← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 30179

معراج الدراية في شرح الهداية

الكاكي

Полный текст (7 597 стр.). Показаны 4796–4835 · переход к 4801.

стр. 4796

لِأَنَّ النَّصَّ أَقوَى مِنْ العُرفِ وَالأَقوَى لَا يُترَكُ بِالأَدنَى (وَمَا لَم يَنُصَّ عَلَيْهِ فَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى عَادَاتِ النَّاسِ) لِأَنَّهَا دَلَالَةٌ. أصله له قولان، ويجوز بيع قفيز سمسم مربا بقفيزي غير مُربا، وجُعِل فضل هذا بطيب ذاك، ولا يجوز بيع رطل من زيت غير مطبوخ برطل مطبوخ مطيب؛ لأن الطيب زيادة (١). قوله: (مكيلا): حتى لا يجوز بيعه وزنًا وإن تماثلا أبدا، وبه قال الشافعي (٢)، مالك (٣) وأحمد (٤)، اتفقت الروايات عن أصحابنا أن ما ثبت بالنص لا يجوز بيعه بجنسه وزنًا، وإن تماثلا كيلا يجوز. كذا في الذخيرة (٥). (لأن النص أقوى) وذلك لأن العُرْف يحتمل أن يكون على الباطل؛ لتعارف أهل زماننا بإخراج السُّرُج والشموع إلى المقابر في ليالي أيام العيد. وأما النص بعد ثبوته فلا يحتمل أن يكون على الباطل، ولأن العُرْف حُجَّة على الذين تعارفوا، وأما النص فَحُجَّةٌ على الكل، ولأن العُرف حجة بالنص، وهو قوله ﵇: «وَمَا رَآهُ المَسْلِمُونَ حَسَنًا فهو عند الله حسن» (٦). وفي المجتبى: وثبت بهذا أن ما يعتاده أهل خوارزم من بيع الحنطة الربيعية بالخريفية موزونًا متساويًا، أو متفاضلا، أو نسيئة لا يجوز (٧). (دلالة) أي: العادة دلالة على جواز الحكم فيما وقعت عليه العادة؛

стр. 4797

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . لقوله ﵇: «لَا تَجْتَمِعُ أُمَّتِي عَلَى الضَّلَالَةِ» (١) وهو دخول الحمام وشرب ماء السقاية، ولأن العُرْف بمنزلة الإجماع عند عدم النص، وعند الشافعي ما كان مكيلا على عهد رسول الله ﷺ فالمعتبر فيه الكيل، وما كان موزونا على عهده ﵇ فالمعتبر فيه الوزن، وما كان مستخرجا من أصل فهو مُلحق بأصله؛ لأنه تبع له، وما لم يكن على عهده ﵇، أو لم يُعرف أنه في عهده ﵇ كيف كان، فالمرجع فيه إلى العُرْف؛ لما روي أنه ﵇ قال: «المِكْيَالُ مِكْيَالُ المَدينةِ والمِيَزانُ مِيَزانُ مَكَّةَ» (٢). وما لم يكن فيه عُرْفٌ بالحجاز - وليس يوجد ذلك إلا بالحجاز - فإن كان أكبر جِرْمًا من التمر [فلا يباع إلا وزنًا؛ لأنه لم يُعهد الكيل بالحجاز فيما هو أكبر من التمر] (٣) ولأنه يتجافى في المكيال ويكثر التفاوت. وإن كان مثل التمر أو أصغر اختلف الأصحاب على طرق (٤): قال بعضهم: يعتبر التساوي بالكيل؛ لأنه أعمّ المعيارين، فإن أربعة أشياء من الستة التي هي الأصول في الربا مكيلات (٥).

стр. 4798

وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ: أَنَّهُ يُعتَبَرُ العُرفُ عَلَى خِلَافِ المَنصُوصِ عَلَيْهِ أَيضا (*)، لِأَنَّ النَّصَّ عَلَى ذَلِكَ لِمَكَانِ العَادَةِ فَكَانَت هِيَ المَنظُورُ إِلَيْهَا وَقَدْ تَبَدَّلَت، فَعَلَى هَذَا، لَو بَاعَ الحِنطَةَ بِجِنسِهَا مُتَسَاوِيًا وَزنا، أَوْ الذَّهَبَ بِجِنسِهِ مُتَمَائِلًا كَيْلًا، لَا يَجُوزُ عِندَهُمَا، وَإِنْ تَعَارَفُوا ذَلِكَ لِتَوَهُمِ الفَضلِ عَلَى مَا هُوَ المِعْيَارُ فِيهِ، كَمَا إِذَا بَاعَ مُجَازَفَة، إِلَّا أَنَّهُ يَجُوزُ الإِسْلَامُ فِي الحِنْطَةِ وَنَحْوِهَا وَزِنًا لِوُجُودِ الإِسْلَامِ فِي مَعلُوم. وقال بعضهم: يعتبر التساوي بالوزن؛ لأنه أدق المعيارين (١). وقال بعضهم: يُردُّ إلى أقرب الأشياء شبها به (٢) بالحجاز، كما يرد الصيد الذي لم يحكم فيه الصحابة بحكم إلى أقرب الأشياء شبها به. كذا في تتمتهم (٣). وجوابنا عن حديثه أن ذلك في نصاب الزكاة والكفارات؛ لأن الأمة أجمعت على خلاف ذلك في البياعات. (لأن النص على ذلك) أي: تنصيص النبي ﵇ على الكيل والوزن، (لمكان العادة، فكانت هي) أي: العادة (المنظور إليها، وقد تبدلت) أي: العادة. وقلنا: تقرير رسول الله ﷺ إياهم على ما تعارفوا في ذلك الشيء بمنزلة النص منه، فلا يتغير بالعُرف؛ لأن العُرْف لا يُعارض النص كما بينا. كذا في المبسوط (٤). (عندهما) أي عند أبي حنيفة ومحمد (٥) (لتوهم الفضل) لأنه لا يعرف المساواة فيما هو المعيار شرعًا، وهو الكيل، فلم يجز (كما إذا باع مجازفة). وقوله: (إلا أنه) استثناء على قولهما، فإنه على قولهما يلزم ألا يجوز السلم فيها وزنًا؛ لعدم المُسَوّي (٦)، وهو الكيل، ولكن يجوز باعتبار أن شرط الإسلام

стр. 4799

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . كون الشيء معلومًا؛ لأن الحنطة وزني، وجواز السلم فيها وزنًا على اختيار الطحاوي، وذلك أن المماثلة في المُسَلَّم فيه لا يشترط؛ لجواز السلم، وإنما يعتبر الإعلام على وجه لا يبقى بينهما نزاع في التسليم، وذا يحصل بذكر الوزن كما يحصل بذكر الكيل (١)، وروى الحسن عن أصحابنا أنه لا يجوز؛ لأنها مكيل بالنص، والفتوى على عادة الناس (٢). كذا في الكافي (٣). وفي المبسوط: لا خير في بيع الحنطة بالحنطة مجازفة؛ لأن المساواة في القدر شرط (٤). وقال مالك: يجوز بيع الطعام بالطعام بالحَزْر والتخمين في البادية؛ لتعذر الكيل، كما في العرايا (٥). وقلنا: التعذر غير مسلَّم؛ لأنه لا يتعذر في البادية الجفنة أو القصعة، وليس الشرط الكيل بالصاع، كذا في تتمتهم. ولو تبايعا مجازفة، ثم كيلَتَا بعد ذلك فكانتا متساويتين لم يجز أيضًا عندنا (٦)، وبه قال الشافعي (٧) وعند زفر يجوز (٨)؛ لأن شرط الجواز - وهو المماثلة - تبين أنه كان عند العقد، وإن لم يكن معلومًا للمتعاقدين. وقلنا: العلم بالمساواة عند العقد شرط للجواز؛ لأنه إذا لم يعلم ذلك كان الفضل معدومًا موهوما، وما هو موهوم الوجود يجعل كالمتحقق فيما بني أمره على الاحتياط، وكذا لا يجوز بيع الحنطة بالحنطة وزنًا؛ لأن الحنطة مكيلة، فكان الشرط المماثلة في الكيل، وبالمساواة في الوزن لا يُعلم المساواة في

стр. 4800

قَالَ: (وَكُلُّ مَا يُنسَبُ إِلَى الرَّطلِ فَهُوَ وَزْنِيٌّ) مَعْنَاهُ: مَا يُبَاعُ بِالأَوَاقِي، لِأَنَّهَا الكيل، وهذا بخلاف ما لو أسلم فيها وزنًا حيث يجوز على اختيار الطحاوي؛ إذ الشرط في السلم الإعلام لا المساواة (١)، وفي التتمة: فيه روايتان (٢). وفي المجتبى: لو باع تمرًا بتمر وزنًا، والكيل متفاوت فيه قولان. وفي جمع التفاريق: رُوي عنهما جواز السَّلَم وزنًا في المكيلات (٣)، وكذا عن أبي يوسف في الموزونات كيلا أنه يجوز، وكذا أطلقه الطحاوي (٤) وفي العكس، وعن محمد: التمر وزنا لا يجوز (٥). فإن قيل: ما الفرق بين الوزني نصا وبين الوزني عادة في مُتَّحِدَي الجنس، كما في إنائين مصوغين من الحديد أو الشَّبَه، وإنائين مصوغين من ذهب أو فضة؟ قلنا: الفرق أن البيع مع الفضل وزنًا يجوز في الأول دون الثاني، فإنه ذكر في المبسوط: ولا بأس ببيع إناء مصوغ بإناء مصوغ من جنسه وإن كان أكثر منه في الوزن، إذا كان ذلك الإناء لا يباع وزنًا لأنه عددي متقارب كالثياب، بخلاف أواني الذهب والفضة فإنه يجري فيها ربا الفضل وإن كان لا يباع وزنًا عادة؛ لأن الوزن فيهما منصوصة عليها فلا يتغير ذلك بالصنعة؛ لأن العادة لا تعارض النص، وأما في الحديد ونحوه فصفة الوزن ثابتة بالعُرف، وبتعارف الناس بيع المصنوع منه عددًا (٦). قوله: (وَكُلُّ مَا يُنْسَبُ إِلَى الرَّطْلِ) إلى آخره، يعني: كل ما تجري فيه الأرطال والأمناء فهو وَزْني، وما يجرى فيه الكيل فهو كيلي. وحكي عن أبي جعفر الهندواني أنه قال: هذا تفسير ما ذُكر في بيوع الأصل كل شيء يقع تحت كيل الرجل فهو وزني، مثل الأوقية في الدهن ونحوه، حتى

стр. 4801

قُدْرَت بِطَرِيقِ الْوَزْنِ حَتَّى يُحتَسَبُ مَا يُبَاعُ بِهَا وَزَنَا، بِخِلَافِ سَائِرِ المَكَابِيلِ، وَإِذَا كَانَ مَوزُونًا، فَلَو بِيعَ بِمِكيال لَا يُعرَفُ وَزْنُهُ بِمِكْيَالَ مِثْلِهِ لَا يَجُوزُ لِتَوَهُمِ الفَضْلِ فِي الوَزْنِ بِمَنزِلَةِ المُجَازَفَةِ. قَالَ: (وَعَقْدُ الصَّرْفِ مَا وَقَعَ عَلَى جِنسِ الأَثْمَانِ يُعتَبَرُ فِيهِ قَبضُ عِوَضَيهِ فِي المَجْلِسِ) لِقَولِهِ ﵊: «الفِضَّةُ بِالفِضَّةِ هَاءَ وَهَاءَ» مَعْنَاهُ يَدًا بِيَد، وَسَنُبَيِّنُ الفِقَهَ فِي الصَّرفِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. يجري فيه الرِّبا بعلة الوزن، ولا يجوز إسلامها في الموزونات؛ فإن الأوقية ونحوها اتَّخِذَتْ في الأدهان للتيسير، فإنّ في وزن كل قَدْر بالأمناء والسَّنَجات منها بعض الحرج؛ لأنه لا يتمسك إلا في وعاء (١)، وفي وزن كل وعاء حرج. كذا ذكره الإمام المحبوبي، والإمام السرخسي في مبسوطه (٢). وقال الإمام الإسبيجابي: وفائدة هذا أنه لو باع ما ينسب إلى الرطل بجنسه متفاضلا في الكيل، متساويا في الوزن يجوز (٣). وقوله: (بخلاف سائر المكاييل) متصل بقوله: (لأنها قدرت بطريق الوزن). والرطل، بالفتح والكسر نصف مَنٌ، وقال أبو عُبيد: وزن الرطل: مائة درهم وثمانية وعشرون درهما وزن سبعة (٤). والأوقية، بالتشديد أربعون درهما، وهي أُفْعُولَةٌ من [الوقاية] (٥)؛ لأنها تقي صاحبها من الضر. وعند الأطباء الأوقية: وزن عشرة مثاقيل، وخمسة أسباع درهم، وهو إِسْتار وثُلُثا إستار، وفي كتاب العين الأوقية: وزن من أوزان الدهن، وهي سبعة مثاقيل. كذا في المغرب (٦).

