فَلِأَنَّ المُكَاتَبَ إِنَّمَا يَمْلِكُ أَكسَابَهُ بِالكِتَابَةِ، وَالكِتَابَةُ لَا تَتَوَقَّفُ بِالرِّدَّةِ فَكَذَا أَكسَابُهُ؛ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا يَتَوَقَّفُ تَصَرُّفُهُ بِالأَقوَى وَهُوَ الرِّقُ، فَكَذَا بِالْأَدْنَى بِالطَّرِيقِ الأُولَى.
(وَإِذَا ارْتَدَّ الرَّجُلُ وَامرَأَتُهُ - وَالعِيَاذُ بِاللَّهِ - وَلَحِقَا بِدَارِ الحَرْبِ فَحَبِلَتِ المَرأَةُ فِي دَارِ الحَرْبِ وَوَلَدَت وَلَدًا، وَوُلِدَ لِوَلَدِهِمَا وَلَدٌ، فَظُهِرَ عَلَيْهِم جَمِيعًا، …
ألا ترى أنه لا تنفذ وصيته، وإن مات عن وفاء؛ لأنها ليست من الحقوق المستحقة بالكتابة، وإذا كان كذلك فنقول في حق عدم صيرورته فيئا: يجعل كأنه مات عبدًا، وكسب العبد المرتد لا يكون فيئا؛ لأنه يصير مال المسلم، ومال المسلم لا يُغنَمُ، وإذا لم يغنم صار لحوقه كموته، ولو مات عن وفاء يوفي مولاه مكاتبته، والباقي لورثته كذا هنا، أشير إليه في الفوائد الظهيرية (١).
قوله: (فكذا بالأدنى) وهو الردة يعني الرق أقوى من الردة في المانعية من التصرف؛ لأن بعض تصرفات المرتد نافذ بالإجماع عنده كالاستيلاد.
وعندهما عامة تصرفاته نافذ، وأما العبد فممنوع عن التصرفات. ثم لما لم يتوقف تصرف المكاتب مع كونه رقيقا لم يتوقف تصرفه أيضًا مع كونه مرتدا بالطريق الأولى.
ولو قيل: جاز ألا يمنع كل واحد من الرق والردة من التصرف؛ فإذا اجتمعا منعا كما في الشاهدين؛ إذ كل واحد لا يثبت شيئًا، وبعد الاجتماع يثبت وهاهنا اجتمع كونه مكاتبا ورقيقا ومرتدا فجاز أن يمنع.
أجيب عنه أن الكتابة مطلق للتصرف بانفراده فلا يثبت الرجحان بزيادة العلة، كما لو أقام أحد المدعيين شاهدين والآخر أربعة؛ بل الرجحان يثبت بوصف في العلة لا بالعلة لما عرف.
قوله: (فحبلت المرأة في دار الحرب … ) إلى آخره، قيل: ذكر دار الحرب وقع اتفاقا؛ فإنها لو حبلت في دارنا ولحقت به بدار الحرب فالجواب كذلك، ولعل يشتمل على الفائدة، وهي أن العلوق متى كان في دار الحرب كان أبعد عن الإسلام، ومتى كان في دار الإسلام كان أقرب إلى دار الإسلام باعتبار
стр. 4237
فَالوَلَدَانِ فَيْء)؛ لِأَنَّ المُرتَدَّةَ تُستَرَقُ فَيَتَبَعُهَا وَلَدُهَا، وَيُجِبَرُ الوَلَدُ الأَوَّلُ عَلَى الإِسْلَامِ، وَلَا يُجِبَرُ وَلَدُ الوَلَدِ.
الدار؛ لكون الدار جهة في الاستتباع فالجبر هناك يكون جبرا هنا بالطريق الأولى (فالولدان فيء)، وقال الشافعي في وجهِهِ (١): يجوز استرقاق ولد المرتد كقولنا، وبه قال أحمد (٢). وفي قول (٣): لا يسترق كأبيه وله حكم أبيه، وبه قال
مالك (٤).
وفي المحيط (٥): إذا ولدت لستة أشهر في دار الحرب، من حين اللحاق ثم سبيا يكونان فيئا، ولو ولدت لأقل من ستة أشهر لم يصر الولد فيئًا.
وفي الحلية (٦): قال أبو حنيفة: إن ولدت في دار الإسلام لم يجز استرقاق الولد فيعلم من هذا فائدة قوله: ولدت في دار الحرب.
قوله: (ويجبر الولد الأول على الإسلام) بإجماع الأئمة الأربعة (٧) بعد أن يصير مميزا تبعا لأبيه (ولا يجبر ولد الولد)؛ لأن الأولاد يتبعون الآباء في الدين والأحفاد لا يتبعون الأجداد فيه لقوله ﵇: كُلُّ مَولود يولَدُ علَى الفِطرة فأبواهُ يُهوِّدانِهِ (٨) الحديث، أي: يتبعان في اليهودية، والاتباع على منافاة الدليل، وإنما صير إليه في الآباء والأمهات نصا فبقي من عداهم على ما يقتضيه الدليل.
ولأنه لو جاز استتباع الأجداد الأحفاد؛ لما جاز ضرب الجزية على كافر ما؛ بل يجبرون على الإسلام؛ لأنهم مرتدون إذ هم أولاد آدم وحواء عليهما
стр. 4238
وَرَوَى الحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ: أَنَّهُ يُجبَرُ تَبَعا لِلجَدِّ، وَأَصْلُهُ: التَّبَعِيَّةُ فِي الإسلام، وَهِيَ رَابِعَةُ أَربَعِ مَسَائِلَ كُلُّهَا عَلَى الرِّوَايَتَينِ. وَالثَّانِيَةُ: صَدَقَةُ الفِطرِ. وَالثَّالِثَةُ: جَرُّ الوَلَاءِ. وَالأُخرَى: الوَصِيَّةُ لِلقَرَابَةِ.
السلام أو أولاد نوح ﵇، وإذا كان كذلك كان الولد مرتدا تبعًا لأبويه ولا يكون الحافد مرتدا تبعا لجده والمرتد يجبر على الإسلام وغيره لا يجبر. ولا يجوز أن يصير الحافد مرتدا تبعًا لأبيه؛ لأن أباه كان مرتدا تبعًا لأبيه حكما وضرورة، (١) ولهذا يجبر على الإسلام إن كان بالغا بالحبس لا بالقتل خلافًا لمالك؛ لأن ارتداده لم يكن عن اعتقاد؛ بل كان بطريق الاستتباع فلا يستوجب القتل، وما ثبت ضرورة يكون عدمًا فيما وراء الضرورة، ولا ضرورة في حق ولد الولد فلا تظهر ردة الولد في حقه فلا يجعل مرتدا تبعا له.
(وروى الحسن عنه أنه يجبر تبعًا للجد)؛ إذ الجبر على الإسلام كالإسلام، وولد الولد يتبع الجد في الإسلام في رواية الحسن فكذا في الجبر إذ التبعية في حق الأب للتفرغ، والتفرغ ثابت في حق الجد، ولهذا [كان] (٢) بمنزلة الأب في النكاح وبيع مال الصغير.
قوله: (والثانية صدقة الفطر) فإن الأب إذا كان فقيرًا أو عبدا والجد موسر؛ فطرة الحافد عليه.
وصورة (جَرُّ الولاء) إذا أعتق الجد، والحافد حرّ وأمّه معتقة الغير، وولاؤه لمولى أمه والأب عبد هل يعتبر ولاء الحافد لمولى الأم أم لا؟.
وصورة (الوصية للقرابة) إن أوصى رجل لذوي قرابته، لا يدخل الولدان فيها، ويدخل الجد في ظاهر الرواية، وفي رواية الحسن: لا يدخل كذا في جامع قاضي خان والفوائد الظهيرية (٣).
стр. 4239
قَالَ: (وَارْتِدَادُ الصَّبِيِّ الَّذِي يَعْقِلُ ابْتِدَادٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّد، وَيُجِبَرُ عَلَى الإِسْلَامِ وَلَا يُقتَلُ، وَإِسْلَامُهُ إِسلَامٌ، وَلَا يَرِثُ أَبَوَيْهِ إِنْ كَانَا كَافِرَينِ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: ارْتِدَادُهُ لَيْسَ بِارْتِدَادٍ وَإِسْلَامُهُ إِسلَامُ) (*) وَقَالَ زُفَرُ وَالشَّافِعِيُّ: إِسْلَامُهُ لَيْسَ
بِإِسلَامِ وَارْتِدَادُهُ لَيْسَ بِارْتِدَادٍ. لَهُمَا فِي الإِسْلَامِ: أَنَّهُ تَبَعٌ لِأَبَوَيْهِ فِيهِ فَلَا يُجْعَلُ أَصلًا.
قوله: (ارتداد الصبي الذي يعقل … ) إلى آخره فقال مالك (١) وأحمد (٢) في ظاهر روايته كقولهما في ردته وصحة إسلامه.
قوله: (ويجبر على الإسلام ولا يقتل)، وإن بلغ كافرًا ولكنه يحبس، كذا ذكره التمرتاشي.
وعند مالك (٣) وأحمد (٤): يقتل إذا بلغ ولم يرجع صار أهلا للعقوبة.
وقال أبو يوسف (٥): ارتداده ليس بارتداد وإسلامه إسلام وبه قال أحمد (٦) في رواية وسحنون المالكي.
وفي المحيط (٧): عن أبي مالك عن أبي يوسف أن أبا حنيفة رجع إلى قول أبي يوسف.
قال ابن المنذر: هذا الخلاف في الصبي المميز، ولا خلاف لأهل العلم في الذي لم يعقل أنه لا تصح ردته ولا إسلامه؛ إذ لا حكم لكلامه كالمجنون.
قوله: (أنه) أي الصبي (تبع لأبويه فيه) في الإسلام (فلا يجعل أصلا فيه) لاستحالة أن يكون تبعًا ومتبوعا في حكم واحد، ولأن التبعية سمة العجز والأصالة دليل القدرة وبين العجز والقدرة تنافٍ وتضادّ، ثم إسلامه يصح بطريق
стр. 4240
وَلِأَنَّهُ يَلزَمُهُ أَحكَامًا تَشُوبُهَا المَضَرَّةُ فَلَا يُؤَهَّلُ لَهُ. وَلَنَا فِيهِ: أَنَّ عَلِيًّا ﵁ أَسْلَمَ فِي صِبَاهُ، وَصَحَّحَ النَّبِيُّ ﷺ إِسْلَامَهُ، وَافْتِخَارُهُ بِذَلِكَ مَشْهُورٌ.
التبعية بالإجماع فلا يصح بطريق الأصالة (ولأنه) تلحقه (أحكامًا تشوبها (١) المضرة) كحرمان الإرث والفرقة بينه وبين امرأته المشركة (فلا يؤهل له) كالطلاق والعتاق (٢).
قوله: (وافتخاره) أي: افتخار عليّ بذلك مشهور حتى كان يقول:
سبقْتُكُمُ إلى الإيمانِ طُرًّا … غُلَامًا مَا بَلَغْتُ أوانَ حُلمي
وقيل: أول من أسلم من الرجال أبو بكر، ومن النساء خديجة، ومن الصبيان علي، ومن العبيد بلال.
واختلفت الروايات في سنّه حين أسلم وحين مات، فقال جعفر بن محمد: أسلم وهو ابن خمس، ومات وهو ابن ثمان وخمسين؛ لأنه دعاه إلى الإسلام في مبعثه ومدة البعثة ثلاثة وعشرون سنة، والخلافة بعده ثلاثون انتهت بموت علي؛ فإذا ضممت خمسًا إلى ثلاث وخمسين يصير ثمانيا وخمسين (٣).
وقال القتبي: أسلم وهو ابن سبع سنين ومات وهو ابن ستين بهذا الطريق أيضا (٤).
وفي الكافي (٥): والتعلق به مشكل؛ إذ لم ينقل أنه ﵇ صحح إسلامه في أحكام الدنيا من حرمان الميراث ووقوع الفرقة، وإن قلت: صحت في أحكام الآخرة فهذا مُسلَّم ولا كلام فيه، وإنما الكلام في أحكام الدنيا. فإن قلت: ذكره مطلقا فانصرفت إليهما. قلنا: هي حكاية حال فلا عموم له، وأحكام الآخرة مرادة فلا يراد غيره، أجيب أنه ﵇ صحح صلاته وصومه وغزوه حتى أعطى له السهم، فعلم أنه ﵇ صححه في أحكام الدنيا أيضًا.
стр. 4241
وَلِأَنَّهُ أَتَى بِحَقِيقَةِ الإِسْلَامِ وَهِيَ التَّصْدِيقُ وَالإِقْرَارُ مَعَهُ؛ لِأَنَّ الإِقْرَارَ عَنْ طَوع دَلِيلٌ عَلَى الاعْتِقَادِ عَلَى مَا عُرِفَ وَالحَقَائِقُ لَا تُرَدُّ، وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ سَعَادَةٌ أَبَدِيَّةٌ وَنَجَاةٌ عَقِبَاوِيَّةٌ، وَهِيَ مِنْ أَجَلُ المَنَافِعِ وَهُوَ الحُكمُ الأَصْلِيُّ، ثُمَّ يُبَتَنَى عَلَيْهِ غَيْرُهَا فَلَا يُبَالِي بِشَوبِهِ.
