أَنْ يَنزِلَهُ أَوْ يَشْرَبَ مِنهُ أَوْ يُدفَنَ فِيهِ، وَلِأَنَّ مَقصُودَهُ القُربَةُ وَفِي الصَّرفِ إِلَى نَفْسِهِ ذَلِكَ، قَالَ ﵊: «نَفَقَةُ الرَّجُلِ عَلَى نَفْسِهِ صَدَقَةٌ».
وَلَو شَرَطَ الوَاقِفُ أَنْ يَستَبْدِلَ بِهِ أَرْضًا أُخرَى إِذَا شَاءَ ذَلِكَ فَهُوَ جَائِزٌ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ، وَعِنْدَ مُحَمَّد: الوَقفُ جَائِزٌ وَالشَّرِطُ بَاطِلٌ.
وَلَو شَرَطَ الخِيَارَ لِنَفْسِهِ فِي الوَقفِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ جَازَ الوَقفُ وَالشَّرِطُ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ، وَعِنْدَ مُحَمَّد: الوَقفُ بَاطِلٌ، وَهَذَا بِنَاء عَلَى مَا ذَكَرنَا.
وقوله: (أن ينزله) على بناء الفاعل.
وقوله: (أو يدفن فيه) على بناء المفعول.
قوله: (فهو جائز)؛ أي: شرط الاستبدال جائز (عند أبي يوسف) وهلال والخصاف استحسانا، والقياس ألا يجوز الوقف والشرط، وبه قال الشافعي وأحمد؛ لأنه شرط منافي لمقتضى الوقف.
وجه الاستحسان: أن فيه تحويله إلى ما يكون خيرًا من الأول أو مثله، فكان تقريرًا لا إبطالاً. وعند محمد، وأهل البصرة، وفي وجه عن أحمد: الشرط باطل والوقف جائز؛ لأن هذا شرط لا يؤثر في المنع من زال الملك، والوقف يتم به، ولا ينعدم به التأبيد فكان شرطًا فاسدًا، كما لو شرط في المسجد أن يصلي فيه قوم دون قوم فالشرط باطل، واتخاذ المسجد صحيح، كذا هنا.
قوله: (وعند محمد: الوقف باطل) وبه قال الشافعي وأحمد وهلال.
(وهذا)؛ أي: هذا الخلاف بناء على ما ذكرنا وهو قوله: إن جعل الواقف غلة الوقف لنفسه جاز عند أبي يوسف خلافا لمحمد، وبهذا البناء صرح في المبسوط.
قال الهندواني: ينبغي أن يجوز الوقف ويبطل الشرط عند محمد؛ لأنه شرط فاسد، فلا يؤثر في المنع من الزوال، ولكن قال محمد: بتمام الرضا يتم الوقف، وبتمام القبض ومع شرط الخيار لا يتم الرضا ولا القبض، فيبطل
стр. 4377
وَأَمَّا فَصلُ الوِلَايَةِ فَقَد نَصَّ فِيهِ عَلَى قَولِ أَبِي يُوسُفَ، وَهُوَ قَولُ هِلَالٍ أَيضًا وَهُوَ ظَاهِرُ المَذْهَبِ. وَذَكَرَ هِلَالٌ فِي وَقفِهِ وَقَالَ أَقوَامٌ: إِنْ شَرَطَ الوَاقِفُ الوِلَايَةَ
الوقف كالإكراه على الوقف.
وجه قول أبي يوسف: أن الوقف يتعلق به اللزوم، ويحتمل الفسخ ببعض الأسباب، واشتراط الخيار للفسخ، فكان كالبيع.
وقال يوسف بن خالد السمتي: الوقف جائز والشرط باطل؛ لأنه إزالة ملك لا إلى مالك، كالإعتاق، واشتراط الخيار في العتق باطل والعتق صحيح، وكذا لو شرط الخيار في المسجد فالخيار باطل، واتخاذ المسجد صحيح، ومحمد يقول: لا يتم الرضا ولا القبض في الوقف كما ذكرنا، بخلاف المسجد؛ فإن القبض هناك غير شرط، بل الشرط إقامة الصلاة فيه بالجماعة، وقد وجد، وكذا في الإعتاق؛ فإن القبض فيه غير شرط، ويتحقق بعدم الرضا كما في المكره. كذا في المبسوط (١).
وإنما قيد الخيار بثلاثة أيام؛ لتكون مدة الخيار معلومة، حتى لو كانت مجهولة لا يجوز الوقف بالاتفاق. ذكره في فتاوى قاضي خان، وفيه: ثم لما لم يصح الوقف بالشرط لم ينقلب صحيحًا بإبطاله قبل الثلاث؛ لأن الوقف لا يجوز إلا مؤبدا، والخيار يمنع التأبيد، فكان شرط الخيار في نفس العقد، بخلاف البيع؛ فإن الخيار فيه لا يمنع جواز البيع، وإنما يفسد البيع إذا شرط الخيار لأكثر من ثلاثة أيام؛ لامتناع لزوم العقد بعد الأيام الثلاثة، فلم يكن الفساد في صلب العقد.
قوله: (فقد نص فيه)؛ أي: نصَّ بالجواز (على قول أبي يوسف) وهو قول هلال والخصاف.
(وقال قوم)؛ أي: بعض المشايخ.
стр. 4378
لِنَفْسِهِ كَانَتْ لَهُ وِلَايَةٌ، وَإِنْ لَم يَشتَرِط لَم تَكُنْ لَهُ وِلَايَةٌ. قَالَ مَشَايِخُنَا: الأَشْبَهُ أَنْ يَكُونَ هَذَا قَولُ مُحَمَّد، لِأَنَّ مِنْ أَصْلِهِ أَنَّ التَّسْلِيمَ إِلَى القَيِّمِ شَرطُ لِصِحَّةِ الوَقفِ،
(وإن لم يشترط لم تكن) أي: الولاية له، بل للقاضي، وبه قال الشافعي في قول وأحمد في رواية.
وفي الحلية: لو شرط الخيار لنفسه جاز، ولو أطلق فيه وجهان، بناء على القولين فيمن ينتقل الملك فيه، فإن قلنا: ينتقل إلى الله تعالى فالنظر للحاكم، وإن قلنا: ينتقل إلى الموقوف عليه فالنظر له، وحكي وجه ثالث: أن النظر فيه للواقف (١).
وعند مالك كل من شرط له الواقف الولاية فله الولاية، فلو شرط لنفسه لا يجوز، ولو لم يشترط لا يتولاه هو بنفسه بل الحاكم.
وفي الذخيرة: وذكر هلال أرضه ولم يشترط الولاية لنفسه ولا لغيره؛ فالوقف جائز والولاية للواقف.
قوله: (الأشبه أن يكون هذا قول محمد).
فإن قيل: كيف تصح نسبة هذا القول إلى محمد، ومن مذهبه: أن التسليم إلى المتولي شرط صحة الوقف؟ فعلى هذا لا يجوز أن يشترط الولاية لنفسه على قوله؛ لأن هذا يمنع التسليم إلى المتولي، فكان ذلك على مذهبه يجب ألا تكون الولاية له شرط أو لم يشرط.
قلنا: نعم كذلك، إلا أن تأويل هذا فيما إذا سلمه إلى المتولي وقد كان شرط الولاية لنفسه حين وقفه كان له الولاية بعد التسليم إلى المتولي، فقد ذكر في فتاوى قاضي خان بعد ذكر مذهب هلال كما ذكرنا، فقال: وذكر محمد في السير: إذا وقف ضيعة وأخرجها إلى القيم لا يكون له الولاية بعد ذلك، إلا أن يشترط الولاية لنفسه في ابتداء الوقف، فليس له ولاية بعد التسليم، إلى أن قال: وهذه المسألة بناء على أن عند محمد التسليم إلى المتولي شرط، أما عند أبي يوسف فالتسليم إلى المتولي ليس بشرط، فكانت الولاية للواقف وإن لم يشترط الولاية لنفسه، ومثل الذي ذكره في الكتاب مذكور في الذخيرة والتتمة،
стр. 4379
فَإِذَا سَلَّمَ لَم يَبْقَ لَهُ وِلَايَةٌ فِيهِ. وَلَنَا: أَنَّ المُتَوَلِّي إِنَّمَا يَسْتَفِيدُ الوِلَايَةَ مِنْ جِهَتِهِ بِشَرطِهِ، فَيَسْتَحِيلُ أَنْ لَا يَكُونَ لَهُ الوِلَايَةُ وَغَيْرُهُ يَستَفِيدُ الوِلَايَةَ مِنهُ، وَلِأَنَّهُ أَقْرَبُ النَّاسِ إِلَى هَذَا الوَقفِ فَيَكُونُ أَولَى بِوِلَايَتِهِ، كَمَنْ اتَّخَذَ مَسْجِدًا يَكُونُ أُولَى بِعِمَارَتِهِ وَنَصبِ المُؤَذِّنِ فِيهِ، وَكَمَن أَعتَقَ عَبْدًا كَانَ الوَلَاءُ لَهُ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ النَّاسِ إِلَيْهِ. وَلَو أَنَّ الوَاقِفَ شَرَطَ وِلَايَتَهُ لِنَفْسِهِ وَكَانَ الوَاقِفُ غَيْرَ مَأمُون عَلَى الوَقفِ، فَلِلقَاضِي أَنْ يَنزِعَهَا مِنْ يَدِهِ نَظَرًا لِلْفُقَرَاءِ، كَمَا لَهُ أَنْ يُخْرِجَ الوَصِيَّ نَظَرًا لِلصِّغَارِ، وَكَذَا إِذَا شَرَطَ أَنْ لَيْسَ لِلسُّلطَانِ وَلَا لِقَاضٍ أَنْ يُخْرِجَهَا مِنْ يَدِهِ وَيُوَلِّيَهَا غَيْرَهُ، لِأَنَّهُ شَرطٌ مُخَالِفٌ لِحُكمِ الشَّرعِ فَبَطَلَ.
ويحتمل أن يكون أن معنى قوله: (إن شرط الولاية لنفسه كانت له) يعني: في هذه الصورة لم يشترط محمد التسليم إلى المتولي، وأيضًا لأن شرائط الوقف تراعي، فمن صورة رعاية شرطه سقوط اشتراط التسليم إذا شرط الولاية لنفسه. كذا قيل.
قوله: (ونصب المؤذن فيه) قال أبو نصر: العمارة للباني، أما نصب المؤذن والإمام لأهل المحلة، ولا يكون الباني أحق منهم بذلك.
وقال أبو بكر الإسكاف: الباني أحق بنصبهما من غيره كالعمارة.
قال أبو الليث: وبه نأخذ، إلا أن نريد إمامًا ومؤذنا والقوم يريدون الأصلح، فلهم أن يفعلوا ذلك. كذا في النوازل.
وفي فتاوى قاضي خان: لو قال: أرضي موقوفة إن شئت أو أحببت؛ كان الوقف باطلًا في قولهم، وكذا عند الأئمة الثلاثة؛ لأن تعليق الوقف بالشرط باطل، وكذا لو قال: أرضي صدقة موقوفة إن شئت، ثم قال: شئت، وكان الوقف باطلًا [أيضًا] (١) لما قلنا إنه تعليق. ولو قال: شئت وجعلتها صدقة موقوفة صح؛ لأنه ابتداء وقف.
قوله: (لأنه شرط مخالف لحكم الشرع) لأن الشرع أطلق للقاضي إخراج
стр. 4380
فَصْلٌ: [وَإِذَا بَنَى مَسْجِدًا لَمْ يَزُلْ مِلْكُهُ عَنْهُ حَتَّى يَفْرِزَهُ عَنْ مِلْكِهِ]
(وَإِذَا بَنَى مَسْجِدًا لَم يَزُل مِلكُهُ عَنْهُ حَتَّى يَفْرِزَهُ عَنْ مِلْكِهِ بِطَرِيقِهِ وَيَأْذَنَ لِلنَّاسِ بِالصَّلَاةِ فِيهِ، فَإِذَا صَلَّى فِيهِ وَاحِدٌ زَالَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ عَنْ مِلْكِهِ) أَمَّا الْإِفْرَازُ: فَلِأَنَّهُ
مَا كان منهما دفعا للضرر عن الفقهاء، ولو شرط الولاية لرجل فالولاية له كما شرط بلا خلاف، وإن أراد الواقف إخراجه فله ذلك، وإن شرط: ليس له إخراج القيم بطل شرطه؛ لأنه مخالف لحكم الشرع إذا لقوا منه وكالة، وهي ليست بلازمة، ولو جعل الولاية إليه في حياته وبعد وفاته كان جائزا، وهو وكيل في حياته ووصي بعد وفاته.
فصل: وإذا بنى مسجدا لم يزل ملكه عنه حتى يفرزه عن ملكه
لما كانت أحكام هذا الفصل مخالفة لمسائل الوقف التي قبله في الشروط، في عدم اشتراط التسليم إلى المتولي عند محمد، ومنع الشيوع عند أبي يوسف، وخرجه عن ملك الواقف بلا حكم حاكم عند أبي حنيفة؛ ذكرها بفصل على حدة.
قوله: (ويأذن للناس بالصلاة فيه) ولا يشترط ذكر لفظ (وقفتُ) عندنا، وبه قال أحمد ومالك.
وقال الشافعي، وأحمد في رواية: لا يصير وقفًا إلا باللفظ، بأن قال: وقفته أو حبسته أو غير ذلك؛ لأن هذا تحبيس على وجه القربة، فلا يصح بدون اللفظ، كالوقف على الفقراء.
