أَوْ لِأَنَّهُ بِاعْتِبَارِ شُبَهَةِ الرِّبَا،
ثم إن فساد العقد بسبب الجنسية مجتهد فيه، فإن إسلامه هَرَويّ في هَرَوِيَّ يجوز عند الشافعي، وكذا إسلام الفَوْهِي فِي الفَوْهِيِّ، ومع ذلك تعدى الفساد إلى المقرون به وهي إسلام الفوهي في المَرْوِيِّ، مع كونه مجتهدا فيه.
واستضعف شمس الأئمة في المبسوط هذا التعليل، وقال بعد إسلام الفَوْهِيَّةِ في الفَوْهِيَّةِ: بهذا تبين أن الطريق ما قلنا في قول أبي حنيفة، في مسألة إسلام الحنطة في الشعير والزيت، أن العلة المفسدة للعقد قد وجدت في الكل، أما في حصة الشعير فظاهر، وفي حصة الزيت جعل قبول العقد في الشعير شَرْحًا في قبول العقد في الزيت؛ لأن من جمع بين شيئين في عقد واحد؛ فإنه يكون شارطًا عليه قبول العقد في كل واحد منهما في عرف التجار، ولهذا [لو] (١) قبل العقد في أحدهما دون الآخر لا يجوز، وهذا شرط فاسد، والسلم بالشرط الفاسد يفسد، بخلاف القن والمدبر؛ فإن العقد في المدبر ليس بفاسد، ولهذا لو أجاز القاضي بيعه جاز (٢).
ثم العجب من الشيخ شمس الأئمة استضعف هذه النكتة في المبسوط في قول أبي حنيفة، وعلل هو بذلك التعليل أيضًا في الجامع الصغير في هذه المسألة، ولكنا لا نتوهم التناقض في حقه؛ فإن للمجتهدين اختيارات، فيختارون في كل موضع ما يليق له. كذا في النهاية.
وفي الكافي: الفساد في مسألة إسلام البر في شعير وزيت ليس بطريق تَعَدّي الفساد كما زعم البعض، بل باعتبار أن إعلام رأس المال شرط عنده، والمسلم فيه مختلف فيه، فكان فساد السلم في كل واحد منهما؛ لجهالة ما يخص كل واحد منهما من رأس المال.
(أو لأنه)؛ أي: الفساد في المشتراة (باعتبار شبهة الربا) فلو اعتبرنا تلك الشبهة في الجارية التي ضمت إلى المشتراة، لكنا اعتبرنا شبهة الشبهة، والمعتبر الشبهة لا شبهة الشبهة.
стр. 4657
أَوْ لِأَنَّهُ طَارِئ؛ لِأَنَّهُ يَظْهَرُ بِانقِسَامِ الثَّمَنِ أَوْ المُقَاصَّةِ فَلَا يَسْرِي إِلَى غَيْرِهَا.
وبيان ذلك: ما ذكره الإمام قاضي خان؛ وهو أن في المسألة الأولى إنما لم يصح شراء ما باع بالأقل لشبهة الربا؛ وذلك لأن الألف وإن وجب للبائع بالعقد الأول، لكنها على شرف السقوط؛ لاحتمال أن يجد المشتري بها عيبًا فيرده، فيسقط الثمن عن المشتري، وبالبيع الثاني يقع الأمن عنه، فيصير البائع بالعقد الثاني مشتريًا ألفًا بخمسمائة من هذا الوجه، والشبهة ملحقة بالحقيقة في باب الربا احتياطا.
(أو لأنه)؛ أي: الفساد (طارئ) فلا يتعدى إلى الأخرى؛ لعدم وقوعه في العقد.
وبيان ذلك: ما ذكر في الفوائد الظهيرية؛ وهو أنه ما شرط في العقد أن يكون بإزاء ما باعه أقل من الثمن الأول، بل قابل الثمن بالجاريتين، وهذه المقابلة صحيحة، ولكن بعد ذلك ينقسم الثمن على قيمتها، فيصير البعض بإزاء ما باع، والبعض بإزاء ما لم يبع، فحينئذ يفسد البيع فيما باع، وهذا فساد طارئ؛ لأن الانقسام بعد وجوب الثمن لا يتعدى إلى الأخرى.
(أو المقاصة)؛ أي: لطروء الفساد في المشتراة وجهان، أحدهما: انقسام الثمن كما ذكرناه. والثاني: المقاصة.
وبيان ذلك: ما ذكره أبو المعين في الجامع الصغير؛ أن المقاصة تقع بين الثمن الأول والثاني، فيبقى من الأول فضل من غير أن يقابله عوض، والمقاصة تقع عقيب وجوب الثمن على البائع الأول بالعقد الثاني، فيفسد عند وقوع المقاصة، وإذا كان كذلك يكون الفساد طارئًا، فلا يظهر في حق الآخر، كما إذا باع عبدين وفي أحدهما أجل إلى الحصاد، أو جمع بين عبد ومدبر وباعهما؛ فإن البيع لا يفسد في القن ولا في الذي لا أجل فيه.
وقال شمس الأئمة في مبسوطه في هذه المسألة: فإن قيل: ينبغي أن يجعل بمقابلة ما باع مثل الثمن الأول احتيالا لتصحيح العقد.
قلنا: هذا الوجه غير متعين [للتصحيح] (١)؛ فإنه وإن جعل بمقابلة أكثر من
стр. 4658
قَالَ: (وَمَنِ اشْتَرَى زَيْتًا في ظرف عَلَى أَنْ يَزِنَهُ بِظَرِفِهِ فَيَطْرَحَ عَنهُ مَكَانَ كُلِّ ظَرفٍ خَمْسِينَ رَطلًا فَهُوَ فَاسِدٌ، وَلَو اشْتَرَى عَلَى أَنْ يَطْرَحَ عَنهُ بِوَزْنِ الظَّرْفِ جَازَ)؛ لِأَنَّ الشَّرطَ الأَوَّلَ لَا يَقْتَضِيهِ العَقْدُ، وَالثَّانِي يَقْتَضِيهِ.
الثمن الأول يجوز العقد أيضًا، وعند المعاوضة لا يترجح البعض على البعض من غير دليل (١). وفيه نوع تأمل.
فإن قيل: ينبغي أن يفسد العقد في الآخر؛ لأن قبول العقد في ذلك شرط لقبول العقد في الآخر، وهو شرط فاسد كما هو مذهب أبي حنيفة في نظائر هذا.
قلنا: قبول العقد فيه ليس بشرط فاسد؛ ألا ترى أنه لو كان ثمة مثل الثمن الأول أو خلاف جنس الثمن الأول كان صحيحًا، وإنما الفساد لأجل الربح الحاصل لا على ضمانه، وهذا المعنى يقتصر على العبد الذي باعه، ولا يتعدى إلى العقد في العبد الثاني.
وفي المبسوط: لو اشتراه البائع مع رجل آخر؛ جاز شراء الأجنبي في نصفه، كما يجوز شراؤه في الكل، واعتبار البعض بالكل اعتبار صحيح (٢). ولو ولدت الجارية عند المشتري، ثم اشتراها منه بالأقل، إن كانت الولادة نقصتها جاز، كما لو دخلها عيب عند المشتري، وإن لم ينقصها لا يجوز؛ لأنه يحصل له ربح لا على ضمانه.
قوله: (يطرح عنه بوزن الظرف جاز): وقال الشافعي: ولو [قال] (٣): بعتك السمن كل رطل بدرهم على أن وزن الظرف معه، فيحتسب بوزن الظرف في إلزام ثمنه على هذا السعر، ولا يكون الظرف مبيعًا، فإن كان يعرف قدر وزن السمن ولا يعرف قدر وزن الظرف؛ فالبيع باطل؛ لأنه شرط عليه بدل الثمن في مقابلة ما ليس بمبيع. وإن كان قدر كل واحد منهما معلوما؛ فالظاهر: أن البيع فاسد؛ لجهالة المبيع لاختلاطه بغيره.
وفي الحلية (٤): يجوز، ولو باع السمن والظرف جزافًا جاز. ولو باعهما
стр. 4659
قَالَ: (وَمَنِ اشْتَرَى سَمْنًا فِي زِقٍّ فَرَدَّ الظَّرف وَهُوَ عَشَرَةُ أَرطَالَ، فَقَالَ البَائِعُ: الزِّقُّ غَيْرُ هَذَا، وَهُوَ خَمْسَةُ أَرطال، فَالقَولُ قَولُ المُشتَرِي)، لِأَنَّهُ إِنِ اعْتُبِرَ اخْتِلَافًا فِي تَعيِينِ الزِّقِّ المَقْبُوضِ فَالقَولُ قَولُ القَابِضِ ضَمِينا كَانَ أَوْ أَمِينًا، وَإِنْ اعْتُبِرَ اختِلافًا فِي السَّمَنِ، فَهُوَ فِي الحَقِيقَةِ اخْتِلَافُ فِي الثَّمَنِ فَيَكُونُ القَولُ قَولَ المُشتَرِي؛ لِأَنَّهُ يُنْكِرُ الزِّيَادَةَ.
جميعا بعدما شاهد ظاهر السمن، فلو شاهد الظرف فارغا، أو كانت ثخانته معلومة بالعادة؛ فالعقد جائز. ولو كان الظرف مما تختلف ثخانته وغلظه وتتفاوت؛ فالعقد لا يصح. كذا في تتمتهم.
وفي حلية المؤمن: ولو شرط أن يزنه بظرفه، ثم حط وزن الظرف يجوز كما قلنا؛ لأن الشرط الأول وهو أن يطرح خمسين رطلا، فكان كل ظرف لا يقتضيه العقد، وفيه نفع لأحد المتعاقدين من قبل أن وزن الظرف لو كان أقل من خمسين يجب تكميله بالزيت، فيخرج عن البيع بعض الزيت ولا يدرى مقداره، وإن كان وزن الظرف أكثر؛ وجب ضم بعض الظرف إلى الزيت، ولا يدرى كم يكون، فأما طرح الظرف بوزنه فشرط يوجبه العقد؛ لأن الظرف غير مبيع، فطرح وزن الظرف واجب، فيكون شرطًا ملائما للعقد، فلا يفسد العقد به. كذا في جامع البزدوي.
(ضمينا كان)؛ أي: القابض كالغاصب (أو أمينا) كالمودع.
(لأنه)؛ أي: المشتري (ينكر الزيادة).
فإن قيل: يشكل هذا على مسألتين:
أحدهما: ما إذا باع عبدين وقبضهما المشتري، ومات أحدهما عنده وجاء بالآخر يرده بالبيع، فاختلفا في قيمة الميت؛ فالقول للبائع هاهنا، والمسألة تجيء في باب التحالف.
والثانية: هي أنه جعل الاختلاف في الحقيقة اختلافًا في الثمن، والاختلاف في الثمن يوجب التحالف.
قلنا: أما الأولى لا يشكل؛ لأنا جعلنا هاهنا القول للمشتري؛ لإنكاره الزيادة، وهناك أيضا للبائع؛ لإنكاره الزيادة أيضًا، فإن المشتري يدعي زيادة
стр. 4660
قَالَ: (وَإِذَا أَمَرَ المُسلِمُ نَصَرَانِيًّا بِبَيعِ خَمْرٍ أَوْ شِرَائِهَا فَفَعَلَ جَازَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَا: لَا يَجُوزُ عَلَى المُسلِمِ) (*) وَعَلَى هَذَا الخِلَافِ الخِنزِيرُ، وَعَلَى هَذَا تَوكِيلُ المُحرِمِ غَيْرَهُ بِبَيعِ صَيْدِهِ.
لَهُمَا: أَنَّ المُوَكَّلَ لَا يَلِيهِ فَلَا يُوَلِّيهِ غَيْرَهُ؛ وَلِأَنَّ مَا يَثْبُتُ لِلوَكِيلِ يَنتَقِلُ إِلَى المُوَكِّلِ، فَصَارَ كَأَنَّهُ بَاشَرَهُ بِنَفْسِهِ فَلَا يَجُوزُ. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ ﵀: أَنَّ العَاقِدَ هُوَ الوَكِيلُ
سقوط الثمن بعد اتفاقهما على وجوبه؛ لنقصان قيمة الهالك، والبائع ينكرها، والقول لمنكر الزيادة، فيكون طردًا لا نقضًا.
وأما الثانية؛ فلأن التخالف ورد على خلاف القياس فيما إذا كان الاختلاف في الثمن قصدًا، وهذا الاختلاف فيه تبعًا؛ لاختلافهما في الرق، والاختلاف في الرق لا يوجب التحالف؛ لأنه ليس بمعقود به ولا معقود عليه، فكذا الاختلاف فيما يثبت تبعًا؛ لأن حكم البيع لا يخالف الأصل.
والفقه فيه: أن الاختلاف في الثمن إنما يوجب التحالف؛ ضرورة أن كل واحد منهما مُدَّعيًا عقدًا آخر، والاختلاف في الرق لا يوجب الاختلاف في البيع لما ذكرنا، فلا يوجب التحالف لذلك.
قوله: (وقالا)؛ أي: أبو يوسف ومحمد (لا يجوز على المسلم) وبه قال الشافعي ومالك وأحمد.
قال الإمام التمرتاشي، والمحبوبي: يكره هذا التوكيل عند أبي حنيفة أشد الكراهة، ويؤمر بالتصدق بالثمن؛ لتمكن الخبث فيه، قال ﵇: «إن الذي حَرَّمَ شُربَها حَرَّمَ بيعَها وأَكْلِ ثَمَنِها» (١).
ولو وكل المسلم ذميًا بهبة الخمر وتسليمها لا يجوز بالإجماع؛ لأن أحكام عقد الهبة يرجع إلى الموكل فصار كالرسول. وكذا لو أمر مسلم كافرًا بكتابة عبده لا يصح؛ لرجوع الحقوق إليه.
(هو)؛ أي: الوكيل بأهليته.
فالحاصل في هذا الباب: اعتبار أهلية الوكيل للتصرف المأمور به، واعتبار
стр. 4661
بِأَهلِيَّتِهِ وَوِلَايَتِهِ، وَانتِقَالُ المِلكِ إِلَى الآمِرِ أَمرٌ حُكمِيٌّ فَلَا يَمْتَنِعُ بِسَبَبِ الإِسْلَامِ كَمَا إِذَا وَرِثَهُمَا، ثُمَّ إِنْ كَانَ خَمْرًا يُخَلِّلُهَا وَإِنْ كَانَ خِنزِيرًا يُسَيِّبُهُ.
