجزية وفيه نفع للمسلمين. (ولأنه) أي الأمان المؤبد (مفروض)؛ أي فريضة (عند مسألتهم) يعني الكفار إذا طلبوا عقد الذمة يفترض على الإمام إجابتهم إليه، وإسقاط الفرض عن الإمام وغيره نفع محض؛ فيصح منه كقبول الهبة والصدقة.
وفي المبسوط (١): ولو اعتبر ما سبق من العقد احتسب عليهم بتلك المدة لا الجزية، ولو لم يعتبر كان ابتداء المدة من الحال لكونه محض منفعة حكمنا بصحته من العبد، فأما الأمان متردد بين النفع والضرر، ولهذا لا يفترض إجابة الكفار، وفيه إبطال حق المسلمين في الاستغنام.
قوله: (وهو) أي الصبي (لا يعقل) لا يصح، وبه قالت الأئمة الثلاثة كالمجنون.
قوله: (فعلى هذا الخلاف)، يعني لا يصح عند أبي حنيفة وبه قال الشافعي وأحمد في وجه؛ لأن قوله غير معتبر كما في الطلاق والعتاق.
وعند محمد: يصح وبه قال مالك وأحمد.
قوله: (والأصح أنه يصح بالاتفاق)؛ أي باتفاق أصحابنا ومالك وأحمد؛ لأنه تصرف دائر بين النفع والضر كالبيع فيملكه الصبي بعد الإذن.
стр. 4099
بَابُ الغَنَائِمِ وَقِسْمَتِهَا
(وَإِذَا فَتَحَ الإِمَامُ بَلدَة عَنوَة) أَي قَهْرًا فَهُوَ بِالخِيَارِ: إِنْ شَاءَ قَسَّمَهُ بَينَ
باب الغنائم وقسمتها
لما ذكر القتال وما يسقط به القتال وهو الصلح والأمان، شرع في بيان ما يحصل بالقتال.
وفي المغرب (١) عن أبي عبيد؛ ما نيل من الكفار عنوة والحرب قائمة؛ فهو غنيمة يخمس وأربعة أخماسه للغانمين خاصة والفيء؛ ما نيل منهم بعد وضع الحرب، وصيرورة الدار دار الإسلام فحكمه أن يكون لكافة المسلمين، لا يخمس كالخراج والجزية. والنفل؛ ما يعطي الإمام الغازي زيادة على سهمه ومنه النفل والنافلة.
وفي الذخيرة: يجب أن يعلم بالاتفاق في قوله تعالى: ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنفَالِ﴾ [الأنفال: ١] الغنائم؛ لأنها زيادة على محللات هذه الأمة؛ فإن الغنائم حرام على الأمم الماضية، وأحلت لهذه الأمة زيادة ما يحصل للغازي من المقصود الأصلي، وهو الثواب، أما لفظ النفل يستعمل في عرف الفقهاء؛ فيما يعطي الإمام زيادة على سهمه.
وقوله: (أي قهرا) هذا ليس بتفسير له لغة؛ لأن عنا عنوا بمعنى ذل وخضع، وهو لازم وقهر متعد؛ بل يكون تفسيره من طريق شعور الذهن لا من الذلة يلزم القهر أو أن الفتح بالذلة؛ فيكون تفسيرا بلازمه.
قوله: (إن شاء قسمه)؛ أي البلدة على تأويل البلد ووضع على رؤوسهم الجزية وبه صرح في الزيادات وهذا عندنا.
وقال الشافعي وأحمد: تقسم الأراضي أيضًا ولا يتركها في أيديهم.
وقال مالك في المشهور عنه: أراضي الكفار المأخوذة قهرا وَقْفٌ تُصرَفُ في مصالح المسلمين، وعن مالك في رواية يقسمها وعنه في رواية الإمام يُخيَّر كما قلنا.
стр. 4100
المُسلِمِينَ كَمَا فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِخَيْبَرَ (وَإِنْ شَاءَ أَقَرَّ أَهْلَهُ عَلَيْهِ وَوَضَعَ عَلَيْهِم الجِزْيَةَ، وَعَلَى أَرَاضِيهم الخَرَاجَ) كَذَلِكَ فَعَلَ عُمَرُ ﵁ بِسَوَادِ العِرَاقِ بِمُوَافَقَة مِنْ الصَّحَابَةِ، وَلَم يُحمَد مَنْ خَالَفَهُ، وَفِي كُلِّ مِنْ ذَلِكَ قُدوَةٌ فَيَتَخَيَّرُ.
للشافعي عموم قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنفال: ٤١] الآية، ولأن الأراضي صارت حقًا للغانمين عندكم وملكاً لهم عندي بالاستيلاء؛ فلا يجوز إبطال ملكهم أو حقهم إلا ببدل يعدلها.
والخراج لا يعدلها لقلته بخلاف الرقاب أن للإمام أن يبطل حقهم أصلا بالقتل؛ فالعوض القليل أولى لأنها خلقت في الأصل أحرارًا فالإمام إذا استرقهم بدل حكم الأصل وإذا جعلهم أحرارًا بقي حكم الأصل.
وله في فتح السواد وجوه:
أحدها؛ أنه فتح صلحا لا قهرا، والمشهور عن أصحابه أنه فتح عنوة، وقسم أراضي السواد في جملة الغنائم فجعل الأراضي لأهل الخمس، ثم استطاب قلوبهم والمنقولات للغانمينن والصحيح المشهور أنه خصصها بأهل الخمسن ثم استطاب قلوبهم عنها واستردها وردها على أربابهم بخراج يؤدونه كل سنة.
وقال ابن سريج: باعها من أهلها بثمن منجم وفتحت مكة صلحا لا عنوة فيجوز بيع أراضيها عنده.
ولنا؛ حديث فتح مكة فإنها فتحت عنوة وتركت في أيديهم وأبنيتها مما تملك ولم يقسمها بين الغانمين لقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُم بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ﴾ [الفتح: ٢٤]، والظفر في القتال يكون لا في الصلح، وقال ﵇ يومئذ: «مَنْ دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومَنْ ألقى السلاح فهو آمن» (١).
ولو كان الأمن ثابتا بالصلح لما احتيج إلى ذلك، وقصة أم هانئ مع علي دليل عليه أيضًا؛ فأجمع أهل العلم أنها فتحت عنوة وفتح السواد عنوة وهو مشهور في كتب المغازي.