← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 30179

معراج الدراية في شرح الهداية

الكاكي

Полный текст (7 597 стр.). Показаны 4201–4240 · переход к 4206.

стр. 4201

(وَإِذَا نَقَضَ الذِّمِّيُّ العَهْدَ فَهُوَ بِمَنزِلَةِ المُرتَدِّ) مَعنَاهُ: فِي الحُكم بِمَوتِهِ بِاللَّحَاقِ؛ لِأَنَّهُ التَحَقَ بِالأمْوَاتِ، وَكَذَا فِي حُكمِ مَا حَمَلَهُ مِنْ مَالِهِ، إِلَّا أَنَّهُ لَو أُسِرَ يُسْتَرَقُ بِخِلَافِ المُرتَد. فَصْلٌ: [نَصَارَى بَنِي تَغْلِبٍ يُؤْخَذُ مِنْ أَمْوَالِهِمْ ضِعْفَ مَا يُؤْخَذُ مِنْ المُسْلِمِينَ مِنَ الزَّكَاةِ] قوله: (فهو بمنزلة المرتد)، يعني إذا تاب ورجع يقتل، وإذا لحق بدار الحرب التحق بالأموات. وعند الشافعي بعد انتقاض عهده؛ الإمام مخير بين استرقاقه وقتله والمن والفداء؛ لأنه كافر حربي، لا أمان كالحربي فلو أسلم قبل أن يختار الإمام شيئًا؛ لا يجوز استرقاقه بخلاف الأسير؛ لأنه لم يحصل في يد الإمام بالقهر فخفف أمره كذا في شرح الوجيز، وبقوله قال أحمد، ولا يبطل أمان ذريته بنقض عهده بلا خلاف، وفي كل موضع لا ينتقض أمانه به يقيم [عليه] (١) حد أو قصاص بلا خلاف. قوله: (وكذا في حكم ما حمله)، يعني بعد نقض العهد لو لحق بدار الحرب فعاد إلى دار الإسلام، وأخذ من ماله وأدخله دار الحرب، ثم ظهر عليها فالورثة أحق به قبل القسمة مجانا وبعدها بالقيمة؛ لأن الملك للورثة بعد اللحاق فإن عاد الحكم باللحاق في رواية: يكون فيئاً، وفي رواية لا. قوله: (بخلاف المرتد) بألا يسترق؛ بل يقتل إن أصر على الارتداد، وكذا يجوز وضع الجزية على الذمّي نقض العهد ولحق بدار الحرب بخلاف المرتد، وهذا لأن تقريره على كفره جائز، وقتله غير لازم؛ لأنه التزم أحكام الإسلام لا الإسلام بالذمة؛ فلا بأس بأن يعود إلى الذمة. فصل ذكر أحكام نصارى بني تغلب بفصل على حدة؛ لما أن حكمهم مخالف لحكم سائر النصارى.

стр. 4202

(وَنَصَارَى بَنِي تَغْلِبَ يُؤْخَذُ مِنْ أَمْوَالِهِم ضِعفُ مَا يُؤْخَذُ مِنْ المُسلِمِينَ مِنْ الزَّكَاةِ)؛ لِأَنَّ عُمَرَ ﵁ صَالَحَهُم عَلَى ذَلِكَ بِمَحضَر مِنْ الصَّحَابَةِ (يُؤْخَذُ مِنْ نِسَائِهِم وَلَا يُؤْخَذُ مِنْ صِبْيَانِهِم)؛ لِأَنَّ الصُّلْحَ وَقَعَ عَلَى الصَّدَقَةِ المُضَاعَفَةِ، وَالصَّدَقَةُ تَجِبُ عَلَيْهِنَّ دُونَ الصَّبْيَانِ فَكَذَا المُضَاعَفُ. وَقَالَ زُفَرُ ﵀: لَا يُؤْخَذُ مِنْ نِسَائِهِم أيضًا (*)، وَهُوَ قَولُ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُ جِزْيَةٌ فِي الحَقِيقَةِ عَلَى مَا قَالَ عُمَرُ: هَذِهِ جِزْيَةٌ فَسَمُّوهَا مَا شِئْتُم، وَلِهَذَا تُصْرَفُ مَصَارِفَ الجِزْيَةِ وَلَا جِزْيَةَ عَلَى النِّسْوَانِ. بنو تغلب بن وائل من العرب من ربيعة بن نزار، انتقلوا من الجاهلية إلى النصرانية فدعاهم عمر ﵁ إلى بذل الجزية فأبوا وأنفُوا وقالوا: نحن عرب خذ منا كما يأخذ بعضكم من بعض الصدقة فقال: لا آخذ من مشرك صدقة فلحق بعضهم بالروم فقال النعمان بن زرعة: يا أمير المؤمنين إن القوم لهم بأس شديد، وهم عرب يأنفون من الجزية؛ فلا تعن عليك عدوك بهم، وخذ منهم الجزية باسم الصدقة فبعث عمر ﵁ في طلبهم وضعف عليهم؛ فأجمع الصحابة على ذلك، وقال به الفقهاء. ثم اختلفوا في هذا الواجب جزية حتى لا تؤخذ من نسائهم وصبيانهم؛ لأنه جزية في الحقيقة إذ الواجب (١) عليهم الجزية لا الصدقة بالكتاب؛ فإذا صالحوهم على شيء جعل واقعا مما استحق يؤيده [قول] (٢) عمر ﵁: هذه جزية سموها ما شئتم. وقال أصحابنا وأحمد: هو واجب بشرائط الزكاة، ولهذا يعتبر الشافعي النصاب فيه، والصلح وقع على تضعيف الزكاة، ومن قضية التضعيف؛ أن يعم مواضع الصدقة ولا تتبدل الشروط والأسباب؛ فجعل الواجب في حقهم لشرائط إذ الصلح وقع على ذلك، والمرأة من أهلها فيجب عليها، ولا يجب على الصبيان والمجانين لعدم وجوب الزكاة في حقهم عندنا، وعند أحمد تجب عليهما كالزكاة.

стр. 4203

وَلَنَا: أَنَّهُ مَالٌ وَجَبَ بِهِ الصُّلحُ، وَالمَرأَةُ مِنْ أَهلِ وُجُوبِ مِثْلِهِ عَلَيْهَا وَالمَصْرِفُ مَصَالِحُ المُسلِمِينَ؛ لِأَنَّهُ مَالُ بَيْتِ المَالِ، وَذَلِكَ لَا يَختَصُّ بِالجِزِيَةِ؛ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا يُرَاعَى فِيهِ شَرَائِطُهَا وَيُوضَعُ عَلَى مَولَى التَّعْلِبِيِّ الخَرَاجُ أَي الجِزْيَةُ وَخَرَاجُ الأَرضِ بِمَنزِلَةِ مَولَى القُرَشِيِّ وَقَالَ زُفَرُ: يُضَاعَفُ لِقَولِهِ ﵊: «إِنَّ مَولَى القَومِ مِنهُم»؛ أَلَا تَرَى أَنَّ مَولَى الهَاشِمِي يَلحَقُ بِهِ فِي حَقِّ حُرمَةِ الصَّدَقَةِ (*). وَلَنَا: أَنَّ هَذَا تَحْفِيفٌ، وَالمَولَى لَا يَلحَقُ بِالأصلِ فِيهِ، وَلِهَذَا تُوضَعُ الجِزْيَةُ عَلَى مَولَى المُسلِمِ إِذَا كَانَ نَصْرَانِيًّا، بِخِلَافِ حُرمَةِ الصَّدَقَةِ، لِأَنَّ الحُرُمَاتِ تَثْبُتُ بِالشُّبُهَاتِ، فَأُلحِقَ المَولَى بِالهَاشِمِي فِي حَقِّهِ، وَلَا يَلزَمُ مَولَى الغَنِيِّ حَيثُ لَا تَحْرُمُ قوله: (وجوب مثله)؛ أي مثل مال وجب بدل الصلح فيجب عليها. قوله: (والمصرف مصالح المسلمين)؛ لأن المأخوذ منهم شرائط الجزية؛ من الأخذ بوصف الصغار، وغيره من [عدم] (١) القبول من يد النائب، والإعطاء قائما والقابض قاعدا، وأخذ التلبيب (٢) والهز. قوله: (على مولى التغلبي)؛ أي معتقه. قوله: (بمنزلة مولى القرشي) يعني لا تؤخذ الجزية والخراج من القرشي، وتؤخذ من مولاه فكذا هاهنا ولا خلاف لغير زفر من الفقهاء. قوله: (ولنا أن هذا؛ أي وضع المضاعفة (تخفيف) لما ذكرنا أنه ليس فيه وصف الصغار، وكان ذلك باختيارهم ورضاهم. (والمولى لا يلحق بالأصل فيه)؛ أي في التخفيف. ألا ترى أن الإسلام على أسباب التخفيف، ولو كان المسلم مولى نصراني فوضع عليه الجزية؛ فإذا لم يتعدى التخفيف الثابت للتغلبي أولى كالتخفيف الثابت للقرشي، لا يتعدى إلى مولاه وألحق مولى الهاشمي) به (في حقه)؛ أي في حق تحريم الصدقة كرامة وتنزيها للهاشمي، وأن ينتمي إليه من الأوساخ.

стр. 4204

عَلَيْهِ الصَّدَقَةُ، لِأَنَّ الغَنِيَّ مِنْ أَهْلِهَا، وَإِنَّمَا الغِنَى مَانِعُ وَلَمْ يُوجَد فِي حَقِّ المَولَى، أَمَّا الهَاشِمِيُّ فَلَيسَ بِأَهل لِهَذِهِ الصِّلَةِ أَصلا، لِأَنَّهُ صِينَ لِشَرَفِهِ وَكَرَامَتِهِ عَنْ أَوسَاخِ النَّاسِ فَأُلْحِقَ بِهِ مَولَاهُ. قَالَ: (وَمَا جَبَاهُ الإِمَامُ مِنْ الخَرَاجِ وَمِنْ أَمْوَالِ بَنِي تَغلِبَ وَمَا أَهْدَاهُ أَهلُ الحَربِ إِلَى الإِمَامِ وَالجِزْيَةُ، يُصرَفُ فِي مَصَالِحِ المُسلِمِينَ، كَسَدِّ الثُغُورِ وَبِنَاءِ القَنَاطِرِ وَالجُسُورِ، وَيُعطَى قُضَاةُ المُسلِمِينَ وَعُمَّالُهُم وَعُلَمَاؤُهُم مِنْهُ مَا يَكفِيهِم، قوله: (لأن الغني من أهلها)؛ أي من أهل الصدقة، وإن كان فيها أوساخ الناس، ولهذا لو كان عاملا وابن السبيل يجوز له أخذ الزكاة بخلاف الهاشمي. وأما الحديث فغير مجرى على عمومه بالإجماع؛ فإن الهاشمي لا ينزل منزلته في الكفاءة، وهذا مولى القرشي كما بينا فنحمله على معنى التناصر والتعاون أو على تحريم الصدقة؛ لأنه السبب فقد روي أنه ﵇ استعمل أرقم بن أرقم على الصدقات فاستتبع أبا رافع مولى رسول الله ﷺ فقال ﵇: «إنّ الصَّدَقَةَ لا تَحِلُّ لمُحمّدٍ ولا لآلِ مُحَمَّدٍ وإن مولى القوم منهم» (١). قال شمس الأئمة: القياس في الكل سواء، إلا أن الحديث ورد في تحريم الصدقة على خلاف القياس فيقتصر عليه، وهذا ليس في معنى ما ورد به النص؛ لأن ذلك كان لإظهار فضيلة قرابة النبي ﵇ في إلحاق مولاهم به، ومولى التغلبي ليس من ذلك من شيء. قوله: (القناطر والجسور) في المبسوط (٢): الجسر ما يوضع ويرفع، والقنطرة ما يحكم بناؤه فلا يرفع، ولا تخمّس الجزية والخراج عندنا، وبه قال مالك وأحمد والشافعي في القديم، وقال في الجديد: تخمس وقد مر.