أهلية الموكل لحكم ذلك التصرف، وهاهنا كذلك، فيجب ألا يصح؛ لأن الوكيل أصل في نفس هذا التصرف، ولهذا يستغنى عن الإضافة إلى الموكل وترجع الحقوق إليه، والوكيل أهل له والملك يستند إلى الموكل حكمًا، والملك يثبت فيها إرثًا واستيلاء، فكذا توكيلا.
فإن قيل: الوراثة أمر جبري، والتوكيل أمر اختياري، والأمر الحكمي يوافق الجبري لا الاختياري.
قلنا: ثبوت الملك للموكل بعد تصرف الوكيل أمر جبري أيضًا؛ لثبوته بلا اختياره، كما في الموت، وبالاتفاق أن المأذون له إذا كان نصرانيا واشترى خمرا؛ يثبت الملك للمولى فيها، فكذا هاهنا.
فإن قيل: يثبت بين الوكيل والموكل أحكام المبايعة من التحالف، واحتباس المبيع للثمن، والرد بالعيب بسبب الوكالة، فينبغي أن يمنع عن التوكيل الذي يثبت هذه الأحكام؛ لأن المسلم كما هو ممنوع عن حقيقة الشراء؛ ممنوع أيضًا عما هو شبيه بالشراء بمباشرة حكمه؛ ألا ترى أنه يمنع عن قبض الخمر حكما للشراء الموجود حال كفره.
قلنا: هذه الأحكام تثبت مضافة إلى الشراء لا إلى الوكالة، والشراء وجد باختيار الوكيل لا حكما للوكالة، بخلاف القبض؛ لأنه يثبت بفعله واختياره.
وأما قولهما: (إن الموكل لا يليه فغيره لا يوليه)؛ فمنقوض بمسائل: منها: أن رجلا لو وكل غيره بشراء عبد بعينه، فوكل هذا الوكيل غيره بشراء ذلك؛ يجوز ويثبت الملك للوكيل، ولا يملك هو أن يشتريه لنفسه. ذكره في وكالة المبسوط (١).
ومنها: أن القاضي إذا أمر ذميًا ببيع خمر وخنزير خلفه ذمّي آخر يصح، والقاضي لا يملك التصرف بنفسه.
ومنها: أن الذمي إذا أوصى إلى مسلم وقد ترك خمرا أو خنزيرا، فإن
стр. 4662
قَالَ: (وَمَنْ بَاعَ عَبْدًا عَلَى أَنْ يُعتِقَهُ المُشتَرِي أَوْ يُدَبِّرَهُ أَوْ يُكَاتِبَهُ أَوْ أَمَةٍ عَلَى أَنْ يَستَولِدَهَا فَالبَيعُ فَاسِدٌ)؛ لِأَنَّ هَذَا بَيْعٌ وَشَرطٌ وَقَدْ نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ بَيعِ وَشَرط.
ثُمَّ جُملَةُ المَذهَبِ فِيهِ أَنْ يُقَالَ: كُلُّ شَرط يَقْتَضِيهِ العَقْدُ كَشَرطِ المِلكِ لِلمُشتَرِي لَا يُفْسِدُ العَقدَ لِثُبُوتِهِ بِدُونِ الشَّرطِ، وَكُلُّ شَرط لَا يَقْتَضِيهِ العَقْدُ وَفِيهِ مَنفَعَةٌ لِأَحَدِ المُتَعَاقِدَينِ
الوصي يوكل ذمّيًا ببيع خمره وقسمته، وإن كان هو لا يملك بنفسه. هذا كله في الفوائد الظهيرية.
وفي الخبازية: المريض مرض الموت لو باع بما يتغابن في مثله، وعليه ديون مستغرقة؛ لا يجوز، وفي وصية يجوز بعد موته، وكذا لا يتبع الأم عروض الولد، ووصيتها ببيع العروض التي هي من ميراثها، كما إذا ورثهما.
صورة الإرث: أن يسلم النصراني وله خمور وخنازير، ومات قبل تسييب الخنازير وتخليل الخمر، وله وارث مسلم؛ تملكهما؛ لأن الحرمة تنافي التقوم، ولا تنافي المالكية كالخمر.
قوله: (ثم جملة المذهب)؛ أي الجملة الكلية والأصل الثابت لفروع أصحابنا أن يقال: كل شرط إلى آخره يقتضيه العقد … ؛ أي يجب بالعقد من غير شرط كشرط الملك للمشتري في المبيع أو شرط تسليم الثمن أو شرط جنس المبيع؛ لاستيفاء الثمن أو شرط انتفاع المشتري وما أشبه ذلك فإن الكل يثبت بمطلق العقد ولا يزيده الشرط إلا تأكيدًا.
(وكل شرط لا يقتضيه العقد) وليس فيه عرف ظاهر، (وفيه منفعة لأحد المتعاقدين) فالبيع به فاسد؛ لأنه ﵇ نهى عن بيع وشرط (١)، ولأن الثمن مقابل بجميع المبيع، والشرط زيادة لا يقابلها شيء من العوض؛ فأشبه الربا، ولأنه ذريعة إلى وقوع النزاع لتمكن المطالبة بينهما بهذا الشرط فيعرى العقد عن مقصوده وهو قطع التنازع.
стр. 4663
أَوْ لِلمَعقُودِ عَلَيْهِ وَهُوَ مِنْ أَهلِ الاستحقَاقِ يُفْسِدُهُ، كَشَرطِ أَنْ لَا يَبِيعَ المُشْتَرِي العَبدَ المَبِيعَ؛ لِأَنَّ فِيهِ زِيَادَةً عَارِيَةٌ عَنْ العِوَضِ فَيُؤَدِّي إِلَى الرِّبَا، أَوْ لِأَنَّهُ يَقَعُ بِسَبَبِهِ المُنَازَعَةُ فَيَعرَى العَقدُ عَنْ مَقصُودِهِ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ مُتَعَارَفًا؛ لِأَنَّ العُرفَ قَاضٍ عَلَى القِيَاسِ، وَلَو كَانَ لَا يَقْتَضِيهِ العَقْدُ وَلَا مَنفَعَةَ فِيهِ لِأَحَدِ لَا يُفْسِدُهُ، وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ المَذْهَبِ، كَشَرطِ أَنْ لَا يَبِيعَ المُشتَرِي الدَّابَّةَ المَبِيعَةَ، لِأَنَّهُ الْعَدَمَت
وكذا لو كان فيه (نفع للمعقود عليه وهو من أهل الاستحقاق) كما لو اشتراه بشرط ألا يبيعه؛ فإن العبد يعجبه ألا تتداوله الأيدي أو على أن يعتقه أو يدبره، وتمام العقد بالمعقود عليه حتى لو زعم أنه حر كان البيع باطلا فكان اشتراطه منفعته كاشتراط أحد المتعاقدين، وإنما قيد بكونه ليس فيه عرف ظاهر؛ إذ لو كان فيه عرف ظاهر كما لو اشترى نعلا أو شراكين بشرط أن يحذوه البائع فلا يفسد به البيع؛ لأن الثابت بالعرف ثابت بدليل شرعي.
وهو قوله ﵇: «وَمَا رَآهُ المُؤمِنونَ حَسَنًا فهوَ عِنْدَ الله حَسَنُ» (١)، أو الإجماع ولأن في النزوع عن العادة الظاهرة حرج بَيِّنٌ، والحرج مرفوع الكل من المبسوط (٢).
وهذا معنى قول المصنف: (والعرف قاض)؛ أي راجح على القياس لأن فيه إما نص أو إجماع كما ذكرنا.
(ولا منفعة فيه)؛ أي في الشرط فيلغو الشرط، ويصح العقد إلا رواية عن أبي يوسف حيث قال: يبطل البيع؛ لأن في هذا الشرط ضرر على المشتري من حيث إنه يتعذر عليه التصرف في ملكه؛ فصار كشرط فيه منفعة لأحد المتعاقدين كذا في المبسوط (٣).
واحترز المصنف بقوله: (وهو الظاهر من المذهب) بهذه الرواية (وانعدمت
стр. 4664
المُطَالَبَةُ فَلَا يُؤَدِّي إِلَى الرِّبَا، وَلَا إِلَى المُنَازَعَةِ.
إِذَا ثَبَتَ هَذَا فَنَقُولُ: إِنَّ هَذِهِ الشُّرُوطَ لَا يَقْتَضِيهَا العَقْدُ؛ لِأَنَّ قَضِيَّتَهُ الإِطْلَاقُ فِي التَّصَرُّفِ وَالتَّخْيِيرُ لَا الإِلزَامُ حَتمًا، وَالشَّرطُ يَقْتَضِي ذَلِكَ وَفِيهِ مَنفَعَةٌ لِلمَعقُودِ عَلَيْهِ، وَالشَّافِعِيُّ ﵀ وَإِنْ كَانَ يُخَالِفُنَا فِي العِتقِ وَيَقِيسُهُ عَلَى بَيعِ العَبْدِ نَسَمَةٌ.
المطالبة)؛ إذ المطالبة تتوجه بالمنفعة في الشرط دون الضرر، وذكر ما لا منفعة فيه لغو؛ فلم يؤثر في الفساد.
قوله: (والشافعي وإن كان يخالفنا في العتق)؛ أي في قول فإنه ذكر في شرح الوجيز وغيره - في بيع الرقيق بشرط العتق -: قولان؛ أحدهما لا يَصِحُ كمذهبنا لإطلاق الحديث. والثاني؛ أنه يَصِحُ وبه قال مالك وأحمد وأبو حنيفة في رواية الحسن عنه؛ فعلى هذا القول للشافعي في صحة الشرط قولان:
أحدهما؛ أن الشرط باطل والبيع جائز لظاهر قوله ﵇: «ما كانَ مِنَ شَرْط ليس في كتاب الله فهو باطل» (١).
والثاني؛ أنه يصح البيع والشرط وهو المنصوص في «الأم» وغيره وهو الأصح وبه قال مالك وأحمد في أصح الروايتين عنه لحديث عائشة أنها اشترت بريرة وشرط مواليها أن تعتقها وولاؤها لهم فلم ينكر النبي ﵇ إلا ولاءها لهم.
(ويقيسه) أي الشافعي قال شيخي العلامة صاحب النهاية ﵀، وقوله: (ويقيسه على بيع النسمة) غير مستقيم فيما ذكره في المبسوط (٢) من تفسير الشافعي؛ بيع العبد نسمة حيث قال: من جانب الشافعي لأن الشراء بشرط الإعتاق متعارف بين الناس؛ لأن بيع العبد نسمة متعارف في الوصايا وغيرها. ثم قال: وتفسيره البيع بشرط العتق؛ فحينئذ يلزم قياس الشيء على نفسه وذلك باطل.
وقيل: يمكن أن يجاب عنه بأن يقال: مراد المصنف بالقياس هاهنا؛ الدلالة؛ لأنها عند الشافعي قياس جَلِيٌّ، فإن البيع بشرط العتق عنده ثبت في حق بريرة؛ فألحق بيع غيرها به دلالة.
(والنَّسَمَة) النفس من نسيم الريح، وانتصاب «نسمة» على الحال على معنى معرضًا للعتق، وإنما صح هذا؛ لأنه لما كثرت في باب العتق صارت كأنها اسم
стр. 4665
فَالحُجَّةُ عَلَيْهِ مَا ذَكَرنَاهُ، وَتَفْسِيرُ المَبِيعِ نَسَمَة، أَنْ يُبَاعَ مِمَّنْ يَعْلَمُ أَنَّهُ يُعتِقُهُ لَا أَنْ يَشْتَرِطَ فِيهِ، فَلَو أَعْتَقَهُ المُشتَرِي بَعدَمَا اشْتَرَاهُ بِشَرطِ العِتقِ صَحَ البَيعُ حَتَّى يَجِبَ عَلَيْهِ الثَّمَنُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀، وَقَالَا: يَبْقَى فَاسِدًا حَتَّى يَجِبَ عَلَيْهِ القِيمَةُ (*)؛ لِأَنَّ البَيعَ قَدْ وَقَعَ فَاسِدًا فَلَا يَنْقَلِبُ جَائِزًا كَمَا إِذَا تَلِفَ بِوَجْهِ آخَرَ. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ ﵀: أَنَّ شَرط العِتقِ مِنْ حَيثُ ذَاتُهِ لَا يُلَائِمُ العَقدَ عَلَى مَا ذَكَرنَاهُ، وَلَكِن مِنْ حَيثُ حُكمُه يُلَائِمُهُ؛ لِأَنَّهُ مِنْهُ لِلمِلكِ وَالشَّيْءُ بِانتِهَائِهِ يَتَقَرَّرُ، وَلِهَذَا لَا يَمْنَعُ العِلْقُ الرُّجُوعَ بِنُقصَانِ العَيبِ،
لما هو تعرض للعتق فعوملت معاملة الأسماء المتضمنة لمعنى الأفعال كذا في المُغرِب (١).
وتمسك الشافعي بحديث بريرة أيضًا كما بيناه، وبالمعقول فقال: إن العتق في المبيع قبض، حتى إذا أعتق المشتري قبل القبض يصير قابضًا، والقبض من أحكام العقد فكان الإعتاق شرطًا ملائما للعقد فلا يفسده.
(والحجة عليه) أي على الشافعي (ما ذكرناه) وهو قوله ﵇: «نَهَى عَنْ بَيْعٍ (٢) وَشَرْط» رواه أبو حنيفة (٣) عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي ﷺ ، ولأن في هذا الشرط منفعة للمعقود عليه.
وهو من أهل الاستحقاق والعقد لا يقتضيه فيفسده، كما لو شرط ألا يبيعه أو شرط أن تُستَولَد الجارية أو يُدَبَّرَ العبد فإن العقد فاسد بالإجماع؛ لما فيه من منفعة المعقود عليه والعقد لا يقتضيه فكذا هذا.
وأما تأويل حديث عائشة؛ أنها اشترت بريرة مطلقا، ووعدت لها أن تعتقها لما جاءتها تستعينها في المكاتبة؛ لترضى هي بذلك فإن بيع المكاتبة لا يجوز بغير رضاها، ولأنه لم يكن في حديث بريرة شرط العتق فلم يكن حجة.