ولنا: أن العرف جار بذلك، وفيه دلالة على الوقف، فجاز أن يثبت بالإذن، وجرى ذلك مجرى من قدم طعاما إلى ضيفه كان إذنا في أكله، أو نثر كان إذنا في التقاطه، وكذا دخول الحمام واستعمال مائه بغير إذنه دليلا على وجوب الآخر، بخلاف الوقف على الفقراء، فلم تجر به عادة، حتى لو كان شيء جرت به العادة أو دلت الحال كان كمسألتنا.
قوله: (وزال عند أبي حنيفة عن ملكه)؛ أي بلا شرط قضاء، أو إضافة إلى ما بعد الموت، بخلاف سائر الأوقاف عنده.
стр. 4381
لَا يَخْلُصُ لِلَّهِ تَعَالَى إِلَّا بِهِ، وَأَمَّا الصَّلَاةُ فِيهِ: فَلِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ التَّسْلِيمِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّد، وَيُسْتَرَطُ تَسلِيمُ نَوعِهِ، وَذَلِكَ فِي المَسجِدِ بِالصَّلَاةِ فِيهِ، أَوْ لِأَنَّهُ لَمَّا تَعَذَّرَ القَبضُ فَقَامَ تَحَقُّقُ المَقصُودِ مَقَامَهُ، ثُمَّ يُكتَفَى بِصَلَاةِ الوَاحِدِ فِيهِ فِي رِوَايَة عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، وَكَذَا عَنْ مُحَمَّد؛ لِأَنَّ فِعلَ الجِنسِ مُتَعَذِّرٌ فَيُشْتَرَطُ أَدْنَاهُ.
والفرق له: أن في الوقف اجتمع لفظان: أحدهما: الوقف، والآخر: الصدقة؛ لأن الوقف يبتني على الحبس، كأنه قال: حبست العين على ملكي وتصدقت بالغلة على المساكين، ولو صرح بذلك لا يصح ما لو يوص بذلك؛ لأن التصدق بالغلة المعدومة لا يصح، فإذا أوصى به أو أضافه إلى ما بعد الموت يكون لازما بعد موته، وأما قوله: (جعلت أرضي مسجدا) فليس فيه ما يوجب البقاء على ملكه، فإذا أزاله إلى الله تعالى لا يكون له أن يرجع، كما لو أزال بالإعتاق. كذا في جامع قاضي خان.
(فلأنه لا بد من التسليم)؛ إذ التسليم شرط عندهما خلافا لأبي يوسف، و به قالت الأئمة الثلاثة.
قوله: (أو يشترط تسليم نوعه)؛ أي: يشترط تسليم كل شيء على ما يليق به، وذا في المسجد بالصلاة فيه، أو لأنه تعذر قبضه باعتبار أنه إسقاط ملكه بالاتفاق، كما في سائر الإسقاطات من العتاق والطلاق، ولأن القبض إنما يتحقق في الغلة في الأوقاف التي هي لازمة أقيم تحقق المقصود مقام القبض، وبقبض المتولي هل يصير مسجدًا من غير أن يصلي فيه أحد؟ اختلف المشايخ فيه. كذا في الذخيرة.
وفي المحيط: والأصح أن يصير مسجدًا بقبضه.
قوله: (أدناه)؛ أي: أدنى فعل الحبس هو صلاة الواحد؛ لتعذر فعل الكل، فناب الواحد عن الكل فيما هو حقهم.
وفي المبسوط: المسجد: موضع السجود، وقد حصل بصلاة الواحد بلا جماعة (١).
стр. 4382
وَعَنْ مُحَمَّد: أَنَّهُ يُشْتَرَطُ الصَّلَاةُ بِالجَمَاعَةِ؛ لِأَنَّ المَسجِدَ بُنِيَ لِذَلِكَ فِي الغَالِبِ (وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: يَزُولُ مِلكُهُ بِقَولِهِ: جَعَلتُهُ مَسجِدًا) (*) لِأَنَّ التَّسْلِيمَ عِندَهُ لَيسَ بِشَرط؛ لِأَنَّهُ إسقاط لِمِلكِ العَبدِ، فَيَصِيرُ خَالِصًا لِلَّهِ تَعَالَى بِسُقُوطِ حَقِّ العَبْدِ وَصَارَ كالإِعْتَاقِ، وَقَدْ بَيَّنَّاهُ مِنْ قَبْلُ.
قَالَ: (وَمَنْ جَعَلَ مَسْجِدًا تَحتَهُ سِردَابٌ أَوْ فَوقَهُ بَيْتٌ وَجَعَلَ بَابَ المَسْجِدِ إِلَى الطَّرِيقِ، وَعَزَلَهُ عَنْ مِلْكِهِ فَلَهُ أَنْ يَبِيعَهُ، وَإِنْ مَاتَ يُورَثُ عَنهُ)؛ لِأَنَّهُ لَم يَخْلُص لِلَّهِ
قوله: (وعن محمد: أنه يشترط الصلاة بالجماعة) وهي رواية عن أبي حنيفة، وهو الصحيح؛ لأن الظاهر أنه إنما ينبني لإقامة الصلوات بالجماعة، فلا يصير مسجدًا قبل حصول هذا المقصود، ولهذا يشترط أن تكون الجماعة بأذان وإقامة عندهما، حتى لو صلى جماعة بغير أذان وإقامة سرا لا يصير مسجدًا عندهما، فلو جعل للمسجد إمامًا ومؤذنا وهو واحد، فأذن وأقام وصلى وحده صار مسجدا بالاتفاق؛ لأن أداء الصلاة على هذا الوجه كالجماعة، ولهذا قالوا: لو صلى مؤذن مسجد بعد الأذان والإقامة؛ ليس لمن يجيء بعده أن يصلي بالجماعة في ذلك المسجد. ذكره في الذخيرة.
يبنى لذلك؛ أي: للصلاة بالجماعة في الغالب، وإلا جميع وجه الأرض موضع الصلاة في ديننا. كذا في المبسوط (١).
قوله: (لأن التسليم عنده)؛ أي: عند أبي يوسف (ليس بشرط) فلا يشترط الصلاة فيه، وبه قالت الأئمة الثلاثة.
قوله: (سرداب) في المغرب السرداب - بكسر السين -: تعريب سردابة، وهو بيت يتخذ تحت الأرض لتبريد الماء.
قوله: (فله أن يبيعه)؛ أي: لا يكون مسجدا لبقاء حق العبد متعلقا به، والمسجد ما يكون خالصا الله تعالى، قال الله تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ﴾ [الجن: ١٨] أضافها إليه مع أن جميع الأماكن له، فاقتضى ذلك ملك خلوص له، ومع بقاء حق العبد أسفله وأعلاه لا يتحقق الخلوص.
стр. 4383
تَعَالَى لِبَقَاءِ حَقِّ العَبْدِ مُتَعَلِّقًا بِهِ، وَلَو كَانَ السِّردَابُ لِمَصَالِحِ المَسجِدِ جَازَ كَمَا فِي مَسجِدِ بَيْتِ المَقْدِسِ. وَرَوَى الحَسَنُ عَنهُ أَنَّهُ قَالَ: إِذَا جَعَلَ السُّفَلَ مَسْجِدًا وَعَلَى ظَهْرِهِ مَسكَنٌ فَهُوَ مَسجِدٌ؛ لِأَنَّ المَسجِدَ مِمَّا يَتَأَبَّدُ، وَذَلِكَ يَتَحَقَّقُ فِي السُّفْلِ دُونَ العُلُوّ. وَعَنْ مُحَمَّد عَلَى عَكسِ هَذَا؛ لِأَنَّ المَسجِدَ مُعَظَّمٌ، وَإِذَا كَانَ فَوقَهُ مَسكَنُ أَوْ مُستَغَلُّ يَتَعَذَّرُ تَعظِيمُهُ.
وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ: أَنَّهُ جَوَّزَ فِي الوَجهَينِ حِينَ قَدِمَ بَعْدَادَ وَرَأَى ضِيقَ المَنَازِلِ فَكَأَنَّهُ اعْتَبَرَ الضَّرُورَةَ.
وَعَنْ مُحَمَّد: أَنَّهُ حِينَ دَخَلَ الرَّيَّ أَجَازَ ذَلِكَ كُلَّهُ لِمَا قُلْنَا.
أما إذا كان السفل مسجدًا فلأنّ لصاحب العلوّ حقا في السفل، حتى لا يكون لصاحب السفل أن يحدث فيه بناء من غير رضا صاحب العلو، أما إذا جعل العلو مسجدا فلأن أرض العلو ملك لصاحب السفل، بخلاف بيت المقدس؛ لأن ثمة السرداب ليس بمملوك لأحد، بل هو للعامة يكون الله تعالى ليس لغيره اختصاص به، أما لو كان السرداب مملوكا لا يتحقق الخلوص، فإذا لم يصر مسجدا كان له بيعه.
وعن بعض المشايخ: إن كان العلو مسجدًا والسفل حوانيت موقوفة على المسجد أو على القلب لا بأس؛ لأن الكل منقطع عن حقوق العباد، ولو كان تحته حوض العامة، اختلف فيه على قول من يجوز اتخاذ العلو مسجدًا.
قيل: لا يجوز قياسًا على الحوض الخاص.
وقيل: يجوز كما لو حفر بئرا مسجدًا للاستقاء.
والصحيح: أنه يجوز ذلك، إلا أنه إن سبق اتخاذ المسجد فهو مسجد، وإن سبق اتخاذ الحوض فالمسجد مستعار. كذا في جامع التمرتاشي وقاضي خان.
قوله: (وعلى ظهره)؛ أي: سطحه.
(روى الحسن عنه)؛ أي: عن أبي حنيفة.
قوله: (لما قلنا)؛ وهو الضرورة، وإنما أعاد ذكر قول محمد بهذا الطريق
стр. 4384
قَالَ: (وَكَذَلِكَ إِنْ اتَّخَذَ وَسَطَ دَارِهِ مَسجِدًا وَأَذِنَ لِلنَّاسِ بِالدُّخُولِ فِيهِ) يَعْنِي: لَهُ أَنْ يَبِيعَهُ وَيُورَثُ عَنهُ؛ لِأَنَّ المَسجِدَ مَا لَا يَكُونُ لِأَحَد فِيهِ حَقُّ المَنعِ، وَإِذَا كَانَ مِلكُهُ مُحِيطًا بِجَوَانِبِهِ كَانَ لَهُ حَقُّ المَنع فَلَم يَصِر مَسجِدًا، وَلِأَنَّهُ أَبْقَى الطَّرِيقَ لِنَفْسِهِ فَلَم يَخْلُصْ لِلَّهِ تَعَالَى (وَعَنْ مُحَمَّد: أَنَّهُ لَا يُبَاعُ وَلَا يُورَثُ وَلَا يُوهَبُ) اعْتَبَرَهُ مَسْجِدًا، وَهَكَذَا عَنْ أَبِي يُوسُفَ: أَنَّهُ يَصِيرُ مَسجِدًا؛ لِأَنَّهُ لَمَّا رَضِيَ بِكَونِهِ مَسْجِدًا وَلَا يَصِيرُ مَسْجِدًا إِلَّا بِالطَّرِيقِ دَخَلَ فِيهِ الطَّرِيقُ وَصَارَ مُستَحَقًّا كَمَا يَدْخُلُ فِي الْإِجَارَةِ مِنْ غَيرِ ذكر.
قَالَ: (وَمَنْ اتَّخَذَ أَرضَهُ مَسْجِدًا لَم يَكُنْ لَهُ أَنْ يَرجِعَ فِيهِ وَلَا يَبِيعَهُ وَلَا يُورَثُ عَنهُ) لِأَنَّهُ تَجَرَّدَ عَنْ حَقِّ العِبَادِ وَصَارَ خَالِصًا لِلَّهِ، وَهَذَا لِأَنَّ الْأَشْيَاءَ كُلَّهَا لِلَّهِ تَعَالَى، وَإِذَا أَسقَطَ العَبْدُ مَا ثَبَتَ لَهُ مِنْ الحَقِّ رَجَعَ إِلَى أَصْلِهِ فَانقَطَعَ تَصَرُّفُهُ عَنْهُ كَمَا في الإعتاق.
وَلَو خَرِبَ مَا حَولَ المَسجِدِ وَاسْتُغْنِيَ عَنهُ، يَبقَى مَسْجِدًا عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ، لِأَنَّهُ
ولم يقل عن أبي يوسف ومحمد، مع أن هذين القولين في الحكم عندهما سواء؛ ليتهيأ له ما ذكر لكل واحد من دخول مخصوص في مصر مخصوص، إذ في غير هذا اللفظ يلتبس الدخول في الإسناد، ولأنه ذكر زيادة التعميم بلفظ الكل في قول.
قوله: (وسط) (١) بسكون السين، إذ المراد غير معين، وهكذا مقيد بقيد العلامة مولانا حافظ الدين ﵀.
قوله: (فلم يخلص الله تعالى) وقال الإمام قاضي خان: حتى لو عزل بابه إلى الطريق الأعظم يصير مسجدًا.
قوله: (واستغني عنه) على بناء المفعول، أي: استغنى أهل المحلة عن الصلاة فيه.
يبقى مسجدا عند أبي يوسف وهو قول أبي حنيفة، وبه قال الشافعي ومالك.