стр. 4802

قَالَ: (وَمَا سِوَاهُ مِمَّا فِيهِ الرِّبَا يُعتَبَرُ فِيهِ التَّعيِينُ، وَلَا يُعتَبَرُ فِيهِ التَّقَابُضُ)، خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ فِي بَيعِ الطَّعَامِ. لَهُ: قَولُهُ ﵊ فِي الحَدِيثِ المَعْرُوفِ: «يَدًا بِيَد» وَلِأَنَّهُ إِذَا لَم يُقبض فِي المَجْلِسِ وفي الصحاح: الأوقية في الحديث: أربعون درهما (١). [«هاء وهاء» بمعنى: هذا، أي: كل واحد من المتعاقدين يقول لصاحبه: هاء، أي: خذ، فيتقابضان، والقصر خطأ] (٢). كذا في المغرب (٣). قوله: (وما سواه) أي: ما سوى جنس الأثمان (يعتبر فيه التعيين) لا التقابض في المجلس، وقال الشافعي (٤) ومالك: يشترط التقابض في المجلس (٥) (في بيع الطعام) أي: كل مطعوم سواء اختلف الجنس أو اتحد. (يدا بيد) والمراد القبض باليد؛ لأنها آلته، ولأن التأخير كزيادة إلى أحد العوضين، يعني: تعاقب القبض تلزم مزية المقبوض على غيره؛ إذ ينتفع بمقبوض بلا واسطة، فتتحقق شبهة الربا، وشبهته مانعة كالحقيقة كما في الحال والمؤجل، ولأنه المراد في النقدين فكذا في غيرهما. ومعنى قوله: «يدا بيد»، عينا بعين لما ذكرنا أنه يحصل هذا وذاك، والحمل على التعيين أولى برواية ابن الصامت، وبما ذكرنا من المعنى. فإن قيل: إنكم قلتم على اشتراط القبض في البدلين في بيع الصرف بقوله ﵇: يدا بيد ثم تستدلون بهذا اللفظ بعينه على اشتراط التعيين في بيع الطعام، واللفظ الواحد لم يفد حكمين مختلفين إلا بطريق تعميم المشترك في الإثبات، أو بطريق الجمع بين الحقيقة والمجاز. قلنا: لم يختلف حكمه، بل المراد في كلتا الصورتين التعيين، إلا أن تعيين

стр. 4803

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . كل موضع يختلف بحسب حاله، ففي الدراهم والدنانير التعيين لا يكون إلا بالقبض؛ إذ هما لا يتعينان في العقود والفسوخ، فكان القبض هناك من ضرورة وجوب التعيين، لا أن يكون القبض مرادًا، أما الطعام فمما يتعين بالتعيين ثمنًا كان أو مثمنًا، فلم يحتج في تعيينه إلى القبض، هذا الجواب على أصلنا، أما على أصل الشافعي لا يستقيم؛ فإن عنده تتعين الدراهم والدنانير، فلم يكن القبض من ضرورته. فإن قيل: كونه مما يتعيّن بالتعيين لا يسقط اشتراط التقابض، كما في بيع إناء فضة بإناء فضة أو بإناء ذهب، حيث يُشترط فيهما التقابض، مع أنهما مما يتعين بالتعيين، على ما يجيء في الصرف. قلنا: ألحق الإناء أن مما يتعين بالتعيين بسبب الصنعة؛ لكن لم يسقط عنها شُبهة عدم التعيين لكونهما ثمنًا خلقة، فيشترط القبض اعتبارًا للشبهة في الربا، بخلاف الطعام؛ فإنه ما خُلق للثمنية، فلا يكون فيه شبهة عدم التعيين، فلما تعين بالتعيين أغنانا عن التقابض. إليه أشير في المبسوط (١) حيث قال: بخلاف الصرف؛ فإن هناك لا يُشترط القبض الذي هو حكم العقد، وإنما يشترط التعيين؛ لأن التعيين شرط العقد، بدليل نهيه (٢) ﵇ عن بيع الكالي بالكالئ، والنقود لا تتعين بالعقد، فكان اشتراط القبض للتعيين. فإن قيل: المراد من قوله: «يدًا بيد» القبضُ؛ لأنه روي في بعض الروايات: «عينًا بعين» فلو كان المراد به عينًا بعين يصير تكرارًا، وحَمْلُ كل لفظ على فائدة جليلة (٣) أولى. فإن قيل: هذه الرواية تفسير للمجمل؛ كما ذكرنا أن قوله: «يدًا بيد» يحتمل معنيين؛ إذ لو كان المراد منه القبض لم يبق لقوله: «عينا بعين» فائدة؛ لأنه يحصل بالقبض ضرورةً، فعُلم أن قوله: «عينًا بعين» تفسير لقوله: «يدا بيد».

стр. 4804

فَيَتَعَاقَبُ القَبضُ وَلِلنَّقدِ مَزِيَّةٌ فَتَثَبِّتُ شُبهَةُ الرِّبَا. وَلَنَا: أَنَّهُ مَبِيعٌ مُتَعَيَّنٌ فَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِ القَبضُ كَالثَّوبِ، وَهَذَا لِأَنَّ الفَائِدَةَ المَطْلُوبَةَ إِنَّمَا هُوَ التَّمَكُنُ مِنْ التَّصَرُّفِ وَيَتَرَتَّبُ ذَلِكَ عَلَى التَّعيِينِ، بِخِلَافِ الصَّرفِ، لأَنَّ القَبضَ فِيهِ لِيَتَعَيَّنَ بِهِ؛ وَمَعنَى قَوْلِهِ ﵊ «يَدا بِيَد»: عَيْنا بِعَين، وَكَذَا رَوَاهُ عُبَادَةُ ابْنُ الصَّامِتِ ﵁، وَتَعَاقُبُ القَبضِ لَا يُعتَبَرُ تَفَاوُتًا فِي المَالِ عُرفًا، بِخِلَافِ النَّقْدِ وَالمُؤَجَلِ. قَالَ: (وَيَجُوزُ بَيعُ البَيضَةِ بِالبَيضَتَينِ وَالتَّمْرَةِ بِالتَّمَرَتَيْنِ وَالجَوزَةِ بِالجَوزَتَينِ) لانعِدَامِ المِعِيَارِ فَلَا يَتَحَقَّقُ الرِّبَا. وقوله: (وتعاقب القبض) جواب عن قوله: (يتعاقب القبض). (عُرفًا) فإن التجار لا يقصلون بين المقبوض وغيره بعد أن يكون حالا، فلم يتحقق فضل أحدهما فيجوز، بخلاف الحال والمؤجل، واشتراط القبض في الصرف للتعيين كما ذكرنا لا لنفسه، وغير النقود يتعين بالتعيين فلا حاجة إلى القبض [كذا في الكافي] (١). قوله: (لانعدام المعيار) وهو الكيل، يعني: حكم النص وجوب التساوي بين البدلين، فلا يشرع إلا في محلّ قابل له، وهذا المحل لا يقبله فلم يُشترط التساوي فيه، فبقي على الأصل وهو الإباحة. وقال الإمام التمرتاشي: هذا إذا كان البدلان نقدين، أما لو كان كلاهما أو أحدهما نسيئة لا يجوز؛ لأن الجنس بانفراده يحرم النساء. فإن قيل: الجوز والبيض جعلا أمثالًا في ضمان المستهلكات، فينبغي ألا يجوز بيع الواحد بالاثنين؛ لشبهة الربا. قلنا: لا مماثلة بينهما حقيقة؛ للتفاوت صغرًا وكبرا، إلا أن الناس اصطلحوا على إهدار التفاوت في حق ضمان العدوان، فيعمل ذلك في حقهم دون الربا الذي هو حق الشرع. كذا في الذخيرة (٢).

стр. 4805

وَالشَّافِعِيُّ يُخَالِفُنَا فِيهِ لِوُجُودِ الطَّعْمِ عَلَى مَا مَرَّ. قَالَ: (وَيَجُوزُ بَيعُ الفَلسِ بِالفَلسَينِ بِأَعْيَانِهِمَا) عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ: لَا يَجُوزُ (*)، لِأَنَّ الثَّمَنِيَّةَ تَثبُتُ بِاصطلاحِ الكُلِّ فَلَا تَبطُلُ باصطلاحِهِمَا، وَإِذَا بَقِيَت أَثْمَانًا لَا تَتَعَيَّنُ، فَصَارَ كَمَا إِذَا كَانَا بِغَيْرِ أَعْيَانِهِمَا وَكَبَيعِ الدرهم بِالدِّرْهَمَينِ. قوله: (بِأَعْيَانِهِمَا) احترز به عما إذا باع بغير عين أحدهما أو كليهما فإنه لا يجوز بالاتفاق (١)؛ لأن غير المعين إن كان كلا البدلين يلزم الكالئ بالكالئ، وإن كان أحدهما يلزم النساء، والجنس بانفراده يحرم النساء. وقال محمد: لا يجوز (٢)، وبه قال الشافعي في وجه (٣) كما لو باع الدرهم بالدرهمين؛ لأن الفلوس الرابحة ثمن باصطلاح (٤) الكل، حتى لا تتعين بالتعيين في العقود كالنقدين. ألا ترى أنهما لو قوبلت بخلاف جنسها لا تتعين، حتى لو اشترى بفلوس معينة شيئًا فهلكت قبل التسليم لا يبطل العقد، ولو استبدل بها صح، فكذا إذا قوبلت بجنسها؛ لاستواء الجنس وغير الجنس فيما يتعين بالتعيين كالمكيل، وفيما لا يتعين بالتعيين كالذهب والفضة والثمنية باصطلاح [الكل، فكيف يبطل باصطلاحهما، وفيه فسخ الإجماع بالآحاد بخلاف ما إذا كسدت باصطلاح] (٥) الناس فإنه لا يصير ثمنًا باصطلاحهما؛ لأنه خلاف العرف والشرع وخلاف وضعهما؛ لأنها في الأصل من العروض، والدليل على أن الثمنية بالاصطلاح أن الفلوس ثمن الخسيس دون النفيس، وأنها تروج في بعض الأوقات دون البعض بخلاف الذهب والفضة.