وأما دعواه أن هذا الشرط يلائم العقد، لا معنى له فإن البيع موجب للملك، والعتق مبطل له فكيف يكون بينهما ملائمة؟، وبيع العبد نسمة لا يكون بشرط العتق؛
стр. 4666
فَإِذَا تَلِفَ مِنْ وَجه آخَرَ لَم تَتَحَقَّق المُلَاءَمَةُ فَيَتَقَرَّرُ الفَسَادُ، وَإِذَا وُجِدَ العِلْقُ تَحَقَّقَت
لأن هذا الشرط يمنع استدامة الملك فيكون فقد ما هو المقصود بالعقد؛ بل يكون ذلك وعدًا من المشتري؛ فيكون البيع مطلقا كذا في المبسوط (١).
(تلف بوجه آخر) بأن مات أو قتله أو باعه.
وفي المبسوط (٢): قولهما قياس وهو رواية عن أبي حنيفة ﵀؛ لأن المقبوض بالعقد الفاسد مضمون بالقيمة عند تعذر رده، ولهذا لو اشترى بشرط التدبير والاستيلاد كانت مضمونة بالقيمة إذا تعذر ردها بأن وفي بذلك الشرط، وكذلك إذا اشترى بشرط العتق اعتبارًا بحقيقة الحرية بجهة الحرية.
وأبو حنيفة استحسن وقال: (إن) هذا (الشرط لا يلائم العقد) بنفسه (ولكن يلائمه بحكمه)؛ لأن العتق يُنهي المُلكَ؛ لأن الملك في بني آدم ثابت إلى العتق كالموت ينهي الملك وإنهاء الشيء تقرره، ولهذا لو اشترى عبدا فأعتقه، ثم اطلع على عيب يرجع بالنقصان بخلاف ما إذا باعه فكان هذا الشرط بحكمه ملائما للعقد، وبصورته غير ملائم لأن الإنسان لا يجبر على العتق بسبب الملك، وبالشرط يجبر عليه فلا يحكم بفساد العقد به على الثبات.
ولكنه موقوف؛ فإن استهلكه بوجه آخر يتقرر الفساد؛ لوجود صورة الشرط، وإن أعتقه تتقرر صفة الجواز باعتبار الملائمة بحكم العتق، وهو آية إنهاء الملك، ولكن الملائمة إنما تتحقق إذا وقع الأمن (٣) من الزوال من ملك المشتري إلى ملك غيره كما في الإعتاق والموت.
وبهذه التصرفات لا يثبت الأمن؛ لجواز أن يبيع المدبر وأم الولد وينفذ بيعهما بالقضاء، والمكاتب مخير في الإجارة، ويجوز أن يموت العبد قبل موت المولى فلا يتحقق الإنهاء؛ فلا تكون هذه التصرفات ملائمة للعقد من حيث المعنى.
فإن قيل: لما انقلب العقد إلى الجواز عند الوفاء بشرط العتق، ينبغي أن يقع هذا الشرط جائزا في ابتداء العقد أيضًا؛ لِمَا أن تحقيق الشرط الفاسد يوجب تحقيق الفساد، وتحقيق الشرط الجائز يوجب تحقيق الجواز.
قلنا: هذا الشرط ملائم للعقد من وجه دون وجه كما ذكرنا فقلنا: بفساد
стр. 4667
المُلَاءَمَةُ فَيُرَجَّحُ جَانِبُ الجَوَازِ فَكَانَ الحَالُ قَبْلَ ذَلِكَ مَوْقُوفًا.
قَالَ: (وَكَذَلِكَ لَو بَاعَ عَبدًا عَلَى أَنْ يَستَخدِمَهُ البَائِعُ شَهرًا، أَوْ دَارًا عَلَى أَنْ يَسكُنَهَا، أَوْ عَلَى أَنْ يُقْرِضَهُ المُشتَرِي دِرهَمًا، أَوْ عَلَى أَنْ يُهْدِيَ لَهُ هَدِيَّة)؛ لِأَنَّهُ شَرطٌ لَا يَقْتَضِيهِ العَقْدُ، وَفِيهِ مَنفَعَةٌ لِأَحَدِ المُتَعَاقِدَينِ؛ وَلِأَنَّهُ ﵊ نَهَى عَنْ بَيعٍ وَسَلَفٍ؛ وَلِأَنَّهُ لَو كَانَ الخِدمَةُ وَالسُّكَنَى يُقَابِلُهُمَا شَيْءٌ مِنْ الثَّمَنِ يَكُونُ
العقد من الابتداء، وبالجواز في الانتهاء عملا بالشبهين، وبالعكس لا يكون عملا بهما؛ لأنا نجد فاسدًا ينقلب جائزا بالبيع بالرقم ولا نجد جائزا ينقلب فاسدًا؛ فكان الوجه الأول أولى كذا في التحفة.
(ولهذا)؛ أي ولكن (العتق منهي للملك) لا مزيل له كان الملك باق، وتعذر الرد فيرجع بالنقصان؛ فلو كان مزيلًا لما رجع به.
(فكان الحال)؛ أي حال هذا العقد (قبل ذلك)؛ أي قبل الوفاء بالشرط (موقوفا)؛ أي لا نحكم بفساده على الثبات، لكنه موقوف كما ذكرنا من المبسوط.
ولو اشترى أمة بشرط أن يطأها المشتري أو بشرط ألا يطأها؛ فسد البيع عند أبي حنيفة فيهما؛ لأن العقد لا يقتضيهما؛ لأن قضيته إطلاق الانتفاع لا الحجر والإلزام، وفي الأول إلزام، وفي الثاني حجر.
وعند أبي يوسف؛ يصح في الأول؛ لأن العقد يقتضيه، وفي الثاني يفسد وبه قال الشافعي.
وعن محمد: صح العقد فيهما؛ لأن الثاني لم يقتضه العقد فلا يرجع نفعه إلى أحد؛ فكان هذا شرطًا لا طالب له ولا معتبر كذا في الكافي (فيه منفعة لأحد المتعاقدين) ولم يكن فيه عرف ظاهر، ولم يرد الشرع به فيفسد العقد.
قوله: (أو يهديه هدية) (١) وفي الكافي؛ أي ثوبًا بشرط أن [يقطعه] (٢) البائع، ويخيطه قميصا أو قباء.
قوله: (نهى عن بيع وسلف) فلا يجوز وبه قال الشافعي.
стр. 4668
إجارة في بيع، ولو كان لا يقابلهما يكون إعارة في بيع.
وعن مالك؛ أنه إذا شرط من منافع المبيع يسيرا كسكنى الدار يوما صح. وقال أحمد؛ إن شرط سكنى الدار يوما أو يومين لم يفسد؛ لعدم الإفضاء إلى المنازعة ظاهرا.
وقال ابن أبي ليلى والنخعي والحسن البصري: البيع جائز، والشرط فاسد وقال حدثني هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة؛ أنها لما أرادت أن تشتري بريرة فأبى مواليها ألا أن يكون الولاء لهم؛ فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ فقال: ﴿اشْتَرِي واشْتَرِطي؛ فَإِنَّ الوَلَاءَ لِمَنْ أَعْتَقَ﴾ ثم خطب النبي ﵇ فقال: «ما بال أقوام يشترطون شروطا ليست في كتاب الله، وكل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل، كتاب الله أحق، وشرط الله أوثق الولاء لمن أعتق» (١) ثم خطب.
عن ابن شبرمة: البيع صحيح والشرط صحيح وإليه ذهب الأوزاعي وأحمد في بيع الدار بشرط سكناها وبيع دابة بشرط ظهرها؛ لما روي عن جابر بن عبد الله أنه ﵇ اشترى منه ناقة في بعض الغزوات، وشرط جابر أن يكون ظهرها له إلى المدينة.
عن عبد الوارث بن سعيد قال: حججت [وأصيت] (٢) بمكة ثلاثة من فقهاء الكوفة؛ فسألت أبا حنيفة عن بيع وشرط. فقال: البيع جائز والشرط، وسألت ابن شبرمة فقال: البيع جائز والشرط، وسألت ابن أبي ليلى فقال: البيع جائز والشرط باطل؛ فسألت كل واحد عن حجته فتمسك بما ذكرنا.
وما استدل به أبو حنيفة حديث مشهور، ومطلق النهي يوجب فساد المنهي عنه، ولأن ما رواه محرم والمحرم راجح.
وأما حديث هشام فقال: قال أبو يوسف: أوهم هشام ما قال الرسول: «اشترطي الولاء لهم» (٣)؛ لأن هذا أمر بالمعروف ولا يظن بالنبي ﵇ ذلك. [وفي شرح] (٤) وجيزهم: تفرد به هشام ولم تتابعه سائر الرواة؛ فيحمل
стр. 4669
«وَقَدْ نَهَى النَّبِيُّ ﵊ عَنْ صَفقَتَيْنِ فِي صَفقَة» (*) قَالَ: (وَمَنْ بَاعَ عَيْنًا عَلَى أَنْ لَا يُسَلِّمَهُ إِلَى رَأْسِ الشَّهْرِ فَالبَيعُ فَاسِدٌ)؛ لِأَنَّ الْأَجَلَ فِي المَبِيعِ العَينِ بَاطِلٌ فَيَكُونُ شَرطًا فَاسِدًا، وَهَذَا؛ لِأَنَّ الأَجَلَ شُرِعَ تَرفِيهَا فَيَلِيقُ بِالدُّيُونِ دُونَ الأعيان.
على وهم وقع له، ولو صح؛ فتأويل «اشترطي الولاء عَليهِمؤ» واللام تذكر بمعنى على قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ هُمُ اللَّعْنَةُ﴾ [الرعد: ٢٥] بمعنى عليهم، أو معناه أعلمهم أمر الولاء فالاشتراط في اللغة: الإعلام. ومنه أشراط الساعة.
وتأويل حديث جابر: أن ذلك لم يكن شرطًا في البيع؛ بل يكون ذلك من الوعد وحسن العشرة والصحبة في السفر؛ بدليل قصة الحديث؛ فإن جابرا قال: كانت لي ناقة ثقال فنزل النبي ﵇ عن ناقته فدعا بماء ورشه في وجه ناقتي ثم قال: «اركبها» فركبتها فجعلت تسبق كل ناقة … الحديث إلى أن قال: «أتبيعني ناقَتَكَ بأربعمائة درهم» فقلت: هي لك يا رسول الله ولكن هي لي بالحمل إلى المدينة فقال: لكَ ظهرها إلى المدينة فلما قدمت المدينة جئتُ بالناقة إلى باب المسجد ودخلته فقال ﵇: «أين الناقةُ؟» فقلت: بالباب فقال ﵇: «جِئتَ تطلب الثمن» فسكت فأمر بلالا فأعطانيه فقال ﵇: «خُذْهُ معَ النَّاقَةِ بارك الله لك فيهما» وبهذا تبين أنه لم يكن بينهما بيع بشرط كذا في المبسوط (١).
قوله: (لا يصح التأجيل في المبيع العين) وبه قال الشافعي، وكذا في الثمن المعين عنده لا يصح تأجيله؛ لعدم الفائدة، وقيد المبيع به احترازًا عن السَّلَمِ؛ فإنه مبيع دين، ويصح الأجل فيه بالنص.
(شرع)؛ أي الأجل (ترفيها) أي تيسيرًا (فيليق بالديون)، وذلك أن الدين غير حاصل فكان الأجل فيه اتساع المدة التي يتمكن المشتري من تحصيله فيها بالكسب، أما (العين) فحاصل فلا حاجة فيها؛ أي ذكر الأجل للترفيه، ولأنه لا منفعة في اشتراط الأجل في العين؛ لأن يد بائعه لا تنبسط بالتصرف فيه بعد أن
стр. 4670
قَالَ: (وَمَنِ اشْتَرَى جَارِيَة إِلَّا حَمْلَهَا فَالْبَيعُ فَاسِدٌ) وَالأَصْلُ: أَنَّ مَا لَا يَصِحُّ إفْرَادُهُ بِالعَقدِ لَا يَصِحُّ اسْتِثنَاؤُهُ مِنْ العَقدِ، وَالحَملُ مِنْ هَذَا القَبِيلِ، وَهَذَا؛ لِأَنَّهُ بِمَنزِلَةِ أَطْرَافِ الحَيَوَانِ لِاِتِّصَالِهِ بِهِ خِلقَةٌ، وَبَيعُ الأَصلِ يَتَنَاوَلُهُمَا فَالِاسْتِثْنَاءُ يَكُونُ عَلَى خِلَافِ المُوجِبِ
صار مملوكًا لغيره بالعقد، والشرط ضرر على المشتري من حيث قصور يده عنه؛ فلا يجوز لعدم المنفعة للبائع، ووجود الضرر للمشتري.
(ما لا يصح إفراده بالعقد كعضو الحيوان وحمله لا يصح استثناؤه) وبه قال الإمام الشافعي في الأصح. وقال - في وجه -: يصح بيع الأم كما [لو] (١) باع الشجرة واستثنى الثمر قبل بدو صلاحها.
وفي الإيضاح: وما جاز انفراده بالعقد جاز انفراده بالجزء الشائع؛ لأن الاستثناء إخراج بعض الكلام من الحكم فجاز في كل ما يمكن إثبات الحكم فيه مقصودا، والاستثناء إنما يعمل فيما عمل فيه الصدر، وقد بيناه في استثناء أرطال معلومة.
(والحمل من هذا القبيل) فإن الجنين ما دام متصلا فهو في حكم جزء منها، كاليد والرجل ألا ترى أنه يقطع عنها بالمقراض، وأجزاء الحيوان لا تقبل العقد مقصودًا فلا يكون مقصودًا بالاستثناء، وهذا لأن الجنين في البطن مجهول لا يدرى أذكر أم أنثى، واحد أم مثنى؟.
وكذا لو وقع البيع على بَزّ أو أغنام أو نخيل، واشترط أن يرد المشتري إحداهن بغير عينها فالبيع فاسد؛ لأن المستثنى مجهول، وبه يصير المستثنى [منه] (٢) مجهول أيضًا، هذه جهالة تفضي إلى المنازعة؛ لأنها متفاوتة في المالية فيفسد البيع كذا في المبسوط (٣).
