← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 30179

معراج الدراية في شرح الهداية

الكاكي

Полный текст (7 597 стр.). Показаны 4341–4380 · переход к 4346.

стр. 4341

فَكَانَ بَدَلَ العَمَلِ، وَالعَمَلُ يُتَقَوَّمُ بِالتَّقْويمِ فَيَتَقَدَّرُ بِقَدْرِ مَا قُوْمَ بِهِ فَلَا يَحْرُمُ، بِخِلَافِ شَرِكَةِ الوُجُوهِ؛ لِأَنَّ جِنسَ المَالِ مُتَّفِقٌ وَالرِّبحُ يَتَحَقَّقُ فِي الجِنسِ المُتَّفِقِ، وَرِيحُ مَا لَم يُضمَن لَا يَجُوزُ إِلَّا فِي المُضَارَبَةِ. قَالَ: (وَمَا يَتَقَبَّلُهُ كُلُّ وَاحِد مِنهُمَا مِنْ العَمَلِ يَلزَمُهُ وَيَلزَمُ شَرِيكَهُ) حَتَّى إِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يُطَالَبُ بِالعَمَلِ وَيُطَالِبُ بِالأَجرِ (وَيَبْرَأُ الدَّافِعُ بِالدَّفْعِ إِلَيْهِ) وَهَذَا ظَاهِرٌ فِي المُفَاوَضَةِ وَفِي غَيْرِهَا اسْتِحْسَانُ. وَالقِيَاسُ: خِلَاف ذَلِكَ، لِأَنَّ الشَّرِكَةَ وَقَعَت مُطلَقَة، وَالكَفَالَةُ مُقْتَضَى المُفَاوَضَةِ. (فكان)؛ أي: ما يأخذه بدل عمله لا الربح، فيتقوم العمل بقدر ما شرط له. قوله: (لأن جنس المال متفق)؛ أي: في شركة الوجوه وهو الثمن الواجب في ذمتهما، إذ هو الدراهم والدنانير، فكان الجنس متفقا، فيظهر الربح [فلو جاز اشتراط زيادة الربح] (١) يكون ذلك ربح ما لم يضمن، وذلك لا يكون في المضاربة، ولكن كان جوازه في المضاربة بوقوعه بمقابلة العمل في جانب المضارب، وفي جانب رب المال بمقابلة المال، وليس واحد منهما في شركة الوجوه ولا الضمان بمقابلة زيادة الربح فيلزم فيها ما لم يضمن، إذ الملك في المشترى على السواء. قوله: (ويبرأ الدافع) يجوز أن يراد بالدافع دافع الأجرة (إليه)؛ أي: إلى كل واحد منهما وهو الظاهر، ويجوز أن يراد بالدافع كل واحد منهما إليه، أي: إلى صاحب الثوب، يعني: لو أخذ الثوب أحدهما ثم دفع الثوب إلى صاحبه غير الذي أخذه بدأ الأخذ من الضمان. قوله: (وهذا ظاهر في المفاوضة)؛ أي في شركة التقبل متفاوضين. في المبسوط: وإن كانا متفاوضين فلا إشكال أن الآخر مطالب بالعمل، أما لو كانت الشركة بينهما مطلقة فقد ذكر في النوادر قياسًا واستحسانا في هذا الفصل، ففي القياس لا يلزم؛ لأن مطلق الشركة بينهما عنان، وذلك لا يتضمن الكفالة، ألا ترى أنه أقر أحدهما بدين لإنسان لا يطالب به الآخر، فكذا إذا

стр. 4342

وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ: أَنَّ هَذِهِ الشَّرِكَةَ مُقتَضِيَةٌ لِلضَّمَانِ؛ أَلَا تَرَى أَنَّ مَا يَتَقَبَّلُهُ كُلُّ وَاحِد مِنْهُمَا مِنْ العَمَلِ مَضمُونٌ عَلَى الْآخَرِ، وَلِهَذَا يَسْتَحِقُّ الْأَجْرَ بِسَبَبِ نَفَاذِ تَقَبُّلِهِ عَلَيْهِ، فَجَرَى مَجْرَى المُفَاوَضَةِ فِي ضَمَانِ العَمَلِ وَاقْتِضَاءِ البَدَلِ. قَالَ: (وَأَمَّا شَرِكَةُ الوُجُوهِ: فَالرَّجُلَانِ يَشتَرِكَانِ وَلَا مَالَ لَهُمَا، عَلَى أَنْ يَشتَرِيَا بِوُجُوهِهِمَا وَيَبِيعَا، فَتَصِحَ الشَّرِكَةُ عَلَى هَذَا) سُمِّيَت بِهِ لِأَنَّهُ لَا يَشْتَرِي بِالنَّسِيئَةِ إِلَّا مَنْ كَانَ لَهُ وَجَاهَةٌ عِنْدَ النَّاسِ، وَإِنَّمَا تَصِحٌ مُفَاوَضَة، لِأَنَّهُ يُمكِنُ تَحقِيقُ الكَفَالَةِ وَالوَكَالَةِ في الأَبْدَالِ، وَإِذَا أُطلِقَت تَكُونُ عِنَانًا، لِأَنَّ مُطلَقَهُ يَنصَرِفُ إِلَيْهِ تقبل العمل مقام الآخر، فيكونان فيه بمنزلة المتفاوضين، وعلى هذا إذا عمل أحدهما كان للآخر أن يطالب استحسانا؛ لأنه هو المقصود بعقدهما (١). قوله: (فجرى مجرى المفاوضة في ضمان العمل واقتضاء البدل) وهو الأجرة، وإنما قيد بهذين الشيئين؛ لأن فيما عدا ذلك لم يجر هذا العقد مجرى المفاوضة، حتى قالوا: إذا أقر أحدهما بدين من ثمن صابون أو أشنان، أو عمل من أعمال العملة، أو آجر أجيرا، وأجره يثبت لمدة مضت، لم يصدق على صاحبه إلا ببينة؛ لأن التنصيص على المفاوضة لم يوجد، ونفاذ الإقرار موجب المفاوضة. كذا في الإيضاح. قوله: (سميت)؛ أي: هذه الشركة (بالوجوه)؛ لأنهما يشتريان بجاههما، والجاه والوجه واحد، يقال: فلان وجيه إذا كان ذا جاه، قال تعالى: ﴿وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا﴾ [الأحزاب: ٦٩]. قوله: (وإنما)؛ أي: شركة الوجوه (تصح مفاوضة) فالمفاوضة أن يكون الرجلان من أهل الكفالة، وأن يكون ثمن المشترى بينهما نصفين، وأن يتلفظا بلفظ المفاوضة، وأما العنان منها ألا يكون واحد مما ذكرنا. ذكره في شرح الطحاوي. قوله: (في الأبدال) وهو الثمن والمثمن (لأن مطلقه)؛ أي: مطلق عقد الشركة الوجوه (ينصرف إليه)؛ أي: في العنان؛ لأن المعتاد فيما بين الناس العنان، والمطلق ينصرف إلى المعتاد، كما لو اشترى بدراهم مطلقة.

стр. 4343

وَهِيَ جَائِزَةٌ عِنْدَنَا خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ، وَالوَجهُ مِنْ الجَانِبَينِ مَا قَدَّمْنَاهُ فِي شَرِكَةِ التَّقَبُّلِ. قَالَ: (وَكُلُّ وَاحِد مِنهُمَا وَكِيلُ الآخَرِ فِيمَا يَشتَرِيهِ) لِأَنَّ التَّصَرُّفَ عَلَى الغَيرِ لَا يَجُوزُ إِلَّا بِوَكَالَة أَوْ بِوِلَايَة، وَلَا وِلَايَةَ فَتَتَعَيَّنُ الوَكَالَةُ (فَإِنْ شَرَطَا أَنَّ المُشتَرَى بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ وَالرِّبحَ كَذَلِكَ يَجُوزُ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَتَفَاضَلَا فِيهِ، وَإِنْ شَرَطَا أَنْ يَكُونَ المُشتَرَى بَيْنَهُمَا أَثَلَاثًا فَالرِّبحُ كَذَلِكَ)، وَهَذَا لِأَنَّ الرِّبحَ لَا يُسْتَحَقُّ إِلَّا بِالمَالِ أَوْ العَمَلِ أَوْ بِالضَّمَانِ، فَرَبُّ المَالِ يَستَحِقُّهُ بِالمَالِ، وَالمُضَارِبُ يَسْتَحِقُّهُ بِالعَمَلِ، وَالأُسْتَاذُ الَّذِي يُلْقِي العَمَلَ عَلَى التَّلْمِيذِ بِالنِّصْفِ بِالضَّمَانِ، وَلَا يُسْتَحَقُّ بِمَا سِوَاهَا؛ أَلَا تَرَى أَنَّ مَنْ قَالَ لِغَيْرِهِ: تَصَرَّف فِي مَالِكِ عَلَى أَنَّ لِي رِيحَهُ، لَم يَحُزْ لِعَدَمِ هَذِهِ المَعَانِي. وَاسْتِحقَاقُ الرِّبحِ فِي شَرِكَةِ الوُجُوهِ بِالضَّمَانِ عَلَى مَا بَيَّنَّا وَالضَّمَانُ عَلَى قدر المِلكِ فِي المُشتَرَى، وَكَانَ الرِّبحُ الزَّائِدُ عَلَيْهِ رِبحَ مَا لَم يُضمَن، فَلَا يَصِحُ اشْتِرَاطُهُ، إِلَّا فِي المُضَارَبَةِ، وَالوُجُوهُ لَيسَت فِي مَعنَاهَا، بِخِلَافِ العِنَانِ؛ لِأَنَّهُ فِي مَعنَاهَا مِنْ حَيثُ إِنَّ كُلَّ. قوله: (وهي)؛ أي: شركة الوجوه (جائزة عندنا) وبه قال أحمد. وقال الشافعي ومالك: لا تجوز؛ لأن عنده لا بد من رأس المال لصحته، فيتحقق معنى التميز. وقلنا: صحة العقد باعتبار الوكالة، وتوكيل كل واحد منهما صاحبه بالشراء على أن يكون المشترى بينهما نصفين أو أثلاثا صحيح، فكذا الشركة التي تتضمن هذه الوكالة. قوله: (على التلميذ بالنصف) وذكر النصف اتفاقي؛ لأنه يجوز بأقل منه، وقد ذكرناه. قوله: (بالضمان)؛ أي: يطالب الأستاذ بتحصيل ذلك العمل، فكان العمل مضمونا على الأستاذ. قوله: (في معناها)؛ أي: في معنى المضاربة؛ لأن في الوجوه كل واحد مضمون عليه العمل، وأما المال فليس بمضمون على المضارب، وكذا العمل ليس بمضمون على رب المال. (لأنه)؛ أي: العنان (في معناها)؛ أي: معنى المضاربة (من حيث إن كل

стр. 4344

وَاحِدٌ مِنْهُمَا يَعْمَلُ فِي مَالِ صَاحِبِهِ فَيُلْحَقُ بِهَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. فَصْلٌ فِي الشَّرِكَةِ الفَاسِدَةِ (وَلَا تَجُوزُ الشَّرِكَةُ فِي الاحْتِطَابِ وَالاصْطِيَادِ، وَمَا اصْطَادَهُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَوْ احْتَطَبَهُ فَهُوَ لَهُ دُونَ صَاحِبِهِ)، وَعَلَى هَذَا الاشتِرَاكُ فِي أَخْذِ كُلِّ شَيْءٍ مُبَاحٌ؛ لِأَنَّ الشَّرِكَةَ مُتَضَمِّنَةٌ مَعنَى الوَكَالَةِ، وَالتَّوكِيلُ فِي أَخْذِ المَالِ المُبَاحِ بَاطِلٌ، لِأَنَّ أَمَرَ المُوَكِّلِ بِهِ غَيْرُ صَحِيح، واحد منهما يعمل في مال صاحبه) كالمضارب يعمل في مال رب المال (فيلحق)؛ أي: العِنان (بها)؛ أي: بالمضاربة في جواز اشتراط زيادة الربح. فإن قيل: جاز أن يكون فصل الربح هاهنا بفضل العمل كما في العِنان. قلنا: إنما جاز اشتراط زيادة الربح بزيادة العمل؛ إذا كان العمل في مال معلوم، كما في العِنان والمضاربة، ولم يوجد هنا. فصل في الشركة الفاسدة أَخَّرَ الفاسد لانحطاط رتبته شرعًا. قوله: (في كل شيء مباح) كالحشيش والثمار في الجبال والبراري من الجوز والفستق وغيرهما، وكذا الشركة بنقل الطين وبيعه من أرض لا يملكانه، أو الجص أو الملح والكحل، أو ما أشبه ذلك لا تجوز الشركة عندنا، وبه قال الشافعي. وعند مالك وأحمد: يجوز لأن هذه شركة الأبدان، فتجوز كما في الصباغين. يؤيده: ما روى أبو داود بإسناده عن ابن مسعود أنه قال: اشتركت أنا وسعد وعمار يوم بدر، فلم أجئ أنا وعمار بشيء، وجاء سعد بأسيرين، فأشرك بينهم النبي ﷺ (١). قوله: (لأن أمر الموكل به)؛ أي: بأخذ المباح (غير صحيح) لعدم ملكه وولايته عليه قبل قبضه.

