مَا يُبَرِّئُهُ، وَهُوَ الْأَخِذُ لِمَالِكِهِ وَفِيهِ وَقَعَ الشَّكُّ فَلَا يَبرَأُ، وَمَا ذُكِرَ مِنَ الظَّاهِرِ يُعَارِضُهُ مِثْلُهُ، لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنْ يَكُونَ المُتَصَرِّفُ عَامِلًا لِنَفْسِهِ. وَيَكفِيهِ فِي الإِسْهَادِ أَنْ يَقُولَ: مَنْ سَمِعْتُمُوهُ يَنشُدُ لُقَطَة فَدُلُّوهُ عَلَيَّ وَاحِدَة كَانَتْ اللُّقَطَة أَوْ أَكثَرَ، لِأَنَّها اسم جنس.
قَالَ: (فَإِنْ كَانَتْ أَقَلَّ مِنْ عَشَرَةِ دَرَاهِمَ عَرَّفَهَا أَيَّامًا، وَإِنْ كَانَتْ عَشرَة فَصَاعِدا عَرَّفَهَا حَولًا) قَالَ العَبدُ الضَّعِيفُ: وَهَذِهِ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ.
مِنْ فِي أخيك سوءًا وأنتَ تجدُ لَها مَحمَلًا في الخَيرِ» (١)، ولأن صاحبها يدعي سبب الضمان وهو ينكر، فالقول له كما في الغصب ولأنه احتمل أنه أخذه لنفسه، واحتمل أنه أخذه للمالك، فلا يضمن بالشك.
ولهما: أنه أقر بسبب الضمان إذا أخذ مال الغير بغير إذنه سبب الضمان، والإذن مقيد بالإشهاد شرعا، قال ﵇: «من وجد لقطة فليشهد ذوي عدل» (٢) والأمر المطلق يقتضي الوجوب، فإذا ترك الإشهاد فالظاهر أنه أخذه لنفسه فيضمن وقوله: (أخذته للمالك) (٣) دعوى ما تبرئه عن الضمان، فلا يبطل الإبراء بالشك، كمن أخذ للغير مالا وهلك في يده، ثم ادعى أن صاحبه أودعه؛ لم يصدق في ذلك إلا بحجة.
(وما ذكر)؛ أي: أبو يوسف.
قوله: (عاملا لنفسه)؛ إذ كلُّ حرّ يعمل لنفسه ما لم يظهر منه دليل على أنه عامل لغيره، والدليل الإشهاد. كذا في المبسوط (٤).
وفي فتاوى قاضي خان: هذا الاختلاف في الإشهاد فيما إذا أمكنه الإشهاد فأما إذا لم يمكنه عند الرفع، أو خاف أنه لو أشهد يأخذه منه الظالم فيترك الإشهاد، لا يضمن بالإجماع.
قوله: (لأنها)؛ أي: اللقطة اسم جنس. وعن أحمد: ينبغي أن يذكر جنسها من ذهب أو فضة.
стр. 4272
وَقَولُهُ: «أَيَّاما» مَعْنَاهُ عَلَى حَسَبِ مَا يَرَى. وَقَدَّرَهُ مُحَمَّدٌ فِي الأَصْلِ: بِالحَولِ مِنْ غَيْرِ تَفصِيلُ بَينَ القَلِيلِ وَالكَثِيرِ، وَهُوَ قَولُ مَالِك وَالشَّافِعِيِّ لِقَولِهِ ﵊: مَنْ التَقَطَ شَيْئًا فَلْيُعَرِّفَهُ سَنَة مِنْ غَيْرِ فَصل.
وَجهُ الأَوَّلِ: أَنَّ التَّقْدِيرَ بِالحَولِ وَرَدَ فِي لُقَطَة كَانَتْ مِائَةَ دِينَارٍ تُسَاوِي أَلفَ درهم، وَالعَشَرَةُ وَمَا فَوقَهَا فِي مَعنَى الأَلفِ فِي تَعَلُّقِ القَطْعِ بِهِ فِي السَّرِقَةِ وَتَعَلُّقِ استحلالِ الفَرجِ بِهِ وَلَيْسَت فِي مَعْنَاهَا فِي حَقِّ تَعَلُّقِ الزَّكَاةِ، فَأَوجَبنَا التَّعْرِيفَ بِالحَولِ احتِيَاطًا، وَمَا دُونَ العَشَرَةِ لَيْسَ فِي مَعنَى الأَلفِ بِوَجهِ مَا، فَفَوَّضَنَا إِلَى رَأْيِ الْمُبْتَلَى بِهِ، وَقِيلَ: الصَّحِيحُ أَنَّ شَيْئًا مِنْ هَذِهِ المَقَادِيرِ لَيسَ بِلَازِمٍ، وَيُفَوَّضُ إِلَى رَأْيِ المُلتَقِطِ يُعَرِّفُهَا إِلَى أَنْ يَغلِبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّ صَاحِبَهَا لَا يَطْلُبُهَا بَعدَ ذَلِكَ ثُمَّ يَتَصَدَّقُ بِهَا، وَإِنْ كَانَتِ اللُّقَطَهُ شَيْئًا لَا يَبقَى عَرَّفَهُ، حَتَّى إِذَا خَافَ أَنْ يَفْسُدَ تَصَدَّقَ بِهِ، … ..
قوله: (وهو قول مالك والشافعي وأحمد وظاهر رواية أصحابنا.
(من غير فصل)؛ أي: بين القليل والكثير، وهذا روي عن عمر وعلي وابن عباس؛ لأن السنة لا تتأخر عنها القوافل، ويمضي فيها الزمان الذي يقصد فيه البلاد من الحر والبرد والاعتدال، فصلحت قدرا كمدة أجل العنين.
وما روي عن أبي بن كعب أنه ﵇ «أمره بتعريف مائة الدينار ثلاثة أعوام» [غير صحيح. قال أبو داود: شك الراوي في ذلك وقال: لا أدري ثلاثة أعوام] (١) أو عام واحد.
(وقيل: الصحيح) إلى آخره وبهذا قال بعض أصحاب مالك وأصحاب أحمد.
قوله: (تصدق به)؛ لأن في التصدق عوض آجل وهو الثواب، أو عاجل وهو الضمان.
стр. 4273
وَيَنبَغِي أَنْ يُعَرِّفَهَا فِي المَوضِعِ الَّذِي أَصَابَهَا. وَفِي الجَامِعِ: فَإِنَّ ذَلِكَ أَقْرَبُ إِلَى الوُصُولِ إِلَى صَاحِبِهَا، وَإِنْ كَانَتْ اللُّقَطَةُ شَيْئًا يُعلَمُ أَنَّ صَاحِبَهَا لَا يَطْلُبُهَا كَالنَّوَاةِ وَقُشُورِ الرُّمَّانِ، يَكُونُ إِلقَاؤُهُ إِبَاحَة، حَتَّى جَازَ الانتِفَاعُ بِهِ مِنْ غَيْرِ تَعرِيف، وَلَكِنَّهُ مُبقَى عَلَى مِلكِ مَالِكِهِ، لِأَنَّ التَّمْلِيكَ مِنْ المَجْهُولِ لَا يَصِحُّ.
قوله: (كالنواة وقشور الرمان)؛ أي: في مواضع مختلفة لو وجد من ذلك شيئًا كثيرًا فجمعها، وصار بحكم الكثرة لها قيمة؛ لا بأس بالانتفاع بها؛ لأن كل واحد لا قيمة له، وإنما ظهرت القيمة بصنعه وهو جمعه، وقد روي أنه ﵇ رأى تمرة على الطريق، فقال: «لَوْلَا أَنْ تَكونَ تَمْرَ الصَّدقة لأكلتُها» (١)، وقد روي ذلك عن عمر وعلي وابن عمر وعائشة، ولا يُعلم فيه خلاف بين أهل العلم، إلا أن عند مالك: يجوز أكل الطعام أيضًا وإن كان له قيمة.
قوله: (ولكنه)؛ أي: الشيء اليسير كالنواة (مبقى على ملك مالكه) فإذا وجده مالكه في يده فله أن يأخذه؛ لأنه عين ملكه، إذ بإلقائه يبيح الانتفاع للواجد، ولم يكن تمليكا منه؛ إذ التمليك في المجهول لا يصح، وملك المبيح لا يزول بالإباحة.
وذكر شيخ الإسلام: ولو كانت متفرقة فجمعها؛ ليس للمالك أخذها بعد الجمع؛ لأنه يصير ملكا للآخذ بالجمع. وكذا الجواب في التقاط السنابل، وبه كان يفتي الصدر الشهيد. كذا في الذخيرة.
وفي المحيط: لو وجد النواة والقشور في أماكن متفرقة يجوز الانتفاع بها؛ لأن صاحبها لما جمعها فالظاهر أنه ما ألقاها، بل سقطت منه.
وفي المبسوط: رُوي عن بشر عن أبي يوسف: لو جز صوف شاة ميتة ملقاة كان له أن ينتفع به، ولو وجده صاحب الدار في يده كان له أن يأخذه منه، ولو دبغ جلدها كان لصاحبها أن يأخذ الجلد منه بعدما يعطيه ما زاد الدباغ فيه؛ لأنه ملكه لم يزل بالاتفاق، والصوف مال متقوم بلا اتصال بشيء، وله أن يأخذه
стр. 4274
قَالَ: (فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا وَإِلَّا تَصَدَّقَ بِهَا) إيصالا لِلحَقِّ إِلَى المُستَحِقٌ، وَهُوَ وَاجِبٌ بِقَدْرِ الإِمْكَانِ، وَذَلِكَ بِإِيصَالِ عَيْنِهَا عِنْدَ الظَّفَرِ بِصَاحِبِهَا وَإِيصَالِ العِوَضِ، وَهُوَ الثَّوَابُ عَلَى اعْتِبَارِ إِجَازَةِ التَّصَدُّقِ بِهَا، وَإِنْ شَاءَ أَمْسَكَهَا رَجَاءَ الظَّفَرِ بِصَاحِبِهَا.
مجانا، أما الجلد صار متقوّما بالدباغ، فإذا أخذه يعطيه ما زاد الدباغ فيه (١).
قوله: (فإن جاء صاحبها)؛ أي: بعد التعريف (وإلا تصدق بها) فإذا جاء صاحبها خُيّرَ بين الإجازة والغرم، وبه قال مالك، والثوري، وحسن بن صالح (٢).
وقال الشافعي، وأحمد: فإذا لم يجئ بعد التعريف ملكها الملتقط بحكم القرض، فصارت من ماله كسائر أمواله، غنيًا كان الملتقط أو فقيرًا. وروي مثله عن عمر وابن مسعود وعائشة، وبه قال عطاء وإسحق وابن المنذر.
احتج بحديث زيد بن خالد «فإن لم تُعرَفْ فَاسْتَنْفِقْها» (٣) وفي ثم «كُلها» (٤)، وفي رواية: «فاسْتَمتع بها» (٥) ولأن بالالتقاط بعد التعريف يجوز له تملكه كالفقير.
ولنا: حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ سئل عن اللقطة فقال: «عَرِّفُها حَولًا فَإِنْ جَاءَ رَبُّها وإِلَّا تَصَدَّقْ بِها» (٦) فإن جاء ربها فرضي بالأجر وإلا غرمها، ولأنها ملك الغير فلا يملكها كغيرها، ويتملكها الفقير عندنا؛ لما روى عياض بن حمار
стр. 4275
قَالَ: (فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا) يَعنِي: بَعدَمَا تَصَدَّقَ بِهَا فَهُوَ بِالخِيَارِ: إِنْ شَاءَ أَمضَى الصَّدَقَةَ وَلَهُ ثَوَابُهَا، لِأَنَّ التَّصَدُّقَ وَإِنْ حَصَلَ بِإِذْنِ الشَّرعِ لَم يَحْصُل بِإِذْنِهِ فَيَتَوَقَّفُ عَلَى إِجَازَتِهِ، وَالمِلكُ يَثْبُتُ لِلفَقِيرِ قَبلَ الإِجَازَةِ فَلَا يَتَوَقَّفُ عَلَى قِيَامِ
المجاشعي أنه ﵇ قال: «مَنْ وَجَدَ لُقطَةً فَلْيُشْهِدْ عَلَيْها ذَوَيْ عَدْلٍ وَلَا يكتم، فإِنْ وَجِدَ صَاحِبَها فَلْيَرُدَّها عَلَيْهِ وإِلَّا فَهِيَ مالُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاء» رواه النسائي (١)، وما يضاف إلى الله تعالى إنما يتملكه من يستحق الصدقة، وعن أحمد مثله.
وحديث خالد يمكن أن يكون في فقير، فيحمل عليه جمعا بين الأحاديث، وما قيل: إن حديث أبي هريرة غير ثابت؛ فليس كذلك، بل نقله العدول، وموافق للنصوص في عدم جواز تملك ملك الغير بغير إذنه.
ثم عند الشافعي وأحمد يتملكها حكمًا كالميراث، واختلف أصحاب الشافعي، فقال بعضهم كذلك، وقيل: يتملكها بقوله: (اخترت)، وقيل: بالتصرف فيها، وقيل: بالنية، ولكن يتملكها بعوض يثبت في ذمته لصاحبها، كالقرض إذا تعذر ردها، وبه قال أحمد في رواية، والظاهر عن أحمد أنه يتملكها بغير عوض.
قوله: (والملك يثبت للفقير قبل الإجازة)؛ لأنه تصدق بإذن الشرع، فيملكه الفقير بنفس الأخذ؛ لأن الفقير يأخذ الصدقة من الله تعالى؛ لما روي أنه ﵇ قال: ((الصَّدقَةُ تَقَعُ … )) (٢) الحديث، فلا يتوقف على قيام المحل، حتى
لو هلك اللقطة في يد الفقير تجوز الإجازة.
فإن قيل: لو ثبت الملك بالأخذ ينبغي ألا يأخذه المالك إذا [كان] (٣) قائما في يد الفقير.
стр. 4276
المَحِلِّ، بِخِلَافِ بَيعِ الفُضُولِي لِثُبُوتِهِ بَعدَ الإِجَازَةِ فِيهِ (وَإِنْ شَاءَ ضَمِنَ المُلتَقِطُ) لِأَنَّهُ
قلنا: ثبوت الملك لا يمنع صحة الاسترداد، كالواهب يملك الرجوع، وكالمرتد لو عاد من دار الحرب بعد (١) القسمة بين ورثته.
قوله: (وإن شاء ضمن الملتقط):
فإن قيل: كيف يضمنه وقد تصدق بإذن الشرع؟
قلنا: الشرع أباح له التصدق وما ألزمه ذلك، ومثل هذا الإذن مسقط للإثم عنه، غير مسقط للضمان حقًا لصاحب المال، كتناول المضطر مال الغير، فإن ضمنه يكون الثواب له؛ لأنه ملكه من وقت التصدق، ولا يرجع كل واحد من الفقير والملتقط على الآخر، فأما الملتقط فإنه ملكه بالضمان، وظهر أنه تصدق ملك نفسه، وأما الفقير فإنه في القبض عامل لنفسه، فلا يرجع بما لحقه من الضمان على غيره.
