(وَمَنْ قَتَلَ مُسلِمًا خَطَأَ لَا وَلِيَّ لَهُ، أَوْ قَتَلَ حَربِيًّا دَخَلَ إِلَيْنَا بِأَمَانَتْ فَأَسْلَمَ، فَالدِّيَةُ عَلَى عَاقِلَتِهِ لِلإِمَامِ، وَعَلَيْهِ الكَفَّارَةُ)؛ لِأَنَّهُ قَتَلَ نَفْسًا مَعصُومَة خَطَأَ فَتُعَتَبَرُ بِسَائِرِ النُّفُوسِ المَعصُومَةِ، وَمَعنَى قَولِهِ لِلإِمَامِ: أَنَّ حَقَّ الأَخذِ لَهُ؛ لِأَنَّهُ لَا وَارِثَ لَهُ (وَإِنْ كَانَ عَمدًا: فَإِنْ شَاءَ الإِمَامُ قَتَلَهُ، وَإِنْ شَاءَ أَخَذَ الدِّيَةَ)؛ لِأَنَّ النَّفْسَ مَعصُومَةٌ، وَالقَتلَ عَمدٌ، وَالوَلِيَّ مَعْلُومٌ وَهُوَ العَامَّةُ أَوْ السُّلطَانُ. قَالَ ﵊: السُّلطَانُ وَلِيٌّ مَنْ لَا وَلِيَّ لَهُ وَقَولُهُ: وَإِنْ شَاءَ أَخَذَ الدِّيَةَ مَعْنَاهُ بِطَرِيقِ الصُّلحِ؛ لِأَنَّ مُوجِبَ العَمْدِ وَهُوَ القَوَدُ عَيْنًا، وَهَذَا؛ لِأَنَّ الدِّيَةَ أَنفَعُ فِي هَذِهِ المَسأَلَةِ مِنْ القَوَدِ، فَلِهَذَا كَانَ لَهُ وِلَايَةُ الصُّلحِ عَلَى المَالِ (وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَعفُوَ)؛ لِأَنَّ الحَقَّ لِلعَامَّةِ وَوِلَايَتُهُ نَظَرِيَّةٌ، وَلَيْسَ مِنْ النَّظَرِ إِسْقَاطُ حَقِّهِم مِنْ غَيْرِ عِوَض.
وقلنا: المراد بدار الإسلام بلاد يجري فيها أحكام الإسلام، وتكون تحت قهر إسلامهم وسلطانهم، وبدار الحرب؛ بلاد يجري فيها أمر عظيمهم، وتكون تحت قهره فتغايرا اسمًا وموضعًا فيتغايران حكمًا.
وعلى هذا الأصل مسائل، منها هذه.
وثانيها: لحق المرتد إليهم يجعل كموته في إرثه وعتق مدبره وأم ولده وانتساخ إجارته ووقوع الفرقة بتباين الدار، ووجوب الحد على من زنا في دار الحرب، واستحقاق سهم الفرسان إذا جاوز الدرب فارسا فنفق فرسه وقاتل راجلا، وعدم جواز القسمة في دارهم ومشاركة المدد وثبوت الإرث والزام الولد عندنا خلافا له.
ولو أسلم الحربي في دارنا؛ فأولاده الصغار في دار الحرب، وماله فيها فيء عندنا. وعند الأئمة الثلاثة لا يكون فيئا بل ملكه لإسلامه.
قوله: على عاقلة القاتل وفي بعض النسخ على العاقلة للإمام، قوله: ومعنى قوله أي قول محمد للإمام أن حق الأخذ له ويضعها في بيت المال.
قوله: (إن شاء الإمام قتله) وأما إذا كان المقتول لقيطاً كان للإمام أن يقتل قاتله عندنا خلافا لأبي يوسف، وجه قول أبي يوسف أن المولود في دار
стр. 4167
بَابُ العُشْرِ وَالخَرَاجِ
قَالَ: (أَرضُ العَرَبِ كُلُّهَا أَرضُ عُشر، وَهِيَ مَا بَينَ العُذَيبِ إِلَى أَقْصَى حَجَر
الإسلام لا يخلو عن الوارث فلو أثبتنا الولاية للإمام كان فيه إجهال إثبات الحق لغير صاحب الحق والقصاص يمنع بالشبهات، ولهما أن الحق للولي بطريق الخلافة عن الميت نظرًا له والمجهول لا يصلح وليا لأنه لا يمكن الانتفاع به فكان وجوده كعدمه كذا ذكره قاضي خان.
وقوله العامة أو السلطان تردد فيمن له ولاية القصاص ينبغي أن يسقط القصاص كما في المكاتب إذا قيل عن وفاء لكن الإمام هاهنا نائب عن العامة فصار كأن الولي واحد بخلاف مسألة المكاتب.
باب العشر والخراج
لما ذكر ما يصير الكافر به ذميًا، ذكر في هذا الباب ما يجب على الذمي من الوظائف المالية، وهو الخراج لما ذكر أقسام الأرض المغنومة (١) وجواز وضع الخراج عليها ذكر الخراج، وذكر الخراج استدعى ذكر العشر؛ لأن سببهما الأرض النامية؛ فينبغي أن يبين العشرية من الخراجية، إلا أنه قدم ذكر العشر؛ لما فيه من معنى القربة أو من وظائف المسلمين.
والعشر لغة؛ أحد الأجزاء العشرة.
والخراج، ما يخرج من غلة الأرض أو الغلام، ثم سمي ما يأخذه السلطان خراجا فيقال: أدى فلان خراج أرضه أو خراج رأسه يعني الجزية كذا في المغرب (٢).
وفي المبسوط (٣): الخراج صلة مالية، قال تعالى: ﴿فَهَلْ تَجْعَلُ لَكَ خَرَجًا﴾ [الكهف: ٩٤] ﴿أَمْ تَسْئَلُهُمْ خَرْجًا فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ﴾ [المؤمنون: ٧٢].
قوله: (وهو)؛ أي أرض العرب، ذكره بالنظر إلى خبره وهو ماء، وفي بعض النسخ: (وهي ما بين العذيب وهو ماء لتميم).
стр. 4168
بِاليَمَنِ بِمَهرَةَ إِلَى حَدِّ الشَّامِ، وَالسَّوَادُ أَرضُ خَرَاج، وَهُوَ مَا بَينَ العُذَيبِ إِلَى عُقْبَةِ حُلَوَانَ، وَمِنْ الثَّعْلَبِيَّةِ،
وقال أبو عبيد: من حفر (أبي موسى) إلى أقصى (اليمن) في الطول، وأما العرض فمن رمل (يبرين) إلى منقطع (السماوة)، وهي أرض الحجاز، وتهامة والحجاز واليمن ومكة والطائف. (والبرية)؛ أي البادية.
قوله: (إلى أقصى حجر بمهرة)، وما روي إلى أقصى حجر بسكون الجيم وهو الجانب فهو تحريف؛ لما روي عن أبي موسى في الإملاء: حدود أرض العرب ما وراء حدود الكوفة إلى أقصى صخر باليمن، وجزيرة العرب: هي الحجاز سمى جزيرة؛ لأن بحر الحبش وبحر فارس والفرات أحاطت بها، وسمي حجازا؛ لأنه حجز بين تهامة ونجد.
وأرض العرب عشرية؛ لأنه ﵇ والخلفاء بعده لم يأخذوا الخراج منها، ولأن شرط وضع الخراج تقرير أهلها على الكفر، ولا يقبل من مشركي العرب إلا الإسلام أو السيف لقوله ﵇: ﴿لا يَجتَمِعُ دينان في جزيرة العرب﴾ (١) فلم يجز وضع الخراج في أراضيهم.
قوله: (والسواد)؛ أي أراضي سواد العراق، وبه صرح التمرتاشي، وسمي سواد العراق؛ لخضرة أشجاره وزرعه.
(وحلوان)؛ اسم بلد هذا طوله.
(ومن الثعلبية)؛ وهي من منازل البادية، ووضعها موضع العلث خطأ،
стр. 4169
وَيُقَالُ: مِنْ العَلْثِ إِلَى عَبَّادَانَ)؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﵊ وَالخُلَفَاءَ الرَّاشِدِينَ لَم يَأْخُذُوا الخَرَاجَ مِنْ أَرَاضِي العَرَبِ، وَلِأَنَّهُ بِمَنزِلَةِ الفَيْءِ فَلَا يَثْبُتُ فِي أَرَاضِيهِم كَمَا لَا يَثْبُتُ فِي رِقَابِهِم، وَهَذَا؛ لِأَنَّ وَضعَ الخَرَاجِ مِنْ شَرطِهِ أَنْ يُقَرَّ أَهْلُهَا عَلَى الكُفْرِ كَمَا فِي سَوَادِ العِرَاقِ، وَمُشْرِكُو العَرَبِ لَا يُقبَلُ مِنْهُم إِلَّا الإِسْلَامُ أَوْ السَّيفُ، وَعُمَرُ حِينَ فَتَحَ السَّوَادَ وَضَعَ الخَرَاجَ عَلَيْهَا بِمَحضَرٍ مِنْ الصَّحَابَةِ، وَوَضَعَ عَلَى مِصْرَ حِينَ افْتَتَحَهَا عَمْرُو بنُ العَاصِ، وَكَذَا اجْتَمَعَت الصَّحَابَةُ عَلَى وَضِعِ الخَرَاجِ عَلَى الشَّامِ.
قَالَ: (وَأَرضُ السَّوَادِ مَملُوكَةٌ لِأَهْلِهَا، يَجُوزُ بَيعُهُم لَهَا وَتَصَرُّفُهُم فِيهَا)؛ لِأَنَّ الإِمَامَ إِذَا فَتَحَ أَرْضًا عَنوَة وَقَهْرًا، لَهُ أَنْ يُقِرَّ أَهْلَهَا عَلَيْهَا وَيَضَعَ عَلَيْهَا وَعَلَى رُؤُوسِهِم الخَرَاجَ فَتَبقَى الأَرَاضِي مَمْلُوكَة لِأَهْلِهَا وَقَدْ قَدَّمْنَاهُ مِنْ قَبْلُ.
والعلث - بفتح العين وسكون اللام - قرية موقوفة على العلوية، وهو أول العراق شرقي دجلة.
(وعبادان)؛ حصن صغير على شط البحر، كذا في الصحاح، والمغرب (١) وهذا عرضه.
وفي شرح الوجيز (٢): سواد العراق من عبادان إلى حديثة الموصل طولا، ومن عذيب القادسية إلى حلوان عرضا، وطوله مائة وستون فرسخا، وعرضه ثمانون فرسخًا، ومساحته ستة وثلاثون ألف ألف جريب، كما يجيء بعد في المتن.
قوله: (وقد قدمناه من قبل)؛ أي في باب قسمة الغنائم.
وقال الشافعي في الأظهر ومالك وأحمد: لا يجوز بيعها ورهنها وهبتها لأهلها؛ لأنها موقوفة على المسلمين.
стр. 4170
قَالَ: (وَكُلُّ أَرض أَسْلَمَ أَهْلُهَا أَوْ فُتِحَت عَنوَة وَقُسِّمَت بَينَ الغَانِمِينَ فَهِيَ أَرضُ عُشر)؛ لِأَنَّ الحَاجَةَ إِلَى ابْتِدَاءِ التَّوظِيفِ عَلَى المُسلِمِ، وَالعُشْرُ أَليَقُ بِهِ لِمَا فِيهِ مِنْ مَعْنَى العِبَادَةِ، وَكَذَا هُوَ أَخَفٌ حَيثُ يَتَعَلَّقُ بِنَفْسِ الخَارِجِ.
(وَكُلُّ أَرضِ فُتِحَت عَنوَة فَأُقِرَّ أَهْلُهَا عَلَيْهَا فَهِيَ أَرضُ خَرَاجٍ) وَكَذَا إِذَا صَالَحَهُم؛ لِأَنَّ الحَاجَةَ إِلَى ابْتِدَاءِ التَّوظِيفِ عَلَى الكَافِرِ وَالخَرَاجُ أَليَقُ بِهِ، وَمَكَةُ مَخصُوصَةٌ مِنْ هَذَا، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَتَحَهَا عَنوَة وَتَرَكَهَا لِأَهْلِهَا، وَلَمْ يُوَظّف الخَرَاجَ (وَفِي «الجَامِعِ الصَّغِيرِ»: كُلُّ أَرض فُتِحَتْ عَنوَة فَوَصَلَ إِلَيْهَا مَاءُ الْأَنْهَارِ فَهِيَ أَرْضُ خَرَاجٍ، وَمَا لَم يَصِل إِلَيْهَا مَاءُ الأَنْهَارِ وَاسْتُخْرِجَ مِنهَا عَينٌ فَهِيَ أَرضُ عُشر)؛ لِأَنَّ العُشْرَ يَتَعَلَّقُ بِالأَرضِ النَّامِيَةِ، وَنَمَاؤُهَا بِمَائِهَا فَيُعْتَبَرُ السَّقِي بِمَاءِ العُشْرِ أَوْ بِمَاءِ الخَرَاجِ.
قوله: (والخراج أليق به)؛ أي بالكافر لأن فيه معنى العقوبة، ولأن فيه تغليظا حتى إنه يجب وإن لم يزرع.
وقوله: (ومكة مخصوصة … ) إلى آخره، جواب القياس؛ فإن القياس في أرض مكة الخراج؛ لأنها فتحت عنوة كما بينا.
قال: ومكة مخصوصة بفعل النبي ﵇ وكما لا رق على العرب فكذا لا خراج على أراضيهم.
قوله: (فهي أرض خراج)؛ يعني سواء قسم بين الغانمين أو أقر أهلها.
قوله: (فيعتبر السقي بماء العشر أو بماء الخراج)، والماء العشري والخراجي قد بيناه في كتاب الزكاة.
وفي فتاوى قاضي خان (١): الخراج نوعان: مُوظَّف: وهو ما وظفه الإمام بشيء في الذمة في كل سنة، يتعلق بالتمكن من الزراعة. ومقاسمة: وهو أن يكون الواجب شيئا من الخارج نحو الخمس أو السدس ونحوه.