(يتناولهما)؛ أي الأصل والظرف، وفي بعض النسخ: (يتناوله)؛ أي الحمل (على خلاف الموجب)؛ أي موجب العقد؛ لأن العقد يوجب أن يكون
стр. 4671
فَلَا يَصِحُّ فَيَصِيرُ شَرطًا فَاسِدًا، وَالبَيعُ يَبطُلُ بِهِ، وَالكِتَابَةُ وَالإِجَارَةُ وَالرَّهْنُ بِمَنزِلَةِ البَيع؛ لِأَنَّهَا تَبطُلُ بالشُّرُوطِ الفَاسِدَةِ، غَيْرَ أَنَّ المُفْسِدَ فِي الكِتَابَةِ مَا يَتَمَكَّنُ فِي صُلبِ العَقدِ مِنهَا، وَالهِبَةُ وَالصَّدَقَةُ وَالنِّكَاحُ وَالخُلعُ وَالصُّلْحُ عَنْ دَمِ العَمْدِ لَا تَبْطُلُ باستثنَاءِ الحَملِ، بَلْ يَبطُلُ الاسْتِثْنَاءُ؛ لِأَنَّ هَذِهِ العُقُودَ لَا تُبْطِلُ الشُّرُوطَ الفَاسِدَةَ،
مقصودًا (فلم يصح)؛ أي الاستثناء (فيصير)؛ أي الاستثناء (شرطًا فاسدًا) وفيه نفع للبائع، (والبيع يبطل) بالشرط الفاسد بمنزلة البيع من حيث إنها معاوضة غير أن المفسد في الكتابة شرط تمكن (في صلب العقد)، وهو ما يقوم به العقد، فلو كاتب المسلم عبده على خمر أو خنزير أو على قيمته؛ فالكتابة فاسدة لتمكن الشرط المفسد في صلب العقد.
قيد الفساد في الصلب حتى لو ثبت الفساد في علقة من علائقه، لا يفسد بأنه كاتبه بألف إلى الحصاد، أو الدياس أو القطاف، أو كاتبه على أن يستخدمه، أو كاتبه على (ألا يخرج من الكوفة)؛ لأن هذا الشرط يخالف مقتضى العقد، وهو مالكية اليد على جهة الاستبداد؛ فبطل الشرط، وصح العقد؛ لأنه لم يتمكن في صلب العقد.
وإنما قلنا: إن الكتابة إنما تفسد إذا وجد المفسد في الصلب، ولا يفسد إذا كان عارضًا؛ لأن الكتابة تشبه البيع؛ أي انتهاء من حيث إنه مال في حق المولى فيكون معاوضة، وتشبه الإعتاق والنكاح من حيث إنه ليس بمال في حق نفسه.
والبيع يبطل بالشرط مطلقا سواء كان في صلبه أو غيره فعملنا بالشبهين، فإذا وجد المفسد في صلبه يفسد لشبهها البيع، وإذا وجد في غيره لا يفسد لشبهها الإعتاق والنكاح ولا يمكن العمل بالعكس، ويعرف بالتأمل، إليه أشير في المبسوط (١) والكافي.
(لا تبطل باستثناء الحمل)؛ يعني لو قال: وهبتها إلا حملها أو بصدقتها عليك إلا حملها. (لا تبطل بالشروط الفاسدة)؛ لأن الفساد به باعتبار إفضائه إلى الربا، وإذن يتحقق في المعاوضات دون التبرعات والإسقاطات، والهبة وإن
стр. 4672
وَكَذَا الوَصِيَّةُ لَا تَبْطُلُ بِهِ، لَكِن يَصِحُ الاستثنَاءُ حَتَّى يَكُونَ الحَملُ مِيرَاثًا وَالجَارِيَةُ وَصِيَّة؛ لِأَنَّ الوَصِيَّةَ أُختُ المِيرَاثِ، وَالمِيرَاثَ يَجْرِي فِيمَا فِي البَطنِ، بِخِلَافِ مَا إِذَا اسْتَثَنَى خِدمَتَهَا؛ لِأَنَّ المِيرَاثَ لَا يَجْرِي فِيهَا.
قَالَ: (وَمَنِ اشْتَرَى ثَوبًا عَلَى أَنْ يَقطَعَهُ البَائِعُ وَيَخِيطَهُ قَمِيصًا أَوْ قَبَاءً، فَالبَيعُ
كانت من قبيل التمليكات إلا أنا عرفنا بالنص أن الشرط الفاسد لا يفسدها، وهو أنه ﵇ أجاز العُمرى، وأبطل شرط المعمر حتى تصير العُمرى لورثته؛ أي الموهوب له لا لورثة المُعمّر إذا شرط عوده، (بخلاف ما إذا استثنى خدمتها) يعني أوصى بجارية إلا خدمتها حيث يصح الاستثناء.
(لأن الميراث لا يجري فيه)؛ أي في الخدمة على تأويل المذكور، وصورَتُهُ؛ ما إذا أوصى بخدمة العبد ثم مات الموصى له، ولم يكن لورثة الموصى له الاستخدام، وهذا لأن الوراثة خلافة والخلافة فيما كان ملكًا للمورث وهذا لا يتصور إلا فيما يبقى وقتين؛ فأما الوصية إيجاب الملك بالعقد بمنزلة الإجارة والإعارة كذا في المبسوط (١).
فإن قيل: يشكل هذا على النكتة الأولى، وهو أن ما يصح إفراده بالعقد يصح استثناؤه، والخدمة يصح العقد فيها بأن أوصى بالخدمة؛ فينبغي أن يصح استثناؤها.
قلنا: الأصلُ مُطَّرِدٌ، إلا أنه لا يجوز استثناء الخدمة؛ باعتبار أن الاستثناء تصرف في اللفظ، ولفظ الجارية لا يتناول الخدمة فلم يصح الاستثناء، ولأنه لا يسلم أن الوصية عقد.
ألا ترى أنه يصح قبول الموصى له بعد موت الموصي، والعقد بعد الموت لا يصح؛ فلا يتناول لفظ العقد الوصية مطلقًا فلا يكون عقدًا فلا يرد نقضًا، ولأنا لو قلنا بصحة الاستثناء يلزمه أن يرد الخدمة إلى ورثة الموصي، والإرث فيها لا يجري في الإعتاق دون المنافع؛ فلم يصح الاستثناء.
قوله: (ومن اشترى ثوبًا … ). إلى آخره لا خلاف للأئمة الأربعة فيه،
стр. 4673
فَاسِدٌ)؛ لِأَنَّهُ شَرطٌ لَا يَقْتَضِيهِ العَقْدُ وَفِيهِ مَنفَعَةٌ لِأَحَدِ المُتَعَاقِدَينِ؛ وَلِأَنَّهُ يَصِيرُ صَفقَة فِي صَفَقَة عَلَى مَا مَرَّ (وَمَنِ اشْتَرَى نَعلًا عَلَى أَنْ يَحْذُوهُ البَائِعُ أَوْ يُشَرِّكَهُ فَالبَيعُ فَاسِدٌ) قَالَ ﵁: مَا ذَكَرَهُ جَوَابُ القِيَاسِ، وَوَجهُهُ مَا بَيَّنَا، وَفِي الاسْتِحْسَانِ: يَجُوزُ لِلتَّعَامُلِ فِيهِ فَصَارَ كَصَبِغِ الثَّوبِ، وَلِلتَّعَامُلِ جَوَّزْنَا الاسْتِصْنَاعَ.
وقوله: (على ما مر) إشارة إلى قوله: (لو كان للخدمة والسكنى لا يقابلهما شيء … ) إلى آخره.
قوله: (ومن اشترى نعلا)، أراد بالنعل الصرم تسمية الشيء باسم ما يؤول إليه.
(يحذوها)؛ أي يجعلها مساويًا للآخر (أو يشركه)، والتشريك مثله.
(ما ذكره؛ أي القدوري (جواب القياس)، وهو قول زفر وبه قال الشافعي في الأصح. ووجهه)؛ أي وجه القياس (ما بيناه)، وهو أنه شرط لا يقتضيه العقد، وفيه منفعة لأحد المتعاقدين للتعليل يعني فيه عادة وفي النزوع عن العادة حرج بينٌ، والتعامل راجح على القياس؛ لأنه إجماع عملي صار كصبغ الثوب، يعني لو استأجر صباعًا لصبغ ثوبه؛ ففي القياس لا يجوز؛ لأنه عقد على استهلاك العين وهو الصبغ.
والإجارة؛ بيع المنافع لا بيع العين، وفي صبغه يلزم بيع العين، لا المنفعة المجردة، وكذا ترك القياس في استئجار الحمام والطير؛ لأن فيهما استهلاك الماء واللبن.
وفي الفوائد: المستحق بالإجارة فعل الصبغ والحضانة في استئجار الصباغ والظئر واللبن آلة فعلهما، كما يجيء في الإجارات، وكذا في الاستصناع ترك القياس وهو أنه بيع المعدوم لا يجوز.
ومن أنواع التعامل ما ذكره في شرح الطحاوي؛ ما لو اشترى صرما على أن يحوز البائع خفا أو قلنسوة، يشترط أن يبطن له البائع من عنده جاز البيع بهذا الشرط للتعامل.
وفي المبسوط (١): اشترى شاة بشرط أنها حامل فالعقد فاسد، وبه قال
стр. 4674
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الشافعي في قول، وقال في الأصح: يصح وهو رواية الحسن، وقال بعض أصحابه القولان في غير الآدمي، أما في الجواري يصح قولا واحدًا وهو قولنا.
ذكر هشام عن محمد: اشترى جارية على أنها حامل، يجوز البيع إلا أن يظهر أن المشتري يريدها للظؤورة؛ فحينئذ يفسد.
وعن الهندواني: لو شرط الحبلَ من البائع لا يفسد؛ لأن البائع يذكره على بيان العيب عادة، ولو وجد من المشتري يفسد؛ لأنه ذكره على وجه اشتراط الزيادة، ولو اشترى سِمْسِمًا أو زيتونا أو حنطة على أن فيهما كذا دهنًا أو يطحن منها، كذا محترم دقيق يفسد البيع وبه قال الشافعي.
ولو اشترى شاة وشرط أنها حلوب أو لبون لم يذكر محمد وقال الكرخي: يفسد. وقال الطحاوي: لا يفسد وبه قال الشافعي؛ لأنه شرط مرغوب، وقد مر قبيل باب خيار الرؤية.
وفي المحيط: الشروط على وجوه: ما يقتضيه العقد وبه لا يفسد.
والثاني: ما لا يقتضيه لكن يلائمه، ويؤكد موجب العقد كشرط أن يرهن بالثمن، أو يكفل فلان به وهو حاضر فقبله أو حضر قبل افتراقهما وقبله، وشرط الحوالة كالكفالة فلا يفسد أيضًا وبه قال الشافعي.
والثالث: ما لا يلائم العقد، ولكن ورد الشرع بجوازه كالخيار والأجل، أو متعارف كثيرًا، النعل بشرط الحذو والتشريك فلا يفسد أيضًا.
والرابع: ما لا يقتضيه ولا يلائمه ولم يرد الشرع بجوازه، ولم يكن فيه عرف، وفيه منفعة لأحد المتعاقدين؛ كالبيع بشرط أن يهبه أو يقرضه كذا أو يهب أو يقرض البائع للمشتري، أو فيه منفعة للمعقود عليه وهو من أهل الاستحقاق كالآدمي؛ كالبيع بشرط العتق والتدبير والكتابة فيفسد البيع به.
والخامس: ما يكون فيه منفعة، لكنه ليس من أهل الاستحقاق كثيرًا الحيوان بشرط ألا يبيعه أو لا يهبه أو لا يعلفه كذا، أو يُسَيِّبها في المرعى فلا يفسد به البيع.
والسادس: أن تكون المنفعة في الشرط لغير العاقدين، كالبيع بشرط أن يقرض فلانا كذا؛ ففيه اختلاف المشايخ.
стр. 4675
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قال محمد: كل شيء يشترط على البائع يفسد به البيع؛ فلو شرط على أجنبي فهو باطل، وكل شيء يشترط عليه لا يفسد به البيع؛ فإذا شرط على أجنبي فهو جائز، وهو بالخيار كالبيع بالمائة على أن يحط فلان الأجنبي عشرة جاز البيع، ويخير المشتري إن شاء أخذ بمائة وإن شاء ترك.
وعن أبي يوسف: لو اشترى على أن يهب البائع للمشتري أو لفلان الأجنبي دينارًا من الثمن فالبيع فاسد. وفي المنتقى لو اشترى على أن يهب له دينارًا من الثمن جاز.
والسابع: ما لا يكون منفعة لأحدهما ولا للمعقود عليه، ولكن فيه مضرة لأحدهما كبيع الثوب بشرط ألا يبيعه ولا يهبه؛ جاز عندهما خلافا لأبي يوسف، وهو رواية عن أبي حنيفة.
والثامن: ما لا منفعة فيه ولا مضرة؛ كبيع الطعام بشرط الأكل أو الثوب بشرط اللبس فالبيع جائز.
وعن أبي يوسف: [لو اشترى] (١) جارية بشرط ألا يستخدمها أو طعاما بشرط ألا يأكله فسد البيع، وبشرط أن يعطي الثمن من ماله فلان مختلف، ولو باع صبرة إلا صاعًا منها يبطل البيع، خلافا لأبي يوسف. وفي النتف: يفسد.
ولو باعها بمائة على أن عشرها لي فللمشتري تسعة أعشارها، بتسعة أعشار الثمن، ولو قال: إلّا عشرها فله تسعة أعشارها بجميع الثمن.
وعن محمد؛ بجميع الثمن فيهما، ولو باع دارًا على أن له طريقا من هذا الموضع إلى باب الدار، ووصف له طوله وعرضه لا يصح. ولو قال: إلّا طريقا والمسألة بحالها ووصف طوله وعرضه يصح؛ لأنه باع ما عدا الطريق بجميع الثمن، ولو قال إلا طريقا إلى داري الداخلة جاز.
باع رقبة الطريق على أن له حق المرور، أو السفل على أن له حق قرار العلو جاز.
ولو باع عبدين على أنه شريك المشتري في نصف هذا فَسَدَ، ولو قال: في نصفها جاز كما لو باع هذا الثوب، وقال أنا شريكك في نصفه، ولو قال: هذا
стр. 4676
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الغلام بألف إلّا نصفه بستمائة فقد باع نصفه بأربعمائة، ولو باعه بألف أو بمائة دينار إلا درهما أو إلا ثوبًا أو إلّا كُرَّ حنطة أو هذه إلا واحدةً لم يجز، ولو كانت بعينها جاز.
وعن أبي يوسف لو قال: أبيعك هذه المائة شاة بمائة على أن هذه لي أو ولي بعده فسد، ولو قال: إلا هذه كان ما بقي بمائة، ولو قال: ولي نصفها كان النصف بخمسين.