وحكي عن القاضي أبي جعفر أنه كان يقول: ما ذكر في الكتاب من تضمين الملتقط محمول على ما إذا تصدق بغير إذن القاضي، أما لو تصدق بأمره فليس للمالك أن يضمنه، ولكن ليس بصواب؛ إذ تصدق الملتقط بأمر القاضي لا يكون أعلى حالاً من تصدق القاضي بنفسه، وهناك يضمن القاضي، فهاهنا أولى. كذا في الذخيرة، وفتاوى قاضي خان (٢).
وفي السير الكبير: الحاصل: أن التصدق بها رخصة، سواء كان الملتقط حاكما أو غيره؛ إذ الأصل أن يمسكها الإمام ويضعها في بيت المال إلى أن يجيء صاحبها، فإذا تصدق كان كواحد من الرعايا؛ لأن التصدق بها غير داخل تحت ولاية الإمام، ولو كانت اللقطة شيئًا يخاف عليها الفساد فالقاضي بالخيار، إن شاء تصدق بها (٣) وإن شاء باعها، فلو حضر مالكها بعد البيع أخذ الثمن، ولا يضمن القاضي؛ لأنه بيع وجب على الحاكم؛ لأنه خاف الفساد على مال الغائب، وحفظ مال الغائب داخل تحت ولايته بطريق النص، فكان القاضي كالنائب عنه، وهناك لا ضمان فكذا هاهنا، ثم القاضي يمسك الثمن
стр. 4277
سَلَّمَ مَالَهُ إِلَى غَيْرِهِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، إِلَّا أَنَّهُ بِإِبَاحَةٍ مِنْ جِهَةِ الشَّرْعِ، وَهَذَا لَا يُنَافِي الضَّمَانَ حَقًّا لِلعَبْدِ كَمَا فِي تَنَاوُلِ مَالِ الغَيرِ حَالَةَ المَخْمَصَةِ، وَإِنْ شَاءَ ضَمِنَ المِسْكِينُ إِذَا هَلَكَ فِي يَدِهِ، لِأَنَّهُ قَبَضَ مَالَهُ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، وَإِنْ كَانَ قَائِمًا أَخَذَهُ، لِأَنَّهُ وَجَدَ عَينَ مَالِهِ.
قَالَ: (وَيَجُوزُ الالتِقَاطُ فِي الشَّاةِ وَالبَقَرِ وَالبَعِيرِ) وَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ: إِذَا وُجِدَ البَعِيرُ وَالبَقَرُ فِي الصَّحْرَاءِ فَالتَّركُ أَفضَلُ.
إلى أن يجيء صاحبه وإن رأى التصدق فعل، ولو جاء صاحبه ولم يجز صدقته كان له أن يضمنه على ما ذكرنا.
قال الشافعي: لا يبيعه إلا بأمر القاضي، فإن عجز عنه باعه بنفسه، وعندنا وأحمد ومالك: يجوز بيعه بنفسه، وأكله يجوز بالإجماع، فإذا جاء صاحبها يعرفه [بالأكل] (١) بالإجماع.
قوله: (وقال الشافعي ومالك) إلى آخره: وبه قال أحمد.
وفي المغني، والحلية كل حيوان يقوى على الامتناع من صغار السباع وورود الماء لا يجوز التقاطه ولا التعرض له، إلا للإمام أو نائبه للحفظ يجوز أخذها، وللغير يجوز للحفظ لا للتملك في أصح الوجهين؛ لئلا يأخذها خائن، سواء كان لكبر جثته كالإبل والبقر والخيل والبغل، أو لطيرانه كالطيور المملوكة كلها، أو لسرعته كالظباء والصيود المملوكة، أو بنابه كالكلاب والفهود المملوكة (٢).
وعن مالك والليث: في ضالة الإبل لو وجدها في القرى عرفها، وفي الصحراء لا يتعرض لها، وهو رواية المزني عن الشافعي. وعن مالك: أن البقر كالشاة، أما إذا وجدها في مَسْبَعة يغلب على الظن هلاكها، أو في برية لا ماء فيها، ولا مرعى؛ فالأولى أخذها عند الكل.
وفي الوجيز: لو وجدها في بلدة أو قرية أو قريب منهما فوجهان، أحدهما: لا يجوز كالمفازة، وأصحهما: يجوز، وهذا إذا كان في وقت أمن، أما في زمان النهب والفساد يجوز في الصحراء والعمران، وما لا يمتنع من
стр. 4278
وَعَلَى هَذَا الخِلافِ الفَرَسُ لَهُمَا: أَنَّ الأَصلَ فِي أَخذِ مَالِ الغَيرِ الحُرمَةُ وَالإِبَاحَةُ مَخَافَةَ الضَّيَاعِ، وَإِذَا كَانَ مَعَهَا مَا تَدفَعُ عَنْ نَفْسِهَا يَقِلُّ الضَّيَاعُ وَلَكِنَّهُ يُتَوَهَّمُ، فَيَقْضِي بِالكَرَاهَةِ وَالنَّدْبِ إِلَى التَّركِ.
صغار السباع كالكسير والغنم والعجول والفصلان يجوز التقاطه في المفازة، وفي العمران في الأصح (١).
وفي شرح الأقطع: الخلاف في الجواز، وذكر في الكتاب الخلاف في الأفضلية وروايات كتبهم ومتمسكهم يدل على أن الخلاف في الجواز.
لهم: ما روي أنه ﵇ سئل عنها، فقال: «مالك ولها معها حذاؤها وسقاؤها تَرِدُ الماء وتأكُلُ الشجرَ دَعْها حتّى يَجِدَها رَبُّها» (٢). وروي عن جرير بن عبد الله أنه أمر بطرد بقرة لحقت ببقرة حتى توارت، فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لَا يُؤوِي الضَّالَّةَ إِلَّا ضَالُّ» رواه أبو داود (٣). وقال ﵇: «إنّ ضالةَ المُسلم حَرقُ النَّارِ» (٤) رواه جماعة.
ولأن إباحة أخذ مال الغير مخافة ضياعها (وإذا كان معها)؛ أي: مع اللقطة (ما تدفع عن نفسها)؛ أي: صغار السباع، فإن البعير والفرس يصول، والبقر يدفع بقرنيه، فلا يكون في الأخذ صيانة (ولكنه)؛ أي: الضياع (متوهم فيقضى بالكراهة)؛ أي: بكراهة الأخذ، يعني فيه احتمال عدم الرضا من المالك، فيكره الأخذ ويندب الترك، بخلاف ما إذا كان مَسْبَعة فيها كبار السباع؛ حيث يجب
стр. 4279
وَلَنَا: أَنَّهَا لُقَطَةٌ يُتَوَهَّمُ ضَيَاعُهَا فَيُستَحَبُّ أَخذُهَا وَتَعْرِيفُهَا صِيَانَة لِأَمْوَالِ النَّاسِ كَمَا فِي الشَّاةِ (فَإِنْ أَنْفَقَ المُلتَقِطْ عَلَيْهَا بِغَيْرِ إِذنِ الحَاكِمِ فَهُوَ مُتَبَرِّعٌ) لِقُصُورِ وِلَايَتِهِ عَنْ ذِمَّةِ المَالِكِ، وَإِنْ أَنْفَقَ بِأَمْرِهِ كَانَ ذَلِكَ دَيْنًا عَلَى صَاحِبِهَا، لِأَنَّ لِلقَاضِي وِلَايَةٌ
لقطها صيانة لها عن الضياع.
ولنا: ما روي عن عياض أنه ﵇ قد سئل عن الضالة فقال: «عَرِّفها، فإن وجدْتَ ربَّها، وإلا فهي مالُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يشاء» (١). وعن سفيان وروى الطحاوي بإسناده أن ثابت بن الضحاك الأنصاري وجد بعيرًا، فقال له عمر: عرفه، فعرف ذلك ثلاث مرات، ثم جاء إلى عمر، فقال عمر: انزع خطامه وأرسله حيث وجدته.
وسأل رجل عن ابن عمر أني أصبت ناقة، فقال: عَرِّفها، فقال: عرفتها فلم تعرف، فقال: ادفعها إلى الوالي. ولأنها لقطة، فربما تصل إليها يد خائنة، فكان أخذها سببًا لصيانتها كالشاة.
وما روي أنه ﵇ قال: «ضَالَّةُ المُسلِمِ حَرْقُ النَّارِ» (٢) يعني: إذا أخذها للركوب لا للتعريف، ويحتمل أن يكون الإيواء الذي في حديث جرير إيواء لا تعريف مع ذلك، بل هي إيواء لنفسها، بدليل حديث سراقة بن مالك أنه قال: يا رسول الله، أرأيت الضالة ترد على حوض إبلي، ألي أجر إن أسقيتها؟ فقال: «وَفِي الكَبِدِ الحَرَّاءِ أَجْرٌ» (٣) وفي حال سقيه مؤوي لها.
وحديث حذاؤها وسقاؤها محمول على ما لم يخف، أما إذا خيف عليها أخذها للصيانة على ربها أولى.
والحذاء - بكسر الحاء وذال معجمة وألف ممدودة -: أراد به خفافها التي تقوى بها على السير، وأراد بالسقاء إذا وردت الماء تشرب ما يكون ريها من ظمئها.
стр. 4280
فِي مَالِ الغَائِبِ نَظَرًا لَهُ، وَقَدْ يَكُونُ النَّظَرُ فِي الإِنفَاقِ عَلَى مَا نُبَيِّنُ (وَإِذَا رُفِعَ ذَلِكَ إلَى الحَاكِمِ نَظَرَ فِيهِ، فَإِنْ كَانَ لِلبَهِيمَةِ مَنفَعَةٌ آجَرَهَا وَأَنفَقَ عَلَيْهَا مِنْ أُجْرَتِهَا لِأَنَّ فِيهِ إبْقَاءَ العَينِ عَلَى مِلْكِهِ مِنْ غَيْرِ الزَامِ الدِّينِ عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ يُفْعَلُ بِالعَبدِ الْآبِقِ (وَإِنْ لَم تَكُنْ لَهَا مَنفَعَةٌ وَخَافَ أَنْ تَسْتَغرِقَ النَّفَقَةُ قِيمَتَهَا بَاعَهَا وَأَمَرَ بِحِفْظِ ثَمَنِهَا) إِبْقَاء لَهُ مَعنَى عِنْدَ تَعَذَّرِ إِبْقَائِهِ صُورَة وَإِنْ كَانَ الأَصْلَحُ الإِنفَاقَ عَلَيْهَا أَذِنَ فِي ذَلِكَ وَجَعَلَ النَّفَقَةَ دَيْنًا عَلَى مَالِكِهَا) لِأَنَّهُ نُصْبَ نَاظِرًا، وَفِي هَذَا نَظَرٌ مِنْ الجَانِبَينِ، قَالُوا: إِنَّمَا يَأْمُرُ بِالإِنفَاقِ يَومَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ عَلَى قَدرِ مَا يَرَى رَجَاءَ أَنْ يَظْهَرَ مَالِكُهَا، فَإِذَا لَم يَظْهَر يَأْمُرُ بِبَيعِهَا، لِأَنَّ دَارَّةَ النَّفَقَةِ مُستَأصَلَةٌ فَلَا نَظَرَ فِي الإِنفَاقِ مُدَّة مَدِيدَة.
قَالَ ﵁: وَفِي الأَصل شَرطُ إِقَامَةِ البَيِّنَةِ وَهُوَ الصَّحِيحُ، لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ غَصْبًا فِي يَدِهِ، فَلَا يَأْمُرُ فِيهِ بِالإِنفَاقِ، وَإِنَّمَا يَأْمُرُ بِهِ فِي الوَدِيعَةِ فَلَا بُدَّ مِنْ البَيِّنَةِ لِكَشفِ الحَالِ وَلَيْسَتِ البَيِّنَةُ تُقَامُ لِلقَضَاءِ.
وَإِنْ قَالَ: «لَا بَيِّنَةَ لِي» يَقولُ القَاضِي لَهُ: «أَنفِق عَلَيْهِ إِنْ كُنْتَ صَادِقًا فِيمَا قُلتَ» حَتَّى يَرجِعَ عَلَى المَالِكِ إِنْ كَانَ صَادِقًا، وَلَا يَرْجِعُ إِنْ كَانَ غَاصِبًا.
قوله: (نظرًا من الجانبين)؛ أي: جانب المالك بإيفاء عين ماله وجانب الملتقط بالرجوع.
قوله: (في الأصل)؛ أي: المبسوط شرط إقامة البينة حيث قال: فإن رفعها إلى القاضي وأقام بينة أنه التقطها أمره بأن ينفق عليها.
وقوله: (وليست)؛ أي: البينة تقام للقضاء؛ جواب سؤال وهو أن يقال: البينة لا تقبل فأجاب عنه وقال: هذه بينة تقام لكشف الحال لا للقضاء، يعني يعلم القاضي أنها لقطة حتى يأمره بالإنفاق، والخصم في مثل هذا ليس بشرط.
وفي الذخيرة: فطريق قبولها أن الإمام خصم فيها عن صاحبها.
(وإن قال)؛ أي: الملتقط (لا بينة لي) إلى آخره:
وفي الذخيرة: أمره بالإنفاق مقيدا بين يدي الثقات بأن قال: أمرته بالإنفاق أو بالبيع إن كان الأمر كما قاله، وإن كان خلاف ذلك فلا أمره بشيء، وهذا احتياط نظرا من الجانبين وهو الأصح.
وفي رواية: يرجع بمجرد الأمر، وقد بيناه في اللقيط.
стр. 4281
وَقَوْلُهُ فِي الكِتَابِ: وَجَعَلَ النَّفَقَةَ دَينا عَلَى صَاحِبِهَا، إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُ إِنَّمَا يَرْجِعُ عَلَى المَالِكِ بَعدَ مَا حَضَرَ وَلَم تُبَع اللُّقَطَةُ إِذَا شَرَطَ القَاضِي الرُّجُوعَ عَلَى المَالِكِ، وَهَذِهِ رِوَايَةٌ، وَهُوَ الأَصَحُ. قَالَ: (وَإِذَا حَضَرَ) يَعْنِي المَالِكُ فَلِلْمُلْتَقِطِ أَنْ يَمَنَعَهَا مِنْهُ حَتَّى يُحضِرَ النَّفَقَةَ لِأَنَّهُ حَيِيَ بِنَفَقَتِهِ، فَصَارَ كَأَنَّهُ اسْتَفَادَ المِلكَ مِنْ جِهَتِهِ فَأَشْبَهَ المَبِيعَ؛ وَأَقْرَبُ مِنْ ذَلِكَ رَادُّ الآبِقِ، فَإِنَّ لَهُ الحَبسَ لِاسْتِيفَاءِ الجُعَلِ لِمَا ذَكَرنَا، ثُمَّ لَا يَسْقُطُ دَينُ النَّفَقَةِ بِهَلَاكِهِ فِي يَدِ المُلتَقِطِ قَبلَ الحَبسِ، وَيَسْقُطُ إِذَا هَلَكَ بَعدَ الحَبسِ، لِأَنَّهُ يَصِيرُ بِالحَبْسِ شَبِيهَ الرَّهْنِ.