стр. 4171
قَالَ: (وَمَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَوَاتًا فَهِيَ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ مُعتَبَرَةٌ بِحَيِّزِهَا، فَإِنْ كَانَتْ مِنْ حَيْزِ أَرضِ الخَرَاجِ) وَمَعْنَاهُ: بِقُربِهِ (فَهِيَ خَرَاجِيَّةٌ، وَإِنْ كَانَتْ مِنْ حَيْنِ أَرضِ العُشرِ فَهِيَ عُشْرِيَّةٌ، وَالبَصَرَةُ عِندَهُ عُشْرِيَّةٌ بِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ)؛ لِأَنَّ حَيْزَ الشَّيْءِ يُعطَى لَهُ حُكمُهُ، كَفِنَاءِ الدَّارِ يُعطَى لَهُ حُكمُ الدَّارِ حَتَّى يَجُوزَ لِصَاحِبِهَا الانتِفَاعُ بِهِ. وَكَذَا لَا يَجُوزُ أَخذُ مَا قَرُبَ مِنْ العَامِرِ، وَكَانَ القِيَاسُ فِي البَصَرَةِ أَنْ تَكُونَ خَرَاجِيَّة؛ لِأَنَّهَا
قوله: (معتبرة بحيزها) هذا إذا كان مسلما، أما إذا كان المحيي ذميا فعليه الخراج، (وإن كانت في حيز أرض العشر) ذكره في المبسوط وجامع قاضي خان.
قوله: (وَالْبَصْرَةُ عِنْدَهُ)؛ أي عند أبي يوسف عشرية، وإن كنت في حيز أرض الخراج، جواب عن قياس قوله فقال: ذلك ثبت (بإجماع الصحابة). فإن: قيل قد ذكر محمد في سير الزيادات أن المسلم لا يبتدئ بتوظيف الخراج.
قلنا: هذا مقيد بما إذا لم يكن منه صنع يستدعي ذلك، وهو السقي من ماء الخراج؛ إذ الخراج جزاء للمقاتلة فيختص وجوبه بماء يسقى حَمَتْهُ المقاتلة، والماء الذي حمته المقاتلة ماء الخراج كذا في الفوائد الظهيرية ناقلا عن الإمام السرخسي (١).
قوله: (يُعْطَى لَهُ حُكْمُ الدَّارِ) في حق الانتفاع، وإن كان الفناء غير مملوك له؛ لاتصاله بملكه أعطي له حكم الملك في حق الانتفاع.
وقد ذكر في المبسوط (٢): قال المستأجر للآجر هذا فنائي، وليس لي فيه حق الحفر فحفروا فمات إنسان فالضمان على الآجر قياسا؛ لأنهم علموا بفساد الأمر فما غرهم، وفي الاستحسان على المستأجر؛ لأن كونه فناء له بمنزلة كونه مملوكا له؛ لانطلاق يده في التصرف من إلقاء الطين والحطب، وربط الدواب وبناء الدكان فعلم أن في الفناء حق الانتفاع، وإن لم يكن ملكا له.
стр. 4172
مِنْ حَيْزِ أَرضِ الخَرَاجِ، إِلَّا أَنَّ الصَّحَابَةَ وَظَفُوا عَلَيْهَا العُشْرَ فَتُرِكَ القِيَاسُ لِإِجْمَاعِهِم (وَقَالَ مُحَمَّدٌ: إِنْ أَحْيَاهَا بِبِئر حَفَرَهَا أَوْ بِعَين استَخرَجَهَا أَوْ مَاءِ دِجَلَةَ أَوْ الفُرَاتِ أَوْ الأَنهَارِ العِظَامِ الَّتِي لَا يَمْلِكُهَا أَحَدٌ فَهِيَ عُشْرِيَّةٌ) (*) وَكَذَا إِنْ أَحْيَاهَا بِمَاءِ السَّمَاءِ (وَإِنْ أَحْيَاهَا بِمَاءِ الأَنْهَارِ الَّتِي احْتَفَرَهَا الأَعَاجِمُ) مِثْلُ نَهْرِ الْمَلِكِ وَنَهْرِ يَزْدَجِرِد (فَهِيَ خَرَاجِيَّةٌ) لِمَا ذَكَرنَا مِنْ اعْتِبَارِ المَاءِ، إذ هُوَ السَّبَبُ لِلنَّمَاءِ، وَلِأَنَّهُ لَا يُمكِنُ تَوظِيفُ الخَراجِ ابْتِدَاءً عَلَى المُسلِمِ كَرْهًا فَيُعْتَبَرُ فِي ذَلِكَ المَاءُ؛ لِأَنَّ السَّقِيَ بِمَاءِ الخَرَاجِ دَلَالَةٌ التزامية.
قَالَ: (وَالخَرَاجُ الَّذِي وَضَعَهُ عُمَرُ عَلَى أَهْلِ السَّوَادِ
قوله: (أخذ ما قرب من العامر) وفي بعض النسخ: (إحياء ما قرب منه) وهو موافق للمبسوط، والمراد من الأخذ الإحياء أيضًا (نهر الملك) على طريقة الكوفة من بغداد.
(ويزدجرد)؛ اسم ملك من ملوك العجم.
(والجريب)؛ أرض طولها ستون ذراعًا، وعرضها ستون ذراعا بذراع الملك كسرى يزيد على ذراع العامة بقبضة ذكره التمرتاشي.
وفي المغرب (١): الذراع المكسرة ست قبضات وهو ذراع العامة.
وقيل: الجريب ما يذر فيه مئتا رطل.
وقيل: ما يذر فيه من الحنطة ستون منا.
وقيل: خمسون منا في ديارنا.
وقيل: ما يعمله فدان كذا في الغنية وفتاوى العتابي.
وفي الكافي (٢): ما قيل الجريب ستون في ستون حكاية عن جريبهم في أراضيهم، وليس بتقدير لازم في الأراضي كلها؛ بل جريب الأراضي يختلف باختلاف البلدان؛ فيعتبر في كل بلد متعارف أهله.
стр. 4173
مِنْ كُلِّ جَرِيبٍ يَبْلُغُهُ المَاءُ قَفِيزٌ هَاشِمِيٌّ وَهُوَ الصَّاعُ وَدِرهَمْ، وَمِنْ جَرِيبِ الرَّطْبَةِ خَمْسَةُ دَرَاهِمَ وَمِنْ جَرِيبِ الكَرِمِ المُتَّصِلِ وَالنَّخِيلِ المُتَّصِلِ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ) وَهَذَا هُوَ المَنقُولُ عَنْ عُمَرَ، فَإِنَّهُ بَعَثَ عُثمَانَ بنَ حُنَيْف حَتَّى يَمْسَحَ سَوَادَ العِرَاقِ، وَجَعَلَ حُذَيْفَةَ مُشْرِفا عَلَيْهِ، فَمَسَحَ فَبَلَغَ سِتَّة وَثَلَاثِينَ أَلفَ أَلفِ جَرِيبٍ وَوَضَعَ عَلَى ذَلِكَ مَا قُلْنَا، وَكَانَ ذَلِكَ بِمَحضَر مِنْ الصَّحَابَةِ مِنْ غَيْرِ نَكِيرِ فَكَانَ إِجْمَاعًا مِنهُم.
قوله: (وهو الصاع) والصاع ثمانية أرطال؛ أي أربعة أمناء خلافًا لأبي يوسف وقد مر في صدقة الفطر، والصاع يكون من الحنطة كذا في كتاب العشر والخراج.
وفي شرح الطحاوي: يكون هذا القفيز مما يزرع في ذلك الأرض وهو الصحيح.
في المجتبى: هذا كلام حسن فلا بد من حفظه والرطبة الإسفست.
وقال الشافعي: في كل جريب حنطة أربعة دراهم، وفي جريب الشعير درهمان والباقي كقولنا؛ لما روى الشعبي أن عمر ﵁ لما بعث عثمان بن حنيف فرض كذلك.
قال: (في كل جريب حنطة قفيز ودرهم)، وكذا في جريب الشعير قفيز ودرهم لما روي عن عمر ﵁ أنه وظف كذلك وما روينا مشهور.
ومالك يعتبر إجازة الإمام؛ لأنها وقف على المسلمين فيفوض بحمله؛ أي رأي الإمام.
وبه قال أحمد في رواية، وعنه في كل جريب حنطة أو شعير درهم والباقي كقولنا.
وقيل: كل الروايات عن عمر صحيحة، وإنما اختلفت لاختلاف النواحي فوضع على بعضها أقل، وعلى بعضها أكثر لتفاوت الريع في ناحية أو سعر؛ فالكرم أخفها مؤنة وأكثرها ريعًا؛ لأنه يبقى على الأبد بلا مؤنة، والمزارع أقلها ريعًا وأكثرها مؤنة؛ لأنها تحتاج إلى الزراعة والبذر في كل عام، والرطاب بينهما؛ لأنه يبقى أعوامًا ولا يدوم دوام الكرم؛ لأن مؤنتها فوق مؤنة الكرم، ودون مؤنة المزارع الرطبة يتفاوت بتفاوت المؤن فقال ﵇: «وَمَا سَقَتْهُ
стр. 4174
وَلِأَنَّ المُؤَنَ مُتَفَاوِتَةٌ فَالكَرمُ أَخَفُّهَا مُؤنَة وَالمَزَارِعَ أَكْثَرُهَا مُؤنَة وَالرُّطَبُ بَيْنَهُمَا، وَالوَظِيفَةُ تَتَفَاوَتُ بِتَفَاوُتِهَا فَجُعِلَ الوَاجِبُ فِي الكَرمِ أَعْلَاهَا وَفِي الزَّرْعِ أَدنَاهَا وَفِي الرُّطَبَةِ أَوسَطهَا.
قَالَ: (وَمَا سِوَى ذَلِكَ مِنْ الأَصْنَافِ كَالزَّعْفَرَانِ وَالبُسْتَانِ وَغَيْرِهِ، يُوضَعُ عَلَيْهَا بِحَسَبِ الطَّاقَةِ)؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ تَوظِيفُ عُمَرَ وَقَدْ اعتَبَرَ الطَّاقَةَ فِي ذَلِكَ فَنَعَتَبِرُهَا فِيمَا لَا تَوظِيفَ فِيهِ. قَالُوا: وَنِهَايَةُ الطَّاقَةِ أَنْ يَبْلُغَ الوَاجِبُ نِصْفَ الخَارِجِ لَا يُزَادُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ التَنصِيفَ عَينُ الإِنصَافِ، لمَّا كَانَ لَنَا أَنْ نُقَسِّمَ الكُلَّ بَينَ الغَانِمِينَ. وَالبُسْتَانُ كُلُّ أَرضِ يَحُوطُهَا حَائِطٌ وَفِيهَا نَخِيلٌ مُتَفَرِّقَةٌ وَأَشْجَارٌ أُخَرُ، وَفِي دِيَارِنَا وَظَفُوا مِنْ الدَّرَاهِمِ فِي الأَرَاضِي كُلِّهَا وَتُرِكَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ التَّقْدِيرَ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ بِقَدْرِ الطَّاقَةِ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ كَانَ. قَالَ: (فَإِنْ لَم تُطِق مَا وُضِعَ عَلَيْهَا نَقَصَهُم الإِمَامُ) وَالنُّقْصَانُ عِنْدَ قِلَّةِ الرَّيْعِ جَائِزٌ بِالإِجْمَاعِ؛ أَلَا تَرَى إِلَى قَولِ عُمَرَ: لَعَلَّكُمَا حَمَّلْتُمَا الْأَرْضَ مَا لَا تُطِيقُ، فَقَالَا: لَا بَلْ حَمَّلْنَاهَا مَا تُطِيقُ،
السماء ففيه العشر، وما سُقِي بغَرْبٍ أو دالية ففيه نصف العشر» (١).
قوله: (بحسب الطاقة) يعني أرض الزعفران تلحق بأرض الزرع أو الكرم أو الرطبة، وبأيها كانت؛ أي الرطبة أشبه في قدر الغلة فهو مبلغ الطاقة كذا ذكره التمرتاشي.
قوله: (لما كان لنا أن نقسم)؛ يعني لما ظفرنا عليهم وسعنا أن نسترقهم ونقسم أموالهم؛ فإذا قاطعناهم كان التنصيف عين الإنصاف، ولا يزاد عليه؛ لأن للأكثر حكم الكل، وذا مما لا يطاق.
قوله: (والبستان … ) إلى آخره.
وفي فتاوى الظهيرية (٢): ولو كان في جوانب الأرض أشجار ووسطها زرعة ففيها وظيفة عمر، ولا شيء في الأشجار، وكذا لو غرس أشجارًا غير مثمرة ولو كانت الأشجار ملتفة لا يمكن زراعة أرضها فهي كرم.
стр. 4175
وَ لَو زِدْنَا لَأَطَاقَت وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ النُّقصَانِ، وَأَمَّا الزِّيَادَةُ عِنْدَ زِيَادَةِ الرِّيعِ يَجُوزُ عِنْدَ مُحَمَّد اعْتِبَارًا بِالنُّقصَانِ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ: لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ عُمَرَ لَم يَزِد حِينَ أُخبِرَ بِزِيَادَةِ الطَّاقَةِ، وَإِنْ غَلَبَ عَلَى أَرضِ الخَراجِ المَاءُ أَوْ انقَطَعَ المَاءُ عَنهَا أَوْ اصْطَلَمَ الزَّرْعَ آفَةٌ، فَلَا خَرَاجَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ فَاتَ التَّمَكُنُ مِنْ الزِّرَاعَةِ، وَهُوَ النَّمَاءُ
قوله: (وهذا)؛ أي قولهما.
(ولو زدنا لأطاقت) يدل بطريق الدلالة على أن النقصان عند قلة الريع يجوز بالإجماع؛ لأنه لما جاز النقصان عند قيام الطاقة فعند عدم الطاقة بالطريق الأولى.
قوله: (أما الزيادة عند زيادة الريع … ) إلى آخره.
وفي الكافي (١): ففي الأراضي التي صدر التوظيف عن عمر أو من إمام بمثل وظيفة عمر لم تجز الزيادة إجماعًا، أما لو أراد الإمام توظيف الخراج على أرض ابتداء، وزاد على وظيفة عمر؛ فعند محمد وأحمد ومالك [يجوز؛ لأن الوظيفة مقدرة بالطاقة، أو إلى رأي الإمام عند أحمد، ومالك] (٢)، والشافعي في قول، وعند أبي حنيفة وهو رواية عن أبي يوسف: لا يجوز، وهو الصحيح لأن عمر ﷺ لم يزد لما أخبر بزيادة الطاقة.
وفي شرح الطحاوي: عن أبي يوسف روايتان في رواية مع محمد.
قوله: (إذا اصْطَلَم … ) إلى آخره، الاصطلام هو الاستئصال فلا خراج عليه ولا أعلم فيه خلافًا.
قال مشايخنا: ما ذكر في الكتاب بأن الخراج يسقط بالاصطلام، محمول على ما إذا لم يبق من السنة مقدار ما يمكن أن تزرع الأرض ثانيا، أما إذا بقي لا يسقط الخراج ذكره في شرح الطحاوي.
وفي الفتاوى الكبرى (٣): وتكلموا أن المعتبر في ذلك زرع الحنطة أو الشعير، أم أي زرع كان وأن المعتبر مدة ترك الزرع فيها أي مدة يبلغ فيها الزرع مبلغا تكون قيمته ضعف الخراج، وفي ذلك كلام والفتوى على أنه مقدر بثلاثة أشهر.
