لِأَنَّ المَبِيعَ صَارَ مَعلُومًا بِكَيل وَاحِد وَتَحَقَّقَ مَعنَى التَّسْلِيمِ، وَمَحمَلُ الحَدِيثِ: اجْتِمَاعُ الصَّفَقَتَينِ عَلَى مَا تُبَيِّنُ فِي بَابِ السَّلَمِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَلَوِ اشْتَرَى المَعْدُودَ عَدًّا
تناقض، اللهم إلا أن يريد بما ذكر في آخر المسألة بقوله: والصحيح أنه يكتفى به أحد البيعين، وهو البيع الثاني؛ لما أنه لم يذكر أول المسألة لفظ البيع إلا مرة واحدة؛ فجعل المقصود فيه البيع الثاني.
وفي حقه أجرى الحكم دل عليه قوله: ومحمل الحديث اجتماع الصفقتين.
وفي الكافي: والحديث محمول على المسلم إليه، إذا اشترى كرا مثل المسلم فيه بشرط الكيل، ووكل رب السلم باقتضائه؛ فإنه لا يصح إلا بصاعين؛ لاختلاف الصفقتين بشرط الكيل؛ أحدهما شراء المسلم إليه، وثانيهما قبض رب السلم لنفسه، وهو كالبيع الجديد فتجتمع الصفقتان.
وعلى بيع العين بأن باع مكيلا مكايلة فإنه يحتاج إلى الكيلين، وهذا يؤيد ما ذكرنا من أن مراد المصنف أحد البيعين، وهو البيع الثاني، ويؤيده أيضًا ما نقلناه من شرح الأقطع.
قوله: (ولو استرد (١) المعدود عدا) إذا اشترى المعدود مجازفة، وقبضه جاز له التصرف قبل العد لما ذكرنا في الكيلي والوزني، وإن اشتراه على أنه كذا، وقبضه فباعه أو تصرف فيه تصرفًا آخر قبل العد لم يذكر في الكتاب، وروي عن أبي حنيفة؛ لا يجوز.
وفي المبسوط (٢): وهو أظهر الرواية عنه وهو اختيار الكرخي وبه قال الشافعي، وقال في رواية أخرى: يجوز، وهو قول أبي يوسف ومحمد.
وجه قولهما: أن العد في العدديات ليس بمعيار شرعي؛ بدليل أنه لا يصير مال الربا، حتى يجوز بيع جوزة بجوزتين، وبيضة ببيضتين؛ فصار العد فيها
стр. 4762
فَهُوَ كَالمَدْرُوعِ فِيمَا يُروَى عَنْهُمَا، لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَالِ الرِّبَا، وَكَالمَوزُونِ فِيمَا يُرْوَى عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀، لِأَنَّهُ لَا تَحِلُّ لَهُ الزِّيَادَةُ عَلَى المَشرُوطِ.
قَالَ: (وَالتَّصَرُّفُ فِي الثَّمَنِ قَبلَ القَبْضِ جَائِزٌ) لِقِيَامِ المُطلَقِ وَهُوَ المِلكُ،
كالذرع في المذروعات؛ فالزيادة والنقصان لا تتحقق فيه إلا بغلط في العد بخلاف الكيلي والوزني؛ فالزيادة والنقصان هناك تظهر باجتهاد من الكيال والوزان، من غير أن يتيقن بالخطأ فيه؛ فكان العقد متناولا للعين فيه فيجوز التصرف فيه قبل العد كما في المذروع كذا في المبسوط (١).
(لأنه)؛ أي المعدود ليس بمال الربا حتى يتعلق جواز البيع بالعدد، حتى لو باع قفيزا من الجوز بقفيزين منه يجوز، وإن كان لا يعلم المساواة؛ فعلم أن الجواز لا يتعلق بالمساواة بالعدد؛ فلا فائدة في تعليق الجواز بالعدد وكذا في جامع فخر الإسلام.
ولأبي [حنيفة] (٢)؛ أن التصرف في المكيل والموزون إنما كان حرامًا قبل الكيل لاختلاط البيع بغيره، والاختلاط هاهنا موجود.
ألا ترى أن من اشترى جوزًا على أنها ألف؛ فوجدها أكثر لا تسلم له الزيادة، ولو كان أقل من الألف يسترد حصة النقصان من البائع؛ فإذا اشتركا في العلة اشتركا في الحكم كذا ذكره فخر الإسلام وقاضي خان.
وفي المبسوط (٣): المعقود عليه العد وهو مقدار كالكيل، ولهذا لا تسلم الزيادة له، ويحط النقصان فكان المعقود عليه القدر والقدر لا يكون معلومًا إلا بالعد، وإنما لا يجري فيه الربا؛ لأنه صار عدديًا وأمثالًا متساوية باصطلاح الناس، لا بجعل الشرع إياه أمثالا؛ فإذا باع جوزة بجوزتين فقد أعرضا عن ذلك الاصطلاح، وما يثبت باصطلاح المتعاقدين يرتفع باصطلاحهما أيضًا بخلاف الكيل والوزن.
وفي الكافي: فكان قوله أوضح.
стр. 4763
وَلَيْسَ فِيهِ غَرَرُ الاِنفِسَاخِ بِالهَلَاكِ، لِعَدَمِ تَعَيُّنِهَا بِالتَّعيِينِ، بِخِلَافِ المَبِيعِ، قَالَ: (وَيَجُوزُ لِلمُشتَرِي أَنْ يَزِيدَ لِلبَائِعِ فِي الثَّمَنِ وَيَجُوزُ لِلبَائِعِ أَنْ يَزِيدَ لِلمُشتَرِي فِي المَبِيعِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَحُطَّ مِنْ الثَّمَنِ وَيَتَعَلَّقُ الاستحقَاقُ بِجَمِيعِ ذَلِكَ) فَالزِّيَادَةُ وَالحَطَّ يَلتَحِقَانِ بِأَصل العَقدِ عِندَنَا، وَعِنْدَ زُفَرَ وَالشَّافِعِيِّ ﵀: لَا يَصِحَانِ عَلَى اعْتِبَارِ الالتِحَاقِ (*).
(وليس فيه) أي في التصرف في الثمن (غرر الانفساخ)؛ لأنه لا يتعين إلا بالتعيين؛ فلا ينفسخ البيع الأول بهلاكه، وإذا لم ينفسخ يبقى الثمن على ذمة المشتري، كما كان ملكًا للبائع فيجوز تصرفه في ملكه بخلاف المبيع، وكذا قبل الكيل والوزن يجوز التصرف فيه، سواء كان الثمن مما يتعين أو مما لا يتعين كالمكيلات والموزونات وغيرهما.
وقال الشافعي: إن كان عيبا لا يجوز؛ لأن الثمن والمبيع حال التعيين سواء عنده؛ لما أن الأثمان تتعين بالتعيين عنده في العقود والفسوخ، وإن لم يكن معينًا لم يجز أيضًا في قول، وفي أصح قوليه يجوز.
وقلنا: الثمن وجب في الذمة، والقبض لا يرد عليه حقيقة؛ فإنما طريق قبضه أن يقبض مثله عينًا فيصير مضمونًا عليه، وإذا كان طريق القبض هذا لم يقع الفرق بين أن يكون المقبوض من جنسه أو من خلاف جنسه؛ لأنه مضمون عليه بمعناه والمقاصة تقع بمعناه.
وعن ابن عمر أنه قال: كنا نبيع الإبل بالبقيع فنأخذ مكان الدراهم الدنانير، ومكان الدنانير الدراهم (١)، وكان يُجَوِّزُه رسول الله ﷺ بخلاف السلم؛ لأنه وإن كان دينا، ولكن الشرع جعل المقبوض في السلم حكم عين المستحق بالعقد؛ لأن الأصل فيه أن يكون مبيعًا، والاستبدال عن المبيع لا يجوز قبل القبض كذا في الإيضاح.
стр. 4764
بَلْ عَلَى اعْتِبَارِ ابْتِدَاءِ الصِّلَةِ، لَهُمَا: أَنَّهُ لَا يُمكِنُ تَصْحِيحُ الزِّيَادَةِ ثَمَنًا؛ لِأَنَّهُ يُصَيِّرُ مِلكَهُ عِوَضَ مِلْكِهِ، فَلَا يَلْتَحِقُ بِأَصلِ العَقدِ، وَكَذَا الحَطَّ؛ لِأَنَّ كُلَّ الثَّمَنِ صَارَ مُقَابَلًا بِكُلِّ.
قوله: (بل على اعتبار ابتداء الصلة)؛ أي الهبة فإن الزيادة في الثمن، والثمن عندهما هبة مبتدأة، لا تتم إلا بالتسليم، ويستوي في ذلك الزيادة من المشتري وغيره.
وكذا الحط عندنا (يلتحق بأصل العقد) حتى يثبت في حق الشفيع والموكل. وعندهما (بِرٌ مُبْتَدَأٌ) في حق من حط عنه خاصة.
وفي وجيزهم: لا يجوز شرط أجل وخيار، وزيادة ثمن ومثمن بعد لزوم العقد، والأقيس منعه أيضًا في الجواز؛ يريد حالة الخيار في المجلس فعنده عدم جواز الزيادة بعد اللزوم قولًا واحدًا، وفيما قبل اللزوم خلافًا في مذهبه.
قوله: (لأنه)؛ أي تصحيح الزيادة (ملكه)؛ أي ملك المشتري أو البائع عوض ملكه وذلك؛ لأن المشتري ملك المبيع فلو زاد في الثمن مع ذلك كانت الزيادة لأجل ملك نفسه، وهو المبيع كما أن الثمن لا يستحق إلا عوضًا، والمبيع كله صار ملكا للمشتري بالعقد فصار ملكه عوض ملكه، وذلك لا يجوز كالمودع يشتري من المودع، وهذا في حق الأجنبي أولى؛ فإن لم يملك شيئًا من المبيع فكيف يلتزم الثمن بمقابلة ما لا يملكه؟.
ولا يمكن إثبات الزيادة من وقت العقد؛ فإن المبيع لو كان هالكا في الحال، أو كانت جارية فأعتقها، أو دبرها لم تثبت الزيادة في الثمن، وكذلك الزيادة في الصداق لا تتنصف بالطلاق قبل الدخول؛ فلو ثبت من وقت العقد لكان حكمها حكم المسمى، كذا في المبسوط (١).
(فلا يمكن إخراجه)؛ أي إخراج بعض الثمن، عن كونه ثمنا؛ لأن أجزاء العوض منقسم على أجزاء المعوض؛ فبالحطّ يصير بعض المبيع بلا عوض، وذا لا يجوز، ولا يمكن تقسيم باقي الثمن بعد الإخراج على كل المبيع؛ لأن ذلك.
стр. 4765
المَبِيعِ، فَلَا يُمكِنُ إِحْرَاجُهُ فَصَارَ بِرًا مُبتَدَاً، وَلَنَا: أَنَّهُمَا بِالحَقِّ وَالزِّيَادَةِ يُغَيِّرَانِ العَقدَ مِنْ وَصفِ مَشرُوعِ إِلَى وَصفٍ مَشرُوعٍ، وَهُوَ كُونُهُ رَابِحًا أَوْ خَاسِرًا أَوْ عَدلًا، وَلَهُمَا وِلَايَةُ الرَّفْعِ فَأُولَى أَنْ يَكُونَ لَهُمَا وِلَايَةُ التَّغَيُّرِ، وَصَارَ كَمَا إِذَا أَسْقَطَا الخِيَارَ أَوْ شَرَطَاهُ
يحتاج إلى إنشاء العقد والكلام فيما إذا لم ينشأ.
وفي الكافي والمبسوط (١): الثمن كله صار مستحقا بالعقد؛ فلا يمكن إخراج بعضه إلا بفسخ العقد في ذلك القدر والفسخ لا يكون في أحد العوضين دون الآخر، على أن الثمن معقود به وفسخ العقد يرد في المعقود عليه دون المعقود به، وقاسا حط البعض بحط الكل؛ فكما أن ذلك بر مبتدأ لا يثبت في حق الموكل والشفيع؛ فكذا حط البعض فصار برا مبتدأ.
ولنا في ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُم بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ﴾ [النساء: ٢٤]؛ أي من فريضة بعد الفريضة، وذلك تنصيص على أن حكم الزيادة المفروضة بعد العقد؛ كحكم المفروض في العقد، إلا ما قام الدليل عليه، وقد قام على أنه لا يتنصف بالطلاق قبل الدخول إلا ما تأكد بالتسمية في أصل العقد بالنص؛ ففيما سوى ذلك كان حكم الزيادة حكم الأصل.