قَالَ: (وَلُقَطَةُ الحِلِّ وَالحَرَمِ سَوَاءٌ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يَجِبُ التَّعْرِيفُ فِي لُقَطَةِ الحَرَمِ إِلَى أَنْ يَجِيءَ صَاحِبُهَا لِقَولِهِ ﵊ فِي الحَرَمِ: «وَلَا يَحِلُّ لُقَطَتُهَا إِلَّا لِمُنشِد» وَلَنَا: قَولُهُ ﵊: «اعرِف عِفَاصَهَا وَوِكَاءَهَا ثُمَّ
وقوله: (لما ذكرنا) إشارة إلى قوله: (لا يرضي بنفقته).
قوله: (لأنه)؛ أي: اللقطة على تأويل المذكور سببه الرهن، من حيث تعلق حقه به كالوكيل بالشراء إذا نقد الثمن من ماله له أن ير يرجع إلى الموكل، ولو تملك المبيع قبل الحبس لا يسقط ما وجب له على الموكل، ولو هلك المبيع قبل الحبس لا يسقط ما وجب له على الموكل ولو هلك بعد حبسه يسقط؛ لأنه في معنى الرهن عند اختيار الحبس.
قوله: (ولقطة الحل والحرم سواء) وبه قال مالك وأحمد والشافعي في قول. وقال في قول: يُعرفها حتى يجيء صاحبها، وبه قال أحمد في رواية؛ لقوله ﵇ في مكة: (لا يَحِلُّ لُقَطَتُها) وفي رواية: (ساقطَتُها إلّا لِمُنْشِدِها) (١).
قال أبو عبيد: المنشد: المُعرّف، والناشد الطالب معناه: لا تحل لقطة مكة إلا لمن يُعَرِّفها. وقيل: لا يصح تمسكه إلا إذا جعل المنشد بمعنى الناشد، وجعل (إلا) بمعنى (لا)، تقديره لا يحل لقطتها لا لغير الملتقط ولا للملتقط.
стр. 4282
عَرِّفْهَا سَنَةً» مِنْ غَيْرِ فَصلٍ وَلِأَنَّهَا لُقَطَةٌ، وَفِي التَّصَدُّقِ بَعدَ مُدَّةِ التَّعْرِيفِ إِبْقَاءُ مِلكِ المَالِكِ مِنْ وَجْه فَيَمْلِكُهُ كَمَا فِي سَائِرِهَا، وَتَأْوِيلُ مَا رُوِيَ: أَنَّهُ لَا يَحِلُّ الالتِقَاطُ إِلَّا لِلتَّعرِيفِ، وَالتَّحْصِيصُ بِالحُرمِ لِبَيَانِ أَنَّهُ لَا يَسقُطُ التَّعْرِيفُ فِيهِ لِمَكَانِ أَنَّهُ لِلغُرَبَاءِ ظَاهِرًا.
(وَإِذَا حَضَرَ رَجُلٌ فَادَّعَى اللُّقَطَةَ لَم تُدفَع إِلَيْهِ حَتَّى يُقِيمَ البَيِّنَةَ. فَإِنْ أَعْطَى عَلَامَتَهَا حَلَّ لِلمُلْتَقِطِ أَنْ يَدفَعَهَا إِلَيْهِ، وَلَا يُجبَرُ عَلَى ذَلِكَ فِي القَضَاءِ). وَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى: يُجبَرُ، وَالعَلَامَةُ مِثْلُ أَنْ يُسَمِّيَ وَزِنَ الدَّرَاهِمِ وَعَدَدَهَا وَوِكَاءَهَا
وروى أنه ﵇ «نهى عن لقطة الحاج» رواه مسلم (١) يعني: يتركها حتى يجيء صاحبها. قاله ابن وهب.
ولنا: قوله ﵇: «اِعْرِفْ عِفَاصَها وَوَكاءَها ثُمَّ عَرِّفُها سَنَةً» (٢) لا فصل بين لفظة الحل والحرم.
العفاصُ: الوعاء الذي تكون فيه النفقة من جلد أو خرقة أو غير ذلك.
والوكاء الرباط الذي يشد به، وما رواه محمول على نفي حل الالتقاط إلا للتعريف، ولهذا ذكر في رواية أخرى: «ولا يلتقط لقطةً إلا من عَرَّفها» (٣) والتخصيص بالحرم لبيان أنه لا يسقط فيه باعتبار أنها للغرباء ظاهرا، فيؤوّل ويقول: إن مالكها ذهب فلا يحتاج إلى التعريف (٤)، فأزال ﵇ هذا الوهم بقوله: (إلّا لِمُنشِدِها) أي: لِمُعَرِّفها، أي:
لا يعرفها إلا من يعرفها.
قوله: (وقال مالك والشافعي: يجبر) هكذا وقع في نسخ أصحابنا، ولكن القائل بوجوب الدفع بالعلامة مالك وأحمد وداود وابن المنذر، فإن في كتب الشافعي قوله كقولنا.
стр. 4283
وَوِعَاءَهَا. لَهُمَا: أَنَّ صَاحِبَ اليَدِ يُنَازِعُهُ فِي اليَدِ وَلَا يُنَازِعُهُ فِي المِلكِ، فَيُشْتَرَطُ الوَصفُ لِوُجُودِ المُنَازَعَةِ مِنْ وَجه، وَلَا تُشْتَرَطُ إِقَامَةُ البَيِّنَةِ لِعَدَمِ المُنَازَعَةِ مِنْ وَجِهِ.
وَلَنَا: أَنَّ اليَدَ حَقٌّ مَقْصُودٌ كَالمِلكِ، فَلَا يُسْتَحَقُّ إِلَّا بِحُجَّةٌ وَهُوَ البَيِّنَةُ اعْتِبَارًا بِالمِلكِ، إِلَّا أَنَّهُ يَحِلُّ لَهُ الدَّفْعُ عِنْدَ إِصَابَةِ العَلَامَةِ لِقَولِهِ ﵊: «فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا وَعَرَفَ عِفَاصَهَا وَعَدَدَهَا فَادْفَعهَا إِلَيْهِ» وَهَذَا لِلإِبَاحَةِ عَمَلًا بِالمَشْهُورِ، وَهُوَ قَولُهُ ﵊: «البَيِّنَةُ عَلَى المُدَّعِي» الحَدِيثَ وَيَأْخُذُ مِنْهُ كَفِيلًا إِذَا كَانَ يَدفَعُهُ إِلَيْهِ اسْتِيثَاقًا، وَهَذَا بِلَا خِلَاف، لِأَنَّهُ يَأخُذُ الكَفِيلَ لِنَفْسِهِ، بِخِلَافِ
واحتجوا بقوله ﵇: «فإن جاء أحدٌ يُخبرك بعدَدِها وَوِعائِها وَوَكَائِها فادْفَعها إليه» (١) ولأن صاحب اليد، إلى آخره.
ولنا: أن اليد حق مقصود كالملك، بدليل وجوب الضمان على غاصب المدبر باعتبار إزالة اليد، فكان يدعي مالا في يد غيره، فيحتاج إلى البينة؛ لقوله ﵇: «البَيِّنَةُ عَلَى المُدَّعِي» (٢) والعلامة لا تدل على أنها له، فقد يقف المرء على مال صديقه وقد لا يقف على مال نفسه، وحل الدفع عند إصابة العلامة بالحديث.
قوله: (وهذا)؛ أي: قوله ﵇: «ادْفَعْهَا» للإباحة؛ لأن الأمر يجيء لها، يعني: يحمل عليه جمعا بين الحديث المشهور وبينه.
قوله: (ويأخذ منه)؛ أي من صاحبها كفيلا، يعني إذا دفعها بالعلامة، أما لو دفعها بالبينة، فعن أبي حنيفة روايتان والصحيح أنه لا يأخذ كفيلا. كذا في جامع قاضي خان.
(عنده)؛ أي: عند أبي حنيفة، ورد الضمير إليه وإن لم يسبق ذكره؛ لشهرة
حكم تلك المسألة.
стр. 4284
التَّكْفِيلِ لِوَارِثٍ غَائِبٍ عِنْدَهُ. وَإِذَا صَدَّقَهُ قِيلَ: لَا يُجْبَرُ عَلَى الدَّفْعِ كَالوِكِيلِ بِقَبْضِ الوَدِيعَةِ إِذَا صَدَّقَهُ.
وَقِيلَ: يُجْبَرُ، لِأَنَّ المَالِكَ هَاهُنَا غَيْرُ ظَاهِرٍ وَالمُودِعُ مَالِكٌ ظَاهِرًا، (وَلَا
صورته: ميراث قسم بين الغرماء أو الورثة، لا يؤخذ من الغريم ولا من الوارث كفيل عند أبي حنيفة، وعندهما يؤخذ.
والفرق لأبي حنيفة: أن حق الحاضر هاهنا غير ثابت، فيمكن أن يكون غيره، فيجيء فيضمنه ولا يتمكن من الرجوع على الآخذ؛ لأنه قد يتوارى فيحتاط بأخذ الكفيل، أما في الميراث فحق الحاضر ثابت ومعلوم، وحق الآخر موهوم، فلا يجوز تأخير حق الحاضر الثابت لموهوم، وهذا التعليل يدل على أن الدفع لو كان بالبينة لا يأخذ الكفيل.
قوله: (لأن المالك هاهنا)؛ أي: مالك آخر غير هذا المدعي في اللقطة (غير ظاهر) ولما أقر هو المالك يلزمه إقراره فيجبر بالدفع، وفي الوديعة بعدما صدقه فالملك لغير من حضر، وهو المودع، والمودع أقر له بحق القبض في ملك الغير، وإقراره في ملك الغير غير ملزم، ولو الملتقط بالتصديق أو بالعلامة وجاء آخر وأقام البينة، فإن كانت اللقطة قائمة في يد الآخر انتزعت منه؛ لأن البينة أقوى من الوصف، وإن كانت هلكت فلصاحبها أن يضمن من شاء من الدافع والآخذ، وبه قال الشافعي وأحمد.
وقال ابن القاسم: صاحب مالك وأبو عبيد لا يلزم على الملتقط شيء؛ لأنه فعل ما أمر به، كما لو دفعها بأمر الحاكم؛ إذ الدفع واجب عليه.
وقلنا: دفع مال غيره بغير أمره إلى غير مستحقه فضمنها، كما لو دفع الوديعة إلى غير مالكها، ولو ضمن الملتقط يرجع على الآخذ؛ لأنه كان سبب تضمينه. وعند أحمد: لو دفعه بتصديق الواصف لا يرجع عليه؛ لأنه اعترف أنه صاحبها ومستحقها، وصاحب البينة ظلمه بتضمينه. وعندنا يرجع في هذه الصورة أيضا؛ لأنه وإن صدقه فقد كان ذلك منه اعتمادا على ظاهر، ولا بقاء له بعد
стр. 4285
يَتَصَدَّقُ بِاللُّقَطَةِ عَلَى غَنِيٌّ) لِأَنَّ المَأْمُورَ بِهِ هُوَ التَّصَدُّقُ لِقَولِهِ ﵊: (فَإِنْ لَم يَأْتِ) يَعْنِي صَاحِبَهَا، فَلْيَتَصَدَّق بِها وَالصَّدَقَةُ لَا تَكُونُ عَلَى غَنِيٌّ فَأَشِبَهَ الصَّدَقَةَ المَفْرُوضَةَ وَإِنْ كَانَ المُلتَقِطُ غَنِيًّا لَم يَجُز لَهُ أَنْ يَنتَفِعَ بِهَا وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يَجُوزُ لِقَولِهِ ﵊ فِي حَدِيثِ أُبَيِّ ﵁: «فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا فَادْفَعهَا إِلَيْهِ وَإِلَّا فَانتَفِع بِهَا» وَكَانَ مِنْ المَيَاسِيرِ، وَلِأَنَّهُ إِنَّمَا يُبَاحُ لِلفَقِيرِ حَمَلًا لَهُ عَلَى رَفِعِهَا
الحكم بخلافه، والمقر إذا صار مُكذبًا في إقراره يسقط إقراره، كالمشتري إذا أقر بالملك للبائع ثم استحق المبيع إنسان من يده، يرجع على البائع بالثمن. كذا في فتاوى قاضي خان.
وفي المبسوط: في زعم الملتقط أن القابض عامل لنفسه، وأنه ضامن بعدما ثبت الملك لغيره، أما في الوديعة لو صدقه الوكيل ودفع الوديعة إليه بالتصديق، ثم حضر المودع وأنكر الوكالة وضمنه لا يرجع على الوكيل؛ لزعمه أن الوكيل قبضه بأمره وهو مظلوم، والمودع ظالم، والمظلوم لا يظلم غيره (١).
قوله: (وقال الشافعي: يجوز) الانتفاع والتملك بطريق القرض كما بينا، وبه قال أحمد؛ لحديث أبي فإنه قال: وجدت مائة دينار، فأخبرت النبي ﷺ بذلك، فقال له ﵇ بعدما عَرَّفها ثلاث سنين: «اخلطها بمالك، فإن جاء صاحبها وإلا انتفع بها فإنها رِزْقٌ سَاقَهُ اللهُ إِليكَ» (٢) وكان أبي من المياسير، حيث قال: اخلطها بمالك.
و (المياسير) جمع ميسور ضد المعسور، وهما صفتان عند سيبويه، مصدران عند غيره.
قوله: (ولأنه إنما يباح) إلى آخره: يعني: حل الانتفاع للفقير بعد التعريف لا للتصديق، بل يصير ذلك سببا للالتقاط، فيصير المال محفوظا على المالك،
стр. 4286
صِيَانَة لَهَا وَالغَنِيُّ يُشَارِكُهُ فِيهِ.
وَلَنَا: أَنه مَالُ الغَيرِ، فَلَا يُبَاحُ الانتِفَاعُ بِهِ إِلَّا بِرِضَاهُ، لِإِطْلَاقِ النُّصُوصِ، وَالإِبَاحَةُ لِلفَقِيرِ لِمَا رَوَيْنَاهُ، أَوْ بِالإِجْمَاعِ فَيَبقَى مَا وَرَاءَهُ عَلَى الأَصْلِ، وَالغَنِيُّ مَحْمُولٌ عَلَى الأَخذِ لِاحْتِمَالِ افتِقَارِهِ فِي مُدَّةِ التَّعْرِيفِ، وَالفَقِيرُ قَدْ يَتَوَانَى لِاحْتِمَالِ اسْتِغْنَائِهِ فِيهَا وَانتِفَاعُ أُبَيِّ ﵁ كَانَ بِإِذنِ الْإِمَامِ وَهُوَ جَائِزٌ بِإِذْنِهِ … ... …
فإنه متى علم أنه لا يحل له الانتفاع بعد التعريف يرغب في الالتقاط، والغني يشارك الفقير في هذا المعنى، فشاركه في حل الانتفاع.