стр. 4205

وَيُدْفَعُ مِنهُ أَرزَاقُ المُقَاتِلَةِ وَذَرَارِيهِم)؛ لِأَنَّهُ مَالُ بَيتِ المَالِ، فَإِنَّهُ وَصَلَ إِلَى المُسلِمِينَ مِنْ غَيرِ قِتَالٍ وَهُوَ مُعَدٌ لِمَصَالِحِ المُسلِمِينَ وَهَؤُلَاءِ عَمَلَتُهُم وَنَفَقَةُ الدَّرَارِيِّ عَلَى الْآبَاءِ، فَلَو لَم يُعطوا كِفَايَتَهُم لَاحتَاجُوا إِلَى الاكتِسَابِ فَلَا يَتَفَرَّغُونَ لِلْقِتَالِ وَمَنْ مَاتَ فِي نِصْفِ السَّنَةِ فَلَا شَيْءَ لَهُ مِنْ العَطَاءِ لِأَنَّهُ نَوعُ صِلَة وَلَيْسَ بِدَين؛ وَلِهَذَا سُمِّيَ عَطَاء فَلَا يُملَكُ قَبْلَ القَبْضِ وَيَسقُطُ بِالمَوتِ، وَأَهْلُ العَطَاءِ فِي زَمَانِنَا مِثْلُ القَاضِي وَالمُدَرِّسِ وَالمُفْتِي، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قوله: (في نصف السنة فلا شيء له من العطاء) والعطاء: ما يكتب به للغزاة في الديوان، ولكل من قام بأمر الدين، وكذا إذا مات في آخر السنة لا يستحق العطاء، ولكن يستحب صرفه فيما إذا مات في آخر السنة إلى قريبه؛ لأنه قد أوفى غناه؛ فيستحب صرفه إلى قريبه؛ لأنه أقرب إلى الوفاة. ثم قيل: رزق القاضي ومن في معناه في آخر السنة يعطى، ولو أخذ في أولها ثم عزل أو مات قبل مضيها. قيل: يجب رد ما بقي من السنة. وقيل: على قياس نفقة المرأة لم يجب. وقال محمد: أحب إلي رد الباقي كما لو عجل لها نفقة لتزوجها فمات قبل التزوج لعدم حصول المقصود. وعندهما؛ أنها صلة من وجه فينقطع الاسترداد بالموت كالرجوع في الهبة، ذكره في جامعي قاضي خان والتمرتاشي. قوله: (وأهل العطاء في زماننا) إنما قال ذلك؛ لأنه في الابتداء كان يعطى لكل من كان له ضرب مزية في الإسلام؛ كأزواج النبي ﵇ وأولاد المهاجرين والأنصار.

стр. 4206

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ كتاب أحكامِ المُرتَدِّينَ عن الإسلام قَالَ: (وَإِذَا ارتَدَّ المُسلِمُ عَنْ الإِسْلَامِ وَالعِيَاذُ بِاللَّهِ عُرِضَ عَلَيْهِ الإِسْلَامُ، فَإِنْ كَانَتْ لَهُ شُبْهَةٌ كُشِفَت عَنهُ) لِأَنَّهُ عَسَاهُ اعْتَرَتهُ شُبهَةٌ فَتُزَاحُ، وَفِيهِ دَفَعُ شَرِّهِ بِأَحْسَنِ الأمرين، إلَّا أَنَّ العَرضَ عَلَى مَا قَالُوا غَيْرُ وَاجِب؛ لِأَنَّ الدَّعْوَةَ بَلَغَتَهُ. قَالَ: كتاب أحكام المرتدين عن الإسلام لما ذكر أحكام الكفر الأصلي شرع في بيان أحكام الكفر العارضي. (المرتد) هو الراجع عن دين الإسلام إلى الكفر، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدُ مِنكُمْ عَنْ دِينِهِ﴾ [البقرة: ٢١٧] الآية، وأجمع أهل العلم على وجوب قتل المرتد إذا لم يتب (١). قوله: (على ما قالوا) أي المشايخ؛ لأنه كافر بلغته الدعوة وتجديد الدعوة في حقه مستحب وبه قال الشافعي في قول ل (٢) ومالك (٣)، وأحمد (٤). وقال في قول يجب (٥)، وبه قال أحمد لما روي أنه ﵇ أمر أن يستتاب (٦) ومطلق الأمر للوجوب (٧).

стр. 4207

(وَيُحِبَسُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، فَإِنْ أَسْلَمَ وَإِلَّا قُتِلَ. وَفِي «الجَامِعِ الصَّغِيرِ»: المُرتَدُّ يُعرَضُ عَلَيْهِ الإِسلام، حرا كان أو عبدًا، فَإِنْ أَبَى قُتِلَ وَتَأْوِيلُ الأَوَّلِ: أَنَّهُ يَسْتَمهِلُ فَيُمْهَلُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، لِأَنَّهَا مُدَّةٌ ضُرِبَتْ لِإِبْلَاءِ الْأَعْذَارِ وقلنا: قوله ﵇: (من بدل دينه فاقتلوه) (١) ولم يذكر استتابته وروي أن معاذا قتله قبل الاستتابة، ولأنه كافر بلغته الدعوة كما ذكرنا وأمره يجوز أن يكون بطريق الاستحباب. قوله: (تأويل الأول) وهو قوله: (يحبس ثلاثة أيام). قوله (٢): (يستمهل) أي يطلب المهلة يمهل ثلاثة أيام أما إذا لم يطلب؛ فالظاهر أنه متعنت في ذلك فلا بأس بقتله إلا أنه يستحب أن يستتاب، كما ذكرنا أنه كافر بلغته الدعوة. وفي الكافي: يقتل من ساعته في ظاهر الرواية (٣). وفي النوادر عن أبي حنيفة وأبي يوسف: يستحب للإمام أن يؤجله ثلاثة أيام طلب أو لم يطلب (٤). قوله: (ضربت لإبلاء الأعذار) كما في شرط الخيار وقصة موسى ﵇ والعبد الصالح. فإن قيل: لا مدخل للرأي في التقديرات. قلنا: هذا إثبات الحكم بالدلالة لا بالقياس فأورد النص في خيار البيع بثلاثة أيام للتأمل في اختيار الجيد، وهاهنا أيضا للتأمل. ومدة الاستنابة ثلاثة أيام عندنا (٥)، ومالك (٦) وأحمد (٧) والشافعي في

стр. 4208

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . قول (١)، وفي أصح قوليه إن تاب في الحال وإلا قتل (٢)، لحديث معاذ، وقوله ﵇: «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فاقْتُلُوهُ» (٣) وهو اختيار ابن المنذر (٤). وعن علي أنه يستتاب شهرا (٥). وقال الثوري: يستتاب ما رجي عوده (٦). وقال الزهري (٧): يُدعى ثلاثاً، فإن أبى قتل (٨). وقال النخعي: يستتاب أبدًا (٩)، وهذا يقتضي ألا يقتل أبدًا، وهو مخالف للسنة والإجماع (١٠). ولنا ما روى أن رجلا من قبل أبي موسى قدم [على] (١١) عمر فقال له: هل معك خبر؟ قال: نعم رجل كبير كفر بعد إسلامه. قال ما فعلتم به. قال: ضربنا عنقه. قال عمر ﵁: فهلا حبستموه ثلاثا، وأطعمتوه كل يوم رغيفا واستتبتموه لعله يتوب. فقال عمر: إني لم أحضر أو لم آمر أو لم أرض (١٢). وفي المبسوط (١٣): وإن ارتد ثانيًا وثالثًا يستتاب وبه قال أكثر [أهل] (١٤) العلم لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة: ٥].

стр. 4209

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وعن ابن عمر وعلي: لا تقبل من كرر ردته كالزنديق. وبه قال مالك (١) وأحمد (٢) والليث (٣)، لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَّمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾ [النساء: ١٣٧]. وفي الزنديق لنا روايتان (٤): في رواية لا تقبل توبته كقول مالك (٥) وأحمد (٦)، وفي رواية تقبل كقول الشافعي (٧). والخلاف في حق أحكام الدنيا في ترك القتل، أما يقبل في الباطن؛ أي بينه وبين الله بلا خلاف قال تعالى في المنافقين ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا﴾ إلى قوله ﴿فَأُوْلَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ١٤٦] الآية. وقلنا: الآية في حق من ازداد كفرا لا في حق من آمن وأظهر التوبة، وإن كان في الرابعة لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾ [النساء: ٩٤]، وقال تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨]. وعن أبي يوسف ﵁: لو فعل ذلك مرارا يقتل غيلة (٨) (٩)، وهو أن ينتظر فإذا أظهر كلمة الشرك يقتل قبل أن يستتاب؛ لأنه ظهر منه الاستخفاف، وقتل الكافر الذي بلغته الدعوة قبل الاستتابة جائز.

стр. 4210

وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ: أَنَّهُ يُستَحَبُّ أَنْ يُؤَجِّلَهُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ طَلَبَ ذَلِكَ أَوْ لَم يَطلُب. وَعَنْ الشَّافِعِيّ: أَنَّ عَلَى الإِمَامِ أَنْ يُوَجِّلَهُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَلَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَقتُلَهُ قَبْلَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ ارْتِدَادَ المُسلِمِ يَكُونُ عَنْ شُبهة ظَاهِرًا فَلَا بُدَّ مِنْ مُدَّة يُمكِنُهُ التَّأَمُّلُ فَقَدَّرنَاهَا بِالثَّلَاثَةِ. وَلَنَا: قَوله تَعَالَى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥] مِنْ غَيْرِ قَيدِ الإِمهَالِ، وَكَذَا قَولُهُ ﵊: «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ» وَلِأَنَّهُ كَافِرٌ حَربِيٌّ بَلَغَتْهُ الدَّعْوَةُ فَيُقْتَلُ لِلحَالِ مِنْ غَيْرِ استمهال، وَهَذَا؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ تَأْخِيرُ الوَاجِبِ لأمر مَوهُوم، وَلَا فَرقَ بَينَ الحُرِّ وَالعَبدِ لِإِطْلَاقِ الدَّلَائِلِ. وَكَيْفِيَّةُ تَوبَتِهِ: أَنْ يَتَبَرَّأَ عَنْ الأَديَانِ كُلِّهَا سِوَى الإِسْلَامِ؛ لِأَنَّهُ لَا دِينَ لَهُ، وَلَو تَبَرَّأَ عَمَّا انتَقَلَ إِلَيْهِ كَفَاهُ لِحُصُولِ المَقْصُودِ. قَالَ: (فَإِنْ قَتَلَهُ قَاتِلٌ قَبلَ عَرضِ الإِسْلَامِ عَلَيْهِ كُرِهَ، وَلَا شَيْءَ عَلَى القَاتِلِ) وَمَعْنَى الكَرَاهِيَةِ هَاهُنَا تَركُ المُستَحَبِّ وَانتِفَاءُ الضَّمَانِ؛ لِأَنَّ الكُفْرَ مُبِيحٌ لِلقَتلِ، وَالعَرضُ بَعدَ بُلُوغِ الدَّعَوَةِ غَيْرُ وَاجِب. قوله: (ولأنه كافر حربي؛ لأنه ليس بذمي ولا مستأمن، إذ لا تقبل الجزية منه وما طلب الأمان فكان حربيا فيقتل لإطلاق النص. قوله: (أن يتبرأ … ) إلى آخره ولكن بعد إتيانه بكلمة الشهادة ذكره في الإيضاح (١)، وفي المنية: وهو أن يقول: تبت ورجعت إلى دين الإسلام، وأنا بريء من كل دين سوى دين الإسلام، والإقرار بالبعث والنشور مستحب (٢)، وبه قالت الأئمة الثلاثة. (٣) وفي الكافي: لو تبرأ عما انتقل إليه كفاه لحصول المقصود) (٤). قوله: (ومعنى الكراهة ترك المستحب)؛ لأن في القتل تفويت العرض المستحب، وعند من قال بوجوب العرض يحرم قتله.

стр. 4211

(وَأَمَّا المُرتَدَّةُ فَلَا تُقتَلُ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: تُقتَلُ لِمَا رَوَينَا؛ وَلِأَنَّ رِدَّةَ الرَّجُلِ مُبِيحَةٌ لِلقَتلِ مِنْ حَيثُ إِنَّهُ جِنَايَةٌ مُتَغَلَّظَةٌ، فَتُنَاطُ بِهَا عُقُوبَةٌ مُتَغَلَّظَةٌ وَرِدَّةُ المَرأَةِ تُشَارِكُهَا فِيهَا فَتُشَارِكُهَا فِي مُوجِبِهَا. قوله: (والمرتدة لا تقتل) أما لو قتلها قاتل لم يجب عليه شيء سواء كانت حرة أو أمة ذكره في المبسوط (١). وقال الشافعي (٢): تقتل وبه قال مالك (٣)، وأحمد (٤)، والليث والزهري والنخعي والأوزاعي ومكحول وحماد، وإسحاق (٥)؛ لما روينا وهو قوله ﵇: «من بدل دينه فاقتلوه» رواه البخاري وأبو داود (٦). و (من) تعم الرجال والنساء. ولقوله ﵇: «لا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مسلم إلا بإحدى ثلاث … » الحديث متفق عليه (٧)، وروى الدارقطني أن امرأة يقال لها: أم مروان ارتدت فأمر ﵇ أن تستتاب فإن تابت وإلا قتلت (٨). قوله: (تشاركها) أي ردة الرجل (فيها) أي في التغلظ إذ الإنكار بعد الإقرار أغلظ من الإصرار في الابتداء على الإنكار، وإذا شاركتها شاركتها (في موجبها) وهو القتل كالزنا مع الإحصان.