стр. 4385
إسقاط مِنْهُ فَلَا يَعُودُ إِلَى مِلْكِهِ، وَعِنْدَ مُحَمَّد: يَعُودُ إِلَى مِلكِ البَانِي، أَوْ إِلَى وَارِثِهِ بَعدَ مَوتِهِ؛ لِأَنَّهُ عَيَّنَهُ لِنَوعِ قُربَة، وَقَدْ انقَطَعَت فَصَارَ كَحَصِيرِ المَسجِدِ وَحَشِيشِهِ إِذَا استُغنِيَ عَنهُ، إِلَّا أَنَّ أَبَا يُوسُفَ يَقُولُ فِي الحَصِيرِ وَالحَشِيشِ إِنَّهُ يُنقَلُ إِلَى مَسجِد آخر (*).
وقال أحمد: جاز نقضه وصرف آلته إلى مسجد آخر، وفي الدار الموقوفة جاز بيعها وصرف ثمنها إلى وقف آخر عند أحمد؛ لأن الوقف مؤبد، فإذا لم يكن تأبيده على وجه تخصيصه؛ استبقينا الغرض وهو الانتفاع على الدوام في عين آخر بالاستبدال، وبدل الشيء يقوم مقامه.
واستدل في المسجد بما روي أن عمر ﵁ كتب إلى سعد لما بلغه أنه نقب بيت المال الذي بالكوفة: أن انقل المسجد الذي بالتمارين، واجعل بيت المال في قبلة المسجد، وكان هذا بمحضر الصحابة، ولم يظهر خلافه، فكان إجماعًا.
وعند محمد: يعود إلى ملك الواقف، قيل: في الحقيقة هذه المسألة مبنية على أن الصلاة فيه هل هي شرط لصيرورته مسجدًا في الابتداء؟ فعند محمد: شرط في الابتداء وكذا في الانتهاء، وعند أبي يوسف: ليس بشرط في الابتداء فكذا في الانتهاء.
حكي أن محمد مر بمزبلة، فقال: هذا مسجد أبي يوسف، وأبو يوسف مر بإصطبل، فقال: هذا مسجد محمد؛ لأنه لما عاد إلى ملك الواقف ربما يجعله إصطبلا بمرور الزمان، وصار كحشيش المسجد، وكذا قنديله إذا خرب المسجد يعود إلى ملك متخذه، وكما لو كفن ميتا فافترسه السبع عاد إلى ملك مالكه، وكالمحصر إذا بعث الهدي ثم زال الإحصار فأدرك الحج كان له أن يصنع بهديه ما شاء.
واستدل أبو يوسف بالكعبة، فإن زمان الفترة قد كان حولها عبدة الأصنام، ولم يخرج موضع الكعبة به من أن تكون موضع الطاعة والقربة خالصا لله تعالى، فكذلك في سائر المساجد، وأما هدي الإحصار فلم يزل ملكه قبل الذبح، وكلامنا فيما إذا زال، وكذلك الكفن ليس بإزالة العين عن ملكه، بل هو تبرع
стр. 4386
قَالَ: (وَمَنْ بَنَى سِقَايَة لِلمُسلِمِينَ أَوْ خَانًا يَسكُنُهُ بَنُو السَّبِيلِ أَوْ رِبَاطًا أَوْ جَعَلَ أَرضَهُ مَقبَرَة، لَم يَزُل مِلكُهُ عَنْ ذَلِكَ حَتَّى يَحكُمَ بِهِ الحَاكِمُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ)؛ لِأَنَّهُ لَم يَنقَطِع عَنْ حَقِّ العَبدِ؛ أَلَا تَرَى أَنَّ لَهُ أَنْ يَنتَفِعَ بِهِ فَيَسكُنَ فِي الخَانِ وَيَنزِلَ فِي الرِّبَاطِ وَيَشْرَبَ مِنْ السِّقَايَةِ، وَيُدفَنَ فِي المَقبَرَةِ، فَيُشتَرَطُ حُكمُ الحَاكِمِ أَوْ الإِضَافَةُ إِلَى مَا بعدَ المَوتِ كَمَا فِي الوَقفِ عَلَى الفُقَرَاءِ، بِخِلَافِ المَسْجِدِ؛ لِأَنَّهُ لَم يَبْقَ لَهُ حَقُّ الانتِفَاعِ بِهِ فَخَلَصَ لِلَّهِ تَعَالَى مِنْ غَيْرِ حُكمِ الحَاكِمِ وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ: يَزُولُ مِلكُهُ بِالقَولِ كَمَا هُوَ أَصلُهُ، إذ التَّسْلِيمُ عِندَهُ لَيْسَ بِشَرط وَالوَقفُ لَازِمٌ.
(وَعِنْدَ مُحَمَّد: إِذَا اسْتَقَى النَّاسُ مِنْ السِّقَايَةِ وَسَكَنُوا الخَانَ وَالرِّبَاطَ وَدُفِنُوا فِي المَقبَرَةِ زَالَ المِلكُ) (**)؛ لِأَنَّ التَّسْلِيمَ عِندَهُ شَرطٌ وَالشَّرطُ تَسْلِيمُ نَوعِهِ، وَذَلِكَ بِمَا ذَكَرنَاهُ. وَيُكتَفَى بِالوَاحِدِ لِتَعَذُّرِ فِعلِ الجِنسِ كُلِّهِ، وَعَلَى هَذَا البِئرُ المَوقُوفَةُ وَالحَوضُ، وَلَو سُلَّمَ إِلَى المُتَوَلِّي صَحَّ التَّسْلِيمُ فِي هَذِهِ الوُجُوهِ كُلِّهَا؛ لِأَنَّهُ نَائِبٌ عَنْ
بالمنفعة لحاجة الميت، فصار كالعارية حال حياته، وقد وقع الاستغناء للمستعير، فيعود إلى المعير، وأما الحصير والقنديل، فالصحيح من مذهب أبي يوسف: أنه لا يعود إلى ملك متخذه، بل يحول إلى مسجد آخر، أو يبيعه قيم المسجد للمسجد. كذا في المبسوط والذخيرة والمحيط.
ولأنه ما جعلها مسجدًا ليصلي فيه أهل هذه المحلة لا غير، بل يصلي فيه العامة، فيكون للعامة حق الصلاة في المساجد.
وأما استدلال أحمد بما كتب عمر ﵁ لا يفيده؛ لأنه يمكن أن أمره باتخاذ بيت المال في المسجد وتوسعة المسجد، واستدلاله بالانتفاع بالاستبدلال مخالف للحديث المشهور.
قوله: (بخلاف المسجد)؛ أي: لا يشترط فيه حكم الحاكم والإضافة إلى الموت لما ذكرنا.
قوله: (وعند أبي يوسف: يزول ملكه بالقول) وبه قالت الأئمة الثلاثة، وقد مر.
стр. 4387
المَوقُوفِ عَلَيْهِ، وَفِعلُ النَّائِبِ كَفِعلِ المَنُوبِ عَنهُ، وَأَمَّا فِي المَسْجِدِ فَقَدْ قِيلَ: لَا يَكُونُ تَسْلِيمًا؛ لِأَنَّهُ لَا تَدبِيرَ لِلمُتَوَلِّي فِيهِ، وَقِيلَ: يَكُونُ تَسْلِيمًا؛ لِأَنَّهُ يَحتَاجُ إِلَى مَنْ يَكنُسُهُ وَيُعْلِقُ بَابَهُ، فَإِذَا سُلِّمَ إِلَيْهِ صَحَّ التَّسْلِيمُ، وَالمَقبَرَةُ فِي هَذَا بِمَنزِلَةِ المَسْجِدِ عَلَى مَا قِيلَ؛ لِأَنَّهُ لَا مُتَوَلِّيَ لَهُ عُرفًا. وَقِيلَ: هِيَ بِمَنزِلَةِ السِّقَايَةِ وَالخَانِ فَيَصِحُ التَّسْلِيمُ إِلَى المُتَوَلِّي؛ لِأَنَّهُ لَو نُصْبَ المُتَوَلِّي يَصِحُ، وَإِنْ كَانَ بِخِلَافِ العَادَةِ، وَلَو جَعَلَ دَارًا لَهُ بِمَكَّةَ سُكنَى لِحَاجِّ بَيتِ اللَّهِ وَالمُعتَمِرِينَ، أَوْ جَعَلَ دَارَهُ فِي غَيْرِ مَكَّةَ سُكَنَى لِلمَسَاكِينِ، أَوْ جَعَلَهَا فِي ثَعْر مِنْ الثُغُورِ سُكَنَى لِلغُزَاةِ وَالمُرَابِطِينَ. أَوْ جَعَلَ غَلَّةَ أَرْضِهِ لِلغُزَاةِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى وَدَفَعَ ذَلِكَ إِلَى مُتَوَلٌ يَقُومُ عَلَيْهِ فَهُوَ جَائِزٌ، وَلَا رُجُوعَ فِيهِ لِمَا بَيَّنَّا إِلَّا أَنَّ الغَلَّةَ تَحِلُّ لِلفُقَرَاءِ دُونَ الأَغْنِيَاءِ، وَفِيمَا سِوَاهُ مِنْ سُكَنَى الخَانِ وَالِاسْتِقَاءِ مِنْ البِحْرِ وَالسِّقَايَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ يَسْتَوِي فِيهِ الغَنِيُّ وَالفَقِيرُ، وَالفَارِقُ هُوَ العُرفُ فِي الفَصْلَينِ. فَإِنَّ أَهْلَ العُرفِ يُرِيدُونَ بِذَلِكَ فِي الغَلَّةِ الفُقَرَاءَ، وَفِي غَيْرِهَا التَّسْوِيَةَ بَينَهُم وَبَينَ الأَغْنِيَاءِ، وَلِأَنَّ الحَاجَةَ تَشْمَلُ الغَنِيَّ وَالفَقِيرَ فِي الشُّرْبِ وَالنُّزُولِ.
قوله: (في هذه الوجوه)؛ أي السقاية والخان، والرباط، والمقبرة، والكنيس من حد ضرب.
والحاج: اسم جمع بمعنى الحجاج والمرابط من يقوم في الثغر بإزاء العدو، ويقال: رابط الجيش أقام في الثغر بإزاء العدو مرابطة ورباطا. كذا في الصحاح (١)، والمغرب.
قوله: (ولا رجوع فيها)؛ أي: في الخان والرباط والمقبرة والدار والمسبل، وبه قالت الأئمة.
وقال أبو حنيفة: لصاحبه أن ير- يرجع في هذا كله ويبطل ما صنع من الصدقة والمقبرة والخان والسقاية، إلا أن يحكم به الحاكم. وروى الحسن عن أبي حنيفة أنه قال: لا رجوع في المقبرة بعد الدفن في موضع دفن فيه، وقيما بقي يرجع.
стр. 4388
وَالغَنِيُّ لَا يَحتَاجُ إِلَى صَرفِ هَذِهِ الغَلَّةِ لِغِنَاهُ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
وفي الكفاية: إذا رجع في المقبرة عند أبي حنيفة لم ينبشها ويبتني ويزرع هكذا؛ لأن النبش حرام. وقيل: الفتوى في ذلك على قولهما للبلوى والتعارف؛ ألا ترى أنه بقي آثار الماضين في هذه الوجوه.
قوله: (لغناه)؛ أي: لغنى الغني، فإنه مستغن بمال نفسه عن صدقة غيره، أما ما لا يُستغنى عن الخان للنزول، وعن المقبرة للدفن، وعن الماء للشرب منه، إذ لا يقدر كل أحد أن يشتري في كل منزل موضعًا، وربما لا يجد ولا يستصحب الماء مع نفسه في كل مكان، بخلاف المال، فعمت الحاجة للغني والفقير.
وفي فتاوى الظهيرية: سئل الحلواني عن أوقاف المسجد إذا تعطلت وتعذر استغلالها، هل للمتولي أن يبيعها ويشتري مكانها أخرى؟ قال: نعم، وبه قال أحمد، وقال: يجوز قبل أن تتعطل، ولكن يأخذ ثمنها ما هو خير منها، ومن المشايخ من لم يُجَوِّزُ بيع الوقف، تعطل أو لم يتعطل، وبه قال الشافعي ومالك، وكذا لم يجوز الاستبدال بما هو خير منها، وهكذا حكى فتوى شمس الأئمة.
وقال أبو يوسف: يجوز الاستبدال، وروى هشام عن محمد أنه قال: إذا صار الوقف بحيث لا ينتفع به المساكين، فللقاضي أن يبيعه ويشتري بثمنه غيره، ولو سكن دار الوقف بغير أجرة بإذن المتولي، أو بغير إذنه؛ يجب عليه أجر المثل، سواء كانت معدة للاستغلال أو لا، وعليه الفتوى.
وفي الأجناس: حانوت هو وقف صحيح احترق، يبطل الوقف ويصير ميراثًا. ولو بنى رجل على هذه الأرض فالبناء للباني، وأصل الوقف لورثة الواقف عند محمد.
وفي فتاوى العصر: للقيم أن يبيع ترابًا من كردة مسبلة إذا كان فيه مصلحة.
وفي القنية: قال تاج الدين: مبادلة دار الوقف بدار أخرى إنما يجوز إذا كانتا في محلة واحدة، أو تكون محلة المملوكة خيرا من محلة الموقوفة، وعلى عكسه لا يجوز، وإن كانت المملوكة أكثر مساحة وقيمة وأجرة؛ لاحتمال خرابها في أدون المحلتين لدناءتها وقلة رغبات الناس إليها.
стр. 4389
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ولو قال: داري هذه موقوفة مسبلة على مصالح مسجد كذا بعد موتي؛ صح وله الرجوع. كذا في المحيط؛ لأن الوقف بعد الموت وصية فيصح الرجوع عن الوصية.