قوله: (لإطلاق النصوص)؛ أي: النصوص المحرمة لتعرض ملك الغير بغير رضاه، قال تعالى: ﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تجَرَةً عَنْ تَرَاضِ مِنكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَعْتَدُوا﴾ [المائدة: ٨٧] وقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٥].
(والإباحة للفقير لما رويناه)؛ وهو قوله ﵇: «فَلْيَتَصَدَّقْ بِهِ» فعلم أن الإباحة له بطريق التصدق.
قوله: (على الأصل)؛ وهو أن الأصل حرمة الانتفاع بمال الغير بغير إذنه.
(جائز بإذنه)؛ أي: بإذن الإمام؛ لأنه في محل يجتهد فيه. أو عند الشافعي يحل للغني، أو انتفاعه بحكم القرض بإذن الإمام، فإن للإمام أن يقرضها من الملتقط وغيره، ولا كلام فيه، وإنما الكلام في الانتفاع بحكم القرض بغير إذن الإمام، على أنه يحتمل أنه ﵇ علم فقره وحاجته كديون عليه، فأذن له في الانتفاع بها، والخلط بماله، ويحتمل أن ماله دون النصاب، ويحتمل أن ذلك المال كان لحربي لا أمان له، وذلك لأن دار الإسلام يومئذ لم يكن له سعة، وقد عرف بها ثلاث سنين، فكان الظاهر أنها لو كانت لمسلم لظهر، فلما لم يظهر علم أنها لحربي وقد سبقت يده إليه، فجعله النبي ﵇ أحق لهذا، وإليه أشار النبي ﵇ بقوله: «فإنها رِزْقُ اللهِ ساقَهُ إليك» ولكن مع هذا أمره بأن يعرف عددها ووكاءها، حتى لو جاء صاحبها يمكن من الخروج مما عليه بدفع مثلها
стр. 4287
(وَإِنْ كَانَ المُلْتَقِطُ فَقِيرًا فَلَا بَأسَ بِأَنْ يَنتَفِعَ بِهَا) لِمَا فِيهِ مِنْ تَحْقِيقِ النَّظَرِ مِنْ الجَانِبَينِ، وَلِهَذَا جَازَ الدَّفْعُ إِلَى فَقِيرٍ غَيْرِهِ (وَكَذَا إِذَا كَانَ الفَقِيرُ أَبَاهُ أَوْ ابنَهُ أَوْ زَوجَتَهُ وَإِنْ كَانَ هُوَ غَنِيًّا) لِمَا ذَكَرنَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
إليه؛ لما فيه من تحقيق النظر من الجانبين جانب المالك بالثواب، وجانب الملتقط بالانتفاع.
وقوله: (لما ذكرنا) إشارة إلى قوله: (لما فيه من تحقيق النظر بالجانبين).
ولو التقط العبد شيئًا بغير إذن مولاه يجوز عندنا ومالك وأحمد والشافعي في قول، فإذا أتواه طولب ربه بقضاء الدين أو البيع فيه، سواء أتواه قبل التعريف أو بعده، وبه قال أحمد والشافعي في وجه؛ لأنه ضمان جناية، فيتعلق برقبته ويظهر في حق المولى.
وعند مالك: إن أتلفه قبيل التعريف يؤمر المولى بالدفع والفداء، وإن أتلفه بعد التعريف يطالب العبد بعد العتق؛ لأن الشرع أذن له في الانتفاع، فكان ضمانا يخصه، فلا يظهر في حق المولى.
стр. 4288
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
كِتَابُ الإِبَاقِ
(الآبِقُ أَخذُهُ أَفضَلُ فِي حَقٌّ مَنْ يَقوَى عَلَيْهِ) لِمَا فِيهِ مِنْ إِحيَائِهِ، وَأَمَّا الضَّالُّ فَقَد قِيلَ كَذَلِكَ، وَقَدْ قِيلَ: تَركُهُ أَفضَلُ، لِأَنَّهُ لَا يَبْرَحُ مَكَانَهُ فَيَجِدُهُ المَالِكُ، وَلَا
كتاب الإباق
ألحق الإباق باللقطة لمناسبة ظاهرة واللقطة والإباق والمقصود متجانسة من حيث إن في كل منهما عرضة الزوال والهلاك.
في المبسوط (١): الإباق تمرد في الانطلاق، وهو من سوء الأخلاق ورداءة الأعراق، يظهر العبد عن نفسه فرارًا لتصير ماليته ضمارًا، فرده إلى مولاه إحسان، (وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان).
و (الإباق) لغة: الهرب من باب ضرب ونصر.
قوله: (من يقوى)؛ أي: يقدر على الأخذ، ولا يُعلم فيه خلاف بين أهل العلم.
قوله: (لأنه لا يبرح مكانه)؛ أي: الضال بطلب مالكه (فلا يبرح مكانه) ظاهرا فيجده مالكه، بخلاف الأبق؛ لأنه يخفى عنه.
وفي المبسوط: لو حبس السلطان الآبق فجاء واحد وأقام بينة أنه له، يُحلّفه بالله ما بعته ولا وهبته ثم يدفعه إليه؛ لأنه يحتمل أنه باعه أو وهبه، ولا تعرف الشهود ذلك (٢)، والاستحلاف مع أنه ليس فيه خصم يدعي لا يجوز، إلا أنه يستحلفه لصيانة قضائه عن الخطأ بحسب الإمكان، ونظرًا لمن هو عاجز عن النظر لنفسه من مشتراه بموهوب له ولو دفعه، وفي أخذ الكفيل عنه روايتان،
стр. 4289
كَذَلِكَ الْآبِقُ ثُمَّ آخِذُ الْآبِقِ يَأْتِي بِهِ إِلَى السُّلطَانِ، لِأَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى حِفْظِهِ بِنَفْسِهِ، بِخِلَافِ اللُّقَطَةِ، ثُمَّ إِذَا رُفِعَ الآبِقُ إِلَيْهِ يَحْبِسُهُ، وَلَو رُفِعَ الضَّالُّ لَا يَحْبِسُهُ، لِأَنَّهُ لَا يُؤْمَنُ عَلَى الْآبِقِ الإِبَاقُ ثَانِيَا: بِخِلَافِ الضَّالِّ. قَالَ: (وَمَنْ رَدَّ الْآبِقَ عَلَى مَولَاهُ مِنْ مَسِيرَةِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فَصَاعِدًا فَلَهُ عَلَيْهِ جُعلُهُ أَرْبَعُونَ دِرهَمًا، وَإِنْ رَدَّهُ لِأَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ فَبِحِسَابِهِ) وَهَذَا اسْتِحْسَانٌ.
وَالقِيَاسُ: أَنْ لَا يَكُونَ لَهُ شَيْءٌ إِلَّا بِالشَّرطِ وَهُوَ قَولُ الشَّافِعِيِّ ﵀، لِأَنَّهُ مُتَبَرِّعُ بِمَنَافِعِهِ فَأَسْبَهَ العَبدَ الضَّالَّ.
ولو دفعه بإقرار العبد بلا بينة يأخذ كفيلا، ويجوز الدفع بإقراره؛ لأن العبد في يد نفسه، فيعتبر إقراره كما لو ادعى الحرية.
قيل في الفرق بين الضال والآبق: أن الآبق من يَفِرُّ من مولاه قصدًا، والضال من ضل الطريق، وهو في ذلك غير قاصد.
قوله: (يأتي به)؛ أي: بالآبق إلى السلطان، وهذا اختيار السرخسي. وقال الحلواني: الأخذ بالخيار: إن شاء حفظه بنفسه، وإن شاء دفعه إلى الإمام، وكذا واجد الضال، والضالة بالخيار. كذا في الذخيرة.
قوله: (وهو)؛ أي: القياس (قول الشافعي) وابن المنذر والنخعي وبعض أصحاب أحمد، ولكن له ما اتفق عليه ويجب الشرط بأن قال: من رد علي آبقي فله كذا.
(لأنه)؛ أي: الرد (تبرع بمنافعه) على سيده، ولو تبرع بغيره من أعيان ماله، أو رد الضال لا يستوجب الأجر إلا بالشرط، فكذا هذا.
وقلنا ومالك وأحمد في رواية: له الجعل استحسانا، إلا أن مالكا يقول: إن كان بذلك معروفا يستحق الجعل، وإلا فلا؛ لأن الصحابة اتفقوا على أصل الجعل، وإن اختلفوا في مقداره، فقال عمر ﵁: دينار أو اثنا عشر درهما. وقال علي: دينار وعشرة دراهم. وقال ابن مسعود حين قدم رجل بإباق من الفيوم، فقال القوم: لقد أصاب أجرًا، وقال ابن مسعود: وجعلًا أيضًا إن شاء، من كل رأس أربعين درهما، فأخذنا بإجماعهم في أصل الجعل، وكفى
стр. 4290
وَلَنَا: أَنَّ الصَّحَابَةَ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِم - اتَّفَقُوا عَلَى وُجُوبِ أَصلِ الجُعلِ، إِلَّا أَنَّ مِنهُم مَنْ أَوجَبَ أَربَعِينَ، وَمِنهُم مَنْ أَوجَبَ مَا دُونَهَا، فَأَوجَبنَا الأَربَعِينَ فِي مَسِيرَةِ السَّفَرِ وَمَا دُونَهَا فِيمَا دُونَهُ تَوفِيقًا وَتَلفِيقًا بَينَهُمَا، وَلِأَنَّ إِيجَابَ الجُعَلِ أَصْلُهُ حَامِلٌ عَلَى الرَّدِّ، إذ الحِسبَةُ نَادِرَةٌ فَتَحْصُلُ صِيَانَةُ أَمْوَالِ النَّاسِ، وَالتَّقْدِيرُ … ...
بإجماعهم حجة، ورجحنا قول ابن مسعود في مقداره؛ لأنه قال في مجلسه ذلك، واشتهر منه ولم ينكر عليه أحد.
وعن أحمد: إن رده من المصر له عشرة دراهم أو دينار، وإن رده من خارجه، سواء كان مدة سفر أو لا؛ فله أربعون. وقال مالك: له أجر مثله في قدر تعبه وسفره وتكلف طلبه إن كان ممن شأنه وعادته طلب الإباق، وإن لم يكن فمن نصب نفسه لذلك فله نفقته عليه؛ لأنه لما اختلف فيه الصحابة علم أنه [غير] (١) مقدر بشيء معين، فيجب أجر المثل.
فإن قيل: ينبغي أن يؤخذ بالأقل المتيقن لا بالأكثر المشكوك.
قلنا: إنما لم يؤخذ بالأقل؛ لأن التوفيق بين أقاويلهم ممكن، بأن يحمل قول من أفتى بالأقل على ما إذا رده فيما دون مدة السفر، وقول من أفتى بالأكثر على ما إذا رده من مسيرة السفر، كما فسره عمار، فإن قوله: (إن أخذه في المصر) كناية عما دون مدة السفر، وقوله: (إن أخذ خارج المصر) كناية عن مسيرة السفر؛ إذ الأخذ بالأقل إنما يكون إذا لم يمكن التوفيق، وهذا معنى قول صاحب الكتاب: (توفيقا وتلفيقا).
والتلفيق: الضم، يقال: لفقت الثوب الفقه، وهي أن تضم شقة إلى أخرى.
كذا في الصحاح (٢).
ولأن نصب المقادير بالرأي لا يكون، فلا طريق لما ثبت عنهم من الفتوى إلا السماع، فكأن كلا منهم روى ما قاله عن النبي ﷺ ، والمثبت للزيادة في الأخبار عند التعارض أولى، فلذا أخذنا بالأكثر.
قوله: (إذ الحسبة نادرة): يعني: الزاد يحتاج إلى غناء وعناء في رده،
стр. 4291
بِالسَّمعِ وَلَا سَمعَ فِي الضَّالِّ فَامْتَنَعَ، وَلِأَنَّ الحَاجَةَ إِلَى صِيَانَةِ الضَّالِّ دُونَهَا إِلَى صِيَانَةِ الْآبِقِ، لِأَنَّهُ لَا يَتَوَارَى وَالآبِقُ يَحْتَفِي، وَيُقَدَّرُ الرَّضِخُ فِي الرَّدِّ عَمَّا دُونَ السَّفَرِ باصطلاحِهِمَا، أَوْ يُفَوَّضُ إِلَى رَأي القَاضِي، وَقِيلَ: تُقَسَّمُ الْأَرْبَعُونَ عَلَى الأَيَّامِ الثَّلَاثَةِ، إذ هِيَ أَقَلُّ مُدَّةِ السَّفَرِ.
وقلما يرغب الناس في التزام ذلك حسبة، ففي إيجاب الجعل له ترغيب له في رده، فتحصل صيانة الأموال.
قوله: (والسمع)؛ أي: الدليل السمعي وهو الإجماع، ورد في الآبق، فبقي الضال على القياس، وامتنع الإلحاق دلالة؛ لأن الحاجة إلى صيانة الآبق فوق الحاجة إلى صيانة الضال؛ لأنه لا يبرح مكانه، فيجده سده ساعة فساعة، بخلاف الآبق فإنه يتوارى عنه ويفر، فلا يصل إليه ظاهرا، ولا خلاف لأهل العلم أن في رد الضال واللقطة لا يجب شيء، أما لو تبرع به يكون حسنًا، ولو رده لأكثر مدة السفر لا يزاد على أربعين؛ لأن التقدير في مسيرة السفر ثابت شرعا، والثابت شرعا لا يجوز، وهذا لأن أدنى مدة السفر معلوم، ولا نهاية لما وراء ذلك، والحكم لا يتغير به شرعا، كسائر الأحكام المتعلقة بالسفر. يؤيده: ما قال ابن مسعود فيمن رد من الفيوم إلى مكة في كل رأس أربعين درهما.
قوله: (ويقدر الرضخ) إلى آخره.
فإن قيل: هذا تكرار لما ذكر قبله (وإن رده لأقل من ذلك فبحسابه).
قلنا: هذه الأوجه الثلاثة تفسير وتفصيل لما ذكره أولا، فإن التقدير الشرعي إذا ثبت على خلاف القياس فيمنع أن يكون لما دون المقدر حكم المقدر، فقال في الاستحسان: ينبغي أن يرضخ.