стр. 4345

وَالوَكِيلُ يَمْلِكُهُ بِدُونِ أَمْرِهِ فَلَا يَصْلُحُ نَائِبا عَنهُ، وَإِنَّمَا يَثْبُتُ المِلكُ لَهُمَا بِالْأَحْذِ وَإِحْرَازِ المُبَاحِ، فَإِنْ أَخَذَاهُ مَعَا فَهُوَ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ لِاسْتِوَائِهِمَا فِي سَبَبِ الاستحقاقِ، (والوكيل يملكه)؛ أي: المباح (بدون أمره، فلا يصلح الوكيل نائبا عنه)؛ أي: عن الموكل، إذ التوكيل إثبات ولاية لم تكن ثابتة للوكيل، وهذا لم يوجد هاهنا، فإذا لم تثبت الوكالة لم تثبت الشركة. كذا في الإيضاح. فإن قيل: يشكل هذا بالتوكيل بشراء عبد بغير عينه فإنه يجوز، مع أن الوكيل يملك شراء لنفسه قبل التوكيل وبعده، فعلم ألا يشترط لصحة التوكيل أن يملك الوكيل ذلك التصرف قبل التوكيل. قلنا: لا يشكل لما أن التوكيل بالشراء يخالف التوكيل بالاحتطاب من وجهين: أحدهما: أن الوكيل بشراء عبد معين لا يملك أن يشتريه لنفسه بعد التوكيل، والتوكيل في الاحتطاب في الحطب المعين وغير المعين سواء في عدم الصحة؛ لعدم التوكيل في أمر مباح لهما. والثاني: أن بالتوكيل يلزم الثمن في ذمة الموكل ولا يلزم قبله، فلم يكن الوكيل قادرًا هناك على إلزام الثمن في ذمة الموكل قبل التوكيل، فصح ما قلنا: إن التوكيل إنما يصح فيما لا يملكه الوكيل. والأوجه في التعليل ما ذكره شمس الأئمة في مبسوطه: أن الاحتطاب اكتساب، والاكتساب في المحل المباح يوجب الملك للمكتسب، فحينئذ كان كل واحد منهما كالمفاوض مع صاحبه لنصف ما يكتسبه بنصف ما يكتسبه صاحبه، وهذا مفاوضة في المجهول، فلا تكون صحيحة، وعلى هذين التعليلين لا يلزم السؤال. وأما الجواب عن الحديث: أن المغانم مشتركة بين الغانمين بحكم الله تعالى، فكيف يصح اختصاص هؤلاء بالشركة فيها. وقال بعض أصحاب الشافعي: غنائم بدر كانت للرسول ﵇، فله أن يدفعها إلى من شاء، فيحتمل أن يكون فعل ذلك بإزاء نصيبهم. قوله: (فهو بينهما نصفان) في المبسوط: فإن عملا ذلك وخلطاه ثم باعاه،

стр. 4346

وَإِنْ أَخَذَهُ أَحَدُهُمَا وَلَم يَعْمَل الآخَرُ شَيْئًا فَهُوَ لِلعَامِلِ، وَإِنْ عَمِلَ أَحَدُهُمَا وَأَعَانَهُ الآخَرُ فِي عَمَلِهِ بِأَنْ قَلَعَهُ أَحَدُهُمَا وَجَمَعَهُ الآخَرُ، أَوْ قَلَعَهُ وَجَمَعَهُ وَحَمَلَهُ الْآخَرُ، فَلِلمُعِينِ أَجرُ المِثْلِ بَالِغَا مَا بَلَغَ عِنْدَ مُحَمَّد. وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ: لَا يُجَاوَزُ بِهِ نِصفُ ثَمَنِ ذَلِكَ، وَقَدْ عُرِفَ فِي مَوضِعِهِ (*). قسم الثمن على كيل أو وزن، فالكل واحد لأن كل واحد مالك لما أصابه، والثمن في البيع إنما ينقسم على مالية المعقود عليه، ومالية المكيل والموزون يعتبر بالكيل، والموزون وإن لم يكن وزنا يقسم الثمن على قيمة ما كان لكل واحد منهما [لأن معرفة المالية في القيمي بالقيمة، وإن لم يعرف مقدار ما كان لكل واحد منهما] (١) صدق كل واحد إلى النصف؛ لأنهما استويا في الاكتساب، وقد كان المكتسب في أيديهما، فالظاهر أن المكتسب بينهما نصفان، والظاهر يشهد له في ذلك، فيقبل قوله، ولا يصدق على الزيادة على النصف إلا ببينة؛ لأنه يدعي خلاف الظاهر (٢). قوله: (فللمعين أجر المثل)؛ لأنه استوفى منافعه بحكم عقد فاسد، فيلزمه أجر مثله، إلا أنه لا يجاوز عن نصف ثمن ذلك لرضاه بنصف المسمى، وتقوم المنافع بالعقد والتسمية، وفيما زاد على المسمى لم توجد التسمية. وعند محمد له أجر مثله بالغا ما بلغ؛ لأن المسمى مجهول إذا لم يدر أي نوع من الحطب يصيبان، وهل يصيبا شيئًا أم لا؟ والرضا بالمجهول لغو، فإذا سقط اعتبار رضاه وقد استوفى منافعه بعقد فاسد؛ فله أجر مثله بالغا ما بلغ. وقوله: (لا يجاوز) على بناء المفعول، ونصف الثمن بالرفع؛ لأنه قائم مقام الفاعل والرواية المزادة من ثلاثة جلود، وأصلها بعير السقاء؛ لأنه يروي الماء، أي: يحمله. (في موضعه)؛ أي: في باب الإجارة الفاسدة.

стр. 4347

قَالَ: (وَإِذَا اشْتَرَكَا وَلِأَحَدِهِمَا بَعْلٌ وَلِلآخَرِ رَاوِيَةٌ يَسْتَقِي عَلَيْهَا المَاءَ، فَالكَسَبُ بَيْنَهُمَا، لَم تَصِحُ الشَّرِكَةُ، وَالكَسَبُ كُلُّهُ لِلَّذِي اسْتَقَى، وَعَلَيْهِ أَجْرُ مِثْلِ الرَّاوِيَةِ إِنْ كَانَ العَامِلُ صَاحِبَ البَعْلِ، وَإِنْ كَانَ صَاحِبَ الرَّاوِيَةِ فَعَلَيْهِ أَجْرُ مِثْلِ البَعْلِ) أَمَّا فَسَادُ الشَّرِكَةِ فَلانعِقَادِهَا عَلَى إِحْرَازِ المُبَاحِ وَهُوَ المَاءُ، وَأَمَّا وُجُوبُ الأَجرِ، فَلِأَنَّ المُبَاحَ إِذَا صَارَ مِلكًا لِلمُحرِزِ وَهُوَ المُستَقِي، وَقَدْ استَوفَى مَنَافِعَ مِلكِ الغَيرِ وَهُوَ البَعْلُ أَوْ الرَّاوِيَةُ بِعَقد فَاسِد فَيَلزَمُهُ أَجْرُهُ (وَكُلُّ شَرِكَة فَاسِدَة فَالرِّبحُ فِيهَا عَلَى قَدرِ المَالِ، وَيَبْطُلُ شَرطُ التَّفَاضُلِ لِأَنَّ الرِّبحَ فِيهِ تَابِعٌ لِلمَالِ فَيَتَقَدَّرُ بِقَدْرِهِ، كَمَا أَنَّ الرِّيعَ تَابِعُ لِلْبَدْرِ فِي الزِّرَاعَةِ، وَالزِّيَادَةُ إِنَّمَا تُستَحَقُّ بِالتَّسْمِيَةِ، وَقَدْ فَسَدَت فَبَقِيَ الِاسْتِحْقَاقُ عَلَى قَدرِ رَأْسِ المَالِ وَإِذَا مَاتَ أَحَدُ الشَّرِيكَينِ أَوْ ارتَدَّ وَلَحِقَ بِدَارِ الحَرْبِ بَطَلَتِ الشَّرِكَةُ) لِأَنَّهَا تَتَضَمَّنُ الوَكَالَةَ، وَلَا بُدَّ مِنهَا لِتَتَحَقَّقَ الشَّرِكَةُ عَلَى مَا مَرَّ، وَالوَكَالَةُ تَبْطُلُ بِالمَوتِ، وَكَذَا بِالِالتِحَاقِ مُرتَدًّا إِذَا قَضَى القَاضِي بِلَحَاقِهِ؛ لِأَنَّهُ بِمَنزِلَةِ المَوتِ عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ مِنْ قَبْلُ، وَلَا فَرقَ بَينَ مَا إِذَا عَلِمَ الشَّرِيكُ بِمَوتِ صَاحِبِهِ أَوْ لَم يَعلَم؛ لِأَنَّهُ عَزِلٌ حُكمِيٌّ، قوله: (لم تصح الشركة) وهو ظاهر قول الشافعي، وبه قال أحمد. وعلى قياس قول أحمد ومالك: ينبغي أن يجوز ذكره في المغني لابن قدامة. وقال بعض أصحاب الشافعي: فيه قولان في قول: يصح، والثاني: أن الكسب للسقاء. وقال بعض أصحابه: إن الماء مملوكا للسقاء، فالكسب له وعليه أجرة ما حمل عليه، وإن كان مباحا في الكسب على الشركة. قوله: (فالربح فيها؛ أي: في الشركة الفاسدة على قدر المال) ولا خلاف فيه بعدما خلط المالان، والريع: الزيادة، يقال: هذا طعام كثير الريع، ويقال: أخرجت الأرض ريعا، أي: غلة؛ لأنها زيادة. كذا في المغرب (١). قوله: (وإذا مات أحد الشريكين) إلى آخره: ولا خلاف فيه. (على ما بيناه من قبل)؛ أي: في باب أحكام المرتدين. قوله: (لأنه)؛ أي: الموت عزل حكمي لتحول ملكه إلى وارثه، فلا

стр. 4348

وَإِذَا بَطَلَت الوَكَالَةُ بَطَلَت الشَّرِكَةُ، بِخِلَافِ مَا إِذَا فَسَخَ أَحَدُ الشَّرِيكَينِ الشَّرِكَةَ وَمَالُ الشَّرِكَةِ دَرَاهِمُ وَدَنَانِيرُ، حَيْثُ يَتَوَقَّفُ عَلَى عِلمِ الآخَرِ، لِأَنَّهُ عَزِلٌ قَصدِيٌّ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. فَصْلٌ: [أَدَاءُ الزَّكَاةِ مِنْ مَالِ الشَرِيكَيْنِ] (وَلَيْسَ لِأَحَدِ الشَّرِيكَينِ أَنْ يُؤَدِّيَ زَكَاةَ مَالِ الآخَرِ إِلَّا بِإِذْنِهِ)، لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ جِنسِ التِّجَارَةِ، (فَإِنْ أَذِنَ كُلُّ وَاحِد مِنْهُمَا لِصَاحِبِهِ أَنْ يُؤَدِّيَ زَكَاتَهُ، فَأَدَّى كُلُّ وَاحِد مِنهُمَا فَالثَّانِي ضَامِنٌ، عَلِمَ بِأَدَاءِ الأَوَّلِ أَوْ لَم يَعلَم، وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةِ، وَقَالَا: لَا يَضمَنُ إِذَا لَم يَعلَم، وَهَذَا إِذَا أَدَّيَا عَلَى التَّعَاقُبِ، أَمَّا إِذَا أَدَّيَا مَعًا ضَمِنَ كُلُّ يتوقف ثبوت حكمه على العلم لثبوته ضمنًا، ألا ترى أن الوكيل ينعزل بموت الموكل وإن لم يعلم به. (لأنه)؛ أي: فسخ أحد الشريكين (عزل قصدي) فيعتمد العلم؛ لأنه نوع حجر، فشرط علمه بثبوت الحجر دفعا للضرر عنه. فإن قيل: قد ذكر قبيل هذا أن الشركة تتضمن الوكالة، فلما ثبتت الوكالة في ضمن الشركة كانت الوكالة تبعا، فلا يلزم من بطلان التبع بطلان الأصل، فكيف لزم هاهنا بطلان الأصل وهو الشركة ببطلان البيع وهو الوكالة؟. قيل: فيه جوابان؛ أحدهما: أن لدوام عقد الشركة حكم الابتداء؛ لكونه غير لازم على ما مر، ثم في ابتداء العقد إذا كان أحدهما غير أهل لا يجوز التوكيل منه، بأن كان مجنونا أو صبيا لا يعقل لا تجوز الشركة، فكذا بقاء؛ إذ صلاحية التوكيل شرط صحة الشركة ليفيد العقد فائدته. والثاني: أن الوكالة ثابتة فيها ضرورة واقتضاء، فيبطل المقتضى ببطلان المقتضي؛ لأن المقتضى شرط صحة المقتضي. فصل: أداء الزكاة من مال الشريكين لما كانت أحكام هذا الفصل أبعد عن مسائل الشركة، من قبل أنها ليست من مسائل التجارة أخَّرَهُ. قوله: (وعندهما لم يضمن إذا لم يعلم) وإن علم ضمن. هكذا ذكر في كتاب الزكاة.

стр. 4349

وَاحِدٍ مِنْهُمَا نَصِيبَ صَاحِبِهِ) (*) وَعَلَى هَذَا الاختِلافِ، المَأْمُورُ بِأَدَاءِ الزَّكَاةِ إِذَا تَصَدَّقَ عَلَى الفَقِيرِ بَعْدَمَا أَدَّى الآمِرُ بِنَفْسِهِ. لَهُمَا: أَنَّهُ مَأْمُورُ بِالتَّمْلِيكِ مِنْ الفَقِيرِ، وَقَدْ أَتَى بِهِ فَلَا يَضمَنُ لِلمُوَكِّلِ، وَهَذَا لِأَنَّ فِي وُسِعِهِ التَّمْلِيكَ لَا وُقُوعَهُ زَكَاةً لِتَعَلُّقِهِ بِنِيَّةِ المُوَكِّلِ، وَإِنَّمَا يَطلُبُ مِنْهُ مَا فِي وُسِعِهِ، وَصَارَ كَالمَأْمُورِ بِذَبْحِ دَمِ الإِحْصَارِ إِذَا ذَبَحَ بَعْدَمَا زَالَ الإِحْصَارُ وَحَجَّ الآمِرُ لَم يَضمَن المَأمُورُ عَلِمَ أَوْ لَا. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ: أَنَّهُ مَأْمُورٌ بِأَدَاءِ الزَّكَاةِ وَالمُؤَدَّى لَم يَقَع زَكَاةً فَصَارَ مُخَالِفًا، وَهَذَا لِأَنَّ المَقْصُودَ مِنْ الأَمْرِ إِخْرَاجُ نَفْسِهِ عَنْ عُهْدَةِ الوَاجِبِ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ لَا يَلْتَزِمُ الضَّرَرَ إِلَّا لِدَفِعِ الضَّرَرِ، وَهَذَا المَقصُودُ حَصَلَ بِأَدَائِهِ وَعَرَّى أَدَاءَ المَأمُورِ عَنْهُ، فَصَارَ مَعزُولًا عَلِمَ أَوْ لَم يَعلَم؛ لِأَنَّهُ عَزِلٌ حُكمِيٌّ. وَأَمَّا دَمُ الإِحْصَارِ فَقَد قِيلَ: هُوَ عَلَى هَذَا الاخْتِلَافِ، == وفي الزيادات للعتابي: لا يضمن وإن علم عندهما، وهو الصحيح عندهما، وعلى هذا الخلاف لو دفع ماله إلى رجل ليكفر عنه فكفّر الأمر بنفسه ثم كفر المأمور، وعلى هذا: المأمور بأداء الزكاة. (وإن أديا معًا ضمن كل واحد منهما نصيب صاحبه)؛ أي: عند أبي حنيفة، وعندهما لا يضمن ذكره في المبسوط، وزيادات العتابي. (لهما: أنه مأمور بالتمليك) إلى آخره هذا التعليل يدل على أنه إن أدى مع العلم لم يضمن؛ لأنه دفع إلى الفقير على وجه القربة، وأداء الموكل بنفسه لا ينفي هذا المعنى، فلا يوجب عزل الوكيل في الأداء ممتثلا أمره، فلا ضمان عليه، سواء علم بضمانه أو لا. وجه رواية الزكاة: أن أداء الموكل بنفسه عزل الوكيل، فلا يثبت حكمه قبل علمه. قوله: (لأنه عزل حكمي): فإن قيل: يشكل عليه الوكيل بقضاء الدين، فإنه إذا أدى بعد أداء الموكل بنفسه إن علم بأدائه ضمن، وإلا لا، مع أن العزل هناك حكمي. قلنا: الوكيل بقضاء الدين مأمور، بأن يجعل ما أدى مضمونًا على القابض

стр. 4350

وَقِيلَ: بَيْنَهُمَا فَرقٌ. وَوَجهُهُ: أَنَّ الدَّمَ لَيْسَ بِوَاجِب عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ يُمْكِنُهُ أَنْ يَصْبِرَ حَتَّى يَزُولَ الإِحصَارُ. وَفِي مَسأَلَتِنَا: الأَدَاءُ وَاجِبٌ فَاعْتُبِرَ الإِسْقَاطُ مَقصُودًا فِيهِ دُونَ دَمِ الإحصار. قَالَ: (وَإِذَا أَذِنَ أَحَدُ المُتَفَاوِضَينِ لِصَاحِبِهِ أَنْ يَشتَرِيَ جَارِيَة فَيَطَأَهَا فَفَعَلَ، فَهِيَ لَهُ بِغَيْرِ شَيْء عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَا: يَرْجِعُ عَلَيْهِ بِنِصْفِ الثَّمَنِ) (*) لِأَنَّهُ أَدَّى دَيْنًا عَلَيْهِ خَاصَّة مِنْ مَالِ مُشتَرَكَ، فَيَرْجِعُ عَلَيْهِ صَاحِبُهُ بِنَصِيبِهِ كَمَا فِي شِرَاءِ الطَّعَامِ وَالكِسْوَةِ، على ما هو الأصل، إذ الديون تقضى بأمثالها لا بأعيانها، وذلك يتصور بعد أداء الموكل، فلم يكن أداؤه موجبا لعزله حكما. يوضحه: أن هناك لو لم يوجب الضمان على الوكيل لجهله بأداء الموكل لم يتضرر الموكل فيه؛ لأنه يتمكن من استرداد المقبوض وتضمينه إن كان هالكا والضرر مدفوع. كذا في المبسوط. وذكر القاضي المعنى (١) فيما لو أدّيا معًا حيث يضمن الوكيل عند أبي حنيفة. فوجهه: أن أداء الموكل [سابق على أدائه، وإن أديا معًا من حيث الحكم والاعتبار؛ لأن الموكل بالأداء ينصرف على نفسه وتصرف الوكيل على الموكل] (٢)، فتصرفه على نفسه أقرب من تصرف الوكيل عليه، فيصير سابقا معن كالوكيل بالبيع إذا باع وباع الموكل أيضًا، وخرج الكلامان معا ينفذ بيع الموكل. قوله: (وقالا: يرجع الشريك الإذن عليه)؛ أي: على المأمور. (كما في شراء الطعام والكسوة)؛ أي: لأهله وقضى الثمن من مال الشركة، فيرجع عليه بنصف الثمن بالاتفاق؛ وهذا لأن الملك واقع له خاصة من ضرورة حل الوطء، إذ لو وقع مشتركا لحرم الوطء، واختصاص المالك يبتني على الاختصاص بسببه وهو الشراء، فيكون الثمن عليه كما في الطعام.