стр. 4176
التَّقْدِيرِيُّ المُعتَبَرُ فِي الخَرَاجِ، وَفِيمَا إِذَا اصْطَلَمَ الزَّرْعَ آفَةٌ فَاتَ النَّمَاءُ التَّقْدِيرِيُّ فِي بَعضِ الحَولِ، وَكُونُهُ نَامِيًا فِي جَمِيعِ الحَولِ شَرطٌ كَمَا فِي مَالِ الزَّكَاةِ، أَوْ يُدَارُ الحُكمُ عَلَى الحَقِيقَةِ عِنْدَ خُرُوجِ الخَارِجِ.
قَالَ: (وَإِنْ عَطَّلَهَا صَاحِبُهَا فَعَلَيهِ الخَرَاجُ)؛ لِأَنَّ التَّمَكَّنَ كَانَ ثَابِتًا وَهُوَ الَّذِي فَوَّتَهُ.
قوله: (أو يُدَارُ الْحُكْمُ عَلَى الْحَقِيقَةِ)؛ أي حقيقة الخارج؛ إذ التمكن من الزراعة قائم مقامه؛ فإذا وجد الأصل سقط اعتبار الخلف، وتعلق الحكم بالأصل؛ فإذا هلك بطل ما تعلق به، وصار كالعشر في هذه الحالة فسلم بسلامة الخارج وبطل بهلاكه، وأيضًا هذا محمول على ما إذا لم يبق مقدار ما يزرع فيها كما ذكرنا.
وفي الفوائد الظهيرية (١): هذا إذا ذهب كل الخارج، أما لو بقي بعضه فإن كان مقدار الخراج ومثله؛ بأن بقي مقدار درهمين وقفيزين يجب الخراج؛ لأنه لا يزيد على نصف الخارج، وإن بقي أقل من مقدار الخراج يجب نصفه. قوله: (فَوَّتَهُ)؛ أي الريع مع إمكان تحصيله.
قال التمرتاشي: هذا إذا كانت الأرض صالحة للزراعة، والمالك متمكن من الزراعة فلم يزرعها فإذا عجز المالك عن الزراعة؛ لعدم قوته وأسبابه؛ فللإمام أن يدفعها إلى غيره مزارعةً، ويأخذ الخراج من نصف المالك ويمسك الباقي للمالك، وإن شاء أجرها، وأخذ الخراج من الأجرة وإن شاء زرعها بنفقة بيت المال، فإن لم يتمكن من ذلك ولم يجد من يقبل ذلك باعها، وأخذ من ثمنها الخراج وهذا بلا خلاف وإن كان هذا نوع حجر، وفيه ضرر بالمالك لكن هذا إلحاق ضرر بواحد للعامة.
وعن أبي يوسف؛ يدفع إلى العاجز كفايته من بيت المال ليعمل فيها قرضًا.
وفي جمع الشهيد باع أرضًا خراجية؛ فإن بقي من السنة ما يتمكن المشتري من الزراعة؛ فالخراج عليه وإلا فعلى البائع.
стр. 4177
قَالُوا: مَنْ انتَقِل إِلَى أَخَسُ الأَمْرَينِ مِنْ غَيْرِ عُذر فَعَلَيْهِ خَرَاجُ الأَعْلَى؛ لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي ضَيَّعَ الزِّيَادَةَ، وَهَذَا يُعرَفُ وَلَا يُفْتَى بِهِ كَي لَا يَتَجَرَّأَ الظَّلَمَةُ عَلَى أَخذِ أَمْوَالِ النَّاسِ.
(وَمَنْ أَسْلَمَ مِنْ أَهلِ الخَرَاجِ أُخِذَ مِنهُ الخَرَاجُ عَلَى حَالِهِ)؛ لِأَنَّ فِيهِ مَعَنَى
قوله: (انتقل إلى أخس الأمرين) كمن له أرض الزعفران فتركها، وزرع الحبوب فعليه خراج الزعفران، وكذا لو كان له كرم فقلع وزرع الحبوب؛ فعليه خراج الكرم.
قوله: (ولا يفتى به … ) إلى آخره.
فإن قيل: كيف يجوز هذا وطمعهم (١) واحد في موضعه بكونه واجبا.
قلنا: أراد به أنا لو أفتينا به؛ لادعى كل ظالم في كل أرض ليس هذا شأنها أن هذه تزرع الزعفران قبله فيأخذ منه خراج الزعفران، وهذا طمع من غير مطمع فيكون ظلما كذا في الفوائد الظهيرية (٢).
وفي شرح الطحاوي (٣): أنبت أرضه كرما فعليه خراجها إلى أن يطعم؛ فإن أطعم قليلا فإن كان ضعف وظيفة الكرم؛ ففيه وظيفة الكرم، وإن كان أقل فنصفه إذا لم ينقص عن قفيز ودرهم، وإن نقص فعليه قفيز ودرهم.
وفي رواية ففيه وظيفة الأرض إلى أن يطعم الكرم، ولو جعل أرض الزعفران مسكنا أو خانا للغلة أو مقبرة أو مسجدا يسقط الخراج. وفي اللآلئ: لا يسقط.
قوله: (أُخِذَ مِنْهُ الْخَرَاجُ عَلَى حَالِهِ)، وقال مالك والشافعي: يسقط الخراج، وعند مالكك تسقط الجزية أيضًا.
وكذا لو باعها من مسلم يجوز البيع عندنا والشافعي، وعند مالك: لا يجوز.
стр. 4178
المُؤنَةِ فَيُعتَبَرُ مُؤنَةٌ فِي حَالَةِ البَقَاءِ فَأَمْكَنَ إِبْقَاؤُهُ عَلَى المُسلِمِ وَيَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِيَ المُسلِمُ أَرضَ الخَراجِ مِنْ الذِّمِّيِّ وَيُؤخَذَ مِنهُ الخَرَاجُ لِمَا قُلْنَا، وَقَدْ صَحَّ أَنَّ الصَّحَابَةَ اشْتَرَوا أَرَاضِيَ الخَرَاجِ وَكَانُوا يُؤَدُّونَ خَرَاجَهَا، فَدَلَّ عَلَى جَوَازِ الشِّرَاءِ وَأَخذِ الخَرَاجِ وَأَدَائِهِ لِلمُسلِمِ مِنْ غَيْرِ كَرَاهَة (وَلَا عُشْرَ فِي الخَارِجِ مِنْ أَرضِ الخَرَاجِ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يُجْمَعُ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّهُمَا حَقَّانِ مُختَلِفَانِ وَجَبَا فِي مَحِلَّينِ
وعلى رواية الجواز يسقط الخراج؛ لما أن فيه معنى الذل والصغار وذا لا يليق بالمسلم لما قلنا، وهو أن فيه معنى المؤنة والمسلم من أهل المؤنة كالعشر؛ إذ الأرض لا تخلى عن مؤنة فإبقاء ما تقرر واجبًا أولى؛ لأنا إن أسقطنا ذلك احتجنا إلى إيجاب مؤنة أخرى.
قوله: (صح أن الصحابة) صح عن ابن مسعود والحسين بن علي وشريح ﵄
وقوله: (من غير كراهة) احتراز عما ذكره المتقشفة فإنهم يكرهونه، ويستدلون بما روي أنه ﵇ رأى شيئًا من آلات الحراثة فقال: «ما دخل هذا بيت قوم إِلَّا ذَلُّوا» (١)، ظنوا أن المراد الذل بالتزام الخراج وليس كذلك؛ بل المراد أن المسلمين إذا اشتغلوا بالزراعة، واتبعوا أذناب البقر وقعدوا عن الجهاد؛ كر عليهم عدوهم فجعلوهم أذلة بدليل ما روينا من قصة ابن مسعود وغيره ذكره في المبسوط (٢).
قوله: (وقال الشافعي يجمع بينهما) وبه قال مالك وأحمد؛ لأنهما حقان مختلفان ذاتا فإن أحدهما مؤنة فيه معنى العبادة، والآخر مؤنة فيه معنى العقوبة، ومحلا فإن الخراج في الذمة والعشر في الخارج، وسببا فسبب العشر الأرض النامية بحقيقة الخارج، وسبب الخراج الأرض النامية بالتمكن، ومصرفًا فمصرف العشر الفقراء، ومصرف الخراج المقاتلة؛ فوجوب أحدهما لا ينفي وجوب الآخر كوجوب الدين مع العشر والخراج.
стр. 4179
بِسَبَبَينِ مُختَلِفَينِ فَلَا يَتَنَافَيَانِ. وَلَنَا: قَولُهُ ﵊: «لَا يَجْتَمِعُ عُشْرٌ وَخَرَاجٌ فِي أَرْضِ مُسلِمِ»، وَلِأَنَّ أَحَدًا مِنْ أَئِمَّةِ العَدلِ وَالجَورِ لَم يَجْمَع بَيْنَهُمَا، وَكَفَى بِإِجْمَاعِهِم حُجَّةً؛ وَلِأَنَّ الخَرَاجَ يَجِبُ فِي أَرض فُتِحَت عَنوَة قَهْرًا، وَالعُشْرُ فِي أَرض أَسْلَمَ أَهْلُهَا طَوعًا، وَالوَصفَانِ لَا يَجتَمِعَانِ فِي أَرْضِ وَاحِدَةٍ، وَسَبَبُ الحَقِّينِ وَاحِدٌ وَهُوَ الأَرضُ النَّامِيَةُ، إِلَّا أَنَّهُ يُعتَبَرُ فِي العُشْرِ تَحقِيقًا وَفِي الخَرَاجِ تَقدِيرًا، وَلِهَذَا يُضَافَانِ إِلَى الأَرضِ، وَعَلَى هَذَا الخِلَافِ الزَّكَاةُ مَعَ أَحَدِهِمَا.
(وَلَا يَتَكَرَّرُ الخَرَاجُ بِتَكَرُّرِ الخَارِجِ فِي سَنَة)؛ لِأَنَّ عُمَرَ لَم يُوَظّفَهُ مُكَرَّرًا، بِخِلَافِ العُشْرِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَحَقَّقُ عُشرًا إِلَّا بِوُجُوبِهِ فِي كُلِّ خَارِج، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قوله: (والوصفان) وهو الطوع والقهر (لا يجتمعان) لتناف بينهما؛ إذ الطوع ضد الكره الحاصل من القهر؛ فلما لم يجتمع السببان لم يثبت الحكمان، ولهذا يضاف إلى الأرض النامية فيقال: عشر الأرض وخراج الأرض؛ فيكون سببهما واحدا، ولا يجمع مؤنتان بسبب أرض واحدة.
قوله: (مع أحدهما) إلى العشر أو الخراج حتى لو اشترى أرض العشر أو الخراج للتجارة؛ ففيها العشر أو الخراج دون زكاة التجارة عندنا.
وعن محمد: يجتمع الشراء والخراج مع زكاة كقول الأئمة الثلاثة؛ لاختلاف سببهما ومحلهما كما ذكرنا.
وقلنا: الواجب حق الله تعالى متعلق بالأرض كالزكاة كما لا تجب زكاة السائمة، والتجارة باعتبار مال واحد، ثم العشر أو الخراج صار وظيفة لهذه الأرض فإن الدين للعبد والعشر الله تعالى ولا تنافي بينهما فيجبان فيجتمعان؛ (لأن عمر ﵁ لم يوظفه)؛ أي الخراج (مكررا)؛ أي ما أخذ الخراج والجزية في السنة إلا مرة، ولم ينقل عن أحد من أئمة الجور والعدل؛ فحلّ محلّ الإجماع، ولأن الريع في الأراضي تكون مرة في السنة في الأعم والأغلب؛ فيبني الحكم على الغالب ذكره في المبسوط (١).
стр. 4180
بَابُ الجِزْيَةِ
باب الجزية
لما ذكر خراج الأرض، شرع في خراج الرأس وهو الجزية، وقدم الأول لما فيه من معنى المؤنة فيشارك العشر، وفي العشر معنى القربة فقدمه باعتبار العشر؛ لأن القربة مقدمة.
(الجزية): ما يؤخذ من الذمّي باعتبار رأسه والجمع الجزى مثل اللحية واللحى، وسميت بها لأنها تجزي؛ أي تقضي وتكفي في الذمي عن القتل؛ إذ بقبولها يسقط عنه القتل.
وجواز أخذها ثابت بالكتاب والسنة، أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ﴾ [التوبة: ٢٩] الآية، والسنة ما روي أنه ﵇ أخذها من مجوس هجر، وأخذ الحلل من نصارى بني نجران وكانت جزية، وفيه أخبار كثيرة من قوله: «فإنْ أجابوكَ فاقْبَلْ منهُم … » (١) الحديث وغيره.
وطعن بعض الملحدين وقال: كيف يجوز تقرير الكافر على الشرك الذي هو أعظم الجنايات بأخذ المال، ولو جاز ذلك جاز تقرير الزاني على الزنا بأخذ المال، وهذا يرجع إلى الكلام وأنه حكيم وإثبات النبوءات.
وقلنا: ليس المقصود هو المال بل الدعاء إلى الدين بأحسن الوجوه؛ لأنه بعقد الذمة يسكن إلى المسلمين، ويرى محاسن الدين فربما يسلم مع دفع شر قتالهم.
وأجمع المسلمون على أخذ الجزية؛ إذ بالجزية يرى صغار نفسه وعزة المؤمن فنأخذ منهم الجزية خلفًا عن النصرة التي فاتت بإصراره على الكفر؛ لأن من هو من أهل الإسلام فعليه القيام بنصرة الدار، وأبدانهم لا تصلح لهذه النصرة؛ لأنهم يميلون إلى أهل الحرب فيشوشون علينا أمر الحرب؛ فيؤخذ منهم المال ليصرف إلى الغزاة ليقومون بنصرة الدار.
ولهذا تختلف باختلاف حاله في الغنى والفقر؛ فإنه معتبر بأصل النصرة،
стр. 4181
(وَهِيَ عَلَى ضَربَينِ: جِزْيَةٌ تُوضَعُ بِالتَّرَاضِي وَالصُّلِحِ، فَتَتَقَدَّرُ بِحَسَبِ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ الاتِّفَاقُ) كَمَا «صَالَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَهلَ نَجرَانَ عَلَى أَلفٍ وَمِائَتَي حُلَّة»، وَلِأَنَّ المُوجِبَ هُوَ التَّرَاضِي، فَلَا يَجُوزُ التَّعَدِّي إِلَى غَيْرِ مَا وَقَعَ عَلَيْهِ الاتِّفَاقُ (وَجِزِيَةٌ يَبْتَدِئُ الإِمَامُ وَضْعَهَا إِذَا غَلَبَ الإِمَامُ عَلَى الكُفَّارِ، وَأَقَرَّهُم عَلَى أَمْلَاكِهِم، فَيَضَعُ عَلَى الغَنِيِّ الظَّاهِرِ الغِنَى فِي كُلِّ سَنَة ثَمَانِيَة وَأَرْبَعِينَ دِرهَمًا، يَأْخُذُ مِنْهُم فِي كُلِّ شَهر
والفقير لو كان مسلما ينصر الدار راجلا، ووسط الحال ينصر راكبا، والفائق في الغناء يركب ويركب غلامه كذا في المبسوط (١).