والمعنى أنهما؛ أي البائع والمشتري غَيَّرَا العقد بتراضيهما، من وصف مشروع إلى وصف مشروع؛ فجعل كالمذكور في أصل العقد كما لو كان البيع بخيار لهما أو لأحدهما؛ فأسقط الخيار، أو بغير خيار بشرط الخيار لهما أو لأحدهما، وهذا لأن البيع المشروع ثلاثة أنواع: خاسر ورابح وعدل، والزيادة في المبيع أو الثمن أو الحط تغيره إلى أحد هذه الأوصاف، ولا يرفع أصله كما شرع بآثار ويختار، والتخيير بغير وصفه.
وهذا لأن الزيادة في الثمن تجعل الخاسر عدلاً، والعدل رابحًا، والحط يجعل الرابح عدلًا أو العدل خاسرا، وهما يملكان التصرف في أصل العقد بالنقض بالإقالة؛ فأولى أن يملكا تغييره من وصف إلى وصف؛ لأن التصرف في صفة الشيء أهون من التصرف في أصله.
وفي المبسوط (٢): وأما قوله: أنه يلتزم العوض عن ملكه.
стр. 4766
بَعدَ العَقدِ، ثُمَّ إِذَا صَحَّ يَلتَحِق بِأَصلِ العَقدِ؛ لِأَنَّ وَصفَ الشَّيْءِ يَقُومُ بِهِ لَا بِنَفْسِهِ، بِخِلَافِ حَطَّ الكُلِّ؛ لِأَنَّهُ تَبْدِيلٌ لِأَصْلِهِ لَا تَغيِيرٌ لِوَصفِهِ فَلَا يَلْتَحِقُ بِهِ، وَعَلَى اعْتِبَارِ الالتحَاقِ لَا تَكُونُ الزِّيَادَةُ عِوَضًا عَنْ مِلْكِهِ، وَيَظْهَرُ حُكمُ الالتِحَاقِ فِي التَّولِيَةِ وَالمُرَابَحَةِ، حَتَّى يَجُوزُ عَلَى الكُلِّ فِي الزِّيَادَةِ وَيُبَاشِرَ عَلَى البَاقِي فِي الحَطَّ وَفِي الشُّفَعَةِ، حَتَّى يَأْخُذَ بِمَا بَقِيَ فِي الحَطّ، وَإِنَّمَا كَانَ لِلشَّفِيعِ أَنْ يَأْخُذَ بِدُونِ الزِّيَادَةِ لِمَا فِي الزِّيَادَةِ مِنْ إِبْطَالِ حَقِّهِ الثَّابِتِ فَلَا يَمْلِكَانِهِ،
فقلنا: قيام الملك لقيام المعقود عليه، والمعقود عليه قائم في يد المشتري على وجه يجوز الاعتياض عنه؛ فيصح منه التزام العوض بمقابلته أيضًا؛ لأن الإنسان إنما لم يلتزم العوض عما هو مملوك له أصلا مقصودًا؛ فأما ربحًا فقد يلتزم، وهذا لأن الأرباح في حكم الصّلات، ولهذا لو حصل من المريض معتبرًا من الثلث، ولأنه تبع والعوض بمقابلة الأصل دون التبع. ألا ترى أن أطراف المبيع تستحق بالمعاوضة تبعًا، ولا يقابلها شيء من الثمن.
(ثم إذا صح)؛ أي الحط أو الزيادة (التحق بأصل العقد)؛ لأن وصف الشيء لا يقوم بنفسه، وإنما يقوم بالموصوف؛ لأنه إذا (حط الكل تبديلا)؛ أي تغييرًا لأصل العقد (لا لوصفه)؛ لأن الإنسان لا يكون مغبونا بجميع الثمن ولو التحق بأصل العقد؛ فأما أن يفسد العقد لأنه يبقى تبعا بلا ثمن. وقد علمنا أنهما لم يقصدا ذلك؛ فحينئذ يكون تغييرا من مشروع إلى غير مشروع، أو يصير ذلك العقد هبة، وقد كان قصدهما التجارة لا الهبة، فأما حط البعض لو التحق بأصل العقد تحقق مقصودهما فيجوز، إليه أشير في المبسوط (١).
وقوله: (وعلى اعتبار الالتحاق) جواب عن تعليل زفر والشافعي بالزيادة يصير ملكه عوض ملكه فقال: إذا اعتبرنا الالتحاق كانت الزيادة في عوض عن ملك الغير، لا عن ملك نفسه؛ إذ حكم الزيادة حكم المزيد عليه. (من إبطال حقه)؛ أي حق الشفيع (الثابت) بالعقد الأول (فلا يملكانه)؛
стр. 4767
ثُمَّ الزِّيَادَةُ لَا تَصِحُ بَعدَ هَلَاكِ المَبِيعِ عَلَى ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ؛ لِأَنَّ المَبِيعَ لَم يَبْقَ عَلَى حَالَةٍ يَصِحُ الاعْتِيَاضُ عَنهُ، وَالشَّيءُ يَثْبُتُ ثُمَّ يُسْتَنَدُ، بِخِلَافِ الحَطّ،
أي التصرف بالزيادة فيما يرجع إلى الشفيع لأنه إضرار به فلم تظهر الزيادة في حقه، وثم لم يتعلق بهذا العقد حق آخر فظهرت الزيادة، ثم الزيادة إلى الزيادة في الثمن غير صحيحة بعد هلاك المبيع؛ لأن الزيادة تغيير العقد من وصف إلى وصف؛ فيستدعي قيام العقد وقيامه بقيام المعقود عليه.
ألا ترى أنه لو أجر المشترى أو رهن أو ذبح، أو خاط أو اتخذ سيفا أو قطع يده، وأخذ المشتري الأرش، صحت الزيادة؛ لقيام المعقود عليه، ولو باع من المرتهن والمستأجر أو باع أو طحن، أو نسج أو تخمر العصير أو أسلم مشتري الخمر لا تصح الزيادة؛ لفوات محل العقد؛ فالعقد لم يرد على المطحون والمنسوج، ولهذا يصير الغاصب أحق بهما بخلاف الذبح.
(وقوله: على ظاهر الرواية)؛ احتراز عما روى الحسن عن أبي حنيفة في غير رواية الأصول: أن الزيادة تصح كالحط.
وجه ظاهر الرواية: أن المعقود عليه لم يبق على وجه (يصح الاعتياض عنه)؛ فلا يمكن إثبات الزيادة عوضًا؛ لأنه لا بد لإثبات الزيادة عوضًا من اعتبار الحال، ثم الاستناد إلى وقت العقد، وقد تعذر إثباتها في الحال فلا يظهر فيها حكم الاستناد كالبيع الموقوف؛ فإنه لا بد من قيام المبيع عند الإجارة ليثبت الملك مستندا إلى وقت العقد.
وفي المبسوط (١): وعلى هذا لو كانت الزيادة من الأجنبي وضمنها؛ لأنه التزمها عوضًا، وهذا الالتزام صحيح منه، وإن لم يملك بمقابلته شيئًا، كما لو خالع المرأة مع أجنبي على مال، وضمنه صح، وإن لم يملك الأجنبي شيء بمقابلته.
(بخلاف الحط) يعني صح الحط؛ لأن عمله في إخراج القدر المحطوط عن أن يكون ثمنًا؛ فالشرط فيه قيام الثمن لا قيام المبيع، والثمن باق فيثبت الحط على سبيل الالتحاق بأصل العقد.
стр. 4768
لِأَنَّهُ بِحَال يُمكِنُ إِخْرَاجُ البَدَلِ عَمَّا يُقَابِلُهُ فَيُلتَحَقُ بِأَصلِ العَقدِ اسْتِنَادًا.
قَالَ: (وَمَنْ بَاعَ بِثَمَنٍ حَالٌ ثُمَّ أَجَلَهُ أَجَلًا مَعلُومًا صَارَ مُؤَجَّلًا)؛ لِأَنَّ الثَّمَنَ
ألا ترى أنه يصح الحط بسبب العيب، ولأن الإسقاط عوض المعدوم يصح، والاعتياض عنه لا يصح؛ فذكر البقالي وابن سماعة الزيادة في المبيع بعد هلاكه تصح، بخلاف الزيادة في الثمن بمقابلة المبيع، والمبيع هالك فلا يجوز الاعتياض عنه.
وفي المبسوط (١): لا تثبت الزيادة بعد الإعتاق والتدبير؛ لأنه لم يبق المعقود عليه على وجه يجوز الاعتياض عنه، وهذا لأنه لا بد لإثبات الزيادة عوضا من اعتبار الحال، ثم الإسناد إلى وقت العقد، وقد تعذر إثباتها في الحال فلا يظهر حكم الاستناد كما قلنا في البيع الموقوف؛ أنه لا بد من قيام المبيع وقت الإجارة ليثبت الملك مستندا.
(لأنه) أي المبيع (بحال يمكن إخراج البدل عما يقابله)؛ يعني لا يمكن إثبات الثمن بمقابلة المبيع الهالك، ويمكن إخراج الثمن وإسقاطه بمقابلة الهالك؛ لأن الحط يلائم الهالك.
وفي المجتبى: في المحيط شرط صحة الزيادة في الثمن؛ بقاء المبيع محلا للمقابلة في حق المشتري حقيقة حتى لو باعه المشتري أو تصدق أو وهبه وسلم؛ لا تصح الزيادة.
وعن محمد: تصح لبقاء المبيع، ولو تقابضا عبدًا بأمةٍ وهلك أحدهما؛ صحت الزيادة عند أبي حنيفة وأبي يوسف، والزيادة في المهر بعد موتها لا تصح.
وفي جمع التفاريق: تجوز الزيادة في المبيع بعد هلاك المبيع، هكذا ذكر في المنتقى، ويكون لها الحصة من الثمن حتى لو هلكت قبل القبض سقط بحصتها شيء من الثمن، ولو اشترى عبدًا بدراهم وتقابضا، ثم رده بعيب بقضاء فلم يقبضه حتى باعه من المشتري يجوز، ومن الأجنبي لا يجوز.
قوله: (صار مؤجّلًا) وقال الشافعي: لا يصير مؤجّلًا حتى يجوز له أن يطالبه في الحال؛ لأن هذا وعد، وكذا خلافه في كل دين حال إذا أُجَلَ فعندنا
стр. 4769
حَقَّهُ، فَلَهُ أَنْ يُؤَخِّرَهُ تَيسِيرًا عَلَى مَنْ عَلَيْهِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَمْلِكُ إِبْرَاءَهُ مُطلَقًا فَكَذَا مُؤَقَّتًا، وَلَو أَجَّلَهُ إِلَى أَجَلٍ مَجهُول إن كَانَتْ الجَهَالَةُ مُتَفَاحِشَةٍ كَهُبُوبِ الرِّيحِ لَا يَجُوزُ، وَإِنْ كَانَتْ مُتَقَارِبَة كَالحَصَادِ وَالدِّيَاسُ يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ بِمَنزِلَةِ الكَفَالَةِ وَقَدْ ذَكَرنَاهُ مِنْ قَبْلُ.
قَالَ: (وَكُلُّ دَينِ حَالٌ إِذَا أَجَلَهُ صَاحِبُهُ صَارَ مُؤَجَّلًا)؛ لِمَا ذَكَرنَا (إِلَّا القَرْضَ) فَإِنَّ تَأْجِيلَهُ لَا يَصِحُ؛ لِأَنَّهُ إِعَارَةٌ وَصِلَةٌ فِي الابْتِدَاءِ حَتَّى يَصِحَ بِلَفْظَةِ الإِعَارَةِ، وَلَا
يصير مؤجلا وبه قال مالك. وعنده؛ لا.
إلا القرض فإن تأجيله لا يصح عندنا وعنده.
وفي المبسوط (١): معناه أنه لو أجله عند الاقتراض مدة أو بعده لا يثبت الأجل، وله أن يطالبه في الحال. وعند مالك: يصح تأجيل القرض أيضًا؛ لأنه صار دينًا في ذمته بالقبض فصح التأجيل فيه كسائر الديون. ولو مات المقرض وأجل وارثه قال الإمام قاضي خان: لا يصح كما لو أجل المقرض.
وقال صاحب المحيط: ينبغي أن يصح من الوارث على قول البعض، وقال واحد من الفقهاء: رأيت في المنتقى أن القرض إذا أصاب مستهلكا يصح تأجيله، والصحيح أنه لا يصح.
وقال الإمام السرخسي (٢): التأجيل في بدل المستهلك صحيح سواء كان المستهلك صحيحًا؛ دراهم أو دنانير أو غير ذلك، وعند زفر لا يصح، والحيلة في تصحيح تأجيل القرض؛ أن يحيل المستقرض القرض على آخر بدينه، وأجل المقرض ذلك الرجل فحينئذ يصح كذا في فصول الأَسْتَرَوْشَنِي (٣).
(وقد ذكرناه من قبل) أي في آخر باب البيع الفاسد، في أن الجهالة اليسيرة متحملة في الكفالة، وفي تأجيل الدين كما في الحصاد والدياس.