ولو فضل شيء من وقف المسجد لا يحتاج فيه إلى العمارة؛ يجوز للمتولي أن يشتري به عقارًا بإذن القاضي، ويصرف على المسجد، وبه قال الشافعي في قول وأحمد.
وقال بعض أصحاب الشافعي: يكون محفوظًا للمسجد، ولو وقف على عمارة المسجد جاز أن يصرف إلى قوّامه ودهنه وقناديله وحصيره وبواريه بلا خلاف؛ لأن الكل من العمارة، والله أعلم.
стр. 4390
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
كِتَابُ البُيُوعِ
كتاب البيوع
قد ذكر في الأصل أن المشروعات أربعة أنواع: حقوق الله تعالى، وحقوق العباد، وما اجتمع فيه الحقان وحق الله تعالى غالب، وما اجتمع فيه حقان وحق العباد غالب، أما حقوق الله تعالى فعبادات وعقوبات، وأما حقوق العباد فكثيرة، فقدم المصنف حقوق الله تعالى بأنواعها وشرع في حقوق العباد، والبيع منه.
وفي البدرية: المشروعات أربعة أنواع: عبادات، وعقوبات، وكفارات، ومعاملات، ثم قدم المصنف العبادات والعقوبات وما هو من جهة العبادات وشرع في المعاملات، وقدم النكاح على البيع وإن كان من المعاملات؛ لأنه سبب وجود المكلف والبيع سبب بقائه، والوجود مقدم على البقاء، وقدم البيع على سائر المعاملات؛ لأنه أكثر وقوعا، ولأنه يحتاج فيه الغني والفقير والصغير والكبير والشريف والحقير.
ثم المناسبة الخاصة بين الوقف والبيع: هو أن في الوقف إزالة الموقوف عن ملك الواقف بعد انقضائه أو قبله، وفي البيع إزالة المبيع عن ملك البائع مع إدخاله في ملك المشتري، فكان البيع مركبا عن معنى الوقف وغيره، والوقف كالمفرد، والمركب بعد المفرد، فلهذا ذكره بعده.
ثم اعلم: أن البيوع جمع بيع، مصدر بمعنى المبيع، كضرب الأمير، والمبيع أجناس مختلفة، فجمع المصدر أو جمع للمصدر لاختلاف أنواعه.
قال فخر الإسلام: البيع لغة: عبارة عن مبادلة مال بمال، وكذا في الشرع،
стр. 4391
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لكن زيد فيه قيد التراضي. وقيل: لا بد فيه من قيد آخر وهو على وجه التمليك. وفي الحقيقة لا يحتاج إليه؛ لأن جهة التمليك تفهم من المبادلة.
ثم لفظ البيع من الأضداد، يقال: باع الشيء إذا شراه واشتراه، وتعدى إلى المفعول الثاني، وبحرف الجر يقال: باعه الشيء وباعه [منه] (١)، ولفظ الشراء والاشتراء والابتياع لغة يقع على فعل المشتري والبائع على سبيل الاشتراء، قال تعالى: ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنِ بَخْسٍ﴾ [يوسف: ٢٠] أي: باعوه، إلا أن في عرف الفقهاء اختص لفظ البيع بالبائع، ولفظ الشراء والاشتراء والابتياع بالمشتري، وإنما جعل هكذا؛ لأن الشعبة بناء على الثلاثي (٢)، وفعل المشتري مبني على فعل البائع.
ثم الدليل على مشروعيته الكتاب والسنة والإجماع والدليل المعقول: أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة: ٢٧٥]، وقوله تعالى: ﴿لَا تَأْكُلُوا﴾ إلى قوله: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضِ مِّنكُمْ﴾ [النساء: ٢٩].
وأما السنة: فما روي أنه ﵇ قال: «يا مَعْشَرَ التُّجَّارِ إِنَّ بيعَكُم هذا يَحْضُرُهُ اللغوُ والكَذِبُ، فَشُوبُوهُ بالصَّدَقة» (٣) وقوله ﵇: «المتبايعان بالخيار» (٤) الحديث، وكذا بعث النبي ﵇ والناس يتبايعون، فقررهم على ذلك، والتقرير أحد وجوه السنة.
وأما الإجماع: فانعقد من لدن رسول الله إلى يومنا هذا على جوازه.
وأما المعقول: فلأن البيع سبب لبقاء المحتاجين بأحسن وجوه المعاملة؛ إذ كل واحد من الرجال والنساء يحتاج الأخذ والعطاء، ولا يتيسر الإعطاء بلا عوض إلا لمن هو الغني المطلق وهو الله تعالى، مع أن في عقد المعاوضة صيانة عن تحمل أعباء منة الغير؛ إذ في الإعطاء بلا عوض إدخال حرّ
стр. 4392
قَالَ: (البَيعُ يَنعَقِدُ بِالإِيجَابِ وَالقَبُولِ إِذَا كَانَا بِلَفظَي المَاضِي) مِثْلَ: أَنْ يَقُولَ أَحَدُهُمَا: بِعتُ، …
مثله تحت رق إحسانه، كما نقل (الإنسان عبد الإحسان) ومن أراد الإحسان فهو يتحقق في ضمن عقد المفاوضة، كما حكي عن أبي العباس أنه كان يتاجر الفقراء، فكان يشتري منهم ما يساوي درهما بعشرة وزيادة؛ كيلا يرى الفقير نفسه تحت منته التي توجب الرق، فكان هو أحسن وجوه الإحسان مع كونه معاوضة.
وسبب مشروعيته: تعلق بقاء المقدور بتعاطيه؛ إذ قيام مصالح المعيشة والبقاء بالمال، فشرع تعالى اكتساب المال وهو التجارة عن تراض؛ لما في التغالب من الفساد.
وركنه: الإيجاب والقبول.
وشرطه: يذكر في أثناء المسائل.
وحكمه: الملك وضعًا وقصدًا، وأن الأثر الثابت به من وجوب الاستبراء وثبوت الشفعة وملك المتعة والعتق في القريب وغيرها كثيرًا، لكن وضع للملك وقصد به الملك.
وله أنواع: بيع العين بالعين، وبيع العين بالدين، وبيع المساومة، وبيع المرابحة، والتولية، وبيع المعاوضة، وهو ضد المرابحة.
قوله: (قال)؛ أي: قال صاحب القدوري أو محمد (البيع ينعقد) المراد بالبيع هنا: المعنى الشرعي الذي يثبت في المحل ويترتب عليه الأحكام، واللفظان آلة انعقاد ذلك المعنى، ودخول الباء يدل عليه. كذا في الفوائد الظهيرية.
والإيجاب: الإثبات لغة، وهو المراد هنا لا المصطلح، يعني قوله: (بعت) في حيز الجواز، فالبائع أثبت ذلك، وكذا القبول أيضًا في حيز الجواز، فينبغي أن يقال له: الإيجاب أيضًا، إلا أن المشتري قَبِلَ ما أوجد البائع؛ فسُمِّي قبولًا لأجل التمييز بين إثبات البائع وقبوله. كذا في الكافي.
وفي المستصفى: البيع عبارة عن أثر شرعي يظهر في المحل عند الإيجاب والقبول، حتى يكون العاقد قادرًا على التصرف. إليه أشار بقوله: (ينعقد بكذا).
стр. 4393
وَالآخَرُ: اشْتَرَيْتُ؛ لِأَنَّ البَيعَ إِنشَاءُ تَصَرُّف، وَالإِنشَاءُ يُعرَفُ بِالشَّرِعِ وَالمَوضُوعُ
حيث لم يقل البيع هذا اللفظان.
والانعقاد لغة: مطاوعة العقد، وهو ربط أحد طرفي الحبل بالآخر.
وشرعا: انضمام كلام أحد العاقدين بالآخر.
ثم البيع لا ينعقد إلا بصدور ركنه؛ من أهله في محله، قابل لحكم كسائر عقود الشرعية، وهذا كما في الحسنات، فإنه يحتاج في اتخاذ السرير إلى النجار، وهو مثل العاقد فيما نحن فيه، وإلى الآلة، وهي مثل قوله: بعت أو اشتريت، وإلى النجز، وهو مثل إخراج هذا القول على سبيل الإنشاء، وإلى المحل وهو المبيع.
وهذا معنى قول الحكماء: أن العلة على أربعة أقسام: فاعلية كالنجار، وآلته كالفأس، وحالية كالنجر، ومحلية كالخشب، وهذا يخرج مسائل البيوع من العقود عند دخول المفسد من حيث الأهل، ومن حيث المحل أو غيره، فشرط البيع أن يكون العاقد مميزا، والآلة أن تكون بلفظ الماضي، والمحل أن يكون مقدور التسليم.
وعند الشافعي: الشرط أن يكون العاقد عاقلا بالغا مختارا، حتى لا يصح بيع الصبي والمجنون والمكره عنده؛ لعدم القصد الصحيح والرضا، وعندنا ينعقد ولكن يتوقف على إجازة الولي والمكره، وبقولنا: قال أحمد، وتمامه يعرف في الأصول.
قوله: (والإنشاء يعرف بالشرع): الإنشاء عبارة عن إيجاد ما لم يكن، وليس للعبد ذلك بقوله تعالى: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ [الأعراف: ٥٤] وتقديم الجار والمجرور فيها يدل على الحصر، كما في قول المصلي: ربنا لك الحمد، فقد حصر الخلق لله تعالى، وللعبد ولاية الإخبار وهو أن يتلفظ بلفظ دال على أمر كائن أو غير كائن، سواء كانت كينونته مضافا إليه أم لا، فكان له ولاية الإخبار لا الإيجاد، وإنما جعل إخباره إنشاء شرعًا لحاجته إليه؛ لأن واضع اللغة ما وضع الإنشاء لفظًا خاصًا، فكان إخباره بمنزلة الإنشاء؛ لما أن الوجود لازم للخبر بقضية الحكم عقلا وشرعًا، ليكون الكلام صحيحًا وصدقًا، نحو أن
стр. 4394
لِلإِخبَارِ قَدْ استُعمِلَ فِيهِ فَيَنعَقِدُ بِهِ. وَلَا يَنعَقِدُ بِلَفظَينِ أَحَدُهُمَا لَفظُ المُستَقْبَلِ … ... … .
يقول: بعت واشتريت، وكذا الخبر كل لفظ يؤدي معناهما بلفظ الماضي؛ لأنه إذا كان اللفظ بصيغة الاستقبال أو الأمر لا ينعقد بأن قال: أبيعك، أو قال المشتري: بعني؛ لأن الوجود ليس بلازم والوعد يكون مساومة وطلبا للبيع والشراء، فلا يتم إلا بلفظ يدل على الوجود، بخلاف النكاح؛ فإنه ينعقد بلفظ المستقبل استحساناً، بأن قال: زوّجني، فقال الولي: زوجتك لأن المساومة لا تتحقق في باب النكاح، فحملنا اللفظ على الإيجاب. كذا في شرح القدوري والإيضاح.
وقد نص محمد في الأصل قال: هذا كلام الناس وليس بقياس.
وفي المبسوط: أن النكاح يتقدمه خطبة عادة، فقوله: زوجتني نفسك في مجلس العقد لا يجعل خطبة؛ لأن الخطبة قد تقدمته فيجعل إحدى شطري العقد، فأما البيع فقد يقع بغتة من غير تقدم استيام (١)، ولأن قوله: زوجني تقويم للعقد إليها، فيجعل قولها: زَوَّجتُ عقدًا؛ لأن كلام الواحد يصلح للعقد من الجانبين في النكاح إذا كان مأمورا به، وهذا معنى قوله: (بخلاف النكاح).
قوله: (ولا ينعقد بلفظين أحدهما لفظ المستقبل) هذا إذا لم يكن مع نية البيع، أما إذا كان مع النية فينعقد، وإن كانا بلفظ الاستقبال أو أحدهما؛ لأن صيغة الاستقبال تحتمل الحال، فخصت بالنية فيه. كذا في تحفة الفقهاء (٢)، والقنية، وشرح الطحاوي؛ لأن المضارع في الأصل موضوع للحال، ووقوعه في الاستقبال ضرب تَجَوُّز.
وقيل: إنما اختار لفظ الماضي؛ لأن الفاعل في الماضي فاعل في الحال، يقال: من هو البائع، يقال: هذا، والفاعل لا يسمى فاعلا في الحال، فالأولى أن يجعل الماضي معبرا عن الحال، وفيه نوع تأمل.
وقيل: هذا القول عقدا يلجئني إلى القول، فيكون إخبارًا عن الماضي المفضي إلى إرادة اللفظ، فيكون ملزوما لثبوت حكم البيع، سالمًا عن توهم
стр. 4395
وَالْآخَرُ لَفظُ المَاضِي بِخِلَافِ النِّكَاحِ، وَقَدْ مَرَّ الفَرقُ هُنَاكَ.
التلجئة واللغو والمجاز، وفيه نوع تأمل أيضًا.
وفي شرح قاضي خان: ولا ينعقد البيع بالمستقبلين، أو مستقبل أو ماض، كقولك: بعني، فيقول البائع: بعتك، أو أبيع؛ لأن المستقبل عدة أو توكيل، فلا يوجد شطر العقد كالاستفهام، بخلاف النكاح.
وقال الشافعي: لا فرق بين البيع والنكاح.
وفي شرح الوجيز: لو قال: بعني، فقال البائع: بعتك، ينظر؛ إن قال بعد ذلك: اشتريت أو قبلت؛ ينعقد البيع لا محالة بالإجماع، وإن لم يقل: فقولان: في قول: لا ينعقد، وبه قال أبو حنيفة والمزني وأحمد في رواية. وفي قول: ينعقد البيع لا محالة، وبه قال مالك وأحمد في رواية؛ لأن المقصود وجود لفظ دال على الرضا بموجب العقد، والاستدعاء الجازم دليل عليه، والكلام فيما إذا وجد ذلك، والنكاح ينعقد به باتفاق الأئمة (١).