стр. 4212

وَلَنَا: «أَنَّ النَّبِيَّ ﵊ نَهَى عَنْ قَتْلِ النِّسَاءِ»، == قوله: (ولنا أنه ﵇ نهى عن قتل النساء) فقال: «لا تقتلوا امرأة» (١)، ولم يفصل بين المرتدة والكافرة الأصلية؛ لأنها متى لا تقتل بالكفر الأصلي فبالطارئ بالطريق الأولى كالصبي، ولأن الأصل تأخير الأجزية إلى دار الآخرة، إذ تعجيلها يخل بمعنى الابتلاء، وما عجل في الدنيا سياسة شرعت لمصالح العود إلينا؛ كالقصاص وحد القذف والسرقة، وشرب الخمر؛ لصيانة النفوس والأعراض والأنساب والأموال والعقول. وإنما عدل عنه في الرجل لدفع شر ناجز وهو الحراب، وهو معدوم في المرأة إذ بنيتها لا تصلح للحراب، توضيحه أن فعل المرتد لا باعتبار الجزاء على الردة؛ بل هو مستحق باعتبار الإصرار على الكفر المفضي إلى الحراب، ولهذا لو أسلم سقط لانعدام الإصرار، وما كان استحقاقه بطريق الجزاء لا يسقط بالتوبة كالحدود؛ فإنها لا تسقط بالتوبة بعد ثبوت أسبابها؛ فعلم أن قتل المرتد لدفع الحراب. وأما قوله ﵇: «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فاقْتُلُوهُ» (٢) عام مخصوص، بدليل أن الكافر بالإسلام لا يقتل مع أنه بدل دينه ولهذا لم يقتل أبو بكر ﵁ لنساء بني حنيفة، والمرتدة تسترق عندنا إذا لحقت بدار الحرب ذكره في الأسرار (٣). ولهذا استرق أبو بكر نساء بني حنيفة، وأعطى عليا منهم امرأة فولدت له محمد بن الحنفية، وكان ذلك بمحضر من الصحابة فكان إجماعا على عدم قتلها (٤)، وعند الحسن البصري وقتادة؛ تسترق (٥)، و [إن] (٦) لم تلحق بدار الحرب.

стр. 4213

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . قال شمس الأئمة: ما دامت في دار الإسلام لا تسترق في ظاهر الرواية (١)، وفي النوادر: عن أبي حنيفة أنها تسترق (٢). قال الترجماني: لو كان الزوج عالما استولى عليها فتكون فيئا للمسلمين، ثم يشتريها من الإمام، ويصرفها الإمام إليه إن كان مصرفا فلو أفتى مفتي بهذه الرواية حسمًا لهذا الأمر لا بأس به (٣). قال صاحب القنية: وفي زماننا بعد فتنة التتر العامة، صارت هذه الولايات التي غلبوا عليها وأجروا أحكامهم فيها، كخوارزم (٤) وما وراء النهر وخراسان (٥) ونحوها، صارت دار الحرب في الظاهر؛ فلو استولى عليها الزوج بعد الردة تملكها ولا يحتاج إلى شرائها من الإمام؛ فتبقى في يده بحكم الرق حسما لكيد الجهلة، على ما أشار إليه في السير الكبير (٦). وفي شرح الطحاوي: أفتى الدبوسي والصفار وبعض أهل سمرقند، بعدم الفرقة بارتدادها حسما لباب المعصية وتجبر على الإسلام (٧). وعند آخرين لو وقعت الفرقة تجبر على تجديد النكاح، وليس لها أن تتزوج إلا بزوجها، وتعزر خمسة وسبعين (٨).

стр. 4214

وَلِأَنَّ الأَصلَ تَأْخِيرُ الأَجْزِيَةِ إِلَى دَارِ الْآخِرَةِ، إذ تَعجِيلُهَا يُخِلُّ بِمَعْنَى الابْتِلَاءِ، وَإِنَّمَا عُدِلَ عَنهُ دَفعًا لِشَرٍّ نَاجِرْ وَهُوَ الحِرَابُ، وَلَا يَتَوَجَّهُ ذَلِكَ مِنْ النِّسَاءِ؛ لِعَدَمِ صَلَاحِيَّةِ البِنيَةِ، بِخِلَافِ الرِّجَالِ فَصَارَت المُرتَدَّةُ كَالأَصْلِيَّةِ قَالَ: (وَلَكِن تُحبَسُ حَتَّى تُسلِمَ)؛ لِأَنَّهَا امْتَنَعَت عَنْ إِيفَاءِ حَقٌّ اللَّهِ تَعَالَى بَعدَ الإِقْرَارِ، فَتُجبَرُ عَلَى إِيفَائِهِ بِالحَبسِ كَمَا فِي حُقُوقِ العِبَادِ (وَفِي «الجَامِعِ الصَّغِيرِ»: وَتُجِبَرُ المَرأَةُ عَلَى الإِسْلَامِ حُرَّة كَانَتْ أَوْ أَمَة، وَالأَمَةُ يُجِبِرُهَا مَولَاهَا) أَمَّا الجَبرُ فَلِمَا ذَكَرنَا، وَمِنْ المَولَى؛ لِمَا فِيهِ مِنَ الجَمْعِ بَينَ الحَقَّينِ، وَيُروَى: تُضرَبُ فِي كُلِّ أَيَّامٍ مُبَالَغَةِ فِي الحَملِ عَلَى الإِسْلَامِ. قَالَ: (وَيَزُولُ مِلكُ المُرتَدٌ عَنْ أَمْوَالِهِ بِرِدَّتِهِ زَوَالًا مُرَاعِي، فَإِنْ أَسْلَمَ عَادَتْ إِلَى قال قاضي خان (١): وبهذا يفتى، وعند الأئمة الثلاثة بل تقتل كما قلنا. قوله: (لما فيه)؛ أي جبر المولى (جمع بين الحقين)، وهو حق المولى من الاستخدام، وحق الشرع وهو الجبر على الإسلام. وفي الإيضاح: قال أبو حنيفة: إن احتاج المولى إلى خدمتها دفعها القاضي إليه، وأمره أن يجبرها على الإسلام، وأرسل إليها القاضي كل يوم يهددها ويضربها أسواطا حتى تموت أو تسلم. والصحيح أن يدفعها إلى المولى احتاج أو استغنى طلب أم لا؛ لأن الحبس تصرف فيها وذا إلى المولى (٢). وعن الحسن: أن المرتدة تضرب كل يوم تسعة وثلاثين سوطا حتى تموت أو تسلم وكذا في الأمة (٣). قوله: (زوالا مراعى) أي محفوظا موقوفا حتى يتبين حاله وبه قال الشافعي في الأصح (٤) ومالك (٥) وأحمد في رواية (٦).

стр. 4215

حَالِهَا، قَالُوا: هَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَعِندَهُمَا: لَا يَزُولُ مِلكُهُ) (*)؛ لِأَنَّهُ مُكَلَّفٌ مُحتَاجٌ، فَإِلَى أَنْ يُقتَلَ يَبْقَى مِلكُهُ كَالمَحكُومِ عَلَيْهِ بِالرَّجْمِ وَالْقِصَاصِ. وَلَهُ: أَنَّهُ حَربِيٌّ مَقْهُورٌ تَحتَ أَيْدِينَا حَتَّى يُقتَلَ، وَلَا قَتلَ إِلَّا بِالحِرَابِ، وَهَذَا يُوجِبُ زَوَالَ مِلْكِهِ وَمَالِكِيَّتِهِ، غَيْرَ أَنَّهُ مَدعُو إِلَى الإِسْلَامِ بِالإِجبَارِ عَلَيْهِ وَيُرجَى عَودُهُ إِلَيْهِ فَتَوَقَّعْنَا فِي أَمْرِهِ، فَإِنْ أَسْلَمَ جُعِلَ العَارِضُ كَأَنْ لَم يَكُنْ فِي حَقِّ هَذَا الحُكمِ، وَصَارَ كَأَنْ لَم وعند أبي يوسف ومحمد (١): لا يزول، وبه قال الشافعي في قول واختاره المزني (٢)، وأحمد في ظاهر روايته (٣). وقال ابن المنذر (٤): أكثر أهل العلم على أنه لا يزول بمجرد الردة. (لأنه مكلف محتاج)، ولا يتمكن من إقامة التكليف وأثر الردة في إباحة دمه، لا في زوال ملكه كالمقضي عليه بالرجم والقود. قوله: (وله) أي لأبي حنيفة (أنه) أي المرتد حربي يعني المالكية عبارة عن القدرة والاستيلاء (٥)، وإنما يكون ذلك باعتبار العصمة، وقد زالت عصمة نفسه بالردة؛ لأنه يصير بها حربيا حتى يقتل؛ فكذا عصمة ماله؛ لأنها تابعة للنفس في العصمة. وهذا معنى قول المصنف: (وهذا) أي كونه حربيا (يوجب زوال ملكه ومالكيته) (٦)؛ لأنه مالك حكمًا فصار كالهالك حقيقة وثمة يزول ملكه. قوله: (ومالكيته) بالجر عطفا على ملكه (ويرجى عوده إليه)؛ أي إلى الإسلام لوقوفه على محاسنه فلم يتم سبب الزوال في حق هذا الحكم، وهو

стр. 4216

يَزَل مُسلِمًا وَلَم يَعمَل السَّبَبُ، وَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ عَلَى رِدَّتِهِ أَوْ لَحِقَ بِدَارِ الحَربِ وَحُكِمَ بِلَحَاقِهِ، اسْتَقَرَّ كُفْرُهُ فَيَعْمَلُ السَّبَبُ عَمَلَهُ وَزَالَ مِلكُهُ. قَالَ: (وَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ عَلَى رِدَّتِهِ، انتَقَلَ مَا اكْتَسَبَهُ فِي إِسْلَامِهِ إِلَى وَرَثَتِهِ المُسلِمِينَ، وَكَانَ مَا اكْتَسَبَهُ فِي حَالِ رِدَّتِهِ فَيئا) وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ (وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ: كِلَاهُمَا لِوَرَثَتِهِ) (*) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: كِلَاهُمَا فَيءٌ؛ لِأَنَّهُ مَاتَ كَافِرًا وَالمُسلِمُ لَا يَرِثُ الكَافِرَ، ثُمَّ هُوَ مَالُ حَربِيٌّ لَا أَمَانَ لَهُ فَيَكُونُ فَيْئًا. وَلَهُمَا: أَنَّ مِلكَهُ زوال الملك قيد به؛ لأن في إحباط عمله من الطاعات كلها، وفي وقوع الفرقة بينه وبين امرأته، وفي فرضية تجديد [الإيمان لم يكن ارتداده كأن لم يكن بل يعمل عمله، (ولم يعمل السبب)؛ أي السبب المزيل للملك وهو الردة] (١) أو كونه حربيًّا (٢). قوله: (فيعمل السبب) وهو الردة أو كونه حربيًّا عمله. (وزال ملكه) أي مستندا إلى وقت الردة كما في البيع بشرط الخيار للمشتري. قوله: (وقال الشافعي كلاهما فيء) (٣) وبه [قال] (٤) مالك (٥) وأحمد (٦) لأنه مات كافرا وقال ﵇: «لا يَرِثُ المُسلِمُ الكافِرَ» (٧)، ولأنه لا يرث أحدا فلا يرثه أحد، كالرقيق، ولأن اتحاد الملة سبب التوريث وهو مال حربي لا أمان له فيكون فيئا. وقلنا: إنه كان مسلما مالكا له فإذا تم هلاكه يخلفه وارثه في ماله، كما لو

стр. 4217

فِي الكَسَبَينِ بَعدَ الرِّدَّةِ بَاقِ عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ فَيَنتَقِلُ بِمَوتِهِ إِلَى وَرَثَتِهِ وَيَسْتَنِدُ إِلَى مَا قُبَيلَ رِدَّتِهِ، إِذْ الرِّدَّةُ سَبَبُ المَوتِ فَيَكُونُ تَورِيثَ المُسلِمِ مِنْ المُسلِمِ. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ: أَنَّهُ يُمكِنُ الاسْتِنَادُ فِي كَسبِ الإِسْلَامِ لِوُجُودِهِ قَبْلَ الرِّدَّةِ، وَلَا يُمكِنُ الاسْتِنَادُ فِي كَسبِ الرِّدَّةِ لِعَدَمِهِ قَبْلَهَا وَمِنْ شَرطِهِ وُجُودُهُ، ثُمَّ إِنَّمَا يَرِثُهُ مَنْ كَانَ وَارِثًا لَهُ حَالَةَ الرِّدَّةِ وَبَقِيَ وَارِثًا إِلَى وَقتِ مَوتِهِ فِي رِوَايَة عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ اعْتِبَارًا مات المسلم، وهذا لأن الردة هلاك إلا أن تمامه بالموت أو القتل؛ فإذا تم استند التوريث إلى أول الردة، وقد كان مسلما عند ذلك فيخلفه وارثه المسلم فيه؛ فيكون توريث المسلم من المسلم، إذ الحكم عند تمام السبب يثبت من أول السبب كالبيع بشرط الخيار؛ إذا أجيز يثبت الملك من وقت العقد حتى يستحق المبيع بزوائده المتصلة والمنفصلة (١). قوله: (على ما بينا) وهو قوله: (أنه مكلف محتاج لا يزول ملكه) (٢). قوله: (ويستند) إلى التوريث وبه صرح في المبسوط (٣)؛ أي ما قبيل الردة (فيكون توريث المسلم من المسلم) ويمكن الاستناد في كسب الردة؛ فإن كان معدوما وقت الردة نظرًا إلى سبب الكسب وهو نفسه، فجعل كأن الكسب موجود. قوله: (لعدمه) أي لعدم كسب الردة. (قبلها)؛ أي قبل الردة ولا عندها (ومن شرطه)؛ أي من شرط الإسناد (وجوده)؛ أي وجود الكسب قبلها أو عندها؛ فلو ثبت منه حكم التوريث لثبت مقصورا على الحال، وهو كافر عند الاكتساب، والمسلم لا يرث الكافر. وفي المبسوط (٤) - في جواب الشافعي -: أن المسلمين يستحقون باعتبار الإسلام، وورثته، ساوَوُا المسلمين في الإسلام وترجحوا عليهم بالقرابة؛ لأن ذا السببين مقدم على ذي سبب واحد فكان الصرف عليهم أولى. ألا ترى أن الأخ لأب وأم؛ مقدم على الأخ للأب في العصوبة. قوله: في رواية عن أبي حنيفة اختلفت الروايات عن أبي حنيفة فروى