стр. 4351

وَهَذَا لِأَنَّ المِلكَ وَاقِعٌ لَهُ خَاصَّة، وَالثَّمَنُ بِمُقَابَلَةِ المِلكِ. وَلَهُ: أَنَّ الجَارِيَةَ دَخَلَت فِي الشَّرِكَةِ عَلَى البَنَاتِ جَريًا عَلَى مُقْتَضَى الشَّرِكَةِ، إذ هُمَا لَا يَمْلِكَانِ تَعْيِيرَهُ فَأَشِبَهَ حَالَ عَدَمِ الإِذْنِ، غَيْرَ أَنَّ الإِذنَ يَتَضَمَّنُ هِبَةَ نَصِيبِهِ مِنهُ؛ لِأَنَّ الوَاءَ لَا يَحِلُّ إِلَّا قوله: (فأشبه حال عدم الإذن)؛ يعني: إذا اشترى جارية بغير الإذن في الوطء يقع على الشركة، فكذا هذا؛ لأن مقتضى المفاوضة أن يقع كل شراء وبيع على الشركة تحقيقا للمساواة، وهما لا يملكان تغيير مقتضاها مع بقائها. (غير أن الإذن) هذا استثناء معنّى، يعني: لما وقعت الجارية المشتركة، فكيف يحل وطؤها لمشتريها، فقال: الإذن بشرائها لنفسه يتضمن هبة نصيبه بغير عوض، والهبة في الشائع فيما لا يقسم جائزة، فكان حل وطئها بالهبة، كما لو وهب نصيبه بعد الشراء بلا أمر يحل وطؤها، إذ الإذن بالوطء لا يصح إلا بالهبة، فكانت هبة نصيبه ثابتة ضرورة صحة الإذن اقتضاء. إليه أشار في الأسرار. فإن قيل: ذكر في الأصول: لو قال لغيره: أعتق عبدك عني بغير شيء فأعتقه، يقع العتق عن المأمور لا الأمر عند أبي حنيفة ومحمد خلافا لأبي يوسف، وقالوا في وجه قولهما: أن القبض في الهبة لا يحتمل السقوط بحال، والقبول في البيع يحتمله كما في التعاطي، وإذا كان كذلك لا تثبت الهبة هاهنا بدون القبض، والقبض فعل حسّي ليس من جنس القول، فلا يثبت في ضمنه، فلا يثبت اقتضاء، وهاهنا كيف يثبت اقتضاء؟ قلنا: ذكر في الإيضاح: القياس: أن كل ما يتصوّر وقوعه على الشركة يقع مشتركا؛ لما بينا من تحقيق المساواة إلا فيما تمس الضرورة إليه مما لا بد منه، كالطعام والكسوة، والجارية ليست من ذلك، فوقعت على الشركة، ووقوعها على الشركة لا يستدعي إذنا جديدا، فلم يبق لهذا الإذن تأثيرا في التمليك، كأنه قال: اشترها بيننا وقد وهبت لك نصيبي، فإذا اشترى وقبض صحت الهبة فلا يرجع بشيء من الثمن؛ لأنه نقد المال المشترك فيما هو واقع على الشركة، وبهذا التقرير علم أن الهبة هاهنا إنما كانت بعد ثبوت الملك لهما، وبعد القبض وهبة المشاع جائزة فيما لا يقسم.

стр. 4352

بِالمِلكِ، وَلَا وَجهَ إِلَى إِثْبَاتِهِ بِالبَيعِ لِمَا بَيَّنَّا أَنَّهُ مُخَالِفٌ مُقْتَضَى الشَّرِكَةِ فَأَثْبَتَنَاهُ بِالهِبَةِ الثَّابِتَةِ فِي ضمن الإذنِ، بِخِلَافِ الطَّعَامِ وَالكِسْوَةِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مُستَثنى عَنهَا لِلضَّرُورَةِ، فَيَقَعُ المِلكُ لَهُ خَاصَّة بِنَفْسِ العَقدِ، فَكَانَ مُؤَدِّيَا دَيْنًا عَلَيْهِ مِنْ مَالِ الشَّرِكَةِ. وَفِي مَسْأَلَتِنَا قَضَى دَينا عَلَيْهِمَا لِمَا بَيَّنَّا وَلِلبَائِعِ أَنْ يَأخُذَ بِالثَّمَنِ أَيَّهُمَا شَاءَ بِالاتِّفَاقِ، لِأَنَّهُ دَينٌ وَجَبَ بِسَبَبِ التِّجَارَةِ، وَالمُفَاوَضَةُ تَضَمَّنَت الكَفَالَةَ، فَصَارَ كَالطَّعَامِ والكسوة. وفي الفوائد الظهيرية: بقي هاهنا إشكال هائل: وهو أن الملك يثبت في نصب شريكه حكمًا للإذن بالوطء، فإن أصل المسألة: هو أن يأذن أحدهما لصاحبه أن يشتري جارية فيطأها ففعل فهي له، ولا يثبت الملك في الجارية بالهبة حكما للإحلال، فإن الرجل إذا قال لغيره: أحللت لك وطء هذه الجارية، فالجارية لا تصير ملكًا للمخاطب حكمًا للإحلال، وعلى قياس هذا وجب أن يثبت، ثم قال: لا وجه يتراءى في التفصي عن الإشكال؛ سوى أن نصيب الشريك من الجارية المشتركة أقبل للتملك من جارية لم يكن للمخاطب في شقص منها [ملك، بدليل أن أحد الشريكين يملك الجارية المشتركة بالاستيلاد، ومن لم يكن له ملك في شقص منها] (١) لا يملكها بالاستيلاد إذا لم يكن له حق التملك، ومن له حق التملك كالأب والجد فالرواية غير محفوظة، فإنه لا يثبت الملك له حكما للهبة بالإحلال، ثم قال: وتخايل لي هاهنا فرق آخر: وهو قولك: أحللته وطأها لا يمكن إثبات موجبه على تقدير ثبوت الملك، وقوله: فيما نحن فيه فيطؤها، فيمكن حمله على الاستقبال؛ لأن اللفظ يحتمله، ويمكن أن تجعل الفاء للعطف. ذكره هذه المسألة في الجامع الصغير المرتب قبيل كتاب الوكالة، والله الموفق.

стр. 4353

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ كِتَابُ الوَقفِ (قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَزُولُ مِلكُ الوَاقِفِ عَنْ الوَقفِ إِلَّا أَنْ يَحْكُمَ بِهِ الحَاكِمُ، أَوْ يُعَلِّقَهُ بِمَوتِهِ فَيَقُولَ: إِذَا مِتُّ فَقَد وَقَفْتُ دَارِي عَلَى كَذَا. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: يَزُولُ مِلكُهُ بِمُجَرَّدِ القَولِ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ: لَا يَزُولُ حَتَّى يَجْعَلَ لِلوَقفِ وَلِيًّا وَيُسَلِّمَهُ إِلَيهِ) قَالَ ﵁: الوَقفُ لُغَة: هُوَ الحَبسُ، تَقُولُ: وَقَفتُ الدَّابَّةَ وَأَوقَفْتُهَا بِمَعنِّى. وَهُوَ فِي الشَّرع عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ: حَبسُ العَينِ عَلَى مِلكِ الوَاقِفِ، وَالتَّصَدُّقُ بِالمَنفَعَةِ بِمَنزِلَةِ العَارِيَّةِ. ثُمَّ قِيلَ: المَنفَعَةُ مَعدُومَةٌ فَالتَّصَدُّقُ بِالمَعدُومِ لَا يَصِحُ، فَلَا يَجُوزُ الوَقفُ أَصلا عِندَهُ، وَهُوَ المَلفُوظُ فِي الأَصْلِ. وَالأَصَحُ: أَنَّهُ جَائِزٌ عِندَهُ، إِلَّا أَنَّهُ غَيْرُ لَازِم بِمَنزِلَةِ كتاب الوقف قيل في مناسبة الوقف والشركة: أن المقصود من كل منهما الانتفاع بما يزيد على أصل المال، ومن الوقف أيضًا الانتفاع بالريع الزائد من العقار. ثم الوقف في الأصل: مصدر وَقَفَهُ إذا حبسه وقفًا، ووقف بنفسه وقوفًا يتعدّى ولا يتعدى وقف أرضه على ولده؛ لأنه حبس الملك عليه، وقيل للموقوف: وقف تسمية للمصدر، وجمع على أوقاف، كوقت وأوقات، وقالوا: لا يقال فيه: أوقفة إلا لغة ردية قليلة. كذا في الصحاح، والمغرب (١). وقال شمس الأئمة: الوقف شريعة عبارة عن حبس المملوك عن التمليك من الغير. قوله: (وهو الملفوظ في الأصل)؛ أي: المذكور في المبسوط، فأما أبو حنيفة لا يجيز ذلك. قال قاضي خان وبظاهر هذا اللفظ أخذ بعض الناس،

стр. 4354

العَارِيَّةِ، وَعِندَهُمَا: حَبسُ العَينِ عَلَى حُكم مُلكِ اللَّهِ تَعَالَى (*)، فَيَزُولُ مِلكُ الوَاقِفِ عَنْهُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى عَلَى وَجْه تَعُودُ مَنفَعَتُهُ إِلَى العِبَادِ فَيَلزَمُ وَلَا يُبَاعُ وَلَا يُوهَبُ وَلَا يُورَثُ. وَاللَّفْظُ يَنتَظِمُهُمَا وَالتَّرجِيحُ بِالدَّلِيلِ. لَهُمَا: قَولُ النَّبِيِّ ﷺ لِعُمَرَ ﵁ حِينَ أَرَادَ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِأَرض لَهُ تُدعَى ثَمغا: «تَصَدَّق بِأَصْلِهَا لَا يُبَاعُ وَلَا يُورَثُ وَلَا يُوهَبُ» وَلِأَنَّ الحَاجَةَ مَاسَّةٌ إِلَى أَنْ يَلزَمَ الوَقفُ مِنْهُ لِيَصِلَ ثَوَابُهُ إِلَيْهِ عَلَى الدَّوَامِ، وَقَدْ أَمْكَنَ دَفَعُ حَاجَتِهِ بِإِسْقَاطِ المِلكِ وَجَعَلِهِ لِلَّهِ تَعَالَى إِذْ لَهُ نَظِيرُ فِي الشَّرعِ، فقال: عند أبي حنيفة لا يجوز الوقف، وليس كما ظن، بل هو جائز عند الكل بالأحاديث المشهورة وإجماع الصحابة، إلا عند أبي يوسف ومحمد وعامة الفقهاء، إذا صح الوقف يزول ملك المالك الواقف لا إلى مالك فيلزم فلا يملك، وهو الأصح عند الشافعي وأحمد. وقال الشافعي في قول، وأحمد في رواية: ينتقل إلى ملك الموقوف عليه إن كان أهلا للملك لامتناع السائبة، وعند أبي حنيفة: يجوز الوقف جواز الإعارة، فيرجع فيه ويباع إلا أن يحكم به حاكم أو يوصي، فحينئذ يلزم فلا يجوز بيعه ولا هبته ولا إبطاله. وعند مالك: هو حبس العين على ملك الواقف، فلا يزول ملكه، لكن لا يباع ولا يورث ولا يرهن ولا يوهب. وقال أبو العباس من أصحاب الشافعي: هذا قول الشافعي وأحمد؛ لأنه ﵇ حبس الأصل وسبل الثمرة. قوله: (واللفظ ينتظمهما)؛ أي: لفظ الوقف يتناول ما قاله أبو حنيفة: بأن الوقف حبس العين على ملك الواقف، وما قالا: به وهو أنه حبس العين على حكم ملك الله تعالى. (والترجيح بالدليل): فابتدأ ببيان دليلهما بقوله: (لهما) روى صخر بن جويرية عن نافع أن عمر كانت له بخيبر سهم عمر حين قسم رسول الله خيبر يدعى ثمغ، وكانت نخلا نفيسا، فقال: يا رسول الله، عندي هي نفيس أفأتصدق

стр. 4355

وَهُوَ المَسجِدُ فَيُجْعَلُ كَذَلِكَ. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ: قَولُهُ ﵊: «لَا حَبِسَ عَنْ فَرَائِضِ اللَّهِ تَعَالَى» وَعَنْ شُرَيحِ: به؟ فقال ﵇: «تصدق بأصْلِهَا لَا يُباعُ ولا يوهَبُ وَلَا يَورَثُ وَلَكِنْ يُنفَقُ مِنْ ثَمَرَتِهِ» (١) فتصدقها عمر ﵁ في سبيل الله، وفي الرقاب والضعفة والمساكين وابن السبيل، ولذي القربى منه، فقد نص ﵇ على أنه لازم. وفي المغرب: ثمغ - بفتح الثاء وسكون الميم وبالغين المنقوطة -: أرض لعمر ﵁ لقب لها (٢). وفي نسخة العلّامة حافظ الدين: بغير تنوين للعلمية والتأنيث، وكذا وقف النبي ﵇ حوائط. وفي فتاوى قاضي خان: والناس لم يأخذوا بقول أبي حنيفة للآثار المشهورة عن النبي ﵇ والصحابة، وتعامل الناس باتخاذ الرباطات والخانات، أولها: وقف خليل الرحمن صلوات الله عليه وسلامه، فهي باقية إلى اليوم، وكذا أوقاف الصحابة بمكة والمدينة (٣). قوله: (وهو المسجد) فإن اتخاذ المسجد يلزم بالاتفاق، وهو إخراج الملك من البقعة عن مالكه، ولا يدخل في ملك أحد. وفي المبسوط: ثم للناس حاجة إلى ما يرجع إلى مصالح معاشهم ومعادهم، فإذا كان هذا النوع من الإخراج والحبس لمصلحة المعاد؛ فكذلك جاز لمصلحة معاشهم، كبناء الخانات والرباطات واتخاذ المقابر (٤). ويستدلون أيضًا بالعتق، فإنه إزالة الملك لا إلى مالك، وصح ذلك على قصد التقرب، فكذا الوقف. (ولأبي حنيفة: قوله ﵇: «لَا حَبْسَ عَنْ فَرائِضِ الله») (٥) أي: لا مال يحبس بعد موت المالك عن القسمة بين ورثته. وفي المبسوط: وقال ابن مسعود وابن عباس: لا حبس عن فرائض الله،