وقلنا: الفرق بين البيع والنكاح من ثلاثة أوجه:
أحدها: أن مجلس العقد في النكاح يكون بعد تأمل طويل ومشورة كثيرة، فأي لفظ وجد يكون قبولا، بخلاف البيع؛ لأنه يقع بغتة، وقد ذكرناه بتمامه من المبسوط.
والثاني: أن رد النكاح [بعد] (٢) إيجابه يلحق الشين بالأولياء، ورد البيع ليس بشين.
والثالث: أن المأمور في النكاح يصير وكيلا في الخاطب وليًا أو أصيلًا من جانبه، والواحد يتولى طرفي العقد في النكاح، ولأن النكاح لا تحضره المساومة عادة، فألفاظه كلها إيجاب، بخلاف البيع. إليه أشير في شرح قاضي خان.
(وقد مر الفرق هناك)؛ أي: في النكاح، وهو قوله: (والواحد يتولى طرفي النكاح).
وفي الكافي: خلاف الشافعي فيما إذا لم يكن من القائل نية البيع في لفظ
стр. 4396
وَقَولُهُ: رَضِيت بِكَذَا أَوْ أَعطَيتُكَ بِكَذَا أَوْ خُذهُ بِكَذَا فِي مَعْنَى قَولِهِ: بِعتُ وَاشْتَرَيتُ؛ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي مَعْنَاهُ، وَالمَعنَى هُوَ المُعتَبَرُ فِي هَذِهِ العُقُودِ، وَلِهَذَا يَنعَقِدُ بِالتَّعَاطِي فِي النَّفِيسِ وَالخَسِيسِ … ...
المستقبل، أما إذا كان ينعقد بلا خلاف كما ذكرنا.
قوله: (أو خذ هذا بكذا) وكذا قوله لك: هذا بكذا، وكذا لو قال المشتري: رضيت أو قبلت أو أجزت أو أخذت وما أشبه ذلك، ولا فرق بين أن يكون البادي البائع أو المشتري.
(لأنه)؛ أي: قوله: (رضيت) إلى آخره (يؤدي معناه)؛ أي: معنى قوله: بعتُ واشتريتُ، فإن الإعطاء والرضا يتضمن معنى البيع، وكذا الأمر بالأخذ بالبدل يستدعي سبق البيع في هذه العقود أي: العقود التمليكية، فكل لفظ يدل على معنى المبادلة بالرضا ينعقد به البيع ولا خلاف للأئمة الأربعة فيه، ولا يلزم على أصحابنا شركة المفاوضة؛ فإنهم قالوا: إنها تنعقد بلفظة المعاوضة فقط؛ لأن عقد المعاوضة لما اشتمل على شروط لا يهتدي إلى استيفائها العوام في معاملاتهم؛ اشترط اللفظ الخاص بها، حتى لو كانا عالمين بشروطهما فعقدوا شركة المفاوضة بلفظ آخر، مع استيفاء الشروط صح. كذا في شرح المجمع.
وبقوله: (في هذه العقود) احتراز عن الطلاق والعتاق، فإن اللفظ فيهما يقام مقام المعنى.
(ولهذا)؛ أي: ولأن الاعتبار للمعنى ينعقد البيع بالتعاطي في النفيس والخسيس، والخسيس: ما تكون قيمته دون نصاب السرقة والنفيس ما يكون قيمته مثله أو فوقه، والمشهور من مذهب الشافعي أن البيع لا ينعقد بالتعاطي؛ لأن الأفعال لا دلالة لها بالوضع على قصود الناس.
وقال مالك: ينعقد البيع بكل ما يعده الناس بيعا، وبه قال بعض أصحاب الشافعي، وذلك مثل لفظ الأخذ والإعطاء بكذا كما ذكرنا.
وفي حلية المؤمن: وهذا هو الاختيار وعليه العمل في بلاد الإسلام.
стр. 4397
هُوَ الصَّحِيحُ لِتَحَقُّقِ المُرَاضَاةِ.
وفي تتمتهم: وهو المختار للفتوى؛ لأن المقصود المبادلة بالرضا، فمتى حصل يثبت حكم البيع بأي شيء حصل؛ لأنه لم يصح في الشرع اشتراط لفظ، فوجب الرجوع إلى العرف. هكذا قاله النواوي.
قوله: (هو الصحيح) احتراز عن قول الكرخي، فإن عنده لا يجوز البيع بالتعاطي إلا في الأشياء الخسيسة، أي: المحقرة، مثل: البقل، والرطل من الخبز، والبيض استحسانا للعادة؛ إذ القياس ألا ينعقد بالفعل؛ لأنه لا دلالة له على المقصود، وبه قال أحمد، وكذا خصه القدوري بالمستحقرة، ومما جرت العادة.
وفي الإيضاح: هذا خلاف ما ذكر محمد في الأصل في مواضع.
وفي المجتبى: انعقاد البيع يكون بالألفاظ وبالتعاطي أيضًا، أما الألفاظ، فينعقد بكل لفظين ينبئان عن معنى التمليك والتملك بصيغة الماضي أو الحال، دون الأمر والمستقبل، فينعقد بلفظ البيع وما قام مقامه كما ذكرنا.
وفي جمع النوازل: قال: أبعتني عبدك بألف؟ باستفهام، فقال: نعم؛ فقال: أخذته، فهذا بيع لازم وقوله: أبعتك، كقوله: بعت.
وفي شرح الإسبيجابي: لو قال: أبيع منك هذا، أو أبدله، أو أعطيتكه؛ فقال: اشتريته بكذا، أو أخذته، ونويا الإيجاب للحال ينعقد البيع.
وفي فتاوى قاضي خان: قال: اشتريته منك بألف؛ فقال: فعلت [أو نعم، أو هات الثمن صح البيع ولو قال: هذا عليك بألف] (١) فبيع.
وفي النوازل: لو أضاف البيع إلى ما لو أضاف إليه العتق يصح صح البيع، كالوجه والرأس والفرج. قال: اشتريته منك بكذا، فتصدق به على هؤلاء، أو اقطعه لي قميصا، ففعل في المجلس صح، وإلا فلا، وكذا الإقالة.
وعن الإمام السرخسي: لو قال (اين بجارية راار من خريدي بجنديني) فقال (خريدم ولم يقل هو فروخم) صح؛ لأن معناه (خريدي كه من قروحم).
وفي المحيط: سماع المتعاقدين الإيجاب والقبول شرط للانعقاد، ولو
стр. 4398
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
سمع أهل المجلس، وقال البائع: لم أسمعه وليس به وقر لم يصدق. ولو قال: خذ هذا الثوب بعشرة، فقال: أخذت، أو قال: كل هذا الطعام بدرهم لي عليك؛ تم البيع وأكله حلال، والأكل والركوب واللبس بعد قول البائع بعت رضا بالبيع. ولو قال وهبتك ووهبت لك هذه الدار وهذا العبد بثوبك هذا؛ فبيع بالإجماع. ولو قال: إن أديت ثمنه فقد بعته منك، فأداه في المجلس صح استحسانا. ولو قال: هو لك بكذا إن وافقك، أو قال: أعجبك، أو إن أردت، فقال: وافقني أو أعجبني أو أردت جاز.
وفي جمع النوازل: قال: اذهب بهذه السلعة وانظر إليها اليوم، فإن رضيتها فهي لك بألف، فذهب به جاز، وكذا إن قال: إن رضيتها اليوم، وهذا تفسير البيع بالخيار إلى الليل. قال: بعتكه بألف فقبض، ولم يقل شيئًا، أو قال وهو حر، فقبول وعتق بخلاف قوله: وهو حرّ. ولو قال: بعتكه بكذا بعد جري مقدمات البيع، فقال: اشتريت ولم يقل منك، أو على العكس صح.
ولو قال: اشتريته بكذا، فقال: هو لك أو عبدك؛ قيل: يجوز. وقال: بعته من فلان الغائب، فحضر الغائب في المجلس وقال اشتريت؛ صح. ولو قال لرسوله فبلغه فقال: اشتريت صح، فالواحد لا يتولى طرفي العقد إلا الأب، يشتري مال ولده الصغير لنفسه، أو الوصي مال اليتيم لنفسه، أو القاضي بأمره، أو العبد نفسه من مولاه بأمره.
أما التعاطي فهو لو قال لقصاب: زِنْ منوين من اللحم بدرهم، فوزن ودفعه وأخذ الدرهم يجوز. ولو قال: زن من هذا اللحم ثلاثة أرطال فوزن؛ فالمشتري بالخيار إذا قطعه؛ لأنه ليس بمعلوم، وإن أخذه فلا. ولو قال: زن لي من هذا الجنب أو الرجل، والمسألة بحالها؛ فلا خيار له. وكذا لو قال: زن لي ما عندك من اللحم على حساب ثلاثة أرطال بدرهم جاز ولا خيار له.
وفي أجناس الناطفي: ولو قال: بكم تبيع قفيز حنطة، فقال: بدرهم، فقال: اعزله فعزله فهو بيع، وكذا لو قال مثله للقصاب فوزنه وهو ساكت فهو بيع، حتى لو امتنع من دفع الثمن وأخذ اللحم، أو امتنع القصاب من دفع اللحم أجبرهما القاضي عليه، ونص محمد أن بيع التعاطي كما يثبت بقبض البدلين
стр. 4399
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
يثبت بقبض أحدهما.
وقال صدر القضاة وغيره: إن بيع التعاطي بيع وإن لم يوجد تسليم الثمن.
وفي الذخيرة: اختلف المشايخ في أن الإعطاء من الجانبين شرط في بيع التعاطي أو من أحدهما يكفي، وأشار محمد في الجامع الصغير أن تسليم المبيع يكفي.
وفي جمع التفاريق: تسليم المشتري ما اشترى إلى من يطلبه بالشفعة في موضع لا شفعة فيه بيع، وكذا تسليم الوكيل ما اشتراه لنفسه إلى الموكل إذا قبضه الأمر، أو أنكر الأمر وقد اشتري له، وكذا ردها بخيار والبائع يستيقن أنها ليست له، فأخذها ورضي، وكذا الرد بعد الثلث والبيع ببينة زور إذا رضي الأمر عند أبي يوسف. ولو جاء المودع بأمة أخرى، وقال: هذه أمتك وحلف؛ حلّ الوطء لهما - أي: للمودع والأمة - لأنه رضي وتسلم.
وعن أبي يوسف: لو قال للخياط: ليست هذه بطانتي فحلف الخياط؛ وسعه أخذها.
قال الدلال للبزاز: هذا الثوب بدينار فخذه، فقال البزاز ضعه فوضعه؛ استحسن أن يكون بيعا.
ولو اختلفا في الإيجاب والقبول، بأن قال البائع: بعته بألف، وقال: اشتريته بألفين؛ جاز، فإن قَبِلَ البائع الزيادة ثم بألفين. وإلا يصح بألفين، فقال البائع: بعته بألف؛ جاز، وكأنه قَبِلَ بالألفين، وإلا يصح بألف جاز، وكأنه قبل بألفين، وحط عنه ألفا.
قال: بعته بألف إلى سنة، أو يشترط خيار؛ لم يتم إلا إذا أجاز في المجلس. ساومه بعشرة فقال: بعشرين، فقبضه من يده ولم يمنعه فبعشرة، وإن كان في يد المشتري فبعشرين عندهم جميعًا.
وقال الطحاوي: بآخرهما كلامًا، ولو مضيا على العقد بعد اختلاف كلمتيهما، ينظر إلى آخرهما كلاما فيحكم بذلك.
قال: بعتكه بألف بعتكه بمائة دينار فقبلهما، فهو زيادة إن قبلهما جاز.
стр. 4400
قالَ: (وَإِذَا أَوجَبَ أَحَدُ المُتَعَاقِدَينِ البَيعَ فَالآخَرُ بِالخِيَارِ: إِنْ شَاءَ قَبِلَ فِي المَجْلِسِ وَإِنْ شَاءَ رَدَّ)، وَهَذَا خِيَارُ القَبُولِ؛ لِأَنَّهُ لَو لَم يَثْبُت لَهُ الخِيَارُ يَلزَمُهُ حُكمُ البَيعِ مِنْ غَيْرِ رِضَاهُ، وَإِذَا لَم يَفْسُد لِحُكم بِدُونِ قَبُولِ الْآخَرِ، فَلِلْمُوجِبِ أَنْ يَرجِعَ عَنهُ قَبْلَ قَبُولِهِ لِخُلُوِّهِ عَنْ إِبْطَالِ حَقِّ الغَيرِ، … ...
وفي الزيادات: أنه بالثاني. وقيل: يلزمه الثمنان وإن استويا. ولو [قال] (١): بعتك هذين العبدين فقَبِلَ أحدهما لم يجز، أو قال لرجلين: بعتكما هذا العبد، فقبل أحدهما لم يجز لتفريق الصفقة. ولو فصل بأن قال: بعت هذا بألف وهذا بألف؛ فله أن يقبل أيهما شاء؛ لأن البائع فرق.
قوله: (وإذا أوجب)؛ أي: أثبت وحقق، بأن قال: بعت أو اشتريت، والمراد بالإيجاب: ما بدئ من لفظه بعت أو اشتريت، أو ما يقوم مقامها.