(حتى يصح بلفظ (٤) الإعارة)، فإن قال: أعرت مكان أقرضت يكون
стр. 4770
يَمْلِكُهُ مِنْ لَا يَمْلِكُ التَّبَرُّعَ كَالوَصِيِّ وَالصَّبِيِّ، وَمُعَاوَضَةٌ فِي الانْتِهَاءِ، فَعَلَى اعْتِبَارِ الابْتِدَاءِ لَا يَلزَمُ التَّأْجِيلُ فِيهِ كَمَا فِي الإِعَارَةِ، إذ لَا جَبرَ فِي التَّبَرُّعِ، وَعَلَى اعْتِبَارِ الانتِهَاءِ لَا يَصِحُ؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ بَيعَ الدَّرَاهِمِ بِالدَّرَاهِمِ نَسِيئَة وَهُوَ رِبا، وَهَذَا بِخِلَافِ مَا إِذَا أَوصَى أَنْ يُقْرِضَ مِنْ مَالِهِ أَلفَ دِرْهَم فُلَانًا إِلَى سَنَةٍ، حَيثُ يَلزَمُ الوَرَثَةَ مِنْ ثُلُثِهِ أَنْ يُقْرِضُوهُ وَلَا يُطَالِبُوهُ قَبْلَ المُدَّةِ؛ لِأَنَّهُ وَصِيَّةٌ بِالتَّبَرُّعِ بِمَنزِلَةِ الوَصِيَّةِ بِالخِدمَةِ وَالسُّكَنَى فَيَلزَمُ حَقًّا لِلمُوصِي، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعلَمُ.
قرضا، ومعاوضة في الانتهاء؛ لأنه أعطاه ثم أخذ عوضه حتى يلزمه رد مثله كالصبي والوصي، والعبد والمكاتب، كما في الإعارة فإن المعير وقتها سنةً فله أن يستردها من ساعته، ولأن الأجل لو لزم فيه لصار التبرع ملزمًا على المتبرع شيئًا، وهو الكف عن المطالبة إلى مضي الأجل وذا ينافي موضوع التبرعات قال تعالى: ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلِ﴾ [التوبة: ٩١] ولم يثبت الخبر؛ ليتحقق السبيل فشرط ما يناقض العقد لغو، كذا في الكافي.
وقال القدوري: العين المردودة في القرض كنفس العين المأخوذة من المقرض، ولولا ذلك لكان تمليك دراهم بدراهم من غير قبض في المجلس، وذا لا يجوز، ومتى جعلت كالعين لا يصلح التأجيل؛ لأن التأجيل في الأعيان لا يصح.
وفي شرح الأقطع: لو شرط الأجل في ابتداء القرض بطل الشرط، وصح القرض؛ فكذلك إذا شرطاه في ثاني الحال.
(أن يقرضوه)؛ أي الورثة (ولا يطالبوه قبل المدة) وبه قال الشافعي. (فيلزم)؛ أي الأجل رعاية لحق الموصي فإن إعارة السكنى في حال الحياة لا يلزم، ويجوز الرجوع فيه، وفي الوصية لا يرجع فكذا في القرض؛ لأن باب الوصية أوسع من سائر التصرفات.
ولهذا لو أوصى بثمرة بستانه يجوز، وإن كانت الثمرة معدومة في الحال؛ رعاية لحق الموصي، ونظرًا لأنه عاجز عن النظر في حق نفسه؛ فالشرع نظر له حين جوزه، ولأن الوصية؛ عقد مضاف إلى حال زوال المالكية؛ فيجوز فيها ما لا يجوز في غيرها والله أعلم.
стр. 4771
تتمة كتاب البيوع
بَابُ الرِّبَا
قَالَ: (الرِّبَا مُحَرَّمٌ فِي كُلِّ مَكِيل أَوْ مَوزُونَ إِذَا بِيعَ بِجِنسِهِ مُتَفَاضِلًا).
بَابُ الرِّبَا
لما ذكر أبواب البيوع التي أمر الشارع بمباشرتها بقوله تعالى: ﴿وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ١٠] مع أنواعها صحيحها، وفاسدها، شرع في بيان أبواب البيوع التي نهى الشارع عن مباشرتها بقوله تعالى: ﴿يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الربوا﴾ [آل عمران: ١٣٠]. والمناسبة الخاصة بباب المرابحة: أن في بيع الربا زيادة وهو حرام، وفي المرابحة زيادة وهي حلال. يقال: رِبَوِيّ، بكسر الراء، وفتح الراء خطأ. كذا في المغرب (١).
قوله: (الرّبا مُحَرَّم في كل مكيل) أي: يوجد ويتحقق في كل مكيل، وفي بعض النسخ: (الربا محرم في كل مكيل).
وفي المبسوط: الربا لغة: الزيادة، يقال: أربى فلان على فلان، أي زاد، ومنه الربوة للمكان المرتفع.
وشرعًا: هو الفصل الخالي عن العوض المشروط في البيع (٢).
وقال علماؤنا: هو نوع بيع فيه فضل مستحق لأحد المتعاقدين، خال عما يقابله من عوض شرط في هذا العقد، وعلى هذا سائر أنواع البيوع الفاسدة من قبيل الربا (٣).
وفي جمع العلوم: الربا شرعًا: عبارة عن عقد فاسد وإن لم يكن فيه زيادة؛ لأن بيع الدرهم بالدرهم نساءً ربًا، وإن لم تتحقق فيه زيادة (٤).
وعند الشافعي: البيع: هو التصرف المشروع بِحَدِّه، والربا: اسم جُعِل علمًا على تصرف يُفسد العقد لا على الحد المشروع (٥).
стр. 4772
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وفي تتمتهم: الربا في الشرع: اسم لمقابلة عوض مخصوص غير معلوم التماثل في معيار الشرع حالة العقد أو مع تأخير في البدلين أو في أحدهما (١).
ثم الربا حرام بالكتاب والسنة وإجماع الأمة، أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿وَحَرَّمَ الرِّبوا﴾ [البقرة: ٢٧٥] فإنه تعالى ذكر لأكل الربا خمسا من العقوبات:
أحدها: التخبط، قال تعالى: ﴿لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِ﴾ الآية [البقرة: ٢٧٥]، وقيل في معناه: تنتفخ بطنه يوم القيامة فتصير لا تحمله قدماه، فكلما قام سقط بمنزلة الذي أصابته من الشيطان، يؤيده قوله ﵇: يملأ بطنه نارًا بقدر ما أكل من الربا، والمراد به: يفتضح على رؤوس الأشهاد، كما قال ﵇ في حديث آخر: «يُنْصَبُ لِواء يوم القيامة لأكلة الربا فيجتمعون تحته ثم يُساقون إلى النار».
والثاني: المحق، قال الله تعالى: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبوا﴾ [البقرة: ٢٧٦]، والمراد: الهلاك والاستئصال، وقيل: ذهاب البَرَكة والاستمتاع حتى لا ينتفع به هو ولا ولده بعده.
والثالث: الحرب، قال الله تعالى: ﴿فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [البقرة: ٢٧٩] المعنى في القراءة بالمد: اعلموا الناس يا أكَلَة الربا أنكم حرب الله ورسوله بمنزلة قطاع الطريق، وفي القراءة بغير المد: اعلموا أن أكلة الربا حرب الله.
والرابع: الكفر، قال تعالى: ﴿وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبوا إِنْ كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٢٧٨]، وقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ﴾ [البقرة: ٢٧٦] أي: كفار باستحلال الربا.
والخامس: الخُلود في النار، قال: ﴿وَمَنْ عَادَ فَأُولَتِبِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٥] يؤيد ما ذكرنا قوله ﵇ «أكل درهم واحد من الربا أشدُّ من ثلاث وثلاثين زَنْيَةٍ يَزنيها الرجلُ» (٢) «مَنْ نَبَتَ لَحْمُه مِنْ الحَرامِ فالنارُ أولى به» (٣).
стр. 4773
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والمقصود من كِتَابُ البُيُوع: بيان الحلال الذي هو بيع شرعًا، والحرام الذي هو ربا؛ ولهذا قيل لمحمد: ألا تصنف في الزهد شيئًا؟
قال: صنّفت كتاب البيوع، وليس الزهد إلا الاجتناب عن الحرام، والرغبة في الحلال. كذا في المبسوط (١).
وأما السنة فأكثر من أن تحصى.
قال الإمام الإسبيجابي: اتفقوا على أنه إذا أنكر ربا النساء يكفر، وفي ربا الفضل في القدر اختلاف، فإن ابن عباس لا يرى الربا إلا في النسيئة؛
لقوله ﵇: «لا ربا إلا في النسيئة» (٢)، وكلمة (إنما) للحصر، إلا أن عامة الصحابة احتجوا بالحديث المذكور في المتن (٣).
والجواب عما قال ابن عباس من التعلق بالحديث: أن هذا منصرف إلى ما ليس بمكيل وموزون؛ لأنه قال في آخر الحديث: «إلا ما كيل أو وُزِنَ» على أن ابن عباس رجع عن هذا القول، ويدل عليه ما روي عن أبي سعيد الخدري أنه قال لابن عباس: إلى متى يؤكل الربا؟ أصحبت رسول الله ما لم نصحب؟ وسمعت ما لم نسمع؟ فقال: لا، ولكني حدثني أسامة بن زيد أنه ﵇ قال: «لا ربا إلا في النسيئة» فقال: والله لا أواني وإياك ظل بيت ما دمت على هذا القول، فرجع، وإن لم يثبت رجوعه فإجماع التابعين بعده يرفع قوله (٤). هكذا على قول محمد لا على قولهما.
وتأويل حديث أسامة بن زيد أنه ﵇ سُئِل عن مبادلة الحنطة بالشعير أو الذهب بالفضة فقال: «لا رِبَا إلا في النَّسِيئَةِ» بناء على ما تقدم من السؤال، وكأن الراوي سمع لفظه ﵇ ولم يسمع ما تقدم من السؤال، أو سمع ولم يشتغل بنقله. كذا في المبسوط (٥).
стр. 4774
فَالعِلَّةُ عِنْدَنَا الكَيْلُ مَعَ الجِنسِ وَالوَزْنُ مَعَ الجِنسِ.
قَالَ ﵁: وَيُقَالُ القَدْرُ مَعَ الجِنسِ وَهُوَ أَشمَلُ.
وَالأَصلُ فِيهِ: الحَدِيثُ المَشْهُورُ وَهُوَ قَولُهُ ﵊: «الحِنطَةُ بالحنطة مثلا بِمِثْل يدا بيد، وَالفَضلُ رِبا» وَعَدَّ الأَشْيَاءَ السِّتَّةَ: الحِنطَةَ وَالشَّعِيرَ وَالتَّمَرَ وَالمِلحَ وَالذَّهَبَ وَالفِضَّةَ عَلَى هَذَا المِثَالِ.
(فالعلة) أي: علة حرمة الربا أو وجوب المساواة، قال صاحب الهداية: (وهو) أي: القدر (أشمل لتناوله الكيل والوزن، فالقَدر عبارة عن امتلاء المعيار، والجنس عبارة عن مشاكلة المعاني، والأصل فيه) أي: في وجوب المساواة (الحديث) وهو مذكور في صحيح مسلم وغيره.
في المبسوط (١): بدأ محمد الكتاب بحديث رواه عن أبي حنيفة عن عطية العوفي عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله ﷺ قال: («الحنطة بالحنطة») وهو حديث مشهور تلقته العلماء بالقبول، ولشهرته ظن بعض العلماء أنه متواتر، وليس كذلك؛ لأن حد المتواتر ما استوى طَرْفَاه ووسطه، ولم يوجد ذلك في هذا الحديث، ولكنه مشهور تجوز الزيادة على الكتاب به، ومداره على أربعة نَفَر من الصحابة ﵃: عُمر وعبادة بن الصامت وأبي سعيد الخدري ومعاوية بن أبي سفيان ﵃، مع اختلاف ألفاظهم.
وفي مبسوط شيخ الإسلام: قال الجَصّاص: هذا الحديث يقرب من التواتر؛ لكثرة رواته (٢).
قوله: (وَمَعْنَى الْأَوَّلِ) (٣) إلى آخره، وإنما زدنا ذلك بدليلين:
أحدهما: أنه ﵇ ذكر حرف الباء في أحد المذكورين، وهو إنما يستعمل في مثل هذا الموضع للمبادلة. والثاني: ما ذكر بعد هذا بقوله: «وإذا اختلف النوعان فبيعوا كيف شئتم» فقد ذكر البيع عند اختلاف النوعين. كذا في مبسوط شيخ الإسلام.
стр. 4775
وَيُروَى بِرِوَايَتَينِ: بِالرَّفْعِ مِثْلُ، وَبِالنَّصبِ مِثلًا.