(ولأنه أتى بحقيقة الإسلام) إذ هو تصديق بالجنان وإقرار باللسان، وهو من أهله فوجب ألا يرد كالبالغ؛ إذ الكلام في صبي عاقل يفهم الحجة على وحدانية الله تعالى، ونبوة محمد ﷺ حتى إذا ناظر أَفْهَمَ المُوَحِّدَ وأَفحَمَ المُلْحِدَ، والاعتقاد باطن لا يوقف عليه فأقيم السبب الظاهر وهو (الإقرار عن طوع) مقامه. ألا ترى أنه مع الصبا أهل للرسالة قال تعالى: ﴿وَآتَيْنَهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾ [مريم: ١٢].
ثم بعد وجود الشيء من أهله حقيقة؛ إما أن يسقط اعتباره بحجر شرعي والحجر عن الإسلام باطل أو لا يحكم بصحته لضرر يلحقه وذا باطل لأنه سبب للفوز الأبدي فكان محض منفعة في الدنيا والآخرة (وهو الحكم الأصلي) الموضوع له (ثم) قد (يبتنى عليه) حرمان الإرث والفرقة فلا يبالي بذلك؛ لأن المنظور إليه في التصرفات الموضوعات الأصلية.
ألا ترى أن ذا يثبت إذا جعل مسلما تبعا لغيره، والتبعية فيما يتمحض نفعًا لا فيما يشوبه ضرر، وكونه مُوَلَّى عليه لا ينفي كونه وليا بل يثبت الأمران لينتفع بهما.
وهذا لأنه لما كان قاصر الأهلية صلح مولى ولما كان صاحب أصل الأهلية صلح وليا فمتى جعلناه وليا لم نجعله مولى عليه ومتى جعلناه مولى عليه لم نجعله وليًا فيه فإنه إذا صار مسلمًا بإسلام نفسه لا يكون تبعا لأبويه وإذا كان مسلمًا تبعًا لا يكون مسلما بإسلام نفسه فلا يكون بينهما منافاة.
ولأن الجمع بين معنى التبعية والأصالة؛ إنما لا يجوز إذا كان بينهما مضادة فأما إذا تأيد أحدهما بالآخر فذلك يستقيم، كما في المرأة تسافر مع زوجها ونوت السفر؛ فهي مسافرة بنيتها مقصودة وتبع لزوجها أيضًا، كذا في المبسوط (١).
стр. 4242
وَلَهُمْ فِي الرِّدَّةِ: أَنَّهَا مَضَرَّةٌ مَحضَةٌ، بِخِلَافِ الإِسْلَامِ عَلَى أَصْلِ أَبِي يُوسُفَ؛ لِأَنَّهُ تَعَلَّقَ بِهِ أَعلَى المَنَافِعِ عَلَى مَا مَرَّ. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّد فِيهَا: أَنَّهَا مَوجُودَةٌ حَقِيقَة، وَلَا مَرَدَّ لِلحَقِيقَةِ كَمَا قُلْنَا فِي الإِسْلَامِ، إِلَّا أَنَّهُ يُجِبَرُ عَلَى الإِسْلَامِ لِمَا فِيهِ مِنْ النَّفْعِ لَهُ، وَلَا يُقْتَلُ؛ لِأَنَّهُ عُقُوبَةٌ، وَالعُقُوبَاتُ مَوضُوعَةٌ عَنِ الصَّبْيَانِ … ... … ..
قوله: (ولهم)، أي: لأبي يوسف وزفر والشافعي (١) أنها أي: الردة (مضرة)، أي: من التصرفات الضارة المحضة والصبي لا يؤهل للضار المحض كالهبة.
قوله: (كما قلنا في الإسلام). فإن قيل: لا يستقيم هذا القياس؛ لأن الردة ليست نظير الإسلام؛ لما ذكرنا أنه نفع محض والردة ضارة محضة فكيف يستقيم قياس أحدهما بالآخر؟ ألا ترى أن الهبة لا تصح بالإجماع وقبول الهبة يصح لأنه نفع محض وردها باطل لأنه ضرر محض.
قلنا: هذا منا اعتبار الشيء بعد وجود حقيقته فبعد ذلك لا يعتبر أنه نفع أو ضرر، وهذا لأن الردة جهل يخالفه، وجهله في سائر الأشياء يعتبر حتى لا يجعل عارفا إذا علم جهله فعلم أن قياس الردة بالإسلام صحيح من حيث اعتبار الشيء بعد وجود حقيته.
وبعذر الصبا لا يجعل ما وجد منه حقيقة غير موجودة؛ فإنه إذا صام وأكل عمدا ينعدم الصوم لوجود حقيقة الأكل، ولا يعذر بعذر الصبا، ولأن من ضرورة كونه أهلا للعقد أهلا لرفعه، كما أنه إذا كان أهلا لعقد الإحرام كالصلاة كان أهلا للخروج منهما، وإنما لم يصح منه رد الهبة لما فيه من نقل الملك إلى غيره. ألا ترى أن ضرر الردة يلحقه بطريق التبعية إذا ارتد أبواه، ولحاقه بدار الحرب وضرره على الخلاف (٢).
قوله: (ولا يقتل) أي استحسانا، أما في القياس يقتل؛ لارتداده بعد إسلامه.
стр. 4243
مَرحَمَة عَلَيْهِم. وَهَذَا فِي الصَّبِيِّ الَّذِي يَعْقِلُ. وَمَنْ لَا يَعْقِلُ مِنْ الصِّبْيَانِ لَا يَصِحُّ
وفي النهاية: جنس هذه المسألة في أربعة مواضع:
أحدها: في الذي أسلم تبعا لأبيه إذا بلغ مرتدا؛ ففي القياس يقتل وهو قول مالك (١) والشافعي (٢)، وفي الاستحسان لا يقتل؛ لأنه ما كان مقصودا بنفسه، وإسلامه يثبت تبعًا لغيره فيصير ذلك شبهة في إسقاط القتل عنه، وإن بلغ مرتدا.
والثاني: أسلم في صغره ثم بلغ مرتدا فهو على هذا القياس والاستحسان؛ لقيام الشبهة بسبب اختلاف العلماء في صحة إسلامه في الصغر.
والثالث: إذا ارتد في صغره.
والرابع: المكره على الإسلام إذا ارتد فإنه لا يقتل استحسانا؛ إذ الحكم بإسلامه من حيث الظاهر، ولكن قيام السيف على رأسه دليل على عدم اعتقاده فيصير ذلك شبهة في إسقاط القتل، وفي جميع ذلك يجبر على الإسلام، ولو قتله قاتل قبل أن يسلم لا يلزمه شيء، كله من المبسوط (٣).
قوله: (مرحمة عليهم) قيل: في هذا التعليل نظر؛ لأنه أسقط عقوبة القتل من الصبي المرتد باعتبار المرحمة لصباه، وما أسقط عقوبة النار مخلدا فإنه ذكر في الأسرار (٤)، والمبسوط (٥) وجامع التمرتاشي (٦): أنه يعاقب بالردة يوم القيامة، وأحال التمرتاشي هذه الرواية إلى التبصرة، وصرح فيها بالتأبيد كمن كفر من الصغير والصغيرة من غير ارتداد؛ فأولى أن يخلد في النار المرتد؛ لأن كفر المرتد أغلظ فأولى في التعليل ما ذكره في المبسوط؛ إنما لا يقتل لقيام الشبهة بسبب اختلاف العلماء في صحة إسلامه في الصغر.
стр. 4244
ارتِدَادُهُ؛ لِأَنَّ إقرَارَهُ لَا يَدُلُّ عَلَى تَغَيَّرِ العَقِيدَةِ، وَكَذَا المَجْنُونُ وَالسَّكَرَانُ الَّذِي لَا يَعْقِلُ.
قوله: (والسكران الذي لا يعقل) أي لا يصح ارتداده وبه قال مالك (١) وأحمد في رواية (٢) والشافعي في قول (٣). وقال في قول (٤) وأحمد (٥): يصح ارتداده كطلاقه.
وقلنا: الردة تبتني على تبدل الاعتقاد، ونحن نعلم أن السكران غير معتقد لما يقول ولا خلاف في عدم صحة ردة المجنون وإسلامه.
فروع
وتقبل الشهادة على الردة من عدلين باتفاق أكثر أهل العلم. قال ابن المنذر (٦): لا نعلم أحدًا خالفهم إلا الحسن قال: لا يقبل في القتل إلا أربعة قياسًا على الزنا.
وقلنا: شهادة في غير الزنا فتقبل من عدلين بالنصوص كما في السرقة، واعتباره بالزنا غير صحيح؛ لأن ذلك ثبت بالنص على خلاف القياس.
قتل المرتد إلى الإمام عند عامة أهل العلم إلا عند الشافعي وجه في العبد إلى سيده.
ومن أصاب حدا ثم ارتدَّ ثم أسلم إن لم يلحق بدار الحرب أقيم عليه الحد، وإن لحق لا، وبه قال الثوري (٧). وقال الشافعي (٨) وأحمد (٩): أقيم عليه الحد سواء لحق بدار الحرب أو لم يلحق.
стр. 4245
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ولا تقبل توبة الساحر في رواية (١) وبه قال مالك (٢) وأحمد في رواية (٣). وقال الشافعي (٤) وأحمد (٥): تقبل توبة كل مرتد سواء كان كفره مما يتظاهر به أهله أومما يستتر به أهله، كالزندقة والتعطيل. ثم للسحر حقيقة وله تأثير في إيلام الأجسام وقال بعض أصحاب الشافعي (٦) وبعض الظاهرية (٧): لا حقيقة له ولا يؤثر في الجسم إنما هو تخييل. وعن أصحابنا (٨): إن كان شيئًا يصل إلى بدن المسحور كدخان ونحوه يجوز أن يؤثر، وإن لم يصل إلى بدنه. وتعلم السحر وتعليمه حرام بلا خلاف من أهل العلم، ولو اعتقد إباحته كفر، وعن أصحابنا (٩) ومالك (١٠) وأحمد (١١) يكفر الساحر بتعلمه وفعله سواء اعتقد تحريمه أو لا ويقتل. وهكذا روي عن عمر وعثمان وابن عمر، وجندب بن عبد الله وجندب بن كعب، وقيس بن سعد وعمر بن عبد العزيز؛ فإنهم قتلوه بدون الاستتابة.
стр. 4246
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وعند الشافعي (١) لا يقتل ولا يكفر إلا إذا اعتقد إباحته.
وإنما الكاهن قيل: هو الساحر. وقيل: هو العرّاف الذي يحدث ويتخرّص.
وقيل: الذي له رئي من الجن يأتيه بالأخبار؛ فقال أصحابنا (٢) إن اعتقد أن الشياطين يفعلون ما يشاء كفر، وإن اعتقد أنه تخييل لم يكفر.
وعند الشافعي (٣) إن اعتقد ما يوجب الكفر مثل التقرب إلى الكواكب السبعة، وأنها تفعل ما يلتمس يكفر.
وعند أحمد (٤) حكمه حكم الساحر، وفي رواية (٥): يقتل لقول عمر ﵁ اقتلوا الساحر والكاهن، وفي رواية (٦) إن تاب يدرأ (٧) عنه القتل.
ولا يقبل من المرتدين إن ظهرنا عليهم إلا الإسلام أو السيف كمشركي العرب فتقسم الأموال والأراضي بين المسلمين، ويوضع على الأراضي العشر، ولو قسم أموالهم ونساءهم وذراريهم، ونقل إلى أراضيهم قوم ذمة يؤدون الجزية والخراج عن الأراضي جاز.
ولو أسلموا بعد ما ظهرنا عليهم فهم أحرار؛ لأنهم لا رق عليهم، والإمام إن شاء قسم أموالهم وأراضيهم وهي عشرية، وإن شاء من عليهم بأموالهم وأراضيهم وجعل الأراضي عشرية لأنهم مسلمون، وإن شاء وضع الخراج عليها بخلاف أهل الحرب، لو أسلموا بعد ما ظهر عليهم فهم ونساؤهم وأموالهم وذراريهم فيء للغانمين ووضع على أراضيهم العشر أو الخراج؛ لأن إسلامهم بعدما صاروا فيئا للمسلمين.
стр. 4247
بَابُ البُغَاةِ
باب البغاة
أُخّر هذا الباب عن المرتد لقلة وجوده.
البغاة: جمع الباغي، كالقضاة والغزاة، جمع القاضي والغازي، والبغي:
الخروج على إمام الحق.
والبغي لغة: الطلب، قال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا نَبْغِ﴾ [الكهف: ٦٤]، وخص هاهنا بطلب ما لا يجوز شرعًا.
ثم اعلم أن طاعة الإمام الحق، وهو الذي اجتمع عليه المسلمون أو من تثبت إمامته بعهد إمام الحق واجب، وكل من خرج عليه يجوز قتاله لقوله ﵇: «مَنْ أَعْطَى إمامًا صفقة يده وثمرة قلبه فليطعه ما استطاع؛ فَإِنْ جَاءَ آخرُ يُنازِعُهُ فاضْرِبُوا عُنُقَ الآخَرِ» رواه مسلم (١)، وقال ﵇: «سيكون هناتٍ وهناتٍ - ورفع صوته - أَلَا مَنْ خرجَ عَلَى أُمَّتِي وَهُمْ جَمْعُ؛ فَاضْرِبُوا عُنُقَهُ بالسّيفِ كَائِنَا مَنْ كانَ» (٢)، وأجمعت الصحابة ﵃ على قتال البغاة (٣).