стр. 4218

للاستِنَادِ. وَعَنهُ: أَنَّهُ يَرِثُهُ مَنْ كَانَ وَارِثًا لَهُ عِنْدَ الرِّدَّةِ، وَلَا يَبْطُلُ اسْتِحْقَاقُهُ بِمَوتِهِ، بَلْ يَخْلُفُهُ وَارِثُهُ؛ لِأَنَّ الرِّدَّةَ بِمَنزِلَةِ المَوتِ. وَعَنهُ: أَنَّهُ يُعتَبَرُ وُجُودُ الوَارِثِ عِنْدَ المَوتِ، لِأَنَّ الحَادِثَ بَعدَ انعِقَادِ السَّبَبِ قَبلَ تَمَامِهِ كَالحَادِثِ قَبْلَ انعِقَادِهِ بِمَنزِلَةِ الوَلَدِ الحَادِثِ مِنْ المَبِيعِ قَبلَ القَبضِ. وَتَرِثُهُ امْرَأَتُهُ المُسلِمَةُ إِذَا مَاتَ أَوْ قُتِلَ عَلَى رِدَّتِهِ وَهِيَ فِي العِدَّةِ؛ الحسن عنه (١) أن من كان وارثا له وقت ردته، أو ولد له من علوق حادث، وبقي إلى موته يرثه، ومن حدث بعد ذلك لا يرثه، حتى لو أسلم بعض قرابته بعد ردته أو ولد من علوق حادث بعد ردته، لا يرثه على هذه الرواية؛ لأن سبب التوريث الردة فمن لم يكن موجودا عند ذلك السبب لم ينعقد له سبب الاستحقاق. وفي حق من انعقد السبب يشترط بقاؤه إلى وقت تمام الاستحقاق فإذا مات قبل ذلك يبطل السبب في حقه. وروى أبو يوسف عنه (٢) أنه يعتبر وجود الوارث وقت الردة ثم (لا يبطل استحقاقه بموته) قبل موت المرتد؛ لأن الردة في حكم التوريث كالموت، ومن مات من الورثة بعد موت مورثه قبل قسمة الميراث لا يبطل استحقاقه ولكن يخلفه وارثه فيه وهذا مثله. ورو محمد عنه (٣)؛ أنه يعتبر من يكون وارثا عند الموت سواء كان موجودا عند الردة أو حدث بعدها. وفي المبسوط (٤): وهذا أصح:؛ لأن الحادث بعد انعقاد السبب قبل تمامه؛ كالموجود عند ابتداء العقد في أنه يصير معقودا عليه بالقبض، وتكون له حصة من الثمن فكذا هاهنا. قوله: (وهي في العدة) وفي رواية أبي يوسف ترث وإن انقضت العدة؛ لأن

стр. 4219

لِأَنَّهُ يَصِيرُ فَارًا، وَإِنْ كَانَ صَحِيحًا وَقتَ الرِّدَّةِ. وَالمُرتَدَّةُ كَسَبُهَا لِوَرَثَتِهَا؛ لِأَنَّهُ لَا حِرَابَ مِنهَا فَلَم يُوجَد سَبَبُ الفَيْءِ، بِخِلَافِ عنده يعتبر قيام السبب وقت الردة ذكره في المبسوط (١). فإن قيل: لما كانت الردة موتًا حكمًا؛ فينبغي أن ترث المدخولة وغير المدخولة كما في الموت الحقيقي، والتي انقضت عدتها وقت الموت وهاهنا لم ترث المرأة إذا كانت الردة قبل الدخول. قلنا: جعلت الردة موتا حكما؛ ليكون توريث المسلم عن المسلم، أما هو حي حقيقة ولهذا تعتد (٢) بالحيض دون الأشهر، وإذا كان كذلك؛ لا ترث غير الموطوءة والتي انقضت عدتها وقت الموت؛ لأن حكم التوريث وإن استند إلى وقت الردة؛ لكن يتقرر عند الموت؛ لأنه بعد الردة حي حقيقي إليه أشير في المبسوط (٣). قوله: (لأنه) أي المرتد (يصير فارا وإن كان صحيحا)؛ لأن الردة بمنزلة مرض الموت؛ لإفضائها إلى الهلاك فكان هو مبطل حقها بالارتداد فاعتبر فارا، وهذا يعضد قول محمد؛ فإنه ينفذ تصرفه كما ينفذ من المريض، أما إذا كان [وقت] (٤) الردة مريضا فلا إشكال فيه كذا في الفوائد الظهيرية (٥). قوله: (لا حراب منها)، ومعنى هذا أن عصمة المال تبع لعصمة النفس؛ فبالردة لا تزول عصمة نفسها حتى لا تقتل؛ فكذا لا تزول عصمة مالها فكان الكسبان ملكها؛ فتكون ميراثا لورثتها بخلاف المرتد عند أبي حنيفة (٦) فإن كسبه في الردة فيء لكونه محاربا في الحال أو في المآل باللحاق.

стр. 4220

المُرتَد عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَيَرِثُهَا زَوْجُهَا المُسلِمُ إِنْ ارتَدَّت وَهِيَ مَرِيضَةٌ لِقَصِدِهَا إِبْطَالَ حَقِّهِ، وَإِنْ كَانَتْ صَحِيحَة لَا يَرِثُهَا؛ لِأَنَّهَا لَا تُقتَلُ فَلَم يَتَعَلَّق حَقَّهُ بِمَالِهَا بِالرِّدَّةِ، بِخِلَافِ المُرتَد. قَالَ: (وَإِنْ لَحِقَ بِدَارِ الحَربِ مُرتَدًّا وَحَكَمَ الحَاكِمُ بِلَحَاقِهِ، عَتَقَ مُدَبَّرُوهُ وَأُمَّهَاتُ أَولَادِهِ، وَحَلَّت الدُّيُونُ الَّتِي عَلَيْهِ، وَنُقِلَ مَا اكْتَسَبَهُ فِي حَالِ الإِسْلَامِ إِلَى وَرَثَتِهِ مِنْ المُسلِمِينَ). قوله: (لقصدها إبطال حقه بعد تعلق حقه بمالها إذا كانت مريضة؛ فصارت فارة كما إذا قصد إبطال حقها بماله صار فارا. فإن قيل: فرار الزوج إنما يتحقق إذا مات وهي في العدة، ولهذا لو طلقها قبل الدخول في مرضه لم ترث؛ لأنها ليست في عدته، وهاهنا لا عدة للرجل؛ فينبغي ألا يرثها؛ لأنها بنفس الردة بانت منه. وهي لا تقتل)، فلو قلنا بالتوريث كان فيه توريث المسلم من الكافرة. قلنا: القياس كذلك إلا أنا استحسنا وقلنا: بميراثه منها لتعلق حقه بمالها بمرضها؛ فكانت بالردة (قاصدة إبطال حقها) فارة عن ميراثها فيرد عليها قصدها كما في جانب الزوج، ويجعل توريث المسلم من المسلمة بخلاف الصحيحة، إذا ارتدت فإنها بالردة ما أبطلت حقه؛ لعدم تعلقه بمالها إذ ردتها لا تكون مفضية إلى القتل؛ فلا تجعل كالمرض فلا تجعل فارة إليه أشير في سير المبسوط (١). قوله: (وحكم الحاكم بلحاقه)، وفي المحيط (٢) وجامع شمس الأئمة: قبل القضاء باللحاق لهذه الأحكام، وإنما يشترط قضاؤه بشيء من أحكام الموتى، وعند عامة العلماء القضاء باللحاق شرط سابقا على قضائه بهذه الأحكام، إليه أشار محمد في كثير من المواضع (٣).

стр. 4221

وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يَبقَى مَالُهُ مَوقُوفًا كَمَا كَانَ؛ لِأَنَّهُ نَوعُ غَيْبَةٍ فَأَشْبَهَ الغَيْبَةَ فِي دَارِ الإِسْلَامِ. وَلَنَا: أَنَّهُ بِاللَّحَاقِ صَارَ مِنْ أَهلِ الحَرْبِ وَهُمْ أَمْوَاتٌ فِي حَقِّ أَحكَامِ الإسلام لانقِطَاعِ وِلَايَةِ الإِلزَامِ كَمَا هِيَ مُنقَطِعَةٌ عَنْ المَوتَى فَصَارَ كَالمَوتِ، إِلَّا أَنَّهُ لَا يَسْتَقِرُّ لَحَاقُهُ إِلَّا بِقَضَاءِ القَاضِي لِاحْتِمَالِ العَودِ إِلَيْنَا، فَلَا بُدَّ مِنْ القَضَاءِ، وَإِذَا تَقَرَّرَ مَوتُهُ ثَبَتَت الأَحْكَامُ المُتَعَلِّقَةُ بِهِ وَهِيَ مَا ذَكَرنَاهَا كَمَا فِي المَوتِ الحَقِيقِيِّ، ثُمَّ يُعتَبَرُ كُونُهُ وَارِثًا عِنْدَ لَحَاقِهِ فِي قَولِ مُحَمَّد؛ لِأَنَّ اللَّحَاقَ هُوَ السَّبَبُ وَالقَضَاءُ لِتَقَرُّرِهِ بِقَطعِ الاحتِمَالِ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: وَقتَ القَضَاءِ (*)؛ لِأَنَّهُ قوله: (وقال الشافعي (١): يبقى ماله موقوفا كما) في دار الإسلام ويحفظه الحاكم له وبه قال مالك (٢) وأحمد (٣) (لأنه) أي: الحاقه بدار الحرب. (نوع غيبة) فلا يتغير به حكم ماله، كما لو كان مترددًا في دار الإسلام؛ إذ الداران في حكم دار واحدة وقد ذكرناه. (ولنا: أنه باللحاق صار من أهل الحرب) حقيقة وحكما فالتحق بالأموات؛ إذ الحربي في دار الحرب كالميت في حق المسلمين يدل عليه قوله تعالى: ﴿أَوَ مَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٢] أي: كافرًا فهديناه (٤). قوله: (فلا بد من القضاء)؛ ليترجح جانب عدم العود. قوله: (وهي)؛ أي الأحكام المذكورة (ما ذكرناها) وهو قوله: (عتق مدبروه … ) (٥) إلى آخره. قوله: (لأن اللحاق هو السبب)؛ أي؛ لزوال ملكه بالردة فيعتبر كونه وارثًا عند اللحاق. قوله: (لأنه)؛ أي اللحاق يصير موتا بالقضاء؛ لأن اللحاق في الحقيقة غيبة، وإنما يصير موتا بالقضاء فيعتبر كونه وارثًا عند القضاء.