وفي الذخيرة: ولو كان الآبق لرجلين فالجعل على قدر أنصبائهما، ولو كان أحدهما غائبا فليس للحاضر أن يأخذه حتى يعطي الجعل كله، ولا يكون متبرعا في نصيب الغائب، بل يرجع عليه، ولو قال لواحد: عبدي أبق، فإن وجدته خذه، فقال المأمور: نعم ووجده على مسيرة السفر ورده على سيده؛ لا جعل له؛ لأن المولى استعان منه في رده، وقد وعد له الإعانة، والمعين لا يستحق شيئًا.
стр. 4292
قَالَ: (وَإِنْ كَانَتْ قِيمَتُهُ أَقَلَّ مِنْ أَربَعِينَ يُقضَى لَهُ بِقِيمَتِهِ إِلَّا دِرْهَما) قَالَ ﵁: وَهَذَا قَولُ مُحَمَّد. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ: لَهُ أَرْبَعُونَ دِرْهَماً (*)، لِأَنَّ التَّقْدِيرَ بِهَا ثَبَتَ بِالنَّصِّ فَلَا يَنقُصُ عَنهَا وَلِهَذَا: لَا يَجُوزُ الصُّلْحُ عَلَى الزِّيَادَةِ، بِخِلَافِ الصُّلِحِ عَلَى الْأَقَلِّ لِأَنَّهُ حَطَّ مِنْهُ.
وَلِمُحَمَّد: أَنَّ المَقصُودَ حَملُ الغَيرِ عَلَى الرَّدِّ لِيَحيَا مَالُ المَالِكِ فَيَنقُصُ دِرْهَم لِيَسلَمَ لَهُ شَيْءٌ تَحقِيقًا لِلفَائِدَةِ، وَأُمُّ الوَلَدِ وَالمُدَبَّرِ فِي هَذَا بِمَنزِلَةِ القِنِّ، إِذَا كَانَ الرَّدُّ في حَيَاةِ المَولَى لِمَا فِيهِ مِنْ إِحْيَاءِ مِلْكِهِ؛ وَلَو رَدَّ بَعدَ مَمَاتِهِ لَا جُعَلَ فِيهِمَا، لِأَنَّهُمَا يُعتَقَانِ بِالمَوتِ بِخِلَافِ القِنِّ، وَلَو كَانَ الرَّادُّ أَبَا المَولَى أَوْ ابنَهُ وَهُوَ فِي عِيَالِهِ أَوْ
قوله: (وقال أبو يوسف له أربعون) وبه قال أحمد.
قوله: (فينقص درهم)؛ لأن ما دون الدرهم كسور، ولا يجوز اعتباره شرعا لتفسيره.
قوله: (تحقيقًا للفائدة)؛ أي: فائدة إيجاب الجعل؛ إذ وجوبه ثبت إحياءً لحقوق الناس نظرًا لهم، ولا نظر في إيجاب الجعل بمنزلة القنّ.
فإن قيل: الجعل يجب بإحياء المالية، ولا مالية لأم الولد، خصوصا عند أبي حنيفة.
قلنا: المالك أحق بكسبها، ولها مالية باعتبار كسبها، وقد أحياه بالرد، فيوجب الرَّدُّ الجعل، بخلاف المكاتب؛ فإنه أحق بمكاسبه، فلا يكون راده مجيبا للمولى مالية، لا باعتبار الرقية ولا باعتبار الكسب. كذا في المبسوط (١).
قوله: (لأنهما)؛ أي: المدبر وأم الولد (معتقان) أما عتق المدبر بالموت، فإن خرج من الثلث يعتق بالاتفاق، وإن لم يخرج يعتق ثلثه، فيعتق كله عندهما، وعند أبي حنيفة: يصير كالمكاتب ولا جعل لراد المكاتب، وأما عتق أم الولد فظاهر.
قوله: (وهو في عياله): الضمير يرجع إلى الراد، والجملة في ذلك: أن
стр. 4293
أَحَدَ الزَّوجَينِ عَلَى الْآخَرِ فَلَا جُعَلَ، لِأَنَّ هَؤُلَاءِ يَتَبَرَّعُونَ بِالرَّدِّ عَادَةٍ وَلَا يَتَنَاوَلُهُم إطلاق الكِتَابِ.
قَالَ: (وَإِنْ أَبَقَ مِنَ الَّذِي رَدَّهُ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ) لِأَنَّهُ أَمَانَةٌ فِي يَدِهِ، لَكِنَّ هَذَا إِذَا أَشْهَدَ وَقَدْ ذَكَرنَاهُ فِي اللُّقَطَةِ.
قَالَ ﵁: وَذُكِرَ فِي بَعضِ النُّسَخِ أَنَّهُ لَا شَيْءَ لَهُ، وَهُوَ صَحِيحٌ أَيضًا، لِأَنَّهُ فِي
الراد إذا كان في عيال مالك العبد - أي: في مؤنته ونفقته - لا جعل له، سواء كان الراد أبا للمالك أو ابنا له، وأما إذا لم يكن في عياله فعلى التفصيل: إن كان الراد ابن المالك فلا جعل له أيضًا، وإن كان أباه فله الجعل. إليه أشار في الذخيرة وشرح الطحاوي.
وفي المبسوط: جواب القياس: بأن الراد هو ذو رحم محرم، يستحق الجعل في جميع ذلك إذا لم يكن في عياله، ولكنه استحسن فقال: إذا وجد الابن عبد أبيه فلا جعل له منه، سواء أكان في عياله أو لا؛ لأن رده على أبيه من جملة خدمته، وخدمة الأب مستحقة على الابن، أما لو كان الراد أبا، فإن كان في عيال ابنه لا جعل له؛ لأن أبق الرجل إنما يطلبه من في عياله عادة، ولهذا ينفق عليهم، فلا يستوجب مع ذلك جعلا آخر، وإن لم يكن الأب في عياله فله الجعل؛ لأن خدمة الابن غير مستحقة على الأب (١)، فعلى هذا التقدير كان قوله هو راجع إلى الراد الذي هو الأب؛ إذ في الابن كونه في العيال ليس بشرط.
قوله: (إطلاق الكتاب)؛ أي: لفظ الكتاب وهو قوله: (ومن رد الآبق على مولاه من مسيرة كذا كذا).
قوله: (في بعض النسخ)؛ أي: نسخ مختصر القدوري.
(لا شيء له)؛ أي: لا جعل له (لأنه)؛ أي: المراد كالبائع، كأن المالك يشتريه بالجعل، فلا يستحق إيفاء الثمن مع تعذر التسليم للمبيع.
стр. 4294
مَعَنَى البَائِعِ مِنْ المَالِكِ، وَلِهَذَا كَانَ لَهُ أَنْ يَحبِسَ الآبِقَ حَتَّى يَستَوفِيَ الجُعَلَ بِمَنزِلَةِ البَائِعِ بِحَبسِ المَبيعِ لِاسْتِيفَاءِ الثَّمَنِ، وَكَذَا إِذَا مَاتَ فِي يَدِهِ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ لِمَا قُلْنَا. قَالَ: (وَلَو أَعْتَقَهُ المَولَى كَمَا لَقِيَهُ صَارَ قَائِضًا بِالإِعْتَاقِ) كَمَا فِي العَبْدِ المُشْتَرَى، وَكَانَ إِذَا بَاعَهُ مِنْ الرَّادُ لِسَلَامَةِ البَدَلِ لَهُ، وَالرَّادُّ وَإِنْ كَانَ لَهُ حُكمُ البَيعِ. لَكِنَّهُ بَيعٌ من وجه فَلَا يَدْخُلُ تَحتَ النَّهْيِ الوَارِدِ عَنْ بَيعِ مَا لَم يُقبَضِ فَجَازَ.
ولهذا كان له؛ أي: للراد أن يحبس الآبق حتى يأخذ الجعل؛ لأنه إنما استوجب الجعل بإحياء ماليته، فكان لما يستوجب تعلق بماليته، كالبائع يحبس المبيع لاستيفاء الثمن، وكذا إذ مات الآبق في يد الراد لا جعل له؛ لما قلنا أن الآبق كالمبيع، وهلاك المبيع قبل التسليم يوجب سقوط الثمن؛ لأن الجعل لإحياء ماليته، ولم يتم ذلك حيا، حيث لم تصل إليه يد سيده، هذا إذا علم أنه ابق، أما لو أنكر المولى إباقه؛ فالقول له؛ لأن السبب الموجب للضمان قد ظهر من الراد، وهو آخذ مال الغير بغير إذنه، فهو يدعي ما يسقطه وهو الإذن شرعا، يكون العبد ابقا والمولى ينكره فيكون القول له كما لو أخذ عبد الغير وهلك في يده، ثم ادعى أنه أخذه بإذن المالك، والمالك منكر إلا أن يشهد الشهود أنه أبق من مولاه، أو المولى أقر بإباقه، فحينئذ يجب له الجعل. كذا في المبسوط (١).
قوله: (ولو أعتقه كما لقيه)؛ أي: كما رآه قبل قبضه، وقيد بالإعتاق؛ لأنه لو دبره لا يصير قابضا؛ لأن الإعتاق إتلاف ماليته، فلا يكون قابضا.
قوله: (كما في العبد المشترى) يعني: أعتق المشتري العبد المشترى قبل قبضه يصير به قابضًا.
قوله: (وكان إذا باعه)؛ أي: المولى (من الراد) يصير قابضًا بالبيع، حتى وجب عليه جعله، ويجعل قابضًا لينفذ تصرفه فيه، ولأن سلامة البدل وهو الثمن كسلامة العين.
وقوله: (والراد وإن كان) إلى آخره: جواب سؤال يرد على ما ذكره قبله
стр. 4295
قَالَ: (وَيَنبَغِي إِذَا أَخَذَهُ أَنْ يُشْهِدَ أَنَّهُ يَأْخُذُهُ لِيَرُدَّهُ) فَالْإِشْهَادُ حَتمٌ فِيهِ عَلَيْهِ عَلَى قَولِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّد، حَتَّى لَو رَدَّهُ مَنْ لَم يُشهِد وَقتَ الأَخذِ لَا جُعَلَ لَهُ عِندَهُمَا (*)، لِأَنَّ تَركَ الإِسْهَادِ أَمَارَةٌ أَنَّهُ أَخَذَهُ لِنَفْسِهِ، وَصَارَ كَمَا إِذَا اشْتَرَاهُ مِنْ الآخِذِ أَوْ اتَّهَبَهُ أَوْ وَرِثَهُ فَرَدَّهُ عَلَى مَولَاهُ لَا جُعَلَ لَهُ لِأَنَّهُ رَدَّهُ لِنَفْسِهِ، إِلَّا إِذَا أَشْهَدَ
بقوله: (لأنه في معنى البيع من المالك) (١) فإنه جعل المالك بمعنى المشتري، فكان بيعه من الراد بيع ما لم يقبض، وهو منهي عنه بالحديث، فأجاب عنه بهذا وقال: النهي فيما إذا كان البيع الأول بيعًا من كل وجه، وبيع الراد من المالك منه، فيصير [قابضا] (٢).
فإن قيل: الشبهة ملحقة بالحقيقة في المحرمات.
قلنا: هذه شبهة الشبهة، ولا عبرة بها، وهذا لأنه لو شرط رضى المالك لتحققت الشبهة؛ لأنه ملكه حقيقة، فعند عدم الرضى تتحقق شبهة الشبهة.
قوله: (فالإشهاد حتم)؛ أي: واجب على الآخذ (فيه)؛ أي: في الآبق (عليه)؛ أي: على الأخذ عندهما، كما في اللقطة. وعند أبي يوسف والأئمة الثلاثة ليس بشرط، وقد مر في اللقطة.
(كما إذا اشتراه)؛ أي: الراد (من الآخذ والهبة)؛ أي: قبل هبته.
في المبسوط: عتق آبق فأخذه رجل، فاشتراه منه رجل آخر ورده على سيده؛ فلا جعل له؛ لأنه إنما رده لنفسه، فإنه بالشراء قاصد لتملكه، فيكون هو غاصبا في حق سيده، ولما رده، رده لإسقاط الضمان عن نفسه (٣). وكذا لو وهب له أو أوصى له أو ورثه؛ لأنه ضمنه بالأخذ على هذا الوجه، فيكون رده لإسقاط الضمان كما ذكرنا، إلا إذا أشهد عند الشراء أنه يشتريه ليرده على سيده؛ لأنه لا يقدر على رده إلا بشرائه، فحينئذ له الجعل، ولا يرجع بالثمن على سيده قل أو كثر؛ لأنه متبرع في ذلك، كما لو أنفق عليه بغير أمر القاضي.
стр. 4296
أَنَّهُ اشْتَرَاهُ لِيَرُدَّهُ فَيَكُونُ لَهُ الجُعَلُ وَهُوَ مُتَبَرِّعٌ فِي أَدَاءِ الثَّمَنِ ﴿وَإِنْ كَانَ الآبِقُ رَهنا فَالجُعَلُ عَلَى المُرتَهِنِ﴾ لِأَنَّهُ أَحْيَا مَالِيَّتَهُ بِالرَّدٌ وَهِيَ حَقَّهُ، إذ الاسْتِيفَاءُ مِنهَا وَالجُعلُ بِمُقَابَلَةِ إِحْيَاءِ المَالِيَّةِ فَيَكُونُ عَلَيْهِ، وَالرَّدُّ فِي حَيَاةِ الرَّاهِنِ وَبَعدَهُ سَوَاءٌ، لِأَنَّ الرَّهْنَ لَا يَبْطُلُ بِالمَوتِ، وَهَذَا إِذَا كَانَتْ قِيمَتُهُ مِثْلَ الدِّينِ أَوْ أَقَلَّ مِنهُ، فَإِنْ كَانَتْ أَكثَرَ فَبِقَدرِ الدِّينِ عَلَيْهِ، وَالبَاقِي عَلَى الرَّاهِنِ، لِأَنَّ حَقَّهُ بِالقَدرِ المَضمُونِ، فَصَارَ كَثَمَنِ الدَّوَاءِ وَتَحْلِيصُهُ عَنِ الجِنَايَةِ بِالفِدَاءِ، وَإِنْ كَانَ مَديُونًا فَعَلَى المَولَى إِنْ اختَارَ قَضَاءَ الدِّينِ، وَإِنْ بِيعَ بُدِئَ بِالجُعَلِ وَالبَاقِي لِلغُرَمَاءِ، لِأَنَّهُ مُؤنَةُ المِلكِ وَالمِلكُ فِيهِ كَالمَوقُوفِ فَتَجِبُ عَلَى مَنْ يَسْتَقِرُّ لَهُ، وَإِنْ كَانَ جَانِيًا فَعَلَى المَولَى إن اختَارَ الفِدَاءَ لِعَودِ المَنفَعَةِ إِلَيْهِ، وَعَلَى الأَولِياءِ إِنْ اختَارَ الدَّفعَ لِعَودِهَا إِلَيْهِم، وَإِنْ كَانَ مَوهُوبًا فَعَلَى المَوهُوبِ
قوله: (وهي حقه)؛ أي: مالية العبد حق المرتهن (إذ استيفاء حقه منها)؛ أي: من ماليته؛ ألا ترى أنه لو لم يرده حتى توى سقط دينه إذا كانت قيمته مثل الدين أو أكثر، فعلم أن الرد عمل له، فعليه جعله، وهو نظير تخليصه من الجناية بالفداء، وذلك على المرتهن بقدر المضمون منه، فكذا ثمن الدواء، فإنه أيضًا ينقسم على الراهن والمرتهن إذا كانت قيمته زائدا على قدر الدين، كتخليصه من الجناية بالفداء.