стр. 4806

وَلَهُمَا: أَنَّ الثَّمَنِيَّةَ فِي حَقِّهِمَا تَثْبُتُ بِاصْطِلاحِهِمَا، إِذْ لَا وِلَايَةَ لِلغَيْرِ عَلَيْهِمَا فَتَبْطُلُ بِاصْطِلاحِهِمَا وَإِذَا بَطَلَت الثَّمَنِيَّةُ تَتَعَيَّنُ بِالتَّعبِينِ، وَلَا يَعُودُ وَزِنِيًّا لِبَقَاءِ الاصطلاحِ عَلَى العَدِّ، إذ فِي نَقضِهِ فِي حَقِّ العَدِّ فَسَادُ العَقدِ، فَصَارَ كَالجَوزَةِ بِالجَوزَتَينِ، بِخِلَافِ النُّقُودِ، لِأَنَّهَا لِلثَّمَنِيَّةِ خِلقَةٌ، وَبِخِلَافِ مَا إِذَا كَانَا بِغَيْرِ أَعْيَانِهِمَا، لِأَنَّهُ كَالِيُّ بِالكَالِئِ، وَقَدْ نُهِيَ عَنهُ، وَبِخِلَافِ مَا إِذَا كَانَ أَحَدُهُمَا بِغَيْرِ عَيْنِهِ، لِأَنَّ الجنسَ بِالْفِرَادِهِ يُحَرِّمُ النَّسَاءَ. قَالَ: (وَلَا يَجُوزُ بَيعُ الحِنْطَةِ بِالدَّقِيقِ وَلَا بِالسَّوِيقِ) (ولهما) أي: لأبي حنيفة ومحمد (١)، وبه قال الشافعي في الأصح (٢) ومالك (٣) فيبطل باصطلاحهما تصحيحا لتصرفهما. وقوله: (ولا يعود وزنيا) جواب لإشكال ذكره في المبسوط فقال: فإن قيل: تحت هذا الكلام فساد عظيم، فإنه إذا خرج عن أن يكون ثمنًا في حقهما كان هذا بيع قطعة صفر (٤) بقطعتين، وذلك لا يجوز في الوزني مجازفة، فلم يكن في إبطال وصف الثمنية تصحيح هذا العقد (٥). قلنا: الاصطلاح في الفلوس كان على صفة الثمنية والعد، وهما أعرضا في هذه المبايعة عن اعتبار صفة الثمنية، وما أعرضا عن اعتبار صفة العد فيها، وليس من ضرورة خروجها من أن تكون ثمنًا في حقهما، خروجها من أن تكون عدديًّا، كالجوز والبيض، فإنه عددي وليس بثمن. الكالي: مِنْ كَلَا الدَّيْنُ: تأخَّرَ، كَلْنَا، فهو كالي. قوله: (وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ الْحِنْطَةِ بِالدَّقِيقِ وَلَا بِالسَّوِيقِ) لا متساويًا ولا متفاضلا، ولا بالكيل وغيره؛ لعدم إمكان المماثلة بينهما، وفي بيع أحدهما

стр. 4807

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . بالآخر شبهة المجانسة، فيكون فيه شبهة الفضل، وبه قال الشافعي (١) والثوري (٢) وأحمد (٣) في رواية، ونُقل عن الشافعي أنه يجوز بيع الحنطة بالدقيق متساويًا، وليس يثبتُ (٤)، وبه قال مالك (٥) وأحمد (٦) في أظهر الروايتين إلا أن مالكًا يعتبر الكيل، وأحمد يُجوِّز بالوزن، فقالا: الدقيق نفس الحنطة إلا أن أجزاءها قد تفرقت، فأشبه بيع حنطة صغيرة الحبات بحنطة كبيرة الحبات. وكذا الخلاف في بيع الحنطة بالنخالة؛ لأن المجانسة باقية من وجه؛ لأن بالطحن لم يوجد إلا تفريق الأجزاء، والمجتمع بالتفريق لا يصير شيئًا آخر؛ ولهذا حرمة رِبَا الفضل بين الدقيق والحنطة زائلة من وجه؛ لأن اختلاف المجانسة إنما يثبت باختلاف الاسم والصورة واختلاف المعاني كما بين الحنطة والشعير. وهاهنا إن نظرنا إلى الاسم فالاسم قد زال؛ لأنه لا يسمى حنطة؛ ولهذا قالوا: مَنْ وكَّل رجلًا بشراء حنطة له فاشترى له دقيقًا لا يجوز، والصورة متبدلة، والمعاني مختلفة؛ فإن ما ينبغي من الحنطة لا ينبغي من الدقيق من التبذير واتخاذه هريسة وسويقًا، والمجانسة زالت من وجه وبقيت من وجه، وربا الفضل بين الحنطة والحنطة كان ثابتًا قبل الطحن، لكنه زال بالطحن، فمن حيث إن المجانسة ثابتة من وجه لا يزول، ومن حيث إن المجانسة قد زالت يزول، والحرمة كانت ثابتة فلا تزول بالشك. وإذا ثبت الربا بينهما لم يثبت المخلّص بالتساوي كيلا في هذه الحالة؛ لأن

стр. 4808

لِأَنَّ المُجَانَسَةَ بَاقِيَةٌ مِنْ وَجه، لِأَنَّهُمَا مِنْ أَجزَاءِ الحِنطَةِ، وَالمِعْيَارُ فِيهِمَا الكَيلُ، لَكِنَّ الكَيْلَ غَيْرُ مُسَوِّ بَيْنَهُمَا وَبَينَ الحِنْطَةِ لاكتِنَازِهِمَا فِيهِ وَتَخَلخُلِ حَبَّاتِ الحِنْطَةِ، فَلَا الشرع إنما اعتبر [التساوي] (١) بالكيل مخلصًا عن الحرمة حال قيام المجانسة من كل وجه، حيث قال: «الحنطة بالحنطة مثلًا بمثل كيلا بكيل». كذا في مبسوط شيخ الإسلام خواهر زاده (٢). فإن قيل: لو ثبتت الحرمة هنا تثبت حرمة مطلقة لا تنتهي بالمساواة، والنص أوجب حرمة مؤقتة تنتهي بالمساواة (٣). قلنا: الحرمة هنا تشبه الشبهة (٤)، والحرمة المؤقتة هي الحرمة الثابتة بحقيقة الفضل، وشبهة الحرمة غير مؤقتة؛ ألا ترى أن في النساء الحرمة ثابتة مع أنه لا يكون الفضل على المعيار الشرعي؛ بل يثبت بنهيه ﵇ عن الربا أو الريبة. (لاكتنازهما فيه) أي: في الكيل، والاكتناز: (اكنده شدن مغزو خوشه وابخ بدان ماند) يقال: اكتنز الشيء اكتنازا: اجتمع وامتلأ، ويقال: أجزاؤه متخلخلة؛ أي: في خِلالها فُرَجٌ. وفي المبسوط: لا يُعرَف التساوي بين الدقيق والحنطة، فالدقيق لا يصير حنطة قط، ولكن الحنطة تطحن ولا يُدرَى أن بعد الطحن يتساويان في المكيال أم لا، وإذا لم يُعلَم التساوي بينهما بعد الطحن لا يجوز بيع أحدهما بالآخر، وكذا بيع الحنطة بالنخالة فالنخالة أجزاء الحنطة كالدقيق، إلا أنه جزء خشن، والدقيق جزء لين (٥). وقال الشافعي: بيع الحنطة بالنخالة [جائز؛ لأن النخالة ليست من مال الربا، وكذا بيع الدقيق بالنخالة] (٦) يجوز عنده، وكذا بيع الحنطة بالسويق؛ لما

стр. 4809

يَجُوزُ وَإِنْ كَانَ كَيْلًا بِكَيل (وَيَجُوزُ بَيعُ الدَّقِيقِ بِالدَّقِيقِ مُتَسَاوِيًا كَيْلًا) لِتَحَقُّقِ الشَّرطِ ذكرنا في الحنطة، والسويقُ أجزاء حنطة مقلية، والدقيق أجزاء حنطة غير مقلية (١). فإن قيل: ينبغي أن يجوز بيع الحنطة بالسويق لعدم الاكتناز في السويق. قلنا: الحرمة باعتبار الشبهة، وهي كافية لثبوت الحرمة، فإن السويق في ضمن الحنطة، فتتحقق شبهة الجنسية، كما لا يجوز بيع المقلية بغير المقلية. (ويجوز بيع الدقيق بالدقيق متساويًا): حال، وكذا (كيلا) حال، والعامل في (متساويًا): بيع، وفي (كيلا): لفظ (متساويًا). وفي الذخيرة: يجوز استقراض الدقيق كيلًا (٢). وقال الشافعي: لا يجوز بيع الدقيق بالدقيق (٣)، وفي تتمتهم: نص الشافعي في القديم والجديد أنه لا يجوز، وحكى البويطي والمزني عن الشافعي جوازه (٤)، وهو مذهب أحمد (٥) ومذهبنا (٦).، وفي حلية المؤمن: وهو القياس والاختيار. وجه قول الشافعي أن الدقيق لا يعتدل في الدخول تحت الكيل؛ فإنه ينكبس بالكبس، وعنده الكيل لا يكون معيارًا شرعيًا إلا فيما يعتدل في الدخول تحت الكيل؛ ولهذا قال: لا يجوز بيع الباقلاء بالباقلاء، والرطب (٧) بالرطب، والمطعوم إذا قوبل بجنسه، فشرط جواز البيع عنده التساوي في المعيار الشرعي، وذلك لا يوجد فيما لا يعتدل في الكيل. (التحقق الشرط) وهو التساوي في الكيل فيما هو مكيل، والكيل معيار

стр. 4810

(وَبَيعُ الدَّقِيقِ بِالسَّوِيقِ لَا يَجُوزُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ مُتَفَاضِلًا، وَلَا مُتَسَاوِيًا) لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيعُ الدَّقِيقِ بِالمَقلِيَّةِ وَلَا بَيعُ السَّوِيقِ بِالحِنطَةِ، فَكَذَا بَيعُ أَجْزَائِهِمَا لِقِيَامِ المُجَانَسَةِ مِنْ وَجه. شرعي في المكيل، ويُعرف كونُه مكيلًا بعرف الناس، فإنهم يكيلونه كالحنطة؛ ولهذا جاز السَّلَم فيه كيلا، وكذا يجوز استقراضه كيلا، وما يُتوهم من التفاوت عند التكلف في كيل الدقيق يتوهم في الحنطة أيضًا، ثم سقط اعتبارًا، ووجب بناء الحكم على الوسط من ذلك، فكذلك الدقيق. كذلك في المبسوط (١). وفي الذخيرة وعن الإمام الفضلي أنه يجوز إذا تساويا كيلا إذا كانا مبسوطين (٢)، وفي الدقيق بالدقيق وزنًا روايتان. (فكذا بيع أجزائهما) أي: أجزاء المقلية وهي السويق، وأجزاء الحنطة وهي الدقيق (٣)، وبقول أبي حنيفة قال الشافعي (٤). وفي المبسوط: لأبي حنيفة طريقان: أحدهما: أن السويق أجزاء حنطة مقلية، والدقيق أجزاء حنطة غير مقلية، وبيع الحنطة المقلية بغير المقلية لا يجوز بحال، فكذا بيع الدقيق بالسويق، تحقيق هذا أنه لما جُعِلا جنبًا واحدًا قبل الطحن فعُرِف أنهما جنس واحد بعد الطحن؛ لأن عمل الطحن فيهما بصفة واحدة فلا يوجب اختلاف الجنس، وإذا كان كذلك يجب التساوي كيلا، ولا تظهر تيك المماثلة، فلا يجوز العقد (٥). والثاني: أن بيع الحنطة بالسويق لا يجوز بالاتفاق، وربا الفضل لا يثبت إلا باعتبار المجانسة، ولا مجانسة بين الحنطة والسويق صورةً، فعرف أن المجانسة باعتبار ما في الضمن، والذي في ضمن الحنطة دقيق، فتثبت المجانسة بين السويق والدقيق بعد الطحن، كما تثبت [بين] (٦) الحنطة والسويق باعتبار ما في الضمن قبل الطحن، وليس فيه أكثر من أنه فات في السويق بعض مقاصد