стр. 4356

جَاءَ مُحَمَّدٌ ﵊ بِبَيعِ الحَبِيسِ، لِأَنَّ المِلكَ بَاقِ فِيهِ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ يَجُوزُ ولكن يحملون هذا الأثر على ما كان أهل الجاهلية يصنعونه من البحيرة والسائبة والوصيلة والحام، ويقولون: الشرع أبطل ذلك كله، لكنا نقول: النكرة في موضع النفي يعم، فيتناول كل طريق فيه حبس عن الميراث إلا ما قام عليه دليل (١). وفي مبسوط شيخ الإسلام: الاستدلال بهذا الحديث غير مستقيم؛ لأنه إنما يستقيم هذا إذا تعلق به حق الوارث، فأما إذا كان الوقف قبل التعلق فليس حبس عن فرائض الله، كالتصدق بالمنقولات. وفي المغني لابن قدامة: احتج بعض أهل الكوفة بما روي أن عبد الله بن زيد صاحب الأذان جعل حائطه صدقة، وجعله إلى النبي ﷺ ، فجاء أبواه إلى النبي ﵇ فقالا: يا رسول الله، لم يكن لنا عيش إلا هذا الحائط، فرده ﵇ ثم مات فَوَرِثاه (٢). وجوابه: أنه جعله صدقة غير موقوفة، فرأى والديه أحق الناس إليه، ولهذا لم يردها عليه بل دفعها إليهما، ويحتمل أن تكون هي لهما وهو يتصرف بحكم النيابة. قوله: (جاء محمد ببيع الحبيس): وفي مبسوط شيخ الإسلام: الحبيس: ما كانوا يفعلونه في الابتداء قبل نزول سورة النساء، كانوا يحبسون العين ويتصدقون بالغلة بدون بيع الأصل، فجاء محمد ﵇ ونسخ هذا وجوز بيعه، وهذا بيان أن لزوم الوقف كان في شريعة من قبلنا، وأن شريعتنا ناسخة لذلك. ولأن الملك باق فيه؛ أي: في الوقف (بدليل) إلى آخره: وفي المبسوط: أنه خلق مملوكًا في الأصل، وقد تقرر ذلك بالإحراز، فلا يتصور إخراجه عن كونه مملوكًا لا يجعله الله تعالى خالصًا، وبالوقف لا يتحقق ذلك، بدليل تصرفات الواقف فيه، بخلاف العتق؛ فإن الآدمي خلق مالكًا في الأصل، وصفة

стр. 4357

الانتِفَاعُ بِهِ زِرَاعَة وَسُكَنَى وَغَيْرَ ذَلِكَ، وَالمِلكُ فِيهِ لِلوَاقِفِ؛ أَلَا تَرَى أَنَّ لَهُ وِلَايَةَ التَّصَرُّفِ فِيهِ بِصَرفِ غَلَّاتِهِ إِلَى مَصَارِفِهَا وَنَصبِ القُوَّام فِيهَا، إِلَّا أَنَّهُ يَتَصَدَّقُ بِمَنَافِعِهِ فَصَارَ شَبِيةَ العَارِيَّةِ، وَلِأَنَّهُ يَحتَاجُ إلَى التَّصَدُّقِ بِالغَلَّةِ دَائِمًا وَلَا تَصَدُّقَ عَنهُ، إِلَّا بِالبَقَاءِ عَلَى مِلْكِهِ، وَلِأَنَّهُ لَا يُمكِنُ أَنْ يُزَالَ مِلكُهُ، لَا إِلَى مَالِكَ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَشرُوع مَعَ بَقَائِهِ كَالسَّائِبَةِ. بِخِلَافِ الإِعْتَاقِ، لِأَنَّهُ إتلافٌ، وَبِخِلَافِ المَسجِدِ، لِأَنَّهُ جُعِلَ خَالِصًا المملوكية عارضة فيه، فإذا رفعت بالإعتاق عاد كما كان، وبخلاف المسجد؛ حيث يخرج عن ملكه ويصير خالصًا لله تعالى، ولهذا لا ينتفع به بشيء من منافع الملك وإن كان يصلح لها، وله أصل في الشرع وهو الكعبة؛ فإنها محررة عن ملك العباد، فألحقت سائر المساجد بها، والوقف ليس بإزالة إلى الله تعالى، فإنه منتفع به زراعة وسكنى وغيرهما كما ينتفع بالمملوكات، وما للعباد فيه نفع لا يصلح الله تعالى؛ لأن ما الله تعالى يجب أن يكون بوصف الخلوص، وإذا ثبت أن القول بالإزالة غير ممكن وجب أن يبقى على ملكه ضرورة، ولهذا بقي رأيه وتدبيره بعده في نصب القيم وتوزيع الغلة، واعتبر شرائطه، ولو خرج عن ملكه لما صح شرطه في الغلة، كما لو أعتق عبده بشرط أن يصرف غلته إلى كذا، وجعل أرضه مسجدًا بشرط أن يصلي فيه فلان دون فلان، ومردّهما محمول على الوقف المضاف إلى ما بعد الموت. قوله: (كالسائبة)؛ وهي الناقة التي تُسَيَّبُ لنذرٍ، وكان الرجل يقول: إذا قدمت من سفر أو برئت من مرضي فناقتي سائبة، وجعلها كالبحيرة في تحريم الانتفاع، يعني: أن الوقف كَتَسِييْبِ أهل الجاهلية من حيث إنه لا يخرج من ملكه، كما لو سُيِّبتْ دابته لم تخرج من ملكه، فكذا إذا وقف أرضه أو داره. كذا ذكره في النهاية، وهو بعيد. وفي الكافي: لا يزول ملك المالك في الوقف؛ لأنه لو زال فإما أن يزول إلى ملك أحد وهو ممتنع، أو لا إلى ملك أحد والأموال لا تقبله؛ لأنه يكون قولا بالتسيب وهو حرام. وفي المبسوط: استبعد قول أبي حنيفة في الكتاب، ولهذا سماه تحكّما

стр. 4358

لِلَّهِ تَعَالَى، وَلِهَذَا لَا يَجُوزُ الانتِفَاعُ بِهِ، وَهُنَا لَمْ يَنْقَطِعْ حَقُّ العَبْدِ عَنهُ فَلَمْ يَصِر خَالِصًا لِلَّهِ تَعَالَى. قَالَ ﵁: قَالَ فِي الكِتَابِ: «لَا يَزُولُ مِلكُ الوَاقِفِ إِلَّا أَنْ يَحكُمَ بِهِ الحَاكِمُ أَوْ يُعَلِّقَهُ بِمَوتِهِ»، على الناس من غير صحة، فقال: ما أخذ الناس بقول أصحابه إلا بتركهم التحكم على الناس، فإذا كانوا هم الذين يتحكمون على الناس بغير أثر ولا قياس لم يقلدوا هذه الأشياء، ولم يحمد محمد على ما قال. وقيل: بسبب ذلك انقطع خاطره، فلم يتمكن من تفريع مسائل الوقف، واستكثر أصحابه بعده من تفريع مسائل الوقف، كالخصاف وهلال، ولو كان أبو حنيفة في الأحياء حين قال ما قال لدمر عليه، كما قال مالك: رأيته رجلا لو قال: هذه الأسطوانة من ذهب لدلّ عليه، ولكن كُلُّ مُجَرٍّ بالخلاء يُسَرُّ (١). وقوله: (كُلُّ مُجْرٍ بالخَلاءِ يُسَرُّ) مثل: يضرب لمن يفرح بما له من محمدة عند عدم التعارض. وفي التتمة: والفتوى على قولهما. وقيل: كان أبو يوسف يقول [بقول] (٢) أبي حنيفة إلى أن سمع حديث عمر، فرجع وقال: لو بلغ هذا أبا حنيفة لرجع. قوله: (إلا أن يحكم به حاكم): وصورة حكمه ما ذكر في فتاوى قاضي خان: أن يسلم الواقف وقفه إلى المتولي، ثم يريد أن يرجع فينازعه بعلة عدم اللزوم، فيختصمان إلى القاضي، فيقضي القاضي بلزومه (٣). قوله: (أو يعلقه)؛ أي: الوقف (بموته) بأن يقول: إذا مُتُّ فقد وقفت داري على كذا، يكون لازما بالإقرار، ولو قال: إن مت من مرضي هذا فقد أوقفت أرضي، ثم برئ منه فأراد أن يرجع، له أن يبيعها، وكذا لو مات من مرضه هذا لا يصير وقفا؛ لأنه علقه بالخطر، ولو قال: إذا مت فاجعلوا أرضي وقفا يجوز، ولو قال: إن دخلت الدار فقد جعلتُ أرضي وقفا لا يجوز، أو قال:

стр. 4359

وَهَذَا فِي حُكمِ الحَاكِمِ صَحِيحٌ؛ لِأَنَّهُ قَضَاءٌ فِي مُجتَهَدٍ فِيهِ، أَمَّا فِي تَعلِيقِهِ بِالمَوتِ فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَزُولُ مِلكُهُ، إِلَّا أَنَّهُ تَصَدُّقٌ بِمَنَافِعِهِ مُؤَبَّدًا فَيَصِيرُ بِمَنزِلَةِ الوَصِيَّةِ بِالمَنَافِعِ مُؤَيَّدًا فَيَلزَمُ، وَالمُرَادُ بِالحَاكِمِ المَولَى، فَأَمَّا المُحَكِّمُ فَفِيهِ اخْتِلَافُ المشايخ. وَلَو وَقَفَ فِي مَرَضِ مَوتِهِ: قَالَ الطَّحَاوِيُّ: هُوَ بِمَنزِلَةِ الوَصِيَّةِ بَعدَ المَوتِ. وَالصَّحِيحُ: أَنَّهُ لَا يَلزَمُهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَعِندَهُمَا: يَلزَمُهُ، إِلَّا أَنَّهُ يُعتَبَرُ مِنْ الثَّلُثِ، وَالوَقفُ فِي الصِّحَّةِ مِنْ جَمِيعِ المَالِ، وَإِذَا كَانَ المِلكُ يَزُولُ عِندَهُمَا يَزُولُ بِالقَولِ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَهُوَ قَولُ الشَّافِعِي بِمَنزِلَةِ الإِعْتَاقِ، لِأَنَّهُ إِسْقَاطُ المِلكِ. وَعِنْدَ فاجعلوه وقفًا إن دخلت الدار لا يجوز. ذكره في النوازل. قوله: (وهذا)؛ أي: زوال ملك الواقف. قوله: (المولى)؛ أي: الذي ولاه الخليفة عمل القضاء. (فأما المحكم)؛ أي: الذي جعل حاكما باتفاق المتخاصمين (ففيه اختلاف المشايخ). وفي الكافي: وإنما يزول ملك الواقف بالقضاء عنده لوقوع قضائه في فصل مجتهد فيه، وفي حكم الحكم الصحيح أنه لا يرتفع الخلاف. قوله: (قال الطحاوي: هو بمنزلة الوصية بعد الموت) حتى لا يلزم؛ لأن تصرف المريض مرض الموت في الحكم كالمضاف إلى ما بعد الموت، حتى يعتبر من ثلث ماله. قوله: (لا يلزم عند أبي حنيفة)؛ لأن ما باشره في مرضه كالمباشرة في صحته، حتى لا يلزم ولا يمتنع الإرث كالعارية، وعندهما: يلزم كالمباشرة في الصحة، إلا أنه يعتبر من ثلث المال لتعلق حق الورثة. وفي النوازل: لو قال في مرضه: جعلتُ نُزُلَ كَرْمِي وَقفًا، وكان فيه تمرًا ولم يكن يصير الكرم وقفًا، وكذا لو قال: جعلتُ غَلَّةَ كَرْمي وقفًا. قوله: (يزول بالقول عند أبي يوسف) وهو قول الشافعي ومالك وأحمد وأكثر أهل العلم. وفي المنية والفتوى على قول أبي يوسف.

стр. 4360

مُحَمَّد: لَا بُدَّ مِنْ التسليمِ إِلَى المُتَوَلِّي، لِأَنَّهُ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى، وَإِنَّمَا يَثْبُتُ فِيهِ فِي ضمن التسليم إلَى العَبدِ، لِأَنَّ التَّمْلِيكَ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى وَهُوَ مَالِكُ الْأَشْيَاءِ لَا يَتَحَقَّقُ مَقصُودًا، وَقَدْ يَكُونُ تَبَعًا لِغَيْرِهِ فَيَأْخُذُ حُكمَهُ فَيَنزِلُ مَنزِلَةَ الزَّكَاةِ وَالصَّدَقَةِ. قَالَ: (وَإِذَا صَحَ الوَقفُ عَلَى اخْتِلَافِهِم) وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ: «وَإِذَا اسْتُحِقَّ» مَكَانَ قَولِهِ: «إِذَا صَحَّ» (خَرَجَ مِنْ مِلكِ الوَاقِفِ وَلَم يَدخُل فِي مِلكِ المَوقُوفِ عَلَيْهِ) لِأَنَّهُ لَو دَخَلَ فِي مِلكِ المَوقُوفِ عَلَيْهِ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ، بَلْ يَنفُذُ بَيعُهُ كَسَائِرِ أَمْلَاكِهِ، وَلِأَنَّهُ لَو مَلَكَهُ لَمَا انْتَقَلَ عَنهُ بِشَرطِ المَالِكِ الأَوَّلِ كَسَائِرِ أَمْلَاكِهِ. قَالَ ﵁: قَولُهُ خَرَجَ عَنْ مِلكِ الوَاقِفِ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ قَولُهُمَا عَلَى الوَجْهِ الَّذِي سَبَقَ تَقْرِيرُهُ. وفي محيط السرخسي: ومشايخنا أخذوا بقول أبي يوسف؛ ترغيبا للناس في الوقف، ومشايخ بخاري أخذوا بقول محمد. (وقد يكون تبعا لغيره)؛ أي: ضمنا، كما في الزكاة، يكون ملكًا لله تعالى بواسطة كون المال ملكا للفقير. قوله: (إذا استحق)؛ أي: ثبت على اختلافهم، فعند أبي حنيفة بالحكم، وعند أبي يوسف وأكثر أهل العلم بمجرد القول، وعند محمد بالتسليم إلى المتولي. (خرج عن ملك الواقف ولا يدخل في ملك الموقوف عليه) وبه قال الشافعي في الأصح، وأحمد في المشهور. وقال الشافعي في قول، وأحمد في رواية: يصير ملكا للموقوف عليه إن كان أهلا للملك، ولكن لا يباع ولا يورث ولا يوهب؛ لأنه صدقة عليه، فصار كالصدقة المنفذة. وقلنا: لو ملك الموقوف عليه لنفذ بيعه وتصرفه كما في سائر أملاكه، لما انتقل عنه بشرائط المالك الأول، وهو الواقف. تفسيره لو ملكه الموقوف عليه يجب ألا ينتقل عنه إلى الفقراء بشرط المالك الأول بقوله بعد هذا الموقوف للفقراء، فإن شرطه هكذا يصح بالاتفاق على ما يجيء. قوله: (يجب أن يكون على قولهما) مطلقا لا يستقيم. أجيب عنه: أنه قال: وإذا صح الوقف والصحة غير اللزوم، كالعقود الصحيحة الغير اللازمة من

