← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 30179

معراج الدراية في شرح الهداية

الكاكي

Полный текст (7 597 стр.). Показаны 4621–4660 · переход к 4626.

стр. 4621

(وَلَا بَيعُ الحَمْلِ وَلَا النّتَاجِ) «لِنَهيِ النَّبِيِّ ﵊ عَنْ بَيعِ الحَبَلِ وَحَبَلِ الحَبَلَةِ» وَلِأَنَّ فِيهِ غَرَرًا. تسليما، وإلا فلا؛ لأنه لو مد يده لا يمكنه الأخذ. قوله: (ولا بيع الحَمْلِ) بسكون الميم وهو الجنين؛ أي: لا يجوز بيعه. ([والنتاج]) (١) يعني: نتاج الحمل؛ وهو حبل الحبلة. ولا بيع المضامين والملاقيح، ولا خلاف فيه لأحد. النتاج: مصدر نتجت الناقة - بالضم -، وأريد به هاهنا: المنتوج. والحبل: مصدر حبلت المرأة حبلا، فهي حبلى، فيسمى به المحمول كما سمى بالحمل. وإنما أدخلت التاء عليه للإشعار بمعنى الأنوثة فيه. كذا في الصحاح (٢)، والمغرب (٣). وفي المبسوط (٤): منهم من يروي بالفتح، فيكون المراد: بيع من تحمل هذا الحمل، بأن ولدت الناقة ثم حبلت ولدها، والمراد: بيع حمل ولدها، وقد كانوا يعتادون ذلك، فأبطله رسول الله ﷺ بنهيه عن بيع المضامين والملاقيح، وعن بيع حبل الحبلة. والمضامين: ما تضمنته الأصلاب. والملاقيح: ما تضمنته الأرحام. وقيل: ما يكون مستور العاقبة. وعن علي: الغرر عمل ما لا يؤمن معه غرور. وقال الأزهري: يدخل في الغرر: البيوع المجهولة التي لا يحيط بها علم المتعاقدين، وفسر الغرر بالخطر، والخطر: ما فيه تردد بين أن يكون وبين [ألا] (٥) يكون.

стр. 4622

(وَلَا اللَّبَنُ فِي الضَّرِعِ لِلغَرَرِ) فَعَسَاهُ انتِفَاخُ، وَلِأَنَّهُ يُنَازَعُ فِي كَيْفِيَّةِ الحَلَبِ، وَرُبَّمَا يَزْدَادُ فَيَخْتَلِطُ المَبِيعُ بِغَيْرِهِ. قَالَ: (وَلَا الصُّوفُ عَلَى ظَهرِ الغَنَمِ) لِأَنَّهُ مِنْ أَوصَافِ الحَيَوَانِ، وَلِأَنَّهُ يَنبُتُ قوله: (ولا: اللبن): يجوز بالرفع والجر في حذف المضاف، وإبقائه تقديرا، أي: لا يجوز بيع اللبن في الضرع، وبه قال الشافعي وأحمد. وقال مالك: يجوز أيامًا معلومة إذا عرف قدر حلابها، ويكون التسليم بالتخلية، كالثمار على رؤوس الأشجار. وقال الحسن البصري: يجوز في الزمان اليسير؛ لإمكان تسليمه. وكذا الصوف على ظهر الغنم لا يجوز عندنا، وبه قال الشافعي وأحمد. وقال مالك والليث بن سعد: يجوز بشرط الجز؛ لإمكان تسليمه. ولنا: ما روى ابن عباس أنه ﵇ «نَهَى أن يُباع صوفٌ على ظهر، أو لبن في ضرع، أو سَمْنٍ في لَبَنٍ» (١) ولأن اللبن في الضرع قد لا يكون، فإنه لا يدري ما في الضرع لبن أو ريح، فلا يجوز للغرر. (ينازع في كيفية الحلب)؛ يعني: يحلب البائع قليلا ويقول: لم يبق بعد، ويقول المشتري: احلب أشدَّ وأقوى، فلا يحصل التسليم، وهذا جواب عن قول مالك والحسن. (فيختلط)؛ أي: يختلط (المبيع بغيره) على وجه يتعذر التمييز؛ لأن اللبن يزداد ساعة فساعة، وتلك الزيادة لم يتناولها البيع، فيختلط المبيع بغيره. وبيع اللؤلؤ في الصدف كبيع الحمل واللبن في الضرع؛ فقال أبو يوسف: يجوز، ويخير إذا رآه؛ لأنه مقدور التسليم، كما اشتراه بلا ضرر. (لأنه)؛ أي: الصوف من أوصاف الحيوان لقيامه به. والمقصود من شراء الشاة اللحم لا الصوف، فيكون بمنزلة الوصف، والوصف لا يجعل مقصودا بإفراد البيع، فلا يجوز.

стр. 4623

مِنْ أَسفَلُ فَيَخْتَلِطُ المَبِيعُ بِغَيْرِهِ، بِخِلَافِ القَوَائِمِ؛ لِأَنَّهَا تَزِيدُ مِنْ أَعلَى، وَبِخِلَافِ (من أسفل) بالضم على البناء؛ لأنه من الجهات الست (فيختلط المبيع بغير المبيع) على وجه يتعذر (بخلاف القوائم)؛ أي: قوائم الخلاف، والقوائم بالفارسية (جادها) فإنه وإن كان يختلط المبيع بغيره، لكن لا على وجه يتعذر التمييز. (لأنها تزيد من أعلى) فيكون موضع القطع مُعيَّنًا، فلا يؤدي إلى جهالة المبيع. ولأنه يزيد على ملك المشتري فيكون له. وعن الإمام الفضلي: الصحيح عندي: أن بيع قوائم الخلاف لا يجوز؛ لأنه وإن كان ينمو من أعلاه؛ فموضع القطع مجهول، فهو كمن اشترى على أن يقطعها؛ لا يجوز لجهالة موضع القطع. وبيع الكراث يجوز وإن كان ينمو من أسفله للتعامل. كذا في التتمة. وفي المبسوط: وإنما يظهر كون الصوف يظهر من أسفل بنوع امتحان؛ وهو أن يجعل على موضع القطع علامة، فإذا مضى زمان فإن العلامة تعلو، وفي القوائم لا تعلو. وفي شرح الطحاوي: الأصل في جنس هذه المسائل: أن بيع الشيء في غلافه لا يجوز، إلا الحنطة في سنبلها، وسائر الحبوب في سنابلها، والذهب والفضة في ترابهما، بخلاف جنسه من الثمن. أما اللبن في الضرع، واللحم في الشاة وأليتها وأكارعها، والدقيق في الحنطة والسمن في اللبن، وما أشبه ذلك من الأشياء التي في خلقتها كذلك، بحيث لا يمكن أخذها إلا بإفساد الخلقة؛ فلا يجوز. وبخلاف القصيل؛ وهو الزرع الرطب في الأرض؛ فإنه يجوز بيعه لأنه يقطع، فلا يؤدي إلى النزاع، والقلع في الصوف متعذر، فتعين القطع، و [موضع] (١) القطع غير معلوم، فيتنازعان في ذلك، وعند التنازع لم يبق مقدور التسليم.

стр. 4624

القَصِيلِ لِأَنَّهُ يُمكِنُ قَلعُهُ، وَالقَطعُ فِي الصُّوفِ مُتَعَيِّنٌ فَيَقَعُ التَّنَازُعُ فِي مَوضِعِ القَطْعِ، وَقَدْ صَحَّ أَنَّهُ ﵊ نَهَى عَنْ بَيعِ الصُّوفِ عَلَى ظَهْرِ الغَنَمِ، وَعَنْ لَبَنِ فِي ضَرع، وَعَنْ سَمنٍ فِي لَبَنٍ وَهُوَ حُجَّةٌ عَلَى أَبِي يُوسُفَ ﵀ فِي هَذَا الصُّوفِ حَيثُ جَوَّزَ بَيعَهُ فِيمَا يُرْوَى عَنْهُ. قَالَ: (وَجِدْعٌ فِي سَقفٍ، وَذِرَاعٌ مِنْ ثَوبٍ ذَكَرَا القَطعَ أَوْ لَم يَذكُرَاهُ) … ... … . (وهو)؛ أي: الحديث (حجة على أبي يوسف في هذا الصوف) وهو الصوف على ظهر الغنم، لا مطلق الصوف فيما يروى عنه عن أبي يوسف. ووجهه: أنه باع مالا منتفعا به، مقدور التسليم في الحال، فيجوز كبيع قوائم الخلاف. وفي الإيضاح: عن أبي يوسف: أنه يجوز بيعه على ظهر الغنم. وذكر محمد في الصلح: لو صالح على صوف على ظهر الغنم جاز؛ لأنه يستباح الأخذ منه قبل الذبح، فجاز بيعه، والصلح عليه كالقصيل في الأرض. وقد بينا الفرق بينهما في ظاهر الرواية؛ وهو أن النمو في القوائم والقصيل من أعلى، وفي الصوف من أسفل. قوله: (وجذع في سقف، وذراع من ثوب)؛ أي: لا يجوز بيعهما. المراد: ثوب يضره القطع كالعمامة، أما في الثوب الذي لا يضره القطع؛ يجوز بيع ذراع منه كالكرباس، كما يجوز بيع قفير من صبرة. كذا ذكره الإمام العتابي وغيره. وفي الإيضاح: وكذا لو باع حلية من سيف؛ لأنه لا يتخلص إلا بضرر، أو نصف زرع لم يدرك؛ لأنه لا يمكنه تسليمه إلا بقطع جميعه، وكذا لو باع ما يصيبه من ثوب مشترك من غير شريكه، و [كذا] (١) لو باع ذراعا من خشبة.

стр. 4625

لِأَنَّهُ لَا يُمكِنُ التَّسْلِيمُ إِلَّا بِضَرَر، بِخِلَافِ مَا إِذَا بَاعَ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ مِنْ نُقرَة فِضَّة، لِأَنَّهُ لَا ضَرَرَ فِي تَبعِيضِهِ، وَلَو لَم يَكُنْ مُعَيَّنَا لَا يَجُوزُ لِمَا ذَكَرنَا وَلِلجَهَالَةِ أَيضًا، وَلَو قَطَعَ البَائِعُ الذِّرَاعَ أَوْ قَلَعَ الجِدْعَ قَبلَ أَنْ يَفسَخَ المُشتَرِي يَعُودُ صَحِيحًا لِزَوَالِ المُفْسِدِ، بِخِلَافِ مَا إِذَا بَاعَ النَّوَى فِي التَّمْرِ أَوْ البَدْرَ فِي البِطيخ، حَيثُ لَا يَكُونُ صحيحًا. وَإِنْ شَقَّهُمَا وَأَخْرَجَ المَبِيعَ لِأَنَّ فِي وُجُودِهِمَا احْتِمَالًا، … ... … ... … ... … ... (لأنه)؛ أي: الجذع (لا يمكن تسليمه إلا بضرر)؛ أي: بضرر يلحق البائع. فإن قيل: يلزم هذا الضرر البائع برضاه؛ حيث التزم ذلك. قلنا: إنه التزم العقد، والعقد لم يوجب عليه ضررًا، فكان فيه إضاعة بلا ضرورة. كذا قيل، وفيه نوع تأمل. وفي الفوائد: العقد مشروع والضرر غير مشروع، فالعقد الذي فيه ضرر لا يكون مشروعًا ولا تلزم المحاباة؛ لأنه ليس فيه تفويت باستهلاك المال، ولا بيع الحباب في الدار إذا لم يمكن إخراجها إلا بقلع الباب؛ لأنه ممنوع على ما اختاره البعض، وبعد التسليم المبيع هاهنا يتعيب عينه أيضًا، وفي الحباب إنما يتعيب إلينا دون الحباب. وفيما إذا اشترى نخلا أو شجرًا على أن يقطعه المشتري، أو زرعا على أن يحصده؛ قالوا: يجب أن يجوز؛ لأنه أمكن تسليمه من غير ضرر بالأرض. وفي هذا التعليل إشارة على أن التعويل على ضرر يلزم في غير المبيع. وشراء الشجر بشرط القلع لا يجوز عند البعض؛ لأنه لا يمكن القلع إلا بحفر الأرض. وعند البعض: يجوز للتعامل، فصار كبيع الكراث يجوز للتعامل، وإن كان القياس يأباه؛ لأنه ينمو من أسفله. (ولو لم يكن)؛ أي: الذراع والجذع (معينًا لا يجوز لما ذكرنا) وهو أنه لا يمكن تسليمه إلا بضرر (وللجهالة أيضًا)؛ أي: لجهالة المبيع. ولا خلاف لأحد أن جهالة المبيع تمنع الجواز. (لأن في وجودهما)؛ أي: وجود النوى في التمر والبزر في البطيخ (احتمالا)؛ يعني: يجوز أن يكون، ويجوز ألا يكون. وفي الإيضاح: وأما بزر البطيخ ونوى التمر؛ فذلك متصل به خلقة، فكان