стр. 4811

وَعِندَهُمَا: يَجُوزُ لِأَنَّهُمَا جِنسَانِ مُختَلِفَانِ لِاخْتِلَافِ المَقصُودِ (*). الحنطة، وبه لا يختلف الجنس، كالحنطة المقلية بغير المقلية، والعلكة مع الرخوة، فإن المقلية لا تصلح للزراعة واتخاذ الهريسة والكشك عنها، وغير المقلية تصلح لذلك كله، ولا يوجب [ذلك] (١) اختلاف الجنس، فكذلك السويق مع الدقيق. قوله: (لاختلاف المقصود) لأنه يقصد بالدقيق اتخاذ الخبز والعصائد والأطرية منه، ولا يحصل شيء من ذلك بالسويق، وإنما يُلَتُ بالسمن أو العسل فيؤكل كذلك، أو يُشرب بالماء، فكان التفاوت بينهما أظهر من التفاوت بين الهَرَويّ والمَرْويّ، وكذا كل واحد لا يصير بمثل حال صاحبه بحال، والسويق لا يصير دقيقًا، والدقيق لا يصير سويقًا بحال، واختلاف الجنس يُعرَف بهذا، ثم اتحاد الأصل لا يمنع اختلاف الجنس باعتبار هذه المعاني كالأدهان، فيجوز العقد كيفما كان متساويًا ومتفاضلا ومجازفة. وعن أبي يوسف أنه يجوز البيع متساويًا لا متفاضلا؛ لأن الدقيق يصير سويقًا بأن يُرش عليه الماء ثم يُقلى فيصير سويقًا، وهذه عادة أهل بغداد فإنهم يتخذون السويق بهذه الصفة فتعتبر المساواة بينهما؛ لجواز العقد باعتبار المال (٢). كذا في المبسوط (٣). ولا يبالى بفوات البعض كالمقلية (٤) مع غير المقلية، كما نقلنا من المبسوط. وفيه طعن أهل الأدب على محمد في هذا اللفظ، وقالوا: يقال: حنطة مَقْلُوة، أما المقلية: المُبْغَضة، يقال: فلان يَقْلِيه: إذا أبغضه (٥)، ولكنا نقول: محمد كان فصيحا في اللغة، إلا أنه رأى استعمال هذا اللفظ، فاستعمل التي

стр. 4812

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . هي معروفة عندهم؛ لأن مقصوده بيان الأحكام لهم؛ ولهذا قيل: الخطأ المستعمل أولى من الصواب الغير المستعمل، مع أنه جاء في المغرب: المَقْلِيَّة: المشوية، من قَلَى البُرَّ: إذا شواه، يَقْلِي أو يقلو، يقال: مَقْلِيَّة ومَقْلُوَّة، وهما لغتان (١). والسُّوسة: الدودة تقع في الصوف، ومنه قولهم: حنطة مُسَوِّسة، بكسر الواو المشددة، وحنطة علكة: تَتَلَزَّج كالعِلْك من جودتها وصلابتها (٢). وفي الكافي: بيع الحنطة المقلية بغير المقلية لا يصح في الأصح؛ لعدم المُسَوِّي بينهما؛ لاكتناز أحدهما وتخلخل الآخر، وبيع العلكة بالمُسَوِّسة يجوز؛ لوجود المُسَوِّي بينهما. وفي الذخيرة: بيع المقلية بالمقلية يجوز متساويًا؛ للمجانسة بينهما من كل وجه، ولكن ذكر في المبسوط أنه لا يجوز، والله أعلم بصحته (٣). قوله: (بِلَحْمِ مِنْ جِنْسِهِ) (٤) قيد بكون اللحم من جنسه؛ لأنهما لو كانا مختلفين بأن باع لحم البقر بالشاة يجوز بالإجماع (٥) من غير اعتبار القلة والكثرة، والخلاف فيما إذا باع لحم الشاة بالشاة الحية، أما لو كانت الشاة مذبوحة مسلوخة؛ جاز إذا تساويا بالإجماع (٦)، وقال الشافعي (٧) ومالك (٨) وأحمد (٩): لا يجوز بيع اللحم بالحيوان أصلا لا بطريق الاعتبار ولا بغيره، خلافًا للمزني حيث قال: يجوز (١٠) كقول أبي حنيفة وأبي يوسف. وقال في حلية المؤمن: وهو الاختيار (١١). ولو باعه بحيوان لا من جنسه كبيع لحم الشاة بالبقر، للشافعي فيه قولان:

стр. 4813

قُلنَا: مُعظَمُ المَقصُودِ - وَهُوَ التَّغَذّي - يَشْمَلُهُمَا فَلَا يُبَالَى بِفَوَاتِ البَعْضِ كَالمَقلِيَّةِ مَعَ غَيرِ المَقلِيَّةِ وَالعِلكَةِ بِالمُسَوِّسَةِ. قَالَ: (وَيَجُوزُ بَيعُ اللَّحْمِ بِالحَيَوَانِ) عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ. أحدهما: أنه يصح (١)، وبه قال مالك (٢) وأحمد (٣) والمزني (٤). والثاني: أنه لا يصح (٥)، وهو الأصح؛ لعموم نهيه ﵇ عن بيع اللحم بالحيوان، رواه ابن المسيب، وعن ابن عباس أن جزورًا نُحر على [عهد] (٦) رسول الله ﷺ ، فجاء أعرابي بعناقه فقال: أعطوني بهذا العناق، فقال أبو بكر: لا يصلح هذا. كذا في كتبهم والمبسوط. وقلنا: هما جنسان مختلفان فيجوز بيع أحدهما بالآخر كيفما كان يدا بيد، كما يجوز بيع الشاة بالبقر، والأصل فيه قوله ﵇: «إذا اخْتَلَفَ النَّوعَان فبيعُوا كَيفَ شِئْتُم» الحديث (٧). والمراد بالنهي عن بيع اللحم بالحيوان إذا كان أحدهما نسيئة، وقد ذكر ذلك في بعض الروايات، وبه نقول، فإن السلم في كل واحد منهما لا يجوز عند أبي حنيفة (٨)، وتأويل حديث أبي بكر أن ذلك البعير من إبل الصدقة، فَكَرِهَ أبو بكر لحمه؛ لأنه إنما نُحِر ليتصدَّق به على الفقراء، فلهذا قال: لا يصلح. كذا في المبسوط (٩). وفي المجتبى: وأما النهي عن بيع اللحم بالحيوان فهو مرسل، والمرسل ليس بحجة عنده، وفيه تأمل؛ لأن الشافعي يقبل مراسيل ابن المسيب (١٠).

стр. 4814

وَقَالَ مُحَمَّدٌ: إِذَا بَاعَهُ بِلَحم مِنْ جِنسِهِ لَا يَجُوزُ (*)، إِلَّا إِذَا كَانَ اللَّحْمُ المُفرَزُ أَكثَرَ لِيَكُونَ اللَّحْمُ بِمُقَابَلَةِ مَا فِيهِ مِنْ اللَّحم وَالبَاقِي بِمُقَابَلَةِ السَّقط، إذ لَو لَم يَكُنْ كَذَلِكَ يَتَحَقَّقُ الرِّبَا مِنْ حَيثُ زِيَادَةُ السَّقِطِ أَوْ مِنْ حَيثُ زِيَادَةُ اللَّحْمِ، فَصَارَ كَالخَلِّ بالسمسم. وَلَهُمَا: أَنَّهُ بَاعَ المَوزُونَ بِمَا لَيسَ بِمَوزُون، لِأَنَّ الحَيَوَانَ لَا يُوزَنُ عَادَة وَلَا يُمكِنُ مَعرِفَةُ ثِقَلِهِ بِالوَزْنِ، لِأَنَّهُ يُخَفِّفُ نَفْسَهُ مَرَّة بِصَلَابَتِهِ وَيَثْقُلُ أُخْرَى، بِخِلَافِ تِلكَ (كالخل) أي: بيع دهن السمسم (بالسمسم) فإنه لا يصح بطريق الاعتبار، بل أولى؛ لأن اللحم في الشاة أبين من الدهن في السمسم؛ لأنه قائم بعينه ولكنه مختلط بغيره من الجلد والشحم والدهن ليس بقائم بنفسه، فلما ثبت الربا بين الدهن والسمسم لأن يثبت هنا أولى. (بما ليس بموزون) فيصح، كما لو باع الثوب بالقطن، وهذا لأن الحيوان لا يوزن، بل هو عددي متقارب؛ إذ الموزون ما يعرف قدره بالوزن، وذا لا يمكن في الحيوان لأنه يُخفف نفسه مرة بصلابته، ويثقل أخرى لاسترخاء مفاصله فالميت لاسترخاء مفاصله أثقل من الحي، والنساء لاسترخائهن أثقل من الرجال لصلابتهم بخلاف تلك المسألة؛ لأن الوزن في الحال يُعلم بقدر الدهن إذا مُيّز بينه وبين النجير، ويوزن الثجير. والحاصل أن محمدًا جعله (١) جنبًا واحدًا، والقياس معه باعتبار ما في الزمان الثاني كالعصير مع العنب، واللبن مع السمن وأمثالهما، وهما جعلاهما جنسين مختلفين فيجوز، وكونهما جنسين بالنص، فإنه تعالى قال: ﴿فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَهُ خَلْقًا آخَرَ﴾ [المؤمنون: ١٤] أي بعد نفخ الروح، فقد سماه خلقًا آخر بعد نفخ الروح، فعلمنا أن الحيّ جنس آخر غير الجماد. إليه أشير في الذخيرة (٢). فإن قيل: فعلى كلا التقديرين - أعني بيع الموزون بالموزون، وبيع جنس

стр. 4815

المَسأَلَةِ، لِأَنَّ الوَزْنَ فِي الحَالِ يُعَرِّفُ قَدرَ الدُّهْنِ إِذَا مِيزَ بَينَهُ وَبَينَ الثَّجِيرِ، وَيُوزَنُ الثَّجِيرُ. قَالَ: (وَيَجُوزُ بَيعُ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ مِثلًا بِمِثْل عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ) وَقَالَا: لَا يَجُوزُ (*) «لِقَولِهِ ﵊ حِينَ سُئِلَ عَنهُ أَوْ يَنقُصُ إِذَا جَفَّ؟ فَقِيلَ نَعَمْ، فَقَالَ بخلاف جنسه - ينبغي ألا يجوز بيع أحدهما بالآخر نسيئة، وقد ذكر في المبسوط أنه لا يجوز (١). قلنا: لا يجوز؛ لأن النسيئة إن كانت في الشاة الحية فهو سلم، والسلم في الحيوان لا يجوز، وإن كانت في اللحم فهو سَلَم في اللحم، وكلاهما لا يجوز. كذا في المبسوط (٢). سَقَط المتاعِ: رُذَالُهُ، وأراد به هاهنا ما لا يطلق عليه اسم اللحم من الشاة، كالجلد والكَرِش والأمعاء والطحال، والخل: دهن السمسم غير مُطيَّب، والثَّجِير: ثُفْل كل شيء يُعصَر. قوله: (وقالا)؛ أي أبو يوسف ومحمد: لا يجوز (٣)، وبه قال الشافعي (٤) وأحمد (٥) ومالك (٦) وغيرهم، وتفرد أبو حنيفة بالقول بالجواز (٧)، لهم حديث سعد بن أبي وقاص أنه ﵇ سُئِل عن بيع الرُّطب بالتمر فقال: «أينقص إذا جف؟» فقيل: نعم، فقال: «لا إذن» فأفسد ﵇ البيع، وأشار إلى العلة، وهو النقصان عند الجفاف، وتبين بهذا أن شرط جواز العقد المماثلة في أعدل الأحوال، وهو ما بعد الجفاف، وذلك لا يُعرف بالمساواة كيلا في الحال؛ لأن قفيز الرطب ربما يصير نصف قفيز التمر عند الجفاف.