ثم الخارجون عن قبضة الإمام أصناف أربعة:
أحدها: قوم امتنعوا عن طاعته وخرجوا عن قبضته بلا تأويل؛ فهم قطاع الطريق وقد بينا أحكامهم.
والثاني: نفر يسير لهم تأويل ولا منعة لهم؛ فهم كقطاع الطريق إلا عند أبي بكر الحنبلي (٤) فإن عنده هم البغاة سواء كانوا قليلًا أو كثيرًا.
الثالث: الخوارج يُكَفِّرُونَ أهل الحق وأصحاب رسول الله ﷺ ، مثل عثمان وعلي وطلحة والزبير وكثير من الصحابة، ويستحلون دماء المسلمين وأموالهم، وقتل الصحابة إلا من خرج معهم؛ فظاهر قول جمهور الفقهاء (٥) وجمهور
стр. 4248
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[أهل] (١) الحديث (٢) أن حكمهم حكم البغاة، ومالك (٣) يرى استتابتهم فإن تابوا وإلا قتلوا؛ دفعًا لفسادهم لا لكفرهم.
وقال بعض أهل الحديث (٤): أنهم مرتدون وحكمهم حكم المرتدين لقوله ﵇: «يخرج قوم في آخِرِ الزمان أحداث الأسنان سفهاء الأحلام يقولون مِنْ قَولِ خير البرية يقرؤون القرآن لا يُجاوِزُ حناجرهم يمرقون من الدِّينِ كَما يَمْرُقُ السهمُ مِنَ الرّمية فأينما لقيتُموهم فاقتلوهم فإنّ في قَتْلِهِمْ أَجْرٌ لِمَنْ قَتلَهُمْ يوم القيامة» رواه البخاري (٥).
وعن أبي أمامة أنه رأى رؤوسًا منصوبة على درج مسجد دمشق فقال: «كلاب أهل النار كلاب أهلِ النَّارِ كلابُ أهلِ النَّارِ» قد كان هؤلاء مسلمين فصاروا كفارا. قيل يا أبا أمامة هذا شيء تقوله قال: بل سمعت رسول الله ﷺ يقوله، وأكثر الفقهاء (٦) على أنهم بغاة لا يرون تكفيرهم.
قال ابن المنذر: لا أعلم أحدًا وافق أهل الحديث على تكفيرهم (٧).
وفي المحيط (٨): في تكفير أهل البدع كلام فبعض العلماء لا يكفرون أحدًا، وبعضهم يكفرون البعض، وهو أن كل بدعة تخالف دليلا قطعيا فهو كفر، وكل بدعة لا تخالف دليلا يوجب العلم فهو بدعة وضلال، وعليه اعتمد عامة أهل السنة والجماعة (٩).
стр. 4249
(وَإِذَا تَغَلَّبَ قَومٌ مِنْ المُسلِمِينَ عَلَى بَلَدٍ، وَخَرَجُوا مِنْ طَاعَةِ الإِمَامِ، دَعَاهُم إِلَى العَودِ إِلَى الجَمَاعَةِ وَكَشَفَ عَنْ شُبْهَتِهِم)؛ لِأَنَّ عَلِيًّا فَعَلَ كَذَلِكَ بِأَهْلِ حَرُورَاءَ قَبلَ قِتَالِهِم، وَلِأَنَّهُ أَهْوَنُ الأَمرَينِ. وَلَعَلَّ الشَّرَّ يَندَفِعُ بِهِ فَيُبْدَأُ بِهِ.
(وَلَا يَبْدَأُ بِقِتَالَ حَتَّى يَبْدَؤُوهُ، فَإِنْ بَدَؤُوهُ قَاتَلَهُم حَتَّى يُفَرِّقَ جَمْعَهُم) قَالَ العَبدُ
وأجمعت الأمة على تضليل أهل البدع وتخطئتهم إلا العنبري وهو عبد الله البصري فإنه خالف الأمة، وقال: المجتهدون في المعتقدات مصيب وهو كفر.
أصل هذا ما ذكر محمد بن الحسن حديث كثير بن نمر الحضرمي أنه قال: دخلت مسجد الكوفة فإذا خمسة نفر يسبون عليًّا، ويعاهدون قتله فأتيت عليًا وأخبرته فقال علي: ويحك خل عن الرجل … الحديث؛ فعلم منه أن سب علي وقتله لا يكون كفرًا، وعلم أن الخوارج مسلمون إلا من استحل قتل علي؛ فإن من استحل قتل مسلم يكفر، وعلم منه أن حكم البغي لا يثبت ما لم يتغلبوا ويجتمعوا وتصير لهم منعة.
والرابع: قوم مسلمون خرجوا على الإمام الحق فهؤلاء البغاة.
وفي المحيط: الخوارج قوم خرجوا على علي يوم الحكمين وهو عمرو بن العاص من جانب معاوية، وأبو موسى الأشعري من جانب علي والقصة معروفة.
قوله: (إذا تغلب … ) إلى آخره يقال: تغلب علي بكذا؛ أي استولى قهرًا.
و (حروراء) - بالحاء المهملة، تمدّ وتقصر -: قرية كان بها اجتماع الخوارج.
قيل: في سبب خروجهم أن عليا لما حكم أبا موسى الأشعري بينه وبين معاوية، خرجت طائفة من المسلمين على علي وقالوا: القتال واجب بالنص، وعلي ترك القتال بالتحكيم؛ فأرسل علي ﵁ ابن عباس ليكشف شبهتهم.
قال ابن عباس هذه الحادثة ليست بأدنى من بيض الحمام وفيه التحكيم بقوله تعالى: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ﴾ [المائدة: ٩٥]، وكان تحكيم علي موافقًا
стр. 4250
الضَّعِيفُ: هَكَذَا ذَكَرَهُ القُدُورِيُّ فِي مُختَصَرِهِ. وَذَكَرَ الإِمَامُ المَعْرُوفُ بِخُوَاهَر زَادَه: أَنَّ عِنْدَنَا يَجُوزُ أَنْ يَبدَأَ بِقِتَالِهِمْ إِذَا تَعَسكَرُوا وَاجْتَمَعُوا.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يَجُوزُ حَتَّى يَبْدَؤُوا بِالقِتَالِ حَقِيقَة؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ قَتَلُ المُسلِم إِلَّا دَفعًا وَهُمْ مُسلِمُونَ، بِخِلَافِ الكَافِرِ؛ لِأَنَّ نَفسَ الكُفْرِ مُبِيحٌ عِندَهُ. وَلَنَا: أَنَّ الحُكمَ يُدَارُ عَلَى الدَّلِيلِ وَهُوَ الِاجْتِمَاعُ وَالامْتِنَاعُ، وَهَذَا؛ لِأَنَّهُ لَو انتَظَرَ الإِمَامُ حَقِيقَةَ قِتَالِهِم رُبَّمَا لَا يُمكِنُهُ الدَّفْعُ فَيُدَارُ عَلَى الدَّلِيلِ ضَرُورَةَ دَفْعِ شَرِّهِم، وَإِذَا بَلَغَهُ
للنص فألزمهم الحجة؛ فتاب البعض وأصر قوم على ذلك. قوله: (القدوري في مختصره) وهو قول الشافعي ومالك وأحمد وأكثر أهل العلم؛ لأنه لا [يحل] (١) قتل مسلم إلا دفعًا وهم مسلمون، وبعدما اجتمعوا وصار لهم منعة، وجد القتال منهم معنى، من حيث إنهم ترصدوا بقتال الإمام؛ فبالنظر إلى أن حقيقة القتال لم توجد منهم لم يبح قتلهم، وبالنظر إلى المعنى مباح فلم يبح بالشك، بخلاف الكفار لأن الكفر مبيح عنده. وعن علي ﵁ قال للخوارج: لن نقاتلكم حتى تقاتلوا.
قوله: (وقال الإمام خواهر زاده) هو خواهر زاده القاضي الإمام؛ أي نائب. صاحب الذخيرة والمبسوط والإيضاح: يحل قتالهم وإن لم يبدؤوا بالقتال إذا تحيزوا واجتمعوا؛ لأن خروجهم على الإمام معصية والقيام بقتالهم نهي عن المنكر، وقد أمرنا به فنقاتلهم وإن لم يبدؤوا، ولأن (الحكم يدار على دليل القتال) وهو الاجتماع، فلو شرطنا حقيقة القتال ربما لا يمكننا دفعهم.
وفي المبسوط والإيضاح (٢): فحالهم في ذلك كحال المرتدين، وأهل الحرب الذين بلغتهم الدعوة، ولهذا يجوز قتالهم بكل ما يجوز قتال أهل الحرب، كالرمي بالنبل والمنجنيق وإرسال الماء والنار عليهم، والبيات بالليل؛ لأن قتالهم حينئذ فرض كقتال أهل الحرب والمرتدين.
وعند الأئمة الثلاثة: قتالهم بالمنجنيق وإرسال الماء والنار لا يجوز إلا اذا لم يدفعوا بدونه، ومعنى قول علي ﵁: حتى تقاتلوا حتى تعزموا على القتال بالتجمع والتحيز عن أهل العدل.
стр. 4251
أَنَّهُمْ يَشْتَرُونَ السِّلَاحَ وَيَتَأَهَّبُونَ لِلقِتَالِ، يَنبَغِي أَنْ يَأْخُذَهُم وَيَحْبِسَهُم حَتَّى يُقْلِعُوا عَنْ ذَلِكَ وَيُحْدِثُوا تَوبَة، دَفعًا لِلشَّرِّ بِقَدرِ الإِمْكَانِ. وَالمَروِيُّ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ مِنْ لُزُومِ البَيتِ مَحمُولٌ عَلَى حَالِ عَدَمِ الإِمَامِ، أَمَّا إِعَانَةُ الإِمَامِ الحَقِّ فَمِنْ الوَاجِبِ عِنْدَ الغَنَاءِ وَالقُدْرَةِ.
قوله: (حتى يقلعوا)؛ أي يمتنعوا عن ذلك.
قوله: (والمروي عن أبي حنيفة) روى الحسن عنه أنه قال: إذا وقعت الفتنة بين المسلمين؛ فالواجب على كل مسلم أن يعتزل الفتنة ويقعد في بيته لقوله ﵇: «مَنْ فرَّ مِنَ الفتنة أعتق الله رقبتَهُ مِنَ النارِ» (١) وقال لواحد من الصحابة في الفتنة: «كُنْ حِلْسًا مِنْ أَحْلاسِ بَيْتِك، فإذا دخل عليكَ فكُنْ عبد الله المقتول أو عبد الله» (٢)، معناه: كن ساكنا في بيتك لا قاصدًا.
هذا (محمول عند عدم الإمام)، أما طاعة الإمام واجبة، وما روي أن ابن عمر وطائفة من الصحابة قعدوا عن الفتنة؛ فمحمول على أنهم لم تكن لهم قدرة وغناء.
وفي فتاوى العصر والقنية: وما روي من الحديث؛ أن القاتل والمقتول في النار؛ محمول على الباغِيَيْنِ يَقتَتِلان لأجل الدنيا والمملكة، أو على أهل محلة اقتتلوا بالحمية والعصبية؛ فإنه لا ينبغي أن يقاتل أهل أحدهما.
стр. 4252
(فَإِنْ كَانَتْ لَهُمْ فِئَةٌ أُجْهِزَ عَلَى جَرِيحِهِم وَأُتبِعَ مُوَلِّيهِم) دَفَعًا لِشَرِّهِم كَي لَا يَلْحَقُوا بِهِمْ (وَإِنْ لَم يَكُنْ لَهُمْ فِئَةٌ لَم يُجهز عَلَى جَرِيحِهِم وَلَم يُتَبَعْ مُوَلِّيهِم لِاندِفَاعِ الشَّرِّ دُونَهُ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يَجُوزُ ذَلِكَ فِي الحَالَينِ؛ لِأَنَّ الْقِتَالَ إِذَا تَرَكُوهُ لَم يَبْقَ قَتْلُهُم دَفعًا.
وَجَوَابُهُ مَا ذَكَرنَاهُ: أَنَّ المُعتَبَرَ دَلِيلُهُ لَا حَقِيقَتُهُ.
(وَلَا يُسبَى لَهُمْ ذُرِّيَّةٌ، وَلَا يُقَسَّمُ لَهُمْ مَالٌ) لِقَولِ عَلِيٌّ يَومَ الجَمَلِ: وَلَا يُقْتَلُ أَسِيرٌ وَلَا يُكشَفُ سِتْرٌ وَلَا يُؤخَذُ مَالٌ، وَهُوَ القُدوَةُ فِي هَذَا البَابِ. وَقَولُهُ فِي الأَسِيرِ
قوله: (أُجهز وأُتبع) كلاهما بناء المفعول، وكذا (لم يُجهز ولم يُتبع)، وفي الصحاح (١): أجهزت على الجريح؛ إذا أسرعت قتله وقد تممت عليه.
قوله: (وقال الشافعي لا يجوز ذلك في الحالين؛ أي في حال الفئة وعدم الفئة وبه قال أحمد.
(وجوابه)؛ أي جواب الشافعي ما ذكرنا أن الحكم يدار على الدليل) وهو الاجتماع وبقولنا قال مالك وبعض أصحاب الشافعي.
(وإن لم تكن لهم فئة) لا يقاتلوا، ولكن يُضربوا ضربًا وجيعًا، ويحبسون حتى يُحدثوا توبة، وهذا روي عن ابن عباس ﵁.