стр. 4361

قَالَ: (وَوَقفُ المُشَاعِ جَائِزٌ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ لِأَنَّ القِسْمَةَ مِنْ تَمَامِ القَبْضِ، والقَبْضُ عِندَهُ لَيْسَ بِشَرط فَكَذَا تَتِمَّتُهُ. وَقَالَ مُحَمَّدٌ: لَا يَجُوزُ) (*)، لِأَنَّ أَصْلَ القَبْضِ عِندَهُ شَرطٌ فَكَذَا مَا يَتِمُّ بِهِ، وَهَذَا فِيمَا يَحتَمِلُ القِسْمَةَ، وَأَمَّا فِيمَا لَا يَحْتَمِلُ القِسمَةَ فَيَجُوزُ مَعَ الشُّيُوعِ عِنْدَ مُحَمَّد أَيضًا، لِأَنَّهُ يُعتَبَرُ بِالهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ المُنَفَّذَةِ العارية والوكالة والمضاربة، فكان القول بخروج الوقف عن ملك الواقف إذا صح الوقف قولهما إلا إذا حكم به، فحينئذ خروجه قول الكل. قوله: (ووقف المشاع جائز عند أبي يوسف) وبه قال الشافعي ومالك وأحمد؛ لأن القسمة من تمام القبض؛ لأن القبض للحيازة، وتمام الحيازة فيما يقسم بالقسمة. (والقبض عنده)؛ أي: عند أبي يوسف (ليس بشرط فكذا تتمته) وهو القسمة، وهذا لأن الوقف إسقاط الملك كالإعتاق، والشيوع لا يمنع الإعتاق فلا يمنع الوقف أيضًا. يؤيده: حديث عمر أنه أصاب مائة سهم من خيبر، واستأذن النبي ﵇ فيها، فأمره ﵇ بوقفها؛ لأن أصل القبض شرط عند محمد فيما يحتمل القسمة، فكذا ما تم به. (فأما ما لا يحتمل القسمة)؛ أي: فيما تفوت منفعته بالقسمة أصلا كالعبد أو يفوت (لأنه)؛ أي: محمد (يعتبره)؛ أي: الوقف، أي: الخاصة المسلمة إلى الفقير، والصدقة الموقوفة هي التي نحن فيها، والمنفذة لا تتم في مشاع يحتمل القسمة، فكذا الموقوفة. وفي الذخيرة: مشايخ بلخ أخذوا بقول أبي يوسف في وقف المشاع، ومشايخ بخارى بقول محمد، وهذا الخلاف مبني على أن الوقف إسقاط الملك عند أبي يوسف كالإعتاق فالشيوع لا يمنعه، وعند محمد كالهبة والصدقة؛ لأنه إزالة ملك إلى الله تعالى على الخلوص عند أبي يوسف، وتمليك من الله تعالى كالزكاة والصدقة عند محمد. والفرق لأبي يوسف بين الصدقة المنفذة والوقف: أن الوقف لما تم بإبطال

стр. 4362

إِلَّا فِي المَسجِدِ وَالمَقبَرَةِ، فَإِنَّهُ لَا يَتِمُّ مَعَ الشُّيُوعِ فِيمَا لَا يَحْتَمِلُ القِسْمَةَ أَيْضًا عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ، لِأَنَّ بَقَاءَ الشَّرِكَةِ يَمْنَعُ الخُلُوصَ لِلَّهِ تَعَالَى، وَلِأَنَّ المُهَايَأَةَ فِيهِمَا فِي غَايَةِ القُبح بِأَنْ يُقبَرَ فِيهِ المَوتَى سَنَة، وَيُزْرَعَ سَنَة وَيُصَلَّى فِيهِ فِي وَقتٍ وَيُتَّخَذَ اصْطَبلًا في وَقتِ، بِخِلَافِ الوَقفِ لِإِمْكَانِ الِاسْتِعْلَالِ وَقِسَمَةِ الغَلَّةِ. وَلَو وَقَفَ الكُلَّ ثُمَّ اسْتُحِقَّ جُزءٌ مِنْهُ بَطَلَ فِي البَاقِي عِنْدَ مُحَمَّد، لِأَنَّ الشُّيُوعَ مُقَارَنٌ كَمَا فِي الهِبَةِ، بِخِلَافِ مَا إِذَا رَجَعَ الوَاهِبُ فِي البَعضِ أَوْ رَجَعَ الوَارِثُ فِي الثُّلُثَينِ بَعدَ مَوتِ المَرِيضِ وَقَدْ وَهَبَهُ أَوْ أَوقَفَهُ فِي مَرَضِهِ وَفِي المَالِ ضِيقٌ، لِأَنَّ الشُّيُوعَ فِي ذَلِكَ طارئ. الملك دون التمليك أشبه العتاق والطلاق وإبراء [الدين] (١)، والمنفذة تمليك، فلا بد فيها من القبض والوقف لا يحتاج لعدم التمليك فيه. قوله: (إلا في المسجد والمقبرة) استثناء من قول أبي يوسف، يعني: لا يصح وقف المسجد والمقبرة فيما لا يحتمل القسمة أيضًا، بأن كان الموضع صغيرًا لا يصلح لما أراده الواقف من المسجد والمقبرة على تقدير القسمة. قوله: (استحق جزء منه)؛ أي: جزء شائع كالربع والنصف، أما لو استحق جزء معين منه لا يبطل الوقف عند محمد أيضًا؛ لأن هناك لا يتبين الشيوع المانع للوقف. (بطل في الباقي)؛ أي: الغير المستحق، ورجع الباقي إلى الواقف إن كان حيا، وإلى ورثته إن كان ميتا؛ لأن الشيوع مقارن لا يتبين بالاستحقاق، وبطلان الصدقة في المستحق؛ لأنه علم أنه لم يكن يومئذ في ملكه، ولا أجاز مالكه، فلو جاز في غير المستحق المملوك كان ذلك وقف المشاع، وذا لا يجوز فيما تحل القسمة عنده. قوله: (لأن الشيوع في ذلك)؛ أي: في الرجوع في الهبة والوقف في المرض (طارئ)؛ لأن حق الوارث إنما يثبت بعد الموت.

стр. 4363

وَلَوِ اسْتُحِقَّ جُزءٌ مُمَيَّزٌ بِعَيْنِهِ لَم يَبطل فِي البَاقِي لِعَدَمِ الشُّيُوعِ وَلِهَذَا جَازَ فِي الابْتِدَاءِ، وَعَلَى هَذَا الهِبَةُ وَالصَّدَقَةُ المَملُوكَةُ. قَالَ: (وَلَا يَتِمُّ الوَقفُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّد حَتَّى يَجْعَلَ آخِرَهُ بِجِهَةٍ لَا تَنقَطِعُ أَبَدًا. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: إِذَا سَمَّى فِيهِ جِهَةٌ تَنقَطِعُ جَازَ، وَصَارَ بَعدَهَا لِلفُقَرَاءِ وَإِنْ لَم يُسَمِّهِم) (*). قوله: (وعلى هذا الهبة والصدقة المملوكة)؛ أي: المسلمة إلى الفقراء، فإن كان المستحق جزءًا شائعًا بطل عنده، وإذا كان مميزا بقيت فيما بقي. قوله: (وقال أبو يوسف) إلى آخره: في المبسوط (١): في الحاصل أن أبا يوسف توسع في أمر الصدقة الموقوفة في قوله الآخر غاية التوسع، حتى جوزها في غير مقبوض، فكذلك غير مقسوم، وفي قوله الآخر، ضيق غاية التضييق كما هو قول أبي حنيفة، وقال: لا يلزم في الحياة، وتوسط محمد في ذلك، ولهذا أفتى عامة المشايخ بقول محمد، ثم قال: ومما توسع أبو يوسف أنه لا يشترط التأبيد، ومحمدٌ شَرَطَهُ، ثم قال بعد أوراق: إذا وقف على أمهات أولاده جاز، وإن لم يحتج من بقي منهن كان ميراثًا على فرائض الله تعالى، وهذا الشرط وهو أنه لم يبق من لم يحتج كان ميرانا يجوز عند أبي يوسف؛ لعدم اشتراط التأبيد عنده، فعلى هذه الرواية ما ذكر في الكتاب. (قيل: إن التأبيد شرط بالإجماع) إلى آخره: لا يصح، ولكن ذكر في الذخيرة والتتمة ما يوافق المذكور في الكتاب والخلاف على هذا الوجه مذكور في شرح الطحاوي. وذكر في المنتقى: ولا يجوز من الوقف إلا المؤبد، فإذا كان لقوم خاص لا يجوز الوقف عليهم. رواه بشر عن أبي يوسف، فهذا تنصيص أن التأبيد شرط عنده، وقد روى الحسن عن أبي مالك عن أبي يوسف: أن الوقف المؤقت باطل، فيحمل على الروايتين عند أبي يوسف.

стр. 4364

لَهُمَا: أَنَّ مُوجَبَ الوَقفِ زَوَالُ المِلكِ بِدُونِ التَّمْلِيكِ، وَأَنَّهُ يَتَأَبَّدُ كَالعِيقِ، فَإِذَا كَانَتِ الجِهَةُ يُتَوَهَّمُ انقِطَاعُهَا لَا يَتَوَفَّرُ عَلَيْهِ مُقْتَضَاهُ، فَلِهَذَا كَانَ التَّوقِيتُ مُبطِلًا لَهُ كَالتَّوقِيتِ فِي البَيعِ. وَلِأَبِي يُوسُفَ: أَنَّ المَقصُودَ هُوَ التَّقَرُّبُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى وَهُوَ مُوَفَّرٌ عَلَيْهِ، لِأَنَّ التَّقَرُّبَ تَارَة يَكُونُ فِي الصَّرفِ إِلَى جِهَة تَنقَطِعُ وَمَرَّة بِالصَّرِفِ إِلَى جِهَةٍ تَتَأَبَّدُ فَيَصِحُ فِي الوَجْهَيْنِ وَقِيلَ: إِنَّ التَّابِيدَ شَرطٌ بالإجماع، إِلَّا أَنَّ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ، لَا يُشْتَرَطُ ذِكرُ التَّابِيدِ، لِأَنَّ لَفَظَةَ الوَقفِ وَالصَّدَقَةِ مُنبِئَةٌ عَنهُ لِمَا بَيَّنَّا: أَنَّهُ إِزَالَةُ المِلكِ بِدُونِ التَّمْلِيكِ كَالعِتَقِ، وَلِهَذَا قَالَ فِي «الكِتَابِ» فِي بَيَانِ قَولِهِ: «وَصَارَ بَعدَهَا لِلْفُقَرَاءِ وَذَكَرَ فِي المَغْنِي لابن قدامة: لو وقف على جهة تنقطع، يصح الوقف عندنا ومالك وأبي يوسف والشافعي في قول. وقال الشافعي في قول: لا يصح، وبه قال محمد بن الحسن (١). وفي الكافي: قيل: قول أبي حنيفة كقول محمد كما ذكر في الكتاب. قوله: (لهما: أن موجب الوقف زوال ملك) إلى آخره. فإن قيل: كيف يستقيم هذا على قول أبي حنيفة، فإن عنده الوقف حبس العين على ملك الواقف ولم يزل ملكه. قلنا: جعل في المبسوط والذخيرة والتتمة وغيرها زوال الملك بشرط التأبيد قول محمد خاصة، لا قول أبي حنيفة، فعلى ما ذكر في الكتاب أن يكون عن أبي حنيفة روايتان أراد هاهنا ما إذا حكم الحاكم بصحته ولزومه، فحينئذ يخرج بالاتفاق، أو فرع أبو حنيفة على قول من يرى خروجه، وهو قولهما كما في مسائل المزارعة. قوله: (وهو موفر)؛ أي: المقصود موفر على التقطيع؛ إذ التقرب تارة يكون تصرفه إلى جهة لا يتوهم انقطاعها، ومرة يكون تصرفه إلى جهة يتوهم انقطاعها، فيصح في الفصلين تحصيلا لمقصود الواقف. قوله: (ولهذا قال في الكتاب)؛ أي: القدوري (في بيان قوله)؛ أي: قول أبي يوسف.

стр. 4365

وَإِنْ لَم يُسَمِّهِم»، وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ، وَعِنْدَ مُحَمَّد: ذِكرُ التَّابِيدِ شَرطٌ، لِأَنَّ هَذَا صَدَقَةٌ بِالمَنفَعَةِ أَوْ بِالغَلَّةِ، وَذَلِكَ قَدْ يَكُونُ مُؤَقَّتا وَقَدْ يَكُونُ مُؤَبَّدًا فَمُطلَقُهُ لَا يَنصَرِفُ إلَى التَّأبِيدِ، فَلَا بُدَّ مِنْ التَّنصِيصِ. (وهذا)؛ أي: كون التأبيد شرطا، وذكره غير شرط عند أبي يوسف (هو الصحيح). وفي الذخيرة، والأسرار: لو قال: أرضي هذه صدقة موقوفة مؤبدة، تصير وقفا بالإجماع، ولو لم يقل مؤبدة تصير وقفا في قول عامة من يجيز الوقف، إذ الصدقة تثبت مؤبدة؛ لأنها لا تحتمل الفسخ كالإعتاق، وإذا انقطعت الجهة تتفرق وتصرف إلى المساكين، وبه قال مالك وأحمد في رواية والشافعي في قول. وقال الشافعي في قول: (١) تصرف إلى أقارب الواقف المحتاجين، وبه قال أحمد في رواية. وعن أحمد: يوضع في بيت المال. وفي الخبازية: لو قال: أرضي هذه صدقة موقوفة مؤبدة حال حياتي وبعد مماتي، أو يقول: هي حبس مؤبّدة، أو يقول: صدقة محرمة مؤبدة حال حياتي وبعد مماتي يصير لازما بالاتفاق. والخلاف في عدم اللزوم بين أبي حنيفة وصاحبيه، فيما إذا حذف الإضافة إلى ما بعد الموت، ولو حذف التأبيد عن هذه الألفاظ يصير وقفا في قول عامة من يجيز الوقف، وفي قول يوسف بن خالد السمتي البصري لا يصير وقفا، ولو حذف الصدقة والوقف عن هذه الألفاظ، مثل أن يقول: أرضي هذه حبستها أو حرمتها لا يصير وقفا، ولو حذف الصدقة إلا في رواية عن أبي يوسف؛ لأن ذكر الوقف مطلقا ينصرف إلى الفقراء، أما لو قال: وقفت أرضي هذه، ولم يزد على هذا؛ روي عن أبي يوسف: تصير وقفا، بمنزلة قوله: موقوفة. كذا في الفتاوى. وفي قوله: (هذه صدقة بالمنفعة أو بالغلة) ليس قول محمد، بل قول أبي حنيفة؛ لأن عنده حبس العين على ملك الواقف، والتصدق بالغلة والثمرة، إلا