وعن محمد؛ بعتُكَه بألف إلّا نصفه بخمسمائة جاز في كله بألف وخمسمائة. ولو قال: على أن لي نصفه بثلاثمائة أو بستمائة أو بمائة دينار فسد؛ لإدخال صفقة في صفقة.
باع قرية يستثنى منها؛ المساجد والطرق والفارقين وسور القرية؛ لأن السور بقي على أصل الإباحة عند القسمة؛ فلا يدخل تحت البيع.
وكل شرط في العقد يفسد؛ فكذا إذا شرط بعد العقد يفسد عند أبي حنيفة خلافا لهما.
وقال الشافعي: ما داما في المجلس يفسد وإلا لا، ولو كان من بينهما الشرط الفاسد، وقد تواضعا قبله لم يؤثر عند أبي حنيفة، ويفسد البيع عندهما.
ولو أخذ مديونه وسأله بيع داره؛ فشرط إن هو باعها منه، أقاله فيها إن قضاه دينه ورضي به مشتريه، ثم أطلقا البيع خاليًا عن الشرط؛ فالبيع صحيح، ولو باع من مديونه ثم قال: إن قضيتني فأفسخك البيع؛ لأن هذا شرطًا فاسدًا فلا يفسد به البيع.
اشتراه على ألا يدفعه إليه قبل دفع الثمن، أو على شرط أن يدفع الثمن في بلد آخر يفسد البيع؛ لأن التأجيل في المبيع العين يفسده كما ذكرنا، ولذلك لا يجوز توقيت البيع؛ سواء كان الأجل معلومًا أو مجهولا، لا لكونه على خلاف موجبه الذي هو التأبيد؛ فتعين ما قلنا كذا في الإيضاح وشرح الطحاوي، وفيهما لو كان الثمن عينًا؛ فضرب فيه الأجل فسد البيع؛ سواء كان الأجل معلومًا أو مجهولا كالمبيع، وبه قال الشافعي كما ذكرنا.
стр. 4677
قَالَ: (وَالبَيعُ إِلَى النَّيرُوزِ وَالمِهْرَجَانِ وَصَومِ النَّصَارَى وَفِطْرِ اليَهُودِ إِذَا لَم يَعرِفِ المُتَبَايِعَانِ ذَلِكَ فَاسِدٌ) لِجَهَالَةِ الأَجَلِ وَهِيَ مُفضِيَةٌ إِلَى المُنَازَعَةِ فِي البَيعِ لِابْتِنَائِهَا عَلَى المُمَاكَسَةِ، إِلَّا إِذَا كَانَا يَعرِفَانِهِ لِكَونِهِ مَعلُومًا عِندَهُمَا، أَوْ كَانَ التَّأْجِيلُ إلَى فِطرِ النَّصَارَى بَعدَمَا شَرَعُوا فِي صَومِهِم؛ لِأَنَّ مُدَّةَ صَومِهِم ..
النيروز؛ أصله النوروز، لكن لما لم يكن في أوزان العرب فوعول أبدلوا الواو ياء، وقد تكلم عمر ﵁ به حين كان الكفار يبتهجون باليوم الذي يسمونه نوروزًا فقال: كل يوم لنا نوروز، وهو يوم في طرف الربيع (١). والمهرجان؛ تعريب مهركان، وهو يوم في طرف الخريف كذا في الفوائد الشاهية.
فإن قيل: لم خصَّ الصوم بالنصارى والفطر باليهود؟.
قلنا: يحتمل أن يكون مبدأ صوم اليهود معلومًا دون صومهم، ألا ترى أنه قال: (وكان التأجيل إلى فطر النصارى بعدما شرعوا في صومهم) صح.
ثم اعلم أن التأجيل في الدين يجوز بلا خلاف، ولا تجوز المطالبة قبل حلول الأجل بالنص، وهو قوله ﴿إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْن﴾ [البقرة: ٢٨٢] الآية (٢).
وقوله ﵇ لعبد الله بن عمرو بن العاص حين أمره أن يجهز جيشا -: «ابْتَعْ ظهرًا إِلَى خُروج المُصَدِّقِ» فابتاع البعير بالبعيرين (٣)، وكذا في كل دين لزم بأي وجه لزم.
أما لو كان الأجل مجهولاً مثل أن يقول: بعتك إلى مدة أو إلى قدوم زيد أو إلى مجيء المطر؛ فالعقد باطل بالإجماع، ولو كان الأجل معلومًا فالعقد صحيح بالإجماع، ولا خلاف لأحد فيه كذا في كتبنا وكتب أصحاب الشافعي.
(لابتنائها)؛ أي لابتناء الصفقة أو المبايعة أو المنازعة (على المماكسة)، والمماكسة موجودة في البيع فكانت المنازعة موجودة فيه؛ لوجود موجبها.
стр. 4678
مَعْلُومَةٌ بِالأَيَّامِ فَلَا جَهَالَةَ فِيهِ.
قَالَ: (وَلَا يَجُوزُ البَيعُ إِلَى قُدُومِ الحَاجِّ)، وَكَذَلِكَ إِلَى الحَصَادِ وَالدِّيَاسِ وَالقِطَافِ وَالجِزَازِ؛ لِأَنَّهَا تَتَقَدَّمُ وَتَتَأَخَّرُ، وَلَو كَفَلَ إِلَى هَذِهِ الأَوقَاتِ جَازَ؛ لِأَنَّ
المكس في البيع؛ استنقاص الثمن، والمماكسة والمكاس في معناه كذا في المغرب (١).
(إلا إذا كانا)؛ أي البائع والمشتري (يعرفانه) بأن تصادقا بعرفان ذلك. في المبسوط (٢) أن هذه الآجال ليست من آجال المسلمين؛ فإنهم لا يعرفون وقت ذلك عادة، حتى لو كانت معلومة عندهما جاز البيع بمنزلة الأهلة؛ لأن الشرط إعلام الأجل بينهما، وكذلك لا يعرف المسلمون وقت صوم النصارى؛ فإنه قد يتقدم وقد يتأخر، وكذلك إلى فطرهم أو فطر اليهود وكذلك إلى الميلاد.
قيل: المراد من الميلاد نتاج البهائم، وذلك قد يتقدم وقد يتأخر.
وقيل: وقت ولادة عيسى ﵇، وذلك غير معلوم عند المسلمين بالأيام. (معلومة) وهي خمسون يوما.
(الحصاد) - بفتح الحاء وكسرها -؛ قطع الزرع، (والدياس)؛ أصله من الدوس؛ فصار الواو ياء لانكسار ما قبلها، والدوس؛ شدة وطء الشيء بالقدم، وفي الطعام أن يوطأ بقوائم الدواب.
(والقطاف)؛ قطع العنب بالفتح والقطف بالكسر العنقود قال تعالى: ﴿قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ﴾ [الحاقة: ٢٣]، والعطاء والقطاف - بالفتح -: وقت القطع.
(والجَزُّ): القطع يقال؛ جز الصوف والنخل والزرع والجزاز وفيه الكل من الصحاح (٣)، والمراد هنا وقت جزاز النخل وفيه؛ فهذا كله فاسد بلغنا نحو ذلك عن ابن عباس؛ فإن عائشة تجيز البيع إلى العطاء وابن عباس يفسده، وأخذ ابن أبي ليلى بقول عائشة فقال: البيع جائز، والمال في الحال لازم؛ لأن العقد لم يكن صالحًا للأجل الذي ذكرناه.
стр. 4679
الجَهَالَةَ اليَسِيرَةَ مُتَحَمَّلَةٌ فِي الكَفَالَةِ وَهَذِهِ الجَهَالَةُ يَسِيرَةٌ
فأما عائشة كانت تقول: وقت خروج العطاء معلوم بالعرف لا يتأخر الخروج عنه إلا نادرًا؛ فكان هذا بيعا بأجل معلوم، وذلك أن في عصرها الخلفاء الراشدين وكانوا لا يخلفون الميعاد في العطاء فلم يتغير الوقت فكان الأجل معلوما.
وفي زماننا بخلافه فصار مجهولا وأخذنا بقول ابن عباس؛ لأن العطاء فعل العباد قد يتقدم وقد يتأخر بحسب ما يبدو لهم، والآجال بالأوقات دون الأفعال، قال تعالى: ﴿هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ﴾ [البقرة: ١٨٩].
والشرط؛ إعلام الأجل في البيع ببدل مؤجل كما قال ﵇: «إِلَى أَجَلٍ معلوم» (١) وإعلام الأجل يكون بما لا يتقدم ولا يتأخر من الأيام والشهور؛ فأما ما يتقدم وما يتأخر من أفعال العباد يكون مجهولا، وكذا الحصاد قد يتقدم، وقد يتأخر بتعجيل الحَرِّ وبطء البرد، وكذلك الجزاز والدياس، وقدوم الحاج فعل العباد، قد يتقدم وقد يتأخر.
قوله: (متحملة في الكفالة)؛ لأن مبناها على التسامح والتساهل لكونها عقد تبرع، ومعنى البيع على المماكسة والمضايقة؛ فتحملت الجهالة اليسيرة في الكفالة دون البيع، ولأن الكفالة تشبه النذر ابتداء من حيث إنها إلزام محض من غير أن يقابله شيء، وفي النذر تتحمل الجهالة وإن فحشت.
وتشبه المعاوضة انتهاء؛ باعتبار الرجوع إلى المكفول عنه، ولا تتحمل الجهالة في المعاوضات، وإن قلت: فقلنا: تتحمل الجهالة اليسيرة دون الفاحشة عملا بالشبهين، وفي العكس لا يكون عملا بهما، كذا في الفوائد الشاهية.
وإنما ذكر الكفالة للفرق؛ يعني أن الكفالة بمنزلة التأجيل من حيث إن كل واحد تبرع؛ فينبغي أن لا تجوز الكفالة إلى هذه الأوقات أو يجوز التأجيل إليها.
فإن قيل: كون (الجهالة اليسيرة) متحمّلة في موضع لا يدل على أن يكون
стр. 4680
مُستَدرَكَةٌ لِاخْتِلَافِ الصَّحَابَةِ ﵃ فِيهَا وَلِأَنَّهُ مَعلُومُ الأَصلِ؛ أَلَا يُرَى أَنَّهَا تَحْتَمِلُ الجَهَالَةَ فِي أَصل الدِّينِ بِأَنْ تُكفَلُ بِمَا ذَابَ عَلَى فُلَان فَفِي الوَصفِ أُولَى بِخِلَافِ البَيعِ، فَإِنَّهُ لَا يَحْتَمِلُهَا فِي أَصلِ الثَّمَنِ، فَكَذَا فِي وَصفِهِ، بِخِلَافِ مَا إِذَا بَاعَ مُطلَقًا
التأجيل إلى هذه الأوقات المجهولة متحملا لها. ألا ترى أن الصداق يتحمل الجهالة في الوصف ومع هذا لا يصح تأجيله بهذه الآجال.
وهذا إشكال ذكره شمس الأئمة السرخسي (١)، ثم أجاب عنه فقال في جوابه: هذا الفصل غير محفوظ في الكتب، وبين مشايخنا فيه اختلاف، والأصح أنه تثبت هذه الآجال في المهر؛ لأن اشتراط هذه الآجال لا يؤثر في أصل النكاح، بخلاف البيع فيبقى هذا أجلا في الدين المستحق، وجه غير الأصح أن المعقود عليه في النكاح، وهي المرأة لا تحتمل الجهالة كما في البيع؛ فكذا الأجل في البدل المشروط فيه بخلاف الكفالة، كذا في الفوائد الظهيرية.
(مستدركة)؛ أي قابلة للتدارك في الكفالة بإزالتها (لاختلاف الصحابة فيها)؛ أي في هذه الآجال هل هي مانعة لجواز البيع، كما ذكرنا من قول عائشة بجوازه، وقول ابن عباس بعدم جوازه؟ يعني اختلافهم في جواز التأجيل إلى هذه الآجال، دليل على أن (الجهالة يسيرة)، واليسيرة متحملة في الكفالة مانعة للبيع.
ألا ترى أنها؛ أي الكفالة (تحتمل الجهالة ففي الوصف)؛ أي وصف الدين وهو آدمي (أولى) (فإنه)؛ أي البيع (لا يحتملها)؛ أي الجهالة (في أصل الثمن) حتى لو باع بثمن مجهول لم يصح (فكذا في وصفه)؛ أي في وصف الثمن، وهو الأصل؛ إذ الوصف لا يخالف الأصل، ولأن معنى الإفضاء إلى النزاع يشملهما، ولا منازعة في الكفالة؛ لأنه نوع تبرع ابتداء؛ فيبتني على المسامحة وفيه نوع تأمل.
(باع مطلقًا)؛ أي بدون ذكر الأجل فيقع العقد صحيحًا بلا أجلٍ، والتأجيل
стр. 4681
ثُمَّ أَجَلَ الثَّمَنَ إِلَى هَذِهِ الأَوقَاتِ حَيثُ جَازَ؛ لِأَنَّ هَذَا تَأْجِيلٌ فِي الدِّينِ وَهَذِهِ الجَهَالَةُ فِيهِ مُتَحَمَّلَةٌ بِمَنزِلَةِ الكَفَالَةِ، وَلَا كَذَلِكَ اشْتِرَاطُهُ فِي أَصْلِ العَقدِ؛ لِأَنَّهُ يَبْطُلُ بِالشَّرطِ الفَاسِدِ.
(وَلَو بَاعَ إِلَى هَذِهِ الآجَالِ ثُمَّ تَرَاضَيَا بِإِسْقَاطِ الأَجَلِ قَبْلَ أَنْ يَأْخُذَ النَّاسُ فِي الحَصَادِ وَالدِّيَاسِ وَقَبْلَ قُدُومِ الحَاجِّ جَازَ البَيعُ أَيضًا).
وَقَالَ زُفَرُ ﵀: لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ وَقَعَ فَاسِدًا فَلَا يَنْقَلِبُ جَائِزًا، وَصَارَ كَإِسْقَاطِ
بعد وقوع البيع صحيحًا، كالكفالة فتتحمل هذه الجهالة بخلاف المشروط في العقد، فإن العقد لا يتحمل الجهالة؛ فيصير شرطًا فاسدًا؛ فيفسد العقد به.