(وهذا)؛ أي: قوله: (والآخر بالخيار) يسمى بخيار القبول؛ لقوله ﷺ : «المتبايعان بالخيار» (٢) أي: قولا كما يجيء. ولأن حق الساكت في القبول لا يبطل بإيجاب الموجب إلا برضاه، وللموجب - أي: للبائع أو للمشتري - أن يرجع قبل قبول الآخر.
فإن قيل: ينبغي ألا يصح رجوعه ليعلن حق الآخر به، وهو يملك الثمن أو المبيع.
قلنا: الحق للموجب؛ لأنه أثبت الولاية للآخر للتمليك.
فإن قيل: يشكل بما إذا عجل الزكاة، حيث لا يجوز له حق الاسترداد؛ لتعلق حق التملك للفقير. قلنا: الأصل موجود وهو النصاب، والوصف فائت وهو النماء، فلا يرجع لأجل فوات الأصل، ولا كذلك هاهنا؛ لأن الأصل ما وجد، بل وجد شطره، فلا يكون البيع موجودا. كذا في الكافي.
(لخلوه)؛ أي: لخلو الرجوع (عن إبطال حق الغير) لأنه لم يتعلق به حق الغير كما بينا.
стр. 4401
وَإِنَّمَا يَمْتَدُّ إِلَى آخِرِ المَجْلِسِ؛ لِأَنَّ المَجلِسَ جَامِعُ المُتَفَرِّقَاتِ، فَاعْتُبِرَت سَاعَاتُهُ سَاعَةً وَاحِدَةً دَفعًا لِلعُسرِ وَتَحقِيقًا لِليُسِرِ، وَالْكِتَابُ كَالخِطَابِ،
وفي الخبازية: غاية ما في الباب: أن للمشتري حق التملك، ولكن لا يعارض حقيقة الملك، فلو لم يجز الرجوع لزم تعطيل حق المالك بحق التملك، وهذا لا يجوز، ولأن لكل إنسان حق التملك في ملك الغير بسبب من الأسباب، وذا لا يمنع تصرف المالك؛ ألا ترى أن للأب حق التملك في مال ولده عند الحاجة، وقبل تملكه يجوز تصرف الابن كيف شاء.
(وإنما يمتد)؛ أي: خيار القبول إلى آخر المجلس لأن ساعات المجلس كساعة واحدة، كما في الصرف والسلم وخيار المخيرة، وقراءة آية السجدة.
وقال الشافعي: شرط التوالي والتوافق بين الإيجاب والقبول لا الترتيب، حتى لو تخلل فصل طويل بينهما، أو تخللهما كلام آخر؛ لم ينعقد البيع، سواء تفرق عن المجلس أو لا، فينعقد لو قال البائع: بعت، وقال المشتري: اشتريت. ولو قال المشتري: استأجرتُ لم ينعقد لاختلافهما. كذا في الغاية وشرحه، وشرح الوجيز.
(والكتاب كالخطاب) وصورة الكتابة: أن يكتب إلى رجل: أما بعد، فقد بعتُ عبدي فلانًا منك بكذا، فلما بلغه الكتاب وقرأ وفهم ما فيه وقبل في المجلس تم البيع، سواء تفرّقا عن المجلس أو لا. وصورة الإرسال: أن يقول لرجل: اذهب إلى فلان وقل له: إن فلانا باع عبده فلانًا منك بكذا، فجاءه الرسول وأخبر بما قال فقال فلان في مجلسه ذلك: اشتريت أو قبلتُ تم البيع.
وعند الشافعي: ينعقد في صورة الكتابة على أصح الوجهين إذا كانت مقرونة بالنية. وفي وجه: لا ينعقد؛ لأن المخاطب لا يدري بم خوطب، فلا يدل على الرضا. وبالرسالة ينعقد كما في الكفالة. كذا في شرح الوجيز (١).
وفي الحلية: لو كتب إليه ببيع سلعة منه لم يصح في أصح الوجهين (٢).
وفي المجتبى: في جمع التفاريق: يصح الرجوع عن الرسالة، ولو بلغه الرسول بغير أمره، فقال: اشتريت لم يجز. ولو كتب إليه: اشتريته بكذا، فكتب
стр. 4402
وَكَذَا الإِرْسَالُ حَتَّى اعتُبِرَ مَجْلِسُ بُلُوغِ الكِتَابِ وَأَدَاءِ الرِّسَالَةِ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَقبَلَ فِي بَعْضِ المَبِيعِ وَلَا أَنْ يَقْبَلَ المُشتَرِي بِبَعْضِ الثَّمَنِ لِعَدَمِ رِضَا الآخَرِ بِتَفَرُّقِ الصَّفَقَةِ، إِلَّا إِذَا بَيَّنَ كُلُّ وَاحِدٍ؛ لِأَنَّهُ صَفَقَاتُ مَعنى. قَالَ:
إليه: بعت تم البيع. ولو قال: بعته من فلان الغائب، حضر الغائب في مجلس وقبل صح.
وفي الخبازية: ذكر في المبسوط: لو كتب إليه: بعني بكذا، فقال: بعته، يتم البيع، وقد طعنوا في هذا بأن البيع لا ينعقد بهذا اللفظ من الحاضر، فكيف من الغائب؟
والجواب: أن مراد محمد بيان الفرق بين النكاح والبيع في شرط الشهود، دون بيان اللفظ الذي ينعقد به البيع، أو يقول: بعني من الحاضر، تكون استيامًا عادة، فأما من الغائب بالكتابة يراد أحد شطري العقد، فإذا انضم الشطر الآخر تم البيع، وفيه نوع تأمل.
(وليس له)؛ أي: للمشتري (أن يقبل بعض البيع) مثل: لو قال: بعته بألف، فقال: قبلت نصفه بخمسمائة، أو قال لشيئين: بعتهما بألف، فقال: قبلت في أحدهما بكذا المشترى أي: المبيع بأن قال: بعته بألف، فقال: قبلت بخمسمائة، وبه قال الشافعي.
(تفرق الصفقة) فإن من عادة الناس ضم الرديء إلى الجيد في البياعات ليروج الرديء بالجيد، فلو ثبت خيار القبول في أحدهما، فالمشتري يقبل العقد في الجيد ويترك الرديء على البائع، فيزول الجيد عن ملكه بأقل من ثمنه، وفيه ضرر البائع، فكان التفريق مستلزما للضرر.
(لأنه)؛ أي: البيع الذي فيه بيان ثمن كل واحد (صفقات معنى) ومراده: إذا تكرر لفظ البيع بأن قال: بعت هذا بكذا، وبعت هذا بكذا؛ لأن به تتعدد الصفقة لا بمجرد بيان ثمن كل واحد، فإنه لو قال: بعتهما بألف، هذا بخمسمائة وهذا بخمسمائة، فقبل أحدهما، لا يصح. كذا في المبسوط.
وفي الكامل: لو قال: بعتك هذين فقبل أحدهما، أو قال لرجلين: بعتكما هذا العبد، فقَبِلَ أحدهما؛ لم يجز للزوم تفرق الصفقة. ولو فصل وقال: بعتك
стр. 4403
(وَأَيُّهُمَا قَامَ عَنِ المَجْلِسِ قَبلَ القَبُولِ بَطَلَ الإِيجَابُ) لِأَنَّ القِيَامَ دَلِيلُ الإِعْرَاضِ وَالرُّجُوعِ، وَلَهُ ذَلِكَ عَلَى مَا ذَكَرنَاهُ.
هذين، بعتك هذا بمائة وهذا بمائة؛ للمشتري أن يقبل أيهما شاء؛ لأن البائع فرق.
وفي المحيط: ولو كان الثمن متفرقا، ينظر: إن اتحد الإيجاب والقبول؛ فالصفقة متحدة، وإن تفرق الإيجاب والقبول؛ فالصفقة متفرقة، وإن تفرق الإيجاب واتحد القبول، أو على عكسه؛ فالصفقة متفرقة، قيل: هذا عندهما، أما عند أبي حنيفة متحدة.
قوله: (وأيهما قام) ذكره على وجه التعميم على المتعاقدين؛ احترازا عن إيجاب الخلع والعتق على مال، فإنه لا يعم المتعاقدين، حيث لا يبطل الإيجاب بقيام الزوج والمولى، بخلاف قيام المرأة والعبد.
وعن البديعي: المراد من القيام عن المجلس: الذهاب عن ذلك المكان، لا بمجرد الانتصاب، وإن كان المذكور في عامة الكتب مطلق القيام؛ لأن شيخ الإسلام خواهر زاده ذكر في شرح المجمع: إذا قام البائع ولم يذهب عن ذلك المكان، ثم قبل المشتري صح. وإليه أشير في جمع التفاريق.
قال صاحب المحيط: وهكذا كتبت في هذا الباب أيضًا.
وفي فتاوى الصغرى ما يخالف هذا، حيث قال فيه: الإيجاب في البيع يتوقف على المجلس، فإن قام أحدهما بطل وإن لم يذهب؛ لأن القيام [دليل الإعراض] (١).
فإن قيل: الصريح أقوى من الدلالة، فلو قال بعد القيام: قبلت، ينبغي ألا يثبت الإعراض.
قلنا: الصريح إنما كان أقوى ويعمل إذا بقي الإيجاب بعد قيامه، وهاهنا لم يبق، فإن الأصل أن لا يبقى اللفظ بعد الفراغ منه، ولا يجمع قوله: قبلت به، إلا أن للمجلس أثرا في جمع المتفرقات، كما ذكرنا بالقيام لا يبقى المجلس.
وقيل: قوله: (قام عن المجلس) دليل على أن الذهاب عنه شرط؛ لأن القيام
стр. 4404
وَإِذَا حَصَلَ الإِيجَابُ وَالقَبُولُ لَزِمَ البَيعُ وَلَا خِيَارَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا، إِلَّا مِنْ عَيبٍ أَوْ عَدَمِ رُؤيَةٍ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ نَظَلَهُ: يَثْبُتُ لِكُلِّ وَاحِد مِنْهُمَا خِيَارُ المَجْلِسِ لِقَولِهِ ﵊: «المُتَبَايِعَانِ بِالخِيَارِ مَا لَم يَتَفَرَّقَا» وَلَنَا: أَنَّ فِي الفَسَخِ إِبْطَالَ حَقٌّ
عنه يتحقق بالذهاب، أما لو لم يذهب لا يقال: قام عنه، بل يقال: قام فيه.
قوله: (ولا خيار لواحد)؛ أي: لأحد المتعاقدين، وبه قال مالك.
وفي شرح الطحاوي: هذا في البيع الصحيح.
وعند الشافعي: لهما خيار المجلس، وبه قال أحمد، فإنه ذكر في كتبهم: إذا حصل الإيجاب والقبول انعقد البيع، ويثبت لهما الخيار ما لم يتفرقا أو يتخايرا، وهو أن يقولا: اخترنا إمضاء البيع أو فسخه.
وروي أنه ﵇ إذا ابتاع شيئًا خير البائع. وروى البخاري عن ابن عمر أنه ﵇ قال: «كُلَّ بَيِّعَيْنِ لَا بيعَ بينهما حتى يتفرقا إلا بيع الخيار» (١).
ولنا: قوله تعالى: ﴿يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ﴾ [المائدة: ١] وقوله تعالى: ﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضِ منكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] فأباح الأكل بوجود التراضي عن التجارة، والبيع تجارة عن تراض، فدل على نفي الخيار وصحة البيع، وجواز تصرف المشتري في البيع.
ولأن هذا عقد فيلتزم الوفاء به، وقوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢] ندب إلى الإشهاد توثقة لهما في ثبوت الخيار يسقط معنى التوثق، فكان فيه معنى إبطال الكتاب.
وما روى مالك عن نافع عن ابن عمر أنه ﵇ قال: «مَنِ ابْتَاعَ طَعَامًا فَلَا يبيعَهُ حتى يَسْتَوفِيهِ» (٢) فمد المنع من البيع إلى وجود القبض، وعند وجوده ينتفي، سواء وجد في المجلس أو بعده، والبيع لا يجوز إلا بعد ثبوت الملك.
كذا قيل، وفيه نوع تأمل.
стр. 4405
الآخَرِ فَلَا يَجُوزُ. وَالحَدِيثُ مَحْمُولٌ عَلَى خِيَارِ القَبُولِ.
وقول عمر ﵁: " البيع صفقة أو خيار "، وقوله ﵇: «المسلمون عند شروطهم» (١) وقد شرطا إمضاء البيع فيلزمهما.
وقوله ﵇ لحبان بن منقذ: «إِذَا اشْتَريْتَ فَقُلْ لَا خلابَةَ وَلِيَ الخِيارُ» (٢)، فعلم أن البيع يلزم بالإيجاب والقبول، وقوله ﵇: «إذا ابْتَعْتَ فلا تَبِعْ حتى تقبض» (٣)، وما بعد الغاية يخالف ما قبلها، فظاهره أنه إذا قبض في المجلس جاز البيع، ولأن في إثبات الخيار لأحدهما يستلزم إبطال حق الآخر، فينتفي لقوله ﵇: «لَا ضَرَرَ ولَا ضِرارَ في الإسلام» (٤) أي: لا يضر الرجل أخاه ابتداء؛ لأن الضرر بمعنى الضر، وهو يكون من واحد، والضرار من اثنين بمعنى المضارة، وهو أن تضر من ضرك. ذكره في المغرب (٥).
ولأن الفسخ رفع بعد الوجود، ووجود البيع قائم بهما، فلا ينفرد أحدهما برفعه لاختصاص الرفع بمن وجد به الإثبات، ولأنه عقد معاوضة، فيلزم بالإيجاب والقبول كالنكاح لتمام التراضي.