стр. 4626

أَمَّا الجِدْعُ فَعَينٌ مَوجُودٌ. تابعا له، فكان العجز عن التسليم ثابتا في الأصل، لا لإفساد شيء غير مستحق بالعقد. وكذلك خل السمسم والزيت والزيتون؛ لأنه معدوم. (فأما الجذع عين موجود)؛ أي: قائم بنفسه لا تابع لغيره، واتصاله إنما يثبت بعارض، وكان القلع دفعًا للعارض، فإذا تحمل الضرر وقلعه زال المانع. فإن قيل: يلزم على هذا ما لو باع جلد الشاة المعيبة، أو كرشها أو أكارعها، ثم ذبحها وسلم الجلد؛ لا ينقلب إلى الجواز وإن كان عيبا موجودا. قلنا: لجنس هذه المسائل علتان مستقلتان، فلكل واحد منهما تأثير في عدم الجواز: أحدهما: ما ذكر في الكتاب، أن في وجودهما احتمالا، أي: شيء معيب في غلافه. والثانية: هي أن يكون المبيع وإن كان موجودًا؛ لكنه متصل بغير المبيع خلقة، فكان تابعا له، فكان العجز عن التسليم هناك معنى أصلي، إلا أنه اعتبر عاجزا؛ لما فيه من إفساد شيء غير مستحق بالعقد، وذلك يستقيم في الجلد لا في الجذع؛ لما أنه غير موجود واتصاله بعارض، إلا أنه عد عاجزا عن التسليم حكمًا؛ لما فيه من إفساد بناء غير مستحق بالعقد، فإذا قلعه واحتمل الضرر زال المانع. إليه أشير في الذخيرة والإيضاح. وفي المجتبى: في جمع البخاري: باع أذرعا من خشبة، أو ثوبًا من جانب معينا؛ لا يجوز، فإن قطعه وسلمه المشتري؛ لم يجبر على القبول، إلا أن يقبل برضاه. وقيل: لم يجز إلا بتجديد بيع مستأنف. وقيل: ينعقد تعاطيا عند أخذه. وقيل: ينفذ من الأصل، وفي جواز بيع التبن قبل أن يداس، والأرز الأبيض قبل الدق، والحنطة قبل الدرس، وحب القطن في قطن بعينه، ونوى تمر في تمر بعينه؛ روايتان. ولو باع فَصَّ الخاتم وفي نزعه ضرر؛ لا يجوز. قوله: (وضربة القانص)؛ أي: لا يجوز بيع ما يخرج من [ضرب] (١)

стр. 4627

قَالَ: (وَضَرَبَةُ القَائِصِ) وَهُوَ مَا يَخْرُجُ مِنْ الصَّيدِ بِضَرْبِ الشَّبَكَةِ مَرَّة، لِأَنَّهُ مَجْهُولٌ وَلِأَنَّ فِيهِ غَرَرًا. قَالَ: (وَبَيعُ المُزَابَنَةِ وَهُوَ: بَيعُ الثَّمَرِ عَلَى النَّخِيلِ بِتَمْرٍ مَجذُوذٍ مِثْلِ كَيْلِهِ خَرصًا) لِأَنَّهُ ﵊ نَهَى عَنْ المُزَابَنَةِ وَالمُحَاقَلَةِ فَالْمُزَابَنَةُ مَا ذَكَرنَا، وَالمُحَاقَلَةُ: بَيعُ الحِنْطَةِ فِي سُنبُلِهَا بِحِنطَة مِثْلِ كَيْلِهَا خَرْصًا؛ وَلِأَنَّهُ بَاعَ مَكِيلًا بِمَكِيل القانص - أي: الصياد - بشبكته على الصيد، ولا خلاف لأحد فيه. وفي تهذيب الأبهري: ما يخرج عن ضربة الغائص - بالغين والياء ـ، وهو الغواص على اللآلئ، وذلك أن يقول للتاجر: أغوص لك غوصة، فما أخرجت فهو لك بكذا. (ولأن فيه)؛ أي: فيما يخرج من ضربة القانص (غررا)؛ لأنه يجوز ألّا يدخل في الشبكة صيد؛ لأنه معدوم في الحال. قوله: (وبيع المزابنة)؛ أي: لا يجوز بيع المزابنة. والمزابنة لغة: المدافعة، من الزبن وهو الدفع، ويسمى هذا النوع من البيع بها؛ لأنها تؤدي إلى النزاع؛ لأنها مبنية على التخمين، والغبن فيها مما يكثر، فيزيد المغبون دفعه، والغابن إمضاؤه فيتدافعان. (خرصا) نصب على التمييز من مثل كيله، يقال: خرص النخل حزر ما فيها خرصا من حد نصر. كذا في المغرب (١). (والمزابنة ما ذكرنا) وبه قال الشافعي وأحمد. وقال مالك: المزابنة: ضمان الصبرة بقدر معلوم، بأن يقول: أضمن لك صبرتك بكذا صاعًا، فيكال الآن، فإن زاد فَلِي وإن نقص فعَلَيَّ. (والمحاقلة بيع الحنطة) إلى آخره وبه قال الشافعي وأحمد، وهذان التفسيران إن كان من النبي ﵇ فذاك، وإن كان من الراوي فهو أعرف بتفسير ما رواه.

стр. 4628

مِنْ جِنسِهِ، فَلَا تَجُوزُ بِطَرِيقِ الخَرصِ كَمَا إِذَا كَانَا مَوضُوعَينِ عَلَى الأَرضِ، وَكَذَا العِنَبُ بِالرَّبِيبِ عَلَى هَذَا. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: يَجُوزُ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوسُق «لِأَنَّهُ ﵊ نَهَى عَنِ المُزَابَنَةِ وَرَخَّصَ فِي العَرَايَا وَهُوَ أَنْ يُبَاعَ بِخَرْصِهَا تَمْرًا فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أوسق» ........... وعن مالك: المحاقلة: هي اكتراء الأرض ببعض ما يخرج منها من الثلث أو الربع أو غيرهما. وقلنا: الحقل لغة القرام يزرع. كذا قاله الأزهري. في الصحاح: الحقل: الزرع إذا انشقت ورقه (١). ولأن ما قاله مالك نوع من القمار، والنبي ﵇ قصد النهي عن العقد بطريق الخرص - أي: الحزر -؛ لأن فيه شبهة الربا، والشبهة ملحقة بالحقيقة في الحرمات، موضوعين أو كانا على النخيل لشبهة الربا. (وقال الشافعي: يجوز)؛ أي: شراء التمر بتمر مجذوذ على الأرض خرصا (فيما دون خمسة أوسق) ولا يجوز فيما زاد عليها قولًا واحدًا، وبه قال أحمد. وفي قدر خمسة أوسق له قولان. له: ما روي عن سهل بن حثمة عن أبي هريرة أنه ﵇ «نهى عن بيع التمر بِالتّمر، إلا أنهُ رَخّص في العَرِيَّةِ، وهَوَ أن تُباعَ بخَرْصِها تمرًا يأكُلُها أهلها وفي رواية: نَهَى عن المُزابنة ورخّص في العرايا، وهي أن تُباعَ بخَرْصِها تمرًا فيما دون خمسة أوسق» (٢). ودليله: أن العرية ما ذكره زيد بن ثابت، فإنه لما سئل ما عراياكم هذه؟ قال: إن الرطب ليأتينا ولم يكن في أيدينا نقد نبتاعه به وعندنا فضلات قوتنا من التمر، فرخص لنا رسول الله أن نبتاع بخرصها تمرًا، فنأكل مع الناس رُطَبًا. ولأن ما على رؤوس النخيل لا يتأتى فيه الكيل، فأقام الشرع الخَرْصَ مقام

стр. 4629

قُلْنَا: العَرِيَّةُ: العَطِيَّةُ لُغَة، ........ الكيل؛ للحاجة تيسيرًا، بخلاف ما إذا كانا موضوعين على الأرض لعدم الحاجة، وهذه الحاجة في القليل دون الكثير، والتفاوت مع الخرص ينعدم أو يقلُّ في القليل، ويكثر في الكثير، والفرق بين التفاوت اليسير والكثير أصل في الشرع، حتى إن الزيادة التي تدخل بين الكيلين تجعل عفوًا، بخلاف ما زاد على ذلك، وما دون خمسة أوسق قليل، والزائد عليه كثير فلا يجوز. وفي مقدار خمسة أوسق قولان، في قول: يجوز، وهو منقول المزني عن الشافعي؛ لإطلاق حديث سهل. وفي قول: لا يجوز، وهو مختار المزني ومذهب أحمد؛ لأن النهي عن المزابنة معلوم محقق، والرخصة في خمسة أوسق مشكوك فيه، والأول أظهر عند صاحب الوجيز، والثاني عند صاحب التهذيب وأكثر الأصحاب. كذا في شرح الوجيز (١). وفي الحلية: ولا فرق بين الغني والفقير، خلافًا لأحمد (٢). ولو باع من جماعة أو من واحد ثمرات جملةً بثمرات الحائط على شرط العرايا جاز، وكذا يجوز العرايا عنده في العنب بالزبيب بشرائطه، ولا يجوز ذلك في سائر الثمار على الأصح. وقوله: (تمرًا) نصب على التمييز من بخرصها، فإن قوله (أن يباع) مسندًا إلى ضمير يرجع إلى التمر الذي على رأس النخل؛ لأن الكلام فيه، وأنتَ ضميره البارز في بخرصها على أنه جمع التمرة، وفي مثله يجوز التذكير والتأنيث، فكان تقديره: وهو، أي: بيع العرايا؛ أن يباع التمر الذي [على] (٣) رأس النخل بحرزها تمرًا مجذودًا مثله حزرًا. قوله: (وقلنا): في المبسوط: لنا: قوله ﵇: «التَّمْرُ بِالتَّمْرِ … » الحديث، وما على رؤوس النخيل تمر، فلا يجوز بيعه بالتمر إلا كيلا بكيل، وهذا الحديث متفق على قبوله، فيرجح على الخاص المختلف في قبوله (٤). ونهى النبي ﵇ عن بيع المزابنة والمحاقلة، وقد مر تفسيرهما.

стр. 4630

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وأما العرية التي فيها الرخصة: فهي العطية دون البيع، وبه قال مالك، قال ﵇ للخراصين: «خَفِّفُوا فِي الخَرْصِ؛ فإنّ في المال العريّةُ والوَصِيَّةُ» (١)، والخروص لا تستحق التخفيف بسبب البيع، بل بسبب العطاء. وتفسير العطية: أن يهب الرجل ثمرة نخله من بستانه لرجل، ثم يشق على المُعَرى دخول المُعَرى له في بستانه كل يوم، لكون أهله في بستانه، ولا يرضى من نفسه خلف الوعد والرجوع في الهبة، فيعطيه مكان ذلك تمرا مجذودًا بالخرص؛ ليدفع ضرره عن نفسه، ولا يكون مُخلِفًا للوعد، وهذا جائز عندنا؛ لأن الموهوب لم يصر ملكا للموهوب له ما دام متصلا بملك الواهب، فما يعطيه من التمر لا يكون عوضا عنه بل هبة مبتدأة، وإنما سمي ذلك بيعا مجازا؛ لأنه في الصورة عوض يعطيه للتحرز عن خلف الوعد. واتفق أن ذلك فيما دون خمسة أوسق، فظن الراوي أن الرخصة مقصورة على هذا، فنقل كما وقع عنده. كذا أوّله عيسى بن أبان، وقال: الحمل على هذا أولى؛ ليبقى نهيه ﵇ عن بيع التمر بالتمر على عمومه، وزيد بن ثابت قد أخبر أن العرية الهبة، حيث قال: "العرية: النخلة والنخلتان توهبان فيبيعها بخرصها تمرا " وهكذا نقل عن مالك. ولا يقال: إذا كان تأويل الحديث ذلك لا يبقى لذكر الرخصة معنى؛ لأنا نقول: معنى الرخصة: أن يحبس ما أعرى ويعطي خرصه تمرا بدلًا مما وهبه، إذا وهبه من غير أن يكون إثمًا، ولا في حكم من أخلف وعده. كذا قيل. وقد يقرن الشيء بالشيء وإن كان حكمهما مختلفا، والقياس معنا في المسألة؛ لأنه مكيلا بمكيل من جنسه، فلا يجوز بطريق الخرص، كما لو كانا موضوعين على الأرض، أو كانا على رؤوس النخيل، وكما في سائر المكيلات، فإنه لو باع الحنطة أو الشعير المستحصد بشعير أو حنطة مثله بطريق الخرص لا يجوز، فكذا هذا.

стр. 4631

وَتَأْوِيلُهُ أَنْ يَبِيعَ المُعرَى لَهُ مَا عَلَى النَّخِيلِ مِنْ المُعرِي بِتَمرٍ مَجذُودٍ، وَهُوَ بَيْعٌ مَجَازًا لِأَنَّهُ لَم يَمْلِكُهُ فَيَكُونُ بُرًا مُبْتَدَأَ. قَالَ: (وَلَا يَجُوزُ البَيعُ بِإِلقَاءِ الحَجَرِ، وَالمُلَامَسَةِ، وَالمُنَابَذَةِ). وَهَذِهِ بُيُوعٌ كَانَتْ فِي الجَاهِلِيَّةِ، وَهُوَ أَنْ يَتَرَاوَضَ الرَّجُلَانِ عَلَى سِلعَة: أَي يَتَسَاوَمَانِ، فَإِذَا لَمَسَهَا المُشتَرِي أَوْ نَبَذَهَا إِلَيْهِ البَائِعُ أَوْ وَضَعَ المُشْتَرِي عَلَيْهَا حَصَاةً لَزِمَ البَيعُ؛ فَالأَوَّلُ: بَيعُ المُلَامَسَةِ، وَالثَّانِي: المُنَابَذَةُ، وَالثَّالِثُ: القَاءُ الحَجَرِ، وَقَدْ نَهَى ﵊ عَنْ بَيعِ المُلَامَسَةِ وَالمُنَابَذَةِ وَلِأَنَّ فِيهِ تَعلِيقا بالخطر. (وتأويله)؛ أي: تأويل قوله: ورخص في العرايا (أن يبيع المعرى له)؛ أي: بعوض. وفي الكافي: حمل الحديث على ما ذكرنا للحديث المشهور. والعرية لغة: النخلة التي يُعَرِّيها صاحبها للفقير. وقيل: سميت ما ذكرنا عرية؛ لأنه عريت من التحريم، ولأنه لما وهب ثمرتها للفقير؛ فكأنه جردها من الثمرة، فصارت عارية من الثمرة، فعلى الأول فعيلة (١) بمعنى مفعول، وعلى الثاني بمعنى فاعلة. كذا في المغرب (٢). قوله: (ولا يجوز البيع بإلقاء الحجر) إلى آخره ولا خلاف للفقهاء فيه. (ولأن فيه) في كل واحد من هذه البيوع (تعليقا)؛ أي: تعليق التمليك (بالخطر) وفيه معنى القمار. وفي شرح الوجيز: للملامسة ثلاث تأويلات: أحدها: أن يأتي بثوب مطوي أو في ظلمة، فيلمسه المستام، فيقول صاحبه: بعتك هذا بكذا، بشرط أن يقوم لمسك مقام نظرك، ولا خيار لك إذا رأيته. وهو تأويل الشافعي في المختصر، وهذا البيع باطل. والثاني: أن يجعلا نفس اللمس بيعًا، بأن يقول البائع للمشتري: إذا لمست ثوبي فهو مبيع منك، وهو باطل؛ لما فيه من التعليق.