وقوله: (إلى هذه الآجال)؛ احتراز عن البيع إلى هبوب الريح ومجيء المطر (ثم تراضيا على إسقاط الأجل حيث لا ينقلب جائزا)؛ لأن هذا غرر ليس بأجل؛ إذ الأجل ما يكون منتظر الوجود والأمطار والهبوب قد تتصل بكلامه؛ فلا يكون أجلًا فيفسد البيع بالشرط، وبإسقاط الشرط الفاسد لا ينقلب جائزا، أما الأول فأجل؛ لأنه منتظر فإنه مدة ينتظر وجودها، كذا ذكره الإمام التمرتاشي وإليه أشير في المبسوط (١).
وقوله: (أيضًا) متصل بقوله: (ثم أجل الثمن إلى هذه الآجال حيث جاز)، (وقال زفر والشافعي في الأصح؛ لا يجوز؛ أي لا ينقلب) إلى الجواز؛ لما انعقد فاسدا كالنكاح بغير شهود لا ينقلب صحيحًا بالإشهاد بالإجماع.
وقلنا: المانع من صحة البيع زال قبل تقرره؛ فيصح البيع كما لو باع فضا في خاتم أو جذعًا في سقف، ثم نزعه وسلمه كان البيع صحيحا.
يوضحه أن نفس الأجل غير مفسد للبيع، إنما المفسد جهالته وذلك غير موجود في الحال؛ فبإسقاطه قبل مجيء أوان الحصاد يتحقق الانفصال؛ فيبقى صحيحًا كما في الجذع؛ فباعتبار أنه مال متقوم محل للبيع، ولكن باتصاله بالسقف والضرر في نزعه كان لا يصح البيع؛ فإذا نزعه زال ذلك المانع كذا هاهنا، ولهذا لو جاء زمان الحصاد، وتحقق الاتصال على وجه لا يمكنه فصله يتقرر الفساد.
стр. 4682
الأَجَلِ فِي النِّكَاحِ إِلَى أَجَلٍ، وَلَنَا: أَنَّ الفَسَادَ لِلمُنَازَعَةِ وَقَدْ ارتَفَعَ قَبْلَ تَقَرُّرِهِ وَهَذِهِ الجَهَالَةُ فِي شَرط زَائِد لَا فِي صُلبِ العَقدِ فَيُمْكِنُ إِسقَاطُهُ، بِخِلَافِ مَا إِذَا بَاعَ الدّرهَمَ بِالدّرهَمَينِ ثُمَّ أَسقَطَا الدَّرْهَمَ الزَّائِدَ؛ لِأَنَّ الفَسَادَ فِي صُلبِ العَقدِ، وَبِخِلَافِ النِّكَاحِ إِلَى أَجَلٍ؛ لِأَنَّهُ مُتعَةٌ وَهُوَ عَقدٌ غَيْرُ عَقدِ النِّكَاحِ، وَقَولُهُ: فِي الكِتَابِ ثُمَّ تَرَاضَيَا خَرَجَ وِفَاقًا؛ لِأَنَّ مَنْ لَهُ الأَجَلُ يَستَبِدُّ بِإِسْقَاطِهِ؛ لِأَنَّهُ خَالِصُ حَقِّهِ.
أما النكاح بغير شهود فالمفسد هناك انعدام شرط الجواز، وذلك بالإشهاد بعده لا ينقلب جائزا، كما لو صلى بغير طهارة ثم توضأ لا ينقلب صحيحا، (والنكاح إلى أجل متعة معنى)، كما بينا في النكاح، والمتعة عقد آخر غير النكاح والعقد لا ينقلب عقدًا آخر، وهذا بخلاف البيع بألف ورطل من خمر فإن ذلك ينقلب صحيحًا عندنا؛ إذا اتفقا على إسقاط الخمر، نص محمد عليه في آخر الصرف، إلا أن هناك لا ينفرد به البائع؛ لأنه ينصرف في البدل فلا يتم إلا بهما.
وهاهنا ينفرد من له الأجل وهو المشتري؛ لأنه خالص حقه فيسقط بإسقاطه كذا في المبسوط.
(كإسقاط الأجل في النكاح) يعني على أصلكم، أما عند زفر فالنكاح إلى أجل جائز، والشرط باطل لما مر في النكاح (قبل تقرره)؛ أي تقرير الفساد، وهو جهالة وقت التأجيل (للمنازعة)؛ أي في الحصاد فإذا أسقطه لا تقع المنازعة.
والمراد بكونها في صلب العقد أن تكون في أحد العوضين. (وقوله)؛ أي قول صاحب القدوري؛ أي قول محمد في الكتاب المبسوط؛ لأن من له الأجل، وهو المشتري (يستبد بإسقاطه)؛ أي الأجل؛ (لأنه)؛ أي الأجل (خالص حقه) وحق الإنسان ما يتولى إسقاطه وإثباته.
ولهذا صرح في مبسوط (١) شمس الأئمة المشتري حيث قال؛ فإن أبطل المشتري الأجل الفاسد ونقد الثمن جاز البيع عندنا استحسانًا.
وفي المجتبى: في المحيط: وعلى هذا الخلاف إذا باع بشرط الخيار إلى
стр. 4683
قَالَ: (وَمَنْ جَمَعَ بَينَ حُرٍّ وَعَبْدٍ، أَوْ شَاةٍ ذَكِيَّةٍ وَمَيِّتَةٍ، بَطَلَ البَيعُ فِيهِمَا) وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ رَحِمَهُمَا اللَّهُ: إِنْ سَمَّى لِكُلِّ وَاحِد مِنْهُمَا ثَمَنًا جَازَ فِي العَبدِ وَالشَّاةِ الذَّكِيَّةِ (*) (وَإِنْ جَمَعَ بَينَ عَبد وَمُدَبَّر، أَوْ بَينَ عَبْدِهِ وَعَبْدِ غَيْرِهِ، صَحَ البَيعُ فِي العَبدِ بِحِصَّتِهِ مِنْ الثَّمَنِ) عِنْدَ عُلَمَائِنَا الثَّلَاثَةِ، وَقَالَ زُفَرُ ﵀: فَسَدَ فِيهِمَا، وَمَتَرُوكُ التَّسْمِيَةِ عَامِدًا كَالمَيْتَةِ،
الأبد ثم أسقط الخيار، أما لو باع بألف ورطل خمرا وباع إلى أن تهب الريح أو تمطر السماء، ثم أسقط من له الخمر والأجل ذلك لا ينقلب العقد صحيحًا.
وفي جامع شمس الأئمة: لو اتفقا على إسقاط الخمر ينقلب جائزا، ولكن لا ينفرد أحدهما بالإسقاط، ولو باعه بألف ببخارى على أن يوفيه الثمن بسمرقند، لا يجوز في الفصلين، ثم إذا حل الأجل، ولا حمل له لا يطالبه إلا في مكان الإيفاء.
وفي النوازل: باعه على أن يوفي الثمن إخاء (١) البائع بسمرقند فسد البيع، ولو باعه على أن يوفى الثمن يوم القيامة فقال المشتري: أؤدي الثمن في الحال جاز.
قوله: (ومن جمع بين حُرّ وعبد … ) إلى قوله: (عند أبي حنيفة) جاز البيع عنده سواء سمى لكل واحد ثمنا أو لا.
وفي المبسوط: إذا لم يتبين ثمن كل واحد منهما يفسد البيع بالإجماع، ولو تبين حصة كل واحد منهما؛ فكذلك عند أبي حنيفة، وعندهما يجوز في العبد.
وذكر في المبسوط: لفظ الفساد فيهما، ولا شك أن لفظ الفساد يستعار عن البطلان في حق الحر والميتة.
وبقول أبي حنيفة قال الشافعي في قول، ومالك وأحمد في رواية، وبقولهما قال الشافعي في قول، وأحمد في رواية، وكذا الخلاف فيما إذا باع دنين من الخمر؛ فظهر أحدهما خمرا.
(وقال زفر: فسد فيهما)؛ أي في الجمعين وهو الجمع بين الحر والعبد،
стр. 4684
وَالمُكَاتَبُ وَأُمُّ الْوَلَدِ كَالمُدَبَّرِ لَهُ الِاعْتِبَارُ بِالْفَصْلِ الأَوَّلِ، إِذْ مُحَلِّيَةُ الْبَيْعِ مُنْتَفِيَةٌ بِالإِضَافَةِ إِلَى الْكُلِّ، وَلَهُمَا: أَنَّ الْفَسَادَ بِقَدْرِ الْمُفْسِدِ فَلَا يَتَعَدَّى إِلَى الْقِنِّ، كَمَنْ جَمَعَ بَيْنَ الْأَجْنَبِيَّةِ وَأُخْتِهِ فِي النِّكَاحِ، بِخِلَافِ مَا إِذَا لَمْ يُسَمَّ ثَمَنُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا؛ لِأَنَّهُ مَجْهُولٌ،
والجمع بين العبد والمدبر، والجمع بين عبده وعبد غيره، وبه قال الشافعي في قول، وأحمد في رواية في غير جمع المدبر حيث قال في تتمتهم وشرح الوجيز: ولو جمع بين عبده وعبد غيره؛ فإن عللنا بأنه جمع بين الحلال والحرام لا يصلح سواء فصل الثمن أو لا. وإن عللنا بجهالة الثمن يجوز إذا فصل الثمن، وهذا في الكل فيكون في المسألة قولان.
(والمكاتب وأم الولد)؛ لما ثبت لهم من حق العتق، وقد جعل ذلك شرطا؛ لقبول العقد في القن؛ فيفسد العقد فيهما كما لو جمع بين حر وعبد (بالإضافة إلى الكل)؛ فإن البيع مضاف إليهما، والكل من حيث إن (كل) ليس بمال في الحر والعبد، وبمال مطلق في المكاتب والعبد.
(ولهما أن الفساد بقدر المفسد) في المبسوط (١): الفساد يقتصر على ما وجد فيه العلة المفسدة، وعند تسمية ثمن كل واحد عنهما قد انعدم العلة المفسدة فيما هو مال متقوم منهما، وهذا لأن أحدهما منفصل عن الآخر في البيع ابتداء وبقاء؛ فوجود المفسد في أحدهما لا يؤثر في الآخر؛ لأن تأثيره في الآخر؛ إما باعتبار التبعية وأحدهما ليس بتبع للآخر أو باعتبار أنهما كشيء واحد، وليس كذلك لأن كل واحد ينفصل عن الآخر في العقد.
ألا ترى أنه لو هلك أحدهما قبل القبض بقي العقد في الآخر، إذا كان كل واحد عبدا، وإنما يشترط قبول العقد في أحدهما في الآخر، إذا صح الإيجاب فيهما حتى لا يلحق البائع الضرر في قبول العقد في أحدهما دون الآخر (٢)، وذلك ينعدم إذا لم يصح الإيجاب في أحدهما دون الآخر، وصار هذا كما اشترى عبدا أو مكاتبا أو مدبرا؛ فالبيع يفسد في المدبر ويبقى العقد في القن صحيحا هذا هنا. (لأنه)؛ أي الثمن (مجهول)؛ إذ الحر لا يدخل في العقد لعدم ماليته؛ فلو
стр. 4685
جاز العقد في العبد، إنما يجوز بالحصة ابتداء والبيع بالحصة ابتداء لا ينعقد؛ لمعنى الجهالة كما لو قال: اشتريت منك هذا العبد بحصته من الألف؛ إذا قسم على قيمته وقيمة الآخر فإنه لا يجوز لجهالة الثمن كذا في المبسوط (١)؛ فكان القبول في الحُرِّ شرطًا يعني لما جمعهما في الإيجاب؛ فقد شرط في ثبوت العقد في كل واحد منهما، قبول العقد في الآخر بدليل أن المشتري لا يملك القبول في أحدهما دون الآخر، واشتراط قبول العقد في الحر في بيع العبد شرط فاسد والبيع يبطل به، وأما قولهما هذا عند صحة الإيجاب.
قلنا: صحة الإيجاب يكون هذا شرطًا صحيحًا، ونحن ندعي الشرط الفاسد، وذلك عند فساد الإيجاب؛ لأن هذا الشرط باعتبار جمع البائع بينهما في كلامه لا باعتبار وجود المحلية فيهما، وقد ذكر الكرخي رجوع أبي يوسف في فصل من هذا الجنس إلى قول أبي حنيفة، وهي مسألة الطوق والجارية إذا باعهما بثمن مؤجل كما يجيء في الصرف؛ فاستدلوا برجوعه في تلك المسألة، على رجوعه في جميع هذه المسائل؛ إذ الفرق بينهما لا يتضح كذا في المبسوط (٢).
وقيل: ينبغي أن يكون الجمع بين متروك التسمية عامدًا فيه وبين الذبيحة، كالجمع بين القن والمدبر؛ لضعف الفساد في متروك التسمية عامدا؛ لكونه مجتهدا فيه حيث يحل عند الشافعي.
قلنا: ليس كذلك فإن القاضي لو قضى بحِلِّهِ لا ينفذ قضاؤه؛ لوقوع ذلك من الشافعي خطأ بينا لمخالفته النص الظاهر؛ فكان اجتهاده في مورد النص فلا يعتبر كما يجيء في أدب القاضي، وقد بين في الأصول بخلاف المدبر؛ فإن القاضي لو قضى بجواز بيعه ينفذ.
فإن قيل: لو بين ثمن كل منهما تكون الصفقة متفرقة؛ فحينئذ لا يكون القبول في الحُر شرطًا للبيع في العبد.
قلنا: قد ذكر في الذخيرة؛ أن البائع اذا فصَّلَ الثمن وسمى لكل ثمنًا على
стр. 4686
وَلِأَبِي حَنِيفَةَ ﵀ وَهُوَ الفَرقُ بَينَ الفَصْلَينِ: أَنَّ الحُرَّ لَا يَدْخُلُ تَحتَ العَقدِ أَصلا؛ لِأَنَّهُ لَيسَ بِمَالٍ وَالبَيعُ صَفقَةٌ وَاحِدَةٌ، فَكَانَ القَبُولُ فِي الحُرِّ شَرطًا لِلبَيعِ فِي العَبدِ وَهَذَا شَرط فَاسِدٌ، بِخِلَافِ النِّكَاحِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَبْطُلُ بِالشُّرُوطِ الفَاسِدَةِ، وَأَمَّا البَيعُ فِي هَؤُلَاءِ مَوقُوفٌ وَقَدْ دَخَلُوا تَحتَ العَقدِ لِقِيَامِ المَالِيَّةِ، وَلِهَذَا يَنفُذُ فِي عَبدِ الغَيرِ بِإِجَازَتِهِ، وَفِي المُكَاتَبِ بِرِضَاهُ فِي الأَصَحٌ، وَفِي المُدَبَّرِ بِقَضَاءِ القَاضِي، وَكَذَا فِي أُمِّ الوَلَدِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ ﵀،
حِدَةٍ واتحد الباقي كانت الصفقة متحدة أيضًا؛ ففيما نحن فيه كذلك فنفذ فيه البيع.