وَمَعَنَى الأَوَّلِ: بَيعُ التَّمْرِ، وَمَعَنَى الثَّانِي: بِيعُوا التَّمَرَ، وَالحُكمُ مَعْلُومٌ بِإِجْمَاعِ القَائِسِينَ
(بالرفع، مِثْل) أي: بيع التمر بالتمر مثل بمثل، فكان إخبارًا في معنى الأمر.
ثم المراد بقوله ﵇: «الحنطة بالحنطة» ليس بيع ما ينطلق عليه اسم الحنطة؛ فإن حبّة منها بحبّة منها لا يجوز؛ لعدم التقوم مع وجود اسم الحنطة، فعلم أن المراد الحنطة الموصوفة بوصف، وهي الحنطة التي تدخل تحت المماثلة، بدلالة قوله: «مثل بمثل».
قوله: (والحكم) وهو حرمة الربا أو وجوب المساواة (بإجماع القائسين) (١)(٢)، أي: القائلين بحجة القياس، واحترز به عن قول داود بن علي الأصبهاني ومن تابعه من المتأخرين، وقول عثمان البتّي من المتقدمين (٣) فإن عندهما حكم الرِّبا يقتصر على الأشياء الستة، أما داود لا يرى القياس حجة أصلا، وعثمان كان يرى القياس حجة، ولكن بشرط أن يقوم دليل في كل أصل على جواز القياس عليه، ولم يقم ذلك الدليل هاهنا، ولأنه ﵇ نص على هذه الأشياء فلا يقاس غيرها عليها أدّى ذلك إلى إبطال ما نص عليه ﵇، كما نص على قتل خمس فواسق، فلم يجز قياس غير الخمس عليه.
وقلنا: قد قام الدليل على اعتبار القياس فيه، وهو ما روى ابن عمر أنه ﵇ قال: «لا تبيعُوا الصاع بالصاعَيْنِ» الحديث. ولم يرد بالصاع: عين الصاع، فإنه يجوز بيع الصاع بالصاعين بالإجماع، بل: ما يحويه، فكما أن الصاع يحوي هذه الأشياء، يحوي سائر المكيلات أيضًا.
وعن مالك بن أنس، وإبراهيم بن إسحاق الحنظلي (٤) أنهما
стр. 4776
لَكِنَّ العِلَّةَ عِنْدَنَا مَا ذَكَرنَاهُ.
رويا هذا الحديث المعروف، وذكرا في آخره وكذلك كل ما يكال أو يوزن، فهو تنصيص على تعدية الحكم (١).
وروي أن عامل خيبر أهدى إلى النبي ﷺ تمرًا جيدًا، فقال له ﵇: «أَوَكُلُّ تَمرِ خَيْبَر هكذا؟» قال: لا، ولكني أعطيت صاعين وأخذت صاعًا من هذا، فقال ﵇: «أَرْبَيْتَ، هَلّا بعتَ تمرَكَ بِسِلعة، ثم ابتَعتَ بِسلعَتِكَ هَذا» (٢).
هذا بخلاف قوله: «خمس من الفواسق» فإن التعليل بغير حكم النص؛ لأنه ﵇ نص على الخمس، فلو اشتغلنا بالتعليل كان أكثر من الخمس، فيكون إبطالاً للمنصوص، وهاهنا ليس أن مال الرّبا ستة ولكنه ذكر حكم الربا، فالاشتغال بالتعليل لا يبطل المنصوص عليه، ثم فائدة تخصيص هذه الأشياء الستة بالذكر أن عامة المعاملات حينئذ كانت بها على ما جاء في الحديث: «كُنَّا نَتَبَايَع في الأسواق بالأوساق» والمراد ما يدخل تحت الوسق وما تكثر الحاجة إليه. كذا في المبسوط.
(لكن العلة عندنا ما ذكرناه) وهو القدر والجنس (٣)، وبه قال أحمد في رواية (٤) إلا أنه في الذهب والفضة معنا (٥) باتفاق الروايات، وفي غيره مع الشافعي (٦) في رواية.
وقال الكرخي: العلة مع الجنس الفضل على القدر، وهو ضعيف؛ لأنه لا يجوز إسلام قفيز حنطة في قفيز شعير، وعلة حرمة النساء أحد وصفي علة الربا الفضل، ولو كانت العلة مع الفضل لما حرم النساء هاهنا؛ لانعدام الفضل (٧).
стр. 4777
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقال ابن سيرين: العلة تقارب المنفعة مع الجنس؛ لوجود ذلك في هذه الأشياء المذكورة فإن الحنطة مع الشعير يتقارب في المنفعة (١).
وقال مالك: العلة الافتئات والادخار وما يصلح لذلك في جنس؛ لأنه ﵇ خص بالذكر كل مقتات ومُدَّخَر.
قال أصحابه: تخصيصه البر وما ذكر معه؛ ليُعتَدَّ به معنى لا يُعلم مع عدمه ولا مع نصه من غيره؛ ليُنبِّه بالبر على كل مقتاتٍ تعم الحاجة إليه، وتقوم الأبدان به، وبالشعير [ليبيّن مشاركة الشعير] (٢) للبرّ في ذلك وإن [الترحمة] (٣) بصفة أخرى من كونه علفًا، أو قوتًا حال الاضطرار، فنبه على الذرة ونحوها، وبالتمر لينبّه على كل حلاوة مدخرة غالبًا كالعسل والسكر والزيت، والملح؛ لينبه على أن ما أصلح المقتات من المأكولات في حكمها، كالأبازير (٤) وما في معناها عندهم.
والذهب والفضة عندهم معلل بعلة قاصرة غير متعدية، وأنهما قيم المتلفات وأصول الأثمان، كذا ذكره القاضي عبد الوهاب في كتابه المعونة (٥).
وقال الشافعي في القديم: العِلة: الطَّعم مع الكيل أو الوزن (٦).
وقال في الجديد: العلة: هي الطَّعم في الأشياء الأربعة، والثمنية في الذهب والفضة (٧)،.، وبه قال أحمد في رواية (٨)، والجنسية شرط لا تعمل العلة بدونه؛ ولهذا قال: الجنس بانفراده لا يحرّم النّساء، وهكذا في كتبهم (٩).
стр. 4778
وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ ﵀: الطَّعمُ فِي المَطعُومَاتِ وَالثَّمَنِيَّةُ فِي الأَثْمَانِ، وَالجِنسِيَّةُ شرط، وَالمُسَاوَاةُ مَخلَص.
وفي الحلية (١): فعلى القول الجديد هل يحرم الربا في الماء؟ فيه وجهان: أصحهما: أنه يحرم، وفي الأدهان المطيبة وجهان: أصحهما: أنه يحرم، وفي البزور ودهن السمك وجهان، وفي الزعفران وجهان وفي بزر البصل والفجل وجهان، وقال بعض أصحابه: إن الربا في الذهب والفضة بعينهما (٢).
وقال جمهور أصحابه: العِلّة صلاحية الثمنية الغالبة، وإن شئت قلت: جوهرية الأثمان غالبًا، والعبارتان تشملان التبر والمضروب والحلي، وفي تعدي الحكم إلى الفلوس الرابحة وجه (٣)، والصحيح من مذهبه أنه لا ربا فيها؛ لانتفاء الثمنية الغالبة، للشافعي (٤) قوله ﵇: «لا تبيعوا الطَّعامَ بالطَّعام» (٥) الحديث. فذكر الطعام - وهو مشتق - مُشعِرُ بأن الطعم علة؛ إذ الحكم متى يترتب على اسم مشتق كان مأخذ الاشتقاق علّة، كما في الزاني والسارق، فإن الزنا والسرقة عِلّة القطع والحد، والابتداء بالنّهِي مُشعر بأن حرمة البيع أصل، والجواز يعارض المساواة؛ إذ لو اقتصر على قوله: «لا تَبِيعُوا» لم يجز بيع أحدهما بالآخر بحال، والطعام يتناول القليل والكثير، فتثبت الحرمة في الحفنة بالحفنتين، والتفاحة بالتفاحتين، والبيضة بالبيضتين، والتمرة بالتمرتين، والجوزة بالجوزتين.
والتعليل بالقدر يقتضي تخصيص النص المعلل، وذا لا يجوز.
стр. 4779
وَالأَصلُ هُوَ الحُرمَةُ عِندَهُ، لِأَنَّهُ نَصَّ عَلَى شَرطَينِ: التَّقَابُضِ وَالمُمَاثَلَةِ، وَكُلُّ ذَلِكَ يُشعِرُ بِالعِزَّةِ وَالخَطَرِ كَاشْتِرَاطِ الشَّهَادَةِ فِي النِّكَاحِ، فَيُعَلَّلُ بِعِلَّةٍ تُنَاسِبُ إِظْهَارَ الخَطَرِ وَالعِزَّةِ وَهُوَ الطَّعمُ لِبَقَاءِ الإِنسَانِ بِهِ، وَالثَّمَنِيَّةُ لِبَقَاءِ الْأَمْوَالِ الَّتِي هِيَ مَنَاطُ المَصَالِحِ بِهَا، وَلَا أَثَرَ لِلجِنسِيَّةِ فِي ذَلِكَ، فَجَعَلْنَاهُ شَرحًا.
(ولأنه) أي: الشارع (نص على شَرْطَي التقابض والمماثلة) لجواز البيع في هذه الأشياء، فهذا مُشعِرُ بأن موجبهما وصف في المحل ينبئ عن زيادة العزة والخطر حتى يجب لأجله زيادة الشرط؛ لأنه متى يفيد إصابته بشرط زائد لا يهون في أعين المتملكين، فيعظم نظره في أعين الناس، كالعقد الوارد على الأبضاع لما خص بشرط زائد - وهو الشهود والولي دون سائر المعاملات - دل على أن المستحق به ما له خطر، وهو البضع (فيعلل بعلةٍ تُناسب إظهار العزة والخطر، وهو الطعم؛ لبقاء النفوس، والثمنية لبقاء الأموال التي هي في مناط مصالحنا بها) إذ الأموال إنما تبقى أموالا ما دامت لها أثمان؛ لأن ما لا يبدل الثمن بمقابلته لا يكون مالًا ككف من تُراب ونحوه، فالأموال سبب بقاء الأنفس بوصف أنها مأكولة أو وسيلة إليه.
(ولا أثر للجنسية والقدر في ذلك) أي: في إظهار شُبهة العزة والخطر؛ لثبوتها في خطير ومهان، ولكن الحكم لا يثبت إلا عند وجود الجنسية (فجعلناها شرطًا) لا علة، والحكم قد يدور مع الشرط، كالإحصان مع الرجم.
والفرق بينهما بالتأثير وعدمه؛ ألا ترى أنه ﵇ عند بيان حكم الربا ذكر كل الأثمان، وأنفَسَ كل مطعوم، لما تعذّر بيان كل مطعوم، فالبر أنفس كل مطعوم بني آدم والشعير أنفس عَلَف الدواب، والتمر أنفس الفواكه، والملح أنفس التوابل؛ ليُشعر بأن العِلّة هي الطعم، ولو كان القدر علة لكان ذكر هذه الأشياء تكرارًا محضًا؛ إذ صفة القدر لا تختلف في هذه الأربعة؛ ولهذا قال مالك: إن العلة الاقتيات والادخار؛ لأنه خصَّ بالذكر كل مقتات ومدخر (١). كذا في الكافي والمبسوط (٢).
стр. 4780
والحُكمُ قَدْ يَدُورُ مَعَ الشَّرط.
وَلَنَا: أَنَّهُ أَوجَبَ المُمَاثَلَةَ شَرطًا فِي البَيعِ وَهُوَ المَقْصُودُ بِسَوقِهِ تَحقِيقًا لِمَعْنَى البَيعِ،
إِذْ هُوَ يُنبِئُ عَنِ التَّقَابُلِ
وقوله: (والحكم قد يدور) لدفع شبهة ترد على جعله الطعم علّة، والثمنية علة، وهو أن الحكم يدور مع الجنسية، كما يدور مع الطعم والثمنية عنده، فلم يجعل الجنسية علّة كما جعلها خصمك أحد وصفي علة الربا. فأجاب عنها فقال: نعم كذلك، إلا أن العليّة للوصف الذي له أثر في استجلاب ذلك الحكم لا لمجرد الدوران، فإن الحكم قد يدور مع الشرط، كالرجم مع الإحصان في الزنا. إليه أشير في المبسوط (١).