قوله: (ولا يكشف ستر)؛ أي لا تسبى نساؤهم.
قوله: (وهو القدوة)؛ أي علي قدوة في باب البغاة، والقدوة اسم للاقتداء يقال: فلان قدوة؛ أي يقتدى به.
(ويوم الجمل) يوم وقعة عائشة مع علي كرم الله وجهه (٢) بالبصرة، وسميت بذلك لأن عائشة ﵂ كانت على جمل اسمه عسكر، كذا في المغرب (٣).
وقد روي أن أصحاب الإمام علي سألوا عن القسمة، فقال: علي إذا قسمت فلمن تكون عائشة؟ ففي هذا رد القسمة، ولا خلاف فيه لأهل العلم.
стр. 4253
تَأْوِيلُهُ إِذَا لَم يَكُنْ لَهُمْ فِئَةٌ، فَإِنْ كَانَتْ يَقْتُلُ الإِمَامُ الأَسِيرَ، وَإِنْ شَاءَ حَبَسَهُ لِمَا ذَكَرنَا، وَلِأَنَّهُم مُسْلِمُونَ وَالإِسْلَامُ يَعْصِمُ النَّفْسَ وَالمَالَ (وَلَا بَأْسَ بِأَنْ يُقَاتِلُوا بِسِلَاحِهِم إِنِ احتاجَ المُسلِمُونَ إِلَيهِ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يَجُوزُ، وَالكُرَاعُ عَلَى هَذَا الخِلَافِ لَهُ: أَنَّهُ مَالُ مُسلِم فَلَا يَجُوزُ الانتِفَاعُ بِهِ إِلَّا بِرِضَاهُ. وَلَنَا: أَنَّ عَلِيًّا قَسَمَ السِّلَاحَ فِيمَا بَينَ أَصْحَابِهِ بِالبَصَرَةِ وَكَانَت قِسْمَتُهُ لِلحَاجَةِ لَا لِلتَّمْلِيكِ، وَلِأَنَّ لِلإِمَامِ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ فِي مَالِ العَادِلِ عِنْدَ الحَاجَةِ، فَفِي مَالِ البَاغِي أَولَى وَالمَعنَى فِيهِ إِلحَاقُ الضَّرَرِ الأَدْنَى لدفع الأعلى.
(وَيَحْبِسُ الإِمَامُ أَمْوَالَهُم، فَلَا يَرُدُّهَا عَلَيْهِم وَلَا يُقَسِّمُهَا حَتَّى يَتُوبُوا، فَيَرُدَّهَا عَلَيْهِم) أَمَّا عَدَمُ القِسْمَةِ فَلِمَا بَيَّنَّاهُ. وَأَمَّا الحَبسُ: فَلِدَفِعِ شَرِّهِم بِكَسرِ شَوكَتِهِم، وَلِهَذَا يَحْبِسُهَا عَنْهُمْ، وَإِنْ كَانَ لَا يَحتَاجُ إِلَيْهَا، إِلَّا أَنَّهُ يَبِيعُ الكُرَاعَ؛ لِأَنَّ حَبْسَ الثَّمَنِ أَنظَرُ وَأَيْسَرُ، وَأَمَّا الرَّدُّ بَعدَ التّوبَةِ فَلاندِفَاعِ الضَّرُورَةِ وَلَا اسْتِعْنَامَ فِيهَا.
قَالَ: (وَمَا جَبَاهُ أَهلُ البَغْيِ مِنْ البِلَادِ الَّتِي غَلَبُوا عَلَيْهَا مِنْ الخَرَاجِ وَالْعُشْرِ لَم يَأْخُذَهُ الإِمَامُ ثَانِيًا)؛ لِأَنَّ وِلَايَةَ الأَخذِ لَهُ بِاعْتِبَارِ الحِمَايَةِ وَلَم يَحْمِهِم (فَإِنْ كَانُوا
قوله: (يقتل الإمام الأسير) وقالت الأئمة الثلاثة: لا يقتل بل يحبس.
(وقوله): (لما ذكرنا) إشارة إلى قوله: (أو يحبسهم … ) إلى قوله: (دفعًا لشرهم).
قوله: (وقال الشافعي: لا يجوز) وكذا بالكراع وبه قال أحمد في رواية، وبقولنا قال مالك وأحمد في رواية. (قوله: فلما بيناه) وهو (قول عليّ: ولا يؤخذه مال. وقوله: إنهم مسلمون).
قوله: (لم يأخذه الإمام ثانيا) وبه قال الشافعي وأحمد وابن الماجشون المالكي.
وقال ابن القاسم: لا يعتبر ذلك، وعلى من أخذ منه الزكاة الإعادة وبه قال أبو عبيد؛ لأن الأخذ ممن لا ولاية له.
ولنا: أن عليا لما ظهر على أهل البصرة لم يطالبهم بشيء مما جَنَوه، وكان ابن عمر إذا أتاه ساعي الحروري دفع إليه زكاته وكذا سلمة بن الأكوع (ولأنه لم يحمهم … ) إلى آخر ما ذكر في الكتاب.
стр. 4254
صَرَفُوهُ فِي حَقِّهِ أَجْزَأَ مَنْ أُخِذَ مِنهُ) لِوُصُولِ الحَقِّ إِلَى مُستَحِقِّهِ (وَإِنْ لَم يَكُونُوا صَرَفُوهُ فِي حَقِّهِ فَعَلَى أَهْلِهِ فِيمَا بَينَهُم وَبَينَ اللَّهِ تَعَالَى أَنْ يُعِيدُوا ذَلِكَ)؛ لِأَنَّهُ لَم يَصِل إِلَى مُستَحِقِّهِ. قَالَ العَبدُ الضَّعِيفُ: قَالُوا الإِعَادَةُ عَلَيْهِم فِي الخَرَاجِ؛ لِأَنَّهُم مُقَاتِلَةٌ فَكَانُوا مَصَارِفَ، وَإِنْ كَانُوا أَغْنِيَاءَ، وَفِي العُشْرِ إِنْ كَانُوا فُقَرَاءَ، فَكَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ حَقُّ الفُقَرَاءِ وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي الزَّكَاةِ. وَفِي المُستَقبَلِ يَأْخُذُهُ الإِمَامُ؛ لِأَنَّهُ يَحْمِيهِم فِيهِ؛ لِظُهُورِ وِلَايَتِهِ.
(وَمَنْ قَتَلَ رَجُلًا وَهُمَا مِنْ عَسكَرِ أَهلِ البَعْيِ، ثُمَّ ظُهِرَ عَلَيْهِم فَلَيْسَ عَلَيْهِم شَيْءٌ)؛ لِأَنَّهُ لَا وِلَايَةَ لِإِمَامِ العَدلِ حِينَ القَتْلِ فَلَم يَنعَقِد مُوجِبًا كَالقَتْلِ فِي دَارِ الحرب.
(وَإِنْ غَلَبُوا عَلَى مِصْرٍ، فَقَتَلَ رَجُلٌ مِنْ أَهلِ المِصْرِ رَجُلًا مِنْ أَهلِ المِصر عَمدًا، ثُمَّ ظُهِرَ عَلَى المِصْرِ فَإِنَّهُ يُقتَصُّ مِنْهُ) وَتَأْوِيلُهُ: إِذَا لَم يَجرِ عَلَى أَهْلِهِ أَحكَامُهُم وَأُزْعِجُوا قَبْلَ ذَلِكَ، وَفِي ذَلِكَ لَم تَنقَطِعْ وِلَايَةُ الإِمَامِ فَيَجِبُ القِصَاصُ.
(وَإِذَا قَتَلَ رَجُلٌ مِنْ أَهلِ العَدلِ بَاغِيًا فَإِنَّهُ يَرِثُهُ، فَإِنْ قَتَلَهُ البَاغِي وَقَالَ: «قَدْ كنت عَلَى حَقٌّ، وَأَنَا الآنَ عَلَى حَقٌّ» وَرِثَهُ، وَإِنْ قَالَ: قَتَلْته وَأَنَا أَعْلَمُ أَنِّي عَلَى البَاطِلِ لَم يَرِثُهُ، وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّد) وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: لَا يَرِثُ البَاغِي فِي الوَجْهَيْنِ (*) وَهُوَ قَولُ الشَّافِعِيِّ. وَأَصلُهُ: أَنَّ العَادِلَ إِذَا أَتْلَفَ نَفْسَ البَاغِي أَوْ
قوله: (فليس عليه)؛ أي على القاتل شيء. وقالت الأئمة الثلاثة: يؤخذ بموجب جنايته؛ أي جناية كانت لعموم الآيات والأخبار، ولأن كل موضع تجب فيه العبادات في أوقاتها، كان كدار أهل العدل؛ فيجب فيه ما يجب في دار أهل العدل.
قلنا: لما خرج عن ولاية الإمام صار كدار الحرب؛ فلم تجب فيه الحدود والقصاص.
قوله: (قبل ذلك) أي قبل إجراء الأحكام أي أقلع أهل البغي من المصر قبل أن تجري أحكامهم.
стр. 4255
مَالَهُ لَا يَضمَنُ وَلَا يَأْثَمُ؛ لِأَنَّهُ مَأمُورٌ بِقِتَالِهِم دَفعًا لِشَرِّهِم، وَالبَاغِي إِذَا قَتَلَ العَادِلَ لَا يَجِبُ الضَّمَانُ عِنْدَنَا وَيَأْثَمُ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀ فِي القَدِيمِ: إِنَّهُ يَجِبُ، وَعَلَى هَذَا الخِلَافُ إِذَا تَابَ المُرتَدُّ، وَقَدْ أَتلَفَ نَفْسًا أَوْ مَالًا. لَهُ: أَنَّهُ أَتلَفَ مَالًا مَعصُومًا أَوْ قَتَلَ نَفْسًا مَعصُومَةً فَيَجِبُ الضَّمَانُ اعْتِبَارًا بِمَا قَبْلَ المَنَعَةِ. وَلَنَا: إجمَاعُ الصَّحَابَةِ، رَوَاهُ الزُّهْرِيُّ.
وَلِأَنَّهُ أَتلَفَ عَنْ تَأْوِيلِ فَاسِدِ، وَالفَاسِدُ مِنهُ مُلحَقِّ بِالصَّحِيحِ إِذَا ضُمَّت إِلَيهِ المَنَعَةُ فِي حَقِّ الدَّمْعِ، كَمَا فِي مَنَعَةِ أَهْلِ الحَرْبِ وَتَأْوِيلِهِم، وَهَذَا؛ لِأَنَّ الْأَحْكَامَ لَا
قوله: (لا يجب الضمان عندنا)، وبه قال أحمد والشافعي في قول، وفي قول يضمنون وبه قال مالك؛ لأنها نفوس وأموال معصومة أُتلفت بغير حق ولا ضرورة فوجب ضمانه كالذي في غير حال الحرب وكما قبل المنعة، ولنا إجماع الصحابة رواه الزهري.
وفي المبسوط: إذا تاب أهل البغي ودخلوا مع أهل العدل لم يؤخذ (١) بشيء مما أصابوا بحال، بمعنى: بضمان ما أتلفوا من مال ونفس، ومراده بذلك بعدما تجمعوا وصاروا منعة؛ لانقطاع ولاية الالتزام حسا فيعتبر تأويلهم - وإن كان باطلاً في إسقاط الضمان - كتأويل أهل الحرب بعدما أسلموا.
والأصل فيه حديث الزهري قال: وقعت الفتنة وأصحاب النبي ﵇ كانوا متوافرين؛ فاتفقوا على أن كل دم أريق بتأويل القرآن فهو موضوع، وكل فرج استحل بتأويل القرآن فهو موضوع، وكل مال أتلف بتأويل القرآن فهو موضوع (٢).
قوله: (في الوجهين) (٣) الذي قال أنا على الحق، والذي قال أنا على الباطل؛ لأنه قتل بغير حق فيحرم الميراث؛ اعتبارًا بالخاطئ ولئن ألحق بالتأويل في حق دفع الضمان بقول الصحابة، لا يجب إلحاقه بالصحيح في حق استحقاق الميراث وكم من شيء يكفي للدفع، ولا يكفي للاستحقاق.
стр. 4256
بُدَّ فِيهَا مِنْ الإِلزام أو الالتزامِ، وَلَا التِزَامَ لِاعْتِقَادِ الإِبَاحَةِ عَنْ تَأْوِيلِ، وَلَا إِلزَامَ لِعَدَمِ الوِلَايَةِ لِوُجُودِ المَنَعَةِ، وَالوِلَايَةُ بَاقِيَةٌ قَبلَ المَنَعَةِ، وَعِنْدَ عَدَمِ التَّأْوِيلِ ثَبَتَ الالتزام اعتقادًا، بِخِلَافِ الإِثْمِ؛ لِأَنَّهُ لَا مَنَعَةَ فِي حَقِّ الشَّارِعِ، إِذَا ثَبَتَ هَذَا فَنَقُولُ: قَتْلُ العَادِلِ البَاغِيَ قَتَلُ بِحَقِّ فَلَا يَمْنَعُ الإِرثَ وَلِأَبِي يُوسُفَ اللهُ فِي قَتلِ البَاغِي العَادِلَ: أَنَّ التَّأْوِيلَ الفَاسِدَ إِنَّمَا يُعْتَبَرُ فِي حَقِّ الدَّفْعِ، وَالحَاجَةُ هَاهُنَا إِلَى اسْتِحْقَاقِ الإرث، فَلَا يَكُونُ التَّأْوِيلُ مُعتَبَرا فِي حَقِّ الإِرثِ. وَلَهُمَا فِيهِ: أَنَّ الحَاجَةَ إِلَى دَفِعِ الحِرمَانِ أَيضًا، إذ القَرَابَةُ سَبَبُ الإِرثِ فَيُعتَبَرُ الفَاسِدُ فِيهِ، إِلَّا أَنَّ مِنْ شَرطِهِ بَقَاءَهُ عَلَى دِيَانَتِهِ، فَإِذَا قَالَ: كُنت عَلَى البَاطِلِ لَم يُوجَد الدَّافِعُ فَوَجَبَ الضَّمَانُ.