стр. 4222

يَصِيرُ مَوتا بِالقَضَاءِ، وَالمُرتَدَّةُ إِذَا لَحِقَت بِدَارِ الحَربِ فَهِيَ عَلَى هَذَا الخِلَافِ. (وَتُقضَى الدُّيُونُ الَّتِي لَزِمَتهُ فِي حَالِ الإِسْلَامِ مِمَّا اكْتَسَبَهُ فِي حَالِ الإِسْلَامِ، وَمَا لَزِمَهُ فِي حَالِ رِدَّتِهِ مِنْ الدُّيُونِ يُقضَى مِمَّا اكتَسَبَهُ فِي حَالِ رِدَّتِهِ) (*) قَالَ العَبدُ الضَّعِيفُ عَصَمَهُ اللَّهُ: هَذِهِ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ تَله، وَعَنهُ: أَنَّهُ يُبْدَأُ بِكَسبِ الإِسْلَامِ، وَإِنْ لَم يَفِ بِذَلِكَ يُقضَى مِنْ كَسبِ الرِّدَّةِ، وَعَنهُ: عَلَى عَكْسِهِ. وَجهُ الأَوَّلِ: أَنَّ المُستَحَقَّ بِالسَّبَبَينِ مُختَلِفٌ. وَحُصُولُ كُلِّ وَاحِد مِنْ الكَسَبَينِ بِاعْتِبَارِ السَّبَبِ الَّذِي وَجَبَ بِهِ الدِّينُ، فَيُقضَى كُلُّ دَين مِنْ الكَسبِ المُكتَسَبِ فِي تِلكَ الحَالَةِ لِيَكُونَ الغُرمُ بِالغُنمِ. وَجهُ الثَّانِي: أَنَّ كَسبَ الإِسْلَامِ مِلكُهُ حَتَّى يَخلُفَهُ الوَارِثُ فِيهِ، وَمِنْ شَرطِ هَذِهِ الخِلَافَةِ الفَرَاغُ عَنْ حَقِّ المُوَرِّثِ فَيُقَدَّمُ بِالدِّينِ عَلَيْهِ، أَمَّا كَسَبُ الرِّدَّةِ: فَلَيسَ بِمَملُوك لَهُ؛ لِبُطَلَانِ أَهْلِيَّةِ المِلكِ بِالرِّدَّةِ عِندَهُ، فَلَا يُقضَى دَينُهُ مِنهُ، إِلَّا إِذَا تَعَذَّرَ قَضَاؤُهُ مِنْ مَحِلٌ آخَرَ فَحِينَئِذٍ يُقضَى مِنهُ، كَالذَّمِّيِّ قوله: (فهي على هذا)؛ أي المرتدة باللحاق على ما ذكرنا من (الخلاف) في المرتد. قوله: (هذا) هو التفصيل المذكور رواية عن أبي حنيفة وهو رواية زفر عنه (١). و (عنه)؛ أي عن أبي حنيفة (أنه يبدأ … ) إلى آخره وهو رواية الحسن عنه، وعنه أي عن أبي حنيفة وهو رواية أبي يوسف (عنه على العكس) أي: يبدأ بكسب الردة (٢). قوله: (يقضى منه)؛ أي: كسب الردة. وقوله: (كالذمي) جواب عن سؤال يرد عليه، وهو أن كسب الردة ما لم يكن مملوكا له كيف يؤدي دينه منه إن لم يكن له كسب الإسلام، فقال: هذا غير

стр. 4223

إِذَا مَاتَ وَلَا وَارِثَ لَهُ يَكُونُ مَالُهُ لِجَمَاعَةِ المُسلِمِينَ، وَلَو كَانَ عَلَيْهِ دَينٌ يُقضَى مِنهُ كَذَلِكَ هَاهُنَا. وَجهُ الثَّالِثِ: أَنَّ كَسبَ الإِسْلَام حَقُّ الوَرَثَةِ، وَكَسبَ الرِّدَّةِ خَالِصُ حَقِّهِ، فَكَانَ قَضَاءُ الدِّينِ مِنهُ أُولَى، إِلَّا إِذَا تَعَذَّرَ بِأَنْ لَم يَفِ بِهِ، فَحِينَئِذٍ يُقضَى مِنْ كَسبِ الإِسْلَامِ تَقْدِيمًا لِحَقِّهِ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ: تُقضَى دُيُونُهُ مِنْ الكَسبَينِ؛ لِأَنَّهُمَا جَمِيعًا مِلكُهُ حَتَّى يَجْرِيَ الإِرْثُ فِيهِمَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ: (وَمَا بَاعَهُ أَوِ اشْتَرَاهُ أَوْ أَعتَقَهُ أَوْ وَهَبَهُ أَوْ رَهَنَهُ أَوْ تَصَرَّفَ فِيهِ مِنْ أَمْوَالِهِ فِي حَالِ رِدَّتِهِ فَهُوَ مَوقُوفٌ، فَإِنْ أَسْلَمَ صَلَّت عُقُودُهُ، وَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ أَوْ لَحِقَ بِدَارِ الحَربِ بَطَلَت) وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ (*). بعيد فإن (الذمي إذا مات ولا وارث له) … ، لم يبق له ملك ويكون ملكه لعامة المسلمين، ومع ذلك له دين يقضى منه. وفي المبسوط (١): وعلى هذا لا ينفذ تصرفه في الرهن وقضاء الدين من (كسب الردة خالص حقه). فإن قيل: يزول ملك المرتد وقد قاله في مواضع فكيف يستقيم قوله: (وهو خالص حقه؟). قلنا: المراد بخلوص الحق هنا؛ ألا يتعلق حق الغير به كما يثبت التعلق في مال المريض، ثم لا يلزم من كونه خالص حقه كونه ملكا له. ألا ترى أن كسب المكاتب له وخالص حقه وليس بملك، وكذا إذا مات لا وارث له على ما ذكرنا، وهو خالص حقه ولا مالك (٢) له فيه كذا قيل، وفيه نوع تأمل، والأولى أن نقول: قوله: (من الكسبين) أي كسب الإسلام والردة وبه قالت الأئمة الثلاثة (٣). قوله: (وهذا)؛ أي كون التصرفات موقوفا على قول أبي حنيفة، وبه قال

стр. 4224

(وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ: يَجُوزُ مَا صَنَعَ فِي الوَجْهَينِ). اعلَم أَنَّ تَصَرُّفَاتِ المُرتَد عَلَى أَقسَام: نَافِذٌ بِالاتِّفَاقِ كَالِاسْتِيلَادِ وَالطَّلَاقِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَفْتَقِرُ إِلَى حَقِيقَةِ المِلكِ وَتَمَامِ الوِلَايَةِ. وَبَاطِلٌ بِالاتِّفَاقِ كَالنِّكَاحِ وَالذَّبِيحَةِ؛ لِأَنَّهُ يَعْتَمِدُ المِلَّةَ وَلَا مِلَّةَ لَهُ. أحمد (١) والشافعي (٢) أن يصرف بعد الحجر عليه. وقال مالك (٣) وأبو بكر الحنبلي: تصرفاته باطل، وبه قال الشافعي في قول (٤). قوله: (ما صنع في الوجهين) أحدهما الإسلام والثاني أحد الوجوه الثلاثة من الموت والقتل واللحوق. قوله: (كالاستيلاد والطلاق). فإن قيل: بالارتداد وقعت الفرقة فكيف يتصور الطلاق من المرتد؟. قلنا: ذكر في المحيط (٥): أن الفرقة التي تقع بالارتداد تقع بعد الطلاق فكان طلاق المرتد واقعا كما لو طلقت بالإبانة بالطلاق البائن، وقد مر في النكاح. وفي الكافي (٦): وصورته فيما إذا ارتدا معًا. (لأنه)؛ أي: الاستيلاد لا يفتقر إلى حقيقة الملك، ولهذا يثبت في جارية الابن. قوله: (وتمام الولاية)؛ أي: الطلاق لا يفتقر إلى تمام الولاية حتى صح من العبد مع قصور ولايته، وكذا تسليم شفعته، وحجره على العبد المأذون نافذ؛ لأن كل واحد إسقاط. قوله: (لأنه)؛ أي كل واحد من النكاح والذبيحة (يعتمد الملة) بلا خلاف بين العلماء ولا ملة له؛ أي للمرتد فإنه ترك ما كان عليه وهو غير مقر لما انتقل إليه.

стр. 4225

وَمَوقُوفٌ بِالاتِّفَاقِ كَالمُفَاوَضَةِ؛ لِأَنَّهَا تَعْتَمِدُ المُسَاوَاةَ، وَلَا مُسَاوَاةَ بَينَ المُسلِمِ وَالمُرتَد مَا لَم يُسلِم. وَمُختَلَفٌ فِي تَوَقُفِهِ وَهُوَ مَا عَدَدنَاهُ. لَهُمَا: أَنَّ الصِّحَّةَ تَعْتَمِدُ الأهلِيَّةَ وَالنَّفَاذَ يَعْتَمِدُ المِلكَ، وَلَا خَفَاءَ فِي وُجُودِ الأَهلِيَّةِ لِكَونِهِ مُخَاطَبًا، وَكَذَا المِلكُ لِقِيَامِهِ قَبلَ مَوتِهِ عَلَى مَا قَرَّرْنَاهُ مِنْ قَبْلُ، وَلِهَذَا لَو وُلِدَ لَهُ وَلَدٌ بَعدَ الرِّدَّةِ لِسِتَّةِ أَشهر من امرأَة مُسلِمَة يَرِثُهُ، وَلَو مَاتَ وَلَدُهُ فإن قيل: أَيْش يريد بالملة إن أردت ملة الإسلام ينتقض بأهل الكتاب، وإن أردت بها الملة السماوية تنتقض بصحة نكاح المشرك والمجوس فيما بينهم وليس لهم ملة سماوية أصلا لا مقررة ولا محرفة، قال ﵇: «ولدت من نكاح لا من سفاح» (١). قلنا: قال الإمام ظهير الدين في فوائده (٢): راجعت الفحول في هذا فلم أجد جوابا شافيا، وكنت في ذلك متململا حتى حدث في فؤادي وقال: المعنى من الملة التي يدينون بذلك النكاح المتوارث لأن عند ذلك يحصل ما هو الغرض من النكاح، وهو التوالد والتناسل، والمرتد والمرتدة ليسا على تلك الملة فلا يصح نكاحهما؛ لأن المرتد يقتل والمرتدة تحبس؛ فكيف ينتظم ما هو الغرض من النكاح؟ بخلاف المجوس والمشركين فإنهم يدينون بذلك النكاح المتوارث. قوله: (كالمفاوضة) يعني إذا فاوض مسلما توقف عقد المفاوضة بالارتداد. وفي الكافي: وكذا شهادته موقوفة كولايته على أولاده الصغار، والمفاوضة فلو أسلم نفذت مفاوضته، ولو مات أو قتل أو لحق أو قضي بلحاقه بطلت المفاوضة بالاتفاق لكن يصير عنانا. وعند أبي حنيفة يبطل أصلا؛ لأن في العنان وكالة وهي موقوفة (٣). قوله: (ولو مات ولده) أي: ولد المرتد إيضاح أن الردة ليست كالموت

стр. 4226

بَعدَ الرِّدَّةِ قَبْلَ المَوتِ لَا يَرِثُهُ فَتَصِحٌ تَصَرُّفَاتُهُ. إِلَّا أَنَّ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ تَصِحُ كَمَا تَصِحُ مِنْ الصَّحِيحِ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ عَودُهُ إِلَى الإسلام، إذ الشبهةُ تُزَاحُ فَلَا يُقْتَلُ وَصَارَ كَالمُرتَدَّةِ. وَعِنْدَ مُحَمَّد: تَصِحٌ كَمَا تَصِحُ مِنْ المَرِيضِ؛ لِأَنَّ مَنِ انتَحَلَ إِلَى نِحْلَة لَا سِيَّمَا مُعرِضا عَمَّا نَشَأَ عَلَيْهِ قَلَّمَا يَتْرُكُهُ فَيُفضِي إِلَى القَتلِ ظَاهِرًا، بِخِلَافِ المُرتَدَّةِ؛ لِأَنَّهَا لَا تُقتَلُ. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ، أَنَّهُ حَربِيٌّ مَقْهُورٌ تَحتَ أَيْدِينَا عَلَى مَا قَرَّرَنَاهُ فِي تَوَقُفِ المِلكِ وَتَوَقَّفُ التَّصَرُّفَاتِ بِنَاءً عَلَيْهِ، وَصَارَ كَالحَربِيِّ يَدْخُلُ دَارَنَا بِغَيْرِ أَمَانَ، فَيُؤْخَذُ وَيُقهَرُ من كل وجه، وأن أهلية المرتد للملك باقية وإنما قيد الولد المولود. (بعد الردة)، وإن كان الحكم في المولود قبل الردة كذلك أيضًا؛ لدفع شبهة عسى ترد بأن يقال: إنما ورث المرتد ولده المولود قبل الردة؛ لأنه انتقل إليه إرثه قبيل الردة. وقيل: ما ذكر في المتن، إنما يستقيم في رواية من اعتبر الأهلية عند الإرث، أما في رواية من اعتبر أهلية الإرث (١) عند الردة، لا يرث هذا الولد. قوله: (كما تصح من الصحيح)؛ لأنه متمكن من دفع الهلاك عن نفسه بسبب مستحق عليه مرغوب فيه؛ فلا يصير في حكم المريض كمن قصد أن يلقي نفسه من شاهق الجبل لا يصير في حكم المريض. وكذا المقضي عليه بالرجم أو القصاص لا يصير كالمريض ما دام في السجن بالاتفاق؛ لتمكنه من دفع الهلاك عن نفسه بادعاء شبهة فالمرتد أولى؛ لما أن دعوى الشبهة هناك متردد في القبول، وهاهنا يقبل قطعا (٢). قوله: (كما تصح من المريض)، ولهذا ترث زوجته بحكم الفرار وذا لا يتحقق إلا في المريض. قوله: (على ما قررناه) وهو قوله: (وله أنه حربي مقهور) إلى آخره. قوله: (بناء عليه)؛ أي على توقف الملك، يوضحه أن المرتد هالك