قوله: (وهي)؛ أي الجزية (على الضربين). وفي الفوائد الظهيرية (٢): أهل الذمة في حق ما يجب عليهم ثلاثة؛ التغلبي والنجراني من النصارى وسائر أهل الذمة، فالتغلبي يؤخذ منه الصدقة مضاعفة اتباعًا لعمر ﵁، والنجراني يؤخذ منه الحلل اتباعاً لرسول الله ﷺ ، وسائر أهل الذمة يؤخذ على المقادير المذكورة في الكتاب.
وفي الصحاح (٣) والمغرب (٤): نجران؛ بلد هو من اليمن وأهله النصارى. والحلة: إزار ورداء، هذا هو المختار، ولا يسمى حلة حتى يكون ثوبين، وهي من الحلوان أو الحل لما بينهما من الفرجة.
قوله: (على الغني الظاهر الغنى) في شرح الطحاوي (٥): ظاهر الغنى من يملك عشرة آلاف درهم، والمتوسط من يملك من مائتي درهم إلى عشرة آلاف درهم، والفقير من لا يملك مائتين.
وقيل: من لا بد له من الكسب لإصلاح معيشته فهو معسر، ومن له مال يعمل به فهو متوسط، ومن لا يعمل لكثرة ماله فهو فائق في الغنى.
стр. 4182
أَرْبَعَةَ دَرَاهِمَ. وَعَلَى وَسَطِ الحَالِ أَرْبَعَةٌ وَعِشْرِينَ دِرْهَمًا فِي كُلِّ شَهْرٍ دِرْهَمَينِ، وَعَلَى الفَقِيرِ المُعتَمِلِ اثني عَشَرَ دِرْهَمًا فِي كُلِّ شَهْر دِرْهَمًا) وَهَذَا عِنْدَنَا. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يَضَعُ عَلَى كُلِّ حَالِم دِينَارًا أَوْ مَا يَعْدِلُ الدِّينَارَ، وَالغَنِيُّ وَالفَقِيرُ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ لِقَولِهِ ﵊ لِمُعَاذ: خُذ مِنْ كُلِّ حَالِم وَحَالِمَة دِينَارًا
وَقِيلَ: مَنْ لا كَفَافَ لَهُ فَهُوَ مُعْسِرٌ، وَمَنْ مَلَكَ قُوَّتَهُ وَقُوتَ عِيَالِهِ مُتَوَسِّطٌ، وَمَنْ يَمْلِكُ لِمَا فَضَلَ عَلَيهِ فَهُوَ غَنِي.
وَقِيلَ: هَذَا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الأَمَاكِنِ، وَيُعْتَبَرُ وُجُودُ هَذِهِ الصِّفَاتِ فِي آخِرِ السَّنَةِ.
(والمعتمل)؛ المكتسب، والاعتمال (١) الاضطراب في العمل وهو الاكتساب، وقيد بالاعتمال؛ لأنه لو كان مريضًا في السنة كلها أو نصفها أو أكثرها، لا يجب عليه، ولو ترك العمل مع القدرة عليه فهو كالمعتمل كمن قدر على الزراعة ولم يزرع، يجب عليه الخراج ذكره في الإيضاح ويجيء أيضًا.
قَولُه: (وَقَالَ الشَّافِعِيُّ يَضَعُ عَلَى كُلِّ حَالِم)؛ أي بالغ (دينارا) ولا فرق بين الغني والفقير لحديث معاذ.
وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ: الإِمَامُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ الدِّينَارِ واثني عَشَرَ دِرْهَمًا؛ لِأَنَّ أَقَلَّ الدِّينَارِ اثْنَا عَشَرَ مَسْكُوكَةً مِنَ النُّقْرَةِ الخَالِصَةِ، وَالدِّينَارُ فِي القَوَاعِدِ بِعَشَرَةِ إِلَّا فِي الجِزْيَةِ؛ فَإِنَّهُ يُقَابِلُ بِاثْنَيْ عَشَرَ دِرْهَمًا فَإِنَّ عُمَرَ ﵁ قَضَى بِذَلِكَ وَلَا يَجِبُ عَلَى الإِمَامِ أَنْ يُجْبِرَهُمْ عَلَى أَكْثَرَ مَا عَلَيهِمْ.
وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُمَاكِسَ حَتَّى يَأْخُذَ مِنَ المُتَوَسِّطِ دِينَارَيْنِ، وَمِنَ الغَنِي أَرْبَعَةَ دَنَانِيرَ، وَلَا يُعْتَبَرُ الدَّرَاهِمُ إِلَّا بِالسِّعْرِ وَالقِيمَةِ عِنْدَ عَامَةِ أَصْحَابِهِ كَذَا فِي شَرْحِ الوَجِيزِ.
وَقَالَ مَالِكٌ: يَأْخُذُ مِنَ الغَنِيِّ أَرْبَعِينَ دِرْهَمًا أَوْ أَرْبَعَةَ دَنَانِيرَ، وَمِنَ الفَقِيرِ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ أَوْ دِينَارًا؛ لِمَا رُوِي ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ ﵁.
وَعَنْ أَحْمَد ﵁ ثَلاثُ رِوَايَاتٍ: فِي رِوَايَةٍ غَيْرُ مُقَدَّرَةٍ بِشَيْءٍ بَلْ يُفَوَّضُ إِلَى
стр. 4183
أَوْ عِدلُهُ مُعَافِرَ مِنْ غَيْرِ فَصل. ولَكِنَّ الجِزْيَةَ إِنَّمَا وَجَبَت بَدَلًا عَنِ القَبْلِ حَتَّى لَا تَجِبَ عَلَى مَنْ لَا يَجُوزُ قَتْلُهُ بِسَبَبِ الكُفْرِ كَالذَّرَارِي وَالنِّسوَانِ، وَهَذَا المَعْنَى يَنتَظِمُ الفَقِيرَ وَالغَنِيَّ. وَمَذْهَبُنَا مَنقُولٌ عَنْ عُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٌّ، وَلَم يُنكِر عَلَيْهِم أَحَدٌ مِنْ المُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ؛ وَلِأَنَّهُ وَجَبَ نُصرَة لِلمُقَاتِلَةِ فَتَجِبُ عَلَى التَّفَاوُتِ بِمَنزِلَةِ خَرَاجِ الْأَرْضِ،
رأي الإمام وبه قال الثوري وأبو عبيد؛ لأنه ﵇ أمر معاذا بأخذ الدينار، وصالح بني نجران بألفي حلة النصف في صفر والنصف في رجب رواهما أبو داود (١).
وعمر ﵁ جعل الجزية على ثلاث طبقات كما هو المروي وصالح بني تغلب على الضعف، وهذا يدل على أنها مفوضة إلى رأي الإمام، ولأنها عوض كالأجرة فلم يتقدر بشيء.
وفي رواية مثل قولنا، وفي رواية أقلها دينار، وتجوز الزيادة ولا يجوز النقصان؛ لأن عمر ﵁ زاد على ما فرض رسول الله ﷺ ولم ينقص.
قوله: (أو عدله معافر) (٢) والعدل بالفتح المثل من خلاف الجنس، وبالكسر المثل من الجنس.
والمعافري: ثوب منسوب إلى معافر بن مُرّ، ثم صار اسما للثوب بغير نسبة كما ذكر في المغرب (٣) وفي الفوائد الظهيرية: معافر حي من همدان ينسب إليه النوع من الثياب.
قوله: (ومذهبنا مروي عن عمر وعثمان وعلي ﵃) فإنه روي وضع الجزية على رؤوس الرجال اثني عشرة وأربعة وعشرين وثمانية وأربعين، وعن الحسين مثله، ونصب المقادير بالرأي لا يكون؛ فدل أنه اعتمد على السماع من النبي ﵇، ولأنه فعل ذلك بمحضر من أصحابه وبمشورتهم ولم يرد عليه أحد فصار إجماعًا، وحديث معاذ منقطع ذكره البيهقي.
قوله: (ولأنه)؛ أي الجزية على تأويل خراج الرأس (وجب نصرة)؛ أي
стр. 4184
وَهَذَا لِأَنَّهُ وَجَبَ بَدَلا عَنْ النُّصْرَةِ بِالنَّفْسِ وَالمَالِ، وَذَلِكَ يَتَفَاوَتُ بِكَثَرَةِ الوَفِرِ وَقِلَّتِهِ، فَكَذَا أُجْرَتُهُ هُوَ بَدَلُهُ، وَمَا رَوَاهُ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ كَانَ ذَلِكَ صُلحًا، وَلِهَذَا أَمَرَهُ بِالأَخْذِ مِنْ الحَالِمَةِ وَإِنْ كَانَتْ لَا يُؤْخَذُ مِنهَا الجِزْيَةُ.
خلفا عن النصرة التي فاتت بالإصرار على الكفر؛ لأن من هو في دار الإسلام فعليه القيام بنصرة أبدانهم، لا يصلح لها؛ لميلهم إلى أهل الدار المعادية؛ فيشوشون علينا من الحرب؛ فيؤخذ منهم المال؛ أي الجزية خلفا عن النصرة بالنفس والمال.
ولهذا صرفت إلى المقاتلة دون الفقراء، وضربت على الصالحين للقتال الذين يلزمهم القتال إذا كانوا مسلمين؛ فتختلف باختلاف حالهم في الفقر والغنى اعتبارًا بأصل النصرة؛ فالفقير لو كان مسلما ينصر الدار راجلا، ووسط الحال ينصرها راكبا والفائق في الغنى يركب بنفسه ويركب غلامه؛ فما كان خلفا عن النصرة يتفاوت بتفاوت الحال إليه أشار في المبسوط (١).
فإن قيل: القتال فرض كفاية والجزية فرض عين، وكيف يكون خلفاً، ولأن القتال طاعة والجزية عقوبة فكيف تصلح خلفاً؟.
قلنا: القتال فرض عين في الأصل، لكنه وجب للذب عن الدار، وكسر شوكة الكفار فإذا حصل بالبعض سقط عن الباقين كالسعي؛ فإنه واجب على كل مسلم فإذا حمله إنسان كرها إلى المسجد سقط عنه؛ لأنه وجب لإمكان أداء الجمعة وقد حصل.
والجواب عن الثاني: أن الخليفة عن النصرة في حق المسلمين لما فيه من زيادة القوة للمسلمين، وهم يثابون على تلك الزيادة الحاصلة؛ بسبب أموالهم بمنزلة ما لو أعاروا دوابهم للمسلمين، كذا في الأسرار.
قوله: (ولهذا أمره)؛ أي النبي ﵇ معاذا بالأخذ من الحالمة (٢) وهي المرأة البالغة، والجزية على النساء لا تجب بالإجماع.
стр. 4185
قَالَ: (وَتُوضَعُ الجِزْيَةُ عَلَى أَهْلِ الكِتَابِ وَالمَجُوسِ) (*) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَبَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ﴾ [التوبة: ٢٩] الآيَةَ، «وَوَضَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الجِزْيَةَ عَلَى المَجُوسِ». قَالَ: (وَعَبَدَةِ الأَوثَانِ مِنْ العَجَمِ) وَفِيهِ خِلَافُ الشَّافِعِيِّ.
قوله: (وتوضع الجزية على أهل الكتاب) بلا خلاف، وأهل الكتاب اليهود والنصارى، ومن دان بدينهم كالسامرة يدينون بالتوراة ويعملون بشريعة موسى، وخالفوهم في فروع دينهم، وفرق النصارى من اليعقوبية والنسطورية والملكانية والفرنج والروم والأرمن، وغيرهم ممن دان بالإنجيل وانتسب إلى عيسى والعمل بشريعته فكلهم من أهل الكتاب قال تعالى: ﴿أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا﴾ [الأنعام: ١٥٦].
واختلف أهل العلم في الصابئين، عن أحمد: أنهم جنس من النصارى. وعن عمر: هم يسبتون فهم من اليهود.
وقال مجاهد: بين اليهود والنصارى. وقال السدي والربيع: هم من أهل الكتاب، وتوقف الشافعي فيهم. ويروى عنهم أنهم يقولون: الفلك حي ناطق والكواكب السبعة آلهة. والصحيح إن كانوا يقرون بنبي وكتاب؛ فهم من أهل الكتاب، وإن كانوا من عبدة الكواكب فهم كعبدة الأوثان، وقد مر في النكاح.
وأما المجوس فلهم شبهة الكتاب فيجوز أخذ الجزية بالحديث منهم، ولا يجوز نكاح نسائهم ولا ذبائحهم؛ لما روي عن علي أن لهم كتابا فلما وقع ملكهم على بنته أو أخته؛ رفع العلم عن صدورهم وما بقي كتابهم.
قوله: (وفيه خلاف الشافعي) فإن عنده لا تقبل إلا من أهل الكتاب والمجوس، وله في أهل كتاب غير اليهود والنصارى، مثل أصحاب إبراهيم وشيث وإدريس وزبور داود من تمسك بدين آدم والسامرة والصابئين وجهان: أحدهما يؤخذ، والثاني لا.
والوثني إذا دخل في دين أهل الكتاب بعد النسخ، لم تؤخذ منه الجزية. وقال المزني: تؤخذ.
стр. 4186
هو يقول: إن القتال واجب لقوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ﴾ [البقرة: ١٩٣] إلا أنا عرفنا جواز تركه في حق أهل الكتاب بالكتاب وفي حق المجوس بالخبر فبقي من وراءهم على الأصل. ولنا: أنه يجوز استرقاقهم فيجوز ضرب الجزية عليهم، إذ كل واحد منهما يستمل على سلب النفس منهم، فإنه يكتسب ويؤدي إلى المسلمين ونفقته في كسبه، (وإن ظهر عليهم قبل ذلك فهم ونساؤهم وصبيانهم فيء)؛ لجواز
وقال مالك: تؤخذ من جميع الكفار إلا من عبدة الأوثان من العرب، وبه قال أحمد في رواية.
وقال أحمد: لا يؤخذ إلا من أهل الكتابين، ومن وافقهم في أصل دينهم وآمن بكتابهم كالسامرة، ويؤخذ من المجوس أيضا ولا يؤخذ من غيرهم من عبدة الأوثان، وممن آمن بصحف إبراهيم وشيث وإدريس وزبور داود ومن آمن بدين آدم؛ لأن النص جاء في أهل الكتابين والمجوس فبقي غيرهم تحت قوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥].