стр. 4816

﵊: لَا إِذَا» وَلَهُ: أَنَّ الرُّطَبَ تَمْرٌ لِقَولِهِ ﵊ حِينَ أُهْدَى إِلَيْهِ رُطَبٌ أَوَكُلُّ تَمْرِ خَيْبَرَ هَكَذَا سَمَّاهُ تَمْرًا. وَبَيعُ التَّمْرِ بِمِثْلِهِ جَائِزٌ لِمَا رَوَينَا، وَلِأَنَّهُ لَو كَانَ تَمرًا (وله) أي: لأبي حنيفة (أن الرُّطب تمر) (١) لغةً وشرعًا، فإن التمر اسم للثمرة الخارجة من النخل من حين تنعقد صورتها إلى أن تُدرك، فكان الرطب تمرا، قال الشاعر (٢): وما العيش إلا نَوْمَةٌ وتَشَرُّقُ (٣) … وتمر على رأس النخيل وماء والمراد: الرطب، وقال ﵇ حين أهدي إليه رطب: «أَوَكُلُّ تمر خيبر هكذا؟» وقد نهى عن بيع التمر هكذا قبل أن يُزْهِيَ، فقيل: وما الإزهاء يا رسول الله؟ فقال: أن يحمر أو يصفر فسماه تمرًا وهو بسرٌ، ولأن التمر اسم لثمرة خارجة من النخيل كما ذكرنا، وما يتردد عليها من الأوصاف باعتبار الأحوال مع اتحاد الذات لا يوجب تبديل العين، كالآدمي يكون صبيا ثم شابًا ثم كهلا ثم شيخًا، فإذا ثبت أن الكل تمر يُراعى وجود المماثلة حالة العقد، وقد وُجِدَت، فيجوز. كذا في المبسوط (٤). (كما روينا) وهو قوله: «التمر بالتمر» الحديث (٥)، وما كان اعتبار المساواة في أعدل الأحوال إلا نظير الأجود. (ولأنه) أي: الرطب (إن كان تمرا) إلى آخره. وفي المبسوط: دخل أبو حنيفة بغداد فسئل عن هذه المسألة، وكانوا شِدادًا عليهم؛ لمخالفته الخبر، فقال: الرطب لا يخلو إما أن يكون تمرًا أو لا، إلى آخره، فأُورد عليه حديث سعد، فقال: مداره على زيد بن أبي عياش، وهو ممن

стр. 4817

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . لا يُقبل حديثه (١)، واستحسن أهل الحديث منه هذا الطعن (٢) حتى قال ابن المبارك: كيف يقال: أبو حنيفة لا يعرف الحديث، وهو يقول: زيد بن أبي عياش ممن لا يقبل حديثه؟ مع أنه مخالف للحديث المشهور فيُرَدُّ. وهذا الكلام حسن لدفع شغب الخصم (٣)؛ ولكن الحجة لا تتم بهذا، الجواب (٤) أن يكون هنا قسم ثالث، كما في المقلية بغير المقلية، والدقيق بالحنطة، ولكن الحجة له ما ذكرنا من أن التمر يُطلق على الرطب لغةً وشرعًا، ولا يعتبر ما تردد عليه من الأوصاف بخلاف بيع الحنطة بالدقيق، ثم طحنت الحنطة فظهر التفاوت؛ فإنَّ بالطحن تتفرق الأجزاء، ولا يفوت جزء شاغل للكيل، فيتبين بالتفاوت بينهما بعد الطحن أنهما لم يكونا متساويين عند العقد، وكذلك المقلية بغير المقلية؛ فإنه بالقلي لا يفوت جزء شاغل للكيل، وإنما تنعدم اللطافة التي بها كانت الحنطة مثلية. ولما ظهر التفاوت بعد القلي بأن قُليت الحنطة التي هي غير مقلية بعد ذلك حين استويا في الصفة يظهر التفاوت في الكيل عرفنا أن هذا التفاوت كان موجودًا عند العقد. ثم صاحب الشرع أسقط اعتبار التفاوت في الجودة بالحديث، واعتبر التفاوت بين النقد والنسيئة حيث شرط اليد باليد، وصفة الجودة لا تكون حادثة بالصنع، والتفاوت بالنقد والنسيئة حادث بصنع العباد، وهو اشتراط الأجل، فصار هذا أصلا أن كل تفاوت يُبنى على صنع العباد فذلك مفسد للعقد، وفي المقلية بغير المقلية، والحنطة بالدقيق بهذه الصفة، وكلُّ تفاوت يُبتنى على ما هو ثابت بأصل الخلقة بلا صنع العباد فهو ساقط العبرة، والتفاوت بين الرطب والتمر بهذه الصفة، فلا يُعتبر كالتفاوت بين الجيد والرديء.

стр. 4818

جَازَ البَيعُ بِأَوَّلِ الحَدِيثِ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ تَمر فَبِآخِرِهِ، وَهُوَ قَولُهُ ﵊: «إِذَا اختَلَفَ النَّوعَانِ فَبِيعُوا كَيفَ شِئْتُم» وَمَدَارُ مَا رَوَيَاهُ عَلَى زَيدِ بنِ عَيَّاشٍ وَهُوَ ضَعِيفٌ عِنْدَ النَّقَلَةِ. قَالَ: (وَكَذَا العِنَبُ بِالرَّبِيبِ) يَعْنِي: عَلَى الخِلَافِ، وَالوَجهُ مَا بَيَّنَّاهُ. وَقِيلَ: لَا يَجُوزُ بِالاتِّفَاقِ اعْتِبَارًا بِالحِنطَةِ المَقلِيَّةِ بِغَيْرِ المَقلِيَّةِ، وَالرُّطَبُ بِالرُّطَبِ يَجُوزُ مُتَمَائِلًا كَيلًا عِنْدَنَا، وأما تأويل حديث سعد - إن صح - أنه ﵇ سُئِل عن بيع الرطب بالتمر نسيئةً، وقد نُقل ذلك في بعض الروايات، وفائدة قوله: «أَيَنْقُصُ إِذا جَفَ؟» أن الرطب ينقص إلى أن يُحلّ الأجل، فلا يكون هذا التصرف مفيدًا، أو كان السائل وصيا ليتيم، فلم يرَ ﵇ في ذلك التصرف منفعة لليتيم باعتبار النقصان عند الجفاف، فمنعه على طريق الإشفاق لا على وجه بيان فساد العقد. كذا في المبسوط (١). وقيل: لا يجوز بالاتفاق، والفرق لأبي حنيفة بين بيع التمر بالرطب، وبين بيع الزبيب بالعنب على هذه الرواية، أنّ النص والاستعمال ورد بإطلاق اسم التمر على الرطب كما ذكرنا، ولم يرد مثل هذا في الزبيب، فافترقا، وذكر أبو جعفر جواز بيع العنب بالزبيب بالإجماع (٢). وقال أبو الحسن: لا يجوز عندهما إلا بالاعتبار (٣) كذا في شرح المجمع (٤). (وَالرُّطَبُ بِالرِّطَبِ) يجوز متماثلا كيلا عندنا وبه قال مالك (٥) وأحمد (٦) والمزني (٧).

стр. 4819

لِأَنَّهُ بَيعُ التَّمْرِ بِالتَّمْرِ، وَكَذَا بَيعُ الحِنْطَةِ الرَّطْبَةِ أَوْ المَبلُولَةِ بِمِثْلِهَا أَوْ بِالْيَابِسَةِ، أَوْ التمرُ أو الرَّبِيبُ المُنقَعُ بِالمُنقَعِ مِنْهُمَا مُتَمَائِلًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ. وفي حلية المؤمن: وهو الاختيار (١)، وقال الشافعي: لا يجوز (٢). وكذا الخلاف في بيع العنب بالعنب، وكذا في كل ثمرة عنده لها حالة جفاف، كالتين والمشمش والخَوْخ والكُمَّثْرَى والرمان الحامض والإجاص، لا يجوز بيع رَطْبِه بِرَطْبِه، كما لا يجوز بيع رطبه بيابسه؛ لأنه لا يُعرف قدر النقصان منهما، وقد يكون الناقص من أحدهما أكثر من الآخر. كذا في شرح الوجيز (٣). وكذا لا يجوز عنده الباقلي بالباقلي (٤)؛ لأن بين الباقلتين فضاء متسع، معناه أنه لا يعدل في الدخول في الكيل حتى لا ينضم بعضه بل يتجافي، ويتفاوت بمقدار التجافي، فلا يكون الكيل منه معيارًا شرعيا، والمخلص عن الربا إنما يكون في المعيار، وقاسه ببيع الحنطة المقلية بغير المقلية. (المُنْقَعُ) بالفتح مخففًا لا غير، من: أَنْقَعَ الزبيب في الخابية يُنقعه: إذا ألقياه فيها ليبتل وتخرج منه الحلاوة، واسم الشراب: نَقِيعٌ. كذا في المغرب (٥). وأما المُنْقَّع، بالتشديد، من التنقيع: لم يُورَد في الكتب المتداولة من اللغة، وقال محمد: لا يجوز (٦)، وبه قال الشافعي (٧). قال الإمام الحلواني ﵁: إن الرواية محفوظة عن محمد أن الحنطة اليابسة بالمبلولة إنما لا تجوز إذا ابتلت الحنطة وانتفخت، أما إذا لم تنتفخ بعد ذلك لكن بُلَّتْ من ساعته يجوز إذا تساويا كيلا. كذا في المحيط (٨) والذخيرة (٩).

стр. 4820

وَقَالَ مُحَمَّدٌ ﵀: لَا يَجُوزُ جَمِيعُ ذَلِكَ (*)، لِأَنَّهُ يُعتَبَرُ المُسَاوَاةُ فِي أَعدَلِ الأَحْوَالِ وَهُوَ المَالُ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ﵀ يَعتَبِرُهُ فِي الحَالِ، وَكَذَا أَبُو يُوسُفَ ﵀ عَمَلًا بِإِطْلَاقِ الحَدِيثِ إِلَّا أَنَّهُ تَرَكَ هَذَا الأَصلَ فِي بَيعِ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ لِمَا رَوَيْنَاهُ لَهُمَا. وفي المبسوط: وذُكر في بعض نسخ أبي حفص: قول أبي يوسف كقول أبي حنيفة، وهو قوله الآخر، وأما قوله الأول كقول محمد (١). فالحاصل أن الحنطة الرطبة بالحنطة الرطبة أو باليابسة، وبيع المبلولة بالمبلولة أو اليابسة، وبيع الزبيب المُنْقَع بالزبيب أو بالمنقع، وبيع التمر المنقع بالتمر أو المُنقَع - يجوز عندهما (٢) خلافًا لمحمد. (يعتبر المساواة في أعدل الأحوال) كما أشار إليه حديث سعد، وذلك لا يوجد في المبلولة والرطبة. (إلا أنه) أي: أبا يوسف (ترك هذا الأصل) بما روينا، وهو حديث سعد، فبقي الباقي على القياس، والمخصوص من القياس بالأثر لا يُلحق به إلا ما كان في معناه، والحنطة الرطبة ليست في معنى الرطب من كل وجه، فالرطوبة في الرُّطَب مقصودة، [وفي الحنطة غير مقصودة] (٣) بل هو عيب؛ فلهذا أخذت بالقياس. فإن قيل: يجوز بيع الحنطة الرطبة بالرطبة كيلا، مع أن الرطوبة صفة حادثة بصنع العباد كالقلي، ولا يجوز بيع المقلية بغير المقلية؛ لما ذكر من الأصل أن التغير حاصل بصنع العباد. قلنا: الحنطة في الأصل تخلق رطبة، ويكون مال الربا على هذه الصفة، فإذا بلت بالماء عادت إلى تلك الصفة، فإذا وُجِدَت المماثلة على الوجه الذي صارت مال الربا جاز العقد، ولكن لم تخلق الحنطة في الأصل مقلية حتى يكون هذا عادة تلك الصفة فيها. كذا في المبسوط (٤).