فإن قيل: هذا شرط ليس فيه نفع لأحد المتعاقدين؛ فلا يكون في معنى الربا فلا يفسد به البيع.
قلنا: لا نسلم ذلك في كل شرط؛ بل وجود الشرط المخالف، لمقتضى العقد كاف للفساد، ولئن سلمنا ذلك قلنا هو موجود في ذلك الشرط أيضًا؛ لأن في قبوله قبول بدله وبدله مال متقوّم، والحر ليس بمال فلا يكون بدله خاليا عن العوض فكان ربا.
وقوله: (في الأصح)؛ احتراز عما روي عن أبي حنيفة وأبي يوسف في النوادر وذلك غير معتمد عليه. (وفي المدبر بقضاء القاضي) يعني القضاء نافذ في محله؛ فعلم أنه دخل في البيع ثم خرج الاستحقاق.
قوله: (وكذا في أم الولد) بيع أم الولد مختلف بين الصحابة؛ فعمر ﵁ لم عنه يجوزه، وعلي ﵁ جوزه، ثم من بعدهم من السلف أجمعوا على عدم جواز بيعها؛ فالحاصل أن الإجماع المتأخر هل يرفع الاختلاف المتقدم أم لا؟ فعندهما لا يرفع إذ ليس لإجماع التابعين من القوة ما يرفع خلاف الصحابة؛ فكان قضاء في مجتهد فيه فينفذ.
وعند محمد؛ يرفع فكان القضاء مُخالِفًا للإجماع فلا ينفذ، وقد مرّ، والمسألة مذكورة في الأصول فيثبت دخولها في البيع ثم خروجها بالاستحقاق، كما لو خرج أحدهما بالهلاك قبل القبض فبقي العقد صحيحًا في
стр. 4687
إِلَّا أَنَّ المَالِكَ بِاسْتِحْقَاقِهِ المَبِيعَ وَهَؤُلَاءِ بِاسْتِحْقَاقِهِم أَنْفُسَهُمْ رَدُّوا البَيعَ فَكَانَ هَذَا إِشَارَةً إِلَى الْبَقَاءِ، كَمَا إِذَا اشْتَرَى عَبدَينِ وَهَلَكَ أَحَدُهُمَا قَبْلَ القَبْضِ، وَهَذَا لَا يَكُونُ شَرطَ القَبُولِ فِي غَيرِ المَبيعِ، وَلَا بَيعا بِالحِصَّةِ ابْتِدَاءً، وَلِهَذَا لَا يُشْتَرَطُ بَيَانُ ثَمَنِ كُلِّ واحد فيه.
حق الآخر حتى لو قبضهما لزم البيع في القن بحصته من الثمن ذكره في المبسوط (١).
وقوله: (إلا أن المالك … إلى آخره استثناء من قوله: (دخلوا تحت البيع)؛ لأن البيع بعد الدخول إشارة إلى البقاء)؛ أي بقاء البيع في حق هؤلاء؛ أي دخولهم تحت البيع؛ لأن رد البيع بدون انعقاده لا يصح يعني إشارة إلى البيع بالحصة بقاء لا ابتداءً.
وهذا أي الجمع بين المدبر والقن لا يكون شرطًا للقبول في غير المبيع؛ لكون كل واحد منهما محلا للبيع كما ذكرنا بخلاف الحر، فكأنه احترز به عن الجمع بين القن والحر؛ فإن هناك يلزم ذلك الفساد، وفي الجمع بين القن والمدبر، لا يلزم فيه؛ أي في القن مع المدبر أو عبد غيره.
وفي الكافي: ولو جمع بين وقف وملك، وأطلق صح في الملك في الأصح. وقال الحلواني: يفسد البيع فيهما ثم رجع، وقال جاز في الملك كما في العبد والمدبر.
ولو باع كرمًا فيه مسجد قديم إن كان عامرًا يفسد البيع وإلا فلا، وكذا في المقبرة، ولو اشترى دارًا وطريقا عامًا مطروقًا محدودًا (٢) معلوما ثم استحق الطريق؛ إن شاء أمسكها بحصتها وإن شاء ردها إن كان في الطريق مختلطا بها، وإن كان متميزا لزمه الدار بحصتها.
ولو لم يكن الطريق محدودًا فسد البيع والمسجد الخاص كالطريق المعلوم، ولو كان مسجد جماعة فسد البيع في الكل، وفي بعض النسخ: ولو
стр. 4688
فَصِلٌ فِي أَحْكَامِهِ
(وَإِذَا قَبَضَ المُشتَرِي المَبِيعَ فِي البَيعِ الفَاسِدِ بِأَمْرِ البَائِعِ، وَفِي العَقدِ عِوَضَانِ كُلُّ وَاحِد مِنْهُمَا مَالٌ، مَلَكَ المَبِيعَ وَلَزِمَتهُ قِيمَتُهُ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: لَا يَمْلِكُهُ وَإِنْ
كان مسجد جامع فسد في الكل، وكذا لو كان مهدوما أو أرض ساحة لا بناء فيها بعد أن يكون أصله مسجد جامع كذا في المجتبى، وللشافعي في الجمع بين ما يجوز بيعه وما لا يجوز قولان كما ذكرنا.
فصل في أحكامه
أي: أحكام البيع الفاسد. قوله: (بأمر البائع)؛ أي بإذنه إما صريحا وإما دلالة بأن يقبضه في المجلس بحضرته أو بقبض البائع الثمن ملك المبيع هذا قول عامة مشايخنا. وقال بعض مشايخنا العراقيين: يملك التصرف فيه، وهذا غير صحيح؛ لأن محمدًا نصَّ في كتاب الشهادات بملك الرقبة، ويدل عليه أيضًا شواهد الأصول من ثبوت الولاء بعتق المشتري دون البائع كذا في شرح الطحاوي. وقد مر في أول بيع الفاسد ما تشبث به مشايخ العراق مع جوابه قال الكرخي: امتناع الملك بالعقد ثابت بإجماع أصحابنا، أما عند مشايخ العراق فظاهر، وأما عند عامة المشايخ؛ فلأن الملك يحصل بالقبض لا بالعقد، ولا يلزم ما لو باع ما في يد المشتري بيعًا فاسدًا؛ لأن الملك لا يقع بالعقد بل يقع بالقبض، ولهذا لو كان أمانة في يده لم يملكه بالشراء الفاسد حتى يعاود فيه القبض.
قوله: (وقال الشافعي لا يملكه) وبه قال مالك وأحمد لا يُقيّد به؛ أي الملك قبل القبض. ولنا: ما روي أن عائشة استامت بريرة فأبى مواليها عن بيعها إلا بشرط الولاء لهم؛ فاشترت واشترطت وأعتقت وذكرت ذلك لرسول الله ﷺ فأجاز العتق وأبطل الشرط وخطب إلى آخر الحديث (١) وقد مر، فأجاز النبي ﵇
стр. 4689
قَبْضَهُ؛ لِأَنَّهُ مَحْظُورٌ فَلَا يَنَالُ بِهِ نِعْمَةَ المِلكِ؛ وَلِأَنَّ النَّهْيَ نَسِخُ لِلمَشْرُوعِيَّةِ لِلتَّضَادٌ، وَلِهَذَا لَا يُفِيدُهُ قَبضُ القَبْضِ، وَصَارَ كَمَا إِذَا بَاعَ بِالمَيْتَةِ أَوْ بَاعَ الخَمْرَ بِالدَّرَاهِمِ. وَلَنَا: أَنَّ رُكنَ البَيعِ صَدَرَ مِنْ أَهْلِهِ. مُضَافًا إِلَى مَحِلِّهِ فَوَجَبَ القَولُ بِالْعِقَادِهِ، وَلَا خَفَاءَ فِي الأَهْلِيَّةِ وَالْمَحَلِّيَّةِ. وَرُكَنُهُ: مُبَادَلَةُ المَالِ بِالمَالِ، وَفِيهِ الكَلَامُ، وَالنَّهيُ يُقَرِّرُ المَشرُوعِيَّةَ عِنْدَنَا لاقتِضَائِهِ التَّصَوُّرَ، فَنَفْسُ البَيعِ مَشرُوعٌ، وَبِهِ تُنَالُ نِعْمَةُ المِلكِ وَإِنَّمَا المَحظُورُ مَا يُجَاوِرُهُ كَمَا فِي البَيعِ وَقتَ النِّدَاءِ، وَإِنَّمَا لَا يُثبِتُ المِلكَ قَبلَ القَبْضِ كَي لَا يُؤَدِّيَ إِلَى تَقْرِيرِ الفَسَادِ المُجَاوِرِ، إِذْ هُوَ وَاجِبُ الرَّفْعِ بِالاسْتِردَادِ
العتق مع فساد البيع بأنا أوَّلناه بأن الشرط بعد البيع كما مر، ولأنه نوع معاوضة فجاز أن يقع الملك فيه بالقبض كالهبة والقرض كذا في الإيضاح وفيه نوع تأمل. (وفيه الكلام)؛ أي المسألة مصورة فيما إذا كان العوضان مالان (والنهي يقرر المشروعية عندنا).
وفي المبسوط (١): هذا بناء على مسألة من أصول الفقه، وهي أن النهي في العقود الشرعية لا يخرجها عن المشروعية؛ لأن ذلك موجب الفسخ والنهي غير الفسخ، وعنده يخرجها مقتضى النهي وهذه المسألة مستقصاة في الأصول.
قوله: (إنما المحظور ما يجاوره) المعنى والمتنازع من قبيل ما اتصل به المعنى وصفا مع أن الحكم مختلف فالبيع وقت النداء مكروه والمتنازع فاسد.
قلنا: عرض المصنف أن المحظور فيهما لمعنى غير المنهي عنه كما هو مزعوم الخصم فيتحدان في المقصود فيصح قياس أحدهما على الآخر، أو مقصوده نفي البطلان كما زعم الخصم والكراهة والفساد متحدان في عدم البطلان وفيه نوع تأمل.
(يؤدي إلى تقرير الفساد)؛ أي من جهة الشارع؛ لأن البيع الفاسد منهي عنه، ولو ثبت الملك قبل القبض يكون التسليم والتسلم واجبا شرعا فيكون الشارع أمرًا وناهيا في شيء واحد وهذا لا يجوز.
стр. 4690
فَبِالامْتِنَاعِ عَنْ المُطَالَبَةِ أَولَى؛ وَلِأَنَّ السَّبَبَ قَدْ ضَعُفَ لِمَكَانِ اقْتِرَانِهِ بِالقَبِيحِ،
فإن قيل: لو ثبت الملك قبل القبض يلزم تقرير الفساد أيضًا.
قلنا: لو ثبت قبل القبض يكون الفساد مضافًا إلى نفس البيع، والبيع مشروع الله تعالى فيكون الفساد مضافًا إلى الشارع، ولا كذلك بعد القبض لأن الملك مضاف إلى القبض، والقبض موجب للضمان كما في المقبوض على سوم الشراء فكان تقرير الفساد مضافًا إلى العبد كذا نقل عن القاضي الأرسانيدي (١).
وقيل: فيه نوع تأمل، ولأن الفاسد لو أثبت الملك قبل القبض وبعده؛ لكان مساويًا للصحيح، ولو ألغينا الملك به لكان مساويا للباطل؛ فأثبتنا الملك بعد القبض به عملًا بالدليلين. وفيه نوع تأمل لأن الفاسد والباطل متساويان عند الخصم.
وفي المبسوط (٢): لو ثبت الملك قبل القبض يثبت بغير عوض؛ فإن المسمى لا يجب للفساد، وضمان القيمة لا يجب إلا بالقبض، وجاز أن ينعقد البيع ويتأخر حكمه كما في البيع بشرط الخيار، وليس من ضرورة الفساد انعدام العقد كالإحرام يفسد بالجماع؛ فإنه ينعقد موجبًا حكمه، والضمان هنا يجب بالعقد بشرط القبض، كما في المقبوض على سوم الشراء؛ فإن العقد الموعود فيه يجعل كالمتحقق.
وهاهنا الضمان بالعقد لا بالقبض؛ إذ ضمان القبض يجب بالجبران وشرطه التعدي؛ وهاهنا قبضه بالإذن فلا يكون الضمان بطريق الجبران؛ بل بالعقد.
(فبالامتناع)؛ أي امتناع البائع من مطالبة الثمن أو المشتري عن مطالبة المبيع؛ إذ لو ثبت الملك بمجرد العقد، وجب على البائع تسليم المبيع، وعلى المشتري تسليم الثمن، حتى لو وجد دفع الفساد بالاسترداد بعد القبض فرفع الفساد بالامتناع أولى؛ لأن الامتناع أسهل وأبعد عن العيب فلو قلنا: تسليم المبيع بحكم الملك، ثم يسترده باعتبار الفساد كان فيه نوع عبث؛ لأن رفع الفساد يوجد بدون ذلك، وهو الامتناع عن التسليم والتسلم، وهذا الامتناع يتحقق بعدم الملك قبل القبض؛ لما ذكرنا أن ثبوت الملك يثبت المطالبة.
стр. 4691
فَيُشْتَرَطُ اعْتِضَادُهُ بِالقَبضِ فِي إِفَادَةِ الحُكمِ بِمَنزِلَةِ الهِبَةِ، وَالمَيْتَةُ لَيسَت بِمَال فَانعَدَمَ الرُّكنُ، وَلَو كَانَ الخَمْرُ مُثَمَّنًا، فَقَد خَرَّجَنَاهُ وَشَيْءٌ آخَرُ وَهُوَ أَنَّ فِي الخَمْرِ الوَاجِبَ هُوَ القِيمَةُ، وَهِيَ تَصلُحُ ثَمَنًا لَا مُثَمَّنًا. ثُمَّ شَرَطَ أَنْ يَكُونَ القَبْضُ بِإِذْنِ البَائِعِ وَهُوَ الظَّاهِرُ، إِلَّا أَنَّهُ يَكتَفِي بِهِ دَلَالَةٌ كَمَا إِذَا قَبَضَهُ فِي مَجْلِسِ العَقدِ اسْتِحْسَانًا، وَهُوَ الصَّحِيحُ؛ لِأَنَّ البَيعَ تَسلِيطٌ مِنْهُ عَلَى القَبْضِ، فَإِذَا قَبَضَهُ بِحَضْرَتِهِ قَبْلَ الِافْتِرَاقِ وَلَم يَنهَهُ كَانَ بِحُكم التسليط السَّابِقِ، وَكَذَا القَبضُ فِي الهِبَةِ فِي مَجْلِسِ العَقدِ يَصِحُ استحسانًا،
قوله: (ولو كان الخمر مُثمَّنًا)؛ أي مبيعًا فيما إذا اشتراها بالدراهم أو الدنانير (فقد خرجناه)؛ أي ذكرنا وجه تخرجه في أول باب البيع الفاسد في أن البيع باطل إذا كان المبيع خمرًا (أو شيء آخر)؛ أي دليل آخر (وهي)؛ أي (القيمة تصلح ثمنًا)؛ يعني لو انعقد البيع على الخمر تجب قيمة الخمر لا عين الخمر؛ لأن المسلم ممنوع عن تسليم الخمر وتسلمها.