قوله: (فبقي من وراءهم على الأصل)؛ أي تحت النصوص العامة.
وفي الأسرار: قال الشافعي: لا تقبل الجزية إلا من أهل الكتاب، ويسترق مشركي العرب والعجم جميعا.
ولنا؛ أن عمر ﵁ ضرب الجزية عليهم (إذ كل واحد منهما)؛ أي من الاسترقاق وضرب الجزية (يشتمل على سلب النفس منهم)؛ إذ بالرق تعود منفعته إلينا ويصير منا دارا، وكذا بالجزية؛ لأنه يكتسب ويؤدي إلى المسلمين؛ فكل من جاز إبقاؤه على الرق جاز ضرب الجزية عليه، ولا يلزم على هذا استرقاق صبيانهم ولا يجوز ضرب الجزية عليهم.
قلنا: الصبيان صاروا أتباعا لأصولهم في الكفر، فيلزمهم حكم الأصول ذكره في الأسرار، وامتناع ضرب الجزية على النساء لمانع، وهو عدم الحراب، لا يدل على عدم مساواتهما.
قوله: (وإن ظهر عليهم)؛ أي على أهل الكتاب والمجوس وعبدة الأوثان من العجم (قبل ذلك)؛ أي قبل وضع الجزية (فهم فيء)، وللإمام الخيار بين الاسترقاق وضرب الجزية.
стр. 4187
استِرقَاقِهِم وَلَا تُوضَعُ عَلَى عَبَدَةِ الأَوثَانِ مِنْ العَرَبِ وَلَا الْمُرْتَدِّينَ لِأَنَّ كُفَرَهُمَا قَدْ تَغَلَّظَ، أَمَّا مُشْرِكُو العَرَبِ فَلِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَشَأَ بَينَ أَظْهُرِهِم وَالقُرآنُ نَزَلَ بِلُغَتِهِم فَالمُعجِزَةُ فِي حَقِّهِم أَظْهَرُ.
قوله: (على عبدة الأوثان من العرب) خلافا لمالك كما ذكرنا، وقيد عبدة الأوثان من العرب لما أن الجزية توضع على أهل الكتاب منهم، ذكره في جامع فخر الإسلام وشمس الأئمة لأن قوله تعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ﴾ [التوبة: ٢٩] لم يفصل، ولأنه ﵇ صالح بني نجران وعمر أخذ من بني تغلب وهم نصارى العرب، ولأن كفرهم أخف بسبب كتابهم، ويوضع على عبدة الأوثان من العجم.
فإن قيل: إنه ﵇ قال يوم أوطاس: «لو جرى رق على عربي لجرى اليوم» من غير تفصيل بين الكتابي والوثني.
قلنا: مراده عربي الأصل، وأهل الكتاب وإن سكنوا فيما بين العرب وتوالدوا فهم ليسوا بعرب في الأصل، والعرب في الأصل عبدة الأوثان فهم أُميّون كما وصفهم الله تعالى.
قوله: (ولا المرتدين) سواء كان من العرب أو العجم، ولا خلاف في المرتد (لأن كفرهما)؛ أي عبدة الأوثان من العرب والمرتدين.
قوله: (وعند الشافعي مشركو العرب يسترقوا) وبه قال مالك وأحمد؛ لأن الاسترقاق إتلاف حكمًا فيجوز كإتلافه حقيقة بالقتل.
ولنا قوله تعالى: ﴿فَقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ﴾ [الفتح: ١٦]؛ أي إلى أن يسلموا أو الآية في عبدة الأوثان من العرب، وروى ابن عباس أنه ﵇ قال: «لا يُقبَلُ من مشركي العرب، الإسلام أو السّيف» (١)، وقال ﵇: «لَا رِقَ علَى عَرَبِي» (٢).
стр. 4188
وَأَمَّا المُرتَدُّ؛ فَلِأَنَّهُ كَفَرَ بِرَبِّهِ بَعدَمَا هُدِيَ لِلإِسْلَامِ وَوَقَفَ عَلَى مَحَاسِنِهِ، فَلَا يُقْبَلُ مِنْ الفَرِيقَينِ إِلَّا الإِسلَامُ أَوْ السَّيفُ زِيَادَة فِي العُقُوبَةِ. وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ ﵀: يُسْتَرَقُ مُشْرِكُو العَرَبِ، وَجَوَابُهُ مَا قُلْنَا: (وَإِذَا ظُهِرَ عَلَيْهِم فَنِسَاؤُهُم وَصِبْيَانُهُم فَيءٌ) لِأَنَّ أَبَا بكر الصِّدِّيقَ ﵁ استَرَقَّ نِسوَانَ بَنِي حَنِيفَةَ وَصِبْيَانِهِم لَمَّا ارْتَدُّوا وَقَسَّمَهُم بَينَ الغَانِمِينَ (وَمَنْ لَم يُسلِم مِنْ رِجَالِهِم قُتِلَ) لِمَا ذَكَرنَا.
قوله: (وجوابه ما قلنا) وهو قوله: (لأن كفرهم قد تغلظ).
قوله: (ولا المرتدين) سواء كان من العرب أو العجم ولا خلاف في المرتد.
قوله: (وإذا ظهر عليهم)؛ أي على مشركي العرب والمرتدين (فنساؤهم وصبيانهم فيء)؛ لأنه ﵇ سبى ذرية أوطاس وهوازن، واسترق أبو بكر ﵁ نساء وصبيان بني حنيفة لما ارتدوا وقسمهم حتى وقع في سهم علي الحنيفية فاستولد منها محمد بن الحنفية.
وحنيفة أبو حي وهو حنيفة بن لحيم بن صعب بن علي بن بكر بن وائل ذكره في الصحاح (١).
وقيل: المراد ببني حنيفة رهط مسيلمة الكذاب، إلا أن ذراري المرتدين تجبر على الإسلام، وكذا نساؤهم تبعا لهم وذراري عبدة الأوثان، ونساؤهم لا يجبرون على الإسلام بعد الاسترقاق، كذا في جامعي شمس الأئمة وفخر الإسلام.
وفي فتاوى قاضي خان (٢): تؤخذ الجزية من كل كافر سوى مشركي العرب، وتؤخذ من الصابئة عند أبي حنيفة خلافا لهما على ما مر في باب النكاح.
وأما الزنادقة قال: لو جاء زنديق قبل أن يؤخذ فأقر أنه زنديق وتاب عن ذلك تقبل توبته؛ فإن أُخِذَ ثم تاب لا تقبل توبته ويقتل لأنهم باطنية يعتقدون في الباطن خلاف ذلك فيقتل، ولا تؤخذ منه الجزية.
стр. 4189
(وَلَا جِزْيَةَ عَلَى امْرَأَة وَلَا صَبِي) لِأَنَّهَا وَجَبَت بَدَلًا عَنْ القَتْلِ أَوْ عَنْ الْقِتَالِ، وَهُمَا لَا يُقتَلَانِ وَلَا يُقَاتِلَانِ لِعَدَمِ الأَهْلِيَّةِ. قَالَ: (وَلَا زَمِنٍ وَلَا أَعْمَى) وَكَذَا المَفْلُوجُ وَالشَّيْخُ الكَبِيرُ لِمَا بَيَّنَّا. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ: أَنَّهُ تَجِبُ إِذَا كَانَ لَهُ مَالٌ، لِأَنَّهُ يُقْتَلُ فِي الجُملَةِ إِذَا كَانَ لَهُ رَأي (*) (وَلَا عَلَى فَقِيرٍ غَيْرِ مُعْتَمِل خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ. لَهُ إطلاقُ حَدِيثِ مُعَاذ ﵁. وَلَنَا: أَنَّ عُثْمَانَ ﵁ لَم يُوَظّفهَا عَلَى فَقِيرٌ غَيْرِ مُعْتَمِل، وَكَانَ ذَلِكَ بِمَحْضَر مِنْ الصَّحَابَةِ ﵃، وَلِأَنَّ خَرَاجَ الأَرضِ لَا يُوَظّفُ عَلَى أَرضِ لَا طَاقَةَ لَهَا، فَكَذَا هَذَا الخَرجُ، وَالحَدِيثُ مَحمُولٌ عَلَى المُعْتَمِلِ وَلَا تُوضَعُ عَلَى المَملُوكِ وَالمُكَاتَبِ وَالمُدَبَّرِ وَأُمِّ الوَلَدِ) لِأَنَّهُ بَدَلْ عَنْ القَتلِ فِي حَقِّهِم وَعَنِ النُّصْرَةِ فِي حَقِّنَا، وَعَلَى اعْتِبَارِ الثَّانِي: لَا تَجِبُ فَلَا تَجِبُ بِالشَّكْ وَلَا يُؤَدِّي عَنهُم مَوَالِيهِم لِأَنَّهُم تَحَمَّلُوا الزِّيَادَةَ بِسَبَبِهِم وَلَا تُوضَعُ عَلَى الرُّهْبَانِ الَّذِينَ لَا يُخَالِطُونَ النَّاسَ كَذَا ذَكَرَ هَاهُنَا. وَذَكَرَ مُحَمَّدٌ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ: أَنَّهُ يُوضَعُ عَلَيْهِم إِنْ كَانُوا يَقْدِرُونَ عَلَى العَمَلِ، وَهُوَ وَقَولُ أَبِي يُوسُفَ. وَجهُ الوَضْعِ عَلَيْهِم: أَنَّ القُدرَةَ عَلَى العَمَلِ هُوَ الَّذِي ضَيَّعَهَا فَصَارَ كَتَعطِيلِ الأَرضِ الخَرَاجِيَّةِ.
قوله: (ولا جزية على امرأة) ولا صبي وكذا على مجنون، ولا خلاف لأهل العلم فيه (١)، وفي قول من الشافعي: تؤخذ من الأعمى (والمفلوج والشيخ الكبير)؛ لأنه أجرة السكنى فيكون كالأجرة فيستوي فيه الكل.
قوله: (تحملوا الزيادة بسببهم)؛ أي صار مواليهم بسببهم من صنف الأغنياء أو وسط الحال.
قال عيسى بن أبان: فسر الغنى بأن كان ما يملكه يكفيه وعياله فيفضل، فربما كان الرجل؛ لكثرة غلمانه واكتسابهم يكون على هذه الصفة، فيكون غنيا وجزية الغني على ضعف جزية الفقير؛ فكان تحمل زيادة الجزية بسبب الغلمان، فلو قلنا: بأنه يؤدي عنهم أيضًا لكان وجوب الجزية مرتين بسبب شيء واحد، وذلك لا يجوز ولا خلاف في هذا.
قوله: (ذكر هاهنا)؛ أي في القدوري، وهو قول أبي يوسف وبه قال الشافعي في قول وأحمد في وجه.
стр. 4190
وَوَجهُ الوَضْعِ عَنْهُم: أَنَّهُ لَا قَتلَ عَلَيْهِم إِذَا كَانُوا لَا يُخَالِطُونَ النَّاسَ، وَالجِزِيَةُ فِي حَقِّهِم لِإِسْقَاطِ القَتلِ، وَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ المُعتَمِلُ صَحِيحًا وَيَكْتَفِي بِصِحَّتِهِ فِي أَكثَرِ السَّنَةِ.
(وَمَنْ أَسْلَمَ وَعَلَيْهِ جِزْيَةٌ سَقَطَت عَنهُ) وَكَذَلِكَ إِذَا مَاتَ كَافِرًا، خِلَامًا لِلشَّافِعِيِّ فِيهِمَا لَهُ: أَنَّهَا وَجَبَت بَدَلًا عَنْ العِصْمَةِ أَوْ عَنْ السُّكَنَى وَقَدْ وَصَلَ إِلَيْهِ المُعَوَّضُ فَلَا يَسْقُطُ عَنهُ العِوَضُ بِهَذَا العَارِضِ، كَمَا فِي الأَجرَةِ وَالصُّلحِ عَنْ دَمِ العَمْدِ. وَلَنَا: قَولُهُ ﵊: «لَيسَ عَلَى مُسلِم جِزْيَةٌ» وَلِأَنَّهَا وَجَبَت عُقُوبَة عَلَى الكُفْرِ،
قوله: (سقطت)؛ أي الجزية (عنه) سواء كانت قبل تمام السنة أو بعد تمامها قبل أخذ الجزية وبه قال مالك وأحمد، وأكثر أهل العلم.
(وكذا لو مات كافرا)؛ أي بعد تمام السنة تسقط عندنا وبه قال أحمد في رواية.
وقال الشافعي: لا تسقط في الوجهين.
وقال مالك وأحمد في الإسلام كقولنا، وفي الموت كقول الشافعي، وللشافعي فيما إذا أسلم أو مات في أثناء الحول قولان: أصحهما أنه تجب جزية ما مضى، وهكذا الخلاف لو عمي أو صار مقعدًا أو زَمِنًا أو شيخا كبيرًا لا يستطيع العمل أو صار فقيرًا لا يقدر على شيء، وبقي من الجزية عليه شيء يسقط عندنا خلافا لهم.
قوله: (بدلا عن العصمة أو عن السكني) وإنما ردد بينهما؛ لأن العلماء ﵏ اختلفوا في أن الجزية وجبت بدلا عن ماذا؟ قال بعضهم: بدلا عن العصمة الثابتة بعقد الذمة وبه قال الشافعي في قول. وقال بعضهم: بدلا عن النصرة التي فاتت بإصرارهم كما بينا وهو الأصح، وقال بعضهم: بدلا عن السكنى في دارنا وبه قال الشافعي في قول: تؤخذ الجزية عن الأعمى والمعتوه والمقعد لأنهم يشاركون في السكنى. وعندنا لا يجوز كما بينا، وعنده لا يسقط بعارض الإسلام والموت (لوصول المعوض)، وهو السكنى إليه (كالأجرة وكبدل الصلح عن دم العمد) حيث لا يسقطا بالإسلام والموت.
ولنا قوله ﵇: «لا جزية على مسلم» نفاها مطلقا فيقتضي نفيها ابتداء وبقاء، وقال ﵇: «لا يَنْبَغِي للمُسلم أَنْ يُؤدِّيَ
стр. 4191
وَلِهَذَا تُسَمَّى جِزْيَة وَهِيَ وَالجَزَاءُ وَاحِدٌ، وَعُقُوبَةُ الكُفْرِ تَسْقُطُ بِالإِسْلَامِ وَلَا تُقَامُ بَعدَ المَوتِ، وَلِأَنَّ شَرعَ العُقُوبَةِ فِي الدُّنْيَا لَا يَكُونُ إِلَّا لِدَفع الشَّرِّ وَقَدْ أَندَفَعَ بِالمَوتِ وَالإِسْلَامِ؛ وَلِأَنَّهَا وَجَبَت بَدَلًا عَنْ النُّصْرَةِ فِي حَقْنَا وَقَدْ قَدَرَ عَلَيْهَا بِنَفْسِهِ بَعدَ الإِسْلَامِ وَالعِصمَةُ تَثبُتُ بِكَونِهِ آدَمِيًّا وَالذَّمِّيُّ يَسكُنُ مِلكَ نَفْسِهِ فَلَا مَعَنَى لِإِيجَابِ بَدَلِ العِصْمَةِ وَالسُّكْنَى.