стр. 4227

وَتَتَوَقَّفُ تَصَرُّفَاتُهُ؛ لِتَوَقُّفِ حَالِهِ، فَكَذَا المُرتَدُّ، وَاسْتِحْقَاقُهُ القَتْلَ لِبُطْلَانِ سَبَبٍ العِصمَةِ فِي الفَصْلَينِ فَأَوجَبَ خَلَلًا فِي الأَهْلِيَّةِ، بِخِلَافِ الزَّانِي وَقَاتِلِ العَمْدِ؛ لِأَنَّ الاستحقاق فِي ذَلِكَ جَزَاءٌ عَلَى الجِنَايَةِ. وَبِخِلَافِ المَرأَةِ؛ لِأَنَّهَا لَيسَت حَرِبِيَّة؛ وَلِهَذَا لَا تُقتَلُ. (فَإِنْ عَادَ المُرتَدُّ بَعدَ الحُكمِ بِلَحَاقِهِ بِدَارِ الحَربِ إِلَى دَارِ الإِسْلَامِ مُسلِمًا، فَمَا حكمًا، والهلاك الحقيقي ينافي مالكية المال، ولا ينافي توقف المال على حقه كالتركة المستغرقة بالدين فكذا الهلاك الحكمي، وإذا توقف الملك توقف على ما يبنى عليه من التصرفات كما في الحربي الداخل بغير أمان يتوقف تصرفه؛ لتوقف حاله بين القتل والإسلام كالحربي المقهور يتوقف تصرفه؛ لتوقف حاله بين القتل والاسترقاق والمن. واستحقاق القتل في الصورتين؛ لزوال عصمته فيهما فأوجب خللا بخلاف المقضي عليه بالقصاص والرجم فهناك لم يزل ما به عصمة المال والنفس، وهو الإسلام حتى لو قتله غير ولي القصاص بغير إذنه يُقتَلُ القاتل، وإنما يستحق بما هو من حقوق تلك العصمة فيبقى مالكًا حقيقةً؛ لبقاء عصمة ماله وقد انعدم هاهنا، ولأن تأثير الردة في نفي المالكية فوق تأثير الرق، فإن الرق ينافي مالكية المال ولا ينافي مالكية النكاح، والردة تنافيهما فلما لم يعتبر تصرف الرقيق باعتبار عدم المالكية؛ فهاهنا أولى كذا في المبسوط وجامع قاضي خان (١). قوله: (في الفصلين)؛ أي فصل الحربي والمرتد وسبب العصمة كونه آدميا مسلما، وقد بطل ذلك بالكفر فصار كالجماد والحيوان. وفي جامع أبي اليسر: إلا أن ما قاله أبو يوسف ومحمد أولى وأحسن؛ لأن المرتد لا يقبل الرق والقهر يكون حقيقيًا لا حكميًا، والملك يبطل بالقهر الحكمي [لا] (٢) الحقيقي، ولهذا المعنى لا يبطل ملك المقضي عليه بالرجم (٣).

стр. 4228

وَجَدَهُ فِي يَدِ وَرَثَتِهِ مِنْ مَالِهِ بِعَينِهِ أَخَذَهُ)؛ لِأَنَّ الوَارِثَ إِنَّمَا يَخْلُفُهُ فِيهِ لِاسْتِغْنَائِهِ، وَإِذَا عَادَ مُسلِمًا احتاجَ إِلَيْهِ فَيُقَدَّمُ عَلَيْهِ؛ بِخِلَافِ مَا إِذَا أَزَالَهُ الْوَارِثُ عَنْ مِلْكِهِ، وَبِخِلَافِ أُمَّهَاتِ أَولَادِهِ وَمُدَبَّرِيهِ؛ لِأَنَّ القَضَاءَ قَدْ صَحَّ بِدَلِيلٍ مُصَحَّحٍ فَلَا يُنقَضُ، وَلَو جَاءَ مُسلِمًا قَبْلَ أَنْ يَقْضِيَ القَاضِي بِذَلِكَ، فَكَأَنَّهُ لَم يَزَل مُسْلِمًا لِمَا ذَكَرنَا. قوله: (فيقدم عليه) أي: على الوارث ولا خلاف فيه لأحد. قال الحلواني: لو كان هذا بعد موته حقيقة بأن أحياه الله وأعاده إلى الدنيا كان الحكم فيه كذلك إلّا أنه خلاف العادة (١). قوله: (ما إذا أزاله الوارث عن ملكه بحيث لا يضمن؛ لأنه أزاله في وقت كان بسبيل من الإزالة؛ فنفذت الإزالة ولا سبيل له على أمهات أولاده ومدبريه)؛ لأن القاضي قضى بعتقهن عن ولاية؛ فإنه لو كان في دار الإسلام يحكم بموته حقيقة فكذا بموته حكما فإذا قضى بولاية؛ نفذ قضاؤه، والعتق بعد وقوعه لا ينفسخ فصار كما لو مات حقيقة، ثم أحياه الله تعالى كذا في جامع قاضي خان (٢). قوله: (بدليل مصحح)؛ أي للقضاء وهو الردة واللحاق؛ لأنه كالموت (فلا ينقض) أي: القضاء (فكأنه لم يزل) - بفتح الزاي - أي: كأنه لم يرتد في حق زوال ملكه؛ (لما ذكرنا) وهو قوله: (إلا أنه لا يستقر لحاقه إلا بالقضاء) فلا بد من القضاء (فإذا عاد) تكون أمهات أولاده ومدبروه على حالهم أي: لا يعتقون وما كان من الديون عليه فهي إلى أجله كما كانت لعدم تقرر الموت قبل القضاء كذا في جامع قاضي خان. وفي الكافي (٣): وهذا كالعبد المبيع إذا أبق قبل القبض وقضي بفسخ البيع لا يبطل قضاؤه بعوده من الإباق ولو لم يقض بالفسخ جعل كأنه لم يأبق حتى يبقى العهد على [حاله كذا] (٤) هاهنا.

стр. 4229

(وَإِذَا وَطِئَ المُرتَدُّ جَارِيَة نَصْرَانِيَّة، كَانَتْ لَهُ فِي حَالَةِ الإِسْلَامِ، فَجَاءَت بِوَلَد لِأَكثَرَ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مُنذُ ارتَدَّ فَادَّعَاهُ، فَهِيَ أُمُّ وَلَدٍ لَهُ، وَالوَلَدُ حُرٌّ وَهُوَ ابْنُهُ وَلَا يَرِثُهُ، وَإِنْ كَانَتِ الجَارِيَةُ مُسلِمَةٌ وَرِثَهُ الِابْنُ إِنْ مَاتَ عَلَى الرِّدَّةِ أَوْ لَحِقَ بِدَارِ الحَربِ) أَمَّا صِحَّةُ الاستيلادِ فَلِمَا قُلْنَا، وَأَمَّا الإرثُ فَلِأَنَّ الْأُمَّ إِذَا كَانَتْ نَصْرَانِيَّة وَالوَلَدُ تَبَعٌ لَهُ لِقُربِهِ إِلَى الإِسْلَامِ لِلجَبرِ عَلَيْهِ، فَصَارَ فِي حُكمِ المُرتَدُ قوله: (لأكثر من ستة أشهر) وفي جامع فخر الإسلام وقاضي خان (١) والتمرتاشي والكافي (٢): لستة فألحقوا الستة بالأكثر، وإنما قيد بالأكثر وأنه لو جاء بالأقل من ستة أشهر فالولد يرث من أبيه المرتد وإن كانت أمه نصرانية للتيقن بوجوده في البطن قبل الردة فيكون مسلما تبعا للأب ذكره قاضي خان. وقيد بالنصرانية؛ لأن الأمة لو كانت مسلمة ورثه الابن مات على الردة أو لحق. لما قلنا، وهو أن الاستيلاد لا يفتقر إلى حقيقة الملك فصحت دعوته، وثبتت حقيقة الجزية للولد وحق أمية الولد للأمة فالولد تبع له أي للأب المرتد لأنه أقرب إلى الإسلام من النصرانية لأنه يجبر على الإسلام بخلاف النصرانية ولا يجعل الولد مسلما تبعا للدار كذا ذكره شمس الأئمة (٣) وقاضي خان (٤). ولا يشكل بولد إذا ارتد أبواه؛ فإنه يبقى مسلمًا ما دام في الإسلام باعتبار الدار مع وجود الأبوين؛ لأنا جعلناه مسلما قبل ارتداد أبويه باعتبار التبعية؛ فيبقى ما كان على ما كان، ولا يصير مرتدا بارتدادهما بخلاف ما نحن فيه؛ فإنه لم يكن لهذا الولد حكم الإسلام؛ بل يثبت ابتداء إسلامه في حال كفرهما، وترجيح تبعيتهما على الدار عند الابتداء لا حالة البقاء كذا في الإيضاح وجامع شمس الأئمة (٥).

стр. 4230

وَالمُرتَدُّ لَا يَرِثُ المُرتَدَّ، أَمَّا إِذَا كَانَتْ مُسلِمَة، فَالوَلَدُ مُسلِمٌ تَبَعًا لَهَا؛ لِأَنَّهَا خَيْرُهُمَا دِينًا وَالْمُسْلِمُ يَرِثُ المُرتَدَّ. (وَإِذَا لَحِقَ المُرتَدُّ بِمَالِهِ بِدَارِ الحَربِ، ثُمَّ ظُهِرَ عَلَى ذَلِكَ المَالِ فَهُوَ فَيءٌ، فَإِنْ لَحِقَ ثُمَّ رَجَعَ وَأَخَذَ مَالًا وَأَلحَقَهُ بِدَارِ الحَربِ، فَظُهِرَ عَلَى ذَلِكَ المَالِ، فَوَجَدَتهُ الوَرَثَةُ قَبلَ القِسْمَةِ رُدَّ عَلَيْهِم)؛ قوله: (والمرتد لا يرث المرتد) ولا أحدًا؛ لأنه لا ملة له ولا ولاية؛ لأنها كرامة وهو مهان، والإرث من باب الولاية. قوله: (والمسلم يرث المرتد) إذا كان الولد مسلما يرث المرتد. في الفوائد الظهيرية (١): ما ذكر في الكتاب أن الإرث يستند إلى حالة الإسلام؛ فيكون فيه توريث المسلم عن المسلم فما اكتسبه في حال الردة يضعف بهذه المسألة؛ لأن الولد هناك لم يكن موجودا حال الإسلام، ومع هذا يرث فعلم بهذا أن الصحيح ما رواه محمد عن أبي حنيفة (٢)، وهو من كان وارثا عند موته سواء كان موجودًا عند الردة أو حدث بعدها. قوله: (فهو)؛ أي ذلك المال (فيء) دون نفس المرتد، ويجوز أن يكون ماله فيئا دون نفسه كمشركي العرب وبه قالت الأئمة الثلاثة (٣) إلا أنهم قالوا: ماله وملكه في دار الإسلام له، ويتصرف فيه الحاكم بما يرى المصلحة فيه، ولا يورث كما ذكرنا. قوله: (رُدَّ عليهم) خلافًا للأئمة الثلاثة (٤) فإنه عندهم مباح، وملك المرتد باق ولا يورث.