стр. 4366

قَالَ: (وَيَجُوزُ وَقفُ العَقَارِ) لِأَنَّ جَمَاعَة مِنْ الصَّحَابَةِ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِم - وَقَفُوهُ وَلَا يَجُوزُ وَقفُ مَا يُنقَلُ وَيُحَوَّلُ قَالَ ﵁: وَهَذَا عَلَى الإِرْسَالِ قُولُ أَبِي حَنِيفَةَ (وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: إِذَا وَقَفَ ضَيْعَة بِبَقَرِهَا وَأَكَرَتِهَا وَهُمْ عَبِيدُهُ جَازَ) وَكَذَا سَائِرُ آلَاتِ الحِرَاسَةِ، لِأَنَّهُ تَبَعُ لِلأَرْضِ فِي تَحصِيلِ مَا هُوَ المَقْصُودُ، وَقَدْ يَثْبُتُ مِنْ الحُكمِ تبعا مَا لَا يَثْبُتُ مَقصُودا كَالشُّرْبِ فِي البَيعِ وَالبِنَاءِ فِي الوَقفِ، وَمُحَمَّدٌ مَعَهُ فِيهِ، … . أن يراد أن يكون التصدق بالمنفعة أو الغلة في ضمن إزالة العين إلى الله تعالى. قوله: (وهذا على الإرسال)؛ أي: الإطلاق، أي: في قوله في الكتاب: ولا يجوز وقف ما ينقل ويحوّل مطلقا، من غير ذكر خلاف (قول أبي حنيفة) وأما عند أبي يوسف: يجوز تبعًا للعقار، وعند محمد: يجوز مطلقًا فيما هو متعارف. ذكره في المبسوط وغيره. وقال الشافعي وأحمد ومالك: يجوز وقف كل ما ينتفع به مع بقاء عينه. وعن مالك في الكراع والسلاح روايتان، أما وقف ما لا ينتفع به إلا بالإتلاف، كالذهب والفضة والمأكول والمشروب فغير جائز في قول سائر العلماء والفقهاء، إلا ما حكي عن مالك والأوزاعي أن وقف الطعام يجوز، ولم يَحْكِهِ أصحاب مالك، وليس بصحيح. والمراد بالذهب والفضة: الدراهم والدنانير، وما ليس بحلي. أما الحلي فيصح وقفه عند أحمد والشافعي؛ لما أن حفصة بنت عمر زوج النبي ﷺ ابتاعت حليًّا بعشرين ألفًا، فحبسته على نساء الخطاب، فكانت لا تخرج زكاته. وعن أحمد: لا يصح وقفها، وأنكر الحديث كذا في المغني لابن قدامة (١). وفي الحلية: إذا صححنا إجارة الدراهم والدنانير يجوز وقفها. وليس بشيء (٢). قوله: (ومحمد معه)؛ أي: مع أبي يوسف (فيه)؛ أي: جواز وقف المنقول تبعا.

стр. 4367

لِأَنَّهُ لَمَّا جَازَ إِفْرَادُ بَعضِ المَنقُولِ بِالوَقفِ عِندَهُ، فَلَأَن يَجُوزَ الوَقفُ فِيهِ تَبَعًا أُولَى. (وَقَالَ مُحَمَّدٌ: يَجُوزُ حَبسُ الكُرَاعِ وَالسِّلَاحِ) (*) وَمَعْنَاهُ: وَقفُهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَأَبُو يُوسُفَ مَعَهُ فِيهِ عَلَى مَا قَالُوا، وَهُوَ اسْتِحْسَانٌ. وَالقِيَاسُ: أَنْ لَا يَجُوزَ لِمَا بَيَّنَّاهُ مِنْ قَبْلُ. وَجهُ الاستحسَانِ: الآثَارُ المَشْهُورَةُ فِيهِ: مِنهَا قَولُهُ ﵊: وَأَمَّا خَالِدٌ فَقَد حَبَسَ أَدرُعًا وَأَفرَاسًا لَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى وَطَلْحَةُ حَبَسَ دُرُوعَهُ (لأنه)؛ أي: لأن وقف المنقول (لما جاز إفراد بعض المنقول)؛ أي: البعض الذي فيه تعامل. وفي المبسوط، والمحيط: لو وقف ظهر دابة على المساكين لا يجوز عندنا بالاتفاق، وأما عند أبي يوسف لا يرى وقف المنقول إلا تبعا. وعند محمد: يعتبر العرف ولا عرف في هذه الصورة، وكذا لو أوصى بظهر دابته للمساكين فهو باطل، أما لو أوصى بظهرها لإنسان معلوم يركبها في حاجته يجوز بالاتفاق؛ لأنه وصية بالإعارة منه. الأكرة: جمع أكار، وهو الزراع، كأنها جمع آكر (١) في التقدير، كالشرب في البيع؛ فإنه يجوز بيعه تبعًا لا قصدًا، وهو كثير النظير، كالأضحية، والإقامة من الجندي أو العبد أو المرأة، وكذا البناء فإنه منقول يجوز وقفها، كوقف الرباطات والخانات. والكراع: اسم لجمع الخيل والكراع في البعير والبقر والغنم، وهو مُستدقُّ السّاق يذكر ويؤنث، والجمع أكرع ثم أكارع. كذا في الصحاح (٢)، والمراد هنا الأول. قوله: (حبس دروعه) روي أن عمر ﵁ شكا من خالد بن الوليد حين منع الزكاة، فقال ﵇: «لا تظلِموا خالِدًا فإنهُ حَبَسَ دُرُوعَهُ وأَكْرِعَتَهُ

стр. 4368

فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى (*) وَيُروَى: أَكرَاعَهُ. وَالكُرَاعُ: الخَيلُ. وَيَدْخُلُ فِي حُكمِهِ الإِبِلُ؛ لأَنَّ العَرَبَ يُجَاهِدُونَ عَلَيْهَا، وَكَذَا السِّلَاحُ يُحمَلُ عَلَيْهَا، وَعَنْ مُحَمَّد: أَنَّهُ يَجُوزُ وَقفُ مَا فِيهِ تَعَامُلٌ مِنْ المَنقُولَاتِ كَالفَاسِ وَالمَرِّ وَالقَدُّومِ وَالمِنشَارِ وَالجِنَازَةِ وَثِيَابِهَا وَالقُدُورِ وَالمَرَاجِلِ وَالمَصَاحِفِ. وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ: لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ القِيَاسَ إِنَّمَا يُترَكُ بِالنَّصْ، وَالنَّصُّ وَرَدَ فِي الكُرَاعِ وَالسَّلَاحِ فَيُقْتَصَرُ عَلَيْهِ. وَمُحَمَّدٌ يَقُولُ: القِيَاسُ قَدْ يُترَكُ بِالتَّعَامُلِ كَمَا فِي الاسْتِصْنَاعِ، وَقَدْ وُجِدَ التَّعَامُلُ فِي هَذِهِ الأَشْيَاءِ. وَعَنْ نُصَيرِ بنِ يَحْيَى: أَنَّهُ وَقَفَ كُتُبَهُ إِلحَاقَّا لَهَا بِالمَصَاحِفِ، وَهَذَا صَحِيحٌ، لِأَنَّ كُلَّ وَاحِد يُمسَكُ لِلدِّينِ تَعلِيمًا وَتَعَلَّمًا وَقِرَاءَة، وَأَكثَرُ فُقَهَاءِ الأَمصَارِ عَلَى قَولِ مُحَمَّد، وَمَا لَا تَعَامُلَ فِيهِ لَا يَجُوزُ عِنْدَنَا وَقفُهُ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: كُلُّ مَا يُمكِنُ الانتِفَاعُ بِهِ مَعَ بَقَاءِ أَصْلِهِ وَيَجُوزُ بَيعُهُ، يَجُوزُ وَقفُهُ؛ لِأَنَّهُ يُمكِنُ الانتِفَاعُ بِهِ، فَأَشبَهَ العَقَارَ وَالكُرَاعَ وَالسِّلَاحَ وَلَنَا: أَنَّ الوَقفَ فِيهِ لَا يَتَأَبَّدُ، فِي سَبِيلِ اللَّهِ» (١)، وفي رواية: «أكراعه». والكراع: الخيل. وروي أنه اجتمع في خلافة عمر ﵁ ثلاثمائة فرس مكتوب على أفخاذها: حبس في سبيل الله. قوله: (والإبل) تدخل في حكمه بالدلالة كما ذكر في الكتاب، مع أنه روي أن أم معقل جاءت إلى النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله، إن أبا معقل جعل ناضحه في سبيل الله، فإني أريد الحج أفأركبه؟ فقال ﵇: «ارْكَبيهِ فَإِنَّ الحَجَّ والعُمرةَ مِنْ سَبيلِ اللهِ» (٢). قوله: (فأشبه)؛ أي: ما ينتفع به مع بقاء أصله (العقار والكراع) مع أن البخاري روى أنه ﵇ قال في قصة عمر ﵁: «إن خالدًا حبس أدرُعَهُ وأعبُدَهُ».

стр. 4369

وَلَا بُدَّ مِنْهُ عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ فَصَارَ كَالدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ، بِخِلَافِ العَقَارِ، وَلَا مُعَارِضَ مِنْ حَيثُ السَّمْعُ وَلَا مِنْ حَيثُ التَّعَامُلُ فَبَقِيَ عَلَى أَصل القِيَاسِ. وَهَذَا لِأَنَّ العَقَارَ يَتَأَبَّدُ، وَالجِهَادُ سَنَامُ الدِّينِ، فَكَانَ مَعَنَى الْقُرْبَةِ فِيهِمَا أَقوَى فَلَا يَكُونُ غَيْرُهُمَا فِي مَعْنَاهُمَا. قَالَ: (وَإِذَا صَحَ الوَقفُ لَم يَجُزْ بَيعُهُ وَلَا تَمْلِيكُهُ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَشَاعًا عِنْدَ أَبِي قوله: (ولا معارض من حيث السمع)؛ يعني: القياس يقتضي عدم جواز وقف المنقول، إذ شرط صحة الوقف التأبيد، ولا تأبيد في المنقول، إلا أن السمع ورد في الكراع والسلاح والتعامل، ورد في الفأس والقدوم والمراجل وهو القدور - والمصاحف والكتب على قول فقهاء الأمصار، إذ التعامل أقوى من القياس؛ لقوله ﵇: «مَا رَآهُ المُسلمونَ حَسَنًا» (١)، ولأنه بمنزلة الإجماع كالاستصناع، فبقي الباقي على أصل القياس، ولا يلحق دلالة لما ذكر في الكتاب. وأما رواية البخاري: «وأعبده» إذ في رواية: «وأعتاده» وهي آلة الحرب، لا أعبده. وقال بعض مشايخنا: على قياس التعامل ينبغي أن يجوز فيما جرى فيه التعامل. وفي القنية: قال صاحب المحيط: وقف مائة وخمسين دينارًا على مرضى الصوفية يصح، ويدفع الذهب إلى إنسان مضاربة ليستعملها ويصرف الربح. وفي المحيط: وكذا وقف الدراهم والمكيل والموزون. قال تاج الدين: لا يجوز صرف الأدوية الموقوفة في المارستان إلى الغني، ولا يصح وقف الأدوية فيه إلا [إذا ذكر] (٢) الفقراء، ولو قال: على الفقراء والأغنياء يجوز، ويدخل الأغنياء تبعًا. قوله: (وإذا صح الوقف لم يجز بيعه ولا تمليكه) بلا خلاف بين الفقهاء (إلا أن يكون مشاعًا) فحينئذ تجوز قسمته، واستثنى القسمة من البيع بطريق التجوز والاتساع، إذ في القسمة معنى البيع من وجه.

стр. 4370

يُوسُفَ فَيَطلُبُ الشَّرِيكُ القِسْمَةَ فَيَصِحٌ مُقَاسَمَتُهُ) أَمَّا امْتِنَاعُ التَّمْلِيكِ فَلِمَا بَيَّنَّا. وَأَمَّا جَوَازُ القِسْمَةِ فَلِأَنَّهَا تَمييزٌ وَإِفْرَازُ، غَايَةُ الأَمرِ: أَنَّ الغَالِبَ فِي غَيْرِ المَكِيلِ وَالمَوزُونِ مَعْنَى المُبَادَلَةِ، إِلَّا أَنَّ فِي الوَقفِ جَعَلنَا الغَالِبَ مَعنَى الإِفْرَازِ نَظَرًا لِلوَقفِ، فَلَم تَكُنْ بَيعًا وَتَمْلِيكًا؛ ثُمَّ إِنْ وَقَفَ نَصِيبَهُ مِنْ عَقَارِ مُشْتَرَكَ فَهُوَ الَّذِي يُقَاسِمُ شَرِيكَهُ؛ لِأَنَّ الوِلَايَةَ لِلوَاقِفِ وَبَعدَ المَوتِ إِلَى وَصِيَّة، وَإِنْ وَقَفَ نِصْفَ عَقَارٍ خَالِصِ لَهُ فَالَّذِي يُقَاسِمُهُ القَاضِي أَوْ يَبِيعُ نَصِيبَهُ البَاقِي مِنْ رَجُل، ثُمَّ يُقَاسِمُهُ المُشتَرِي ثُمَّ يَشتَرِي ذَلِكَ مِنْهُ، لِأَنَّ الوَاحِدَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُقَاسِمًا وَمُقَاسَمًا، وَلَو كَانَ فِي القِسْمَةِ فَضلُ دَرَاهِمَ إِنْ أَعطَى الوَاقِفَ لَا يَجُوزُ لِامْتِنَاعِ بَيعِ الوَقفِ، وفي الكافي: ولا تنقسم، أي: إذا قضى قاض بجواز وقف المشاع نفذ قضاؤه، وصار متفقا عليه كسائر المختلفات، فإن طلب بعضهم القسمة، قال أبو حنيفة: لا يقسم ويتهايؤون. وقال أبو يوسف ومحمد: يقسم، وبه قالت الأئمة الثلاثة. وأجمع أصحابنا أن الكل لو كان وقفًا على الأرباب فأرادوا القسمة لا يقسم. كذا في المحيط. قوله: (فلما بينا) وهو ما ذكر ما قاله النبي ﵇ لعمر ﵁ «تَصَدَّقْ بِأَصْلِها لَا يُباعُ وَلَا يوهَبُ» (١) وما ذكر من المعنى (أن الحاجة ماسة) إلى آخره، إذ البيع ينافي مقصود الوقف، فلا يصح كالبيع بعد التدبير. (وأما جواز القسمة)؛ أي: عندهما، أما عند أبي حنيفة لا يجوز؛ لأن القسمة بيع معنى لاشتمالها على الإقرار والمبادلة، ومعنى المبادلة راجح في غير المثليات. (فهو الذي)؛ أي: الواقف يقاسم شريكه لا القاضي. قوله: (ويكون بقدر الدراهم شراء) وما اشتراه بالدراهم له وليس بوقف. كذا في فتاوى الظهيرية، والكافي. وفي النهاية: ويصير الواقف مشتريًا شيئًا بمقابلة الدراهم وواقفًا لذلك