الجزية» (١)، وعن عمر؛ إن أخذها في كفه ثم أسلم ردها عليه.
(ولأنها)؛ أي ولأن الجزية (وجبت عقوبة على الكفر فتسقط بالإسلام والموت) كالقتل لأنها خلف عن القتل، ولهذا تسمى جزية وهي والجزاء واحد، وهو ينطلق على المثوبة والعقوبة بمقابلة الطاعة والمعصية، وهذه ليست بمثوبة فتعين عقوبة، ولهذا تستوفى بطريق المذلة والصغار، وفي النص إشارة إليه حيث قال ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩].
وإذا كانت عقوبة وهي تستحق بالجناية، ولا جناية أعظم من الكفر وعقوبة الكفر في الدنيا لا تكون إلا لدفع الشر، وقد صار مدفوعا بالموت أو الإسلام فيسقط كالقتل، ولأنها خلف عن النصرة كما مر، وبالإسلام قرر على الأصل فيسقط الخلف، وبالموت عجز عن الأصل؛ فلا يجب الخلف إذ شرطه تصور الأصل، وفيه نوع تأمل.
وقوله: (والعصمة تثبت بكونه آدميا) جواب عن قوله: (إنها وجبت بدلا عن النصرة)؛ فيمنع هذا، ونقول: العصمة كانت أمرًا أصليا له لا أن تثبت بقبول الجزية؛ لأن الآدمي خلق معصوما في أصله كما بينا؛ فلا تصح إضافة الأمر الأصلي إلى قبول الجزية الذي هو طارئ.
قوله: (والذمي يسكن ملك نفسه، يعني بعقد الذمة صارت (٢) الدار داره فلا وجه الإيجابها عوضا عن العصمة والسكنى). ولهذا تسقط عن الأعمى والشيخ الفاني والمقعد، والزَّمن والمعتوه على قول أكثرهم أي أهل العلم وعلى قول من الشافعي.
стр. 4192
(وَإِنْ اجْتَمَعَت عَلَيْهِ الحَولَانِ تَدَاخَلَت وَفِي الجَامِعِ الصَّغِيرِ: وَمَنْ لَم يُؤْخَذ مِنْهُ خَرَاجُ رَأْسِهِ حَتَّى مَضَت السَّنَةُ وَجَاءَت سَنَةٌ أُخرَى لَم يُؤْخَذ وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ: يُؤخَذُ مِنهُ) (*) وَهُوَ قَولُ الشَّافِعِيِّ ﵀ (وَإِنْ مَاتَ عِنْدَ تَمَامِ السَّنَةِ لَم يُؤخَذ مِنْهُ فِي قَوْلِهِم جَمِيعًا، وَكَذَلِكَ إِنْ مَاتَ فِي بَعْضِ السَّنَةِ) أَمَّا مَسأَلَةُ المَوتِ فَقَد ذَكَرنَاهَا. وَقِيلَ: خَرَاجُ الأَرْضِ عَلَى هَذَا الخِلَافِ. وَقِيلَ: لَا تَدَاخُلَ فِيهِ بِالاتِّفَاقِ. لَهُمَا فِي الخِلَافِيَّةِ: أَنَّ الخَرَاجَ وَجَبَ عِوَضًا، وَالأَعْوَاضُ إِذَا اجْتَمَعَت وَأَمْكَنَ اسْتِيفَاؤُهَا تُستَوفَى، وَقَدْ أَمْكَنَ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ بَعدَ تَوَالِي السِّنِينَ،
وفي المبسوط (١): ولئن سلمنا أنها دين فإنما هي بدل حقن الدم في المستقبل لا فيما مضى، وقد استفاد الحقن بالإسلام فلا معنى لأخذها، وفيه نوع تأمل.
قوله: (وإن اجتمعت عليه)؛ أي على الذمّي (الحولان) ولفظ شرح الأقطع: وإن اجتمع عليه حولان، وقيل: أنث الحول على تأنيث السنة.
قوله: (وهو قول الشافعي)، وبه قال أحمد ومالك تؤخذ منه لعسره؛ إذ الفقير لا جزية عليه عنده.
قوله: (وقيل: لا تداخل فيه؛ أي في الأرض بالاتفاق، ووجه الفرق أن خراج الأرض وجب مؤنة (٢) للأرض قائما مقام العشر، والعشر يتضاعف فكذا الخراج، ولأنه لا عقوبة في الخراج بقاء؛ فاعتبر مؤنة للأرض لا عقوبة فيها؛ كنفقة المرأة المفروضة وصدقة الفطر إليه أشار في الأسرار.
قوله: (ولهما)؛ أي لأبي يوسف ومحمد أن الخراج)؛ أي خراج الرأس وهو الجزية عوض، والأعواض إذا اجتمعت لا تتداخل كسائر الأعواض التي تجب في الذمة، وهذا لأنه ما بقي حيًّا مصرا على كفره؛ فاستيفاؤها من الوجه الذي وجبت ممكن بخلاف ما إذا أسلم؛ لتعذر استيفائها من الوجه الذي وجبت، إذ أخذ الجزية بطريق الصغار لما مر، وبعد الإسلام لا يمكن استيفاؤها
стр. 4193
بِخِلَافِ مَا إِذَا أَسْلَمَ؛ لِأَنَّهُ تَعَذَّرَ اسْتِيفَاؤُهُ. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ: أَنَّهَا وَجَبَت عُقُوبَة عَلَى الإِصْرَارِ عَلَى الكُفْرِ عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ، وَلِهَذَا: لَا يُقبَلُ مِنهُ لَو بَعَثَ عَلَى يَدِ نَائِبِهِ فِي أَصَحُّ الرِّوَايَاتِ، بَلْ يُكَلِّفُ أَنْ يَأْتِيَ بِهِ بِنَفْسِهِ فَيُعْطِيَ قَائِمًا، وَالقَابِضُ مِنْهُ قَاعِدٌ. وَفِي رِوَايَة: يَأْخُذُ بِتَلَبِيبِهِ وَيَهُزُّهُ هَنَّا وَيَقُولُ: أَعطِ الجِزْيَةَ يَا ذِمِّيُّ، فَثَبَتَ أَنَّهُ عُقُوبَةٌ، وَالعُقُوبَاتُ إِذَا اجْتَمَعَت تَدَاخَلَت كَالحُدُودِ؛ وَلِأَنَّهَا وَجَبَت بَدَلًا عَنْ القَتْلِ فِي حَقِّهِم وَعَنِ النُّصْرَةِ فِي حَقْنَا كَمَا ذَكَرنَا، لَكِن فِي المُستَقبَلِ لَا فِي المَاضِي؛ لِأَنَّ القَتلَ إِنَّمَا يُستَوفَى لِحِرَابِ قَائِم فِي الحَالِ لَا لِحِرَابِ مَاضٍ، وَكَذَا النُّصْرَةُ فِي المُستَقْبَلِ؛ لِأَنَّ المَاضِيَ وَقَعَت الغُنِيَةُ عَنهُ. ثُمَّ قَولُ مُحَمَّد فِي الجِزْيَةِ فِي «الجَامِعِ الصَّغِيرِ»: وَجَاءَت سَنَةٌ أُخرَى، حَمَلَهُ بَعضُ المَشَايِخِ عَلَى المُضِيِّ مَجَازًا.
وَقَالَ: الوُجُوبُ بِآخِرِ السَّنَةِ، فَلَا بُدَّ مِنْ المُضِي لِيَتَحَقَّقَ الاجْتِمَاعُ فَتَتَدَاخَلَ.
وَعِنْدَ البَعضِ: هُوَ مُجرى عَلَى حَقِيقَتِهِ، وَالوُجُوبُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ بِأَوَّلِ
بطريق الصغار إذ المؤمن يوقر لإيمانه فتعذر استيفاؤها من الوجه الذي وجبت، وإنما استيفاء الواجب إذا استوفي بصفة وجب بها.
قوله: (أخذ بتلبيبه) في المغرب (١): التلبيب بالفتح ما على موضع اللَّبَب من ثيابه، واللبب موضع القلادة من الصدر، و (الهز)؛ التحريك.
وفي شرح الطحاوي: يؤخذ منه الجزية بطريق الاستخفاف له حتى يصفع أيضًا حالة الأخذ. فثبت أنه؛ أي خراج الرأس، وهو الجزية (عقوبة فتتداخل كالحدود).
ألا ترى أن كفارة الإفطار تتداخل، وإن كانت عبادات؛ لأن جهة العقوبة فيها معتبرة حقا الله تعالى حتى تسقط بالشبهة؛ فالجزية التي لا عبادة فيها بوجه، وهي عقوبة أولى، ولأنها وجبت بدلا عن القتل في حقهم وعن النصرة في حقنا كما مر، وأيا ما كان تسقط إذا اجتمعت عنه إلى آخر ما ذكر في الكتاب.
قوله: (مجرى على حقيقته)؛ أي على حقيقة المجيء وهو الدخول.
стр. 4194
الحَولِ، فَيَتَحَقَّقُ الاجْتِمَاعُ بِمُجَرَّدِ المَجِيءِ. وَالأَصَحُ: أَنَّ الوُجُوبَ عِنْدَنَا فِي ابْتِدَاءِ الحَولِ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ فِي آخِرِهِ اعْتِبَارًا بِالزَّكَاةِ. وَلَنَا: أَنَّ مَا وَجَبَ بَدَلًا عَنهُ لَا يَتَحَقَّقُ إِلَّا فِي المُستَقبَلِ عَلَى مَا قَرَّرْنَاهُ فَتَعَذَّرَ إِيجَابُهُ بَعدَ مُضِيِّ الحَولِ فَأَوجَبَنَاهُ فِي أَوَّلِهِ.
فَصْلٌ: [لَا يَجُوزُ إِحْدَاثُ بِيعَةٍ وَلَا كَنِيسَةٍ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ]
(وَلَا يَجُوزُ إِحدَاثُ بِيعَة وَلَا كَنِيسَة فِي دَارِ الإِسْلَامِ)؛ لِقَولِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ
قوله: (والأصح كذا) كقوله تعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدِ﴾ فأمر بإسقاط القتل عنهم بإعطاء الجزية، وذلك موجود في أول الحول، ولأنه مال يجب بإسقاط القتل؛ فكان وجوبه حال سقوطه كبدل الصلح عن دم العمد؛ فإن قاسوا على خراج الأرض.
قلنا: خراج الأرض في مقابلة الانتفاع بها فما لم تسلم المنفعة لا تجب، (وعند الشافعي في آخره)؛ أي في آخر الحول وبه قال أحمد؛ لأنه مال يتكرر بتكرر الحول، أو يؤخذ في آخر الحول؛ فلم يجب بأوله كالزكاة والدية.
قوله: (على ما قررناه)، وهو أن الجزية بدل عن القتل في حقهم وعن النصرة في حقنا، وذا إنما يتحقق في المستقبل لا في الماضي؛ فكذلك وجب أن يكون الحكم في بدلهما كذلك أيضًا، وهو ألا يجب لنصرة ماضية ويجب لنصرة مستقبلة؛ فينبغي أن يجب في أول الحول ليتحقق سببه، وهو وجوب النصرة عليهم بالمال بخلاف الزكاة؛ لأنها تجب في المال النامي الحولي؛ ليتمكن من الاستنماء لاشتمال الحول على فصول أربعة كما مر في الزكاة، وبخلاف الدية؛ لأنها تجب باعتبار تفويت المحافظة، وعدم أخذ يد القاتل وذا يتحقق في آخر السنة.
فصل
لما ذكر أحكام ما يجب عليهم شرع في بيان معاملتهم في دارنا.
قوله: (ولا يجوز … ) إلى آخره، وكذا لا يجوز إحداث بيت نار.
стр. 4195
وَالسَّلَامُ: «لَا خِصَاءَ فِي الإِسْلَامِ وَلَا كَنِيسَةَ» وَالمُرَادُ إِحدَاثُهَا (وَإِنْ انْهَدَمَتِ البِيَعُ وَالكَنَائِسُ القَدِيمَةُ أَعَادُوهَا) لِأَنَّ الأَبْنِيَةَ لَا تَبقَى دَائِمًا، وَلَمَّا أَقَرَّهُم الإِمَامُ فَقَدْ عَهِدَ إلَيهِم الإِعَادَةَ، إِلَّا أَنَّهُمْ لَا يُمَكَّنُونَ مِنْ نَقلِهَا؛ لِأَنَّهُ إِحدَاثُ فِي الحَقِيقَةِ،
(والخصاء) - بالكسر والمد على فعال - مصدر خصاه، أي: نزع خصيته، والإخصاء في معناه خطأ، ذكره في المغرب (١).
الكنيسة؛ معبد اليهود، والبيعة معبد النصارى.
قيل: في وجه المناسبة في الجمع بين الخصاء والكنيسة في الحديث أن الخصاء نوع ضعف ليس في الفحل، وكذا بناء الكنيسة في دار الإسلام يورث الضعف في الإسلام، أو في الخصاء تغيير عما عليه أصل الخلقة، وكذا في بناء الكنيسة تغيير عما عليه بناء دار الإسلام.
قيل: في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلَأُمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ [النساء: ١١٩] المراد الخصاء.
وقيل: المراد التبتل والامتناع من النساء.
وقيل أمصار المسلمين ثلاثة:
أحدها: ما مصره المسلمون كالكوفة والبصرة وبغداد وواسط؛ فلا يجوز فيها إحداث بيعة ولا كنيسة، ولا مجتمع لصلاتهم ولا صومعة بإجماع أهل العلم، ولا يمكنون فيه من شرب الخمر واتخاذ الخنزير، وضرب الناقوس.