стр. 4632

قَالَ: (وَلَا) يَجُوزُ (بَيعُ ثَوبٍ مِنْ ثَوبَينِ) لِجَهَالَةِ المَبِيعِ؛ وَلَو قَالَ: عَلَى أَنَّهُ والثالث: أن يبيعه شيئًا على أنه متى لمسه فقد وجب البيع وسقط خيار المجلس، وهذا فاسد أيضًا؛ للشرط الفساد. وللمنابذة ثلاث تأويلات أيضًا: أحدها: أن يجعلا نفس نبذ الثوب بيعًا، بأن يقول: انبذ ثوبي إليك وتنبذ ثوبك إلي، على أن كل واحد بالآخر أو يقول: أنبذ ثوبي إليك بعشرة. وهو تأويل الشافعي في المختصر. والثاني: بأن يقول: بعتك هذا بكذا، على أني إذا نبذته إليك فقد وجب البيع، وحكمه ما مر في الملامسة. والثالث: أن المراد منه: نبذ الحصاة، وهو أن يقول: بعتك ثوبًا من هذه الأثواب وأرمي به الحصاة، فعلى أيّه وقعت فهو المبيع. أو يقول: بعتك هذا بكذا، على أنك بالخيار إلى أن ترمي الحصاة. أو يجعل نفس الرمي بيعًا، والبيع باطل في الكل؛ لما روى أبو هريرة أنه ﵇ «نَهَى عَنْ بَيْعِ المُلامَسَةِ وَالمُنابَذَةِ» (١) والمنابذة يتناول الكل (٢). وفي المنتقى: قال أبو حنيفة: الملامسة: أن يقول البائع: أبيعك هذا الثوب بكذا، فإذا لمسته وجب البيع، أو يقول المشتري كذلك. وإلقاء الحجر: أن يقول المشتري أو البائع: إذا ألقيت الحجر وجب البيع، وهذا قولهم. كذا في الكافي. وفي النهاية: سام البائع السلعة: عرضها على البيع وذكر ثمنها، وسامها المشتري، أي: استامها سومًا، فإذا لمسها المشتري - أي: السلعة - لزم البيع، رضي البائع أو لم يرض. قوله: (ثوب من ثوبين) وكذا عبد من عبدين؛ لا يجوز، ولا خلاف فيه لأحد، حتى لو قبضهما وماتا معًا يضمن نصف قيمته كل واحد؛ لأن أحدهما مضمون بالقيمة؛ لأنه مضمون بحكم البيع الفاسد، والآخر أمانة، وليس أحدهما بأولى من الآخر، فشاعت الأمانة والضمان، ولهذا لو كان البيع

стр. 4633

بِالخِيَارِ فِي أَنْ يَأْخُذَ أَيَّهُمَا شَاءَ جَازَ البَيعُ اسْتِحْسَانًا، وَقَدْ ذَكَرنَاهُ بِفُرُوعِهِ. قَالَ: (وَلَا) يَجُوزُ (بَيعُ المَرَاعِي وَلَا إجَارَتُهَا) المُرَادُ الكَلَأُ، أَمَّا البَيعُ فَلِأَنَّهُ وَرَدَ عَلَى مَا لَا يَمْلِكُهُ لِاشْتِرَاكِ النَّاسِ فِيهِ بِالحَدِيثِ، وَأَمَّا الْإِجَارَةُ فَلِأَنَّهَا عُقِدَت صحيحًا بأن كان فيه خيار المشتري؛ يضمن نصف ثمن كل واحد، والفاسد معتبر بالصحيح، والقيمة هنا كالثمن ثمة. ولو ماتا مرتبًا ضمن قيمة الأول؛ لأنه تعين مضمونًا لتعذر الرد فيه، ولو حرزهما معًا عتق أحدهما؛ لأنه ملك أحدهما بالقبض، وإن حرز أحدهما لم يصح، أي: لو قال البائع أو المشتري: أحدكما حر، ولو قالا معًا أو متعاقبا عُتِقَا؛ لأن كل واحد عتق ملكه وملك غيره، فيصح في ملكه والبيان إلى المشتري؛ لأن من نفذ فيه عتقه مضمون بالقيمة، والقول في المضمون قول الضامن، ولو قبض أحدهما بإذن البائع فهلك؛ غرم قيمته. كذا في الكافي. (وقد ذكرناه)؛ أي: في باب خيار الشرط. وفي المجتبى: وفي بعض النسخ: ولا بيع ثوب بثوبين نساءً والجنس واحد، وليس هذا في أعم الشروح (١) وأكثر النسخ، وموضعه في باب الربا. قوله: (والمراد)؛ أي: بالمراعي (الكلأ) إطلاقا لاسم المحل على الحال، وإنما احتاج إلى هذا التأويل؛ لأن لفظ المرعى يقع على الأرض، وبيع (٢) الأرض وإجارتها جائز بالإجماع، سواء كان الكلأ فيه أو لم يكن. (بالحديث)؛ وهو قوله ﵇: «الناسُ شُرَكاءُ في ثَلاثٍ: في الماء والنار وَالكَلَا» (٣) ففي الكلا النابت في أرضه لا تنقطع شركة الناس عنه، ولا يصير مملوكا له، فبقي على أصل الإباحة، فلم يستفد المشتري بهذا العقد شيئًا لم يكن له فيبطل.

стр. 4634

عَلَى استهلاكِ عَين مُبَاحٍ، وَلَو عَقَدَ عَلَى اسْتِهْلَاكِ عَينٍ مَملُوكِ بِأَنْ استَأجَرَ بَقَرَةً ومعنى إثبات الشركة في النار: الانتفاع بضوئها والاصطلاء بها وتجفيف الثياب، أما إذا أراد أن يأخذ الجمر لا يكون له ذلك إلا بإذن صاحبه. كذا ذكره القدوري. وفي الكلأ والماء، لصاحب الأرض أن يمنع من الدخول في أرضه لا الكلأ، فإذا امتنع منه، لغيره أن يقول: إن لي في أرضك حقًا، فإما أن توصلني إليه أو تدفعه إلي، أو دعني أخذه. وهكذا الحكم في ثوب قد وقع في دار رجل، وكذا حوض في كرم أو بئر فيه. ولو باع الكلأ أو الماء بعد الإحراز جاز؛ لأنه صار أخص به من غيره، فجاز بيعه. كذا ذكره الإمام قاضي خان، والتمرتاشي. فإن قيل: لو كان كونه أخصَّ به من غيره مُجَوِّنٌ للبيع، [ينبغي أن يجوز بيع] (١) الكلا إذا أنبته صاحب الأرض بالسقي والتربية في أرضه. قلنا: فيه اختلاف الرواية؛ فإنه ذكر في الذخيرة والمحيط: بيع الحشيش في أرضه جائز وإن كان الأرض سقاها لأجل الحشيش؛ لأنه ملكه؛ ألا ترى أنه ليس لأحد أن يأخذه بغير إذنه، ولو نبت بنفسه لا يجوز؛ لأنه مباح بالنص. وهكذا ذكر في النوازل. وفي القدوري: لا يجوز بيع الكلا في أرضه وإن ساق الماء إلى أرضه ولحقه مؤنة؛ لأن الشركة في الكلا ثابتة بالنص، وإنما تنقطع الشركة بالحيازة، وسوق الماء إلى أرضه ليس بحيازة. ولكن ذكر التمرتاشي والإسبيجابي من المتأخرين: جوازه مطلقا. ولو احتثه إنسان بغير إذنه كان له الاسترداد، وهو مختار الصدر الشهيد. وذكر بكر في اختلاف أبي حنيفة وزفر: نبت الكلأ بإنباته جاز بيعه، وكذا لو حدق حول أرضه وهيأها للإنبات حتى نبت؛ صار ملكا له. [وذكر في السرب: أن إجارة الكلا فاسدة، حتى يملك الآخر الأجرة بالقبض] (٢)

стр. 4635

لِيَشْرَبَ لَبَنَهَا لَا يَجُوزُ فَهَذَا أُولَى. قَالَ: (وَلَا يَجُوزُ بَيعُ النَّحْلِ) وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ وَأَبِي يُوسُفَ ﵀، وَقَالَ مُحَمَّدٌ رَحْمَهُ ﵀: يَجُوزُ إِذَا كَانَ مُحرَزًا (*)، وَهُوَ قَولُ الشَّافِعِيِّ ﵀، وذكر الحلواني عن محمد: الكلأ: ما ليس له ساق، وما قام على الساق فهو ليس بكلا كالحاج، فيه روايتان عن محمد في رواية: بمنزلة الشجر، وإليه ذهب أبو جعفر. وفي رواية: بمنزلة الكلأ، وهو محمول على ما انبسط على وجه الأرض. وكان الفضلي يقول: هو كلاً. وفي الإيضاح: لا يجوز بيع الكلا في أرضه، ولا ماء في نهره أو بئره، وبه قال الشافعي ومالك وأحمد، وهكذا ذكر الطحاوي؛ لأنه على أصل الإباحة، فما لم يحرزه لم يجز بيعه كبيع الصيد في أرضه ما لم يأخذه، وكذا لا يجوز بيع الكمأة في أرضه ما لم يقلعها، وكذلك بيع السمكة في نهره أو جهته، وقد مر التفصيل في بيع السمكة. (فهذا أولى)؛ لأنها على استهلاك عين غير مملوكة، فأولى أن لا يصح؛ لأن محل الإجارة [المنافع لا الأعيان باتفاق الفقهاء، إلا إذا كانت آلة الإقامة لعمل المستحق بالإجارة] (١) كالصبغ واللبن في استئجار الصباغ والظئر؛ لأن اللبن آلة للحضانة والظؤورة كذا في الفوائد الظهيرية. وذكر التمرتاشي: لبن بني آدم في حكم المنفعة، ولهذا لا يجوز بيعه ولا يضمن متلفه. والحيلة في ذلك: أن يستأجر الأرض ليضرب فيه فسطاطه، وليجعله حظيرة لغنمه؛ فتصح الإجارة، ويبيح صاحب المراعي الانتفاع بالمرعى، فيحصل مقصودهما. قوله: (وهو قول الشافعي) وفي كتبهم في بيع النحل في الكوارة وجهان، أحدهما: لا يجوز، وهو اختيار أبي حامد هذا إذا لم يشاهده. ولو

стр. 4636

لِأَنَّهُ حَيَوَانٌ مُنتَفَعُ بِهِ حَقِيقَةٌ وَشَرعًا فَيَجُوزُ بَيْعُهُ وَإِنْ كَانَ لَا يُؤْكَلُ كَالبَعْلِ وَالحِمَارِ. وَلَهُمَا: أَنَّهُمَا مِنْ الهَوَامٌ، فَلَا يَجُوزُ بَيعُهُ كَالزَّنَابِيرِ وَالِانتِفَاعُ بِمَا يَخْرُجُ مِنْهُ لَا بِعَيْنِهِ فَلَا يَكُونُ مُنتَفَعًا بِهِ قَبلَ الخُرُوجِ، حَتَّى لَو بَاعَ كُوَّارَة فِيهَا عَسَلٌ بِمَا فِيهَا مِنَ النَّحْلِ يَجُوزُ تَبَعًا لَهُ، كَذَا ذَكَرَهُ الكَرْخِيُّ ﵀. اجتمع في الكوارة وشاهده جاز بيعه، وكذا لو شاهده خارج الكوارة، ففي جواز بيعه له وجهان. ومحل الخلاف نحل العسل، أما نحل غير العسل لا يحل بالإجماع؛ لأنه من الهوام كالزنابير. (لأنه)؛ أي: النحل (حيوان منتفع به حقيقة وشرعا)؛ لإطلاقه الانتفاع به، والانتفاع تارة يكون بواسطة وطورًا بلا واسطة، يعني: شرعية المعاملات لدفع الحاجة، فيختص بمحل الانتفاع وهو منتفع. (ولهما: أنه)؛ أي: النحل والهوام جمع الهامة؛ وهي دود الأرض. (فلا يصح بيعه كالزنبور) والحية والعقرب والوزغ؛ وهذا لأن الانتفاع بما يتولد منه لا بعينه، فقبل الحدوث والتولد لا ينتفع به، والعين إنما يصير مالا لكونه منتفعا به حتى لو باع كوارة فيها عسل بما فيها من النحل؛ ذكر القدوري: أنه يجوز في شرحه عندهما، أنه يجوز تبعًا له كما في بيع الأرض مع الشرب، وبيع العذرة المختلطة بالتراب. كذا ذكره الكرخي في مختصره. ولكن ذكر في الكافي: وأنكر الكرخي جواز بيع النحل مع العسل، وقال: الشيء إنما يدخل في العقد تبعًا لغيره إذا كان من حقوقه، كالشرب من الأرض، وهذا ليس من حقوقه. وهكذا ذكر في الإيضاح، وقال فيه: ولكن ذكر في جامعه التعليل الأول عن أبي يوسف. وبقوله: (لا بعينه) احتراز عن بيع الجحش والمهر، فإنهما وإن كانا لا ينتفع بهما في المال بأعيانهما فيجوز بيعهما. عن الغوري: الكوارة - بضم الكاف وتشديد الواو -: معسل النحل إذا سوي من طين.