стр. 4371

وَإِنْ أَعْطَى الوَاقِفَ جَازَ وَيَكُونُ بِقَدْرِ الدَّرَاهِمِ شِرَاء. قَالَ: (وَالوَاجِبُ أَنْ يُبْتَدَأَ مِنْ ارتِفَاعِ الوَقفِ بِعِمَارَتِهِ شَرَطَ ذَلِكَ الوَاقِفُ أَوْ لَم يَشتَرِ) لِأَنَّ قَصِدَ الوَاقِفِ صَرفُ الغَلَّةِ مُؤَيَّدًا، وَلَا تَبقَى دَائِمَة إِلَّا بِالعِمَارَةِ فَيَثْبُتُ شَرطُ العِمَارَةِ اقْتِضَاء، وَلِأَنَّ الخَرَاجَ بِالضَّمَانِ وَصَارَ كَنَفَقَةِ العَبدِ المُوصَى بِخِدمَتِهِ، فَإِنَّهَا عَلَى المُوصَى لَهُ بِهَا. ثُمَّ إِنْ كَانَ الوَقفُ عَلَى الفُقَرَاءِ لَا يَظْفَرُ بِهِمْ، وَأَقْرَبُ أَمْوَالِهِم هَذِهِ الغَلَّةُ فَتَجِبُ فِيهَا. وَلَو كَانَ الوَقفُ عَلَى رَجُل بِعَيْنِهِ وَآخِرُهُ لِلفُقَرَاءِ فَهُوَ فِي مَالِهِ: أَي مَالٍ شَاءَ فِي حَالِ حَيَاتِهِ. وَلَا يُؤْخَذُ مِنْ الغَلَّةِ؛ لِأَنَّهُ مُعَيَّنٌ يُمكِنُ مُطَالَبَتُهُ، وَإِنَّمَا يَسْتَحِقُّ العِمَارَةَ عَلَيْهِ بِقَدْرِ مَا يَبقَى المَوقُوفُ عَلَى الصَّفَةِ الَّتِي وَقَفَهُ، وَإِنْ خَرِبَ يُبنَى عَلَى ذَلِكَ الوَصفِ؛ لِأَنَّهَا بِصِفَتِهَا صَارَت غَلَّتُهَا مَصرُوفَة إِلَى المَوقُوفِ عَلَيْهِ. فَأَمَّا الزِّيَادَةُ عَلَى ذَلِكَ فَلَيسَت بِمُسْتَحَقَّة عَلَيْهِ، وَالغَلَّةُ مُستَحَقَّةٌ فَلَا يَجُوزُ صَرفُهَا إِلَى شَيْءٍ آخَرَ إِلَّا بِرِضَاهُ، وَلَو كَانَ الوَقفُ عَلَى الفُقَرَاءِ فَكَذَلِكَ عِنْدَ البَعضِ، وَعِنْدَ الآخَرِينَ يَجُوزُ ذَلِكَ، … ... الشيء الذي اشتراه فيجوز. قوله: (إن أعطى الواقف) (١) على إعرابين: بلفظ أَعْطَى، على بناء الفاعل ونصب الواقف، وبلفظ أَعْطِيَ، على بناء المفعول ورفع الواقف، [تقديره]: (٢) إن أعطى المشتري الواقف لا يجوز فيصير الواقف تابعا للوقف. قوله: (لأن الخراج بالضمان) لفظ الحديث أيضًا، وهو من جوامع الكلم، وفي معناه: الغرم بالغنم، جرى لفظ الحديث مجرى المثل، واستعمل في كل مضرة بمقابلة منفعة، والمراد بالخراج: ما يخرج من الأرض، والنفع من ملك إنسان، وبالضمان المؤنة. قوله: (لا يظفر بهم)؛ أي: لا يؤاخذ الفقراء بعمارته؛ لأنه ليس لهم شيء، أو هم غير معدودين. (وأقرب أموالهم)؛ أي: أموال الفقراء إلى المتولي فيجب فيها. وعن أحمد: ويحتمل أن تكون في بيت المال.

стр. 4372

وَالأَوَّلُ أَصَمُّ، لِأَنَّ الصَّرفَ إِلَى العِمَارَةِ ضَرُورَةُ إبقَاءِ الوَقفِ وَلَا ضَرُورَةَ فِي الزِّيَادَةِ. قَالَ: (فَإِنْ وَقَفَ دَارًا عَلَى سُكَنَى وَلَدِهِ فَالعِمَارَةُ عَلَى مَنْ لَهُ سُكَنَى) لِأَنَّ الخَرَاجَ بِالضَّمَانِ عَلَى مَا مَرَّ، فَصَارَ كَنَفَقَةِ العَبدِ المُوصَى بِخِدمَتِهِ (فَإِنْ امْتَنَعَ مِنْ ذَلِكَ، أَوْ كَانَ فَقِيرًا آجَرَهَا الحَاكِمُ وَعَمَّرَهَا بِأُجْرَتِهَا، وَإِذَا عَمَّرَهَا رَدَّهَا إِلَى مَنْ لَهُ السُّكْنَى) لِأَنَّ فِي ذَلِكَ رِعَايَةَ الحَقِّينِ، حَقِّ الوَاقِفِ وَحَقِّ صَاحِبِ السُّكَنَى، لِأَنَّهُ لَو لَم يُعَمِّرهَا تَفُوتُ السُّكَنَى أَصلا، وَالأَوَّلُ أَولَى، وَلَا يُجبَرُ المُمْتَنِعُ عَلَى العِمَارَةِ لِمَا فِيهِ مِنْ إِبْلَافِ مَالِهِ فَأَشْبَهَ امْتِنَاعَ صَاحِبِ البَدْرِ فِي المُزَارَعَةِ، فَلَا يَكُونُ امْتِنَاعُهُ رِضًا مِنهُ بِبُطَلَانِ حَقِّهِ، لِأَنَّهُ فِي حَيْزِ التَّرَدُّدِ، وَلَا تَصِحُ إِجَارَةُ مَنْ لَهُ السُّكَنَى، لِأَنَّهُ غَيْرُ مَالِكٍ. قوله: (والأول أصح) وهو ألا يكون البناء الثاني زائدا على الأول. وفي الذخيرة: وقف أرضه على المساكين ولم يذكر عمارته، فعمارتها في غلتها؛ لأن العمارة وإن لم تكن مشروطة هنا نصا فهي مشروطة اقتضاء، إذ مقصود الوقف وهو إدرار الغلة مؤبدا على المساكين لا يحصل إلا بإصلاحها، والثابت اقتضاء ثابت ضرورة، والضرورة تندفع بالبناء الأول. قوله: (والأول أولى) وهو إجازة الحاكم وعمارتها بأجرتها، والثاني: تركها لما في العمارة رعاية حق الواقف والمساكين، وفي الترك فوات حق الواقف أصلا، ويتأخر حق صاحب السكنى، فكان التأخير أولى من الإبطال، ذكره في الزاد. قوله: (لأنه)؛ أي: الامتناع في حيز التردد فإن الامتناع يحتمل أن يكون لبطلان حقه، ويحتمل أن يكون لنقصان ماله في الحال، ولرجائه إصلاح القاضي وعمارته ثم رده إليه. (لأنه غير مالك)؛ أي: للرقبة. وعن الشافعي وأحمد في رواية: له الإجارة؛ لأن له ولاية عليه في قول، ولا يلزم المستأجر فإنه غير مالك للدار، ومع أنه يجوز له أن يؤاجرها من آخر للسكنى وكذا في كل عمل لا تختلف العين باختلاف المستعمل؛ لأن هناك ملك المستأجر المنفعة بالإجارة، وهنا أبيحت المنفعة للموقوف عليه، ولأن الدار قامت مقام المنفعة في الإجارة

стр. 4373

قَالَ: (وَمَا انْهَدَمَ مِنْ بِنَاءِ الوَقفِ وَآلَتِهِ صَرَفَهُ الحَاكِمُ فِي عِمَارَةِ الوَقفِ إِنْ احتاجَ إِلَيْهِ، وَإِنْ اسْتَغْنَى عَنْهُ أَمْسَكَهُ حَتَّى يَحتَاجَ إِلَى عِمَارَتِهِ فَيَصْرِفَهُ فِيهِمَا)؛ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ العِمَارَةِ لِيَبْقَى عَلَى التَّابِيدِ فَيَحصُلَ مَقْصُودُ الوَاقِفِ. فَإِنْ مَسَّتِ الحَاجَةُ إِلَيْهِ فِي الحَالِ صَرَفَهَا فِيهَا، وَإِلَّا أَمْسَكَهَا حَتَّى لَا يَتَعَذَّرَ عَلَيْهِ ذَلِكَ أَوَانَ الحَاجَةِ فَيَبْطُلُ المَقْصُودُ، وَإِنْ تَعَذَّرَ إعَادَةُ عَيْنِهِ إِلَى مَوضِعِهِ بِيعَ وَصُرِفَ ثَمَنُهُ إِلَى المَرَمَّةِ صَرِفًا لِلبَدَلِ إِلَى مَصْرِفِ المُبْدَلِ (وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَقْسِمَهُ) يَعْنِي النُّقْضَ (بَينَ مُسْتَحَقِّي الوَقفِ) لِأَنَّهُ جُزءٌ مِنْ العَينِ وَلَا حَقَّ لِلمَوقُوفِ عَلَيْهِم فِيهِ: وَإِنَّمَا حَقُّهُم فِي المَنَافِعِ، وَالعَينُ حَقٌّ اللَّهِ تَعَالَى فَلَا يَصْرِفُ إِلَيْهِم غَيْرَ حَقِّهِم. قَالَ: (وَإِذَا جَعَلَ الوَاقِفُ غَلَّةَ الوَقفِ لِنَفْسِهِ أَوْ جَعَلَ الوِلَايَةَ إِلَيْهِ جَازَ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ) (*) قَالَ ﵁: ذَكَرَ فَصَلَينِ: شَرطَ الغَلَّةِ لِنَفْسِهِ وَجَعَلَ الوِلَايَةِ إِلَيْهِ. أَمَّا تصحيحًا للعقد؛ لأن المنفعة معدومة، فيكون العقد واردًا على الدار، فصارت كأن المستأجر مالكًا لرقبتها، أما الوقف يصدق بالمنفعة بغير عوض، فلا تجعل الدار مقام المنفعة. وفي المحيط: لمّا ملك المنفعة بغير عوض صار كالمستعير والموصى له بالسكنى؛ لأنه أجرها وكان مالكًا زيادة على ما ملكه، ولا يجوز له التمليك أكثر مما ملكه. قوله: (والته) تجوز بالجر عطفا على البناء، ويجوز بالرفع عطفا على ما الموصولة في قوله: (ما انهدم) وهو المنقول عن الثقات؛ لأنه لا يقال: انهدمت الآلة. والنقض - بضم النون -: البناء المنقوض، والجمع نقوض. وعن الغوري: النقض بالكسر لا غير. كذا في المغرب (١). وفي الصحاح ذكره بالكسر لا غير. وعند الشافعي وأحمد في [قول] (٢): يملكه مستحقه يقسم بينهم. قوله: (جائز عند أبي يوسف) وبه قال أحمد وابن أبي ليلى وابن شبرمة

стр. 4374

الأَوَّلُ: فَهُوَ جَائِزٌ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ، وَلَا يَجُوزُ عَلَى قِيَاسِ قَولِ مُحَمَّد، وَهُوَ قَولُ هلَالَ الرَّازِيِّ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ. وَقِيلَ: إِنَّ الاخْتِلَاف بَيْنَهُمَا بِنَاء عَلَى الاخْتِلَافِ فِي اشْتِرَاطِ القَبْضِ وَالإِفْرَازِ. وَقِيلَ: هِيَ مَسأَلَةٌ مُبْتَدَأَةٌ، وَالخِلَافُ فِيمَا إِذَا شَرَطَ البَعْضَ لِنَفْسِهِ فِي حَيَاتِهِ وَبَعدَ مَوتِهِ لِلفُقَرَاءِ، وَفِيمَا إِذَا شَرَطَ الكُلَّ لِنَفْسِهِ فِي حَيَاتِهِ وَبَعدَ مَوتِهِ لِلْفُقَرَاءِ سَوَاءٌ؛ وَلَو وَقَفَ وَشَرَطَ البَعْضَ أَوْ الكُلَّ لِأُمَّهَاتِ أَولَادِهِ وَمُدَبَّرِيهِ مَا دَامُوا أحياء، فَإِذَا مَاتُوا فَهُوَ لِلْفُقَرَاءِ وَالمَسَاكِينِ، فَقَد قِيلَ: يَجُوزُ بِالاتِّفَاقِ، وَقَدْ قِيلَ: هُوَ عَلَى الخِلَافِ أَيضًا، وَهُوَ الصَّحِيحُ، لِأَنَّ اسْتِرَاطَهُ لَهُمْ فِي حَيَاتِهِ كَاشْتِرَاطِهِ لِنَفْسِهِ. والزبيدي، وابن سريج من أصحاب الشافعي، ولا يجوز على قياس قول محمد؛ لأن التسليم إلى المتولى شرط عنده لصحته. (وهو)؛ أي: قول محمد (قول هلال الرازي) والشافعي ومالك. وفي فتاوى قاضي خان ذكر الصدر الشهيد أن الفتوى على قول أبي يوسف؛ ترغيبا للناس في الوقف. وفي الكافي: الخلاف فيما إذا شرط بعض الغلة لنفسه في حياته وبعده للفقراء سواء. وقيل: الاختلاف بينهما بناء على اشتراط القبض، فعند محمد شرط لأن التسليم إلى المتولي شرط لصحة الوقف عنده، إذ بالتسليم يخرج عن ملكه إلى الله، وينقطع اختصاصه به، وشرط الغلة لنفسه ينافي ذلك. وقيل: هي مسألة مبتدأة. قال الهندواني: ليس في هذا عن محمد رواية ظاهرة إلا شيء ذكره في كتاب الوقف، قال: إذا وقف على أمهات أولاده جاز؛ لأن الوقف عليهن بمنزلة الوقف على نفسه؛ لأن ما يكون لأم ولده حال حياته يكون له. قوله: (وهو الصحيح) احتراز عن القول الأول، وهو القول بالجواز بالاتفاق، ولكن مخالف لرواية المبسوط، والمحيط، والذخيرة، والتتمة، وفتاوى قاضي خان، فإن فيها جعل جواز الوقف عليهن بالاتفاق، فقال في المبسوط: وهذا على قول أبي يوسف ظاهر، فإن عنده لو شرط بعض الغلة أو

стр. 4375

وَجْهُ قَولِ مُحَمَّد ﵀: أَنَّ الوَقفَ تَبَرُّعُ عَلَى وَجْهِ التَّمْلِيكِ بِالطَّرِيقِ الَّذِي قَدَّمْنَاهُ، فَاسْتِرَاطُهُ البَعضَ أَوْ الكُلَّ لِنَفْسِهِ يُبْطِلُهُ؛ لِأَنَّ التَّمْلِيكَ مِنْ نَفْسِهِ لَا يَتَحَقَّقُ فَصَارَ كَالصَّدَقَةِ المُنَفِّذَةِ، وَشَرط بَعضَ بُقعَةِ المَسجِدِ لِنَفْسِهِ. وَلِأَبِي يُوسُفَ: مَا رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﵊ كَانَ يَأْكُلُ مِنْ صَدَقَتِهِ» وَالمُرَادُ مِنهَا صَدَقَتُهُ المَوقُوفَةُ، وَلَا يَحِلُّ الأَكلُ مِنهَا إِلَّا بِالشَّرطِ، فَدَلَّ عَلَى صِحَّتِهِ، وَلِأَنَّ الوَقفَ إِزَالَةُ المِلكِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى عَلَى وَجْهِ القُربَةِ عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ، فَإِذَا شَرَطَ البعض أَوْ الكُلَّ لِنَفْسِهِ، فَقَد جَعَلَ مَا صَارَ مَملُوكًا لِلَّهِ تَعَالَى لِنَفْسِهِ، لَا أَنَّهُ يَجْعَلُ مِلكَ نَفْسِهِ لِنَفْسِهِ، وَهَذَا جَائِزُ، كَمَا إِذَا بَنَى خَانًا أَوْ سِقَايَة أَوْ جَعَلَ أَرضَهُ مَقبَرَة، وَشَرَطَ كلها لنفسه جاز، فلأمهات أولاده أولى، وإنما الإشكال على قول محمد، فإنه لا يجوز اشتراط ذلك لنفسه، واشتراط الغلة لأمهات أولاده كاشتراطه لنفسه، ولكنه جوز ذلك استحسانا، ولأنه لا بد من تصحيح هذا الشرط لهن؛ لأنهن يعتقن بموته، فاشتراطه لهن كاشتراطه لأجنبي، فيجوز ذلك في حياته أيضًا تبعا لما بعد الوفاة، وكذا لو سمى لمدبريه. وهلال الرازي، هكذا وقع في نسخ الفقه من المبسوط والذخيرة وغيرهما. وفي المغرب: الرازي تحريف، بل هو هلال الرّائي، بتشديد الراء البصري، وهكذا صحح في مسند أبي حنيفة، وصححه القاضي الغني، وصاحب الأنساب. وفي الأنساب: هو هلال بن يحيى بن مسلم الرائي، وإنما قيل له الرائي؛ لأنه كان ينتحل مذهب الكوفيين ورأيهم، فعرف بالرائي. قوله: (كما في الصدقة المنفذة)؛ يعني: لو سلم ماله للفقير على وجه الصدقة، بشرط أن يكون بعضه لي؛ فإن الصدقة بهذا الشرط لا تجوز. وقوله: (وشرطه) بالجر عطفا على الصدقة المنفذة.