وثانيها: ما فتحه المسلمون عنوة فلا يجوز فيها إحداث شيء بالإجماع، وما كان فيها شيء من ذلك هل يجب هدمه؟ فقال مالك والشافعي في قول وأحمد في رواية: [يجب هدمه. وعندنا أمرهم أن يجعلوا كنائسهم مساكن، ويمنع من صلاتهم فيها، ولكن لا تهدم، هذا إذا صالحهم بعد الفتح أن يجعلهم ذمة، وبه قال الشافعي في قول وأحمد في رواية] (٢)؛ لأن الصحابة ﵃ فتحوا
стр. 4196
وَالصَّومَعَةُ لِلتَّخَلِّي فِيهَا بِمَنزِلَةِ البِيعَةِ، بِخِلَافِ مَوضِعِ الصَّلَاةِ فِي البَيتِ؛ لِأَنَّهُ تَبَعُ للسُّكَنَى، وَهَذَا فِي الأَمْصَارِ دُونَ القُرَى؛ لِأَنَّ الأَمصَارَ هِيَ الَّتِي تُقَامُ فِيهَا الشَّعَائِرُ فَلَا تُعَارَضُ بِإِظْهَارِ مَا يُخَالِفُهَا.
وَقِيلَ: فِي دِيَارِنَا يُمْنَعُونَ مِنْ ذَلِكَ فِي القُرَى أَيضًا؛ لِأَنَّ فِيهَا بَعضَ الشَّعَائِرِ، وَالمَروِيُّ عَنْ صَاحِبِ المَذهَبِ فِي قُرَى الكُوفَةِ، لِأَنَّ أَكثَرَ أَهْلِهَا أَهْلُ الذِّمَّةِ. وَفِي
كثيرا من البلاد عنوة ولم يهدموا شيئًا من كنائسهم، وكتب عمر ﵁ إلى عماله: لا تهدموا بيعة ولا كنيسة.
وثالثها: ما فتح صلحا فإن صالحهم على أن الأرض لهم، ولنا الخراج فجاز إحداثهم، وإن صالحهم على أن الدار لنا، ويؤدّون الجزية فالحكم في الكنائس على ما بويع عليه الصلح، فإن صالحهم على شرط تمكين الإحداث لا يمنعهم.
والأولى أن يصالحهم على شرط ما وقع عليه صلح عمر ﵁ من عدم إحداث البيعة والكنيسة، ويمنعون من ضرب الناقوس وشرب الخمر واتخاذ الخنزير، ولو وقع الصلح مطلقا لا يجوز الإحداث ولا يتعرض للقديمة، ويمنعون من ضرب الناقوس وشرب الخمر واتخاذ الخنزير بالإجماع.
وفي المحيط: لو ضربوا الناقوس في جوف كنائسهم لا يمنع.
قوله: (والصومعة)؛ أي لا يمكنون من اتخاذ الصومعة للعبادة.
قوله: (بخلاف موضع الصلاة)؛ أي صلاة الذمّي في بيته حيث يمكن منه.
قوله: (والمروي عن صاحب المذهب) أي عن أبي حنيفة.
وفي المحيط (١): قال محمد: كل قرية من قرى أهل الذمة أو مصر أو مدينة لهم أظهروا فيها شيئًا من الفسق مثل الزنا وإتيان الفواحش التي يحرمونها في دينهم يمنعون من ذلك وكذا عن المزامير والطنابير والغناء ومن كسر شيئًا من
стр. 4197
أَرضِ العَرَبِ يُمْنَعُونَ مِنْ ذَلِكَ فِي أَمْصَارِهَا وَقُرَاهَا لِقَولِهِ ﵊: «لَا يَجْتَمِعُ دِينَانِ فِي جَزِيرَةِ العَرَبِ».
قَالَ: (وَيُؤْخَذُ أَهلُ الذِّمَّةِ بِالتَّمَيَّزِ عَنْ المُسلِمِينَ فِي زِيِّهِم وَمَرَاكِبِهِم وَسُرُوجِهِم وَقَلَانِسِهِم، فَلَا يَرْكَبُونَ الخَيلَ وَلَا يَعْمَلُونَ بِالسِّلَاحِ. وَفِي «الجَامِعِ الصَّغِيرِ»: وَيُؤْخَذُ أَهلُ الذِّمَّةِ بِإِظْهَارِ الكِستِيجَاتِ
ذلك لم يضمن.
قوله: (في جزيرة العرب) جزر الماء؛ انكشف عن وجه الأرض وقد بينا أن أرض العرب لم سميت جزيرة.
وفي المحيط (١): قال محمد: لا ينبغي أن يترك في أرض العرب كنيسة ولا بيعة، ولا يباع فيها الخمر ولا قرية منها أو في ماء من مياه العرب، ويمنع المشركون أن يتخذوا أرض العرب مسكنا ووطنا، ولا خلاف لأحد.
قوله: (الكستيجات) وهو جمع الكستيج، وهو خيط غليظ بقدر الإصبع يشده الذمّي فوق ثيابه دون الزنانير المتخذة من الإبريسم قاله أبو يوسف، ومنه أمر عمر ﵁ بإظهار الكستجات ذكره في المغرب (٢).
فإن قيل: لم يأمر النبي ﷺ يهود المدينة ولا نصارى نجران ولا مجوس هجر.
قلنا: لأنهم في زمنه ﵇ معروفون ولا يشتبه حالهم فلا يحتاجون إلى ذلك، ثم في زمن عمر ﵁ لما كثر الناس ممن يعرف وممن لا يعرف، احتاج إلى ذلك، وكان ذلك بمحضر من الصحابة قال ﵇: «أينما دارَ عُمرُ دار الحقُّ مَعَه».
قوله: (وفي الجامع الصغير)، وإنما ذكر لفظ الجامع؛ ليعلم أنما ذكره في الجامع الصغير تفسير لما ذكره من رواية القدوري.
стр. 4198
وَالرُّكُوبِ عَلَى السُّرُوحِ الَّتِي هِيَ كَهَيْئَةِ الأَكُفِّ) وَإِنَّمَا يُؤْخَذُونَ بِذَلِكَ إِظْهَارًا لِلصَّغَارِ عَلَيْهِم وَصِيَانَة لِضَعَفَةِ المُسلِمِينَ؛ وَلِأَنَّ المُسلِمَ يُكرَمُ، وَالذُّمِّيُّ يُهَانُ، وَلَا يُبتَدَأُ بِالسَّلَامِ وَيُضَيَّقُ عَلَيْهِ الطَّرِيقُ، فَلَو لَم تَكُنْ عَلَامَةٌ مُمَيِّزَةٌ، فَلَعَلَّهُ يُعَامَلُ مُعَامَلَةَ المُسلِمِينَ وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ؛ وَالعَلَامَةُ يَجِبُ أَنْ تَكُونَ خَيْطًا غَلِيظًا مِنْ الصُّوفِ يَشُدُّهُ عَلَى وَسَطِهِ دُونَ الزُّنَّارِ مِنْ الإِبْرَيسَمِ، فَإِنَّهُ جَفَاء فِي حَقِّ أَهْلِ الإِسْلَامِ. وَيَجِب أَنْ يَتَمَيَّزَ نِسَاؤُهُم عَنْ نِسَائِنَا فِي الطُّرُقَاتِ وَالحَمَّامَاتِ، وَيُجْعَلُ عَلَى دُورِهِم عَلَامَاتٌ كَي لَا يَقِفَ عَلَيْهَا سَائِلٌ يَدْعُوَ لَهُمْ بِالمَغْفِرَةِ.
قَالُوا: الأَحَقُّ أَنْ لَا يُترَكُوا أَنْ يَركَبُوا إِلَّا لِلضَّرُورَةِ. وَإِذَا رَكِبُوا لِلضَّرُورَةِ فَلِيَنزِلُوا فِي مَجَامِعِ المُسلِمِينَ، فَإِنْ لَزِمَت الضَّرُورَةُ اتَّخَذُوا سُرُوجًا بِالصِّفَةِ الَّتِي تَقَدَّمَت، وَيُمْنَعُونَ مِنْ لِبَاس يَختَصُّ بِهِ أَهلُ العِلمِ وَالزُّهْدِ وَالشَّرَفِ.
قوله: (صيانة لضعفة المسلمين) قال شمس الأئمة في جامعه: المراد من الضعف؛ هو الضعف في الدين لا في البدن، يعني إنما فعل بهم ذلك من الصغار؛ لكي يروا في أعين الناس الذين لم يتصلبون في دين الإسلام على الصغار والذلة، حتى لا يقولوا يتقلبون في النعمة والدعة، والمؤمنون في المحنة والضعة، وألا يميلوا إلى الكفر بسبب سعيهم، وإليه أشار الله تعالى في قوله: ﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ﴾ [الزخرف: ٣٣] الآية.
قوله: (والعلامة بخيط … ) إلى آخره ذكر التمرتاشي: يكتفى في كل بلد من العلامة بما تعارفه أهله؛ لأن المقصود يحصل بهذا، فعلم أن الاقتصار على هذه العلامة المخصوصة غير لازم.
قوله: (فإنه)؛ أي الزنار من الابريسم. (جفاء)، والجفاء الغلظ في العشرة، والخرق في المعاملة، وترك الرفق يعني فيه ترك حسن العشرة بأهل الإسلام؛ إذ فيه إهانة لأهل الإسلام؛ فإن من أعز عدو صديقه فقد أهان صديقه معنى.
قوله: (إلا للضرورة)، بأن استعان بهم الإمام في الحرب والذب عن المسلمين، وكالخروج إلى الرستاق، وذهاب المريض إلى موضع يحتاج إليه.
قوله: (بالصفة التي تقدمت) وهي كهيئة الأكف جمع إكاف؛ إذ السرج للغزاة، ولهذا يكره للنساء الركوب على السرج؛ لأنهن لسن من أهل الجهاد.
стр. 4199
(وَمَنْ امْتَنَعَ مِنْ الجِزْيَةِ أَوْ قَتَلَ مُسلِمًا أَوْ سَبَّ النَّبِيَّ ﵊ أَوْ
وفي المحيط: ويركبون على قربوس مثل الرمانة، ولا يلبسوا طيالسة مثل طيالسة المسلمين، ولا أردية ولباسا مثل أردية المسلمين وثيابهم، هكذا أمر عمر ﵁ واتفقت الصحابة على ذلك، ولباس أهل الشرف كالعمامة والدراعة والرداء وغيرها، ويكون مكاعبهم خلاف مكاعبنا خشنة فاسدة اللون غير مزينة؛ تحقيرا لهم وتعظيما لأهل الدين.
قوله: (ومن امتنع … ) إلى آخره.
وفي الواقعات: الامتناع عن قبول الجزية نقض بخلاف سائر الكبائر.
قال الشافعي: إذا امتنع من بذل الجزية وقبول أحكام الإسلام ينتقض عهده، ولا بزناه بمسلمة أو أن يصيبها بنكاح، وأن يفتتن مسلما عن دينه أو يقطع الطريق أو يؤدي إلى الكفار عينا، أو يدل على عورات المسلمين أو يقتل مسلما وبه قال أحمد ومالك.
وقال مالك: ينتقض بإكراه المسلمة على الزنا، وبسب النبي ﵇ أو ذكر الله تعالى بما لا ينبغي للشافعي قولان: أحدهما ينتقض والثاني لا.
وفي شرح الوجيز: منع الجزية مع القدرة انتقاض للعهد وبالعجز لا، والامتناع عن إجراء الأحكام هاربا فلا أراه ناقضا، وإن امتنع راكنا إلى قوة وعُدّة؛ فينبغي أن يدعى إلى الإسلام فإن نصب القتال انتقض.
وفي ذكر الرسول بالسوء طريقان: أحدهما أنه ينتقض فيه العهد بلا خلاف كالقتال، وفي الآخر: إن ذكره بسوء يعتقده ويتدين به؛ بأن قال إنه ليس برسول أو قتل اليهود بغير حق أو نسبه إلى الكذب فعند بعض الأصحاب لا ينتقض عهده.
أما لو ذكره بما لا يعتقده ولا يتدين به كما لو نسبه إلى الزنا أو طعن في نسبه، ينتقض به شرط عليهم أو لم يشرط، وذكر الله تعالى على ذلك الخلاف فلو ذكره بما لا يليق بكبريائه مما لا يعتقدون به ويتدينون به ينتقض العهد، وفيما يعتقده الذمي كثالث ثلاثة أو العزير ابن الله فلا ينتقض العهد بلا خلاف.
وقال مالك: في سب النبي ﵇ يقتل إن لم يسلم، وبه قال أحمد في رواية، والشافعي في قول.
стр. 4200
زَنَى بِمُسلِمَةٌ لَم يُنتَقَضَ عَهْدُهُ) لِأَنَّ الغَايَةَ الَّتِي يَنتَهِي بِهَا الْقِتَالُ التِزَامُ الجِزْيَةِ لَا أَدَاؤُهَا وَالِالتِزَامُ بَاقِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: سَبُّ النَّبِيِّ ﷺ يَكُونُ نَقضًا؛ لِأَنَّهُ يَنقُضُ إِيمَانَهُ فَكَذَا يَنقُضُ أَمَانَهُ، إِذْ عَقْدُ الذِّمَّةِ خَلَفٌ عَنهُ.
وَلَنَا: أَنَّ سَبَّ النَّبِيِّ ﷺ كُفْرٌ مِنْهُ، وَالكُفْرُ المُقَارِنُ لَا يَمْنَعُهُ فَالطَّارِئُ لَا يَرْفَعُهُ. قَالَ: (وَلَا يُنقَضُ العَهْدُ إِلَّا أَنْ يَلحَقَ بِدَارِ الحَربِ، أَوْ يَغْلِبُوا عَلَى مَوضِع فَيُحَارِبُونَنَا)؛ لِأَنَّهُم صَارُوا حَربًا عَلَيْنَا فَيُعَرَّى عَقدُ الذِّمَّةِ عَنِ الفَائِدَةِ وَهُوَ دَفْعُ شَرِّ الحِرَابِ.
قوله: (ينقض إيمانه)، يعني على تقدير أنه لو كان مسلما (فينقض أمانه)؛ لأن عقد الذمة خلف عن الإيمان في إفادة الأمان؛ فما ينقض الأصل ينقض الخلف الأدنى بطريق الأولى.
وروى أبو يوسف عن حصين بن عبد الله عن ابن عمر أن رجلا قال له: سمعت راهبا سب النبي ﷺ فقال: لو سمعته لقتلته إنا لم نعطهم العهد على هذا.
قوله: (فالطارئ)؛ أي الكفر الطارئ (لا يرفع) مع أن المنع أسهل من الرفع، وقد روي عن عائشة أنها قالت: إن رهطا من اليهود دخلوا على النبي ﷺ فقال السام عليك: فقال ﵇: «وعليكم» فقالت عائشة فقلت: لا بل عليكم فقال ﵇: «يا عائشة إنّ اللهَ تَعَالَى يُحِبُّ الرِّفق في الأمر كله» فقالت ألم تسمع ما قالوا؟ قال ﵇ قلت: «وعَلَيْكُم» (١).