стр. 4637

(وَلَا يَجُوزُ بَيعُ دُودِ القَزِّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ) لِأَنَّهُ مِنْ الهَوَامٌ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ ﵀: يَجُوزُ إِذَا ظَهَرَ فِيهِ القَزُّ تَبَعًا لَهُ. وَعِنْدَ مُحَمَّد ﵀: يَجُوزُ كَيفَمَا كَانَ لِكَونِهِ مُنتَفَعًا بِهِ (*) (وَلَا بَيْعُ بَيضِهِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَعِندَهُمَا: يَجُوزُ) (**) لِمَكَانِ الضَّرُورَةِ. وَقِيلَ: أَبُو يُوسُفَ مَعَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ كَمَا فِي دُودِ القَنِّ وَالحَمَامِ، إِذَا عُلِمَ عَدَدُهَا وَأَمْكَنَ تَسْلِيمُهَا جَازَ بَيْعُهَا لِأَنَّهُ مَالٌ مَقدُورُ التَّسْلِيمِ. وفي التهذيب: كوارة النحل مخففة. وفي المغرب: الكُوَارة والكُوَارَة بالكسر من غير تشديد (١)، وقيد الزمخشري بكسر الكاف. وفي الغريبين: بالضم. قوله: (إذا ظهر فيه القز)؛ لأنه إذا ظهر القز فيه صار منتفعا به في المستقبل. (كيفما كان)؛ أي: سواء معه القز أم لا، وبه قال الشافعي وأحمد، وهو اختيار الصدر الشهيد، وعليه الفتوى للتعامل كذا في الذخيرة، وجامع المحبوبي. (بيضة)؛ أي: بيض دود القز، وهو الذي يقال بالفارسية (تخم سله) لأنه غير منتفع به باعتبار ذاته، بل باعتبار غيره، وذلك الغير معدوم في الحال، وفي وجوده في المآل خطر. (وعندهما)؛ أي: عند أبي يوسف ومحمد (يجوز) وبه قال الشافعي في وجه، وأحمد، وعليه الفتوى لمكان الضرورة ذكره في الذخيرة والإمام المحبوبي والصدر الشهيد. وفي الفوائد الظهيرية: فأبو حنيفة لم يجوز فيهما، ومحمد جوزه فيهما، وفرق أبو يوسف، ففي النحل مع أبي حنيفة، وفي الدود مع محمد، فقال: ما ظهر من القز فيه منتفع به في المستقبل، فكان كالجحش والمهر، بخلاف النحل.

стр. 4638

(وَلَا يَجُوزُ بَيعُ الآبِقِ) لِنَهيِ النَّبِيِّ ﵊ عَنهُ وَلِأَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى تَسْلِيمِهِ (إِلَّا أَنْ يَبِيعَهُ مِنْ رَجُل زَعَمَ أَنَّهُ عِندَهُ) لِأَنَّ المَنهِيَّ عَنهُ بَيعُ آبِقٍ مُطلَقٍ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ آبِقًا فِي حَقِّ المُتَعَاقِدَينِ وَهَذَا غَيْرُ آبِقٍ فِي حَقِّ المُشتَرِي؛ وَلِأَنَّهُ إِذَا كَانَ عِنْدَ المُشتَرِي انتَفَى العَجزُ عَنْ التَّسْلِيمِ وَهُوَ المَانِعُ، ثُمَّ لَا يَصِيرُ قَائِضًا بِمُجَرَّدِ العَقدِ إِذَا كَانَ فِي يَدِهِ وَكَانَ أَشْهَدَ عِندَهُ أَخَذَهُ، لِأَنَّهُ أَمَانَةٌ واضطرب في بيضه؛ قيل: مع أبي حنيفة كما في دوده. قوله: (والحَمَامُ إِذا عُلِمَ عَدَدُها) إلى آخره وفي فتاوى قاضي خان: لو باع طيرا بطير في الهواء، إن كان راجيًا يعود إلى بيته ويقدر على أخذه من غير تكلف؛ جاز بيعه، وإلا فلا (١)، وكذا بيع الحمام في البرج، وبه قال الشافعي. ولو باع الحمام الطائر، فللشافعي فيه وجهان، فعند بعض أصحابه: الأصح: الجواز لاعتياده العود. وعند أكثرهم: الأصح: عدم الجواز؛ لأن عودها غير موثوق به؛ إذ ليس لها عقل باعث على العود. كذا في شرح الوجيز (٢). وفي تتمتهم: لو كانت في البرج والكُوَى مسدودة يجوز البيع، ولو كانت تطير، إن كانت مألوفة؛ فالعقد صحيح، وإن لم تكن ألفت الرجوع، فربما تعود وربما لا تعود؛ فالعقد باطل؛ لأنه وقع على غرر. وعندنا: كل ما هو مقدور تسليمه يجوز بيعه، وإلا فلا. قوله: (ولا يجوز بيع الآبق): وهذا بإجماع الفقهاء الأربعة. وعن ابن عمر: يجوز بيعه. وعن ابن سيرين: يجوز بيعه لو عرف موضعه. وروى الحسن عن أبي حنيفة: أنه يجوز بيعه، قيل: هذا إذا علم المشتري، ولو اختلفا في العلم؛ فالقول للبائع، وأما العبد المرسل في حاجته فيجوز بيعه. كذا في المحيط.

стр. 4639

عِندَهُ وَقَبضُ الأَمَانَةِ لَا يَنُوبُ عَنْ قَبضِ البَيعِ، وَلَو كَانَ لَم يُشْهِد يَجِبُ أَنْ يَصِيرَ قَائِضًا، لِأَنَّهُ قَبضُ غَصبٍ، لَو قَالَ: هُوَ عِنْدَ فُلَانٍ فَبِعهُ مِنِّي، فَبَاعَهُ، لَا يَجُوزُ لِأَنَّهُ ابِقٌ فِي حَقِّ المُتَعَاقِدَينِ، وَلِأَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى تَسْلِيمِهِ. وَلَو بَاعَ الْآبِقَ ثُمَّ عَادَ مِنْ الإِبَاقِ لَا يَتِمُّ ذَلِكَ العَقْدُ؛ لِأَنَّهُ وَقَعَ بَاطِلًا لانعِدَامِ المَحَلِّيَّةِ كَبَيعِ الطَّيرِ فِي الهَوَاءِ. وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀: أَنَّهُ يَتِمُّ العَقْدُ إِذَا لَم يُفْسَخ، لِأَنَّ العَقد انعَقَدَ لِقِيَامِ المَالِيَّةِ، وَالمَانِعَ قَدْ ارتَفَعَ وَهُوَ العَجزُ عَنْ التَّسْلِيمِ، كَمَا إِذَا أَبَقَ بَعدَ البَيعِ، وَهَكَذَا يُروَى عَنْ مُحَمَّد ﵀. (زعم أنه)؛ أي: الآبق، فحينئذ يجوز بيعه، وبه قال الشافعي. (وكان أشهد)؛ أي: أشهد أنه أخذه للرد على المولى (لأنه يصير أمانة عنده) ولهذا لو هلك قبل الوصول إلى المولى؛ يهلك أمانة وقبض الأمانة لا ينوب عن قبض البيع؛ لأن الأدنى لا ينوب عن الأقوى. (لأنه)؛ أي: القبض بلا إشهاد قبض غصب فينوب عن قبض الشراء؛ إذ كل واحد قبض ضمان. وذكر التمرتاشي: [وإن لم] (١) يشهد فكذلك عند أبي يوسف [لا يصير قابضا] (٢)، وعندهما يصير قابضًا، وإن كان أخذه لنفسه يصير قابضا عقيب الشراء بالاتفاق. (ولو قال)؛ [أي] (٣): المشتري (هو)؛ أي: الآبق (عند فلان فبعه مني) لا يجوز؛ لأنه أبق في حق المتعاقدين، فكان ابقا مطلقا، فيدخل تحت النهي. (ولأنه)؛ أي: البائع (لا يقدر على تسليمه). وقال الشافعي: لو قدر المشتري على انتزاعه من يد فلان يجوز، وإلا لا. (عاد من الإباق وسلمه؛ أي: المشتري لا يتم ذلك العقد) كذا عن محمد؛ لأن شرط الجواز فات وقت العقد، فلا يكون محلا للعقد وإن وجد الشرط بعد البيع، كما لو باع خمرا فصارت خلا قبل التسليم، أو باع طيرا في الهواء ثم أخذه.

стр. 4640

قَالَ: (وَلَا بَيعُ لَبَنِ امْرَأَة فِي قَدَح) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: يَجُوزُ بَيعُهُ، لِأَنَّهُ مَشرُوبٌ طَاهِرُ، وَلَنَا: أَنَّهُ جُزءُ الْآدَمِيّ وَهُوَ بِجَمِيعِ أَجْزَائِهِ مُكَرَّمٌ مَصُونٌ عَنِ الِابْتِذَالِ (وعن أبي حنيفة) وهو رواية عن محمد (يتم لقيام المالية) إذ الآبق مال مملوك (والمانع)؛ أي من الجواز (ارتفع) بالعقد، فصار كما لو باع المرهون ثم فكه قبل الخصومة، أو باعه ثم أَبَقَ، وبه أخذ الكرخي وجماعة من مشايخنا. كذا ذكره الإسبيجابي. ولا يحتاج إلى بيع جديد، وقيد به إذا لم يفسخ؛ لأن القاضي إذا فسخ البيع بطلب المشتري التسليم، وعجز البائع عنه؛ فحينئذ يحتاج إلى بيع جديد. كذا في الذخيرة. ولو باع الآبق من ابنه الصغير لا يجوز، ولو وهبه له أو ليتيم في حجره جاز؛ لأن ما بقي له من اليد في الآبق يصلح لقبض الهبة دون البيع، وإعتاق الآبق من الكفارة جائز إذا علم حياته ومكانه. كذا ذكره التمرتاشي. قوله: (لبن امرأة في قدح): قيل: ذكر القدح اتفاقي، فإن حرمة بيعه غير موقوفة على كونه في قدح، ولكنه أخرج الكلام مخرج العادة. والأصح: أن هذا قيد مقيد؛ لأنه لو لم يذكره لتوهم جواز بيعه في القدح، وإنما لا يجوز لكونه في الضرع، كما هو الحكم في حق لبن سائر الحيوانات؛ فإنه لا يجوز في الضرع، ويجوز في القدح وفي غيره من الإناء. وإليه أشار الإمام أبو جعفر في كشف الغوامض وبقولنا: قال مالك وأحمد في رواية، وأبو القاسم بن يسار من أصحاب الشافعي؛ لأنه نجس عند أبي القاسم، ولا يحل شربه لغير الصغير عنده لعدم الضرورة. (مشروب طاهر) ولهذا يستعط به ويشرب، فأشبه لبن الشاة. وإنما ذكر الطهارة بعد كونه مشروبًا؛ احترازًا عن الخمر؛ فإنها مشروب غير طاهر. (ولنا: أنه)؛ أي: اللبن (جزء الآدمي وهو)؛ أي: الآدمي (بجميع أجزائه) إلى آخره: فلا يكون مالا ومحلا للبيع. وإنما قلنا: إنه جزء الآدمي؛ لأن الشرع أثبت حرمة الرضاع بمعنى البعضية. وإنما قلنا: إنه غير مال؛ لأن المال غير الآدمي خلق لمصالح الآدمي، فما

стр. 4641

بِالبَيعِ، وَلَا فَرقَ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ بَينَ لَبَنِ الحُرَّةِ وَالأَمَةِ، وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ ﵀: أَنَّهُ يَجُوزُ بَيعُ لَبَنِ الأَمَةِ لِأَنَّهُ يَجُوزُ إِيرَادُ العَقدِ عَلَى نَفْسِهَا فَكَذَا عَلَى جُزئِهَا (*). قُلْنَا: الرِّقُ قَدْ حَلَّ نَفْسَهَا، فَأَمَّا اللَّبَنُ فَلَا رِقَّ فِيهِ، لِأَنَّهُ يَحْتَصُّ بِمَحِلٌ يَتَحَقَّقُ فِيهِ القُوَّةُ الَّتِي هِيَ ضِدُّهُ وَهُوَ الحَيُّ وَلَا حَيَاةَ فِي اللَّبَنِ. يجري فيه الشح والضنة فلا يكون محلا، وعلل شمس الأئمة وقال: لبن الآدمي في حكم المنفعة، ولهذا يجوز استحقاقه بعقد الإجارة، وبيع مثله لا يجوز. وإليه أشار ابن سماعة عن محمد. فإن قيل: أجزاء الآدمي مضمونة، فكذا اللبن ينبغي أن يكون كذلك، والحال أنه لا يضمن بالإتلاف. قلنا: أجزاء الآدمي لا تضمن بالإتلاف، بل يضمن ما انتقص من الأصل؛ ألا ترى أن الجرح إذا اتصل به سقط أرشه، وكذا السن إذا نبت، إلا ما يستوفى بالوطء فإنه مضمون وإن لم ينقص شيء من الأصل؛ تغليظا لباب البضع، وهذا لأن ما يستوفى بالوطء ملحق بالنفس حكمًا في حق الضمان؛ لأنه احترام للماء الذي تخلق به نفس، بخلاف من حز صوف شاة ولم ينبت آخر؛ حيث لم يسقط عنه ضمان الأول، وبإتلاف اللبن لا ينتقص من الأصل شيء فلا يضمن كذا في الأسرار، وفي تجويز بيع لبن الآدمية فساد؛ لأن حرمة المصاهرة تثبت به، فإذا لم يكن معلومًا يتمكن الفساد من الأنكحة بين الناس، والله لا يحب الفساد. (على جزئها)؛ أي: جزء النفس؛ لأنه متولد منها فيأخذ حكمها. (الرق حل نفسها)؛ يعني: البيع لا يجوز إلا فيما حل فيه الرق، والرق لا يحل اللبن (لأنه)؛ أي: الرق ضعف حكمي، فيختص بمحل القوة التي ضده وهو الحي؛ لأن الضدان يتعاقبان على موضوع واحد، ولا حياة في اللبن؛ لأنه جماد، فلا يكون محلا للرق؛ لأنهما مختلفتان مختصتان بالأحياء. وأما قوله (إنه مشروب) (١)؛ فقلنا: ليس بمشروب على الإطلاق، بل