стр. 4821

وَوَجهُ الفَرقِ لِمُحَمَّد ﵀ بَينَ هَذِهِ الفُصُولِ وَبَينَ الرُّطَبِ بِالرُّطَبِ: أَنَّ التَّفَاوُتَ فِيمَا يَظْهَرُ مَعَ بَقَاءِ البَدَلَيْنِ عَلَى الاِسمِ الَّذِي عُقِدَ عَلَيْهِ العَقْدُ، وَفِي الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ مَعَ بَقَاءِ أَحَدِهِمَا عَلَى ذَلِكَ، فَيَكُونَ تَفَاوُتًا فِي عَينِ المَعقُودِ عَلَيْهِ، وَفِي الرُّطَبِ بِالرُّطَبِ: التَّفَاوُتُ بَعدَ زَوَالِ ذَلِكَ الاسمِ فَلَم يَكُنْ تَفَاوُتًا فِي المَعْقُودِ عَلَيْهِ فَلَا يُعتَبَرُ. وَلَو بَاعَ البُسْرَ بِالتَّمْرِ مُتَفَاضِلًا لَا يَجُوزُ لِأَنَّ البُسْرَ تَمْرُ، بِخِلَافِ الكُفُرَّى حَيثُ يَجُوزُ بَيْعُهُ بِمَا شَاءَ مِنْ التَّمْرِ اثْنَانِ بِوَاحِد لِأَنَّهُ لَيسَ بِتَمر، فَإِنَّ هَذَا الاسمَ لَهُ مِنْ أَوَّلِ مَا تَنعَقِدُ صُورَتُهُ لَا قَبْلَهُ، وَالكُفَرَّى عَدَدِيٌّ مُتَفَاوِتٌ، حَتَّى لَو بَاعَ التَّمَرَ بِهِ نَسِيئَة لَا يَجُوزُ لِلجَهَالَةِ. (بينَ الرُّطَب بالرُّطَب) وكذا بين (١) العنب بالعنب. (أن التفاوت فيما) أي: في هذه الفصول (يَظهَرُ) التفاوت بعد الجفاف (مع بقاء البَدَلَين على الاسم الذي عُقد عليه العقد) فوجد التغير في المعقود عليه فلا يجوز. أما في الرُّطَب بالرُّطَب يظهر التفاوت بعد الجفاف مع بقاء عين الاسم الذي عُقد عليه العقد فلا يكون ذلك تفاوتًا في المعقود، فيجوز العقد. كذا في المبسوط (٢). قوله: (بخلافِ الكُفرى) وفي المغرب: الكُفَرَّى، بضم الكاف وفتح الفاء وتشديد الراء: كم النخل، وهو أول ما ينشق (٣). (اثنان بواحد) أي: الكيلان بكيل من التمر بكيل من الكفري، وبالعكس يدًا بيد فإن هذا الاسم أي: اسم التمر (له) أي: للبسر، يعني: التمر اسم لما يخرج من النخل من حين تنعقد صورته إلى أن يُدرك، ولا تنعقد صورة التمر في الكُفَرَّى، لا ينعقد تمرًا، فلا يكون الكُفَرَّى تمرًا، ولا يكال أيضًا، فيجوز بيعه بالتمر كيفما كان يدا بيد. وقوله: (والكُفَرَّى عددي متفاوت) (٤) لتفاوته في الصغر والكبر، يحتمل أن يكون جواب إشكال يرد على قوله: (لأنه ليس بتمر).

стр. 4822

قَالَ: (وَلَا يَجُوزُ بَيعُ الزَّيْتُونِ بِالزَّيتِ، وَالسِّمْسِمِ بِالشَّيْرَجِ، حَتَّى يَكُونَ الزَّيتُ وَالشَّيرَجُ فإن قيل: لما لم يكن تمرا ينبغي أن يجوز إسلام التمر في الكُفَرَّى. يقال: الكُفرى عددي متفاوت (١)، فلا يجوز إسلامه؛ للجهالة بوجه. (والشَّيْرَجُ) الشَّيْرَجُ: الدهن الأبيض، ويقال للعصير أو النيبذ قبل أن ينغمر: شَيْرَج أيضًا، وهو تعريب (شيرة) (٢)، والزيتون من العِضاه (٣)، ويقال: لثمره: الزيتون أيضًا، ولدهنه: الزيت. كذا في المغرب (٤). وفي فتاوى قاضي خان: وإنما يشترط أن يكون الخالص أكثر إذا كان من الثَّفْل في البدل الآخر شيئًا له قيمة، أما إذا كان شيئًا لا قيمة له، كما في الزبد يجوز بالمثل (٥) مروي عن أبي حنيفة (٦). وقال زفر: يجوز بيع الزيتون بالزيت، والسمسم بالشَّيْرَج مع الجهالة بأنه أكثر منه أو أقل أو مساوٍ؛ لأن الأصل في البيع الجواز، وهذا البيع متردد بين الفساد والجواز، فلا يثبتُ الفساد بالشك (٧). وقلنا: الفساد غالب؛ لأنه إن كان مساويًا لا يجوز، أو ناقصًا عنه لا يجوز، وإن كان أكثر منه جاز، فإذا لزم الفساد على تقديرين، والجواز على تقدير واحد، كان الفساد غالبًا، فكان ظاهرًا، فيجب الحكم به؛ لرجحانه. وقال الشافعي: لا يجوز بيع الزيتون بالزيت والسمسم بالشيرج أصلا، ترجيحا لجانب الفساد احتياطا؛ لجهالة المساواة حالة العقد (٨)، وكذا لا يجوز عنده بيع الجوز بدهنه، واللبن بسمنه، والعنب بعصيره، والتمر بدبسه (٩).

стр. 4823

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ثم اعلم أن الأصل في جنس هذه المسائل أن المجانسة بين الشيئين قد تكون باعتبار العين، وقد تكون باعتبار ما في الضمن وإن كان شيئًا آخر حكمًا، ثم بين الزيت والزيتون المجانسة باعتبار ما في الضمن، وهو الزيت الذي في الزيتون. فإن قيل: ينبغي أن يجوز بيع السمسم بدهنه بأي وجه كان؛ لأن الدهن وزني، والسمسم كيلي. قلنا: المقصود منه ما فيه، وهو الدهن، فكان بيع الجنس بالجنس. فإن قيل: لما كان ما فيه مقصودًا، وثَجِيره مقصودًا أيضًا حتى جُعِل بمقابلته شيء من الدين، فينبغي أن يجوز بيع السمسم بالسمسم متفاضلا صرفًا لكل واحد من الدهن والثجير إلى خلاف الجنس، كما في مسألة الأكرار، وهي بيع كر حنطة وكُر شعير بثلاثة أكرار حنطة وكُر شعير. قلنا: ذلك الصرف إنما يصح في المنفصل خِلقةً، كما في مسألة الأكرار؛ لأنه لما كان منفصلا خلقة أمكن اعتباره منفصلا في حق الصرف إلى خلاف الجنس، ولأن السمسم لما كان زائدا في أحد الجانبين كان ما في ضمن السمسم من الدهن أيضًا زائدًا على الدهن الذي في ضمن السمسم الأقل بمقابلته والدهن، فكان بيع الدهن بالدهن متفاضلا، وذا لا يجوز. وفي الكافي: اعلم أن بيع أحدهما بالآخر على أربعة أوجه: إن علم الزيت الذي في الزيتون أكثر من الزيت المنفصل لم يصح (١)؛ لتحقق الفضل الخالي عن العوض من حيث زيادة الدهن والثجير. وكذا إن علم أنه مثله؛ لأن الثفل يكون فضلا، وإن كان الزيت المنفصل أكثر جاز، والفضل بالثفل، وهذه الثلاثة بالإجماع. وإن لم يعلم أنه مثله أو أكثر منه أو أقل منه صح عند زفر، وعندنا لا يصح (٢)، والوجه من الجانبين مر.

стр. 4824

أَكثَرَ مِمَّا فِي الزَّيْتُونِ وَالسِّسمِمِ، فَيَكُونَ الدُّهنُ بِمِثْلِهِ وَالزِّيَادَةُ بِالنَّجِيرِ) لِأَنَّ عِنْدَ ذَلِكَ يَعرَى عَنْ الرِّبَا، إِذْ مَا فِيهِ مِنْ الدُّهْنِ مَوزُونٌ، وَهَذَا لِأَنَّ مَا فِيهِ لَو كَانَ أَكثَرَ أَوْ وفي الإيضاح: وأما الأدهان كالخل والزيت جنسان؛ لاختلاف أصلهما، فيجوز التفاضل بينهما، ولو كان أصلهما واحدًا، واختلف المضاف إليه كالبنفسج مع الخيري يُجعل جنسين؛ لاختلاف المقاصد منهما فيسقط حكم اتحاد الأصل حتى يجوز بيع دهن البنفسج بدهن الخيري متفاضلا (١)، وقالوا: يجوز بيع قفيز سمسم مربى بقفيزي سمسم غير مربى، وجعلوا الرائحة التي فيها بإزاء الزيادة (٢)، وعند الشافعي لا يجوز (٣)، وقالوا: [لَا] (٤) يجوز (٥) بيع رطل زيت غير مطبوخ [برطل من زيت مطبوخ] (٦) مطيب؛ لأن الرائحة زيادة فكأنه باع زيتا بزيت وفضل وعند الشافعي يجوز (٧). وقال أبو يوسف: لو كانت الرائحة التي يطبخ بها تزيد في وزنه حتى لو خلص نقص فيجوز بيعه منا بمنين، ويكون الزيت المُطيّب بمثله من الزيت، والزيادة بزيادة الرائحة (٨)، وقالوا: يجوز بيع من من دهن الخل بمن من دهن البنفسج، وفرقوا بينه وبين الدُّهن المُطيّب؛ لأن دهن الخل لا يصير بنفسجا أبدًا، والزيت لو طبخ يصير مثل المطبوخ. وعند الشافعي لا يجوز بيع أدهان المطيبة بعضها ببعض متفاضلا (٩)؛ لأن الأدهان جنسان؛ لاختلاف أصلها، واختاره المزني (١٠)، وهو مذهبنا (١١).