قَالَ: (وَيُكَرَهُ بَيعُ السِّلَاحِ مِنْ أَهلِ الفِتْنَةِ وَفِي عَسَاكِرِهِم)؛ لِأَنَّهُ إِعَانَةٌ عَلَى المَعْصِيَةِ (وَلَيْسَ بِبَيعِهِ بِالكُوفَةِ مِنْ أَهلِ الكُوفَةِ وَمَنْ لَم يَعرِفهُ مِنْ أَهلِ الفِتْنَةِ بَأْسٌ)؛ لِأَنَّ الغَلَبَةَ فِي
قوله: (لاعتقاد الإباحة) فإن الباغي اعتقد إباحة مال العادل، حيث يقول عصى الله ورسوله، ولم يعمل بموجب الكتاب.
قوله: (ولهما فيه)؛ أي في قتل الباغي العادل، يعني هذا قتل حصل بتأويل صحيح عند القاتل وإن كان هذا التأويل فاسدًا في نفسه، لكنه مع فساده ملحق بالتأويل الصحيح عند انضمام المنعة في حق أحكام الدنيا حتى لا يجب فيه الضمان فلا يجب به الحرمان والإرث مستحق بالقرابة.
وهذا التأويل لدفع الحرمان الذي شُرِعَ جزاء، ومن شرط الإرث أن يكون مصرا على دعواه فإذا رجع؛ فقد بطلت ديانته قبل استيفاء حقه فبطل ذلك فإذا قال: كنت على الباطل انتفى الدافع فيجب الضمان بخلاف الخاطئ؛ فإن هناك تلزمه الكفارة والدية والباغي لا يلزمه فعلم بهذا أنه ألحق بالصحيح كما إذا قتل العادل الباغي.
قوله: (فيعتبر الفاسد فيه)؛ أي في دفع الحرمان. (لم يوجد الدافع)؛ أي التأويل الدافع للضمان.
قوله: (وليس ببيعه بالكوفة) قيد بالكوفة باعتبار أن البغاة خرجوا فيها أولا، وإلا فالحكم في غير الكوفة أيضًا كذلك.
стр. 4257
الأَمصَارِ لأَهلِ السلاحِ، وَإِنَّمَا يُكرَهُ بَيعُ نَفْسِ السِّلاحِ لَا بَيعُ مَا لَا يُقَاتَلُ بِهِ إِلَّا بِصَنعَة، أَلَا تَرَى أَنَّهُ يُكْرَهُ بَيعُ المَعَازِفِ وَلَا يُكرَهُ بَيعُ الخَشَبِ، وَعَلَى هَذَا الخَمْرُ مَعَ العِنَبِ.
قوله: (ما لا يقاتل به إلا بصنعة) كالحديد؛ لأنه إنما يصير سلاحا بفعل غيره فلا ينسب إليه.
قوله: (وعلى هذا الخمر)؛ أي لا يجوز بيع الخمر ويجوز بيع عصير العنب، والفرق لأبي حنيفة بين كراهة بيع السلاح من أهل الفتنة، وعدم كراهة ممن يبيع العصير يتخذه خمرا، أن المعصية هناك لم تقع بعين العصير وهنا تقع بعين السلاح.
وقيل: الفرق الصحيح أن الضرر هنا يرجع إلى العامة، وهناك يرجع إلى الخاصة كذا في الفوائد الظهيرية وغيرها.
فروع
لصوص غير متأوّلين غلبوا على مدينة، وقاتلوا وقتلوا الأنفس وأخذوا أموالا أخذوا بالجميع، وكذا إذا خرج جماعة لا منعة لهم ولا خلاف فيه لأهل العلم.
ولو استعان أهل البغي بأهل الحرب، أو وادع أهل البغي أهل الحرب فأعانهم على أهل العدل، يُسبَوْنَ ويُقتَلونَ؛ لأنهم نقضوا العهد، ولو طلب أهل البغي الموادعة أجيبوا إن كان خيرًا لنا، ولا نأخذ منهم شيئًا.
ولو نصب أهل البغي قاضيا يصلح للقضاء، إن كان من أهل العدل يجوز بلا خلاف، وإن كان منهم فإن كان ممن يستحل دماء أهل العدل وأموالهم لا يجوز بلا خلاف.
وإن كان ممن لا يستحلّ دماء أهل العدل لا يجوز عندنا، ويجوز عند الشافعي وأحمد، ولو كتب قاضيهم إلى قاضي أهل العدل كتابا يقبل بلا خلاف، والأولى ألا يقبله كسرًا لقلوبهم.
وعندنا كل متسلط إذا تم تسليطه يصير سلطانا؛ فيصح تقليده القضاء، ويصح منه ما يصح من السلطان العادل.
стр. 4258
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
كِتَابُ اللَّقِيطِ واللُّقَطَةِ
اللَّقِيطُ سُمِّيَ بِهِ بِاعْتِبَارِ مَالِهِ لِمَا أَنَّهُ يُلقَطُ. وَالالتِقَاطُ مَندُوبٌ إِلَيْهِ لِمَا فِيهِ مِنْ إِحْيَائِهِ، وَإِنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ ضَيَاعُهُ فَوَاجِبٌ. قَالَ:
كتاب اللقيط واللقطة
عقب اللقيط واللقطة للجهاد؛ لما فيهما عرضة الفوات للأنفس والأموال، وقدم اللقيط على اللقطة؛ لما أن ذكر النفس مقدم.
اللقيط لغة: ما يلقط، أي: ما يرفع من الأرض، فعيل بمعنى مفعول، ثم غلب على الصبي المنبوذ؛ لأنه على عرض أن يلقط، وهو من باب وصف الشيء بالصفة المشارفة، مثل: من قتل قتيلًا.
وفي الشريعة: اسم لمولود طرحه أهله خوفًا من العيلة، أو فرارًا من تهمة الزنية، مُضيعُهُ، ومُحرِزُهُ غانم (١)؛ لما في إحيائه من إحياء النفس، فإنه على شرف الهلاك، وإحياء الحي يدفع سبب الهلاك عنه، قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة: ٣٢] ولهذا كان رفعه أفضل من تركه؛ لما في تركه من ترك الترحم على الصغار، قال ﵇: «مَنْ لَمْ يَرْحَمْ صَغِيرَنَا» (٢) الحديث، وفي رفعه إظهار الشفقة على الصغار، وهو أفضل الأعمال بعد الإيمان، التعظيم لأمر الله والشفقة على خلق الله. كذا في المبسوط (٣).
وقال الشافعي، ومالك، وأحمد رفعه فرض كفاية إلا إذا خاف هلاكه،
стр. 4259
(اللَّقِيطُ حُرِّ)؛ لِأَنَّ الأَصلَ فِي بَنِي آدَمَ إِنَّمَا هُوَ الحُرِّيَّةُ، وَكَذَا الدَّارُ دَارُ الأَحْرَارِ؛ وَلِأَنَّ الحُكمَ لِلغَالِبِ (وَنَفَقَتُهُ فِي بَيْتِ المَالِ) هُوَ المَروِيُّ عَنْ عُمَرَ وَعَلِيٍّ، وَلِأَنَّهُ مُسلِمٌ عَاجِزٌ عَنْ التَّكَسُّبِ، وَلَا مَالَ لَهُ وَلَا قَرَابَةَ فَأَشبَهَ المُقعَدَ الَّذِي لَا مَالَ لَهُ وَلَا قَرَابَةَ؛ وَلِأَنَّ مِيرَاثَهُ لِبَيتِ المَالِ، وَالخَرَاجُ بِالضَّمَانِ وَلِهَذَا كَانَتْ جِنَايَتُهُ فِيهِ. وَالمُلْتَقِطُ مُتَبَرِّعُ فِي الإِنفَاقِ عَلَيْهِ؛ لِعَدَمِ الوِلَايَةِ،
فحينئذ فرض عين لإجماع الأمة، كمن رأى أعمى يقع في البئر يفرض عليه حفظه عن الوقوع، وتمسكوا على وجوبه بقوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِيِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٢] الآية.
قوله: (اللقيط حر)؛ أي: في جميع أحكامه، حتى يحد قاذفه ولا يحد قاذف أمه. ذكره في شرح الطحاوي.
ولا خلاف في أنه حرّ، إلا ما رُوي عن النخعي شاذًا أنه قال: إن رفعه حسبةً فهو حرّ، ولو أراد أن يسترقه فهو له، وهذا مخالف لإجماع العلماء؛ لأن الأصل في بني آدم، الحرية، إذا الناس أولاد آدم وحواء ﵉ وكانا حرين؛ لأن الرق يعارض الكفر، والأصل عدم العارض، ولأن الدار دار الأحرار، فمن كان فيها يكون حرا باعتبار الظاهر، ولأن الغالب فيمن يسكن دار الإسلام الأحرار، والعبرة للغالب.
وقوله: (ونفقته في بيت المال) إذا لم يكن له مال بلا خلاف؛ لما رُوي أن رجلا قال: وجدت منبوذا على بابي، فأتيت عمر ﵁، قال: «هو حر ونفقته علينا». وعن علي أنه قال: «نفقته في بيت المال وولاؤه للمسلمين». وعن عمر مثله.
قوله: (والخراج بالضمان)؛ أي: له غنمه وعليه غرمه، أي: غلة العبد المعيب للمشتري قبل الرد في ضمانه، يقال: خارج غلامه إذا اتفقا على ضريبة يؤديها إليه في وقت معلوم.
(كانت جنايته فيه)؛ أي في بيت المال بلا خلاف.
قوله: (متبرع) يقال: برع الرجل وبرع بالضم؛ إذا فضل على أقرانه. ومنه يقال للمتفضل: المتبرع.
стр. 4260
إِلَّا أَنْ يَأْمُرَهُ القَاضِي بِهِ لِيَكُونَ دَينا عَلَيْهِ لِعُمُومِ الوِلَايَةِ.
قَالَ: (فَإِنْ التَقَطَهُ رَجُلٌ لَم يَكُنْ لِغَيْرِهِ أَنْ يَأْخُذَهُ مِنهُ)؛ لِأَنَّهُ ثَبَتَ حَقُّ الحِفْظِ لَهُ لِسَبْقِ يَدِهِ (فَإِنْ ادَّعَى مُدَّعِ أَنَّهُ ابنُهُ فَالقَولُ قَولُهُ).
مَعْنَاهُ: إِذَا لَم يَدَّعِ المُلتَقِطُ نَسَبَهُ وَهَذَا اسْتِحْسَانٌ. وَالقِيَاسُ: أَنْ لَا يُقبَلَ قَولُهُ؛ لِأَنَّهُ يَتَضَمَّنُ إِبْطَالَ حَقِّ المُلتَقِطِ.
وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ: أَنَّهُ إِقْرَارٌ لِلصَّبِيِّ بِمَا يَنفَعُهُ؛ لِأَنَّهُ يَتَشَرَّفُ بِالنَّسَبِ وَيُعَيَّرُ بِعَدَمِهِ. ثُمَّ قِيلَ: يَصِحُ فِي حَقِّهِ دُونَ إِبْطَالِ يَدِ المُلتَقِطِ. وَقِيلَ: يُبْتَنَى عَلَيْهِ بُطَلَانُ يَدِهِ،
(إلا أن يأمره القاضي) هذا بأن أمره أن ينفق عليه، ويصير بذلك دينا عليه؛ لأن أمر القاضي كأمر نفسه؛ لعموم ولاية القاضي، أما لو أمره بأن ينفق عليه فقط، قيل: يرجع لما ذكرنا، والأصح: ألا يرجع ما لم يقل القاضي، ويكون ذلك دينا عليه؛ لأن مطلق الأمر بالاتفاق يحتمل الحسبة؛ أي: الترغيب في إتمام ما شرع فيه من التبرع والاستدانة عليه فلا يرجع بالشك. كذا في المبسوط (١).
قوله: (معناه: إذا لم يدَّعِ المُلتقط نسبَهُ) أما إذا ادعاه الملتقط فهو أولى؛ لأنهما استويا في الدعوى، ولأحدهما يد، فكان صاحب اليد أولى، وكذا إذا كان الملتقط ذميًا فهو أولى من المسلم الخارج، حتى إذا كان في يد ذمي يدعي أنه ابنه، وأقام بينة من المسلمين أنه ابنه؛ قضي للذمي بحكم يده، وأما لو كان المدعي للملتقط خارجين، وأحدهما مسلم والآخر ذمي، وأقام بينة من المسلمين؛ قضي للمسلم. فالحاصل أن الترجيح في باب النسب أولى باليد.
كذا في الذخيرة والإيضاح.
وقال الشافعي، وأحمد: الترجيح بقول القافة.
قوله: (يصح في حقه)؛ أي: في حق النسب.