стр. 4642

قَالَ: (وَلَا يَجُوزُ بَيعُ شَعرِ الخِنْزِيرِ) لِأَنَّهُ نَجِسُ العَينِ فَلَا يَجُوزُ بَيعُهُ إِهَانَة لَهُ، وَيَجُوزُ الانتِفَاعُ بِهِ لِلحَرزِ لِلضَّرُورَةِ، فَإِنَّ ذَلِكَ العَمَلَ لَا يَتَأَنَّى بِدُونِهِ، لضرورة حاجة الطفل؛ فإنه لا يتغذى بغيره، حتى لو استغنى عنه لم يبح شربه، إليه أشار قوله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٣] الآية. وصبه في عين رمدة لا يجوز عند بعض أصحابنا، وعند البعض يجوز إذا علم جواز الترمد به؛ لتحقق الحاجة حينئذ. قوله: (ولا بيع)؛ أي: لا يجوز بيع شعر الخنزير باتفاق الأئمة (إهانة له)؛ أي: لشعر الخنزير كالخمر؛ وهذا لأن النجاسة في الشعر لهوان المحل، وجواز البيع يشعر بإعزازه (١). فإن قيل: جعل البيع في مسألة لبن الآدمي دليل الإهانة، حيث قال: إنه مكرم مضمون عن الابتذال، وجعله دليل الإعزاز؛ لأنه جعل عدم جواز البيع إهانة له، فكان بيعه إعزازا لا محالة، فيكف يكون الشيء الواحد دليل الإعزاز والإهانة؟ قلنا: قال العلامة مولانا حافظ الدين في جوابه: الإعزاز والإهانة يتفاوتان بتفاوت محلهما كالإحراق؛ فإنه إهانة في حق الآدمي، إعزاز في حق الحطب، حيث اعتبر له، فجواز البيع في الشيء الخسيس دليل الإعزاز، وفي الشيء الشريف دليل الإهانة للضرورة، قال الله تعالى: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ﴾ [الأنعام: ١١٩] والانتفاع بلحمه جائز عند الضرورة، والشعر أخف منه. وعند أبي يوسف: أنه يكره ذلك؛ لأنه نجس، والانتفاع بالنجس حرام إلا للضرورة، ولا ضرورة هاهنا؛ لأن الخرز يحصل بغيره. وعن ابن سيرين: أنه كان لا يلبس خُفًا خُرِزَ بشعر الخنزير. قال صاحب الفوائد: إلا أن المسلمين توارثوا جواز الانتفاع به للخرز، وما رآه (٢) المسلمون حسنًا فهو عند الله حسن، ولا اعتبار للورع في هذا.

стр. 4643

وَيُوجَدُ مُبَاحَ الأَصل فَلَا ضَرُورَةَ إِلَى البَيعِ، وَلَو وَقَعَ فِي الْمَاءِ القَلِيلِ أَمْسَلَهُ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَعِنْدَ مُحَمَّد ﵀: لَا يُفْسِدُهُ، لِأَنَّ إطلاق الانتِفَاعِ بِهِ دَلِيلٌ طَهَارَتِهِ، وَلِأَبِي يُوسُفَ ﵀: أَنَّ الإِطْلَاقَ لِلضَّرُورَةِ فَلَا يَظْهَرُ إِلَّا فِي حَالَةِ الْاسْتِعْمَالِ وَحَالَةُ الوُقُوعِ تُغَايِرُهَا. (وَلَا) يَجُوزُ (بَيعُ شُعُورِ الإِنسَانِ وَلَا الانتِفَاعُ بِهَا) لِأَنَّ الْآدَمِيَّ مُكَرَّمٌ لَا (ويؤخذ مباح الأصل): أراد به لا يملكه أحد بوجه، حتى لا يملك بالاصطياد، ولا يضمن متلفه فيكون مباحا في الأصل، ولهذا يوجد مباحًا غاليا، فلا ضرورة إلى البيع. وقيل: إذا كان لا يؤخذ إلا بالبيع جاز بيعه، ولكن لا يطيب الثمن للبائع، ويكره بيعه للبائع. كذا في جامع أبي الليث. ولا بأس للأساكفة أن يُصَلُّوا مع شعر الخنزير وإن كان أكبر من قدر الدرهم. [وفي الكافي: ولو كان زائد على قدر الدرهم] (١) وزنا عند البعض، وبسطا عند البعض؛ لا يجوز عند أبي يوسف. وقال محمد: يجوز. وفي الحيرة: هذا كله في المنتوف، فأما المجزوز فطاهر. كذا في جامعي التمرتاشي، وقاضي خان. (فلا يظهر إلا في حالة الاستعمال)؛ لأن ما ثبت بالضرورة يتقدر بقدرها. والصحيح قول أبي يوسف؛ لأنه لو كان طاهرا مطلقًا مباح الانتفاع؛ يجوز بيعه قياسًا على عامة ما هذا شأنه. قوله: (ولا يجوز بيع شعور الإنسان): ولا خلاف للفقهاء فيه، وكذا لا يجوز الانتفاع به إلا رواية عن محمد أنه يجوز الانتفاع به؛ استدلالًا بما روي أنه لا ﵇ «حَلَقَ شَعرَهُ وقَسَمَهُ بينَ أَصْحَابِهِ تَبرُّعًا بِهِ» (٢) ولو كان نجسا لما فعل؛

стр. 4644

مُبتَذَلٌ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ شَيْءٌ مِنْ أَجزَائِهِ مُهَانًا وَمُبتَذَلًا وَقَدْ قَالَ ﵊: «لَعَنَ اللَّهُ الوَاصِلَةَ وَالمُستَوصِلَة» الحَدِيثُ، وَإِنَّمَا يُرَخَّصُ فِيمَا يُتَّخَذُ مِنْ الوَبَرِ فَيَزِيدُ فِي قُرُونِ النِّسَاءِ وَذَوَائِبِهِنَّ. قَالَ: (وَلَا بَيعُ جُلُودِ المَيتَةِ قَبْلَ أَنْ تُدبَغَ) لِأَنَّهُ غَيْرُ مُنتَفَعٍ بِهِ، قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ لأنه لم يتبرك بالنجس؛ ألا ترى أن أبا طيبة حين شرب دمه تبركا نهاه أن يعود إلى مثله في المستقبل. كذا في جامع شمس الأئمة. وفي جامع فخر الإسلام، وقاضي خان: أنه طاهر، وإنما حرم الانتفاع به لشرفه لا لخسته. (مبتذل) بكسر الذال؛ أي: مستعمل للشيء مهينا له، ولهذا لا ينتفع بشيء مما ينفصل عنه بل يدفن؛ ألا ترى أن غائط الآدمي يدفن ولا ينتفع به كما هو، فكذلك شعره. وقيد بقوله (كما هو) احتراز عن الغائط المختلط بالتراب؛ فإنه يجوز الانتفاع به تبعا للتراب. الواصلة: التي تصل الشعر بنفسها. والمستوصلة: التي تطلب الوصل، بأن تأمر غيرها بوصل ذلك إلى شعرها، والأولى تُسمّى مشاطة، واستحقاق اللعن بالوصل دليل على حرمة استعماله. (فيما يتخذ من الوبر) وهي القرامل؛ لأنه زينة والزينة مباح بقوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ﴾ [الأعراف: ٣٢] فمن حيث إنه زينة ينبغي أن يجوز بشعور الآدمي أيضًا، إلا أنه ترك بعارض وهو لزوم إهانة المكرم، وحديث قسمة شعره ﵇ دليل على شرفه، فلا يجوز إهانته في الاستعمال. قوله: (قبل أن تدبغ): قيد به؛ لأن بعد الدبغ يجوز، ولا خلاف للفقهاء في أنه لا يجوز قبل الدبغ. فإن قيل: نجاستها لما اتصل بها من الدسومات النجسة، فينبغي ألا يمنع تبعها عندنا، كالثوب النجس والدهن النجس. قلنا: الدسومات في الجلد باعتبار أصل الخلقة، فما لم يزايله فهو كعين الجلد، وبهذا الطريق يكون الجلد محرمة العين، فأما النجاسة في الثوب

стр. 4645

وَالسَّلَامُ: «لَا تَنتَفِعُوا مِنَ المَيتَةِ بِإِهَابٍ» وَهُوَ اسمٌ لِغَيرِ المَدْبُوغِ عَلَى مَا عُرِفَ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ ﴿وَلَا بَأسَ بِبَيعِهَا وَالانتِفَاعِ بِهَا بَعدَ الدِّبَاغِ﴾ لِأَنَّهَا قَدْ طَهُرَت بِالدِّبَاغِ، وَقَدْ ذَكَرنَاهُ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ ﴿وَلَا بَأسَ بِبَيعِ عِظَامِ المَيْتَةِ وَعَصَبِهَا وَصُوفِهَا وَقَرْنِهَا وَشَعرِهَا وَوَبَرِهَا وَالانتِفَاعِ بِذَلِكَ كُلِّهِ﴾؛ لِأَنَّهَا طَاهِرَةٌ لَا يَحِلُّهَا المَوتُ؛ لِعَدَمِ الحَيَاةِ وَقَدْ قَرَّرْنَاهُ مِنْ قَبْلُ. وَالفِيلُ كَالخِنْزِيرِ نَجِسُ العَينِ عِنْدَ مُحَمَّد ﵀، وَعِندَهُمَا: بِمَنزِلَةِ السِّبَاعِ حَتَّى يُبَاعُ عَظْمُهُ وَيُنتَفَعُ (*) بِهِ. والدهن ليس كذلك، بل جاورتهما بعد أن لم يكن، فلا يتغير حكم أصل الثوب والدهن من حيث الانتفاع وجواز البيع. كذا في جامع شمس الأئمة. وفي بعض الفوائد: للجلد شبه بالعظم لصلابته، فيكون طاهرا، وشبه للحم لرخاوته ورطوبته، فيكون نجسًا، فعملنا بالشبهين، فلو كان مدبوغا يحل الانتفاع لشبه العظم لصلابته، ولو كان غير مدبوغ لا يحل عملا بشبه اللحم، ولا يمكن العكس، يعرف بالتأمل. (لأنها)؛ أي: الجلود. (لأنها)؛ أي: المجموع (طاهرة). (من قبل)؛ أي: في كتاب الصلاة، وقد ذكرنا فيه اختلاف العلماء. قوله: (نجس العين عند محمد) فلا يجوز بيعه، ولهذا لا تقع الزكاة عليه. وذكر في الذخيرة: عدم جواز بيعه مطلقا من غير ذكر خلاف، وكذا الانتفاع به لا يجوز؛ لأنه نوع من الخنزير. (وينتفع به)؛ أي: بعظمه، روي أنه ﵇ «اشْتَرَى لِفَاطِمَةَ سِوارَيْنِ مِنْ عاج (١)» وظهر استعمال الناس من غير نكير. كذا في جامع المحبوبي. وفي الإيضاح: يجوز بيع الفيل بإجماع العلماء؛ لأنه ينتفع بالحمل عليه وبعظمه، فصار كغيره من الحيوان، ويجوز المقاتلة به؛ لعدم ورود النهي.