قوله: (وإن كان مديونًا) فإن كان مأذونا فلحقه دين في التجارة، أو استهلك مال الغير وأقر به مولاه.
قوله: (وإن رجع): (إن) للوصل، أي: يجب الجعل عليه، وإن رجع الواهب في الهبة بعد الرد، وإنما ذكر هذا الوصل لدفع شبهة ترد على قوله: (فتجب على من يستقر الملك)، وعلى قوله: (فعلى المولى إن اختار الفداء تعود المنفعة إليه) فعلى هذا ينبغي أن يجب الجعل على الواهب لهذين المعنيين.
فأجاب عنه بقوله: لأن المنفعة للواهب، بل يترك الموهوب له التصرف في الآبق بعد الرد من الهبة و البيع وغيرهما، من التصرف الذي يمنع الواهب عن الرجوع، وزوال ملكه بالرجوع كزواله بموت العبد، فلم يبطل الجعل عليه برجوع الواهب، كما في الموت.
стр. 4297
لَهُ، وَإِنْ رَجَعَ الوَاهِبُ فِي هِبَتِهِ بَعدَ الرَّدِّ، لِأَنَّ المَنفَعَةَ لِلوَاهِبِ مَا حَصَلَت بِالرَّدِّ، بَلْ بِتَركِ المَوهُوبِ لَهُ التَّصَرُّفَ فِيهِ بَعدَ الرَّدِّ، وَإِنْ كَانَ لِصَبِيٌّ فَالجُعَلُ فِي مَالِهِ، لِأَنَّهُ مُؤنَةُ مِلْكِهِ، وَإِنْ رَدَّهُ وَصِيُّهُ فَلَا جُعَلَ لَهُ لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي يَتَوَلَّى الرَّدَّ فِيهِ.
فإن قيل: المنفعة حصلت للواهب بالرد وترك التصرف في الموهوب له فيه. قلنا: نعم، لكن ترك الموهوب له التصرف آخرهما وجودًا، فيضاف الحكم إليه، كما في القرابة مع الملك.
قوله: (يتولى الرد فيه)؛ أي: في الآبق، إذ هو الطالب لأبق اليتيم عادة وشرعا، فلا يتحقق منه الرد على نفسه، وكذا لو كان اليتيم في حجر رجل يعوله، فرده الرجل لا جعل له؛ لأنه هو الطالب في العادة، وكذا لا جعل للسلطان أو الشَّحْنَة أو الخفير؛ لا جعل لهم في رد الآبق، والمال من أيدي قطاع الطريق؛ لوجوب الفعل عليهم كذا في المبسوط (١)، والذخيرة.
وفي المحيط: لو أُخِذَ فغصبه من الآخذ رجل، وجاء به إلى مولاه وأخذ جعله، ثم جاء الغاصب وأقام أنه أخذه من مسيرة سفر؛ يأخذ الجعل من سيده ثانيا، ويرجع السيد على الغاصب بما دفع إليه. ولو جاء بالآبق من مسيرة سفر، فلما دخل مصر سيده، هرب من الآخذ فوجده آخر، وجاء به إلى سيده؛ فلا جعل لواحد منهما، ولو خرج من المصر بعد الهرب، وجاء به الآخر من مدة سفر؛ فالجعل للثاني.
стр. 4298
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
كِتَابُ المَفْقُودِ
(إِذَا غَابَ الرَّجُلُ فَلَم يُعرَف لَهُ مَوضِعُ، وَلَا يُعلَمُ أَحَيُّ هُوَ أَمْ مَيِّتُ، نَصَّبَ القَاضِي مَنْ يَحفَظُ مَالَهُ وَيَقُومُ عَلَيْهِ وَيَستَوفِي حَقَّهُ) لِأَنَّ القَاضِي نَصَّبَ نَاظِرًا لِكُلِّ عاجِز عَنْ النَّظَرِ لِنَفْسِهِ، وَالمَفقُودُ بِهَذِهِ الصِّفَةِ، وَصَارَ كَالصَّبِيِّ وَالمَجنُونِ، وَفِي نَصبِ الحَافِظ لِمَالِهِ وَالقَائِمِ عَلَيْهِ نَظَرٌ لَهُ. وَقَولُهُ: يَستَوفِي حَقَّهُ لِإِحْفَاءِ أَنَّهُ يَقْبِضُ غَلَّاتِهِ وَالدِّينَ الَّذِي أَقَرَّ بِهِ غَرِيمٌ مِنْ غُرَمَائِهِ، لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ الحِفْظِ، وَيُخَاصِمُ فِي دَين وَجَبَ بِعَقدِهِ، لِأَنَّهُ أَصِيلٌ فِي حُقُوقِهِ، وَلَا يُخَاصِمُ فِي الَّذِي تَوَلَّاهُ المَفقُودُ وَلَا فِي
كتاب المفقود
وقد ذكرنا مناسبته بباب الآبق، يقال: فقدت الشيء، إذا غاب عني فقدا وفقودا وفقدانًا فهو مفقود، أي: غائب، ويقال: فقدته طلبته، وكلاهما موجود في المفقود؛ إذ هو اسم لحي غائب، لم يدر موضعه ولا حياته ولا مماته، فأهله في طلبه.
وفي المبسوط: هو حي غاب عن بلده، أو أسر وأهله في طلبه، وقد انقطع خبره واستتر عليهم أثره، وخفي مستقره، فبالجد قد يصلون إلى المراد، وربما يتأخر اللقاء إلى يوم التناد، والاسم من الأضداد، وله فيما يرجع إلى ماله حكم الحياة، وفيما يعود إلى غيره حكم الممات (١).
قوله: (والمفقود بهذه)؛ أي: عاجز عن إقامة مصالحه.
قوله: (ويخاصم)؛ أي: من نصبه القاضي لحفظ ماله لفقده، أي: بفقد من نصب لحفظ ماله.
стр. 4299
نَصِيب لَهُ فِي عَقَار أَوْ عُرُوضٍ فِي يَدِ رَجُل، لِأَنَّهُ لَيسَ بِمَالِكِ وَلَا نَائِبٍ عَنهُ، إِنَّمَا هُوَ وَكِيلٌ بِالقَبْضِ مِنْ جِهَةِ القَاضِي، وَأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ الخُصُومَةَ بِلَا خِلَاف، إِنَّمَا الخِلَافُ فِي الوَكِيلِ بِالقَبضِ مِنْ جِهَةِ المَالِكِ فِي الدِّينِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ يَتَضَمَّنُ الحُكمَ بِهِ قَضَاءً عَلَى الغَائِبِ، وَأَنَّهُ لَا يَجُوزُ إِلَّا إِذَا رَآهُ القَاضِي وَقَضَى بِهِ، لِأَنَّهُ مُجْتَهِدٌ فِيهِ، ثُمَّ مَا كَانَ يَخَافُ عَلَيْهِ الفَسَادَ يَبِيعُهُ القَاضِي، لِأَنَّهُ تَعَذَّرَ عَلَيْهِ حِفْظُ صُورَتِهِ وَمَعْنَاهُ فَيَنظُرُ لَهُ بِحِفْظِ المَعنَى وَلَا يَبِيعُ مَا لَا يَخَافُ عَلَيْهِ الفَسَادَ فِي نَفَقَة وَلَا غَيْرِهَا لِأَنَّهُ لَا وِلَايَةَ لَهُ عَلَى الغَائِبِ، إِلَّا فِي حِفْظِ مَالِهِ، فَلَا يَسُوعُ لَهُ تَركُ حفظ الصورَةِ وَهُوَ مُمكِنٌ.
قوله: (والخلاف في الوكيل بالقبض من جهة المالك)؛ أي: عند أبي حنيفة يملك الخصومة، وعندهما لا يملك الخصومة.
قوله: (وإذا كان كذلك)؛ يعني: لما لم يملك وكيل القاضي الخصومة قضاء على الغائب وللغائب، إلا إذا رآه القاضي بتنفيذ الخصومة قضاء على الغائب، ولا يجوز للقاضي القضاء على الغائب.
(إلا إذا رآه القاضي)؛ أي: مصلحة وقضى به، فحينئذ يجوز (لأنه)؛ أي: القضاء في مجتهد فيه وقضاؤه ينفذ في المجتهدات.
فإن قيل: المجتهد فيه نفس القضاء، فينبغي أن يتوقف نفاذه على إمضاء قاض آخر، كما لو كان القاضي محدودا في قذف.
قلنا: لا كذلك، بل المجتهد فيه سبب القضاء، وهو أن البينة هل تكون حجة بلا خصم حاضر أم لا؟ فإذا رآه القاضي حجة وقضى بها؛ نفذ، كما لو قضى بشهادة المحدود في القذف. كذا في الذخيرة.
قوله: (فينظر له)؛ أي: للمفقود (بحفظ المعنى) وهو المالية؛ إذ حفظ الأثمان أيسر.
قوله: (إلا في حفظ ماله)؛ لأن ولايته نظرية، وحفظ العين فيما يتأتى حفظه أنظر له.
стр. 4300
قَالَ: (وَيُنفِقُ عَلَى زَوجَتِهِ وَأَولَادِهِ مِنْ مَالِهِ) وَلَيْسَ هَذَا الحُكمُ مَقصُورًا عَلَى الأولادِ، بَلْ يَعُمُّ جَمِيعَ قَرَابَةِ الوِلَادِ.
وَالأَصلُ: أَنَّ كُلَّ مَنْ يَسْتَحِقُّ النَّفَقَةَ فِي مَالِهِ حَالَ حَضرَتِهِ بِغَيْرِ قَضَاءِ القَاضِي يُنفَقُ عَلَيْهِ مِنْ مَالِهِ عِنْدَ غَيْبَتِهِ، لِأَنَّ القَضَاءَ حِينَئِذٍ يَكُونُ إِعَانَة، وَكُلُّ مَنْ لَا يَسْتَحِقُّهَا فِي حَضَرَتِهِ إِلَّا بِالقَضَاءِ لَا يُنْفِقُ عَلَيْهِ مِنْ مَالِهِ فِي غَيْبَتِهِ، لِأَنَّ النَّفَقَةَ حِينَئِذٍ تَجِبُ بِالقَضَاءِ، وَالقَضَاءُ عَلَى الغَائِبِ مُمْتَنِعٌ، فَمِنْ الأَوَّلِ: الأولادُ الصِّغَارُ وَالإِنَاتُ مِنْ الكِبَارِ وَالزَّمْنَى مِنْ الذُّكُورِ الكِبَارِ، وَمِنْ الثَّانِي: الأخُ وَالأختُ وَالخَالُ وَالخَالَةُ. وَقَولُهُ: مِنْ مَالِهِ: مُرَادُهُ الدَّرَاهِمُ وَالدَّنَانِيرُ، لِأَنَّ حَقَّهُم فِي المَطعُومِ وَالمَلبُوسِ، فَإِذَا لَم يَكُنْ ذَلِكَ فِي مَالِهِ يَحتَاجُ إلَى القَضَاءِ بِالقِيمَةِ، وَهِيَ النَّقْدَانِ وَالتَّبْرُ بِمَنزِلَتِهِمَا فِي هَذَا الحُكمِ، لِأَنَّهُ يَصْلُحُ قِيمَة كَالمَضْرُوبِ، وَهَذَا إِذَا كَانَتْ فِي يَدِ القَاضِي، فَإِنْ كَانَتْ وَدِيعَة أَوْ دَينا يُنْفِقُ عَلَيْهِم مِنْهُمَا إِذَا كَانَ المُودِعُ وَالمَديُونُ مُقِرِّينَ بِالدِّينِ والوَدِيعَةِ وَالنِّكَاحِ وَالنَّسَبِ، وَهَذَا إِذَا لَم يَكُونَا ظَاهِرَينِ عِنْدَ القَاضِي، فَإِنْ كَانَا ظَاهِرَينِ فَلَا حَاجَةَ إِلَى الإِقْرَارِ، وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا ظَاهِرَ
قوله: (وينفق) إلى آخره، في المبسوط: من كان من ورثة المفقود غنيًّا فلا نفقة له إلا للزوجة؛ لأن حياته كانت معلومة، ولا يستحق أحد من الأغنياء في مال الحي سوى الزوجة؛ لأن استحقاقها النفقة بالعقد، فلا يختلف باليسار والعسار، واستحقاق غيرها باعتبار الحاجة، وذلك ينعدم بغنى المستحق (١).
قوله: (يكون إعانة) أو تمكينا للمستحق من الأخذ ولهذا لو تمكنوا من ذلك لهم الأخذ فيعينهم القاضي على ذلك لا إلزاما، إذ اللزوم ثابت قبل القضاء.
قوله: (لأنه)؛ أي: التبر (يصلح). قوله: (مداده الدراهم والدنانير).
قوله: (لم يكونا)؛ أي: الدين والوديعة والنكاح والنسب، جعل الدين والوديعة شيئًا واحدا، فكذا ذكر بلفظ التثنية، بدليل قوله بعده: (فإن كانت وديعة … والنكاح والنسب).
стр. 4301
الوَدِيعَةِ وَالدِّينِ أَوْ النِّكَاحِ وَالنَّسَبِ يَشتَرِطُ الإِقْرَارَ بِمَا لَيْسَ بِظَاهِر، هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ.
فَإِنْ دَفَعَ المُودِعُ بِنَفْسِهِ أَوْ مَنْ عَلَيْهِ الدِّينُ بِغَيْرِ أَمرِ القَاضِي، يَضمَنُ المُودِعُ وَلَا يُبَرَّأُ المَديُونُ، لِأَنَّهُ مَا أَدَّى إِلَى صَاحِبِ الحَقِّ وَلَا إِلَى نَائِبِهِ، بِخِلَافِ مَا إِذَا دَفَعَ بِأَمْرِ القَاضِي، لِأَنَّ القَاضِي نَائِبٌ عَنهُ، وَإِنْ كَانَ المُودِعُ وَالمَديُونُ جَاحِدَينِ أَصْلًا أَوْ كَانَا جَاحِدَينِ الزَّوجِيَّةَ وَالنَّسَبَ، لَم يَنتَصِب أَحَدٌ مِنْ مُستَحِقِّي النَّفَقَةِ خَصما فِي ذَلِكَ، لِأَنَّ مَا يَدَّعِيهِ لِلغَائِبِ لَم يَتَعَيَّن سَبَبًا لِثُبُوتِ حَقِّهِ وَهُوَ النَّفَقَةُ، لِأَنَّهَا كَمَا تَجِبُ فِي هَذَا المَالِ تَجِبُ فِي مَالَ آخَرَ لِلمَفْقُودِ.