стр. 4825

مُسَاوِيَا لَهُ، فَالتَّجِيرُ وَبَعضُ الدُّهنِ أَوْ الثَّجِيرُ وَحدَهُ فَضلٌ، وَلَو لَم يُعلَم مِقْدَارُ مَا فِيهِ لَا يَجُوزُ لِاحْتِمَالِ الرِّبَا، وَالشُّبْهَةُ فِيهِ كَالحَقِيقَةِ، وَالجَوزُ بِدُهْنِهِ وَاللَّبَنُ بِسَمْنِهِ وَالعِنَبُ بِعَصِيرِهِ وَالتَّمْرُ بِدِيسِهِ عَلَى هَذَا الاعْتِبَارِ. وَاختَلَفُوا فِي القُطنِ بِغَرْلِهِ، وَالكِرْبَاسُ بِالقُطنِ يَجُوزُ كَيفَمَا كَانَ بِالْإِجْمَاعِ. قوله: (على هذا الاعتبار) يعني: اعتبار الزيت بالزيتون، وعند الشافعي لا يجوز أصلًا (١). (واختلفوا) أي: المشايخ في القطن بغزله وفي الإيضاح (٢) والذخيرة (٣): بيع غزل القطن بالقطن لا يجوز متساويًا؛ لأن القطن ينقص بالغزل، فهو نظير الحنطة مع الدقيق. وفي فتاوى قاضي خان: لا يجوز بيع الغزل مع القطن إلا متساويًا؛ لأن أصلهما واحد، وكلاهما موزون ولو خرجا أو أحدهما من الوزن فلا بأس ببيعهما متفاضلا، وبيع الغزل بالثوب جائز على كل حال (٤). وعن محمد: بيع القطن بالثوب لا يجوز متفاضلا، وعنه أنه لا يجوز مطلقا، ذكر بعد هذا: ولا بأس ببيع المحلوج بالقطن إذا كان يُعلم أن الخالص أكثر مما في الآخر، وإن كان لا يدري لا يجوز (٥). وفي جمع العلوم: بيع الجَوْزَقَة (٦) بالغزل جائز كيفما كان على الأصل. وقيل: إنما يجوز باعتبار، وقيل: لا يجوز كيفما كان (٧). ([والكرباس مع القطن يجوز كيفما كان] (٨) بالإجماع) وعن أبي حنيفة:

стр. 4826

قَالَ: (وَيَجُوزُ بَيعُ اللَّحْمَانِ المُختَلِفَةِ بَعضُهَا بِبَعض مُتَفَاضِلًا) مُرَادُهُ: لَحْمُ الإِبِلِ وَالبَقَرِ وَالغَنَمِ؛ فَأَمَّا البَقَرُ وَالجَوَامِيسُ جِنسٌ وَاحِدٌ، وَكَذَا المَعزُ مَعَ الضَّأْنِ، وَكَذَا العِرَابُ مَعَ البَخَاتِي قَالَ: (وَكَذَلِكَ أَلبَانُ البَقَرِ وَالغَنَمِ) وَعَنْ الشَّافِعِيِّ ﵀: لَا يَجُوزُ لِأَنَّهَا جِنسٌ وَاحِدٌ لاتِّحَادِ المَقْصُودِ. لا يجوز الثوب بالقطن؛ لأنه يصير ثوبًا (١) يعني في السلم، بخلاف النقد متفاضلا. قوله: (وعن الشافعي أنها) أي: اللحمان والألبان (جنس واحدٌ؛ لاتحاد المقصود) (٢)، فإن المقصود من اللحم شيء واحد، وهو التغذي والتقوي، واختلاف المقاصد بعد ذلك يرجع إلى الوصف. وفي كتبهم: اللحمان أجناس، وهو ظاهر المذهب (٣) وهو اختيار المزني (٤) ومذهب أبي حنيفة (٥). وفي قول: جنس واحد؛ فإن جميع اللحوم اشتركت في الاسم الأخص، فكان جميعها جنسًا واحدًا، كأنواع الحنطة، يعني يسمى الجميع لحمًا وليس لها اسم الجنس من اللحم، وإنما يتميز البعض عن البعض بالإضافة، والأصح أنها أجناس مختلفة؛ لأنها أصول فروع مختلفة (٦)، وكذا في الألبان الأصح أنها أجناس مختلفة عنده (٧). وقال مالك: اللحوم ثلاثة أجناس: الطيور، والدواب أهليها ووحشيها،

стр. 4827

وَلَنَا: أَنَّ الأُصُولَ مُختَلِفَةٌ حَتَّى لَا يَكمُلَ نِصَابُ أَحَدِهِمَا بِالْآخَرِ فِي الزَّكَاةِ، فَكَذَا أَجْزَاؤُهَا إِذَا لَم تَتَبَدَّلَ بِالصَّنعَةِ. والبحريات (١)، وبه قال أحمد في إحدى الروايات عنه (٢)، وعن أحمد روايتان أُخْرَيانِ (٣) كقول الشافعي، ويُعلم من هذا أن قول المصنف: (وعن الشافعي) إشارة إلى قوله المرجوح (٤). فإن قيل: يشكل على حرمة بيع اللحوم في الجنس الواحد متفاضلا: بيع لحم الطير بعضه ببعض متفاضلا؛ فإنه يجوز وإن كان من جنس واحد. قلنا: باعتبار أنه لا يوزن عادة ولا يكال أيضًا، وهو ظاهر، والألبان واللحوم موزونة؛ ولهذا لا يجوز بيع بعضها بالبعض نسيئةً، ويجوز متفاضلا يدًا بيد؛ لانعدام أحد الوصفين. كذا في المبسوط (٥). وما ذكر الشافعي من الاتحاد في [التغذي فذلك اعتبار المعنى العام، كالطعم في المطعومات، والمعتبر الاتحاد في] (٦) المعنى الخاص. كذا في الإيضاح (٧). قوله: (إذا لم تتبدل بالصنعة) يعني: اعتبار اختلاف الأجزاء باختلاف الأصل إذا لم يكن متبدلًا بالصنعة، فأما لو تبدل بالصنعة يصير صنفين (٨) بسبب تبدلهما بالصنعة، وإن كان أصلهما واحدًا، كالزندنيجي مع الوذاري، والهروي مع المروي، فحينئذ يجوز البيع كيفما كان كالحنطة أو الدقيق بالخبز. كذا ذكره شيخ الإسلام (٩).

стр. 4828

قَالَ: (وَكَذَا خَلُّ الدَّقَلِ بِخَلّ العِنَبِ) لِلاخْتِلَافِ بَينَ أَصْلَيهِمَا، فَكَذَا بَينَ مَاءَ بِهِمَا وَلِهَذَا كَانَ عَصِيرَاهُمَا جِنسَينِ. وفي الخبازية والمبسوط: اختلاف الأصل دليل اختلاف الفرع (١)؛ ألا ترى أنه لا اتحاد في المقصود، فإن مقصود السمن يحصل بلبن البقرة دون لبن الإبل، وكذا بعض الناس يرغب في بعض اللحوم دون البعض، وقد يضره البعض وينفعه البعض، ولكن اختلاف الأصل إنما يوجب اختلاف الفرع إذا لم يتبدل بالصنعة، فإن الأجزاء المختلفة إذا أبدع فيها صنعة تصير كجزءٍ واحد، وفي مسألتنا لم تتبدل بالصنعة فتكون الأجزاء مختلفة كأصولها. وفي المبسوط: الزيت المطبوخ غير الزيت غير المطبوخ، والدهن المربى بالبنفسج مع غير المربى جنسان؛ لأن تلك الرائحة بمنزلة زيادة في عينها، وهي حاصلة بالصنعة. وفي الذخيرة: باع قمقمة من حد أو صفر ونحاس بقمقتين من جنسهما يجوز يدا بيد؛ لأن الناس تركوا وزنها مع الإمكان، وترك الوزن فيما يثبت وزنه بإصلاحهما إعراض عن الاصطلاح على الوزن، وخروجها عن الاصطلاح على الوزن لم يكن إلا باعتبار الصنعة، فعلم أن للصنعة تأثيرًا في تغيير الأجناس (٢). قوله: (وكذا خَلُّ الدَّقَلِ بخَلَّ العِنَب) أي هما جنسان. الدقل: نوع من أرذل التمر، وإنما خص خل الدَّقَل، وإن كان الحكم في خل الكل واحدًا؛ للعادة؛ لأنهم كانوا يجعلون الخل من الدقل، ولكن لا يجوز بيع أحدهما بالآخر نسيئة؛ لأنه جمعهما الوزن. كذا في المبسوط (٣). (عصيراهما) أي: عصير الدَّقَل والعنب (جنسين) بإجماع الأئمة الأربعة (٤).

стр. 4829

وَشَعرُ المَعْزِ وَصُوفُ الغَنَمِ إِنسَانِ لِاحْتِلَافِ المَقَاصِدِ. قَالَ: (وَكَذَا شَحمُ البَطنِ بِالأَليَةِ أَوْ بِاللَّحْمِ) لِأَنَّهَا أَجْنَاسٌ مُختَلِفَةٌ لِاحْتِلَافِ الصُّوَرِ وَالمَعَانِي وَالْمَنَافِعِ اخْتِلَافًا فَاحِشًا. قَالَ: (وَيَجُوزُ بَيعُ الخُبزِ بِالحِنطَةِ وَالدَّقِيقِ مُتَفَاضِلًا) لِأَنَّ الخُبْزَ صَارَ عَدَدِيًّا أَوْ مَوزُونا فَخَرَجَ مِنْ أَنْ يَكُونَ مَكِيلًا مِنْ كُلِّ وَجهِ وَالحِنْطَةُ مَكِيلَةٌ. (لِاخْتِلَافِ المَقَاصِدِ) فإن الحِبال الصُّلْبة والمسوح إنما تُتخذ من شعر المعز دون صوف الضأن، واللُّبود واللفافة إنما تتخذ من صوف الضأن دون المعز. فإن قيل: شعر المعز وصوف الضأن - بالنظر إلى أن اسم الغنم يتناول الكل جنس واحد - وبالنظر إلى اختلاف المقصود - جنسان، فينبغي ألا يجوز بيع أحدهما بالآخر متفاضلا ترجيحا؛ لجانب الحرمة عند تعارض دليلي الحل والحرمة. قلنا: لا تعارض بين الصورة والمعنى؛ لأن المعنى - وهو المقصود - راجح. (وَكَذَا شَحْمُ البَطنِ بِالأَليَةِ أَوْ بِاللَّحم) أي: يجوز متفاضلا لاختلاف الذات والمقاصد، أما شحم الجنب من جنس اللحم يباع معه ويُستعمل استعمال اللحم، وهو مع الآلية وشحم البطن جنسان. كذا في الإيضاح (١). (والمعاني) أي: الاختلاف في المعاني، فإن الألية إذا ظهرت يخرج دهن كثير، بخلاف الشحم، صار عدديًا عند محمد (٢) أو موزونا عند أبي يوسف. (فخرج) أي: الخبز (والحنطة مكيلة) أي: بالنص، وكذا الدقيق؛ باعتبار أنه جزء الحنطة المكيلة، ومن جعله وزنيًا باعتبار العُرف لم يُثبت الجنسية بينه وبين الخبز، فلم يجمعهما القدر من كل وجه، فلم تتحقق علة الربا، وهو وجود الوصفين، فلا يتحقق الربا.

стр. 4830

وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀: أَنَّهُ لَا خَيْرَ فِيهِ، وَالفَتوَى عَلَى الأَوَّلِ، وَهَذَا: إِذَا كَانَا (لَا خَيْرَ فِيهِ) أي: في بيع الحنطة أو الدقيق بالخبز، يعني لا يجوز، ومن عادة المجتهدين أنهم إذا لم يجدوا دليلًا قطعيًا على عدم الجواز، وفيه شُهبة عدم الجواز يقولون: لا خير فيه، فكان قولهم: لا خير فيه عبارة عن عدم الجواز؛ لأن [في] (١) الجائز خيرًا، فيكون قولهم: لا خير؛ أي: لا يجوز على وجه المبالغة؛ لأن النكرة في موضع النفي تعم نفي جميع الخيرية، وبهذا القول قال الشافعي (٢) وأحمد (٣). ووجهه أن في الخبز أجزاء الدقيق فيورث شُبهة المجانسة، أو أن الدقيق يعرض أن يصير خبزًا، فتشترط المساواة، ولا يدرى ذلك. (وَالفَتوَى عَلَى الأَوَّلِ) أي: على أنه جائز. وقيل: هو ظاهر مذهب علماء الثلاثة (٤)، وهو اختيار المتأخرين (٥). وفي فتاوى قاضي خان: بيع الخبز بالخبز متفاضلا عددًا أو وزنًا جائز (٦) في قول أبي يوسف ومحمد يدا بيد (٧) ولا خير فيه نسيئةً عند أبي حنيفة (٨)؛ إذ الخبز ليس بوزني ولا عددي عنده. وقال محمد: هو عددي (٩)، وقال أبو يوسف: هو وزني (١٠) إلا أن يكون قليلًا لا يدخل تحت الوزن، فيجوز الواحد بالاثنين، وإن كان كثيرا لا يجوز. وقال الشافعي: لا يجوز بيع الخبز بالخبز إذا كانا رطبين أو أحدهما (١١).