стр. 4231

لِأَنَّ الْأَوَّلَ: مَالٌ لَم يَجرِ فِيهِ الإِرث، وَالثَّانِيَ: انتَقَلَ إِلَى الوَرَثَةِ بِقَضَاءِ القَاضِي بِلَحَاقِهِ، فَكَانَ الوَارِثُ مَالِكا قَدِيمًا. (وَإِذَا لَحِقَ المُرتَدُّ بِدَارِ الحَرْبِ وَلَهُ عَبْدٌ، فَقُضِيَ بِهِ لِابْنِهِ، وَكَاتَبَهُ الِابْنُ ثُمَّ جَاءَ المُرتَدُّ مُسلِمًا فَالكِتَابَةُ جَائِزَةٌ، وَالمُكَاتَبَةُ وَالوَلَاءُ لِلمُرتَد الَّذِي أَسْلَمَ)؛ لِأَنَّهُ لَا وَجْهَ إِلَى بُطَلَانِ الكِتَابَةِ، لِنُفُوذِهَا بِدَلِيلٍ مُنَفِّذ، فَجَعَلْنَا الوَارِثَ الَّذِي هُوَ خَلَفُهُ كَالوَكِيلِ مِنْ جِهَتِهِ، وَحُقُوقُ العَقدِ فِيهِ تَرجِعُ إِلَى المُوَكِّلِ، وَالوَلَاءُ لِمَنْ يَقَعُ العِلْقُ عَنهُ. قوله: (بقضاء القاضي بلحاقه)، وهذا ظاهر أما لو لم يقض بلحاقه حتى عاد وأخذ المال، ودخل به دار الحرب؛ ثم ظهر على الدار ففي ظاهر الرواية وهو رواية الجامع (١) ترد على الورثة أيضًا. قيل: لو قضي بلحاقه؛ إذ الظاهر أنه لا يعود بعد اللحاق فكان ميتا ظاهرا؛ لأن القضاء بلحاقه شرط لترجيح جانب عدم العود؛ فيتقرر موته فلما خرج إلينا مغيرا ورجع بماله ظاهرًا أنه لا يريد الرجوع إلينا؛ فيتقرر موته من حين اللحوق فيصير ماله لورثته من ذلك الوقت فكان ذلك مال الورثة، وفي بعض روايات السير يكون فيئا؛ لأن بمجرد اللحوق لا يصير المال ملكا لورثته. قوله: (فكاتبه)؛ أي الابن فالكتابة جائزة خلافا للأئمة الثلاثة (٢) (والمكاتبة)؛ أي بدل الكتابة والولاء للمرتد الذي أسلم بخلاف ما لو رجع بعد عتق المكاتب؛ فإن الولاء فيه للابن بدليل منفذ، وهو القضاء باللحاق فإذا عاد مسلما؛ فقد ثبت له حكم الإحياء فلا يخلفه وارثه؛ لأن الوارث إنما جعل خليفة عنه لاستغنائه، وبعد العود ارتفع الاستغناء ووقعت الحاجة فبطلت الخلافة، وجعل الابن كنائب عنه، وحقوق العقد في الكتابة ترجع إلى المنوب، وجعل هكذا إلا أن الملك انتقل من الابن إلى الأب؛ لأن المكاتب لا يحتمل النقل من ملك إلى ملك إليه أشار شمس الأئمة (٣).

стр. 4232

(وَإِذَا قَتَلَ المُرتَدُّ رَجُلا خَطَأ ثُمَّ لَحِقَ بِدَارِ الحَربِ، أَوْ قُتِلَ عَلَى رِدَّتِهِ فَالدِّيَةُ فِي مَال اكتَسَبَهُ فِي حَالِ الإِسْلَام خَاصَّة عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ. وَقَالَا: الدِّيَةُ فِيمَا اكْتَسَبَهُ فِي حَالَةِ الإسلامِ وَالرِّدَّةِ جَمِيعًا) (*)؛ لِأَنَّ العَوَاقِلَ لَا تَعْقِلُ المُرتَدَّ؛ لِانعِدَامِ النُّصْرَةِ فَتَكُونُ فِي مَالِهِ. وَعِندَهُمَا: الكَسَبَانِ جَمِيعًا مَالُهُ؛ لِنُفُوذِ تَصَرُّفَاتِهِ فِي الحَالَينِ، وَلِهَذَا يَجْرِي الْإِرْثُ فِيهِمَا عِندَهُمَا. وَعِندَهُ: مَالُهُ المُكْتَسَبُ فِي الإِسْلَامِ؛ لِنَفَاذِ تَصَرُّفِهِ فِيهِ دُونَ المَكسُوبِ فِي الرِّدَّةِ؛ لِتَوَقُفِ تَصَرُّفِهِ، وَلِهَذَا كَانَ الأَوَّلُ: مِيرَاثًا عَنْهُ، وَالثَّانِي فَيْئًا عِندَهُ. (وَإِذَا قُطِعَت يَدُ المُسلِم عَمدًا فَارتَدَّ - وَالعِيَاذُ بِاللَّهِ - ثُمَّ مَاتَ عَلَى رِدَّتِهِ مِنْ ذَلِكَ، أَوْ لَحِقَ بِدَارِ الحَربِ ثُمَّ جَاءَ مُسلِمًا، فَمَاتَ مِنْ ذَلِكَ، فَعَلَى القَاطِعِ نِصْفُ الدِّيَةِ فِي مَالِهِ لِلوَرَثَةِ) أَمَّا الأَوَّلُ: فَلِأَنَّ السِّرَايَةَ حَلَّت مَحَلَّا غَيْرَ مَعصُومٍ فَأُهَدِرَت، بِخِلَافِ مَا إِذَا قُطِعَت يَدُ المُرتَد ثُمَّ أَسْلَمَ فَمَاتَ مِنْ ذَلِكَ؛ قوله: (وقالا في كسب الإسلام والردة) (١)، وفي بعض النسخ: (جميعًا)، وبقولهما قالت الأئمة الثلاثة (٢)، وكذا لو كان حيًّا في دار الإسلام فالدية في ماله. قوله: (لانعدام النصرة)؛ إذ المسلم [لا ينصر] (٣) الكافر، والعواقل باعتبار النصرة، وقد عدمت فيكون في ماله. قوله: (وعنده ماله المكتسب) ماله مبتدأ والمكتسب خبره لا صفة؛ إذ المعنى لا يستقيم على تقدير الصفة. قوله: (أما الأول)، وهو ما لو مات على ردته. قوله: (فأهدرت)؛ أي السراية إذ لو لم تهدر لوجب القصاص في العمد والدية في الخطا؛ لأن القطع صار قتلا فإذا أهدر السراية يضمن دية اليد دون النفس. قوله: (ومات من ذلك)؛ أي من القطع فإنه لا يضمن القاطع شيئًا، وإن

стр. 4233

لِأَنَّ الإِهْدَارَ لَا يَلحَقُهُ الاعْتِبَارُ، أَمَّا المُعتَبَرُ قَدْ يُهدَرُ بِالإِبْرَاءِ فَكَذَا بِالرِّدَّةِ. وَأَمَّا الثَّانِي: وَهُوَ مَا إِذَا لَحِقَ، وَمَعْنَاهُ: إِذَا قُضِيَ بِلَحَاقِهِ فَلِأَنَّهُ صَارَ مَيْتًا تَقْدِيرًا، وَالمَوتُ يَقْطَعُ السِّرَايَةَ، وَإِسْلَامُهُ حَيَاةٌ حَادِثَةٌ فِي التَّقْدِيرِ، فَلَا يَعُودُ حُكمُ الجِنَايَةِ الأُولَى، فَإِذَا لَم يَقضِ القَاضِي بِلَحَاقِهِ، فَهُوَ عَلَى الخِلَافِ الَّذِي نُبَيِّنُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. قَالَ: (فَإِنْ لَم يَلحَق وَأَسْلَمَ ثُمَّ مَاتَ فَعَلَيهِ الدِّيَةُ كَامِلَةً) وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ. وَقَالَ مُحَمَّدٌ وَزُفَرُ: فِي جَمِيعِ ذَلِكَ نِصفُ الدِّيَةِ (*)؛ لِأَنَّ اعْتِرَاضَ الرِّدَّةِ أَهْدَرَ السِّرَايَةَ، فَلَا يَنْقَلِبُ بِالإِسْلَامِ إِلَى الضَّمَانِ، كَمَا إِذَا قَطَعَ يَدَ مُرتَدٌ فَأَسْلَمَ. وَلَهُمَا: أَنَّ كان معصوما وقت السراية، ولا يعتبر حالة السراية؛ لأن الجناية متى صارت هدرا لا يلحقه الاعتبار. قوله: (قد يهدر بالإبراء)، وكذا بالإعتاق، وبالبيع أيضًا حتى لو قطع يد عبد إنسان، ثم باعه مولاه ثم رد عليه بعيب [ثم مات] (١) فالجاني لا يضمن للبائع ضمان النفس؛ لأنه لما باعه فقد أبرأه عن ضمان السراية من حيث البيع، ذكره في الفوائد الظهيرية (٢). (فهو على الخلاف) (٣) [قال الإمام السرخسي (٤): ولو لم يقض بلحاقه حتى عاد مسلمًا فالصحيح أنه على الخلاف؛ لأن القضاء إذا لم يتصل بلحاقه فهو بمنزلة الغيبة في بقاء أملاكه وحقوقه إذا كان مسلما] (٥). قوله: (فإن لم يلحق)؛ أي بعد القطع (وأسلم)، أو لحق ولم يقض بلحاقه ثم عاد مسلما ثم مات. قوله: (لم ينقلب بالإسلام إلى الضمان)؛ لأن الردة معنى لو مات عليه لم

стр. 4234

الجِنَايَةَ وَرَدَت عَلَى مَحَلٌ مَعصُوم وَتَمَّت فِيهِ فَيَجِبُ ضَمَانُ النَّفْسِ، كَمَا إِذَا لَم تَتَخَلَّل الرِّدَّةُ، وَهَذَا؛ لِأَنَّهُ لَا مُعتَبَرَ بِقِيَامِ العِصمَةِ فِي حَالِ بَقَاءِ الجِنَايَةِ، وَإِنَّمَا المُعتَبَرُ قِيَامُهَا فِي حَالِ انعِقَادِ السَّبَبِ وَفِي حَالِ ثُبُوتِ الحُكمِ، وَحَالَةُ البَقَاءِ بِمَعزِلَ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ، وَصَارَ كَقِيَامِ المِلكِ فِي حَالِ بَقَاءِ اليَمِينِ. تجب السراية؛ فكذا إذا لم يمت عليه، كعبد قطعت يده ثم باعه المولى ثم اشتراه أو تناقضا البيع ثم مات لم يجب إلا دية اليد كما لو مات على البيع؛ لأن البيع معنى لو مات عليه لم يجب بالسراية شيء، ولأن البيع معنى يقطع الملك في النفس مع قيام النفس محترمة والردة تبطل حق النفس أصلا. وقلنا: الردة ليست بإبراء عن ضمان الجناية لا حقيقة ولا شرعًا؛ بل هي لتبدل الدين. ألا ترى أنها تصح من غير إبراء إلا أنه إذا مات على ذلك، لم يجب الضمان لهدر دمه بالردة بخلاف العبد المجني عليه إذ البيع وضع لقطع ملكه؛ فإذا قطع الأصل قصدا فقد قطع البدل أيضًا فصار كالإبراء، كذا في الأسرار (١). قوله: (وتمت فيه)؛ أي في محل معصوم فيوجب كل الدية كما لو لم تتخلل الردة، وبه قالت الأئمة الثلاثة (٢). قوله: (بمعزل من ذلك)؛ أي من انعقاد السبب وثبوت الحكم فلا يعتبر بقاء العصمة في هذه الحالة، كما لا يعتبر نقصان النصاب في خلال الحول في الزكاة، وكما لا يعتبر قيام الملك في حال بقاء اليمين. وفي المبسوط (٣): ولو كان القاطع هو الذي ارتد فقتل، ومات المقطوع يده من القتل مسلمًا فإن كان عمدًا فلا شيء له؛ لأن الواجب فيه القود وقد فات محله حتى قتل على ردته أو مات، وإن كان خطأ فعلى عاقلة القاطع دية النفس؛ لأنه عند الجناية كان مسلما، وجناية المسلم خطأ على عاقلته، وتبين بالسراية

стр. 4235

(وَإِذَا ارْتَدَّ المُكَاتَبُ وَلَحِقَ بِدَارِ الحَربِ وَاكتَسَبَ مَالًا، فَأُخِذَ بِمَالِهِ وَأَبَى أَنْ يُسلِمَ فَقُتِلَ، فَإِنَّهُ يُوَفَّى مَولَاهُ مُكَاتَبَتَهُ وَمَا بَقِيَ فَلِوَرَثَتِهِ) وَهَذَا ظَاهِرٌ عَلَى أَصْلِهِمَا؛ لِأَنَّ كَسبَ الرِّدَّةِ مِلكُهُ إِذَا كَانَ حُرًا، فَكَذَا إِذَا كَانَ مُكَاتَبًا. وَأَمَّا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ: أن جنايته كانت قتلا فكانت على عاقلته، ولو كانت الجناية منه حال الردة كانت الدية (١) في الخطأ في ماله؛ لما بينا أن المرتد لا يعقل جناية أحد. قوله: (إذا كان مكاتبا)؛ إذ الكتابة لا تبطل بالموت فبالردة أولى. قوله: (وأما عند أبي حنيفة … ) إلى آخره، هذا يشكل على قول أبي حنيفة؛ لأن كسب الردة لا يكون للمرتد عنده إذا كان حرا، وهاهنا جعله ملكًا للمكاتب. ووجهه؛ أن المكاتب إنما اختص بأكسابه بعقد الكتابة، وعقد الكتابة لا يبطل بالردة؛ لأنه لا يبطل بحقيقة الموت فكذا بالموت حكمًا؛ بلحوقه بدار الحرب فصارت مكاسبه كمكاسب الإسلام، وجعل كأنه في دار الإسلام، إذ قيام ملك المولى في رقبته يمنع صيرورته حربيًا، ويجعل في حكم المتردد في دار الإسلام كذا في جامعي شمس الأئمة وقاضي خان (٢). فإن قيل: إن مات عبدا كما قال الشافعي (٣)، يكون كسبه للمولى فإنه عبده وفي يده كسب فيكون لسيده كما قالت الأئمة الثلاثة (٤)، وإن مات حرا فيوضع في بيت المال؛ لأنه مال حربي في دار الحرب؛ إذ حريته تكون في آخر جزء من أجزاء حياته فكان ما اكتسبه في حال الردة كسب الحر المرتد فيكون فينا عند أبي حنيفة. قلنا: ذلك جواب القياس، وفي الاستحسان ميراثه لورثته؛ إذ الحكم بحريته بالارتداد بعد الموت في الحقوق المستحقة بالكتابة، وذلك حريته وحرية أولاده، وحقيقة الملك له في المكاسب، وفيما عدا ذلك يعتبر ميتًا عبدا.