ولنا أنه أي: الحديث المشهور أوجب المماثلة شرطًا لجواز البيع (وهو) أي: المماثلة، على تأويل التماثل، أو بالنظر إلى الخبر، وهو المقصود بسوق الحديث؛ لأن معناه: بيعوا هذه الأشياء مثلًا بمثل؛ إذ الباء للإلصاق، فدل على إضمار فعل، وذا (بيعوا) لقوله ﵇ بعدها في رواية: «إذا أختَلَفَ النَوْعَانِ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ» (٢) فذكره عند الاختلاف يدل على أنه المضمن عند الاتفاق، وقوله ﵇: «لا تَبِيعُوا الطَّعامَ بالطَّعامِ» (٣) الحديث، يدل أيضًا؛ إذ النهي عن الشيء أمر بضده.
وقوله: (مثلا بمثل) حال لما سبق، والأحوال شروط كأن دخلت الدار راكبة، والأمر للإيجاب والبيع مباح، فصرف الأمر إلى الحال التي هي شرط، أي: بيعوا بوصف المماثلة، وقد تعلّق المباح بشرط فتجب رعايته، كالإشهاد في النكاح، وروي: «مثل بمثل» أي: بيعها مثل بمثل، والإخبار بمعنى الأمر، بل أكد منه. (تحقيقا لمعنى البيع) أي: الحديث المشهور أوجب المماثلة تحقيقًا لمعنى البيع (إذ هو) أي: البيع (ينبئ عن التقابل) لأن البيع مبادلة المال بالمال، وما كان من باب المفاعلة يقتضي مقابلة كل جزء من أجزائه بمقابلة كل جزء من أجزاء الآخر في متحد الجنس، ولو فضل أحد العوضين لخلا ذلك الفضل عن
стр. 4781
وَذَلِكَ بِالتَّمَاثُلِ، أَوْ صِيَانَة لِأَمْوَالِ النَّاسِ عَنْ التَّوَى، أَوْ تَمِيمًا لِلفَائِدَةِ بِاتِّصَالِ
العِوض، فلا يتحقق مع التقابل، فلا تتحقق المعاوضة، بل يكون استحقاقًا لذلك القدر، وذا خلاف قضية المعاوضة.
وقوله: (أو صيانةً)؛ عطف على قوله: (تحقيقا) (١) يعني: أوجب المماثلة شرطًا صيانةً للأموال عن التَّوَى؛ لأنه لو لم يشترط المُماثلة لاستحق الفضل بلا منة وعوض، فتتلف الزيادة بالاستحقاق بلا عوض، فإذا شرط التماثل يصون عن التوى والتلف.
(أو تتميما للفائدة) أي: فائدة التبايع بوجود التقابض، أو شرط سبب للتنازع المانع عن المقصود بالتبايع، وهو التقابض، أي: التسليم والتسلم؛ إذ المشروط له الفضل يطالب صاحبه بالتسليم بحكم الشرط، أو الآخر يمتنع عن التسليم بحكم الشرط؛ لوجود الضرر، فيقعان في التنازع وهو فاسد، وما يفضي إلى الفاسد فاسد نعم قد رضي به لكن ربما يندم؛ لأن طبعه لا ينقاد ظاهرا؛ لكونه مجبولا على حب المال، فربما يتنازعان عند التسليم والتسلم. كذا في الكافي.
وفي المبسوط: صاحب الشرع أوجب المماثلة في الجنس الواحد تتميمًا للفائدة في حق العاقدين؛ إذ لو كان أحد العوضين أقل من الآخر تكون الفائدة تامة في حق أحد المتعاقدين دون الآخر (٢)، وفي إيجاب المماثلة إتمام الفائدة لكل واحد منهما.
وقيل: معناه: تتميما للفائدة؛ أي: باتصال التسليم، يعني في الذهب والفضة اشتراط التماثل بالقبض، فإنهما لا يتعينان بالتعيين، فيحتاج إلى القبض لتحقيق التماثل، فكان تتميم الفائدة فيه باتصال التسليم بالتماثل، والأول أصح؛ لأنه تعليل عام في جميع الأموال.
وفي المبسوط: روي أنه ﵇ قال بعد ذكر هذه الأشياء: ﴿وكَذَلِك كل ما يُكال أو يُوزَنُ﴾ فقد عطف سائر الأشياء على الأشياء الستة بصفة الكيل والوزن، فدل أن العلة فيهما الكيل والوزن، ولو لم تثبت هذه الزيادة فقوله ﵇: «الحنطة» الحديث. إلى آخر ما ذكر في المتن (٣).
стр. 4782
التسليمِ بِهِ، ثُمَّ يَلزَمُ عِنْدَ فَوتِهِ حُرمَةُ الرِّبَا، وَالمُمَاثَلَةُ بَينَ الشَّيئَيْنِ بِاعْتِبَارِ الصُّورَةِ وَالمَعنَى، وَالمِعيَارُ يُسَوِّي الذَّاتَ، وَالجِنسِيَّةُ تُسَوِّي المَعْنَى، فَيَظْهَرُ الفَضلُ عَلَى ذَلِكَ فَيَتَحَقَّقُ الرِّبَا، لِأَنَّ الرِّبَا هُوَ الفَضلُ المُستَحَقُّ لِأَحَدِ المُتَعَاقِدَينِ فِي المُعَاوَضَةِ الخَالِي عَنْ عِوَضِ شَرط فِيهِ، وَلَا يُعتَبَرُ الوَصفُ، لِأَنَّهُ لَا يُعَدُّ تَفَاوُتا عُرفا، أَوْ لِأَنَّ في اعْتِبَارِهِ سَدَّ بَابِ البِيَاعَاتِ،
(عند فوته) أي: فوت التماثل الذي هو شرط الجواز (حرمة الربا)
لقوله ﵇: «والفَضلُ رِبَا» (١) وإذا كان حكم النص وجوب المُماثلة وحُرمة الفَضْل بناء عليه، فيعلل بعلّة تؤثر في إيجاب المُماثلة، وهو القدر والجنس، لا الطعم والثّمنية؛ لأن إيجاب المماثلة بين الشيئين باعتبار الصورة والمعنى؛ لأن لكل مُحدث موجود بصورته ومعناه، وإنما تقوم المُماثلة بهما، فالقدر: عبارة عن التساوي في المعيار، فتحصل به المماثلة صورةً، والجنس: عبارة عن التشاكل في المعاني، فتثبت به المماثلة معنى.
فإن قيل: حكم النص وجوب المُماثلة، فأي أثر للكيل والجنس في وجوب المماثلة؟ بل أثرهما في وجودها.
قلنا: المراد المقصود من الوجوب الوجود، ولا يمكن الابتلاء بالإيجاد إلا بالوجوب؛ لأن الوجوب يُفضي إلى الوجود، ولا يمكن إيجاد المماثلة إلا بالقدر والجنس فيكون لهما أثر في وجود المُماثلة، فأضيف إليه؛ لأن حكم النص إيجاب المماثلة، وحرمة الفَضْل عند فوتهما. كذا في جامع قاضي خان (٢).
(ولا يعتبر الوصف) أي: وصف الجودة والرداءة (عرفا) فإن الناس لا يعدون التفاوت فيه معتبرًا لقلته؛ ولهذا تعرف الأموال بالقدر دون الوصف، فيقال له: مائة درهم أو دينار من غير اعتبار التفاوت بين الجيد والرديء.
(أو لأن في اعتباره) أي: في اعتبار التفاوت في الوصف (سد باب البيع) في هذه الأشياء، وهو مفتوح؛ لأن هذه الأشياء لا يجوز متفاضلا ولا بيع
стр. 4783
أَوْ لِقَولِهِ ﵊: «جَيِّدُهَا وَرَدِيتُهَا سَوَاءٌ» وَالطَّعْمُ وَالثَّمَنِيَّةُ مِنْ أَعظَم وُجُوهِ المَنَافِعِ، وَالسَّبِيلُ فِي مِثْلِهَا الإِطْلَاقُ بِأَبلَغ الوُجُوهِ لِشِدَّةِ الاحتِيَاجِ إِلَيْهَا دُونَ التضييق فيه
مجازفة، فلم يبقَ إلا حالة التساوي، ولو اعتبر المساواة في الوصف تفسد بياعات هذه الأشياء بجنسها؛ لأن الحِنْطَة لا تكون مثل حنطة أخرى في الوصف لا محالة. كذا في مبسوط شيخ الإسلام.
وفي المبسوط: [سقوط] (١) قيمة الجودة بالنص والإجماع، فإن بيع قفيز حنطة جيدة بقفيز حنطة رديئة ودرهم لا يجوز بالإجماع (٢).
وما كان مالا متقوما يجوز الاعتياض عنه بالبيع، وإنما لا يجوز الاعتياض عما فسدت قيمته شرعًا كالخمر ونحو ذلك، فلما لم يجز الاعتياض عن الجودة عُرف أن لا قيمة لها عند المقابلة بجنسها (٣).
وقوله: (وَالطَّعْمُ وَالثَّمَنِيَّةُ) جواب عن حرف الخصم، يعني: لما كان الطعم والثمنية (مِنْ أَعْظم وجوه المنافع كما ذكرت (فالسبيل فيها) أي: الأشياء التي تتعلق بها أعظم وجوه المنافع.
(الإطلاق) أي: التوسعة لا التضييق، فإن السنة الإلهية جرت في حق جنس الإنس وسائر الحيوانات أن ما كان الاحتياج إليه أكثر كان أمره في الوجود وإطلاق الشرع أوسع كالماء والهواء وعلف الدواب، وإذا كان كذلك كان تعليله بها يوجب التضييق تعليلًا بفساد الوضع؛ إذ علته تقتضي ما يضاد وضعه في الحكم، كإيجاب الفرقة بإسلام أحد الزوجين، فعُلِم بهذا أن قوله: (فيعلل بعلة تناسب إظهار الخطر) (٤) والعزة) وقع فاسدًا في مخرجه؛ بل كان ذلك ينافي حكم خطره.
وفي المبسوط (٥): وتأثير الحاجة في الإباحة لا في الحرمة، كتناول الميتة، فإنه يحل بكثرة الاحتياج بالضرورة، ولا معنى لما قال: إن الشرع شرط لجواز
стр. 4784
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
البيع في هذه الأموال بشرطين زائدين.
قلنا: الشرع ما حرّم في هذه الأموال إلا ما حرّم في سائر الأموال، وهو الفضل الخالي عن العِوَض، إلا أن الفضل في سائر الأموال يثبت بالشرط، وهاهنا يثبت شرعًا بدون الشرط.
وقوله: (كاشتراط الشهادة) غير قوي؛ لأن هذه الأموال بذلة كسائر الأموال حتى يحلّ تناولها بدون الملك بالإباحة، وبالملك بغير عوض وهو الهبة، بخلاف البضع فإنه مصون عن الابتذال ملحق بالنفوس، فيجوز أن يشترط في الملك عليه زيادة شرط لإظهار خطر المحل.
وأما قوله: اسم مشتق، كأن مأخذ الاشتقاق علة.
قلنا: هذا هكذا إذا كان المعنى صالحًا مؤثرًا، كما في الزنا والسرقة، أما إذا لم يكن صالحًا لهذا لما ذكرنا فلا.
وأما قوله: إن سياق النص يُشعر بكون الحرمة أصلا.
فقلنا: ليس كذلك؛ لما بينا أن النص أوجب المساواة، وحرّم التفاضل لوجود العلة، وعند الشافعي (١) ومالك (٢) وأحمد في رواية لا يحرم في غير المطعوم والمقتات (٣) لعدم (٤) العلة، وجواز البيع أصل في الأموال، والحرمة بناء على فوات المساواة؛ لأن ما يوجب أحد الضدين يقتضي نفي الضد الآخر إذا كان مفوتًا له، فالأمر بالإمساك في رمضان يقتضي حرمة الأكل والشرب، وهاهنا كذلك، فكان الجواز باعتبار الأصل لا باعتبار المخلص، وإن كان هذا مخلصًا فهو مخلص في حال التساوي، وعلة الربا في حالة الفضل، والشيء الواحد يتضمن حكمين في محلين، كالنكاح يثبت الحل في المنكوحة، والحرمة في أمها.
стр. 4785
فَلَا مُعتَبَرَ بِمَا ذَكَرَهُ.
إِذَا ثَبَتَ هَذَا نَقُولُ إِذا بِيعَ المَكِيلُ أَوْ المَوزُونُ بِجِنسِهِ مِثلًا بِمِثل جَازَ البَيعُ فِيهِ لِوُجُوبِ شَرطِ الجَوَازِ، وَهُوَ المُمَاثَلَةُ فِي المِعيَارِ؛ أَلَا تَرَى إِلَى مَا يُرْوَى مَكَانَ قولِهِ: مِثلًا بِمِثل كَيْلًا بِكَيل، وَفِي الذَّهَبِ بِالذَّهَبِ وَزِنَا بِوَزِن (وَإِنْ تَفَاضَلَا لَم يَجُز) لِتَحَقَّقِ الرِّبَا وَلَا يَجُوزُ بَيعُ الجَيْدِ بِالرَّدِيءِ مِمَّا فِيهِ الرِّبَا إِلَّا مِثلا بِمِثل لِإِهْدَارِ التَّفَاوُتِ فِي الوَصفِ (وَلا يَجُوزُ بَيعُ الحَفْنَةِ بِالحَفْنَتَينِ وَالتَّفَّاحَةِ بِالتَّفَّاحَتَينِ) لِأَنَّ
وإنما قلنا: إن الجواز فيها أصل؛ لأنه ﵇ قال: «الحِنْطَةَ بالحِنْطَة مثلا بمثل» فأوجب المماثلة لجواز العقد، ثم جعل الفضل بعد تلك المماثلة ربا بقوله: «والفضل ربا» فكان سياق النص دليلنا أشير إلى الكل في المبسوط (١).