стр. 4376

أَنْ يَنزِلَهُ أَوْ يَشْرَبَ مِنهُ أَوْ يُدفَنَ فِيهِ، وَلِأَنَّ مَقصُودَهُ القُربَةُ وَفِي الصَّرفِ إِلَى نَفْسِهِ ذَلِكَ، قَالَ ﵊: «نَفَقَةُ الرَّجُلِ عَلَى نَفْسِهِ صَدَقَةٌ». وَلَو شَرَطَ الوَاقِفُ أَنْ يَستَبْدِلَ بِهِ أَرْضًا أُخرَى إِذَا شَاءَ ذَلِكَ فَهُوَ جَائِزٌ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ، وَعِنْدَ مُحَمَّد: الوَقفُ جَائِزٌ وَالشَّرِطُ بَاطِلٌ. وَلَو شَرَطَ الخِيَارَ لِنَفْسِهِ فِي الوَقفِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ جَازَ الوَقفُ وَالشَّرِطُ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ، وَعِنْدَ مُحَمَّد: الوَقفُ بَاطِلٌ، وَهَذَا بِنَاء عَلَى مَا ذَكَرنَا. وقوله: (أن ينزله) على بناء الفاعل. وقوله: (أو يدفن فيه) على بناء المفعول. قوله: (فهو جائز)؛ أي: شرط الاستبدال جائز (عند أبي يوسف) وهلال والخصاف استحسانا، والقياس ألا يجوز الوقف والشرط، وبه قال الشافعي وأحمد؛ لأنه شرط منافي لمقتضى الوقف. وجه الاستحسان: أن فيه تحويله إلى ما يكون خيرًا من الأول أو مثله، فكان تقريرًا لا إبطالاً. وعند محمد، وأهل البصرة، وفي وجه عن أحمد: الشرط باطل والوقف جائز؛ لأن هذا شرط لا يؤثر في المنع من زال الملك، والوقف يتم به، ولا ينعدم به التأبيد فكان شرطًا فاسدًا، كما لو شرط في المسجد أن يصلي فيه قوم دون قوم فالشرط باطل، واتخاذ المسجد صحيح، كذا هنا. قوله: (وعند محمد: الوقف باطل) وبه قال الشافعي وأحمد وهلال. (وهذا)؛ أي: هذا الخلاف بناء على ما ذكرنا وهو قوله: إن جعل الواقف غلة الوقف لنفسه جاز عند أبي يوسف خلافا لمحمد، وبهذا البناء صرح في المبسوط. قال الهندواني: ينبغي أن يجوز الوقف ويبطل الشرط عند محمد؛ لأنه شرط فاسد، فلا يؤثر في المنع من الزوال، ولكن قال محمد: بتمام الرضا يتم الوقف، وبتمام القبض ومع شرط الخيار لا يتم الرضا ولا القبض، فيبطل

стр. 4377

وَأَمَّا فَصلُ الوِلَايَةِ فَقَد نَصَّ فِيهِ عَلَى قَولِ أَبِي يُوسُفَ، وَهُوَ قَولُ هِلَالٍ أَيضًا وَهُوَ ظَاهِرُ المَذْهَبِ. وَذَكَرَ هِلَالٌ فِي وَقفِهِ وَقَالَ أَقوَامٌ: إِنْ شَرَطَ الوَاقِفُ الوِلَايَةَ الوقف كالإكراه على الوقف. وجه قول أبي يوسف: أن الوقف يتعلق به اللزوم، ويحتمل الفسخ ببعض الأسباب، واشتراط الخيار للفسخ، فكان كالبيع. وقال يوسف بن خالد السمتي: الوقف جائز والشرط باطل؛ لأنه إزالة ملك لا إلى مالك، كالإعتاق، واشتراط الخيار في العتق باطل والعتق صحيح، وكذا لو شرط الخيار في المسجد فالخيار باطل، واتخاذ المسجد صحيح، ومحمد يقول: لا يتم الرضا ولا القبض في الوقف كما ذكرنا، بخلاف المسجد؛ فإن القبض هناك غير شرط، بل الشرط إقامة الصلاة فيه بالجماعة، وقد وجد، وكذا في الإعتاق؛ فإن القبض فيه غير شرط، ويتحقق بعدم الرضا كما في المكره. كذا في المبسوط (١). وإنما قيد الخيار بثلاثة أيام؛ لتكون مدة الخيار معلومة، حتى لو كانت مجهولة لا يجوز الوقف بالاتفاق. ذكره في فتاوى قاضي خان، وفيه: ثم لما لم يصح الوقف بالشرط لم ينقلب صحيحًا بإبطاله قبل الثلاث؛ لأن الوقف لا يجوز إلا مؤبدا، والخيار يمنع التأبيد، فكان شرط الخيار في نفس العقد، بخلاف البيع؛ فإن الخيار فيه لا يمنع جواز البيع، وإنما يفسد البيع إذا شرط الخيار لأكثر من ثلاثة أيام؛ لامتناع لزوم العقد بعد الأيام الثلاثة، فلم يكن الفساد في صلب العقد. قوله: (فقد نص فيه)؛ أي: نصَّ بالجواز (على قول أبي يوسف) وهو قول هلال والخصاف. (وقال قوم)؛ أي: بعض المشايخ.

стр. 4378

لِنَفْسِهِ كَانَتْ لَهُ وِلَايَةٌ، وَإِنْ لَم يَشتَرِط لَم تَكُنْ لَهُ وِلَايَةٌ. قَالَ مَشَايِخُنَا: الأَشْبَهُ أَنْ يَكُونَ هَذَا قَولُ مُحَمَّد، لِأَنَّ مِنْ أَصْلِهِ أَنَّ التَّسْلِيمَ إِلَى القَيِّمِ شَرطُ لِصِحَّةِ الوَقفِ، (وإن لم يشترط لم تكن) أي: الولاية له، بل للقاضي، وبه قال الشافعي في قول وأحمد في رواية. وفي الحلية: لو شرط الخيار لنفسه جاز، ولو أطلق فيه وجهان، بناء على القولين فيمن ينتقل الملك فيه، فإن قلنا: ينتقل إلى الله تعالى فالنظر للحاكم، وإن قلنا: ينتقل إلى الموقوف عليه فالنظر له، وحكي وجه ثالث: أن النظر فيه للواقف (١). وعند مالك كل من شرط له الواقف الولاية فله الولاية، فلو شرط لنفسه لا يجوز، ولو لم يشترط لا يتولاه هو بنفسه بل الحاكم. وفي الذخيرة: وذكر هلال أرضه ولم يشترط الولاية لنفسه ولا لغيره؛ فالوقف جائز والولاية للواقف. قوله: (الأشبه أن يكون هذا قول محمد). فإن قيل: كيف تصح نسبة هذا القول إلى محمد، ومن مذهبه: أن التسليم إلى المتولي شرط صحة الوقف؟ فعلى هذا لا يجوز أن يشترط الولاية لنفسه على قوله؛ لأن هذا يمنع التسليم إلى المتولي، فكان ذلك على مذهبه يجب ألا تكون الولاية له شرط أو لم يشرط. قلنا: نعم كذلك، إلا أن تأويل هذا فيما إذا سلمه إلى المتولي وقد كان شرط الولاية لنفسه حين وقفه كان له الولاية بعد التسليم إلى المتولي، فقد ذكر في فتاوى قاضي خان بعد ذكر مذهب هلال كما ذكرنا، فقال: وذكر محمد في السير: إذا وقف ضيعة وأخرجها إلى القيم لا يكون له الولاية بعد ذلك، إلا أن يشترط الولاية لنفسه في ابتداء الوقف، فليس له ولاية بعد التسليم، إلى أن قال: وهذه المسألة بناء على أن عند محمد التسليم إلى المتولي شرط، أما عند أبي يوسف فالتسليم إلى المتولي ليس بشرط، فكانت الولاية للواقف وإن لم يشترط الولاية لنفسه، ومثل الذي ذكره في الكتاب مذكور في الذخيرة والتتمة،

стр. 4379

فَإِذَا سَلَّمَ لَم يَبْقَ لَهُ وِلَايَةٌ فِيهِ. وَلَنَا: أَنَّ المُتَوَلِّي إِنَّمَا يَسْتَفِيدُ الوِلَايَةَ مِنْ جِهَتِهِ بِشَرطِهِ، فَيَسْتَحِيلُ أَنْ لَا يَكُونَ لَهُ الوِلَايَةُ وَغَيْرُهُ يَستَفِيدُ الوِلَايَةَ مِنهُ، وَلِأَنَّهُ أَقْرَبُ النَّاسِ إِلَى هَذَا الوَقفِ فَيَكُونُ أَولَى بِوِلَايَتِهِ، كَمَنْ اتَّخَذَ مَسْجِدًا يَكُونُ أُولَى بِعِمَارَتِهِ وَنَصبِ المُؤَذِّنِ فِيهِ، وَكَمَن أَعتَقَ عَبْدًا كَانَ الوَلَاءُ لَهُ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ النَّاسِ إِلَيْهِ. وَلَو أَنَّ الوَاقِفَ شَرَطَ وِلَايَتَهُ لِنَفْسِهِ وَكَانَ الوَاقِفُ غَيْرَ مَأمُون عَلَى الوَقفِ، فَلِلقَاضِي أَنْ يَنزِعَهَا مِنْ يَدِهِ نَظَرًا لِلْفُقَرَاءِ، كَمَا لَهُ أَنْ يُخْرِجَ الوَصِيَّ نَظَرًا لِلصِّغَارِ، وَكَذَا إِذَا شَرَطَ أَنْ لَيْسَ لِلسُّلطَانِ وَلَا لِقَاضٍ أَنْ يُخْرِجَهَا مِنْ يَدِهِ وَيُوَلِّيَهَا غَيْرَهُ، لِأَنَّهُ شَرطٌ مُخَالِفٌ لِحُكمِ الشَّرعِ فَبَطَلَ. ويحتمل أن يكون أن معنى قوله: (إن شرط الولاية لنفسه كانت له) يعني: في هذه الصورة لم يشترط محمد التسليم إلى المتولي، وأيضًا لأن شرائط الوقف تراعي، فمن صورة رعاية شرطه سقوط اشتراط التسليم إذا شرط الولاية لنفسه. كذا قيل. قوله: (ونصب المؤذن فيه) قال أبو نصر: العمارة للباني، أما نصب المؤذن والإمام لأهل المحلة، ولا يكون الباني أحق منهم بذلك. وقال أبو بكر الإسكاف: الباني أحق بنصبهما من غيره كالعمارة. قال أبو الليث: وبه نأخذ، إلا أن نريد إمامًا ومؤذنا والقوم يريدون الأصلح، فلهم أن يفعلوا ذلك. كذا في النوازل. وفي فتاوى قاضي خان: لو قال: أرضي موقوفة إن شئت أو أحببت؛ كان الوقف باطلًا في قولهم، وكذا عند الأئمة الثلاثة؛ لأن تعليق الوقف بالشرط باطل، وكذا لو قال: أرضي صدقة موقوفة إن شئت، ثم قال: شئت، وكان الوقف باطلًا [أيضًا] (١) لما قلنا إنه تعليق. ولو قال: شئت وجعلتها صدقة موقوفة صح؛ لأنه ابتداء وقف. قوله: (لأنه شرط مخالف لحكم الشرع) لأن الشرع أطلق للقاضي إخراج

стр. 4380

فَصْلٌ: [وَإِذَا بَنَى مَسْجِدًا لَمْ يَزُلْ مِلْكُهُ عَنْهُ حَتَّى يَفْرِزَهُ عَنْ مِلْكِهِ] (وَإِذَا بَنَى مَسْجِدًا لَم يَزُل مِلكُهُ عَنْهُ حَتَّى يَفْرِزَهُ عَنْ مِلْكِهِ بِطَرِيقِهِ وَيَأْذَنَ لِلنَّاسِ بِالصَّلَاةِ فِيهِ، فَإِذَا صَلَّى فِيهِ وَاحِدٌ زَالَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ عَنْ مِلْكِهِ) أَمَّا الْإِفْرَازُ: فَلِأَنَّهُ مَا كان منهما دفعا للضرر عن الفقهاء، ولو شرط الولاية لرجل فالولاية له كما شرط بلا خلاف، وإن أراد الواقف إخراجه فله ذلك، وإن شرط: ليس له إخراج القيم بطل شرطه؛ لأنه مخالف لحكم الشرع إذا لقوا منه وكالة، وهي ليست بلازمة، ولو جعل الولاية إليه في حياته وبعد وفاته كان جائزا، وهو وكيل في حياته ووصي بعد وفاته. فصل: وإذا بنى مسجدا لم يزل ملكه عنه حتى يفرزه عن ملكه لما كانت أحكام هذا الفصل مخالفة لمسائل الوقف التي قبله في الشروط، في عدم اشتراط التسليم إلى المتولي عند محمد، ومنع الشيوع عند أبي يوسف، وخرجه عن ملك الواقف بلا حكم حاكم عند أبي حنيفة؛ ذكرها بفصل على حدة. قوله: (ويأذن للناس بالصلاة فيه) ولا يشترط ذكر لفظ (وقفتُ) عندنا، وبه قال أحمد ومالك. وقال الشافعي، وأحمد في رواية: لا يصير وقفًا إلا باللفظ، بأن قال: وقفته أو حبسته أو غير ذلك؛ لأن هذا تحبيس على وجه القربة، فلا يصح بدون اللفظ، كالوقف على الفقراء. ولنا: أن العرف جار بذلك، وفيه دلالة على الوقف، فجاز أن يثبت بالإذن، وجرى ذلك مجرى من قدم طعاما إلى ضيفه كان إذنا في أكله، أو نثر كان إذنا في التقاطه، وكذا دخول الحمام واستعمال مائه بغير إذنه دليلا على وجوب الآخر، بخلاف الوقف على الفقراء، فلم تجر به عادة، حتى لو كان شيء جرت به العادة أو دلت الحال كان كمسألتنا. قوله: (وزال عند أبي حنيفة عن ملكه)؛ أي بلا شرط قضاء، أو إضافة إلى ما بعد الموت، بخلاف سائر الأوقاف عنده.
следующие страницы →