فلو قلنا بانعقاد البيع في هذه الصورة لجعلنا القيمة مثمنا؛ إذ كل عين في مقابلة الدراهم أو الدنانير في البيع مثمن لتعيينهما فلثمنيته خلقة وشرعا، وما عهد في صورة من صور البياعات أن تكون القيمة مثمنًا؛ لأنه يؤدي إلى تغيير المشروع فلذلك حكمنا بالبطلان.
قوله: (وهو الظاهر)؛ أي ظاهر الرواية.
(وقوله: وهو الصحيح) احتراز عما ذكر صاحب الإيضاح وسماها الرواية المشهورة فقال: وما قبضه بغير إذن البائع في البيع الفاسد فهو كما لم يقبضه، وهذه الرواية هي المشهورة، ووجهها أن البيع الفاسد لا يتضمن تسليطا على القبض؛ لأن التسليط لو ثبت إنما يثبت مقتضى شرعًا، والفاسد يجب إعدامه فلم يثبت المقتضى وهو التسليط على القبض.
ولكن ذكر في الزيادات: لو قبضه في (مجلس العقد) قبل الافتراق (يصح استحسانًا)، ولم يذكر خلافًا لأن مطلق البيع على القبض كالهبة فإذا شاهد القبض ولم يمنع وقع الملك بالتسليط الذي هو مقتضى العقد كذا في الإيضاح.
ولو قبضه بعد الافتراق لا يصح قبضه قياسًا واستحسانًا، وعن الهندواني؛
стр. 4692
وَشَرَطَ أَنْ يَكُونَ فِي العَقدِ عِوَضَانِ، كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَالٌ لِيَتَحَقَّقَ رُكنُ البَيعِ وَهُوَ مُبَادَلَةُ المَالِ فَيَخْرُجُ عَلَيْهِ البَيعُ بِالمَيتَةِ وَالدَّمِ وَالحُرِّ وَالرِّيحِ وَالبَيعِ مَعَ نَفْيِ الثَّمَنِ،
يجب أن يجوز القبض بعد الافتراق عن المجلس بغير إذنه، إذا كان أداه الثمن، إذا كان الثمن مما يملكه البائع بالقبض وقد مر.
وفي المجتبى: حقيقة القبض شرط، وفي التخلية اختلاف والأصل أنها ليست بقبض.
وفي المحيط: باع عبده من ابنه الصغير فاسدًا، واشترى عبده لنفسه فاسدًا؛ لا يثبت الملك حتى يقبضه ويستعمله.
وفي جمع التفاريق: ولو كان وديعة عنده وهي حاضرة ملكها. (وشرط)؛ أي القدوري وفي بعض النسخ: (يشترط) (فيخرج عليه)؛ أي على اشتراط المال في العوضين في البيع الفاسد، حتى يثبت الملك بالقبض، والمراد بكونهما مالا، أن يكون مالًا في دِينِ سماوي؛ ليشمل العقد بالخمر والخنزير فإنه لو اشترى بهما وأعتقه أو باعه أو وهبه، ينفذ تصرفه؛ لأنهما مالان مطلقا سواء كانا متقومين أو لا وقد ذكرناه في أول الباب.
(والريح)؛ بأن قال بعت هذا بالريح الشمالي الذي يأتي من هذا الجانب، وذلك المكان ملك المشتري.
وفي الذخيرة: صورة البيع بالريح بأن يكون لإنسان ظرف مفتوح؛ فاشترى بذلك الريح التي في الظرف ويحطها في ظرف آخر.
(والبيع مع نفي الثمن)؛ أي في رواية ينعقد؛ لأن نفيه لا يصح إذ البيع مشتمل على العوضين وما لم يشتمل على عوضين فهو منة وصدقة، وإذا لم يصح صار كأنه سكت عن ذكر الثمن؛ فلو باع وسكت عن ذكر الثمن ينعقد البيع فاسدا، ويثبت الملك بالقبض؛ لأن مقتضى العقد يقتضي المعاوضة؛ فإذا سكت كان غرضه قيمته، وكأنه باع بقيمته فيفسد البيع.
وشرط أيضًا ألا يكون للبائع خيار الشرط؛ لأن خياره يمنع الملك في الجائز؛ ففي الفاسد أحقُّ، كذا في الإيضاح والكافي.
стр. 4693
وَقَولُهُ: لَزِمَتهُ قِيمَتُهُ، فِي ذَوَاتِ القِيَمِ، فَأَمَّا فِي ذَوَاتِ الأَمْثَالِ فَيَلزَمُهُ المِثْلُ؛ لِأَنَّهُ مَضمُونٌ بِنَفْسِهِ بِالقَبْضِ فَشَابَهُ الغَصَبَ، وَهَذَا؛ لِأَنَّ المِثْلَ صُورَةٌ وَمَعَنِّى أَعدَلُ مِنْ المثل معنى.
قَالَ: (وَلِكُلِّ وَاحِد مِنْ المُتَعَاقِدَينِ فَسَخُهُ) رَفعًا لِلفَسَادِ، وَهَذَا قَبْلَ القَبْضِ ظَاهِرٌ؛ لِأَنَّهُ لَم يُفِد حُكمَهُ فَيَكُونُ الفَسخُ امتِنَاعًا مِنهُ، وَكَذَا بَعدَ القَبْضِ إِذَا كَانَ الفَسَادُ فِي صُلبِ العَقدِ لِقُوَّتِهِ، وَإِنْ كَانَ الفَسَادُ بِشَرط زَائِد فَلِمَن لَهُ الشَّرِطُ ذَلِكَ دُونَ
(لزمته قيمته)؛ يعني قيمته يوم القبض، وإن ازدادت قيمته في يده فأتلفه؛ لأنه دخل في ضمانه بالقبض فلا يتغير كالغصب.
وقال محمد: عليه قيمته يوم أتلفه؛ لأنه بالاستهلاك تقرر عليه الضمان؛ فيعتبر قيمته حينئذ كذا في الكافي.
(لأنه مضمون بنفسه)؛ أي بالقيمة، واحترز به عن البيع الصحيح وقالوا جميعا: فالمرجع في قيمته أو المثل قول المشتري؛ لأنه هو الذي يلزمه الضمان فالقول له في قدره، والبينة للبائع كذا في مختصر شرح الكرخي.
(من المتعاقدين فسخه؛ أي حق الفسخ كيلا يقع تصرفه على المشتري مكروها أو حرامًا؛ فإنه ذكر في الإيضاح: ويكره للمشتري أن يتصرف فيه بتمليك أو انتفاع؛ لأن الفسخ مستحق حقا الله تعالى؛ لأن إعدام الفساد واجب، والتصرف فيه تقرير الفساد في صلب العقد)؛ أي في البدل أو المبدول عنه كبيع درهم بدرهمين، وبيع ثوب بخمر؛ ففي الصورتين يملك فسخه بحضرة صاحبه عندنا؛ لأنه إلزام موجب الفسخ فلا يلزمه إلا بعلمه، وعند أبي يوسف: بغير حضرته أيضًا.
وإن كان الفساد بشرط (زائد) بأن باعه على أن يقرضه أو يهبه كذا أو باعه إلى أجل مجهول (فلمن له الشرط)؛ أي الذي له منفعة الشرط، وهو البائع في صورة الإقراض، والمشتري في صورة الأجل أن يفسخه بحضرة صاحبه دون من عليه عند محمد؛ لأن منفعة الشرط إذا كانت عائدة عليه صح فسخه؛ لأنه يقدر أن يسقط الأجل فيصح العقد فإذا فسخ العقد الآخر فقد أبطل حقه لقدرته على تصحيح العقد.
стр. 4694
مَنْ عَلَيْهِ لِقُوَّةِ العَقدِ، إِلَّا أَنَّهُ لَم تَتَحَقَّق المُرَاضَاةُ فِي حَقٌّ مَنْ لَهُ الشَّرطُ.
قَالَ: (فَإِنْ بَاعَهُ المُشتَرِي نَفَذَ بَيْعُهُ)؛ لِأَنَّهُ مَلَكَهُ فَمَلَكَ التَّصَرُّفَ فِيهِ وَسَقَطَ حَقُّ الاستردَادِ لِتَعَلُّقِ حَقِّ العَبدِ بِالثَّانِي وَنُقِضَ الأَوَّلُ لِحَقِّ الشَّرعِ،
وعندهما؛ لكل واحد من المتعاقدين حق الفسخ؛ لأنه مستحق حقا للشرع فانتفى اللزوم عن العقد، والعقد إذا كان غير لازم يتمكن كل واحد من فسخه كذا في الذخيرة والإيضاح والكافي؛ فعلى هذا المذكور هاهنا قول محمد؛ وهذا إذا كان المبيع قائما في يده على حاله فأما إذا ازداد أو انتقص فحكمه حكم الغضب.
وقوله: (إلا أنه … إلى آخره جواب سؤال يرد على قوله: (لقوة العقد)؛ يعني لما كان العقد قويًا؛ ينبغي ألا يكون لأحد ولاية الفسخ.
(فإن باعه)؛ أي المبيع بالشراء الفاسد بعد القبض (نفذ بيعه)؛ لوجود الملك فيه، وعليه نَصَّ محمد، والتمليك تسليط على التصرف، ولهذا قال محمد في كتاب الاستحسان: لو كان المشترى بالبيع الفاسد طعامًا حل له تناوله؛ لأن البائع سلطه على ذلك كما في العقد الجائز، ولا يحل وطء الجارية المشتراة بالبيع الفاسد؛ لأن الوطء مما لا يستباح بصريح التسليط فبدلالته أولى، وجواز التصرف باعتبار أصل الملك إذ هو ينحل عن صفة الحل كذا في المبسوط (١).
وفي شرح الطحاوي: ولو كان المشترى مأكولاً لا يحل أكله التعلق بحق العبد) وهو المشتري الثاني بالعقد (ونقض الأول)؛ أي البيع الأول لحق الشرع من جهة الفساد فيه، وحق الشرع إذا اجتمع مع حق العبد تقدم حق العبد لحاجته لا تهاونا بالشرع؛ بل لأنه أغنى والعفو عنه أرجى بخلاف المشتري من الغاصب؛ لأنه تعلق به حق المغصوب منه وحق المشتري وكلاهما بحق العبد فيترجح حق المغصوب منه؛ لأنه أسبق كذا في المبسوط (٢).
فإن قيل: يشكل على قوله: (لتعلق حق العبد الثاني) ما إذا ورثه وارث المشتري عنه حيث لم ينقطع حق استرداد البائع من وارث المشتري، وإن تعلق به حق الوارث، وبخلاف ما إذا أوصى المشتري لآخر ثم مات لم يبق للبائع
стр. 4695
وَحَقُّ العَبْدِ مُقَدَّمُ لِحَاجَتِهِ، وَلِأَنَّ الأَوَّلَ مَشْرُوعٌ بِأَصْلِهِ دُونَ وَصْفِهِ، وَالثَّانِيَ مَشْرُوعُ بِأَصْلِهِ وَوَصْفِهِ فَلَا يُعَارِضُهُ مُجَرَّدُ الوَصفِ؛ وَلِأَنَّهُ حَصَلَ بِتَسليط مِنْ جِهَةِ البَائِعِ،
حق الاسترداد من الموصى له.
قلنا: إنما كان كذلك؛ لأن الملك كان مستحق النقض فانتقل كذلك إلى الوارث حتى لو مات البائع، كان لوارثه حق الاسترداد من المشتري بحكم الفساد، ولهذا يرد بالعيب ويرد عليه.
وأما الموصى له فهو بمنزلة المشتري الثاني؛ لأن له ملكًا متجددًا لثبوته بسبب اختياري منشأ. إليه أشير في الذخيرة.
فإن قيل: يشكل على قوله: (وحق العبد يقدم ما إذا كان حلالا وفي يده صيد، ثم أحرم يجب عليه إرساله، وفيه تقديم حق الله تعالى.
قلنا: لا بل الواجب فيه الجمع بين الحقين في موضع لا يضيع ملكه لا الترجيح، وإنما يصار إلى الترجيح إذا لم يمكن الجمع؛ لأن الأول)؛ أي البيع الأول مشروع بأصله دون وصفه لما عرف (والثاني)؛ أي البيع الثاني مشروع بأصله ووصفه لعدم الفساد فيه؛ فكان أقوى (ولأنه)؛ أي البيع الثاني (من جهة البائع)؛ أي البائع الأول؛ لأن التمليك تسليط على التصرف فلا يتمكن من الاسترداد من المشتري الثاني؛ إذ لو تمكن مع ذلك يلزم سعي الإنسان في نقض ما تم من جهته، وهذا لا يجوز لتأديته إلى المناقضة.
فإن قيل: فعلى هذا ينبغي ألا يتمكن من الاسترداد في بيع نفسه قبل وجود البيع الثاني؛ للزوم سعي الإنسان في نقض ما تم من جهته.
قلنا: إذا لم يبعه المشتري شراءً فاسدًا ترجح حق البائع بسبقه، والمحل قائم على حاله من غير تعلق حق المشتري الثاني، ولوهاء (١) في بيعه لفساده فكان ذلك العين غير ذلك العين؛ فلا يصار إلى الترجيح لتبدل الأعيان باختلاف الأسباب على ما عرف؛ فلم يبق له حق الاسترداد؛ إذ لو بقي لكان فيه السعي في نقض ما تم من جهته خالصًا؛ لما أن البيع الثاني صحيح فلا يحال تمكن الاسترداد إلى رفع الفساد، بخلاف البيع الأول.