وما احتج من قوله ﵇: «لا تَبِيعُوا الطَّعام إلى آخره» - خبر لا يُعرف، ولا ذكره أحد في كتاب مسند، وإنما المروي: «الطَّعام بالطعام مثلا بمثل كيلا بكيل» (٢) وهذا لا يتناول إلا ما يكال منه. كذا في شرح مختصر الكرخي (٣).
(فلا معتبر بما ذكر) أي: الشافعي (وإذا ثبت هذا) أي: ما ذكرنا أن العلة القدر والجنس عندنا مطعوما كان أو غيره - جاز بيع المكيل بمثله سواء كان مثلا بمثل (٤).
وقوله: (ألا ترى) توضيح المماثلة في المعيار، فإن قوله: (كيلا بكيل) بمنزلة التفسير لقوله: («مثلا بمثل») إذ كلام الشارع يفسر بعضه بعضًا.
وقوله: (وإن تفاضلا) على طريق التغليب؛ لأن المراد منه: وإن فضل أحدهما على الآخر؛ لإهدار التفاوت في الوصف شرعًا وعرفا وضرورة كما بينا.
قوله: (ولا يجوز (٥) بيع الحفنة بالحفنتين) أي: الخلاف لا ينحصر فيهما، بل لا يجوز عنده بيع تمرة بتمرتين، وجوزة بجوزتين، وبيضة ببيضتين، وبطيخة
стр. 4786
المُسَاوَاةَ بِالمِعيَارِ وَلَم يُوجَد فَلَم يَتَحَقَّق الفَضلُ، وَلِهَذَا كَانَ مَضمُونَا بِالقِيمَةِ عِنْدَ الإتلاف.
وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ ﵀: العِلَّةُ هِيَ الطَّعمُ وَلَا مَخلَصَ - وَهُوَ المُسَاوَاةُ - فَيَحْرُمُ، وَمَا دُونَ نِصفِ الصَّاعِ فَهُوَ فِي حُكمِ الحَفْنَةِ، لِأَنَّهُ لَا تَقْدِيرَ فِي الشَّرِعِ بِمَا دُونَهُ، وَلَو تَبَايَعًا مَكِيلا أَوْ مَوزُونًا غَيْرَ مَطعُوم بِجِنسِهِ مُتَفَاضِلًا كَالجِصٌ وَالحَدِيدِ لَا يَجُوزُ عِنْدَنَا لِوُجُودِ القَدْرِ وَالجنس.
ببطيختين، وسفرجلة بسفرجلتين، وما أشبهها.
قوله: (وما دون نصف الصاع) لأن ما دون النصف لا تقدير فيه شرعًا، بخلاف النصف فإن الشرع ورد بالتقدير فيه كما في صدقة الفطر وغيرها. وفي المبسوط: هذا إذا لم يدخل كل واحد من البدلين تحت النصف، أما إذا بلغ أحدهما حد النصف، والآخر لم يبلغ أو أكثر من النصف حتى لو باع حفنة بقفيز لا يجوز.
والفقه فيه: أن سقوط قيمة الجودة في الأموال الربوية باعتبار شرط تحقق المساواة، وقد ذكرنا أن المساواة بالكيل الشرعي في المكيلات، فكانت المساواة حينئذ باعتبار الذات، ويظهر الفضل الخالي عند المقابلة، فيكون الواحد بالاثنين أو أكثر فيحرم، بخلاف الحفنة بالحفنتين، فإن كل واحد من البدلين هاهنا يقابل بالآخر في البيع من غير اعتبار القفيز، وهو المُسَوِّي الشرعي، وبدون اعتباره للجودة قيمة، فلا يظهر الفضل الخالي عن المقابلة، وإذا قوبلت الحفنة بالحفنتين يجعل كأن الحفنة هي الجيدة تقابل بجودتها الحفنتين، كأنهما في الجودة دونها فيتساويان في القيمة، وإن لم يتساويا في الذات، فيجوز (١).
وفي الأسرار: ما دون الحبة من الفضة والشعير من الذهب لا قيمة له (٢).
وفي جمع التفاريق قيل: لا رواية في الحفنة بالقفيز، واللُّب بالجوز، والصحيح ثبوت الربا لا يجوز عندنا (٣)، وبه قال أحمد (٤).
стр. 4787
وَعِندَهُ: يَجُوزُ لِعَدَمِ الطَّعْمِ وَالثَّمَنِيَّةِ.
في الجَصّ في رواية، وفي الجديد باتفاق الروايات (١).
(وعنده) أي: عند الشافعي (٢)، وبه قال مالك في رواية (٣)، أما لو تبايعا وَزْنِيًّا بوَزْنِي، وهو مأكول أو مشروب، كالدهن والزيت، والرُّب (٤) والخل لا يجوز إلا وزنًا بوزن عند الكل، لكن باختلاف التخريج، أما عندنا؛ فلوجود الجنس والوزن، وأما عند الشافعي (٥) وأحمد في رواية (٦) لوجود الطعم، وأما عند مالك لوجود الادخار (٧).
(والمعنى المضموم) وهو القدر (إليه) أي: إلى الجنس، وذلك كبيع الحنطة بالدراهم أو الثياب، والنساء بالمد لا غير.
فإن قيل: عدم العلة لا يدل على عدم الحكم.
قلنا: الأصل في الأشياء جواز البيع مطلقًا والإباحة، إلا أن الشرع اعتبر التحريم بوصف، فإذا وجد ذلك الوصف قلنا بالتحريم، وبقولنا قال أحمد في رواية (٨).
وقال الشافعي (٩) ومالك: لا يحل النِّساء في بيع المطعومات بعضها ببعض سواء كان من جنس واحد أو لا، ويشترط التقابض في المجلس (١٠)، وعندهما حرمة النساء ووجوب التقابض متلازمان فيه؛ لقوله ﵇: «الذَّهَبُ بالذهب يدًا بِيدِ والدَّنَانِيرُ بِالدنانير يدًا بيد والتمر بالتمر يدا بيد والملح بالملح
стр. 4788
قَالَ: (وَإِذَا عُدِمَ الوَصفَانِ الجِنسُ وَالمَعنَى المَضمُومُ إِلَيْهِ، حَلَّ التَّفَاضُلُ وَالنَّسَاءُ) لِعَدَمِ العِلَّةِ المُحَرِّمَةِ وَالأَصلُ فِيهِ الإِبَاحَةُ.
وَإِذَا وُجِدَا: حَرُمَ التَّفَاضُلُ وَالنَّسَاءُ لِوُجُودِ العِلَّةِ.
وَإِذَا وُجِدَ أَحَدُهُمَا وَعُدِمَ الآخَرُ حَلَّ التَّفَاضُلُ وَحَرُمَ النَّسَاءُ، مِثْلَ أَنْ يُسَلِّمَ
يدا بيد».
وقوله ﵇: «إذا اختلف النوعان فبيعوا كيف شئتم يدا بيد» (١) وفي رواية: «بعد أن يكون يدا بيد» (٢)، وذلك عبارة عن القبض. كذا في كتبهم (٣).
(والأصل فيه) أي: في البيع (الإباحة) لقوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة: ٢٧٥]، فلا يعدل عنه إلا بالعلة الموجبة للربا، ولم توجد، وأما قوله ﵇: «يدا بيد» يحتمل أن يكون المراد عينًا بعين، ويحتمل أن يكون المراد قبضًا بقبض؛ لأن اليد تُذكر ويُراد به ما يحصل باليد، والتعيين يحصل بالإشارة باليد، والقبض يحصل باليد، وإذا احتمل هذا وذاك فلا بد من الترجيح، فقال الشافعي (٤) وبعض أصحابنا: المُراد به القبض؛ لبيانه في حديث ابن عمر فإنه قال في الصرف: «من يدك إلى يده، وإن استنظرك من خلف سارية فلا تنظره، وإن وثب على السطح فثب معه»، ولكن الأصح أن المراد به التعيين؛ لأنه لو كان المراد به القبض لقال: يد من يد؛ لأنه يقبض من يد غيره لا بيد غيره، إلا أن التعيين في النقود لا يصح إلا بالقبض؛ لأنها لا تتعين في العقود بالإشارة، فكان اشتراط القبض فيه ليتحقق التعيين المنصوص عليه، وإليه أشار في حديث عمر: «ها وها» أي هذا بهذا. كذا في المبسوط (٥).
قوله: (وَإِذَا وُجِدَ أَحَدُهُمَا) أي: أحد الوصفين (حَلَّ التَّفَاضُلُ وحَرُمَ النَّسَاءُ) حتى لو باع عبدًا بعبد إلى أجل لا يجوز؛ لوجود الجنسية، وهي بانفراده تحرم النساء.
стр. 4789
هَرَوِيَّا فِي هَرَوِيٌّ أَوْ حِنطة فِي شَعِير، فَحُرمَةُ رِبَا الفَضلِ بِالوَصفَينِ وَحُرمَةُ النَّسَاءِ بِأَحَدِهِمَا.
وقال مالك: لا يجوز بيع حيوان بحيوانين من جنسه يُقصد بهما أمر واحد من ذبح أو غيره، والحجة عليه ما روينا (١).
وقال الشافعي: الجنس بانفراده لا يحرم" (٢).
وفي الحلية: وما عدا الذهب والفضة والمأكول والمشروب لا يحرم فيه من جهات الربا، وهي النساء والتفاضل والتفرق (٣)، حتى لو أسلم هرويا في هروي لا يجوز عندنا، ويجوز عنده، وكان مالك يقول: إن اختلفا في الصفة يجوز (٤). فكان يجعل اختلاف الجنس باختلاف الصفة، ولو أسلم هرويا في هروي جاز عندنا (٥).، وعند الشافعي وابن أبي ليلى لا يجوز (٦)؛ لأن الأصل متحد، وهو القطن، فكأنه جعل اختلاف الجنس باختلاف الأصل (٧)، وعندنا الصنعة مختلفة، فصار اختلاف الصنعة كاختلاف الجنس.
وجه قول الشافعي: ما روي عن عبد الله بن عمر أن النبي ﷺ «جَهَزَ جَيْشًا فَعَزَّتِ الإبلُ، فَأَمَرَنِي بأن اشتري بعيرًا بِبَعيرَين إلى أَجَلٍ» وهذا يكون سلما (٨)، وعن ابن عمر أنه باع بعيرًا بأربعة إلى أجل (٩)، [وعن علي أنه باع بعيرًا يقال له عصفور بعشرين بعيرًا إلى أجل] (١٠) والمعنى أن التأجيل في أحد البدلين يظهر التفاوت في أحدهما حكمًا والتفاوت حقيقة، بأن باع الواحد بالاثنين لا يؤثر في منع الجواز، فالتفاوت حكمًا أولى. كذا في المبسوط (١١).
стр. 4790
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: الجِنسُ بِالفِرَادِهِ لَا يُحَرِّمُ النِّسَاءَ، لِأَنَّ بِالنَّقْدِيَّةِ وَعَدَمِهَا لَا يَثْبُتُ إِلَّا شُبهَةُ الفَضلِ، وَحَقِيقَةُ الفَضلِ غَيْرُ مَانِعَ فِيهِ حَتَّى يَجُوزَ بَيعُ الوَاحِدِ بِالاثْنَيْنِ فَالشَّبْهَةُ أَولَى.
وهذا معنى قول المصنف: (لأن بالنقدية) إلى آخره.
ولنا: نهيه ﵇ عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة (١)، ولا يُحمل هذا على النسيئة من الجانبين؛ لأن ذلك مستفادٌ بِنَهيِهِ عن الكالي بالكالئ، ولأنه ﵇ سوى بين الجنسية والقدر في أول الحديث.
ثم قال: «وإذا اختلف النوعانِ فَبِيعوا كيف شِئْتُم بعد أن يكون يدا بيد» (٢)، فهذا نفي ربا النسيئة؛ لبقاء ما هو قرينة الجنسية، فكان ذلك تنصيصا على ثبوت ربا النسيئة عند وجود الجنسية؛ لأنه متى ثبت المساواة بين الشيئين بالنص، ثم خُصَّ أحدهما بحكم كان ذلك تنصيصا على ثبوت ذلك الحكم بالشيء الآخر، كالرجل يقول: سو بين زيد وعمرو في العطية، ثم قال: أعط زيدًا درهما، كان ذلك تنصيصا على أن يُعطى عمرو أيضًا درهما.