ومعلوم أنه لو كان من مسلم يصير به مرتدا ولم يقتلهم [وقصة اليهودية والشاة المسمومة معروفة، ولا خلاف أن هذا إن صدر من المسلم يصير مرتدا مستحقا للقتل] (٢)، ولم يقتلها النبي ﵇ فعلم أن سبه ﵇ منهم ليس بموجب للقتل، وحديث ابن عمر إسناده ضعيف، وجائز أن يكون شرط عليهم ألا يظهروا سبه ﵇.
стр. 4201
(وَإِذَا نَقَضَ الذِّمِّيُّ العَهْدَ فَهُوَ بِمَنزِلَةِ المُرتَدِّ) مَعنَاهُ: فِي الحُكم بِمَوتِهِ بِاللَّحَاقِ؛ لِأَنَّهُ التَحَقَ بِالأمْوَاتِ، وَكَذَا فِي حُكمِ مَا حَمَلَهُ مِنْ مَالِهِ، إِلَّا أَنَّهُ لَو أُسِرَ يُسْتَرَقُ بِخِلَافِ المُرتَد.
فَصْلٌ: [نَصَارَى بَنِي تَغْلِبٍ يُؤْخَذُ مِنْ أَمْوَالِهِمْ ضِعْفَ مَا يُؤْخَذُ مِنْ المُسْلِمِينَ مِنَ الزَّكَاةِ]
قوله: (فهو بمنزلة المرتد)، يعني إذا تاب ورجع يقتل، وإذا لحق بدار الحرب التحق بالأموات.
وعند الشافعي بعد انتقاض عهده؛ الإمام مخير بين استرقاقه وقتله والمن والفداء؛ لأنه كافر حربي، لا أمان كالحربي فلو أسلم قبل أن يختار الإمام شيئًا؛ لا يجوز استرقاقه بخلاف الأسير؛ لأنه لم يحصل في يد الإمام بالقهر فخفف أمره كذا في شرح الوجيز، وبقوله قال أحمد، ولا يبطل أمان ذريته بنقض عهده بلا خلاف، وفي كل موضع لا ينتقض أمانه به يقيم [عليه] (١) حد أو قصاص بلا خلاف.
قوله: (وكذا في حكم ما حمله)، يعني بعد نقض العهد لو لحق بدار الحرب فعاد إلى دار الإسلام، وأخذ من ماله وأدخله دار الحرب، ثم ظهر عليها فالورثة أحق به قبل القسمة مجانا وبعدها بالقيمة؛ لأن الملك للورثة بعد اللحاق فإن عاد الحكم باللحاق في رواية: يكون فيئاً، وفي رواية لا.
قوله: (بخلاف المرتد) بألا يسترق؛ بل يقتل إن أصر على الارتداد، وكذا يجوز وضع الجزية على الذمّي نقض العهد ولحق بدار الحرب بخلاف المرتد، وهذا لأن تقريره على كفره جائز، وقتله غير لازم؛ لأنه التزم أحكام الإسلام لا الإسلام بالذمة؛ فلا بأس بأن يعود إلى الذمة.
فصل
ذكر أحكام نصارى بني تغلب بفصل على حدة؛ لما أن حكمهم مخالف لحكم سائر النصارى.
стр. 4202
(وَنَصَارَى بَنِي تَغْلِبَ يُؤْخَذُ مِنْ أَمْوَالِهِم ضِعفُ مَا يُؤْخَذُ مِنْ المُسلِمِينَ مِنْ الزَّكَاةِ)؛ لِأَنَّ عُمَرَ ﵁ صَالَحَهُم عَلَى ذَلِكَ بِمَحضَر مِنْ الصَّحَابَةِ (يُؤْخَذُ مِنْ نِسَائِهِم وَلَا يُؤْخَذُ مِنْ صِبْيَانِهِم)؛ لِأَنَّ الصُّلْحَ وَقَعَ عَلَى الصَّدَقَةِ المُضَاعَفَةِ، وَالصَّدَقَةُ تَجِبُ عَلَيْهِنَّ دُونَ الصَّبْيَانِ فَكَذَا المُضَاعَفُ. وَقَالَ زُفَرُ ﵀: لَا يُؤْخَذُ مِنْ نِسَائِهِم أيضًا (*)، وَهُوَ قَولُ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُ جِزْيَةٌ فِي الحَقِيقَةِ عَلَى مَا قَالَ عُمَرُ: هَذِهِ جِزْيَةٌ فَسَمُّوهَا مَا شِئْتُم، وَلِهَذَا تُصْرَفُ مَصَارِفَ الجِزْيَةِ وَلَا جِزْيَةَ عَلَى النِّسْوَانِ.
بنو تغلب بن وائل من العرب من ربيعة بن نزار، انتقلوا من الجاهلية إلى النصرانية فدعاهم عمر ﵁ إلى بذل الجزية فأبوا وأنفُوا وقالوا: نحن عرب خذ منا كما يأخذ بعضكم من بعض الصدقة فقال: لا آخذ من مشرك صدقة فلحق بعضهم بالروم فقال النعمان بن زرعة: يا أمير المؤمنين إن القوم لهم بأس شديد، وهم عرب يأنفون من الجزية؛ فلا تعن عليك عدوك بهم، وخذ منهم الجزية باسم الصدقة فبعث عمر ﵁ في طلبهم وضعف عليهم؛ فأجمع الصحابة على ذلك، وقال به الفقهاء.
ثم اختلفوا في هذا الواجب جزية حتى لا تؤخذ من نسائهم وصبيانهم؛ لأنه جزية في الحقيقة إذ الواجب (١) عليهم الجزية لا الصدقة بالكتاب؛ فإذا صالحوهم على شيء جعل واقعا مما استحق يؤيده [قول] (٢) عمر ﵁: هذه جزية سموها ما شئتم.
وقال أصحابنا وأحمد: هو واجب بشرائط الزكاة، ولهذا يعتبر الشافعي النصاب فيه، والصلح وقع على تضعيف الزكاة، ومن قضية التضعيف؛ أن يعم مواضع الصدقة ولا تتبدل الشروط والأسباب؛ فجعل الواجب في حقهم لشرائط إذ الصلح وقع على ذلك، والمرأة من أهلها فيجب عليها، ولا يجب على الصبيان والمجانين لعدم وجوب الزكاة في حقهم عندنا، وعند أحمد تجب عليهما كالزكاة.
стр. 4203
وَلَنَا: أَنَّهُ مَالٌ وَجَبَ بِهِ الصُّلحُ، وَالمَرأَةُ مِنْ أَهلِ وُجُوبِ مِثْلِهِ عَلَيْهَا وَالمَصْرِفُ مَصَالِحُ المُسلِمِينَ؛ لِأَنَّهُ مَالُ بَيْتِ المَالِ، وَذَلِكَ لَا يَختَصُّ بِالجِزِيَةِ؛ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا يُرَاعَى فِيهِ شَرَائِطُهَا وَيُوضَعُ عَلَى مَولَى التَّعْلِبِيِّ الخَرَاجُ أَي الجِزْيَةُ وَخَرَاجُ الأَرضِ بِمَنزِلَةِ مَولَى القُرَشِيِّ وَقَالَ زُفَرُ: يُضَاعَفُ لِقَولِهِ ﵊: «إِنَّ مَولَى القَومِ مِنهُم»؛ أَلَا تَرَى أَنَّ مَولَى الهَاشِمِي يَلحَقُ بِهِ فِي حَقِّ حُرمَةِ الصَّدَقَةِ (*).
وَلَنَا: أَنَّ هَذَا تَحْفِيفٌ، وَالمَولَى لَا يَلحَقُ بِالأصلِ فِيهِ، وَلِهَذَا تُوضَعُ الجِزْيَةُ عَلَى مَولَى المُسلِمِ إِذَا كَانَ نَصْرَانِيًّا، بِخِلَافِ حُرمَةِ الصَّدَقَةِ، لِأَنَّ الحُرُمَاتِ تَثْبُتُ بِالشُّبُهَاتِ، فَأُلحِقَ المَولَى بِالهَاشِمِي فِي حَقِّهِ، وَلَا يَلزَمُ مَولَى الغَنِيِّ حَيثُ لَا تَحْرُمُ
قوله: (وجوب مثله)؛ أي مثل مال وجب بدل الصلح فيجب عليها.
قوله: (والمصرف مصالح المسلمين)؛ لأن المأخوذ منهم شرائط الجزية؛ من الأخذ بوصف الصغار، وغيره من [عدم] (١) القبول من يد النائب، والإعطاء قائما والقابض قاعدا، وأخذ التلبيب (٢) والهز.
قوله: (على مولى التغلبي)؛ أي معتقه.
قوله: (بمنزلة مولى القرشي) يعني لا تؤخذ الجزية والخراج من القرشي، وتؤخذ من مولاه فكذا هاهنا ولا خلاف لغير زفر من الفقهاء.
قوله: (ولنا أن هذا؛ أي وضع المضاعفة (تخفيف) لما ذكرنا أنه ليس فيه وصف الصغار، وكان ذلك باختيارهم ورضاهم.
(والمولى لا يلحق بالأصل فيه)؛ أي في التخفيف.
ألا ترى أن الإسلام على أسباب التخفيف، ولو كان المسلم مولى نصراني فوضع عليه الجزية؛ فإذا لم يتعدى التخفيف الثابت للتغلبي أولى كالتخفيف الثابت للقرشي، لا يتعدى إلى مولاه وألحق مولى الهاشمي) به (في حقه)؛ أي في حق تحريم الصدقة كرامة وتنزيها للهاشمي، وأن ينتمي إليه من الأوساخ.
стр. 4204
عَلَيْهِ الصَّدَقَةُ، لِأَنَّ الغَنِيَّ مِنْ أَهْلِهَا، وَإِنَّمَا الغِنَى مَانِعُ وَلَمْ يُوجَد فِي حَقِّ المَولَى، أَمَّا الهَاشِمِيُّ فَلَيسَ بِأَهل لِهَذِهِ الصِّلَةِ أَصلا، لِأَنَّهُ صِينَ لِشَرَفِهِ وَكَرَامَتِهِ عَنْ أَوسَاخِ النَّاسِ فَأُلْحِقَ بِهِ مَولَاهُ.
قَالَ: (وَمَا جَبَاهُ الإِمَامُ مِنْ الخَرَاجِ وَمِنْ أَمْوَالِ بَنِي تَغلِبَ وَمَا أَهْدَاهُ أَهلُ الحَربِ إِلَى الإِمَامِ وَالجِزْيَةُ، يُصرَفُ فِي مَصَالِحِ المُسلِمِينَ، كَسَدِّ الثُغُورِ وَبِنَاءِ القَنَاطِرِ وَالجُسُورِ، وَيُعطَى قُضَاةُ المُسلِمِينَ وَعُمَّالُهُم وَعُلَمَاؤُهُم مِنْهُ مَا يَكفِيهِم،
قوله: (لأن الغني من أهلها)؛ أي من أهل الصدقة، وإن كان فيها أوساخ الناس، ولهذا لو كان عاملا وابن السبيل يجوز له أخذ الزكاة بخلاف الهاشمي.
وأما الحديث فغير مجرى على عمومه بالإجماع؛ فإن الهاشمي لا ينزل منزلته في الكفاءة، وهذا مولى القرشي كما بينا فنحمله على معنى التناصر والتعاون أو على تحريم الصدقة؛ لأنه السبب فقد روي أنه ﵇ استعمل أرقم بن أرقم على الصدقات فاستتبع أبا رافع مولى رسول الله ﷺ فقال ﵇: «إنّ الصَّدَقَةَ لا تَحِلُّ لمُحمّدٍ ولا لآلِ مُحَمَّدٍ وإن مولى القوم منهم» (١).
قال شمس الأئمة: القياس في الكل سواء، إلا أن الحديث ورد في تحريم الصدقة على خلاف القياس فيقتصر عليه، وهذا ليس في معنى ما ورد به النص؛ لأن ذلك كان لإظهار فضيلة قرابة النبي ﵇ في إلحاق مولاهم به، ومولى التغلبي ليس من ذلك من شيء.
قوله: (القناطر والجسور) في المبسوط (٢): الجسر ما يوضع ويرفع، والقنطرة ما يحكم بناؤه فلا يرفع، ولا تخمّس الجزية والخراج عندنا، وبه قال مالك وأحمد والشافعي في القديم، وقال في الجديد: تخمس وقد مر.
стр. 4205
وَيُدْفَعُ مِنهُ أَرزَاقُ المُقَاتِلَةِ وَذَرَارِيهِم)؛ لِأَنَّهُ مَالُ بَيتِ المَالِ، فَإِنَّهُ وَصَلَ إِلَى المُسلِمِينَ مِنْ غَيرِ قِتَالٍ وَهُوَ مُعَدٌ لِمَصَالِحِ المُسلِمِينَ وَهَؤُلَاءِ عَمَلَتُهُم وَنَفَقَةُ الدَّرَارِيِّ عَلَى الْآبَاءِ، فَلَو لَم يُعطوا كِفَايَتَهُم لَاحتَاجُوا إِلَى الاكتِسَابِ فَلَا يَتَفَرَّغُونَ لِلْقِتَالِ وَمَنْ مَاتَ فِي نِصْفِ السَّنَةِ فَلَا شَيْءَ لَهُ مِنْ العَطَاءِ لِأَنَّهُ نَوعُ صِلَة وَلَيْسَ بِدَين؛ وَلِهَذَا سُمِّيَ عَطَاء فَلَا يُملَكُ قَبْلَ القَبْضِ وَيَسقُطُ بِالمَوتِ، وَأَهْلُ العَطَاءِ فِي زَمَانِنَا مِثْلُ القَاضِي وَالمُدَرِّسِ وَالمُفْتِي، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قوله: (في نصف السنة فلا شيء له من العطاء) والعطاء: ما يكتب به للغزاة في الديوان، ولكل من قام بأمر الدين، وكذا إذا مات في آخر السنة لا يستحق العطاء، ولكن يستحب صرفه فيما إذا مات في آخر السنة إلى قريبه؛ لأنه قد أوفى غناه؛ فيستحب صرفه إلى قريبه؛ لأنه أقرب إلى الوفاة.
ثم قيل: رزق القاضي ومن في معناه في آخر السنة يعطى، ولو أخذ في أولها ثم عزل أو مات قبل مضيها.
قيل: يجب رد ما بقي من السنة. وقيل: على قياس نفقة المرأة لم يجب.
وقال محمد: أحب إلي رد الباقي كما لو عجل لها نفقة لتزوجها فمات قبل التزوج لعدم حصول المقصود.
وعندهما؛ أنها صلة من وجه فينقطع الاسترداد بالموت كالرجوع في الهبة، ذكره في جامعي قاضي خان والتمرتاشي.
قوله: (وأهل العطاء في زماننا) إنما قال ذلك؛ لأنه في الابتداء كان يعطى لكل من كان له ضرب مزية في الإسلام؛ كأزواج النبي ﵇ وأولاد المهاجرين والأنصار.