قَالَ: (وَلَا يُفَرِّقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ امْرَأَتِهِ) وَقَالَ مَالِكٌ: إِذَا مَضَى أَرْبَعُ سِنِينَ يُفَرِّقُ القَاضِي بَيْنَهُ وَبَيْنَ امْرَأَتِهِ، وَتَعتَدُّ عِدَّةَ الوَفَاةِ ثُمَّ تَتَزَوَّجُ مَنْ شَاءَت، لِأَنَّ عُمَرَ ﵁
(ويشترط الإقرار)؛ أي: إقرار المودع بما ليس بظاهر من الوديعة أو النكاح والنسب.
وقوله: (هذا هو الصحيح) عن جواب القياس، وهو قول زفر؛ فإنه قال: لا ينفق من الوديعة شيئًا عليهم؛ لأن إقرار المودع ليس بحجة على الغائب، وهو ليس بخصم عن الغائب، ولا يقضي عن الغائب بلا خصم حاضر عنه. فقلنا: المودع مقر بأن ما في يده ملك الغائب، وأن للزوجة والولد حق الإنفاق منه، وإقرار الإنسان بما في يده معتبر فينتصب هو خصما باعتبار ما في يده، ثم يتعدى القضاء منه إلى المفقود. كذا في المبسوط (١).
وفي الكافي: وهذا التفصيل هو الصحيح، وليس هنا اختلاف الروايتين.
وفي الخبازية: ذكر هذه المسألة في كتاب النكاح، وينفق عليهم إذا كانا مقرين بالوديعة والدين والنكاح والنسب، وهنا بما ليس بظاهر منهما، وليس هذا اختلاف الرواية، فإن تأويل ما ذكره في كتاب النكاح: أنه لم يكن شيء منهما ظاهرا عند القاضي، فقوله في الكتاب: هو الصحيح إشارة إلى هذا التأويل، وبقي اختلاف الروايتين، إذ للقاضي ولاية القضاء بعلمه، كما إذا أقر بين يديه ثم غاب.
قوله: يفرق القاضي بينه وبين امرأته وإن طلبت ذلك (وتعتد عدة الوفاة)
стр. 4302
هَكَذَا قَضَى فِي الَّذِي اسْتَهْوَاهُ الجِنُّ بِالمَدِينَةِ وَكَفَى بِهِ إِمَامًا، وَلِأَنَّهُ مَنَعَ حَقَّهَا بِالغَيْبَةِ فَيُفَرِّقُ القَاضِي بَيْنَهُمَا بَعدَ مُضِيّ مُدَّة اعتبارًا بِالإِيلَاءِ وَالعُنَّةِ، وَبَعدَ هَذَا الاعْتِبَارِ أَخَذَ
فإن عاد الزوج بعد العدة، ولم تتزوج زوجا آخر فهو أحق بها، فإن تزوجت فلا سبيل له عليها.
(كذا قضى عمر فيمن استهواه الجن)؛ أي جرته الجن وبهتته. ذكر في المبسوط عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: أنا لقيت المفقود فحدثني حديثه قال: أكلت خزيراً - بالزاي والياء المنقوطتين: مرقة تطبخ بما يصفى من بلالة النخالة - في أهلي، ثم خرجت فأخذني نفر من الجن، فمكثت فيهم ثم بدا لهم في عتقي فأعتقوني، ثم أتوا بي قريبا من المدينة، فقالوا: تعرف النخيل،
فقلت: نعم، فخلوا عني فجئت فإذا عمر ﵁ أبان امرأتي بعد أربع سنين، اعتدت وتزوجت، فخيرني عمر بين أن يردها علي وبين المهر.
وأهل الحديث يروون أن عمر ﵁ هم بتأديبه حين رآه، وجعل يقول: يغيب أحدكم عن امرأته هذه المدة الطويلة ولا يبعث بخبره، فقال: لا تعجل يا أمير المؤمنين، وذكر له قصته.
في هذا الحديث دليل لمذهب أهل السنة أن الجن يتسلطون على بني آدم، وأهل الزيغ ينكرون ذلك على اختلاف بينهم، فمنهم من يقول: المستنكر دخولهم في الآدمي؛ لأن اجتماع زوجين في شخص واحد لا يتحقق، وقد يتصور تسلطهم على الآدمي من غير أن يدخلوا فيه، ومنهم من قال: هي أجسام لطيفة فلا يتصور أن يحملوا جسمًا كثيفًا من موضع إلى موضع، ولكنا نأخذ بما
ورد به الآثار، قال ﵇: «إنَّ الشَّيطانَ يَجرِي مِنِ ابْنِ آدَمَ مَجْرَى الدم» (١) وقال ﵇: «إنه يدخل في رأس الإنسان فيكون على قافِيَةِ رأسِهِ» فنتبع الآثار ولا نشتغل بكيفية ذلك.
قوله: (اعتبارًا بالإيلاء والعنة)؛ يعني: يفرق بينه وبين امرأته دفعا للضرر عنها؛ كيلا تبقى معلقة لا ذات بعل ولا مطلقة، كما يفرق بين العنين والمولي بعد مضي السنة وأربعة أشهر، إلا أنا أخذنا الأربع من الإيلاء لشبهه به، إذ حقها في الجماع يفوت بصنيعه وهو السفر، كما يفوت ثم بصنيعه وهو الإيلاء،
стр. 4303
المِقدَارَ مِنْهُمَا الأَربَعَ مِنْ الإِيلَاءِ وَالسِّنِينَ مِنْ العُنَّةِ عَمَلًا بِالشَّبَهَينِ. وَلَنَا: قَولُهُ ﷺ فِي امْرَأَةِ المَفقُودِ: «أَنَّهَا امْرَأَتُهُ حَتَّى يَأْتِيَهَا البَيَانُ».
وَقَولُ عَلِيٌّ ﵁ فِيهَا: هِيَ امْرَأَةٌ ابْتُلِيَت فَلتَصبِر حَتَّى يَسْتَبِينَ مَوتُ أَوْ طَلَاقُ خَرَجَ بَيَانًا لِلبَيَانِ المَذْكُورِ فِي المَرفُوعِ، وَلِأَنَّ النِّكَاحَ عُرِفَ ثُبُوتُهُ، وَالغَيبَةُ لَا تُوجِبُ الفُرقَةَ، وَالمَوتُ فِي حَيْزِ الاحتِمَالِ، فَلَا يُزَالُ النِّكَاحُ بِالشَّكَ، وَعُمَرُ ﵁ رَجَعَ إِلَى قَولِ عَلِيٌّ ﵁ وَلَا مُعتَبَرَ بِالإِيلَاءِ، لِأَنَّهُ كَانَ طَلَاقًا مُعَجَّلًا فَاعْتُبِرَ فِي الشَّرِعِ مُؤَجَّلًا فَكَانَ مُوجِبًا لِلفُرقَةِ، وَلَا بِالعُنَّةِ، لِأَنَّ الغَيْبَةَ تَعقُبُ الأوبةَ، وَالعُنَّةُ قَلَّمَا تَنَحَلُّ بَعدَ استمرارِهَا سَنَة.
والسنة من العنة لشبهه بها؛ إذ حقها في الجماع فات هنا بسبب هو معذور فيه وهو الغيبة؛ لأنها مباح، كما فات حقها بالعنة وهو معذور فيه، وهو معنى قول المصنف: (عملا بالشبهين).
وفي المعونة: مذهب مالك في أن الأسير لا يضرب [له] (١) أجل، ولا تقع الفرقة حتى يستبين طلاقه أو موته، أو بمضي مدة لا يعيش مثله إلى مثلها؛ لأن حياته معلومة، وعذره عدم قصد المضارة بها ظاهر، فلا يضرب له الأجل، فإنما يضرب أربع سنين عنده فيمن غاب اختيارًا ولم يعلم مكانه ولا حياته، وأما المفقود في المعركة فعنده الإمام يجتهد في حاله، فإن غلب على ظنه أنه من القتلى اعتدت امرأته وتزوجت ولا تحتاج إلى ضرب الأجل؛ لأن الأغلب من شأنه الهلاك، ولكن يلزم عليه من استهواه الجن، فإنه غاب بلا اختيار.
قوله: (للبيان المذكور في المرفوع)؛ أي: في الحديث، فإن قوله: (حتى يأتيها البيان) مجمل في أن إتيان البيان من أي طريق يكون، فبين على ذلك المجمل بقوله: (حتى يستبين موت أو طلاق).
قوله: (وعمر رجع) ذكر عبد الرحمن بن أبي بكر أن عمر ﵁ رجع عنه ثلاث قضيات إلى قول عليّ، أحدها مسألة المفقود وغيرها مذكور في المبسوط.
قوله: (طلاقا معجلا)؛ أي: في الجاهلية (لأن الغيبة) وفي بعض النسخ: (لأن الغربة تعقب الأوبة)؛ أي؛ الرجوع؛ إذ ظاهر حال الغائب أن يؤوب فلا ينحل، أي: ينفصل.
стр. 4304
قَالَ: (وَإِذَا تَمَّ لَهُ مِائَةٌ وَعِشْرُونَ سَنَةِ مِنْ يَومِ وُلِدَ حَكَمْنَا بِمَوتِهِ) قَالَ ﵁: وَهَذِهِ رِوَايَةُ الحَسَنِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ: وَفِي ظَاهِرِ المَذهَبِ يُقَدَّرُ بِمَوتِ الأَقرَانِ، وَفِي المَروِيِّ عَنْ أَبِي يُوسُفَ: بِمِائَةِ سَنَةٍ، وَقَدَّرَهُ بَعضُهُم بِتِسْعِينَ، وَالأَقيَسُ أَنْ لَا يُقَدَّرَ بِشَيْء. وَالأَرفَقُ أَنْ يُقَدَّرَ بِتِسْعِينَ (*)، وَإِذَا حُكِمَ بِمَوتِهِ اعتَدَّت امْرَأَتُهُ عِدَّةَ الوَفَاةِ مِنْ
قوله: (إذا تم له مائة وعشرون سنة)؛ لأنها نهاية أعمارنا، قيل: هذا يرجع إلى قول أهل الطبائع والنجوم، فإنهم يقولون: لا يجوز أن يعيش أحد أكثر من هذه المدة؛ لأن اجتماع التحسين يحصل بالطبائع الأربعة في هذه المدة، ولا بد من أن يضاد واحد من ذلك طبعه في هذه المدة فيموت، ولكن قولهم باطل بالنصوص الواردة في طول عمر من كان قبلنا، كنوح ﵇ وغيره، فلا يعتمد على هذا القول.
قوله: (بموت الأقران)؛ لأن ما تقع الحاجة إلى معرفته فطريقه في الشرع الرجوع إلى أمثاله كقيم الملتفات، ومهر المثل للنساء، وبقاؤه بعد موت كل أقرانه نادر، وبناء الأحكام الشرعية على الظاهر دون النادر.
قوله: (بمائة سنة) وحكي أن أبا يوسف لما سئل عن معنى هذا قال: أُبينه لكم بطريق محسوس، فإن المولود إذا كان ابن عشر يدور حول أبويه هكذا، وعقد عشرا، فإذا كان [ابن] (١) عشرين فهو بين الصبا والشباب هكذا، وعقد عشرين، فإذا كان ابن ثلاثين سنة يستوي هكذا، وعقد ثلاثين، فإذا كان ابن أربعين تحمل عليه الأثقال هكذا، وعقد أربعين، فإذا كان ابن خمسين ينحني من كثرة الأثقال هكذا، وعقد الخمسين، فإن كان ابن ستين ينقبض للشيخوخة هكذا، وعقد ستين، فإذا كان ابن سبعين يتوكأ على عصا هكذا، وعقد سبعين، فإذا كان ابن ثمانين يستلقي هكذا، وعقد ثمانين، فإذا كان ابن تسعين تنضم أمعاؤه هكذا، وعقد تسعين، فإذا كان ابن مائة يحول من الدنيا إلى العقبي كما يحول الحساب من اليمنى إلى اليسرى، وهكذا يحمل من أبي يوسف على سبيل المطايبة، لا أن يكون يعرف الحكم مثل هذا، وكان محمد بن سلمة يفتي في المفقود حتى يتبين له خطؤه في نفسه، فإنه عاش مائة وسبع سنين.
стр. 4305
ذَلِكَ الوَقْتِ (وَيُقسَمُ مَالُهُ بَينَ وَرَثَتِهِ المَوجُودِينَ فِي ذَلِكَ الوَقتِ) كَأَنَّهُ مَاتَ فِي ذَلِكَ الوَقتِ مُعَايَنَة، إذ الحُكمِيُّ مُعتَبَرُ بِالحَقِيقِيّ (وَمَنْ مَاتَ قَبلَ ذَلِكَ لَم يَرِثُ مِنْهُ) لِأَنَّهُ لَم يُحكَم بِمَوتِهِ فِيهَا، فَصَارَ كَمَا إِذَا كَانَتْ حَيَاتُهُ مَعْلُومَة (وَلَا يَرِثُ المَفْقُودُ أَحَدًا مَاتَ فِي حَالِ فَقَدِهِ) لِأَنَّ بَقَاءَهُ حَيًّا فِي ذَلِكَ الوَقتِ بِاسْتِصْحَابِ الحَالِ وَهُوَ لَا يَصْلُحُ حُجَّةٌ فِي
قوله: (والأقيس أن لا يقدر بشيء) من المقدرات كالمائة والتسعين؛ لأن نصب المقادير بالرأي لا يكون، ولا نص فيه، ولكن يقدر بموت الأقران؛ لأنه لو لم يقدر بشيء أصلا يتعطل حكم المفقود.
وفي الكافي: والأرفق بالناس أن يقدر بتسعين سنة، وعليه الفتوى؛ لأنه أقل المقادير والتفحص عن حال الأقران أنهم ماتوا أو لا غير ممكن عادة، وفيه حرج، والغالب في زماننا بتسعين، والحياة بعده نادر، ولا عبرة للنادر.
والأقيس: تفضيل المقيس، كالأشهر: في تفضيل المشهور.
عن العلامة مولانا حافظ الدين: لا يفضل على المفعول إلا على طريق الشذوذ، كقولهم: أَشْغَلُ من ذاتِ النَّحْيَيْنِ.
وفي الينابيع: قيل: يفوض إلى رأي القاضي، ولا تقدير فيه في ظاهر الرواية.
وفي القنية: وهذا رواية عن أبي حنيفة.
قوله: (لم يرث منه)؛ أي: من المفقود.