قوله: (بطلان يده)؛ أي: يد الملتقط؛ إذ من ضرورة ثبوت النسب منه أن
стр. 4261
وَلَوِ ادَّعَاهُ المُلتَقِطُ، قِيلَ: يَصِحُ قِيَاسًا وَاسْتِحْسَانًا، وَالأَصَحُ: أَنَّهُ عَلَى القِيَاسِ، والاستحسَانِ وَقَدْ عُرِفَ فِي الأَصل.
(وَإِنْ ادَّعَاهُ اثْنَانِ وَوَصَفَ أَحَدُهُمَا عَلَامَة فِي جَسَدِهِ فَهُوَ أُولَى بِهِ)؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ
يكون هو أحق بحفظه من الأجنبي، ويجوز أن يثبت الشيء ضمنا وإن لم يثبت قصدا، كما يثبت الإرث بشهادة القابلة على الولادة حكما.
قوله: (ولو ادعاه)؛ أي: نسب اللقيط بعد رفعه. (قيل: يصح قياسًا واستحسانًا)؛ لأنه ادعى شيئا في يده، ولا منازع له، ولا تبطل به يد أحد بخلاف غيره؛ لأنه ادعى شيئا في يد غيره، وله منازع وفيه إبطال حق الملتقط، وهو إمساك الولد.
(والأصح أنه على القياس والاستحسان)؛ يعني: لا يصح في القياس والاستحسان، إلا أن هذا قياس آخر سوى الأول. وجه القياس: أنه متناقض في كلامه؛ لأنه زعم أنه لقيط في يده، وابنه لا يكون لقيطا، ولهذا إقرار على اللقيط، فلأنه يلزمه أحكام النسب والإقرار على الغير لا يصح.
وجه الاستحسان: أن هذا إقرار على نفسه؛ لأنه يلتزم حفظه ونفقته بهذا الإقرار، وله هذه الولاية، والتناقض لا يمنع دعوى النسب، كما إذا أكذب الملاعن نفسه؛ لأن طريقه الخفاء، فقد يشتبه على الناس حال ولده الصغير ويظن أنه لقيط، ثم تبين بعد ذلك أنه ولده.
فإن مات اللقيط وترك ميراثا أو لا، فادعى رجل أنه ابنه؛ لا تصح دعوته استحسانا أيضًا؛ لأن في حالة الحياة إنما صحت دعوة النسب؛ لأن فيه للصغير من كل وجه وهو النسب، وبالموت استغنى عن النسب، بقي كلامه في دعوى الميراث فلا يصدق فيه إلا بحجة. كذا في المبسوط (١) والذخيرة.
قوله: (فهو أولى)؛ أي: واصف العلامة، ويجب على الملتقط دفعه إليه. وقال الشافعي، وأحمد والليث، وأبو ثور، والأوزاعي: يعتبر قول
стр. 4262
شَاهِدٌ لَهُ لِمُوَافَقَةِ العَلَامَةِ كَلَامَهُ، وَإِنْ لَم يَصِف أَحَدُهُمَا عَلَامَة، فَهُوَ ابْنُهُمَا لِاسْتِوَائِهِمَا فِي السَّبَبِ. وَلَو سَبَقَت دَعوَةُ أَحَدِهِمَا فَهُوَ ابْنُهُ؛ لِأَنَّهُ ثَبَتَ فِي زَمَان لَا مُنَازِعَ لَهُ فِيهِ،
القافة، وإذا اشتبه على القافة يقرع، وكذا إذا تعارضا بينتاهما؛ لحديث المدلجي، وقد مر هذا البحث في باب الاستيلاد.
وقال مالك: لا يثبت النسب إلا ببينة، أو يكون لدعواه وجه، كرجل عرف أنه لا يعيش له الولد، فزعم أنه رماه؛ لأنه سمع إذا طرح عاش، ونحو ذلك مما يدل على صدقه.
وقال أشهب: يلحق بمجرد الدعوى، ادعاه ملتقطه أو غيره، إلا أن يتبين كذبه وهو الاختيار. كذا في جواهر المالكية.
قوله: (الموافقة العلامة كلامه) وهي أصل في الشريعة، قال تعالى: ﴿تَعْرِفُهُم بِسِيمَهُمْ﴾ [البقرة: ٢٧٣] وقال تعالى في قصة يوسف ﵇: ﴿وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرِ﴾ [يوسف: ٢٧] الآية وشريعة من قبلنا تلزمنا إذا لم يلحقه نكير.
وفي الإيضاح: لو وافق بعض العلامة وخالف البعض سقط الترجيح؛ لأنه ليس الرجوع إلى الموافقة أولى من المخالفة.
وفي الذخيرة: وهذا بخلاف اللقطة، لو تنازعا فيها ووصف أحدهما ووافق؛ حيث لا يرجح صاحب الوصف، بل إذا تفرّد الواصف يحلّ للملتقط دفعها إليه ولا يجب، وهاهنا يلزمه دفعه.
والفرق أن إصابة الوصف تحتمل باعتبار أنه رآه في يد غيره، ويحتمل باعتبار أنه له، والمحتمل لا يصلح سبب الاستحقاق على الغير، أما ما يصلح ترجيحا لما هو سبب الاستحقاق كاليد في دعوى النتاج، ثم في فصل اللقيط قد وجد سبب الاستحقاق وهو الدعوى، ولهذا لو تفرّد بدعواه يقضى له به، فيعتبر الوصف للترجيح، أما في اللقطة الدعوى ليست بسبب الاستحقاق حتى يترجح الوصف، فلو اعتبر الوصف اعتبر لأصل الاستحقاق، وذا بالمحتمل لا يجوز.
قوله: (لاستوائهما في السبب) وهو الدعوة، وقد مر خلاف الشافعي
стр. 4263
إِلَّا إِذَا أَقَامَ الآخَرُ البَيِّنَةَ؛ لِأَنَّ البَيِّنَةَ أَقوَى.
(وَإِذَا وُجِدَ فِي مِصر مِنْ أَمصَارِ المُسلِمِينَ أَوْ فِي قَريَة مِنْ قُرَاهُم فَادَّعَى ذِمِّيٌّ أَنَّهُ ابْنُهُ
وأحمد في اعتبارهما قول القافة، ولو ألحقته القافة بهما لحق بهما عند أحمد. وقال الشافعي: لو تعذر العمل بالقافة رجع إلى اختلاف الولد؛ إن كانت الدعوى عن فراش، وإن كانت في لقيط ففيه وجهان، في وجه: انتسابه إلى أحدهما كالفراش، وفي وجه لو مات أحدهما ألحق بالباقي.
وهل يصح انتسابه قبل البلوغ إذا كان عاقلا مميزا؟ فيه وجهان، أصحهما: أنه لا يصح، والثاني: يصح، ولا يلحق إلى اثنين للاستحالة، ولا يلحق بأكثر من اثنين عند أبي يوسف، وبه قال أحمد في رواية.
وقال محمد: لا يلحق بأكثر من ثلاثة، وهو رواية عن أحمد أيضًا، وقد مر هذا في باب الاستيلاد.
(إلا إذا أقام الآخر بينة) وعند أحمد، والشافعي: لو ألحقته القافة بالثاني يلحق به، ويأخذ من يد الأول؛ لأن قول القافة كالبينة عندهما.
قوله: (وإذا وجد في مصر من أمصار المسلمين):
المسألة على أربعة أوجه أحدها: أن يجده مسلم في مكان المسلمين، يكون محكوما بإسلامه، وبه قال مالك، وأحمد، والشافعي، وإن ادعاه كافر يلحق به ويكون مسلما تبعا للدار.
وقال الشافعي: إلا إذا أقام الكافر بينة على نسبه، فحينئذ يحكم بكفره.
والثاني: أن يجده كافر في مكان أهل الكفر كالبيعة ونحوها، فيكون محكوما بالكفر، لا يصلى عليه إذا مات.
والثالث: أن يجده كافر في بلاد المسلمين.
والرابع: أن يجده مسلم في مكان الكفار، ففي هذين الفصلين اختلفت الرواية، ففي كتاب اللقطة: العبرة للمكان في الفصلين، وفي رواية ابن سماعة: العبرة للواجد في الفصلين. كذا في المبسوط (١).
стр. 4264
ثَبَتَ نَسَبُهُ مِنهُ وَكَانَ مُسْلِمًا) وَهَذَا اسْتِحْسَانٌ؛ لِأَنَّ دَعوَاهُ تَضمَنُ النَّسَبَ وَهُوَ نَافِعٌ لِلصَّغِيرِ، وَإِبْطَالُ الإِسلَامِ الثَّابِتِ بِالدَّارِ وَهُوَ يَضُرُّهُ، فَصَحَّت دَعوَتُهُ فِيمَا يَنفَعُهُ دُونَ مَا يَضُرُّهُ.
(وَإِنْ وُجِدَ فِي قَريَة مِنْ قُرَى أَهلِ الذِّمَّةِ أَوْ فِي بِيعَة أَوْ كَنِيسَة كَانَ ذِمِّيًّا) وَهَذَا الجَوَابُ فِيمَا إِذَا كَانَ الوَاجِدُ ذِمِّيَّا رِوَايَةٌ وَاحِدَةً، وَإِنْ كَانَ الوَاجِدُ مُسلِمًا فِي هَذَا المَكَانِ أَوْ ذِمِّيَّا فِي مَكَانِ المُسلِمِينَ، اختَلَفَت الرِّوَايَةُ فِيهِ، فَفِي رِوَايَةِ كِتَابِ اللَّقِيطِ اعتُبِرَ المَكَانُ لِسَبقِهِ، وَفِي كِتَابِ الدَّعَوَى فِي بَعْضِ النُّسَخِ: اعتُبِرَ الوَاجِدُ وَهُوَ رِوَايَةٌ
قوله: (وفي بعض النسخ)؛ أي: بعض نسخ المبسوط.
وقال الشافعي: إن وجد في بلد المسلمين وفيه مسلمون، أو في بلد كان لهم ثم أخذه الكفار؛ فهو مسلم، وإن وجد في بلد فتحه المسلمون ولا مسلم فيه، أو بلد الكفار ولا مسلم فيه؛ فهو كافر، وإن وجد في بلد الكفار وفيه مسلمون، قيل: هو مسلم، وقيل: هو كافر، وبه قال أحمد. ومالك اعتبر المكان، وأشهب اعتبر الواجد في مكان أهل الكفر ترجيحا للإسلام.
قوله: (وهذا)؛ أي ثبوت نسبه منه (استحسان) والقياس: ألا يصدق؛ لأنه حكم له بالحرية والإسلام، فلو جعل ابتداء للكافر بدعوته لكان تبعًا في الدين، فكان حكما بإبطال إسلامه.
وجه الاستحسان: أن موجب كلامه شيئان أحدهما: ثبوت نسبه منه وذا ينفعه، والثاني: كفره وذا يضره، فصحت دعوته فيما ينفعه لا فيما يضره، وليس من ضرورة رد قوله: (في أحد الحكمين رده في حق الحكم الآخر)؛ لأن النسب ينفك عن الدين، فولد الكافر من المسلمة ثابت النسب منه وهو مسلم.
قوله: (فوق تبعية الدار)؛ لأن بينه وبين الأبوين جزئية، ولا جزئية بينه وبين المكان.
قوله: (وفي بعض نسخه)؛ أي: نسخ دعوى المبسوط.
(نظرا للصغير)؛ فإن اللقيط تابع للواجد والمكان جميعا، وتبعية أحدهما توجب الإسلام، وتبعية الآخر توجب الكفر، فيجعل تابعا لما يوجب الإسلام،
стр. 4265
ابنُ سِمَاعَةَ عَنْ مُحَمَّد لِقُوَّةِ اليَدِ؛ أَلَا تَرَى أَنَّ تَبَعِيَّةَ الأَبَوَيْنِ فَوقَ تَبَعِيَّةِ الدَّارِ حَتَّى إِذَا سُبِيَ مَعَ الصَّغِيرِ أَحَدُهُمَا يُعْتَبَرُ كَافِرًا، وَفِي بَعضِ نُسَخِهِ اعْتُبِرَ الإِسْلَامُ نَظَرًا لِلصَّغِيرِ.
(وَمَنْ ادَّعَى أَنَّ اللَّقِيطَ عَبدُهُ لَم يُقبَل مِنهُ)؛ لِأَنَّهُ حُرٌّ ظَاهِرًا، إِلَّا أَنْ يُقِيمَ البَيِّنَةَ
كالولد الحادث بين مسلم وكافر جعل تبعا للمسلم، فكذا هاهنا؛ لأن الإسلام يعلو.
وفي الكافي: وفي رواية: يحكم بزيه وعلامته، كما إذا اختلط موتانا بموتى الكفار يعتبر الزي والعلامة للفصل.
قوله: (ومن ادعى أن اللقيط عبده) إلى آخره: ويجب أن يقيد هذا بقيدين، أي: ادعى الحر المسلم، ولكن لم [تضف] (١) ولادته إلى المرأة التي هي الأمة.
أما قيد المسلم؛ فإنه إذا كان المدعي ذميا، ففي قبول بينته تفصيل: إن شهد مسلمان يقبل، ويجعل اللقيط حرا مسلما، وإن شهد كافران لا يقبل، وقد صرح في المبسوط وقال: وإن ادعى مسلم (٢).