(والحديث محمول) في المبسوط (٦): راوي حديث ابن عمر مالك،
стр. 4406
وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَيْهِ، فَإِنَّهُمَا مُتَبَايِعَانِ حَالَةَ المُبَاشَرَةِ لَا بَعدَهَا … ... … ... … ... .
ومذهبه: أن خيار المجلس لا يثبت، وعمل الراوي بخلاف الحديث دليل ضعفه، ولهذا قال ابن عربي: قال مالك: ليس هذا الحديث عندنا حد معروف ولا أمر معمول به، ولو صح الحديث، فالمراد بالمتبايعان: المتساومان، فإن حقيقة المتبايعين حالة التشاغل لا بعد الفراغ، كالمتقاتلين والمتشاتمين، وبه نقول: إن لكل واحد من المتساومين الخيار؛ ألا ترى أن الخيار بعد الإيجاب قبل القبول، فإن للمشتري القبول وتركه، وللبائع الرجوع قولا وفعلا، حتى إذا قام عن مجلسه لم ينعقد بالقبول بعده، وكذا لو بدأ المشتري وقال: اشتريته، فللبائع خيار القبول والرد وللمشتري الرجوع قولا وفعلا، وهذا هو الخيار الذي يقتضيه الحديث إذا عمل بحقيقته، وهو منته بافتراقهما، واعتبار الحقيقة هو الأصل عند الإمكان، وقد أمكن بما ذكرنا، فلا نعمل بمجازه تحرزا عن الجمع بين الحقيقة والمجاز، فيكون المراد بالتفرق في الحديث: التفرق بالأقوال دون المكان والإمكان وكذا في حديث البخاري.
وذكر أبو يوسف في الأمالي: أن تأويل الحديث: إذا قال لغيره: بعني هذه السلعة بكذا، فيقول الآخر: بعت، وبه نقول؛ إذ بعد هذا الكلام قبل قول المشتري اشتريت فكل واحد منهما بالخيار.
فإن قيل: كيف يستقيم تأويل الحديث بخيار القبول؛ لأن خيار القبول من المشتري لا من البائع والنبي ﵇ قال «المتبايعان» فيقتضي أن يكون الخيار لهما، والقبول لا يتحقق من البائع؟
قلنا: قد تحقق كما ذكرنا، ولأن التمكين من القبول بمنزلة القبول، بدليل قوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي﴾ [النور: ٢] أثبت فعل الزنا فيهما باعتبار التمكين. كذا قيل.
(وفيه)؛ أي: في الحديث (إشارة إليه)؛ أي: إلى خيار القبول؛ لأن الحالة ثلاثة، أحدها: بعد تمام القولين. وثانيها: قبل تمامهما. وثالثها: حالة التكلم بهما، وفي الحالتين الأوليين إطلاق اسم المتبايعين مجاز محض باعتبار ما كان أو ما يؤول، وحالة التكلم وهي حالة الإيجاب قبل القبول حقيقة، قيل: حقيقة
стр. 4407
أَوْ يَحْتَمِلَهُ فَيُحْمَلُ عَلَيْهِ، وَالتَّفَرُّقُ فِيهِ تَفَرُّقُ الأَمْوَالِ.
قاصرة؛ لأن أحدهما المتبايع، إذ لا يتصور لها حقيقة سواها، فكان في الحديث إشارة إليه.
ولأن هذه الحالة حالة جامعة لما كان قبل التبايع وما كان بعده، فكانت هي أحق بحقيقة حالة التبايع، وما روي أنه ﵇ إذا ابتاع شيئًا خير البائع؛ إنما فعل ذلك تفضلا وتكرما، فلو كان الخيار للبائع ثابتا بالشرع لم يحتج إلى تخييره.
(أو يحتمله)؛ أي: يحتمل الحديث خيار القبول (فيحمل عليه)؛ أي: على خيار القبول؛ لأن ما روينا من الأحاديث محكم وهذا محتمل، فيحمل المحتمل على المحكم جمعًا بين الأحاديث بقدر الإمكان، وحمل الحديث على خيار القبول منقول عن إبراهيم النخعي.
(والتفرق)؛ أي: التفرق المذكور في الحديث (تفرق الأقوال) لما ذكرنا، وقد جاء في الكتاب والسنة التفرق وأريد به التفرق بين الأبدان، قال تعالى: ﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ﴾ [النساء: ١٣٠] وقال تعالى: ﴿وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ وَمَا أُمِرُوا﴾ [البينة: ٤ - ٥] وقال ﵇: «افترقت اليهود والنصارى على ثنتين وسبعين فرقةً … » (١) الحديث.
وقيل: لم يكن لتفرقهما بالأبدان وقت معلوم ولا غاية معروفة، إلا أن يقوم أحدهما أو يقوما على ما ذهب إليه الخصم، وهذه جهالة يقف عليها انعقاد البيع، فيصير من بيع المنابذة والملامسة، وهذا مقطوع بفسادها، [وهذا] (٢) معنى قول [مالك] (٣): ليس لهذا الحديث حد معروف.
وفي المجتبى: اعلم أنه لا بد من معرفة اتحاد الجنس وافتراقه، والمتحدان لا يشتغل أحد المتعاقدين بعمل غير ما عقد له المجلس، أو بما هو دليل الإعراض عن العقد.
стр. 4408
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وفي مبسوط شيخ الإسلام: لو أكل لقمة واحدة لا يتبدل المجلس، ولو اشتغل بالأكل يتبدل، ولو كان في يده قدح عند الإيجاب فشرب منه لا يتبدل، وكذا لو كان في الركعة الأولى من التطوع فأضاف إليها أخرى، أو في الفريضة ففرغ منها، ولو ناما مضطجعين أو أحدهما فهو فرقة، ولو ناما جالسين فلا، ولو كانا يمشيان فخطا خطوة ثم قبل جاز، وهذا خلاف ظاهر الرواية.
وفي جمع العلوم: خطا خطوتين جاز و به نأخذ، ولو كانا يسيران على دابة أو في محمل لم ينعقد حتى يتصل والسفينة كالبيت، ولا يجوز أن يناديه من بعيد ومن وراء جدار.
قال تاج الدين: يمشيان أو يسيران على دابة واحدة أو دابتين، فإن كان بين الإيجاب والقبول فصل وسكوت وإن قل لا يصح، وإن كانا متصلين يصح، وقيل: يجوز ما لم يفترقا بدابتهما؛ لأن القيام دليل الإعراض، أما السير بلا افتراق فلا، وهكذا في خيار المخيرة، بخلاف سجدة التلاوة.
وفي جمع التفاريق: قارن رد البائع إيجابه قبول المشتري بطل، ولو قال: بعتكه بألف، ثم قال الآخر: بعتك نصفه بخمسمائة فقبلا، فللثاني، ولا قبول للأول.
قال: أعطيتك كذا فلم يقبل، حتى حكم البائع إنسانا في حاجة بطل.
وفي شرح الوجيز: خيار المجلس ينقطع بالتحايز وبالتفرق بأبدانهما، ولو اختار أحدهما يقطع خياره وبقي خيار الآخر. وفي وجه: لا يبقى خيار الآخر (١)، وأما التفرق بالأبدان: فلو قاما في ذلك المجلس مدة طويلة أو قاما أو تماشيا منازل؛ فهما على خيارهما، وهو المذهب. وقيل وجهان غيره.
وقال بعض الأصحاب: لا يزيد الخيار على ثلاثة أيام، والوجه الثاني: لو شرعا في أمر آخر وأعرضا عما يتعلق العقد به وطال الفصل؛ انقطع الخيار. نقله صاحب البيان.
стр. 4409
قَالَ: (وَالأعْوَاضُ المُشَارُ إِلَيْهَا لَا يُحتَاجُ إِلَى مَعرِفَةِ مِقْدَارِهَا فِي جَوَازِ البَيعِ)
ثم الرجوع في التفرق إلى العادة، فما يعده الناس تفرقا يلزم به العقد، وما لا فلا، فلو كانا في دار صغيرة فالتفرق أن يخرج منها أو يصعد السطح، وكذا لو كان في مسجد صغير أو سفينة صغيرة، ولو كانت الدار كبيرة فالتفرق أن يخرج أحدهما إلى الصحراء، أو بدخوله من الصحن في بيت أو صفة، ولو كانا في السوق فإذا ولى أحدهما ظهره ومشى قليلا حصل التفرق.
وعن الإصطخري: فالشرط أن يبعد بحيث إذا كلم صاحبه على الاعتياد من غير رفع الصوت لم يسمع، ولا يحصل التفرق بإرخاء الستر بينهما، ولو بني بينهما جدار فوجهان، أحدهما - وهو الأصح -: لا يحصل التفرق، ولو تبايعا من بعيد صح البيع، قيل: لا خيار؛ لأن البعد المقارن يمنع ثبوته، كما أن البعد الطارئ يمنعه، وقيل: يثبت ما داما في موضعهما، ولو مات أحدهما في المجلس فالخيار لوارثه، وقيل: يسقط ويلزم البيع؛ لأن مفارقة الدنيا كمفارقة المكان بل أولى.
وهل ينقطع خيار الحي على تقدير أن لا خيار للوارث؟ قيل: ينقطع، وقيل: لا ينقطع.
ثم الوارث إن كان حاضرًا في المجلس يمتد اختياره إلى آخره، وفي الغائب لو وصل الخبر إليه، قيل: على الفور، وفي وجه: يدوم كما للمورث.
ولو كان الوارث اثنين أو ثلاثة فكذا الحكم إن كانوا حضورًا، ولا ينقطع بمفارقة بعضهم على الأصح، وإن كانوا غُيَّبًا فلهم الخيار إذا اجتمعوا في مجلس واحد.
قوله: (والأعواض المشار إليها) أراد بذلك ما يقع العقد عليه، سواء كان من النقدين أو غيرهما، وسواء كانت ثمنا أو مثمنا، بعد أن لم يكن في الأموال الربوية، فإنها إذا بيع بجنسها عند جهالة مقدارها لا يجوز، وإن أشار إليها لاحتمال الربا على ما يجيء.
والتقييد بالبيع احتراز عن السلم عند أبي حنيفة كما يجيء، ولا يكتفي
стр. 4410
لِأَنَّ بِالإِشَارَةِ كِفَايَة فِي التَّعرِيفِ، وَجَهَالَةُ الوَصفِ فِيهِ لَا تُفْضِي إِلَى المُنَازَعَةِ (وَالأَيْمَانُ المُطلَقَةُ لَا تَصِحٌ إِلَّا أَنْ تَكُونَ مَعْرُوفَةَ القَدْرِ وَالصَّفَةِ)؛ لِأَنَّ التَّسْلِيمَ وَالتَّسَلَّمَ وَاجِبٌ بِالعَقدِ، وَهَذِهِ الجَهَالَةُ مُفضِيَةٌ إِلَى المُنَازَعَةِ فَيَمْتَنِعُ التَّسْلِيمُ وَالتَّسَلَّمُ، وَكُلُّ جَهَالَةٍ هَذِهِ صِفَتُهَا تَمْنَعُ الجَوَازَ، هَذَا هُوَ الأَصلُ. قَالَ: (وَيَجُوزُ البَيعُ بِثَمَن
بالإشارة وجهالة الوصف فيه، أو وصف المقدار في التعريف أو في البيع لا يفضي إلى المنازعة؛ لأنها حاضرة، والتقابض حال، بخلاف جهالة وصف المقدار في المسلم فيه؛ حيث لا يجوز لأدائها إلى المنازعة لعدم حضوره.
قوله: (والأثمان المطلقة ذكر الإطلاق هاهنا للاحتراز عن أثمان غير مخلوقة للثمنية؛ لأنه ذكره بعد قوله: (والأعواض المشار إليها) مع اختلاف الحكم، علم أن ذلك الاختلاف لم ينشأ إلا بذكر الإشارة وعدمها؛ لأن ذكر القدر والصفة شرط في الثمن إذا لم يكن مشارًا، وإن لم يكن هو مخلوقا للثمنية كالمكيلات والموزونات كما هو شرط في النقدين، فلم يفد الاحتراز عنه بذكر الإطلاق، فيكون المراد بالإطلاق هاهنا: ما لم يقع العقد عليه بالإشارة، وإنما يدخل في العقد بالتسمية، وبيان القدر أن يقول: عشرة أو خمسة، وبيان الوصف أن يقول: سمرقندي أو بخاري.
(هذا)؛ أي: كون الجهالة المفضية إلى المنازعة مانعة هو الأصل)؛ أي: [في] (١) كتاب البيوع بالإجماع؛ لأن شرعية المعاملات لقطع المنازعات المفضية إلى الفساد.
وفي جامع قاضي خان والمجتبى الأصل فيه: أن التسليم واجب بقدر البيع، فكل جهالة لا تؤثر في التسليم لا تؤثر في العقد، فإذا كانت الأعواض مشارًا إليها أمكن تسليمها بلا منازعة، فأما إذا لم تكن مشارًا إليها لا يمكن التسليم إلا بذكر القدر والصفة، فلم يصح العقد بدون ذكرهما، ثم لا بد من معرفة الأثمان المطلقة.
في الكامل: النقدان والفلوس ثمن كيفما ذكرا؛ لأنهما لا يتعينان عندنا، خلافا للشافعي، فيثبت في الذمة.