قوله: (باستصحاب الحال) يصلح لإبقاء ما كان على ما كان، لا لإثبات ما لم يكن ثابتا، وفي الامتناع عن قسمة ماله بين الورثة إبقاء ما كان على ما كان، وفي توريثه من الغير إثبات أمر لم يكن ثابتا له، ولأن حياته باعتبار الظاهر وهو يصلح حجة لرفع الاستحقاق لا للاستحقاق، فلا يستحق ميراث غيره، ويدفع استحقاق ورثته ماله.
ومعنى قولنا: (لا يرث المفقود أحدًا) أن نصيب المفقود من الميراث لا يصير ملكا للمفقود، بل نصيبه يتوقف؛ لأن حياته محتملة، والمحتمل يكفي للتوقف، كما في الجنين.
стр. 4306
الاستحقاقِ (وَكَذَلِكَ لَو أَوصَى لِلمَفْقُودِ وَمَاتَ المُوصِي) ثُمَّ الأَصلُ: أَنَّهُ لَو كَانَ مَعَ المَفقُودِ وَارِثُ لَا يُحجَبُ بِهِ، وَلَكِنَّهُ يُنتَقَصُ حَقَّهُ بِهِ، ويُعطَى أَقَلَّ النَّصِيبَينِ وَيُوقَفُ البَاقِي، وَإِنْ كَانَ مَعَهُ وَارِثُ يُحجَبُ بِهِ لَا يُعطَى أَصلا. بَيَانُهُ: رَجُلٌ مَاتَ عَنْ ابْنَتَيْنِ وَابْنِ مَفقُود وابنِ ابن وَبِنتِ ابن وَالمَالُ فِي يَدِ الأَجنَبِيِّ، وَتَصَادَقُوا عَلَى فَقَدِ الِابْنِ وَطَلَبَت
قوله: (ومات الموصي)؛ أي؛ لا تصح الوصية بل توقف.
وفي الذخيرة: لا يقضى بصحتها ولا يبطل حتى يظهر حال المفقود؛ لأن الوصية أخت الميراث، وفي الميراث تحبس حصة المفقود إلى أن يظهر حاله، فكذا في الوصية.
قوله: (وتصادقوا)؛ أي: الورثة المذكورون والأجنبي، وإنما قيد بالتصادق؛ لأنه إذا قال الأجنبي الذي المال في يده: مات المفقود قبل أبيه، فإنه يجبر على دفع الثلثين إلى البنتين؛ لأن إقراره معتبر في حق ما في يده، وقد أقر أن ثلثي ما في يده للابنتين، فيجبر على تسليمه إليهما، لا يمتنع إقراره بقول أولاد الابن: أبونا مفقود؛ لأنهم لا يدعون لأنفسهم بهذا القول شيئًا، ويوقف الباقي على يد ذي اليد حتى يظهر مستحقه، هذا إذا أقر من في يده المال، أما لو جحد أن يكون للميت مال في يده، فأقامت الابنتان البينة أن أباهم مات وترك هذا المال ميراثا لهما ولأخيهما المفقود، فإن كان حيًّا فهو الوارث معنا، وإن كان ميتا فولده الوارث، فإنه يدفع إلى الابنتين النصف؛ لأنهما بهذه البينة تثبتان الملك لأبيهما في هذا المال، والأب ميت وأحد الورثة ينتصب خصما عن الميت في إثبات الملك، وإذا ثبت ذلك يدفع لهما المتيقن وهو النصف، ويوقف النصف الثاني على يدي عدل؛ لأن الذي في يده جحد، فهو غير مؤتمن عليه.
هذا إذا كان المال في يد أجنبي، أما لو كان في يد الابنتين فالمسألة بحالها، فالقاضي لا يحول المال من موضعه، ولا يقف منه شيئًا للمفقود، أي: لا يخرج من أيديهما شيئًا للمفقود، وكذا لو كان المال في يد ولدي الابن المفقود، يعطى للابنتين النصف، ويترك الباقي في أيديهما؛ لأنه لا يدري من المستحق لهذا الباقي. كذا في المبسوط (١)، والذخيرة.
стр. 4307
الابْنَتَانِ المِيرَاثَ تُعطَيَانِ النِّصْفَ، لِأَنَّهُ مُتَيَقَّنٌ بِهِ وَيُوقَفُ النِّصْفُ الآخَرُ، وَلَا يُعطَى وَلَدُ الابنِ لِأَنَّهُم يُحجَبُونَ بِالمَفقُودِ، وَلَو كَانَ حَيًّا فَلَا يَسْتَحِقُونَ المِيرَاثَ بِالشَّكِّ وَلَا يُنزَعُ مِنْ يَدِ الأَجْنَبِيِّ إِلَّا إِذَا ظَهَرَت مِنْهُ خِيَانَةٌ وَنَظِيرُ هَذَا: الحَملُ، فَإِنَّهُ يُوقَفُ لَهُ مِيرَاثُ ابْنِ وَاحِدٍ عَلَى مَا عَلَيْهِ الفَتوَى، وَلَو كَانَ مَعَهُ وَارِثُ آخَرُ إِنْ كَانَ لَا يَسْقُطُ بِحَالٍ وَلَا يَتَغَيَّرُ بِالحَملِ يُعطَى كُلُّ نَصِيبَهُ، وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ يَسقُطُ بِالحَملِ لَا يُعطَى، وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ يَتَغَيَّرُ بِهِ يُعطَى الأَقَلَّ لِلتَّيَقُنِ بِهِ، كَمَا فِي المَفقُودِ وَقَدْ شَرَحنَاهُ فِي كِفَايَةِ المُنتَهِي بِأَتَمَّ مِنْ هَذَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قوله: (لأنه)؛ أي: النصف متيقن به؛ لأنا لو قدرنا المفقود ميتا كان نصيبهما الثلثين، ولو قدرناه حيًّا كان نصيبهما النصف، فالنصف متيقن.
قوله: (على ما عليه الفتوى) هذا احتراز عما روي عن أبي حنيفة: أنه يوقف للحمل ميراث أربع بنين، وعما روي عن محمد، فإنه قال في رواية: ثلاث بنين، وفي رواية: نصيب ابنين، وهو رواية عن أبي يوسف. وعن أبي يوسف: أنه يوقف نصيب ابن واحد، وعليه الفتوى. كذا في التتمة وغيرها.
قوله: (ولا يتغير بالحمل) كما لو ترك امرأة حاملا وجدة، يعطى للجدة السدس؛ لأنه لا يتغير فرضه أصلا، وصورة من يسقط بالحمل: ما لو ترك امرأة حاملا وأخا أو عما. وصورة من يتغير به ما لو ترك زوجة وحملا، أو حملا وأما، فالأم تأخذ السدس مع الولد، ولو كان ميتا تأخذ الثلث، وهكذا في المفقود.
стр. 4308
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
كِتَابُ الشَّرِكَةِ
(الشَّرِكَةُ جَائِزَةٌ) «لِأَنَّهُ ﷺ بُعِثَ وَالنَّاسُ يَتَعَامَلُونَ بِهَا فَقَرَّرَهُم عَلَيْهِ»، قَالَ:
كتاب الشركة
للشركة مناسبة بالمفقود والإباق واللقطة، من حيث إن المال أمانة في يد الشريك، كما أن الآبق واللقطة ومال المفقود في يد من كان في يده أمانة، وللشركة مناسبة خاصة بالمفقود، من حيث إن قرب المفقود لو مات، كان فيه اختلاط مال المفقود الحاصل من الإرث بمال غيره من الوارث على تقدير الحياة، وفي الشركة اختلاط المالين، فكذا ذكرها عقيب المفقود، وقدم المفقود لمناسبة خاصة له بالإباق على ما ذكرنا.
ثم (الشركة) لغة: اختلاط النصيبين فصاعدا، أو تركيبها بدل على الخلط، ومنه الشركة بالتحريك حبالة الصائد؛ لتشابكها وخلط بعضها بالبعض، ويطلق اسم الشركة على العقد وإن لم يوجد اختلاط النصيبين؛ لما أن العقد سبب له.
وشرعيتها ثابت بالكتاب، والسنة، والإجماع، والمعقول:
أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ﴾ [النساء: ١٢]، وقال تعالى: ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [ص: ٢٤]، والخلطاء هم الشركاء.
ومن السنة: ما روى أن البراء ابن عازب وزيد بن أرقم كانا شريكين، فاشتريا فضة بنقد ونسيئة، فبلغ النبي ﵇ فقال: «أن ما كان بنقد فأَجِيزوه، وما كانَ بِنَسِيئَةٍ فَرُدُّوهُ» (١) وعنه ﵇ أنه قال: «يقولُ اللهُ تعالى: أنا ثالث الشريكين ما
стр. 4309
(الشَّرِكَةُ ضَربَانِ: شَرِكَةُ أَملاك، وَشَرِكَةُ عُقُود. فَشَرِكَةُ الأَمْلاكِ: العَينُ يَرِثُهَا رَجُلَانِ أَوْ يَشْتَرِيَانِهَا، فَلَا يَجُوزُ لِأَحَدِهِمَا أَنْ يَتَصَرَّفَ فِي نَصِيبِ الْآخَرِ إِلَّا بِإِذْنِهِ، وَكُلُّ مِنْهُمَا فِي نَصِيبِ صَاحِبِهِ كَالأَجنَبِيّ) وَهَذِهِ الشَّرِكَةُ تَتَحَقَّقُ فِي غَيْرِ المَذْكُورِ فِي الكِتَابِ، كَمَا إِذَا اتَّهَبَ رَجُلَانِ عَيْنًا أَوْ مَلَكَاهَا بِالاسْتِيلَاءِ أَوْ اختَلَطَ مَالُهُمَا مِنْ غَيرِ صُنعِ أَحَدِهِمَا أَوْ بِخَلطِهِمَا خَلطًا يَمْنَعُ التَّميِيزَ رَأْسًا أَوْ إِلَّا بِحَرَجٍ، وَيَجُوزُ بَيعُ أَحَدِهِمَا نَصِيبَهُ مِنْ شَرِيكِهِ فِي جَمِيعِ الصُّوَرِ وَمِنْ غَيْرِ شَرِيكِهِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ إِلَّا فِي صُورَةِ الخَلطِ وَالاخْتِلَاطِ، فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ إِلَّا بِإِذْنِهِ، وَقَدْ بَيَّنَّا الفَرقَ فِي «كِفَايَةِ المُنتَهي».
لَمْ يَخُنْ أحدهما صاحِبَه، فإذا خانَ خرجتُ مِنْ بينهما». رواه أبو داود (١).
وعنه ﵇ أنه قال: «يدُ اللهِ علَى المُشتَركَينِ مَا لَمْ يَتَخَاوَنا»، وروي أن السائب بن شريك، وفي شرح الوجيز: السائب بن زيد كان شركه ﵇ قبل المبعث، فجاء إلى النبي ﵇ وقال: أتعرفني، فقال ﵇: «كيف لا أعرِفُكَ وكُنتَ شَريكي، وكُنتَ خيرَ شَريكَ لا تُداري ولا تُماري» (٢) أي: لا تلاحي ولا تخاصم، وبعث النبي ﵇ والناس يفعلون، فأقرهم عليه، وأجمعت الأمة على جوازها.
وأما المعقول: فهي طريق ابتغاء الفضل، وهو مشروع بالكتاب.
قوله: (وهذه الشركة)؛ أي: شركة الأملاك.
قوله: (يمنع التمييز رأسًا)؛ أي: أصلا، كخلط الحنطة بالحنطة، أو ألّا يخرج، كخلط الحنطة بالشعير، وكذا ما يملكان بصدقة أو وصية.
قوله: (وقد بينا الفرق) إلى آخره، وفي مبسوط شيخ الإسلام: الفرق: أن خلط الجنس بالجنس على سبيل التعدّي سبب لزوال الملك عن المخلوط - أي: الخالط ـ، فإذا حصل بغير تعدّي يكون سبب الزوال ثابتا من وجه دون وجه،
стр. 4310
(وَالضَّرِبُ الثَّانِي: شَرِكَةُ العُقُودِ، وَرُكنُهَا: الإِيجَابُ وَالقَبُولُ، وَهُوَ أَنْ يَقُولَ أَحَدُهُمَا: شَارَكتُكَ فِي كَذَا وَكَذَا وَيَقُولَ الآخَرُ: قَبِلت) وَشَرطُهُ: أَنْ يَكُونَ التَّصَرُّفُ المَعقُودُ عَلَيْهِ عَقدَ الشَّركَةِ قَابِلًا لِلوَكَالَةِ، لِيَكُونَ مَا يُستَفَادُ بِالتَّصَرُّفِ مُشْتَرَكًا بَيْنَهُمَا،
فاعتبر نصيب كل واحد زائلًا إلى الشريك، كأنه منع ملك نفسه عملا بالشبهين. وفي الفوائد الظهيرية: الشركة إذا كانت من الابتداء بينهما، بأن اشتريا حنطة أو ورثاها كانت كل حبة يشار إليها مشتركة بينهما، فيتبع أحدهما نصيبه منها، فهو جائز سواء كان بيعه من الشريك أو الأجنبي، أما لو كانت الشركة بالخلط أو الاختلاط، فكل حبة يشار إليها ليست بمشتركة بينهما؛ لأنه يجوز أن تكون تلك الحبة بجميع أجزائها ملكا لصاحبه، ويجوز أن تكون ملكا له، فلا يجوز في هذه الصورة من الأجنبي؛ لأنه لا يقدر على تسليم نصيبه منها، لا جزءا شائعا ولا كلا، فيتوقف جواز بيعه إلى إذن شريكه لاختلاط المبيع مع غيره، أما لو كان البيع من شريكه فيمكن التسليم فيجوز.
قوله: (شاركتك في كذا وكذا)؛ أي: كذا من المال وكذا من التصرف، أي في البزازي والبقالي، أو في عموم التجارات.
وقوله: (عقد الشركة) بالنصب على المصدر، وقوله: (قابلا) خبر كان ٦ وقوله: (المعقود عليه) صفة التصرف، ثم في قوله: (قابلا الوكالة) احتراز عن الشركة في التَّكَدِّي والاحتشاش والاحتطاب والاصطياد، فإن الملك في هذه الصور يقع لمن باشر سببه خاصا، لا على وجه الاشتراك، ولما كانت شركة العقود متضمنة للوكالة؛ علل بتضمن هذه العقود الوكالة بقوله: (ليكون ما يستفاد من العقد مشتركا) إذ لو لم يكن كل واحد وكيلا عن صاحبه في النصف وفي النصف عاملا لنفسه؛ لا يكون المستفاد مشتركا، وخصت المفاوضة بتضمن الكفالة؛ لأنها تقتضي المساواة فيما يتصل بالتجارات من النفع والضرر، وإنما يستويان في الضرر إذا كان كل واحد مطالبة بسبب تجارة للآخر. كذا في مبسوط شيخ الإسلام.
وقيل في وجه الانحصار على الأربعة: أن العقد إما إن ذكرا فيه المال أو لم يذكرا، ففي الذكر شرطا المساواة في المال وربحه وتصرفه، وضرره ونفعه