وتأويل ما رُوي من الآثار أنه كان قبل نزول آية الربا، أو كان ذلك في دار الحرب، ولا يستقيم اعتبار رِبَا النَّساء بربا الفضل؛ لاتفاقنا أن ربا النساء أعم حتى يثبت في بيع الحنطة بالشعير بالإجماع، وإن كان لا يثبت في بيعها ربا الفضل، ولأن الشيء في جنسه يؤدي إلى إخلاء العقد عن الفائدة، وأن يكون الشيء الواحد عوضًا ومعوضًا، وإلى فضلٍ خالٍ عن العوض مثلا لو أسلم هرويا في هروي يستلزم تسليم رأس المال في الحال، ثم إذا حلَّ الأجل يرد ذلك الثوب بعينه، والمقبوض بحكم السلم في حكم عين ما تناوله العقد، فلم يكن مفيدا شيئًا، ويكون الثوب الواحد عوضًا ومعوضًا.
ولو أسلم هرويا في هرويين لو جوزنا ذلك لكان إذا حلَّ الأجل أخذ ذلك الثوب منه بعينه وثوبًا آخر، والثوب الآخر يكون فضل مال خال عن العوض مستحق بالبيع، وهو الربا بعينه. كذا في المبسوط (٣).
وفي المجتبى: زاد بعد قوله: «فَبِيعُوا كَيفَ شِئتُم بعد أن يَكُونَ يدا بيد»،
стр. 4791
وَلَنَا: أَنَّهُ مَالُ الرِّبَا مِنْ وَجه نَظَرًا إِلَى القَدرِ أَوْ الجِنسِ، وَالنَّقْدِيَّةُ أَوجَبَت فَضْلًا فِي المَالِيَّةِ فَتَتَحَقَّقَ شُبْهَةُ الرِّبَا وَهِيَ مَانِعَةٌ كَالحَقِيقَةِ،
وعن ابن عمر لما قال ﵇: «لا تبيعوا الصَّاعَ بالصاعَيْنِ، والدرهم بالدرهمين قام رجل فقال: يا رسول الله إنا نبيع الفرس بالأفراس، والنجيب بالنجايب، فقال ﵇: لا بَأسَ بِذَلِكَ ولا خَيْرَ فِيهِ نَسيئةً» (١) فيثبت بالحديثين أن أحد الوصفين كان علة لحرمة النساء.
قوله: (نَظَرًا إِلَى الْقَدْرِ) أي: في الحنطة والشعير، (أو الجنس) أي: في الثوب الهروي (وهي) أي: شبهة الربا (مانعة) عن الجواز في بيع النسيئة، كالحفنة، حتى فسد البيع مجازفة؛ لاحتمال الربا، وهذا لأن كل حكم تعلق بوصفين مؤثرين لا يتم نصاب العلة إلا بهما فلكل واحد منهما شبهة العلة، فبوجود القدر أو الجنس تثبت شبهة العلة، فتثبت بشبهة العلة شبهة الربا، وفي النساء؛ لما أن النقدية أوجبت فضلًا في المالية فتحقق شبهة الربا فيه، «ونَهَى ﵇ عن الربا والريبة» وهي شبهة الرِّبَا، ولا يقال: إنه بعض العلة، وبعض العلة لا يُثبت الحكم؛ لأنا نقول: هو علة تامة لحرمة النساء كما ذكرنا، وإن كان جزءًا لعلة ربا الفضل فلا يؤدي إلى توزيع أجزاء الحكم على أجزاء العلة.
فإن قيل: في هذا إشارة إلى شبهة الشبهة؛ لأن النقدية شبهة الفضل فيما إذا كان المال مال الربا من كل وجه، كما في إسلام الحنطة في الحنطة، فإذا كان المال مال الربا من وجه دون وجه يكون ما هو شبهة في الحقيقة شبهة الشبهة هاهنا، والمعتبر هي الشبهة دون النازل عنها.
قلنا: شبهة الشبهة إنما لا تعتبر في باب الحرمات؛ لكون الشبهة ملحقة بالأصل، وكون الشيء ملحقًا بغيره مما ينافي كونه أصلا، فامتنع إلحاق غيره به، وهذا المعنى معدوم هاهنا؛ لأن حرمة شبهة الربا ثابتة بالنص المحرم قصدًا، وهو نهيه ﵇ عن الربا والريبة، والرِّيبة: عبارة عن شبهة الربا لا بطريق
стр. 4792
إِلَّا أَنَّهُ إِذَا أَسْلَمَ النُّقُودَ فِي الزَّعْفَرَانِ وَنَحْوِهِ يَجُوزُ، وَإِنْ جَمَعَهُمَا الوَزْنُ لِأَنَّهُمَا لَا يَتَّفِقَانِ فِي صِفَةِ الوَزْن، فَإِنَّ الزَّعْفَرَانَ يُوزَنُ بِالأَمنَاءِ وَهُوَ مُثَمَّنٌ يَتَعَيَّنُ بِالتَّعْيِينِ، وَالنُّقُودُ تُوزَنُ بِالسَّنَجَاتِ، وَهُوَ ثَمَنْ لَا يَتَعَيَّنُ بِالتَّعبِينِ.
إلحاقها بالحقيقة، فأمكن إلحاق شبهة الشبهة بالشبهة هاهنا؛ لكون الشبهة أصلا في التحريم. كذا في الفوائد الظهيرية.
وقوله: (إلّا أنه [إذا] (١) أسلم) استثناء من قوله: (وإذا وجَدَ أحدهما وعدم الآخر حلَّ التفاضل وحرّم النساء) (٢) فإن ذلك اللفظ بإطلاقه يتناول أن كل ما يوجد فيه أحد وصفي الربا من الجنس والقدر لا يجوز إسلام أحدهما بالآخر، وهاهنا يجوز إسلام النقود في الزّعفران ونحوه، مثل: القطن والحديد مع وجود أحد الوصفين، وهو الوزن، فقال: (إنهما لا يتفقان في صفة الوزن).
وفي الإيضاح: اختلف تعليل مشايخنا في ذلك على وجهين:
أحدهما: أنه إنما جاز ذلك؛ لأن الشرع رخص في السلم، والأصل في رأس المال هو الدراهم والدنانير، فمتى قلنا بامتناع الجواز لوجود أحد الوصفين ينسد باب السلم في الموزونات على ما عليه الأصل والغالب، فآثر شَرعُ الرخصة في التجويز، وهذا ظاهر من الفرق.
والثاني: أن الوزن في الدراهم والدنانير وسائر الموزونات وإن اتحد صورةً فقد اختلف معنى، فإن الوزن في الدراهم والدنانير أَخَذَ معنى (٣) تعيين المستحق، فإن من اشترى دراهم أو دنانير موازنة لم يكن له أن يبيعه موازنة حتى يعيد الوزن، فإذا اختلف معنى الوزن من هذا الوجه نقول: إذا اتفقا في الوزن من كل وجه امتنع النساء؛ لشبهة الربا؛ لوجود أحد وصفي العلة، فإذا وجد الاتفاق من وجه دون وجه انحطت الشبهة إلى شبهة الشبهة، وهي غير معتبرة، وهذا مخالف لما مر في الفوائد الظهيرية.
وفي المبسوط: ردَّ الوجه الأول من التعليل ذكره في تفسير قول إبراهيم النخعي، فقال: وقوله: «لا تسلّم ما يوزن فيما يوزن» غير مجرى غير ظاهره؛
стр. 4793
وَلَو بَاعَ بِالنُّقُودِ مُوَازَنَة وَقَبَضَهَا صَحَّ التَّصَرُّفُ فِيهَا قَبلَ الوَزْنِ، وَفِي الزَّعْفَرَانِ وَأَسْبَاهِهِ لَا يَجُوزُ، فَإِذَا اخْتَلَفَا فِيهِ
بل المراد إذا كانا متفقين بأن كانا مثمنين، كالزعفران مع القطن، فأما إذا كانا مختلفين في المعنى فذلك جائز، كما لو أسلم النقود في الزعفران مع القطن.
ثم قال: والعراقيون من مشايخنا يقولون: الجواز للحاجة؛ لأن رأس المال يكون من النقود عادة، فالحاجة تمس إلى إسلامها في الموزونات والمكيلات جميعًا، ولكن هذا كلام من يُجوّز تخصيص العلل الشرعية، ولسنا نقول به؛ بل نقول: الدراهم مع الزعفران، وإن اتفقا في الوزن صورةً، لكن اختلفا معنى وحكمًا إلى آخر ما ذكر في المتن، فيجوز إسلام أحدهما في الآخر (١).
الصَّنَجات، بالتحريك: جمع صَنْجَة، والصَّنْجَة (سنك ترازو). صنجة الميزان: معرّبة، ولا يقال: سَنْجَة بالسين، عن ابن السكيت (٢). وفي المغرب: الصَّنَجات: جمع صَنْجة، بالتسكين، وعن الفراء: السين أفصح، وأنكر القُتَبِيُّ بالسين أصلا (٣).
(باع بالنقود) أي: باع الزعفران بالنقود، وفي بعض النسخ: (لو باع النقود بالعروض)، وهكذا في الإيضاح وكتب شيخ شيخي في حاشية كتاب المبسوط: باع بالنقود.
(يتعين) أي: الزعفران (بالتعيين) وإن كان قصده الوزن (وهو) أي: النقود (ثمن) على تأويل ما يوزن بالسُّنْجات لا يتعين (بالتعيين) يعني: إذا كان الوزن بقصد التعيين، بأن باع منا من هذا الزعفران، ثم وزن منا منه، ثم وزنه بقصد أن يُعيّنه يتعيّن، وفي النقود لا يتعيّن بالوزن وإن وَزْنَه بقصد التعيين، فعلم أنهما مختلفان في صفة الوزن.
(ولو باع بالنقود موازنة) أي: بشرط الوزن، ووزن المشتري الثمن بغيبة البائع، ثم سلّمه إلى البائع يجوز للبائع التصرف فيه قبل أن يزنه ثانيًا، ولو باع
стр. 4794
صُورَة وَمَعنى وَحُكما لَم يَجمَعهُمَا القَدْرُ مِنْ كُلِّ وَجه، فَتَنزِلُ الشُّبَهَةُ فِيهِ إِلَى شُبْهَةِ الشَّبْهَةِ وَهِيَ غَيْرُ مُعتَبَرَة.
الزعفران بشرط الوزن، فَوَزَنَه البائع في غيبة المشتري وسلَّمه إليه ليس له أن يتصرف فيه قبل أن يزنه ثانيًا، فعلم أنهما مختلفان (١).
وقوله: (صورة ومعنى وحكمًا) على طريق اللف والنشر؛ (فصورة) يرجع إلى أن ذلك يوزن بالأمناء، وذا بالصَّنَجات (ومعنى) إلى قوله: (يتعين بالتعيين) (وحكمًا) إلى قوله: (لا يجوز التصرف فيها قبل الوزن).
(فَتَنْزِلُ الشبهة فيه إلى شبهة الشبهة) يعني: لو اتفق البدلان في الوزن من كل وجه، وهما ليسا من أموال الربا، كان في النسيئة فيهما شبهة الربا، كما لو أسلم الحديد في القطن، ولما لم يتفق هنا، وهو ما إذا أسلم النقود في الزعفران في الوزن من كل وجه، بل اختلف صورةً ومعنى وحكمًا. كان اتفاق الوزن فيها شبهة الشبهة، وهي غير معتبرة، وينبغي أن يُعتبر؛ لما ذكرنا من السؤال والجواب من الفوائد الظهيرية (٢).
فإن قيل: لما كان شرط عدم جواز السلم اتحاد البدلين في الوزن أو في الكيل أو في الجنس - ينبغي أن يجوز إسلام الحنطة أو الشعير في الدراهم أو الدنانير، حيث لم يجمعهما كيل ولا وزن ولا جنس، ومع ذلك لا يجوز سلما. قلنا: إنما كان هكذا؛ لأن الدراهم أو الدنانير لا تصلح مُسْلَمًا [فيه] (٣)؛ لأن المُسلَّم فيه مبيع، وهما مُعَيَّنان للثمنية، وهل يجوز بيعًا؟
قيل: إن كان بلفظ البيع يجوز البيع بثمن مؤجل، وإن كان بلفظ السلم فقد قيل: لا يجوز.
وقال الطحاوي: ينبغي أن ينعقد بيعًا بثمن مؤجل. كذا في الذخيرة (٤).
وفي المجتبى: ثم لا بد من معرفة اتحاد الجنس واختلافه.