وأما قيد الحرية؛ فإن المدعي إذا كان عبدا وأضاف ولادته إلى امرأته الأمة، فإن فيه خلافا بين أبي يوسف ومحمد، فذكر في الذخيرة: الولد حر عند محمد وعبد عند أبي يوسف، فمحمد يقول: في دعوى العبد شيئان، أحدهما: تبع اللقيط وهو النسب، وفي الآخر: ضره وهو الرق، وأحدهما ينفصل عن الآخر في الجملة، فتعتبر دعواه فيما له، لا فيما عليه، كما إذا ادعاه ذمي وقد وجد في مصر المسلمين.
وأبو يوسف يقول: لما صُدِّقَ في ثبوت النسب فيُصدَّقُ فيما كان من ضروراته تبعًا، ومن ضرورة ثبوت نسب المولود بين رقيقين أن يكون رقيقا، فيحكم برقه تبعًا، بخلاف مسألة الذمي؛ لأنه ليس من ضرورة ثبوت النسب منه أن يكون ذميا، بأن أسلمت امرأته، إلا أن يقيم البينة أنه عبده، فحينئذ يقضي بأنه عبده، ولا خلاف لأحد فيه.
стр. 4266
أَنَّهُ عَبدُهُ (فَإِنْ ادَّعَى عَبْدٌ أَنَّهُ ابنُهُ ثَبَتَ نَسَبُهُ مِنهُ)؛ لِأَنَّهُ يَنفَعُهُ (وَكَانَ حُرًّا)؛ لِأَنَّ المَملُوكَ قَدْ تَلِدُ لَهُ الحُرَّةُ، فَلَا تَبْطُلُ الحُرِّيَّةُ الظَّاهِرَةُ بِالشَّكُ وَالحُرُّ فِي دَعْوَتِهِ اللَّقِيطَ أَولَى مِنْ العَبدِ، وَالمُسلِمُ أَولَى مِنْ الذِّمِّيِّ تَرجِيحًا لِمَا هُوَ الْأَنظَرُ فِي حَقِّهِ.
(وَإِنْ وُجِدَ مَعَ اللَّقِيطِ مَالٌ مَشدُودٌ عَلَيْهِ فَهُوَ لَهُ) اعْتِبَارًا لِلظَّاهِرِ. وَكَذَا إِذَا كَانَ مَشدُودًا عَلَى دَابَّةٍ وَهُوَ عَلَيْهَا لِمَا ذَكَرنَا ثُمَّ يَصْرِفُهُ الوَاجِدُ إِلَيْهِ بِأَمْرِ القَاضِي؛ لِأَنَّهُ
فإن قيل: كيف تقبل هذه البينة ولا خصم عن اللقيط؛ لأن الملتقط ليس له بولي، ولا خصما عنه فيما يضره.
قلنا: الملتقط خصم له باعتبار يده؛ لأنه يمنعه عنه، ويزعم أنه أحق بحفظه؛ لأنه لقيط، ولا يتوصل المدعي إلى استحقاق يده إلا بإقامة البينة على رقه، فلهذا كان خصما عنه.
قوله: (والمسلم أولى من الذمي) وفيه خلاف الأئمة الثلاثة كما ذكرنا.
وفي النهاية: هذا إذا لم تقع المنازعة بين الملتقط والخارج، فإن كان هناك فلا تترجح بالإسلام بل باليد، فإن الملتقط إذا كان ذميا فهو أولى من المسلم الخارج، وكذا لو كانت بينة الذمّي أكثر إثباتا، كما لو أقام الذمي شاهدين مسلمين أنه ابنه وهو في يده، وأقام عبد مسلم أنه ابنه ولد على فراشه من هذه الأمة؛ قضي للذمي، ولم يترجح العبد بالإسلام، وكذا إن كانا خارجين؛ لأن بينة الذمي أكثر إثباتا؛ لأن النسب بجميع أحكامه، وكذا لو ادعى النصراني أنه ابنه، وادعى المسلم أنه عبده؛ ترجح دعوة النصراني؛ لأن فيها إثبات الحرية. ذكره في فتاوى قاضي خان (١) والذخيرة.
قوله: (فهو)؛ أي: المال المشدود (له)؛ أي: للقيط بلا خلاف (اعتبارا للظاهر).
فإن قيل: الظاهر يكفي للدفع لا للاستحقاق، وعندنا فلو ثبت الملك بالظاهر له كان الظاهر مثبتا للاستحقاق.
قلنا: بهذا الظاهر يدفع دعوى الغير، واليد دليل الملك.
وقوله: (لما ذكرنا) إشارة إلى قوله: (اعتبارا للظاهر) ولا خلاف فيه لأحد.
стр. 4267
مَالٌ ضَائِعٌ، وَلِلقَاضِي وِلَايَةُ صَرفِ مِثْلِهِ إِلَيْهِ. وَقِيلَ: يَصْرِفُهُ بِغَيْرِ أَمْرِ القَاضِي؛ لِأَنَّهُ لِلَّقِيطِ ظَاهِرًا (وَلَهُ وِلَايَةُ الإِنفَاقِ وَشِرَاءُ مَا لَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ) كَالطَّعَامِ وَالكِسْوَةِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ الإنفاق.
(وَلَا يَجُوزُ تَزْوِيجُ المُلتَقِطِ) لانعِدَامِ سَبَبِ الوِلَايَةِ مِنْ القَرَابَةِ وَالمِلكِ وَالسَّلطَنَةِ.
قَالَ: (وَلَا تَصَرُّفُهُ فِي مَالِ المُلتَقِطِ) اعْتِبَارًا بِالأُمِّ، وَهَذَا؛ لِأَنَّ وِلَايَةَ التَّصَرُّفِ لِتَثْمِيرِ المَالِ، وَذَلِكَ يَتَحَقَّقُ بِالرَّأْيِ الكَامِلِ وَالشَّفَقَةِ الوَافِرَةِ وَالمَوجُودُ فِي كُلِّ وَاحِد مِنْهُمَا أَحَدُهُمَا.
قَالَ: (وَيَجُوزُ أَنْ يَقبِضَ لَهُ الهِبَةَ)؛ لِأَنَّهُ نَفْعٌ مَحضٌ وَلِهَذَا يَمْلِكُهُ الصَّغِيرُ بِنَفْسِهِ إِذَا كَانَ عَاقِلًا وَتَمْلِكُهُ الْأُمُّ وَوَصِيُّهَا.
وفي المبسوط: وكذا تكون الدابة لسبق يده عليه، فإن المركوب تبع لراكبه، وهو كمال آخر معه (١)، وبه قال الشافعي، وأحمد.
قوله: (وللقاضي صرف مثله إليه) وكذا لغيره بأمره، وبه قال الشافعي، فقال: لو أنفق بغير إذن القاضي ضمنه، وإن لم يكن حاكم وأنفق بدون الإشهاد ضمن أيضًا، وإن أنفق بالإشهاد ففيه قولان.
قوله: (لأنه)؛ أي: شراء ما لا بد من الإنفاق عليه، وبه قال أحمد.
قوله: (ولا تَصَرُّفُهُ)؛ أي: ولا يجوز تصرف الملتقط في مال اللقيط كالتزويج، أي: بلا خلاف.
قوله: (في كل منهما)؛ أي: من الأم والملتقط.
(أحدهما)؛ أي: الرأي الكامل أو الشفقة، فالموجود في الملتقط رأي كامل، ولا شفقة له، وفي الأم شفقة كاملة ولا رأي لها، بخلاف الأب؛ لأن فيه كليهما.
التثقيف: تقويم المعوج بالثقاف، وهو ما تُسَوَّى به الرماح، ويستعار للتهذيب والتأديب، فإن من اشتغل بعمل قلما يشتغل بالفساد.
قوله: (لأنها تملكه)؛ أي: إتلاف منافع الولد بالاستخدام والإعارة بلا عوض، فبالعوض بالإجارة أولى.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
كِتَابُ اللُّقَطَةِ
كتاب اللقطة
تناسب البابين ظاهر، وقيل: خُصَّ لفظ اللقطة بالمال؛ لأن الفُعلة - بضم الفاء وفتح العين - نعت المبالغة في الفاعل، كالضحكة واللعبة. ذكره في التيسير.
واللقيط: فعيل بمعنى المفعول، فاللفظ الدال على الفاعلية أولى بالمال لزيادة مثل الإنسان برفعه، كأنها تأمر كل من رآها برفعها، كأنها هي رافعة نفسها على الإسناد المجازي، كناقة حلوب وركوب، كأنها تحلب نفسها وتركب نفسها على وجه المبالغة، لزيادة رغبة من رآها في الحلب والركوب، أما الطفل المنبوذ لا يميل كل من رآه برفعه؛ لزيادة ضرر حاضر، فإن أمه نبذته قصدًا لضرر حاضر، بخلاف اللقطة؛ فإن فيها نفع حاضر.
في المغرب: اللقطة: الشيء تجده ملقى فتأخذه، وقيل: المال الضائع عن ربه يلتقطه غيره (١).
وعن الخليل: اللقطة - بفتح القاف -: المال الملقوط، مثل: الضُّحَكَة الذي يضحك منه.
وعن الأصمعي، وابن الأعرابي، والفراء: بفتح القاف، اسم للمال أيضًا.
وفي المبسوط: اختلف في رفعه، فالمتقشفة يقولون: لا يَحِلُّ رفعها؛ لأنه أخذ مال الغير بغير إذنه، وذا حرام شرعًا، وهو مخالف للحديث وإجماع الأمة.
وقال بعض التابعين: يَحِلُّ رفعها، ولكن الترك أفضل، وبه قال أحمد.
وعند عامة الفقهاء والعلماء: رفعها أفضل إذا وجدها بمضيعة وأمن على نفسها، واختاره أبو الخطاب الحنبلي.
وعن الشافعي في قول: إذا لم يأمن عليها رفعها واجب بقوله تعالى:
стр. 4270
قَالَ: (اللُّقَطَةُ أَمَانَةٌ إِذَا أَشْهَدَ المُلتَقِطُ أَنَّهُ يَأْخُذُهَا لِيَحْفَظَهَا وَيَرُدَّهَا عَلَى صَاحِبِهَا) لِأَنَّ الأَخذَ عَلَى هَذَا الوَجهِ مَأْذُونٌ فِيهِ شَرعًا، بَلْ هُوَ الأَفضَلُ عِنْدَ عَامَّةِ العُلَمَاءِ. وَهُوَ الوَاجِبُ إِذَا خَافَ الضَّيَاعَ عَلَى مَا قَالُوا، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَا تَكُونُ مَضمُونَةٌ عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ إِذَا تَصَادَقَا أَنَّهُ أَخَذَهَا لِلمَالِكِ، لِأَنَّ تَصَادُقَهُمَا حُجَّةٌ فِي حَقِّهِمَا فَصَارَ كَالبَيِّنَةِ، وَلَو أَقَرَّ أَنَّهُ أَخَذَهَا لِنَفْسِهِ، يَضمَنُ بِالإِجْمَاعِ، لِأَنَّهُ أَخَذَ مَالَ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ وَبِغَيْرِ إِذْنِ الشَّرعِ، وَإِنْ لَم يَشْهَد الشُّهُودُ عَلَيْهِ وَقَالَ الْآخِذُ: أَخَذته لِلمَالِكِ، وَكَذَّبَهُ المَالِكُ يَضمَنُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّد.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: لَا يَضمَنُ وَالقَولُ قَولُهُ (*)، لِأَنَّ الظَّاهِرَ شَاهِدٌ لَهُ لِاخْتِيَارِهِ الحِسبَةَ دُونَ المَعْصِيَةِ، وَلَهُمَا: أَنَّهُ أَقَرَّ بِسَبَبِ الضَّمَانِ، وَهُوَ أَخذُ مَالِ الغَيرِ وَادَّعَى
﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة: ٧١] فإذا كان وليه وجب عليه حفظ ماله.
وقال مالك: إن كان شيئًا له بال فرفعه، أحب إلي؛ فإن فيه حفظ مال المسلم، فكان أولى من تضييعه.
وفي الذخيرة: نوع (١) يفترض [رفعها] (٢)، وهو لو خاف ضياعها بتركها.
قوله: (تصادقها)؛ أي: المالك والملتقط (وصار)؛ أي: التصادق كبينة الملتقط على أنه أخذها للرد.
قوله: وقال أبو يوسف: لا يضمن وبه قال الشافعي، ومالك، وأحمد؛ لأن الإشهاد غير واجب عليه عندهم بل مستحب.
وذكر في شرح الأقطع قول محمد مثل قول أبي يوسف في أنه لا يضمن، والقول له مع يمينه أنه أخذها للرد.
(لأن الظاهر شاهد له)؛ أي: للملتقط (لاختياره الحسبة) إذ مطلق فعل المسلم محمول على ما يحل شرعًا، قال ﵇: «لا تَظُنَّنَ بكلمةٍ خرجَتْ
стр. 4271
مَا يُبَرِّئُهُ، وَهُوَ الْأَخِذُ لِمَالِكِهِ وَفِيهِ وَقَعَ الشَّكُّ فَلَا يَبرَأُ، وَمَا ذُكِرَ مِنَ الظَّاهِرِ يُعَارِضُهُ مِثْلُهُ، لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنْ يَكُونَ المُتَصَرِّفُ عَامِلًا لِنَفْسِهِ. وَيَكفِيهِ فِي الإِسْهَادِ أَنْ يَقُولَ: مَنْ سَمِعْتُمُوهُ يَنشُدُ لُقَطَة فَدُلُّوهُ عَلَيَّ وَاحِدَة كَانَتْ اللُّقَطَة أَوْ أَكثَرَ، لِأَنَّها اسم جنس.