стр. 4646

قَالَ: (وَإِذَا كَانَ السُّفلُ لِرَجُل وَعُلُوهُ لِآخَرَ فَسَقَطَا أَوْ سَقَطَ العُلُوُّ وَحدَهُ فَبَاعَ صَاحِبُ العُلُوّ عُلُوهُ لَم يَجُز) لِأَنَّ حَقَّ التَّعَلِّي لَيسَ بِمَال، لِأَنَّ المَالَ مَا يُمكِنُ إِحْرَازُهُ وَالمَالُ هُوَ المَحِلُّ لِلبَيعِ، بِخِلَافِ الشَّربِ، حَيثُ يَجُوزُ بَيعُهُ تَبَعًا لِلأَرْضِ بِاتِّفَاقِ الرِّوَايَاتِ وَمُفرَدًا فِي رِوَايَة، وَهُوَ احْتِيَارُ مَشَايِخِ بَلخ ﵏ لِأَنَّهُ حَقٌّ مِنْ المَاءِ، وَلِهَذَا يُضمَنُ بِالإِبْلَافِ وَلَهُ قِسْطٌ مِنْ الثَّمَنِ عَلَى مَا تَذْكُرُهُ فِي كِتَابِ الشِّربِ. وفي شرح مختصر الكرخي: بيع القرد يجوز عند أبي حنيفة في رواية الحسن عنه. وفي المحيط: هو المختار. وفي رواية ابن مالك عن أبي يوسف عن أبي حنيفة: باطل. وقال أبو يوسف في الجوامع: أكره بيعه. أما بيعُ السَّبُعِ الحَيِّ لا يجوز، وكذا بيع لحمه، وبيع لحمه إذا كان مُزَكَّى يجوز في رواية. وفي المحيط: هو الصحيح. ولا يجوز في رواية. قوله: (صاحبُ العُلُوّ عُلُوهُ)؛ أي: حق التعلي (لم يجز)؛ لأن هذا بيع لم يصادف محله، فيلغو؛ وهذا لأن محل البيع المال وما يتعلق بعين المال، والثابت له بعد الانعدام حق التعلي، وحق التعلي يتعلق بالهواء، والهواء ليس بمال؛ لأن المال ما يمكن قبضه وإحرازه لوقت الحاجة، والهواء ليس بهذه الصفة. كذا في جامع قاضي خان. وإنما يجوز بيعه قبل الانهدام؛ باعتبار البناء القائم، ولم يبق. (لأنه)؛ أي: الشرب حظ من الماء والماء عين، فكان بيع الشرب بيع العين، أو بيع شيء يتعلق بالعين فيجوز. فإن قيل: لو كان بيع الشرب بمنزلة بيع العين وهو الماء، ينبغي ألا يجوز البيع إذا كان الماء معدوما في الأرض. قلنا: إنما يجوز للضرورة، وبعرضية وجوده، كما في السلم والاستصناع. كذا في الفوائد الظهيرية. (ولهذا يضمن بالإتلاف) بأن سقى رجلٌ أرضَهُ بشرب غيره؛ يَضمَنُ، وهو رواية البزدوي.

стр. 4647

قَالَ: (وَبَيعُ الطَّرِيقِ وَهِبَتُهُ، جَائِزٌ وَبَيعُ مَسِيلِ المَاءِ وَهِبَتُهُ بَاطِلٌ) وَالمَسأَلَةُ تَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ: بَيعُ رَقَبَةِ الطَّرِيقِ وَالمَسِيلِ، وَبَيعُ حَقٌّ المُرُورِ وَالتَّسْبِيلِ. فَإِنْ كَانَ الأَوَّلَ: فَوَجهُ الفَرقِ بَينَ المَسأَلَتَينِ أَنَّ الطَّرِيقَ مَعلُومٌ، لِأَنَّ لَهُ طُولًا وَعَرَضًا مَعلُومًا، وَأَمَّا المَسِيلُ: فَمَجْهُولٌ، لِأَنَّهُ لَا يُدْرَى قَدْرُ مَا يَشْغَلُهُ مِنْ المَاءِ، وعلى رواية شيخ الإسلام: لا يضمن وقيل: يضمن فيما إذا جمع الماء ثم أتلفه، ولا يضمن قبل الجمع. وقيل: في المسألة روايتان. ونقل عن الإمام جلال الدين ابن المصنف قال: والإتلاف سوى هذه الصورة؛ لأنه لو ضمن بغيرها، إما أن يضمن بالسقي أو بمنع حق الشرب، ولا وجه إلى الأول؛ لأن الماء مشترك بين الناس بالحديث، ولا وجه إلى الثاني؛ لأن منع حق الغير ليس بسبب للضمان، بل السبب منع ملك الغير ولم يوجد. وروي أنه لما دخل نيسابور رأى أئمته يفتون بوجوب ضمانه على ظاهر ما ذكر، فخَطَّأَهُمْ وعلَّل بهذا التعليل. وأيضًا نقله من مسائل الشرب في هذا الكتاب، ونقله صحيح؛ لأنه ذكره فيها في كتاب الشرب، فإنه قال فيه: ادعى رجل شراء أرض بشربها بألف، فشهد شاهد بذلك وسكت الآخر عن الشرب؛ بطلت شهادتهما لاختلافهما في مقدار الثمن. كذا في الجامع للقاضي خان والفتاوى. وقيل: لو باع أرضا بشربها فاستحق بشربها؛ يحط من الثمن نصيب الشرب، وإنما لم يجز بيعه منفردًا في رواية، وهو اختيار مشاخ بخار للجهالة. ولو سقط العلو بعد البيع قبل القبض؛ بطل البيع لهلاك المبيع قبل التسليم. كذا في الكافي. قوله: (فإن كان الأول) وهو بيع رقبة الطريق يجوز، وبيع رقبة المسيل يجوز. (بين المسألتين)؛ وهو أن بيع رقبة الطريق يجوز، وبيع رقبة المسيل لا (لأن له)؛ أي: للطريق (طُوْلًا وعَرْضًا مَعْلُومًا) فإن عرضه مقدار باب الدار، وطوله إلى السكة النافذة غالبا، فيجوز البيع. (أما المسيل) وهو النهر (مجهول) لأنه يختلف بقلة الماء وكثرته، حتى لو

стр. 4648

وَإِنْ كَانَ الثَّانِيَ: فَفِي بَيعِ حَقِّ المُرُورِ رِوَايَتَانِ، وَوَجهُ الفَرِقِ عَلَى إِحْدَاهُمَا بَيْنَهُ وَبَينَ حَقِّ التَّسْبِيلِ، أَنَّ حَقَّ المُرُورِ مَعلُومٌ لِتَعَلُّقِهِ بِمَحِلِّ مَعلُوم وَهُوَ الطَّرِيقُ، أَمَّا المَسِيلُ عَلَى السَّطحِ فَهُوَ نَظِيرُ حَقِّ التَّعَلِّي وَعَلَى الأَرْضِ مَجْهُولٌ لِجَهَالَةِ مَحِلِّهِ. وَوَجهُ الفَرِقِ بَيْنَ حَقِّ المُرُورِ وَحَقِّ التَّعَلِّي عَلَى إِحدَى الرِّوَايَتَينِ: أَنَّ حَقَّ التَّعَلِّي يَتَعَلَّقُ بِعَين لَا تَبقَى وَهُوَ البِنَاءُ فَأَشبَهَ المَنَافِعَ، أَمَّا حَقُّ المُرُورِ يَتَعَلَّقُ بِعَينِ تَبقَى وَهُوَ الْأَرْضُ فَأَشْبَهَ الأَعْيَانَ. قَالَ: (وَمَنْ بَاعَ جَارِيَةٍ فَإِذَا هُوَ باع رقبة الأرض ليسيل الماء، وبَيَّنَ موضعه وحدوده؛ جاز، ولو لم يُبَيِّنْ لا يجوز. كذا في جامعي قاضي خان، وشمس الأئمة. (وإن كان الثاني) وهو حق المرور وحق تسبيل الماء (روايتان) فعلى رواية الزيادات: لا يجوز، وبه أخذ الكرخي لجهالته. وعلى رواية كتاب القسمة: يجوز، وبه أخذ عامة المشايخ. (والفرق على هذه الرواية بينه وبين حق التسبيل) فإن بيع حق التسبيل لا يجوز باتفاق الروايات. (أن حق المرور معلوم)؛ لأنه متعلق بمحل معلوم وهو الطريق (أما المسيل) فإن كان على السطح (فهو نظير حق التعلي) وقد مر فساده (وإن كان على الأرض فهو مجهول لجهالة محله) كما مر. (والفرق بين حق التعلي) فإنه لا يجوز باتفاق الروايات، وحق المرور على رواية جواز بيعه ما ذكر في المتن. كذا ذكره شمس الأئمة، وقاضي خان. وإنما ذكر الفرق؛ لأنه على تعليل حق التعلي: بأنه ليس بمال، فيشكل حق المرور، فاحتاج إلى الفرق. قوله: (فإذا هو)؛ أي: الجارية. ذكرها بتذكير الخبر. وعكسه؛ بأن اشترى عبدا فإذا هو جارية؛ لم يجز البيع استحسانًا، خلافًا لزفر. هو يقول: هذا بمنزلة خلاف الوصف؛ إذ الذكورة والأنوثة وصفان، فلا يتبدل بهما معنى الذات في الحيوانات، فصار كأنه اشترى عبدًا على أنه خباز،

стр. 4649

غُلَامٌ فَلَا بَيعَ بَيْنَهُمَا)، بِخِلَافِ مَا إِذَا بَاعَ كَبشًا فَإِذَا هُوَ نَعجَةٌ حَيثُ يَنعَقِدُ البَيعُ وَيَتَخَيَّرُ. وَالفَرقُ يَنبَنِي عَلَى الأَصلِ الَّذِي ذَكَرنَاهُ فِي النِّكَاحِ لِمُحَمَّد ﵀ وَهُوَ: أَنَّ الإِشَارَةَ مَعَ التَّسْمِيَةِ إِذَا اجْتَمَعَنَا فَفِي مُختَلِفِي الجِنسِ يَتَعَلَّقُ العَقْدُ بِالمُسَمَّى وَيَبْطُلُ فإذا هو لم يكن فيصح البيع ويثبت له الخيار، وهو قياس مذهب الشافعي؛ لفوات الوصف المرغوب فيه. وعن أبي حنيفة: أنه أثبت الخيار في مثل هذا؛ لفوات الوصف المرغوب فيه. ثم في قوله: (لا) بيع بينهما اختلف المشايخ أنه باطل أم فاسد؟ فقال صاحب الإيضاح: باطل؛ لتعلق العقد بالمسمى، وهو معدوم، فيبطل العقد لعدم محله؛ إذ بيع المعدوم باطل، وإليه أشير في المتن (يتعلق العقد بالمسمى ويبطل لانعدامه). وقال بعضهم: إنه فاسد، وهو اختيار الكرخي؛ لأنه باع المسمى وأشار إلى غيره، فصار كأنه باع شيئًا على أن يسلم غيره، وذلك فاسد. كذا في جامع قاضي خان. (ذكرناه)؛ أي: ذلك الأصل (لمحمد) يعني: الأصل المتفق في وجه قول محمد في مسألة التزوج على دن من الخل، لا أن ذلك الأصل عند محمد، ولهذا لم يقع الاختلاف بينهم في هذه المسألة. قوله: ففي مختلفي (الجنس) إلى آخره: إنما اعتبرت التسمية في مختلفي الجنس؛ لأن التسمية أبلغ في التعريف من الإشارة؛ لأن الإشارة لتعريف الذات معَيَّنًا، والتسمية لإعلام الماهية، وأنه أمر زائد على أصل الذات، فصار أبلغ في التعريف، ونحن نحتاج في مقام التعريف إليه، فلذلك علقنا الحكم بالمسمى لا المشار إليه، فتعينت الإشارة لتمييز الذات، فكذلك الحكم بالمشار إليه. كذا في الإيضاح، والفوائد الظهيرية. وقال فخر الإسلام: الجمع بينهما في متفقي الجنس ممكن؛ بأن يجعل الإشارة للتعريف، والتسمية للترتيب، كما لو اشترى عبدًا على أنه خباز فإذا هو

стр. 4650

لإنعِدَامِهِ، وَفِي مُتَّحِدِي الجِنسِ يَتَعَلَّقُ بِالمُشَارِ إِلَيْهِ وَيَنعَقِدُ لِوُجُودِهِ وَيَتَخَيَّرُ لِفَوَاتِ الوَصفِ، كَمَنْ اشْتَرَى عَبْدًا عَلَى أَنَّهُ خَبَّازُ فَإِذَا هُوَ كَاتِبٌ، وَفِي مَسْأَلَتِنَا الذَّكَرُ وَالأُنثَى مِنْ بَنِي آدَمَ جِنسَانِ لِلتَّفَاوُتِ فِي الأَعْرَاضِ، وَفِي الحَيَوَانَاتِ جِنسٌ وَاحِدٌ لِلتَّقَارُبِ فِيهَا وَهُوَ المُعتَبَرُ فِي هَذَا دُونَ الأَصل كَالخَلِّ وَالدِّيسِ جِنسَانِ. وَالوَذَارِيُّ والزَّنْدَنِيجِي عَلَى مَا قَالُوا إِنسَانِ مَعَ اتِّحَادِ أَصْلِهِمَا. لم يكن؛ كان البيع صحيحًا؛ لأن ذكر الوصف للترغيب، أما لو كان بخلاف جنس المسمى يلزم المسمى؛ إذ هو المقصود، والبناء عليه واجب للتفاوت في الأغراض، فإن المبتغى من العبيد الاستخدام خارج الدار، ومن الإماء الاستخدام داخل الدار، كالطبخ والكنس والاستفراش والاستيلاد، والغلام لا يصلح للاستيلاد والافتراش فكان التفاوت بينهما فاحشا. (وفي الحيوان جنس واحد للتقارب فيها)؛ أي: في الأغراض، فإن المقصود الكلي من الحيوان: الأكل، والركوب والحمل، ولا تفاوت بينهما في هذا. (وهو)؛ أي: التفاوت في الأغراض (المعتبر في هذا)؛ أي: في كونهما جنسان متحدان أو مختلفان (دون الأصل)؛ أي: أصل المادة أو الماهية، حتى قالوا: الدبس والخل جنسان مع اتحاد أصلهما. (والوذاري) بفتح الواو وكسرها: ثوب منسوب إلى وذار، قرية بسمرقند. أصله: بالذال المعجمة، وبالذال [الغير] (١) المعجمة فارسي. والزندنيجي: ثوب منسوب إلى زيد، في قرية ببخارى. وقال الحكماء: الذكر والأنثى من بني آدم جنس واحد؛ لاتحادهما في الحقيقة والجنس مقول على كثيرين مختلفين بالحقيقة عندهم، وأهل الحق جعلوهما جنسين؛ لتفاوت المقاصد، والحق معهم؛ لأن اختلاف الحقائق يعرف باختلاف الخواص لا بأصل المادة؛ [لأنه لما اعتبر أصل المادة] (٢) ينبغي ألا يكون الفرس والإنسان جنسين عندهم؛ لاتحاد مادتهما وهي النطفة.