стр. 4411
حَالٌّ وَمُؤَجَّل إِذَا كَانَ الأَجَلُ مَعلُومًا) لإِطْلَاقِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة: ٢٧٥] وَعَنهُ ﵊: «أَنَّهُ اشْتَرَى مِنْ يَهُودِيٍّ طَعَامًا إِلَى أَجَلٍ مَعلُوم وَرَهَنَهُ دِرعَهُ». وَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الأَجَلُ مَعلُومًا؛ لأَنَّ الجَهَالَةَ فِيهِ مَانِعَةٌ مِنْ التَّسْلِيمِ الوَاجِبِ بِالعَقدِ، فَهَذَا يُطَالِبُهُ بِهِ فِي قَرِيبِ المُدَّةِ، وَهَذَا يُسَلِّمُهُ فِي بِعِيدِهَا.
قَالَ: (وَمَنْ أَطلَقَ الثَّمَنَ فِي البَيعِ كَانَ عَلَى غَالِبِ نَقدِ البَلَدِ)؛ لأَنَّهُ المُتَعَارَفُ،
وعن الفراء: الثمن ما ثبت في الذمة.
قال صاحب المجتبى: وهو المراد بالأثمان المطلقة هاهنا.
وفي الكامل: الأعيان التي ليست بمثلية مبيعة؛ لأنها تتعين، أما المكيل والموزون والمعدود المتقارب، إن قوبل بالنقدين [ممتنع؛ يرجح معنى الثمنية في النقدين] (١) وإن قوبل [بالنقدين] (٢) وغيرهما وعين، و [إن] (٣) لم يعين وصحبه الباء فثمن، وما لا يثبت في الذمة أصلا، أو إلا سلما ممتنع.
ولا خلاف للأئمة الأربعة أن الثمن إذا لم يكن معينا لا بد من بيان قدره ووصفه، وكذا المبيع لما ذكرنا أن الجهالة مانعة من التسليم والتسلم.
قوله: (أو مؤجل) وفي بعض النسخ: (ومؤجل) وعليه إجماع العلماء؛ لأن قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة: ٢٧٥] يتناولهما، وللحديث المذكور في المتن، ولقوله ﵇: «من أسلم منكم … » (٤) الحديث.
ولا بد من كون الأجل معلوما؛ لأن جهالته مانعة من التسليم والتسلم، فيؤثر في صحة العقد.
وفي الكامل: ولو قال: بعتكه بألف حالا وبألفين نسيئة لا يجوز لجهالة الثمن.
قوله: (ومن أطلق الثمن) أي: عن ذكر الوصف، يعني: ذكر القدر والنوع
стр. 4412
وَفِيهِ التَّحَرِّي لِلجَوَازِ فَيُصْرَفُ إِلَيْهِ فَإِنْ كَانَتِ النُّقُودُ مُختَلِفَةً فَالبَيعُ فَاسِدٌ إِلَّا أَنْ يُبَيِّنَ أَحَدُهُمَا وَهَذَا إِذَا كَانَ الكُلُّ فِي الرَّوَاجِ سَوَاء؛ لِأَنَّ الجَهَالَةَ مُفضِيَةٌ إِلَى المُنَازَعَةِ إِلَّا أَنْ تَرتَفِعَ الجَهَالَةُ بِالبَيَانِ أَوْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا أَعْلَبَ وَأَروَجَ، فَحِينَئِذٍ يُصْرَفُ إِلَيْهِ تَحَرِّيًا لِلجَوَازِ، وَهَذَا إِذَا كَانَتْ مُختَلِفَة فِي المَالِيَّةِ، فَإِنْ كَانَتْ سَوَاء فِيهَا كَالثَّنَائِيِّ وَالثَّلَاثِيِّ وَالنُّصْرُتِي اليَومَ بِسَمَر قَندَ وَالاخْتِلَافُ بَينَ العَدَالَى بِفَرغَانَةَ، جَازَ البَيعُ إِذَا أُطلِقَ اسْمُ الدرهم، كَذَا قَالُوا، وَيَنصَرِفُ إِلَى مَا قَدَّرَ بِهِ مِنْ أَيِّ نَوعِ كَانَ؛ لِأَنَّهُ لَا مُنَازَعَةَ وَلَا اختِلافَ فِي المَالِيَّةِ.
دون الوصف، فإنه لو لم يذكرهما كانت هذه المسألة عين الأولى، وهي قوله: (والأثمان المطلقة).
وفي البدرية: إنما أورد هذا ليبين أن تعريف الصفة كما يحصل بالتنصيص يحصل بطريق الدلالة؛ باعتبار العرف وكثرة الاستعمال.
وفي الخبازية: قوله: (أطلق) أي: عن ذكر الوصف، وعن نقد البلد المتعارف، فيكون هو الغالب.
(وفيه)؛ أي: الصرف إلى نقد البلد (التحري)؛ أي: طلب الجواز؛ إذ أمور المسلمين محمولة على الصحة ما أمكن، فإن الظاهر من حال المسلم أن يقصد الصحيح من البيع، وذلك بالصرف إلى ما جرت به العادة، فصار كأنهما نطقا بنقد البلد، إذ المعروف عرفًا كالمشروط شرطًا.
(وهذا)؛ أي: فساد البيع في صورة استواء النقود (في الرواج) مع اختلافهما في المالية، كالذهب الزكني والخليفتي فإن الخليفتي أفضل في المالية من الزكني، فإنهما كانا غالب نقد البلد.
وعند الشافعي: يفسد البيع أيضًا، لكن عنده لا فرق بين البطلان والفساد كما يجيء.
وفي جمع النوازل اشترى بألف ولم يبينها، وفي البلد نقود مختلفة، فإن كانت في الرواج سواء ولا فضل لبعضها على بعض جاز البيع، وإن كان بعضها أفضل وأحدها أروج جاز بالأروج، وإن استوت في الرواج لا يجوز.
وفي جمع التفاريق: قال: بعني بهذه الدراهم فأراه، فإذا هي زيوف أو
стр. 4413
قَالَ: (وَيَجُوزُ بَيعُ الطَّعَامِ وَالحُبُوبِ مُكَايَلَة وَمُجَازَفَة)
ستوقة ولم يعلما أعطاه خيرا، ولو تصادقا على أن البائع كان يعلم وحده فكذا في الستوقة، ولو علما وكل واحد يُعلِمُ صاحبه وقع البيع على هذا.
وفي المحيط: لو وجده ستوقة فسد البيع.
والزيف: ما رده بيت المال. والستوقة: فارسي معرب، معناه: سه طاقة؛ لأنها تكون مموهة الجانبين بالفضة، ويكون وسطه [نحاسا] (١) أو رصاصا. قال برهان الأئمة: لو [قال] (٢): اشتريتها بهذه الصرة، أو بما في هذه [الصرة] (٣) من الدراهم، فوجدها خلاف نقد البلد؛ ليس له الرد. ولو قال: بما في هذه الخابية من الدراهم فله الخيار، وإن وجدها نقد البلد، ويسمى هذا خيار الكمية.
وفي فتاوى قاضي خان قال لمديونه: بعني هذا ببعض العشرة، وبعني هذا بما بقي من العشرة جاز (٤).
وفي المجرد: قال: بعتكه بقفيز حنطة أو دقيق، لا يصح حتى يقول جيد أو وسط أو رديء، وكذا بكذا ثمرة، وكذا كل ما يكال أو يوزن. فلو اشتراه بمائة مثقال فضة غير معينة أو ذهب لا يجوز حتى يصفه جيد أو رديء، ولو قال: بألف نبهرجة أو زيوفا لا يصح، إلا إذا كانت معروفة في البلد.
وفي المبسوط: النبهرج: ما بهرجه التجار - أي: أهدره -، فالمسامح المساهل منهم يتجوز، والمستقصي لا يتجوز به لغش فيه (٥).
وفي المغرب: النبهرج: الدرهم الذي فضته رديئة، وقيل: للذي الغلبة فيه [الفضة] (٦)، الثنائي ما كان اثنان منه، دانقا، والثلاثي ما كان الثلاثة منه دانقًا، والنصري بسمرقند بمنزلة الناصري ببخارى. كذا في الحميدية.
قوله: (ويجوز بيع الطعام) الطعام في عرف هذا الزمان يقع على الحنطة ودقيقها، فحينئذ لا يكون ذكر الحبوب مستدركًا، فكان المراد من الحبوب
стр. 4414
وَهَذَا إِذَا بَاعَهُ بِخِلَافِ جِنسِهِ لِقَولِهِ ﵊: «إِذَا اخْتَلَفَ النَّوعَانِ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُم بَعدَ أَنْ يَكُونَ يَدًا بِيَدِ» بِخِلَافِ مَا إِذَا بَاعَهُ بِجِنسِهِ مُجَازَفَةٌ، لِمَا فِيهِ مِنْ احْتِمَالِ الرِّبَا، وَلِأَنَّ الجَهَالَةَ غَيْرُ مَانِعَةٍ مِنْ التسليمِ وَالتَّسَلَّمِ فَشَابَهَ جَهَالَةَ القِيمَةِ.
قَالَ: (وَيَجُوزُ بِإِنَاءٍ بِعَيْنِهِ لَا يُعرَفُ مِقْدَارُهُ، وَبِوَزْنِ حَجَرٍ بِعَيْنِهِ لَا يُعْرَفُ مِقْدَارُهُ)؛ لِأَنَّ الجَهَالَةَ لَا تُفضِي إِلَى المُنَازَعَةِ، لِمَا أَنَّهُ يَتَعَجَّلُ فِيهِ التَّسْلِيمَ فَيُندَرُ
غيره، أو اسم الطعام غلب على البر، كما جاء في حديث الفطرة: «صاعًا من طعام» (١) فكان ذكر الحبوب بعده يقع على ما يعتبر حبه، كالباقلي والحمصة، فإنهما يؤكلان حبًّا حبًّا، وألحق غيرهما بهما دلالة؛ لدخول كل منهما تحت الكيل.
المكايلة: (بالكد بكرجمانة معاملة كردن)، والمجازفة: الجزاف، فارسي معرب، وهو البيع بالحدس أو الظن بلا كيل ولا وزن. كذا في الصحاح، والمغرب (٢).
(وهذا)؛ أي: البيع مجازفة، ثم هذا القيد وهو قوله: (إذا باعه بخلاف جنسه) إنما يكون يفيد إذا كان شيئًا يدخل تحت الكيل، فأما إذا كان قليلا لا يدخل تحت الكيل فيجوز بيعه بجنسه مجازفة أيضًا. كذا في الذخيرة.
(فَشَابَهَ)؛ أي: جهالة المجازفة (جهالة القيمة) بأن اشترى شيئًا بدرهم، ولم يدر قيمته أزيد منه أو أنقص يجوز؛ لأن هذه جهالة لا تفضي إلى المنازعة وهي المانع.
قوله: (ويجوز بإناء بعينه) قالوا: هذا في إناء لا يحتمل الزيادة، كالإناء من حديد أو خشب وما أشبه ذلك، أما إذا احتمل كالزنبيل والجوالق والغرائر لا يجوز. كذا في المبسوط.
стр. 4415
هَلَاكُهُ قَبْلَهُ بِخِلَافِ السَّلَمِ؛ لِأَنَّ التَّسْلِيمَ فِيهِ مُتَأَخِّرُ وَالهَلَاكَ لَيْسَ بِنَادِر قَبْلَهُ فَتَتَحَقَّقُ المُنَازَعَةُ.
لو اشترى بهذا الإناء يدا بيد فلا بأس به؛ لأن في المعين البيع مجازفة يجوز، فبمكيال غير معروف أولى؛ وهذا لأن التسليم عقيب البيع، والقدرة عليه في الحال ثابتة بقيام المكيال الذي عينه، وهو ظاهر المذهب.
ولو باع طعاما على أن يكيله بزنبيل أو بإناء يشبه الزنبيل لا يجوز في قول أبي حنيفة وأبي يوسف، وكذا لو اشترى وزن حجرة أو حجر لا يعرف وزنه، وكذا لو اشترط عليه وزن ثوب أو متاع أو ملء جوالق.
وفي جامع التفاريق: عن محمد: جواز الشراء بوزن هذا الحجر، وفيه الخيار. وعن أبي يوسف لا يجوز.
وفي جمع النوازل: لو اشترى بوزن هذا الحجر ذهبا ثم علم به جاز وله الخيار، وكذا لو باع عبده بما باع فلان عبده جاز.
وفي جمع العلوم: لو يعلم المشتري جاز، وبما يبيع الناس لا يجوز. وهكذا ظاهر مذهب الشافعي، وحكي عنه وجه: أنه يجوز وإن لم يعلم ما باع فلان، ووزن الحجر لإمكان الاستكشاف وإزالة الجهالة. كذا في شرح الوجيز (١).
وعن أبي جعفر: لو بعتك من هذه الحنطة مثل ما يملأ هذا البيت لا يجوز، ومثل ما يملأ هذا الطشت به يجوز. ولو باع حنطة على فرسخ أو فرسخين، ولم يسم أين هي؛ فالمشتري بالخيار إن شاء أخذها حيث كانت.
وفي حيل الخصاف: لا يجوز حتى يقول كذا مَنَّا من بذر أو حنبق كذا.
وعن أبي حنيفة: لا يجوز شراء قربة من ماء هذا النهر؛ لأن الماء ليس عنده ولا يعرف قدر القربة، وأطلق جوازه في المجرد، وكذا قربة بعينها أو راوية من ماء الفرات يوفيه من منزله، وجوزه أبو يوسف أيضا. وعنه إذا ملأه ثم تراضيا جاز وهو مجازفة.
قال برهان الدين: باع كل حق له في هذه القربة، ولم يعلما نصيبه لم يجز،