قَالَ: (فَإِنْ كَانَتْ أَقَلَّ مِنْ عَشَرَةِ دَرَاهِمَ عَرَّفَهَا أَيَّامًا، وَإِنْ كَانَتْ عَشرَة فَصَاعِدا عَرَّفَهَا حَولًا) قَالَ العَبدُ الضَّعِيفُ: وَهَذِهِ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ.
مِنْ فِي أخيك سوءًا وأنتَ تجدُ لَها مَحمَلًا في الخَيرِ» (١)، ولأن صاحبها يدعي سبب الضمان وهو ينكر، فالقول له كما في الغصب ولأنه احتمل أنه أخذه لنفسه، واحتمل أنه أخذه للمالك، فلا يضمن بالشك.
ولهما: أنه أقر بسبب الضمان إذا أخذ مال الغير بغير إذنه سبب الضمان، والإذن مقيد بالإشهاد شرعا، قال ﵇: «من وجد لقطة فليشهد ذوي عدل» (٢) والأمر المطلق يقتضي الوجوب، فإذا ترك الإشهاد فالظاهر أنه أخذه لنفسه فيضمن وقوله: (أخذته للمالك) (٣) دعوى ما تبرئه عن الضمان، فلا يبطل الإبراء بالشك، كمن أخذ للغير مالا وهلك في يده، ثم ادعى أن صاحبه أودعه؛ لم يصدق في ذلك إلا بحجة.
(وما ذكر)؛ أي: أبو يوسف.
قوله: (عاملا لنفسه)؛ إذ كلُّ حرّ يعمل لنفسه ما لم يظهر منه دليل على أنه عامل لغيره، والدليل الإشهاد. كذا في المبسوط (٤).
وفي فتاوى قاضي خان: هذا الاختلاف في الإشهاد فيما إذا أمكنه الإشهاد فأما إذا لم يمكنه عند الرفع، أو خاف أنه لو أشهد يأخذه منه الظالم فيترك الإشهاد، لا يضمن بالإجماع.
قوله: (لأنها)؛ أي: اللقطة اسم جنس. وعن أحمد: ينبغي أن يذكر جنسها من ذهب أو فضة.
стр. 4272
وَقَولُهُ: «أَيَّاما» مَعْنَاهُ عَلَى حَسَبِ مَا يَرَى. وَقَدَّرَهُ مُحَمَّدٌ فِي الأَصْلِ: بِالحَولِ مِنْ غَيْرِ تَفصِيلُ بَينَ القَلِيلِ وَالكَثِيرِ، وَهُوَ قَولُ مَالِك وَالشَّافِعِيِّ لِقَولِهِ ﵊: مَنْ التَقَطَ شَيْئًا فَلْيُعَرِّفَهُ سَنَة مِنْ غَيْرِ فَصل.
وَجهُ الأَوَّلِ: أَنَّ التَّقْدِيرَ بِالحَولِ وَرَدَ فِي لُقَطَة كَانَتْ مِائَةَ دِينَارٍ تُسَاوِي أَلفَ درهم، وَالعَشَرَةُ وَمَا فَوقَهَا فِي مَعنَى الأَلفِ فِي تَعَلُّقِ القَطْعِ بِهِ فِي السَّرِقَةِ وَتَعَلُّقِ استحلالِ الفَرجِ بِهِ وَلَيْسَت فِي مَعْنَاهَا فِي حَقِّ تَعَلُّقِ الزَّكَاةِ، فَأَوجَبنَا التَّعْرِيفَ بِالحَولِ احتِيَاطًا، وَمَا دُونَ العَشَرَةِ لَيْسَ فِي مَعنَى الأَلفِ بِوَجهِ مَا، فَفَوَّضَنَا إِلَى رَأْيِ الْمُبْتَلَى بِهِ، وَقِيلَ: الصَّحِيحُ أَنَّ شَيْئًا مِنْ هَذِهِ المَقَادِيرِ لَيسَ بِلَازِمٍ، وَيُفَوَّضُ إِلَى رَأْيِ المُلتَقِطِ يُعَرِّفُهَا إِلَى أَنْ يَغلِبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّ صَاحِبَهَا لَا يَطْلُبُهَا بَعدَ ذَلِكَ ثُمَّ يَتَصَدَّقُ بِهَا، وَإِنْ كَانَتِ اللُّقَطَهُ شَيْئًا لَا يَبقَى عَرَّفَهُ، حَتَّى إِذَا خَافَ أَنْ يَفْسُدَ تَصَدَّقَ بِهِ، … ..
قوله: (وهو قول مالك والشافعي وأحمد وظاهر رواية أصحابنا.
(من غير فصل)؛ أي: بين القليل والكثير، وهذا روي عن عمر وعلي وابن عباس؛ لأن السنة لا تتأخر عنها القوافل، ويمضي فيها الزمان الذي يقصد فيه البلاد من الحر والبرد والاعتدال، فصلحت قدرا كمدة أجل العنين.
وما روي عن أبي بن كعب أنه ﵇ «أمره بتعريف مائة الدينار ثلاثة أعوام» [غير صحيح. قال أبو داود: شك الراوي في ذلك وقال: لا أدري ثلاثة أعوام] (١) أو عام واحد.
(وقيل: الصحيح) إلى آخره وبهذا قال بعض أصحاب مالك وأصحاب أحمد.
قوله: (تصدق به)؛ لأن في التصدق عوض آجل وهو الثواب، أو عاجل وهو الضمان.
стр. 4273
وَيَنبَغِي أَنْ يُعَرِّفَهَا فِي المَوضِعِ الَّذِي أَصَابَهَا. وَفِي الجَامِعِ: فَإِنَّ ذَلِكَ أَقْرَبُ إِلَى الوُصُولِ إِلَى صَاحِبِهَا، وَإِنْ كَانَتْ اللُّقَطَةُ شَيْئًا يُعلَمُ أَنَّ صَاحِبَهَا لَا يَطْلُبُهَا كَالنَّوَاةِ وَقُشُورِ الرُّمَّانِ، يَكُونُ إِلقَاؤُهُ إِبَاحَة، حَتَّى جَازَ الانتِفَاعُ بِهِ مِنْ غَيْرِ تَعرِيف، وَلَكِنَّهُ مُبقَى عَلَى مِلكِ مَالِكِهِ، لِأَنَّ التَّمْلِيكَ مِنْ المَجْهُولِ لَا يَصِحُّ.
قوله: (كالنواة وقشور الرمان)؛ أي: في مواضع مختلفة لو وجد من ذلك شيئًا كثيرًا فجمعها، وصار بحكم الكثرة لها قيمة؛ لا بأس بالانتفاع بها؛ لأن كل واحد لا قيمة له، وإنما ظهرت القيمة بصنعه وهو جمعه، وقد روي أنه ﵇ رأى تمرة على الطريق، فقال: «لَوْلَا أَنْ تَكونَ تَمْرَ الصَّدقة لأكلتُها» (١)، وقد روي ذلك عن عمر وعلي وابن عمر وعائشة، ولا يُعلم فيه خلاف بين أهل العلم، إلا أن عند مالك: يجوز أكل الطعام أيضًا وإن كان له قيمة.
قوله: (ولكنه)؛ أي: الشيء اليسير كالنواة (مبقى على ملك مالكه) فإذا وجده مالكه في يده فله أن يأخذه؛ لأنه عين ملكه، إذ بإلقائه يبيح الانتفاع للواجد، ولم يكن تمليكا منه؛ إذ التمليك في المجهول لا يصح، وملك المبيح لا يزول بالإباحة.
وذكر شيخ الإسلام: ولو كانت متفرقة فجمعها؛ ليس للمالك أخذها بعد الجمع؛ لأنه يصير ملكا للآخذ بالجمع. وكذا الجواب في التقاط السنابل، وبه كان يفتي الصدر الشهيد. كذا في الذخيرة.
وفي المحيط: لو وجد النواة والقشور في أماكن متفرقة يجوز الانتفاع بها؛ لأن صاحبها لما جمعها فالظاهر أنه ما ألقاها، بل سقطت منه.
وفي المبسوط: رُوي عن بشر عن أبي يوسف: لو جز صوف شاة ميتة ملقاة كان له أن ينتفع به، ولو وجده صاحب الدار في يده كان له أن يأخذه منه، ولو دبغ جلدها كان لصاحبها أن يأخذ الجلد منه بعدما يعطيه ما زاد الدباغ فيه؛ لأنه ملكه لم يزل بالاتفاق، والصوف مال متقوم بلا اتصال بشيء، وله أن يأخذه
стр. 4274
قَالَ: (فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا وَإِلَّا تَصَدَّقَ بِهَا) إيصالا لِلحَقِّ إِلَى المُستَحِقٌ، وَهُوَ وَاجِبٌ بِقَدْرِ الإِمْكَانِ، وَذَلِكَ بِإِيصَالِ عَيْنِهَا عِنْدَ الظَّفَرِ بِصَاحِبِهَا وَإِيصَالِ العِوَضِ، وَهُوَ الثَّوَابُ عَلَى اعْتِبَارِ إِجَازَةِ التَّصَدُّقِ بِهَا، وَإِنْ شَاءَ أَمْسَكَهَا رَجَاءَ الظَّفَرِ بِصَاحِبِهَا.
مجانا، أما الجلد صار متقوّما بالدباغ، فإذا أخذه يعطيه ما زاد الدباغ فيه (١).
قوله: (فإن جاء صاحبها)؛ أي: بعد التعريف (وإلا تصدق بها) فإذا جاء صاحبها خُيّرَ بين الإجازة والغرم، وبه قال مالك، والثوري، وحسن بن صالح (٢).
وقال الشافعي، وأحمد: فإذا لم يجئ بعد التعريف ملكها الملتقط بحكم القرض، فصارت من ماله كسائر أمواله، غنيًا كان الملتقط أو فقيرًا. وروي مثله عن عمر وابن مسعود وعائشة، وبه قال عطاء وإسحق وابن المنذر.
احتج بحديث زيد بن خالد «فإن لم تُعرَفْ فَاسْتَنْفِقْها» (٣) وفي ثم «كُلها» (٤)، وفي رواية: «فاسْتَمتع بها» (٥) ولأن بالالتقاط بعد التعريف يجوز له تملكه كالفقير.
ولنا: حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ سئل عن اللقطة فقال: «عَرِّفُها حَولًا فَإِنْ جَاءَ رَبُّها وإِلَّا تَصَدَّقْ بِها» (٦) فإن جاء ربها فرضي بالأجر وإلا غرمها، ولأنها ملك الغير فلا يملكها كغيرها، ويتملكها الفقير عندنا؛ لما روى عياض بن حمار
стр. 4275
قَالَ: (فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا) يَعنِي: بَعدَمَا تَصَدَّقَ بِهَا فَهُوَ بِالخِيَارِ: إِنْ شَاءَ أَمضَى الصَّدَقَةَ وَلَهُ ثَوَابُهَا، لِأَنَّ التَّصَدُّقَ وَإِنْ حَصَلَ بِإِذْنِ الشَّرعِ لَم يَحْصُل بِإِذْنِهِ فَيَتَوَقَّفُ عَلَى إِجَازَتِهِ، وَالمِلكُ يَثْبُتُ لِلفَقِيرِ قَبلَ الإِجَازَةِ فَلَا يَتَوَقَّفُ عَلَى قِيَامِ
المجاشعي أنه ﵇ قال: «مَنْ وَجَدَ لُقطَةً فَلْيُشْهِدْ عَلَيْها ذَوَيْ عَدْلٍ وَلَا يكتم، فإِنْ وَجِدَ صَاحِبَها فَلْيَرُدَّها عَلَيْهِ وإِلَّا فَهِيَ مالُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاء» رواه النسائي (١)، وما يضاف إلى الله تعالى إنما يتملكه من يستحق الصدقة، وعن أحمد مثله.
وحديث خالد يمكن أن يكون في فقير، فيحمل عليه جمعا بين الأحاديث، وما قيل: إن حديث أبي هريرة غير ثابت؛ فليس كذلك، بل نقله العدول، وموافق للنصوص في عدم جواز تملك ملك الغير بغير إذنه.
ثم عند الشافعي وأحمد يتملكها حكمًا كالميراث، واختلف أصحاب الشافعي، فقال بعضهم كذلك، وقيل: يتملكها بقوله: (اخترت)، وقيل: بالتصرف فيها، وقيل: بالنية، ولكن يتملكها بعوض يثبت في ذمته لصاحبها، كالقرض إذا تعذر ردها، وبه قال أحمد في رواية، والظاهر عن أحمد أنه يتملكها بغير عوض.
قوله: (والملك يثبت للفقير قبل الإجازة)؛ لأنه تصدق بإذن الشرع، فيملكه الفقير بنفس الأخذ؛ لأن الفقير يأخذ الصدقة من الله تعالى؛ لما روي أنه ﵇ قال: ((الصَّدقَةُ تَقَعُ … )) (٢) الحديث، فلا يتوقف على قيام المحل، حتى
لو هلك اللقطة في يد الفقير تجوز الإجازة.
فإن قيل: لو ثبت الملك بالأخذ ينبغي ألا يأخذه المالك إذا [كان] (٣) قائما في يد الفقير.