стр. 4651

قَالَ: (وَمَنِ اشْتَرَى جَارِيَة بِأَلْفِ دِرْهَم حَالَّة أَوْ نَسِيئَةٍ فَقَبَضَهَا ثُمَّ بَاعَهَا مِنْ البَائِعِ بِخَمسِمِائَةٍ قَبْلَ أَنْ يَنقُدَ الثَّمَنَ الأَوَّلَ: لَا يَجُوزُ البَيعُ الثَّانِي) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: يَجُوزُ لِأَنَّ المِلكَ قَدْ تَمَّ فِيهَا بِالقَبْضِ فَصَارَ البَيعُ مِنْ البَائِعِ وَمِنْ غَيْرِهِ سَوَاء وَصَارَ كَمَا لَو بَاعَ بِمِثْلِ الثَّمَنِ الأَوَّلِ أَوْ بِالزَّيَادَةِ أَوْ بِالعَرضِ. قوله: (لا يجوز البيع الثاني) وبه قال مالك وأحمد. وقيد بقوله (قبل أن ينقد الثمن)؛ لأن بعد نقد الثمن يجوز بالإجماع. (أو بالعرض)؛ يعني: لو باعها منه بدنانير، وقيمة الدنانير أقل من الألف؛ لا يجوز عندنا استحسانًا، ويجوز قياسًا، وهو قول زفر؛ لأن امتناع جواز شراء ما باع بأقل مما باع لكان الربا، ولا يجري الربا بين الذهب والفضة، فكان كالبيع بالعرض. وجه الاستحسان: أنهما واحد من حيث كونهما ثمنًا للأشياء، ومن حيث يضم أحدهما إلى الآخر في الزكاة، وهذا يقتضي تحقق الربا، فيحرم احتياطا. أو نقول: جهة كونهما جنسًا واحدًا يوجب عدمه، وعند اجتماع موجب الحل والحرمة؛ يغلب موجب الحرمة؛ لقوله ﵇: «مَا اجْتَمَعَ الحلال والحرام … » (١) الحديث. كذا في المبسوط (٢). فإن قيل: فعلى هذا ينبغي أن يحرم التفاضل بينهما احتياطا؛ لجهة كونهما جنسا واحدا كما ذكرنا. قلنا: يلزم منه إلغاء كونهما جنسين حقيقة بالكلية، ويلزم أن يكون القياس راجحا على الحديث المشهور، وهو قوله ﵇: «إذا اخْتَلَفَ النوعان … » (٣) الحديث. وفيه نوع تأمل. وفي بعض الحواشي: مال كثير من مشايخنا، كالكرخي والزعفراني

стр. 4652

وَلَنَا: قَولُ عَائِشَةَ ﵂ لِتِلكَ المَرأَةِ وَقَدْ بَاعَت بِسِتِّمِائَة بَعدَمَا اشْتَرَتْ بِثَمَانِمِائَة: والصفار؛ إلى قول الشافعي في هذه المسألة، والقياس ما قاله، ولكن ما وجدته في كتب عندي. قوله: (لتلك المرأة): في المبسوط: روي أن امرأة دخلت على عائشة وقالت: بعتُ زيد بن أرقم جاريةً بثمانمائة درهم إلى العطاء، ثم اشتريتها منه قبل مجيء الأصل بستمائة درهم، فقالت عائشة: "بئس ما شريتِ واشْتَريت … " إلى آخره، والشراء بمعنى البيع يستعمل، قال تعالى: ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنِ بَخْسِ﴾ [يوسف: ٢٠] ثم أتاها زيد بن ثابت معتذرا، فَتَلَتْ عائشة قوله تعالى: ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَّبِّهِ فَانتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ﴾ [البقرة: ٢٧٥]، وهذا دليل على فساد هذا العقد كان مشهورًا بينهم، وإنما سمعت من رسول الله ﷺ ؛ وذلك لأن أجزية الجرائم لا تعرف بالرأي، وقد جعلت الجزاء على مباشرة هذا العقد إبطال الحج والجهاد، فعرف أنه كالمسموع من النبي ﵇ (١). ولأن اعتذار زيد دليل على السماع؛ لأن في المجتهدات كان يخالف بعضهم بعضًا، وما كان يعتذر أحدهما للآخر، ولا يجوز أن يقال: ألحقت الوعيد به للأجل إلى العطاء؛ لأنا نقول: إن مذهب عائشة جواز البيع إلى العطاء، ولأنها كرهت العقد الثاني بقولها "بئس ما اشْتَريت"، وليس فيه هذا المعنى، فعرفت أنها كرهت لذلك، وإنما كرهت الأول؛ لأنهما تطرقا به إلى العقد الثاني. والمعنى فيه: أنه استربح عما ليس في ضمانه، «وَنَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ رِبْحِ مَا لَمْ يَضْمَنْ» (٢). وبيان ذلك: أن الثمن لا يدخل في ضمانه قبل القبض، فإذا عاد إليه الملك الذي [زال] (٣) عنه بعينه وبقي له بعض الثمن؛ فهذا ربح حصل لا على ضمانه،

стр. 4653

«بِئْسَمَا شَرَيْتِ وَاشْتَرَيْتِ، أَبْلِغِي زَيدَ بنَ أَرْقَمَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَبْطَلَ حُجَّهُ وَجِهَادَهُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِنْ لَم يَتُب»؛ وَلِأَنَّ الثَّمَنَ لَم يَدخُل فِي ضَمَانِهِ فَإِذَا وَصَلَ إِلَيْهِ المَبِيعُ وَوَقَعَت المُقَاصَّةُ بَقِيَ لَهُ فَضلُ خَمسِمِائَةِ وَذَلِكَ بِلَا عِوَضِ، بِخِلَافِ مَا إِذَا بَاعَ بِالعَرضِ، لِأَنَّ الفَضلَ إِنَّمَا يَظْهَرُ عِنْدَ المُجَانَسَةِ. ولا يوجد هذا فيما إذا اشتراه بمثل الثمن الأول أو أكثر، فالربح هناك يحصل للمشتري والمبيع قد دخل في ضمانه، وكذلك إذا اشتراه البائع الأول من المشتري الثاني؛ لأنه لم يعد إليه المستفاد من جهته؛ لأن اختلاف الأسباب بمنزلة اختلاف الأعيان [على] (١) ما عرف، وكذلك لو دخل في المبيع عيب ثم اشتراه البائع بأقل من الثمن الأول؛ لأن الملك لم يعد إليه على الصفة التي خرج، فلا يتحقق ربح ما لم يضمن، ولكن يجعل النقصان بمقابلة الجزء الذي احتبس عند المشتري، سواء كان ذلك النقصان بقدر ذلك أو دونه، حتى إذا كان النقصان نقصان شعر فهو غير معتبر في العقود؛ لأنه فتور في رغبات الناس فيه، وليس من فوات جزء من العين، وكذلك إذا اشتراه بجنس آخر غير الثمن، فإن ذلك جائز لا يظهر عند اختلاف الجنس، والفضل إنما يظهر بالتقويم، والبيع لا يعقب ذلك، بخلاف ما لو اشتراه بجنس الثمن الأول، فالفضل هناك من غير تقويم. فإن قيل: يحتمل أن عائشة ذمت البيع الثاني؛ باعتبار أنه بيع البيع قبل القبض؛ إذ القبض لم يذكر في الحديث. قلنا: هذا لا يصح؛ لأنها ذمته لأجل الربا، وليس في بيع المبيع قبل القبض ربا. فإن قيل: قد جاء الوعيد في تفريق الولد عن الوالد بالبيع، ومع ذلك البيع جائز. قلنا: الوعيد هناك للتفريق لا للبيع، حتى لو تفرق بدون البيع كان الوعيد لاحق أيضًا، فلما أمكن الانفصال بين البيع والتفريق في الجملة؛ اعتبر منفصلا

стр. 4654

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . في حق جواز البيع، وكره البيع، كالبيع وقت النداء، وأما هاهنا لما كان الوعيد لشبهة الربا؛ فالربا مخصوص بالبيع، كما هو أكثر اتصالا بالبيع، فأوجب الفساد لحقيقة الربا؛ لأن الشبهة ملحقة بالحقيقة. كذا في الفوائد الظهيرية وغيرها. وفي المبسوط: وكذا لو اشترى مملوكه من عبده أو مكاتبه بأقل لا يجوز؛ لأن تصرفه يقع للمالك، فإن كسب العبد لمالكه، وله في كسب مكاتبه حق الملك، فكان تصرفهما كتصرفه. ولو اشترى ولده أو والده أو زوجته؛ عند أبي حنيفة وعندهما يجوز؛ لتباين الأملاك بينهما، كما لو اشتراه أخوه. [ولأبي حنيفة:] (١) أن كل واحد بمنزلة الآخر فيما يرجع إلى ملك [الغير] (٢)، ولهذا لا تقبل شهادة أحدهما لصاحبه كشهادته لنفسه، فكان شراء ابن البائع أو أبيه كشرائه بنفسه. ولو اشترى وكيل البائع بأقل من الثمن الأول؛ جاز عند أبي حنيفة خلافا لهما؛ لأن تصرف الوكيل عنده يقع لنفسه، ولهذا يجوز للمسلم أن يُوَكِّل ذميا بشراء خمر وبيعها عنده، ولكن ينتقل الملك إلى الموكل حكما، فصار كما لو اشتراه لنفسه ثم مات فورثه البائع. وعندهما: يجعل عقد الوكيل كعقد نفسه، ولهذا لا يجوز عندهما للمسلم أن يوكل ذميا بشراء خمر أو بيعها، فكان الموكل عاقدا بنفسه فلا يجوز. ولو اشترى وارث البائع بأقل مما باع مورثه؛ يجوز في ظاهر الرواية. وعن أبي يوسف: لا يجوز ولو باعه المشتري من رجل، أو ووهبه له، أو أوصى به له، ثم اشتراه البائع من ذلك الرجل؛ يجوز لما ذكرنا من اختلاف الأسباب. الكل من المبسوط (٣).

стр. 4655

قَالَ: (وَمَنِ اشْتَرَى جَارِيَة بِخَمسِمِائَةً ثُمَّ بَاعَهَا وَأُخرَى مَعَهَا مِنْ البَائِعِ قَبْلَ أَنْ يَنقُدَ الثَّمَنَ بِخَمسِمِائَة، فَالبَيعُ جَائِزٌ فِي الَّتِي لَم يَسْتَرِهَا مِنْ البَائِعِ وَيَبْطُلُ فِي الأُخرَى) لِأَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَجْعَلَ بَعضَ الثَّمَنِ بِمُقَابَلَةِ الَّتِي لَم يَشتَرِهَا مِنْهُ فَيَكُونُ مُشتَرِيًا لِلأُخرَى بِأَقَلَّ مِمَّا بَاعَ وَهُوَ فَاسِدٌ عِنْدَنَا، وَلَم يُوجَد هَذَا المَعْنَى فِي صَاحِبَتِهَا وَلَا يَشِيعُ الفَسَادُ، لِأَنَّهُ ضَعِيفٌ فِيهَا لِكُونِهِ مُجْتَهِدًا فِيهِ، قوله: (لأنه لا بد أن يجعل) إلى آخره. فإن قيل: علة الفساد لو كانت إصابة الثمن لها في حصتها أقل من خمسمائة عند تقسيم الثمن عليهما؛ كان ينبغي ألا يفسد البيع في التي اشتراها المشتري بخمسمائة، ولو باعها وأخرى معها بألف وخمسمائة؛ لأن عند تقسيم الثمن نصيب كل واحد أكثر من خمسمائة، فلا يكون فيه شراء ما باع بأقل مما باع، ومع ذلك كان البيع فاسدًا. كذا في جامع فخر الإسلام وشمس الأئمة. قلنا: إنما فسد فيهما؛ لأن جهات جواز العقد فيها يكثر؛ لأنا لو جعلنا بإزاء ما باع ألفا جاز، وإن جعلنا بإزائه ألفًا وحبة جاز، ثم هكذا وهكذا، وإذا تعددت جهة الجواز وليس البعض في الحمل عليه أولى من البعض؛ فامتنع الجواز، بخلاف الإكراه وأمثالها؛ حيث يتجزأ الجواز فيها لتعين جهة الجواز، على ما يجيء في الصرف إن شاء الله تعالى. (لأنه)؛ أي: الفساد (فيها)؛ أي: في المشتراة، فلما ضعف الفساد لم يتعد إلى المضمومة إليها، كما لو باع قِنا ومدبَّرًا؛ حيث يصح في القن، ولم يتعد فساد البيع في المدبر إلى القن؛ لأن بيع المدبر مجتهد فيه. (لكونه)؛ أي: لكون فساد شراء ما باع بأقل مما باع (مجتهدا فيه) بخلاف الجمع بين العبد والحر في عقد واحد؛ حيث يشيع الفساد في القن؛ لأن الفساد في الحر قوي مجمع عليه، وهذه المسألة منقوضة بمسألة ذكرها في المبسوط: وهي أن الرجل إذا أسلم فَوْهِيًّا في فوهيّ ومَرْوي؛ فإنه باطل في الكل عند أبي حنيفة. وعندهما يصح (١)، كما لو أسلم حنطة في شعير وزيت، ففي الكل باطل عنده وعندهما يجوز في حصة الزيت.