стр. 4795
قال: (وَكُلُّ شَيْءٍ نَصَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى تَحْرِيمِ التَّفَاضُلِ فِيهِ كَيْلًا، فَهُوَ مَكِيلٌ أَبَدًا، وَإِنَّ تَرَكَ النَّاسُ الكَيلَ فِيهِ، كالحِنطَةِ وَالشَّعِيرِ وَالتَّمْرِ وَالمِلْحِ، وَكُلُّ مَا نَصَّ عَلَى تَحْرِيمِ التَّفَاضُلِ فِيهِ وَزَنَا: فَهُوَ مَوزُونٌ أَبَدًا، وَإِنْ تَرَكَ النَّاسُ الوَزْنَ فِيهِ، مِثْلُ الذَّهَبِ وَالفِضَّةِ)
وفي الكفاية: اختلاف الجنس يُعرف باختلاف (١) اسم الذات والمقصود (٢)، فالحنطة والشعير جنسان عندنا (٣) والشافعي (٤)، وعند مالك جنس واحد حتى لا يجوز بيع أحدهما بالآخر متفاضلا؛ لأن اسم الطعام يقع عليهما (٥).
وقلنا: إنهما جنسان؛ لكونهما مختلفين اسما ومعنى.
وقوله: (الطَّعَامُ بِالطَّعامِ) يفسره الحديث المشهور بقوله: «الحِنْطَةُ بِالحِنْطَةِ وَالشَّعِيرُ بالشَّعير»، وإيرادهما يدل على أنهما جنسان، أو اختلاف المضاف إليه والمنتسب، فالثوب الهَرَوي والمَرْوي جنسان؛ لاختلاف الصنعة، وقوام الثوب بالصنعة، وكذا المروي المنسوج ببغداد وخراسان جنسان، والكبد الأرمني والطالقاني جنسان، والتمر كله جنس واحد، والحديد والرصاص والشَّبَه (٦) أجناس (٧)، وكذا غزل الصوف والشعر جنسان، ولحم البقر والجاموس، والضأن والمعز كذلك، والألية واللحم وشحم البطن أجناس، ودهن البَنَفْسَج والخيري جنسان، والأدهان المختلفة أصولها أجناس.
وقال الشافعي: الأدهان المُطيَّبة جنس واحد حتى لا يجوز بيع بعضها ببعض متفاضلةً وإن اختلفت روائحها، هذا فيما اتحد أصله (٨)، وفيما اختلف
стр. 4796
لِأَنَّ النَّصَّ أَقوَى مِنْ العُرفِ وَالأَقوَى لَا يُترَكُ بِالأَدنَى (وَمَا لَم يَنُصَّ عَلَيْهِ فَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى عَادَاتِ النَّاسِ) لِأَنَّهَا دَلَالَةٌ.
أصله له قولان، ويجوز بيع قفيز سمسم مربا بقفيزي غير مُربا، وجُعِل فضل هذا بطيب ذاك، ولا يجوز بيع رطل من زيت غير مطبوخ برطل مطبوخ مطيب؛ لأن الطيب زيادة (١).
قوله: (مكيلا): حتى لا يجوز بيعه وزنًا وإن تماثلا أبدا، وبه قال الشافعي (٢)، مالك (٣) وأحمد (٤)، اتفقت الروايات عن أصحابنا أن ما ثبت بالنص لا يجوز بيعه بجنسه وزنًا، وإن تماثلا كيلا يجوز. كذا في الذخيرة (٥).
(لأن النص أقوى) وذلك لأن العُرْف يحتمل أن يكون على الباطل؛ لتعارف أهل زماننا بإخراج السُّرُج والشموع إلى المقابر في ليالي أيام العيد.
وأما النص بعد ثبوته فلا يحتمل أن يكون على الباطل، ولأن العُرْف حُجَّة على الذين تعارفوا، وأما النص فَحُجَّةٌ على الكل، ولأن العُرف حجة بالنص، وهو قوله ﵇: «وَمَا رَآهُ المَسْلِمُونَ حَسَنًا فهو عند الله حسن» (٦).
وفي المجتبى: وثبت بهذا أن ما يعتاده أهل خوارزم من بيع الحنطة الربيعية بالخريفية موزونًا متساويًا، أو متفاضلا، أو نسيئة لا يجوز (٧).
(دلالة) أي: العادة دلالة على جواز الحكم فيما وقعت عليه العادة؛
стр. 4797
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لقوله ﵇: «لَا تَجْتَمِعُ أُمَّتِي عَلَى الضَّلَالَةِ» (١) وهو دخول الحمام وشرب ماء السقاية، ولأن العُرْف بمنزلة الإجماع عند عدم النص، وعند الشافعي ما كان مكيلا على عهد رسول الله ﷺ فالمعتبر فيه الكيل، وما كان موزونا على عهده ﵇ فالمعتبر فيه الوزن، وما كان مستخرجا من أصل فهو مُلحق بأصله؛ لأنه تبع له، وما لم يكن على عهده ﵇، أو لم يُعرف أنه في عهده ﵇ كيف كان، فالمرجع فيه إلى العُرْف؛ لما روي أنه ﵇ قال: «المِكْيَالُ مِكْيَالُ المَدينةِ والمِيَزانُ مِيَزانُ مَكَّةَ» (٢).
وما لم يكن فيه عُرْفٌ بالحجاز - وليس يوجد ذلك إلا بالحجاز - فإن كان أكبر جِرْمًا من التمر [فلا يباع إلا وزنًا؛ لأنه لم يُعهد الكيل بالحجاز فيما هو أكبر من التمر] (٣) ولأنه يتجافى في المكيال ويكثر التفاوت.
وإن كان مثل التمر أو أصغر اختلف الأصحاب على طرق (٤): قال بعضهم: يعتبر التساوي بالكيل؛ لأنه أعمّ المعيارين، فإن أربعة أشياء من الستة التي هي الأصول في الربا مكيلات (٥).
стр. 4798
وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ: أَنَّهُ يُعتَبَرُ العُرفُ عَلَى خِلَافِ المَنصُوصِ عَلَيْهِ أَيضا (*)، لِأَنَّ النَّصَّ عَلَى ذَلِكَ لِمَكَانِ العَادَةِ فَكَانَت هِيَ المَنظُورُ إِلَيْهَا وَقَدْ تَبَدَّلَت، فَعَلَى هَذَا، لَو بَاعَ الحِنطَةَ بِجِنسِهَا مُتَسَاوِيًا وَزنا، أَوْ الذَّهَبَ بِجِنسِهِ مُتَمَائِلًا كَيْلًا، لَا يَجُوزُ عِندَهُمَا، وَإِنْ تَعَارَفُوا ذَلِكَ لِتَوَهُمِ الفَضلِ عَلَى مَا هُوَ المِعْيَارُ فِيهِ، كَمَا إِذَا بَاعَ مُجَازَفَة، إِلَّا أَنَّهُ يَجُوزُ الإِسْلَامُ فِي الحِنْطَةِ وَنَحْوِهَا وَزِنًا لِوُجُودِ الإِسْلَامِ فِي مَعلُوم.
وقال بعضهم: يعتبر التساوي بالوزن؛ لأنه أدق المعيارين (١).
وقال بعضهم: يُردُّ إلى أقرب الأشياء شبها به (٢) بالحجاز، كما يرد الصيد الذي لم يحكم فيه الصحابة بحكم إلى أقرب الأشياء شبها به. كذا في تتمتهم (٣).
وجوابنا عن حديثه أن ذلك في نصاب الزكاة والكفارات؛ لأن الأمة أجمعت على خلاف ذلك في البياعات.
(لأن النص على ذلك) أي: تنصيص النبي ﵇ على الكيل والوزن، (لمكان العادة، فكانت هي) أي: العادة (المنظور إليها، وقد تبدلت) أي: العادة.
وقلنا: تقرير رسول الله ﷺ إياهم على ما تعارفوا في ذلك الشيء بمنزلة النص منه، فلا يتغير بالعُرف؛ لأن العُرْف لا يُعارض النص كما بينا. كذا في المبسوط (٤).
(عندهما) أي عند أبي حنيفة ومحمد (٥) (لتوهم الفضل) لأنه لا يعرف المساواة فيما هو المعيار شرعًا، وهو الكيل، فلم يجز (كما إذا باع مجازفة).
وقوله: (إلا أنه) استثناء على قولهما، فإنه على قولهما يلزم ألا يجوز السلم فيها وزنًا؛ لعدم المُسَوّي (٦)، وهو الكيل، ولكن يجوز باعتبار أن شرط الإسلام
стр. 4799
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
كون الشيء معلومًا؛ لأن الحنطة وزني، وجواز السلم فيها وزنًا على اختيار الطحاوي، وذلك أن المماثلة في المُسَلَّم فيه لا يشترط؛ لجواز السلم، وإنما يعتبر الإعلام على وجه لا يبقى بينهما نزاع في التسليم، وذا يحصل بذكر الوزن كما يحصل بذكر الكيل (١)، وروى الحسن عن أصحابنا أنه لا يجوز؛ لأنها مكيل بالنص، والفتوى على عادة الناس (٢). كذا في الكافي (٣).
وفي المبسوط: لا خير في بيع الحنطة بالحنطة مجازفة؛ لأن المساواة في القدر شرط (٤).
وقال مالك: يجوز بيع الطعام بالطعام بالحَزْر والتخمين في البادية؛ لتعذر الكيل، كما في العرايا (٥).
وقلنا: التعذر غير مسلَّم؛ لأنه لا يتعذر في البادية الجفنة أو القصعة، وليس الشرط الكيل بالصاع، كذا في تتمتهم.
ولو تبايعا مجازفة، ثم كيلَتَا بعد ذلك فكانتا متساويتين لم يجز أيضًا عندنا (٦)، وبه قال الشافعي (٧) وعند زفر يجوز (٨)؛ لأن شرط الجواز - وهو المماثلة - تبين أنه كان عند العقد، وإن لم يكن معلومًا للمتعاقدين.
وقلنا: العلم بالمساواة عند العقد شرط للجواز؛ لأنه إذا لم يعلم ذلك كان الفضل معدومًا موهوما، وما هو موهوم الوجود يجعل كالمتحقق فيما بني أمره على الاحتياط، وكذا لا يجوز بيع الحنطة بالحنطة وزنًا؛ لأن الحنطة مكيلة، فكان الشرط المماثلة في الكيل، وبالمساواة في الوزن لا يُعلم المساواة في
стр. 4800
قَالَ: (وَكُلُّ مَا يُنسَبُ إِلَى الرَّطلِ فَهُوَ وَزْنِيٌّ) مَعْنَاهُ: مَا يُبَاعُ بِالأَوَاقِي، لِأَنَّهَا
الكيل، وهذا بخلاف ما لو أسلم فيها وزنًا حيث يجوز على اختيار الطحاوي؛ إذ الشرط في السلم الإعلام لا المساواة (١)، وفي التتمة: فيه روايتان (٢).
وفي المجتبى: لو باع تمرًا بتمر وزنًا، والكيل متفاوت فيه قولان.
وفي جمع التفاريق: رُوي عنهما جواز السَّلَم وزنًا في المكيلات (٣)، وكذا عن أبي يوسف في الموزونات كيلا أنه يجوز، وكذا أطلقه الطحاوي (٤) وفي العكس، وعن محمد: التمر وزنا لا يجوز (٥).
فإن قيل: ما الفرق بين الوزني نصا وبين الوزني عادة في مُتَّحِدَي الجنس، كما في إنائين مصوغين من الحديد أو الشَّبَه، وإنائين مصوغين من ذهب أو فضة؟
قلنا: الفرق أن البيع مع الفضل وزنًا يجوز في الأول دون الثاني، فإنه ذكر في المبسوط: ولا بأس ببيع إناء مصوغ بإناء مصوغ من جنسه وإن كان أكثر منه في الوزن، إذا كان ذلك الإناء لا يباع وزنًا لأنه عددي متقارب كالثياب، بخلاف أواني الذهب والفضة فإنه يجري فيها ربا الفضل وإن كان لا يباع وزنًا عادة؛ لأن الوزن فيهما منصوصة عليها فلا يتغير ذلك بالصنعة؛ لأن العادة لا تعارض النص، وأما في الحديد ونحوه فصفة الوزن ثابتة بالعُرف، وبتعارف الناس بيع المصنوع منه عددًا (٦).
قوله: (وَكُلُّ مَا يُنْسَبُ إِلَى الرَّطْلِ) إلى آخره، يعني: كل ما تجري فيه الأرطال والأمناء فهو وَزْني، وما يجرى فيه الكيل فهو كيلي. وحكي عن أبي جعفر الهندواني أنه قال: هذا تفسير ما ذُكر في بيوع الأصل كل شيء يقع تحت كيل الرجل فهو وزني، مثل الأوقية في الدهن ونحوه، حتى