стр. 4236

فَلِأَنَّ المُكَاتَبَ إِنَّمَا يَمْلِكُ أَكسَابَهُ بِالكِتَابَةِ، وَالكِتَابَةُ لَا تَتَوَقَّفُ بِالرِّدَّةِ فَكَذَا أَكسَابُهُ؛ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا يَتَوَقَّفُ تَصَرُّفُهُ بِالأَقوَى وَهُوَ الرِّقُ، فَكَذَا بِالْأَدْنَى بِالطَّرِيقِ الأُولَى. (وَإِذَا ارْتَدَّ الرَّجُلُ وَامرَأَتُهُ - وَالعِيَاذُ بِاللَّهِ - وَلَحِقَا بِدَارِ الحَرْبِ فَحَبِلَتِ المَرأَةُ فِي دَارِ الحَرْبِ وَوَلَدَت وَلَدًا، وَوُلِدَ لِوَلَدِهِمَا وَلَدٌ، فَظُهِرَ عَلَيْهِم جَمِيعًا، … ألا ترى أنه لا تنفذ وصيته، وإن مات عن وفاء؛ لأنها ليست من الحقوق المستحقة بالكتابة، وإذا كان كذلك فنقول في حق عدم صيرورته فيئا: يجعل كأنه مات عبدًا، وكسب العبد المرتد لا يكون فيئا؛ لأنه يصير مال المسلم، ومال المسلم لا يُغنَمُ، وإذا لم يغنم صار لحوقه كموته، ولو مات عن وفاء يوفي مولاه مكاتبته، والباقي لورثته كذا هنا، أشير إليه في الفوائد الظهيرية (١). قوله: (فكذا بالأدنى) وهو الردة يعني الرق أقوى من الردة في المانعية من التصرف؛ لأن بعض تصرفات المرتد نافذ بالإجماع عنده كالاستيلاد. وعندهما عامة تصرفاته نافذ، وأما العبد فممنوع عن التصرفات. ثم لما لم يتوقف تصرف المكاتب مع كونه رقيقا لم يتوقف تصرفه أيضًا مع كونه مرتدا بالطريق الأولى. ولو قيل: جاز ألا يمنع كل واحد من الرق والردة من التصرف؛ فإذا اجتمعا منعا كما في الشاهدين؛ إذ كل واحد لا يثبت شيئًا، وبعد الاجتماع يثبت وهاهنا اجتمع كونه مكاتبا ورقيقا ومرتدا فجاز أن يمنع. أجيب عنه أن الكتابة مطلق للتصرف بانفراده فلا يثبت الرجحان بزيادة العلة، كما لو أقام أحد المدعيين شاهدين والآخر أربعة؛ بل الرجحان يثبت بوصف في العلة لا بالعلة لما عرف. قوله: (فحبلت المرأة في دار الحرب … ) إلى آخره، قيل: ذكر دار الحرب وقع اتفاقا؛ فإنها لو حبلت في دارنا ولحقت به بدار الحرب فالجواب كذلك، ولعل يشتمل على الفائدة، وهي أن العلوق متى كان في دار الحرب كان أبعد عن الإسلام، ومتى كان في دار الإسلام كان أقرب إلى دار الإسلام باعتبار

стр. 4237

فَالوَلَدَانِ فَيْء)؛ لِأَنَّ المُرتَدَّةَ تُستَرَقُ فَيَتَبَعُهَا وَلَدُهَا، وَيُجِبَرُ الوَلَدُ الأَوَّلُ عَلَى الإِسْلَامِ، وَلَا يُجِبَرُ وَلَدُ الوَلَدِ. الدار؛ لكون الدار جهة في الاستتباع فالجبر هناك يكون جبرا هنا بالطريق الأولى (فالولدان فيء)، وقال الشافعي في وجهِهِ (١): يجوز استرقاق ولد المرتد كقولنا، وبه قال أحمد (٢). وفي قول (٣): لا يسترق كأبيه وله حكم أبيه، وبه قال مالك (٤). وفي المحيط (٥): إذا ولدت لستة أشهر في دار الحرب، من حين اللحاق ثم سبيا يكونان فيئا، ولو ولدت لأقل من ستة أشهر لم يصر الولد فيئًا. وفي الحلية (٦): قال أبو حنيفة: إن ولدت في دار الإسلام لم يجز استرقاق الولد فيعلم من هذا فائدة قوله: ولدت في دار الحرب. قوله: (ويجبر الولد الأول على الإسلام) بإجماع الأئمة الأربعة (٧) بعد أن يصير مميزا تبعا لأبيه (ولا يجبر ولد الولد)؛ لأن الأولاد يتبعون الآباء في الدين والأحفاد لا يتبعون الأجداد فيه لقوله ﵇: كُلُّ مَولود يولَدُ علَى الفِطرة فأبواهُ يُهوِّدانِهِ (٨) الحديث، أي: يتبعان في اليهودية، والاتباع على منافاة الدليل، وإنما صير إليه في الآباء والأمهات نصا فبقي من عداهم على ما يقتضيه الدليل. ولأنه لو جاز استتباع الأجداد الأحفاد؛ لما جاز ضرب الجزية على كافر ما؛ بل يجبرون على الإسلام؛ لأنهم مرتدون إذ هم أولاد آدم وحواء عليهما

стр. 4238

وَرَوَى الحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ: أَنَّهُ يُجبَرُ تَبَعا لِلجَدِّ، وَأَصْلُهُ: التَّبَعِيَّةُ فِي الإسلام، وَهِيَ رَابِعَةُ أَربَعِ مَسَائِلَ كُلُّهَا عَلَى الرِّوَايَتَينِ. وَالثَّانِيَةُ: صَدَقَةُ الفِطرِ. وَالثَّالِثَةُ: جَرُّ الوَلَاءِ. وَالأُخرَى: الوَصِيَّةُ لِلقَرَابَةِ. السلام أو أولاد نوح ﵇، وإذا كان كذلك كان الولد مرتدا تبعًا لأبويه ولا يكون الحافد مرتدا تبعا لجده والمرتد يجبر على الإسلام وغيره لا يجبر. ولا يجوز أن يصير الحافد مرتدا تبعًا لأبيه؛ لأن أباه كان مرتدا تبعًا لأبيه حكما وضرورة، (١) ولهذا يجبر على الإسلام إن كان بالغا بالحبس لا بالقتل خلافًا لمالك؛ لأن ارتداده لم يكن عن اعتقاد؛ بل كان بطريق الاستتباع فلا يستوجب القتل، وما ثبت ضرورة يكون عدمًا فيما وراء الضرورة، ولا ضرورة في حق ولد الولد فلا تظهر ردة الولد في حقه فلا يجعل مرتدا تبعا له. (وروى الحسن عنه أنه يجبر تبعًا للجد)؛ إذ الجبر على الإسلام كالإسلام، وولد الولد يتبع الجد في الإسلام في رواية الحسن فكذا في الجبر إذ التبعية في حق الأب للتفرغ، والتفرغ ثابت في حق الجد، ولهذا [كان] (٢) بمنزلة الأب في النكاح وبيع مال الصغير. قوله: (والثانية صدقة الفطر) فإن الأب إذا كان فقيرًا أو عبدا والجد موسر؛ فطرة الحافد عليه. وصورة (جَرُّ الولاء) إذا أعتق الجد، والحافد حرّ وأمّه معتقة الغير، وولاؤه لمولى أمه والأب عبد هل يعتبر ولاء الحافد لمولى الأم أم لا؟. وصورة (الوصية للقرابة) إن أوصى رجل لذوي قرابته، لا يدخل الولدان فيها، ويدخل الجد في ظاهر الرواية، وفي رواية الحسن: لا يدخل كذا في جامع قاضي خان والفوائد الظهيرية (٣).

стр. 4239

قَالَ: (وَارْتِدَادُ الصَّبِيِّ الَّذِي يَعْقِلُ ابْتِدَادٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّد، وَيُجِبَرُ عَلَى الإِسْلَامِ وَلَا يُقتَلُ، وَإِسْلَامُهُ إِسلَامٌ، وَلَا يَرِثُ أَبَوَيْهِ إِنْ كَانَا كَافِرَينِ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: ارْتِدَادُهُ لَيْسَ بِارْتِدَادٍ وَإِسْلَامُهُ إِسلَامُ) (*) وَقَالَ زُفَرُ وَالشَّافِعِيُّ: إِسْلَامُهُ لَيْسَ بِإِسلَامِ وَارْتِدَادُهُ لَيْسَ بِارْتِدَادٍ. لَهُمَا فِي الإِسْلَامِ: أَنَّهُ تَبَعٌ لِأَبَوَيْهِ فِيهِ فَلَا يُجْعَلُ أَصلًا. قوله: (ارتداد الصبي الذي يعقل … ) إلى آخره فقال مالك (١) وأحمد (٢) في ظاهر روايته كقولهما في ردته وصحة إسلامه. قوله: (ويجبر على الإسلام ولا يقتل)، وإن بلغ كافرًا ولكنه يحبس، كذا ذكره التمرتاشي. وعند مالك (٣) وأحمد (٤): يقتل إذا بلغ ولم يرجع صار أهلا للعقوبة. وقال أبو يوسف (٥): ارتداده ليس بارتداد وإسلامه إسلام وبه قال أحمد (٦) في رواية وسحنون المالكي. وفي المحيط (٧): عن أبي مالك عن أبي يوسف أن أبا حنيفة رجع إلى قول أبي يوسف. قال ابن المنذر: هذا الخلاف في الصبي المميز، ولا خلاف لأهل العلم في الذي لم يعقل أنه لا تصح ردته ولا إسلامه؛ إذ لا حكم لكلامه كالمجنون. قوله: (أنه) أي الصبي (تبع لأبويه فيه) في الإسلام (فلا يجعل أصلا فيه) لاستحالة أن يكون تبعًا ومتبوعا في حكم واحد، ولأن التبعية سمة العجز والأصالة دليل القدرة وبين العجز والقدرة تنافٍ وتضادّ، ثم إسلامه يصح بطريق

стр. 4240

وَلِأَنَّهُ يَلزَمُهُ أَحكَامًا تَشُوبُهَا المَضَرَّةُ فَلَا يُؤَهَّلُ لَهُ. وَلَنَا فِيهِ: أَنَّ عَلِيًّا ﵁ أَسْلَمَ فِي صِبَاهُ، وَصَحَّحَ النَّبِيُّ ﷺ إِسْلَامَهُ، وَافْتِخَارُهُ بِذَلِكَ مَشْهُورٌ. التبعية بالإجماع فلا يصح بطريق الأصالة (ولأنه) تلحقه (أحكامًا تشوبها (١) المضرة) كحرمان الإرث والفرقة بينه وبين امرأته المشركة (فلا يؤهل له) كالطلاق والعتاق (٢). قوله: (وافتخاره) أي: افتخار عليّ بذلك مشهور حتى كان يقول: سبقْتُكُمُ إلى الإيمانِ طُرًّا … غُلَامًا مَا بَلَغْتُ أوانَ حُلمي وقيل: أول من أسلم من الرجال أبو بكر، ومن النساء خديجة، ومن الصبيان علي، ومن العبيد بلال. واختلفت الروايات في سنّه حين أسلم وحين مات، فقال جعفر بن محمد: أسلم وهو ابن خمس، ومات وهو ابن ثمان وخمسين؛ لأنه دعاه إلى الإسلام في مبعثه ومدة البعثة ثلاثة وعشرون سنة، والخلافة بعده ثلاثون انتهت بموت علي؛ فإذا ضممت خمسًا إلى ثلاث وخمسين يصير ثمانيا وخمسين (٣). وقال القتبي: أسلم وهو ابن سبع سنين ومات وهو ابن ستين بهذا الطريق أيضا (٤). وفي الكافي (٥): والتعلق به مشكل؛ إذ لم ينقل أنه ﵇ صحح إسلامه في أحكام الدنيا من حرمان الميراث ووقوع الفرقة، وإن قلت: صحت في أحكام الآخرة فهذا مُسلَّم ولا كلام فيه، وإنما الكلام في أحكام الدنيا. فإن قلت: ذكره مطلقا فانصرفت إليهما. قلنا: هي حكاية حال فلا عموم له، وأحكام الآخرة مرادة فلا يراد غيره، أجيب أنه ﵇ صحح صلاته وصومه وغزوه حتى أعطى له السهم، فعلم أنه ﵇ صححه في أحكام الدنيا أيضًا.
следующие страницы →