стр. 4656

أَوْ لِأَنَّهُ بِاعْتِبَارِ شُبَهَةِ الرِّبَا، ثم إن فساد العقد بسبب الجنسية مجتهد فيه، فإن إسلامه هَرَويّ في هَرَوِيَّ يجوز عند الشافعي، وكذا إسلام الفَوْهِي فِي الفَوْهِيِّ، ومع ذلك تعدى الفساد إلى المقرون به وهي إسلام الفوهي في المَرْوِيِّ، مع كونه مجتهدا فيه. واستضعف شمس الأئمة في المبسوط هذا التعليل، وقال بعد إسلام الفَوْهِيَّةِ في الفَوْهِيَّةِ: بهذا تبين أن الطريق ما قلنا في قول أبي حنيفة، في مسألة إسلام الحنطة في الشعير والزيت، أن العلة المفسدة للعقد قد وجدت في الكل، أما في حصة الشعير فظاهر، وفي حصة الزيت جعل قبول العقد في الشعير شَرْحًا في قبول العقد في الزيت؛ لأن من جمع بين شيئين في عقد واحد؛ فإنه يكون شارطًا عليه قبول العقد في كل واحد منهما في عرف التجار، ولهذا [لو] (١) قبل العقد في أحدهما دون الآخر لا يجوز، وهذا شرط فاسد، والسلم بالشرط الفاسد يفسد، بخلاف القن والمدبر؛ فإن العقد في المدبر ليس بفاسد، ولهذا لو أجاز القاضي بيعه جاز (٢). ثم العجب من الشيخ شمس الأئمة استضعف هذه النكتة في المبسوط في قول أبي حنيفة، وعلل هو بذلك التعليل أيضًا في الجامع الصغير في هذه المسألة، ولكنا لا نتوهم التناقض في حقه؛ فإن للمجتهدين اختيارات، فيختارون في كل موضع ما يليق له. كذا في النهاية. وفي الكافي: الفساد في مسألة إسلام البر في شعير وزيت ليس بطريق تَعَدّي الفساد كما زعم البعض، بل باعتبار أن إعلام رأس المال شرط عنده، والمسلم فيه مختلف فيه، فكان فساد السلم في كل واحد منهما؛ لجهالة ما يخص كل واحد منهما من رأس المال. (أو لأنه)؛ أي: الفساد في المشتراة (باعتبار شبهة الربا) فلو اعتبرنا تلك الشبهة في الجارية التي ضمت إلى المشتراة، لكنا اعتبرنا شبهة الشبهة، والمعتبر الشبهة لا شبهة الشبهة.

стр. 4657

أَوْ لِأَنَّهُ طَارِئ؛ لِأَنَّهُ يَظْهَرُ بِانقِسَامِ الثَّمَنِ أَوْ المُقَاصَّةِ فَلَا يَسْرِي إِلَى غَيْرِهَا. وبيان ذلك: ما ذكره الإمام قاضي خان؛ وهو أن في المسألة الأولى إنما لم يصح شراء ما باع بالأقل لشبهة الربا؛ وذلك لأن الألف وإن وجب للبائع بالعقد الأول، لكنها على شرف السقوط؛ لاحتمال أن يجد المشتري بها عيبًا فيرده، فيسقط الثمن عن المشتري، وبالبيع الثاني يقع الأمن عنه، فيصير البائع بالعقد الثاني مشتريًا ألفًا بخمسمائة من هذا الوجه، والشبهة ملحقة بالحقيقة في باب الربا احتياطا. (أو لأنه)؛ أي: الفساد (طارئ) فلا يتعدى إلى الأخرى؛ لعدم وقوعه في العقد. وبيان ذلك: ما ذكر في الفوائد الظهيرية؛ وهو أنه ما شرط في العقد أن يكون بإزاء ما باعه أقل من الثمن الأول، بل قابل الثمن بالجاريتين، وهذه المقابلة صحيحة، ولكن بعد ذلك ينقسم الثمن على قيمتها، فيصير البعض بإزاء ما باع، والبعض بإزاء ما لم يبع، فحينئذ يفسد البيع فيما باع، وهذا فساد طارئ؛ لأن الانقسام بعد وجوب الثمن لا يتعدى إلى الأخرى. (أو المقاصة)؛ أي: لطروء الفساد في المشتراة وجهان، أحدهما: انقسام الثمن كما ذكرناه. والثاني: المقاصة. وبيان ذلك: ما ذكره أبو المعين في الجامع الصغير؛ أن المقاصة تقع بين الثمن الأول والثاني، فيبقى من الأول فضل من غير أن يقابله عوض، والمقاصة تقع عقيب وجوب الثمن على البائع الأول بالعقد الثاني، فيفسد عند وقوع المقاصة، وإذا كان كذلك يكون الفساد طارئًا، فلا يظهر في حق الآخر، كما إذا باع عبدين وفي أحدهما أجل إلى الحصاد، أو جمع بين عبد ومدبر وباعهما؛ فإن البيع لا يفسد في القن ولا في الذي لا أجل فيه. وقال شمس الأئمة في مبسوطه في هذه المسألة: فإن قيل: ينبغي أن يجعل بمقابلة ما باع مثل الثمن الأول احتيالا لتصحيح العقد. قلنا: هذا الوجه غير متعين [للتصحيح] (١)؛ فإنه وإن جعل بمقابلة أكثر من

стр. 4658

قَالَ: (وَمَنِ اشْتَرَى زَيْتًا في ظرف عَلَى أَنْ يَزِنَهُ بِظَرِفِهِ فَيَطْرَحَ عَنهُ مَكَانَ كُلِّ ظَرفٍ خَمْسِينَ رَطلًا فَهُوَ فَاسِدٌ، وَلَو اشْتَرَى عَلَى أَنْ يَطْرَحَ عَنهُ بِوَزْنِ الظَّرْفِ جَازَ)؛ لِأَنَّ الشَّرطَ الأَوَّلَ لَا يَقْتَضِيهِ العَقْدُ، وَالثَّانِي يَقْتَضِيهِ. الثمن الأول يجوز العقد أيضًا، وعند المعاوضة لا يترجح البعض على البعض من غير دليل (١). وفيه نوع تأمل. فإن قيل: ينبغي أن يفسد العقد في الآخر؛ لأن قبول العقد في ذلك شرط لقبول العقد في الآخر، وهو شرط فاسد كما هو مذهب أبي حنيفة في نظائر هذا. قلنا: قبول العقد فيه ليس بشرط فاسد؛ ألا ترى أنه لو كان ثمة مثل الثمن الأول أو خلاف جنس الثمن الأول كان صحيحًا، وإنما الفساد لأجل الربح الحاصل لا على ضمانه، وهذا المعنى يقتصر على العبد الذي باعه، ولا يتعدى إلى العقد في العبد الثاني. وفي المبسوط: لو اشتراه البائع مع رجل آخر؛ جاز شراء الأجنبي في نصفه، كما يجوز شراؤه في الكل، واعتبار البعض بالكل اعتبار صحيح (٢). ولو ولدت الجارية عند المشتري، ثم اشتراها منه بالأقل، إن كانت الولادة نقصتها جاز، كما لو دخلها عيب عند المشتري، وإن لم ينقصها لا يجوز؛ لأنه يحصل له ربح لا على ضمانه. قوله: (يطرح عنه بوزن الظرف جاز): وقال الشافعي: ولو [قال] (٣): بعتك السمن كل رطل بدرهم على أن وزن الظرف معه، فيحتسب بوزن الظرف في إلزام ثمنه على هذا السعر، ولا يكون الظرف مبيعًا، فإن كان يعرف قدر وزن السمن ولا يعرف قدر وزن الظرف؛ فالبيع باطل؛ لأنه شرط عليه بدل الثمن في مقابلة ما ليس بمبيع. وإن كان قدر كل واحد منهما معلوما؛ فالظاهر: أن البيع فاسد؛ لجهالة المبيع لاختلاطه بغيره. وفي الحلية (٤): يجوز، ولو باع السمن والظرف جزافًا جاز. ولو باعهما

стр. 4659

قَالَ: (وَمَنِ اشْتَرَى سَمْنًا فِي زِقٍّ فَرَدَّ الظَّرف وَهُوَ عَشَرَةُ أَرطَالَ، فَقَالَ البَائِعُ: الزِّقُّ غَيْرُ هَذَا، وَهُوَ خَمْسَةُ أَرطال، فَالقَولُ قَولُ المُشتَرِي)، لِأَنَّهُ إِنِ اعْتُبِرَ اخْتِلَافًا فِي تَعيِينِ الزِّقِّ المَقْبُوضِ فَالقَولُ قَولُ القَابِضِ ضَمِينا كَانَ أَوْ أَمِينًا، وَإِنْ اعْتُبِرَ اختِلافًا فِي السَّمَنِ، فَهُوَ فِي الحَقِيقَةِ اخْتِلَافُ فِي الثَّمَنِ فَيَكُونُ القَولُ قَولَ المُشتَرِي؛ لِأَنَّهُ يُنْكِرُ الزِّيَادَةَ. جميعا بعدما شاهد ظاهر السمن، فلو شاهد الظرف فارغا، أو كانت ثخانته معلومة بالعادة؛ فالعقد جائز. ولو كان الظرف مما تختلف ثخانته وغلظه وتتفاوت؛ فالعقد لا يصح. كذا في تتمتهم. وفي حلية المؤمن: ولو شرط أن يزنه بظرفه، ثم حط وزن الظرف يجوز كما قلنا؛ لأن الشرط الأول وهو أن يطرح خمسين رطلا، فكان كل ظرف لا يقتضيه العقد، وفيه نفع لأحد المتعاقدين من قبل أن وزن الظرف لو كان أقل من خمسين يجب تكميله بالزيت، فيخرج عن البيع بعض الزيت ولا يدرى مقداره، وإن كان وزن الظرف أكثر؛ وجب ضم بعض الظرف إلى الزيت، ولا يدرى كم يكون، فأما طرح الظرف بوزنه فشرط يوجبه العقد؛ لأن الظرف غير مبيع، فطرح وزن الظرف واجب، فيكون شرطًا ملائما للعقد، فلا يفسد العقد به. كذا في جامع البزدوي. (ضمينا كان)؛ أي: القابض كالغاصب (أو أمينا) كالمودع. (لأنه)؛ أي: المشتري (ينكر الزيادة). فإن قيل: يشكل هذا على مسألتين: أحدهما: ما إذا باع عبدين وقبضهما المشتري، ومات أحدهما عنده وجاء بالآخر يرده بالبيع، فاختلفا في قيمة الميت؛ فالقول للبائع هاهنا، والمسألة تجيء في باب التحالف. والثانية: هي أنه جعل الاختلاف في الحقيقة اختلافًا في الثمن، والاختلاف في الثمن يوجب التحالف. قلنا: أما الأولى لا يشكل؛ لأنا جعلنا هاهنا القول للمشتري؛ لإنكاره الزيادة، وهناك أيضا للبائع؛ لإنكاره الزيادة أيضًا، فإن المشتري يدعي زيادة

стр. 4660

قَالَ: (وَإِذَا أَمَرَ المُسلِمُ نَصَرَانِيًّا بِبَيعِ خَمْرٍ أَوْ شِرَائِهَا فَفَعَلَ جَازَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَا: لَا يَجُوزُ عَلَى المُسلِمِ) (*) وَعَلَى هَذَا الخِلَافِ الخِنزِيرُ، وَعَلَى هَذَا تَوكِيلُ المُحرِمِ غَيْرَهُ بِبَيعِ صَيْدِهِ. لَهُمَا: أَنَّ المُوَكَّلَ لَا يَلِيهِ فَلَا يُوَلِّيهِ غَيْرَهُ؛ وَلِأَنَّ مَا يَثْبُتُ لِلوَكِيلِ يَنتَقِلُ إِلَى المُوَكِّلِ، فَصَارَ كَأَنَّهُ بَاشَرَهُ بِنَفْسِهِ فَلَا يَجُوزُ. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ ﵀: أَنَّ العَاقِدَ هُوَ الوَكِيلُ سقوط الثمن بعد اتفاقهما على وجوبه؛ لنقصان قيمة الهالك، والبائع ينكرها، والقول لمنكر الزيادة، فيكون طردًا لا نقضًا. وأما الثانية؛ فلأن التخالف ورد على خلاف القياس فيما إذا كان الاختلاف في الثمن قصدًا، وهذا الاختلاف فيه تبعًا؛ لاختلافهما في الرق، والاختلاف في الرق لا يوجب التحالف؛ لأنه ليس بمعقود به ولا معقود عليه، فكذا الاختلاف فيما يثبت تبعًا؛ لأن حكم البيع لا يخالف الأصل. والفقه فيه: أن الاختلاف في الثمن إنما يوجب التحالف؛ ضرورة أن كل واحد منهما مُدَّعيًا عقدًا آخر، والاختلاف في الرق لا يوجب الاختلاف في البيع لما ذكرنا، فلا يوجب التحالف لذلك. قوله: (وقالا)؛ أي: أبو يوسف ومحمد (لا يجوز على المسلم) وبه قال الشافعي ومالك وأحمد. قال الإمام التمرتاشي، والمحبوبي: يكره هذا التوكيل عند أبي حنيفة أشد الكراهة، ويؤمر بالتصدق بالثمن؛ لتمكن الخبث فيه، قال ﵇: «إن الذي حَرَّمَ شُربَها حَرَّمَ بيعَها وأَكْلِ ثَمَنِها» (١). ولو وكل المسلم ذميًا بهبة الخمر وتسليمها لا يجوز بالإجماع؛ لأن أحكام عقد الهبة يرجع إلى الموكل فصار كالرسول. وكذا لو أمر مسلم كافرًا بكتابة عبده لا يصح؛ لرجوع الحقوق إليه. (هو)؛ أي: الوكيل بأهليته. فالحاصل في هذا الباب: اعتبار أهلية الوكيل للتصرف المأمور به، واعتبار
следующие страницы →