стр. 4831

نَقدَينِ؛ فَإِنْ كَانَتِ الحِنْطَةُ نَسِيئَة جَازَ أَيضًا، وَإِنْ كَانَ الخُبْزُ نَسِيئَة يَجُوزُ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ ﵀: وَعَلَيْهِ الفَتوَى، وَكَذَا السَّلَمُ فِي الخُبْزِ جَائِزٌ فِي الصَّحِيحِ، وَلَا خَيْرَ فِي وقال أحمد (١): يجوز متماثلا إذا كانا رطبين، ولو كانا يابسين مدقوقين؛ ففيه قولان: أحدهما: يجوز؛ لأنه حالة ادخار، وفي قول لا يجوز؛ لأنه خالطه الملح، فقد يكون في أحدهما أكثر مما في الآخر. ولو كانا يابسين غير مدقوقين لا يجوز؛ لجهالة التماثل، كما لو كانا رطبين أو أحدهما (٢). كذا في تتمتهم (٣). وجوابه ما قلنا: أنه إما عددي أو وزني. (جَائِزُ في الصحيح) إذا شرط وزنًا معلومًا وضربًا معلومًا، واحترز بقوله: (في الصحيح) عما رُوي عن أبي حنيفة أنه قال: لا يجوز (٤). وفي المبسوط: وأما السلم في الخبز فلا يجوز عند أبي حنيفة، ولا يحفظ عنهما خلاف ذلك، ومن أصحابنا من يقول: يجوز عندهما على قياس السلم في اللحم، ومنهم من يقول: لا يجوز (٥)؛ لما عَلَّل له في النوادر أنه قال: لأنه لا يُوقف على حده معناه: أنه يتفاوت بالعجن والنضج عند الخبز، ويكون منه الثقيل والخفيف. ثم لهذه العلة أفسد أبو حنيفة استقراضه؛ لأن السلم أوسع بابًا من القرض حتى يجوز السلم في الثياب، ولا يجوز الاستقراض عنها، فإذا لم يجز السلم في الخبز لهذا المعنى فَلَأَنْ لا يجوز الاستقراض أولى. وفي الذخيرة محالًا إلى شيخ الإسلام خواهر زاده: لا يجوز السلم في الخبز (٦) عند أبي حنيفة ومحمد لا وزنًا ولا عددًا، وقال أبو يوسف: يجوز

стр. 4832

استقرَاضِهِ عَدَدًا أو وزنًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀، لِأَنَّهُ يَتَفَاوَتُ بِالخُبْزِ وَالخَبَّازِ وَالتَّنُّورِ وَالتَّقَدُّمِ وَالتَّأَخُّرِ. وَعِنْدَ مُحَمَّد ﵀: يَجُوزُ بِهِمَا لِلتَّعَامُلِ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ ﵀: يَجُوزُ وَزْنًا وَلَا يَجُوزُ عَدَدًا لِلتَّفَاوُتِ فِي آحَادِهِ (*). وزنًا (١) واختار المشايخ للفتوى قول أبي يوسف إذا أتى بشرائطه؛ لحاجة الناس، لكن يجب أن يحتاط وقت القبض. وقال الشافعي (٢)، ومالك (٣)، وأحمد (٤): يجوز السلم في كل مال يمكن ضبط صفته ويجوز بيعه. وفي شرح الوجيز للشافعي وجهان في السَّلَم في الخبز في وجه لا يجوز؛ لاختلاف الغرض بتأثير النار، وتعذر الضبط بتأثير النار. وفي وجه يجوز؛ لتأثير النار فيه نهاية مضبوطة، كالسمن والسكر والفانيد كالخبز (٥). (وَالتَّقَدُّمِ وَالتَّأَخُّرِ) يعني في أول التنور وآخره، فتكون متفاوتة، فلا يجوز الاستقراض فيه أصلا، وإن وزن للتفاوت لعدم القدرة على التسليم؛ إذْ شَرطه القدرة على أداء مثل المستقرض، وهو ليس بمثلي. (وَعِنْدَ مُحَمَّد يَجُوزُ بِهِمَا) (٦) أي: بالعدد والوزن (للتعامل) ولا يجوز السلم عنده بهما؛ لعدم التعامل، والقياس يترك بالتعامل كما في الاستصناع. وعند أبي حنيفة يجوز وزنًا (٧)؛ لأنه موزون فيُعلم بالوزن لا بالعدد؛ لتفاوت آحاده قدرًا، فلا يتحقق التساوي به، وعليه الفتوى. وفي المجتبى: باع رغيفا نقدًا برغيفين نسيئة يجوز، ولو كان الرغيفان نقدًا

стр. 4833

قَالَ: (وَلَا رِبَا بَينَ المَولَى وَعَبْدِهِ)؛ لِأَنَّ العَبدَ وَمَا فِي يَدِهِ مِلكُ لِمَولَاهُ فَلَا يَتَحَقَّقُ الرِّبَا، وَهَذَا إِذَا كَانَ مَأذُونَا لَهُ وَلَم يَكُنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ، فَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ لَا يَجُوزُ، لِأَنَّ مَا فِي يَدِهِ لَيسَ مِلكَ المَولَى عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀، وَعِندَهُمَا: تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّ الغُرَمَاءِ فَصَارَ كَالأَجنَبِيِّ، فَيَتَحَقَّقَ الرِّبَا كَمَا يَتَحَقَّقُ بَيْنَهُ وَبَينَ مُكَاتَبِهِ. والرغيف نسيئة لا يجوز، ولو باع كسيرات الخبز يجوز نقدًا ونسيئة كيفما كان عند صاحِبِهِ (١). وللشافعي في استقراض الخبز وجهان كما في السلم: أحدهما: لا يجوز، وبه قال أبو حنيفة (٢)، وهو الأصح عند صاحب التقريب. والثاني: يجوز، وبه قال أحمد (٣)، وهو اختيار ابن الصباغ؛ لحاجة العامة وإطباق الناس عليه، وعلى قول يجوز استقراضه يجب رد مثله وزنًا (٤)، فيجب أن يكون المُقرَض معلوم القدر. كذا في شرح الوجيز (٥). (فَلَا يَتَحَقَّقُ الرِّبَا) لعدم تحقق البيع؛ لما أن بيع الإنسان ملكه بملكه باطل، فكان عدم تحقق الرِّبا دليلا على عدم صحة البيع، ولأنه ﵇ قَالَ: «لَا رِبَا بَينَ العَبْدِ وسَيدِهِ». قوله: (فَيَتَحَقَّقَ الرِّبَا كَمَا يَتَحَقَّقُ بَيْنَهُ) أي: بين المولى (ومكاتبه). وفي المبسوط: فلو كان على العبد دين فليس بينهما ربا أيضًا، ولكن على المولى أن يرد ما أخذه على العبد، لكن كسبه مشغول بحق غرمائه، فلا يُسلم له ما لم يفرغ من دينه، كما لو أخذه لا بجهة العقد، سواء كان اشترى منه درهما بدرهمين أو لا؛ لأن ما أعطى ليس بعوض سواء كان [قَلَّ] (٦) أو كثر؛ فعليه رد ما قبض لِحَقِّ الغرماء.

стр. 4834

قَالَ: (وَلَا بَينَ المُسلِمِ وَالحَربِيِّ فِي دَارِ الحَربِ) خِلَافا لِأَبِي يُوسُفَ وَالشَّافِعِيِّ رَحِمَهُمَا اللَّهُ. لَهُمَا: الاعْتِبَارُ بِالْمُسْتَأْمَنِ مِنْهُم فِي دَارِنَا. وكذا أم الولد والمُدبّر؛ لأن كسبه ماله بخلاف المكاتب؛ لأن المكاتب صار كالحر يدًا وتصرفًا في كسبه، فيجري الربا بينه وبين مولاه، كما يجري بينه وبين غيره (١)، وفيه إشارة إلى أنه لا ربا بين المولى وعبده إذا كان على العبد دين، وما ذكر في الكتاب يدل على جريان الربا بينهما إذا كان عليه [دين] (٢). قوله: (خلافًا لأبي يوسف (٣) والشافعي) (٤) وبه قال مالك (٥) وأحمد (٦)، وعلى هذا الخلاف الرِّبا بين المسلم الأصلي وبين المسلم الذي أسلم في دار الحرب ولم يهاجر إلينا. قوله: (لَهُمَا) أي: لأبي يوسف (٧) والشافعي (٨) إطلاق النصوص الواردة في الباب، فإن المسلم ممنوع عنه بحيث كان، ولا يجوز أن يُحمل فعله على أخذ مال الكافر بطيب نفسه؛ لأنه قصد الأخذ بحكم العقد، ولأن الكافر غير راض بأخذ هذا المال منه إلا بطريق العقد لا الهبة، ولو جاز هذا في دار الحرب لجاز مثله في دار الإسلام بين المسلمين، على أن يُجعَل الدرهم بالدرهم، والدرهم الآخر هبة. وعن ابن عباس: أنه وَقَع للمشركين جِيفَةٌ في الخندق فأعطوا المسلمين بذلك مالا، «فَنَهَاهُم النَّبِي ﷺ عن ذلك»، فدل على أن المسلم ممنوع عن العقد بالكافر فيما لم يَجْرِ بين المسلمين، ولا معنى لقول من يقول: إن الخندق من دار الإسلام؛ لأن عندكم هذا يجوز بين المسلم والحَربي الذي لا أمان له، سواء كان في دار الإسلام أو في دار الحرب. كذا في المبسوط (٩).

стр. 4835

وَلَنَا: قَولُهُ ﵊: «لَا رِبَا بَينَ المُسلِمِ وَالحَربِيِّ فِي دَارِ الحَربِ»، وَلِأَنَّ مَالَهُم مُبَاحٌ فِي دَارِهِم فَبِأَيِّ طَرِيق أَخَذَهُ المُسلِمُ أَخَذَ مَالًا مُبَاحًا إِذَا لَم يَكُنْ فِيهِ غَدرُ، بِخِلَافِ المُستَأمِنِ مِنهُم، لِأَنَّ مَالَهُ صَارَ مَحظُورا بِعَقدِ الأَمَانِ. قوله: (وَلَنَا) الحديث المذكور في المتن. وفي المبسوط عن مكحول، عن رسول الله ﷺ قال: «لا ربا» الحديث (١)، وهذا الحديث - وإن كان مرسلًا - فمكحول ثقة، والمرسل من مثله مقبول. ولأن أبا بكر ﵁ قبل الهجرة حين أنزل الله تعالى قوله: ﴿الم غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ﴾ [الروم: ١ - ٣] فقال له قريش: ترون الروم تغلب؟ قال: «نعم» فقالوا: هل لك أن تُخاطِرَنا؟ فخاطَرَهُمْ، فأخبر النبي ﵇، فقال النبي ﵇: «اذْهَبْ إِلَيْهِمْ وَزِدْ في الخَطَرِ» (٢) ففعل، وغلبت الروم على فارس، فأخذ أبو بكر ﵁ خَطَرَه، وقد أجازه النبي ﵇ (٣)، وهو القمار بعينه بين أبي بكر ومشركي مكة في مكة، وكانت مكة دار الشرك، فدل هذا على جواز هذه العقود بين المسلم والكافر في دار الحرب. (ولأن مالهم) أي: مال أهل الحرب (مُبَاحٌ) فيجوز أخذه برضاه بلا غدر، وكذا مال من أسلم ثَمَّةَ ولم يهاجر إلينا، لم يكن معصومًا، فصار كمال الحربي، فيجوز أخذه للمسلم المُستأمَن برضاه بلا غدر، حتى لو قامره وأخذ ماله بالقمار يكون المال طيبا عندهما. (بخلاف المستأمن منهم) أي: أن من أهل الحرب (لِأَنَّ مَالَهُ صَارَ مَحظورا بِعَقدِ الأَمَانِ) فيُفضي ذلك إلى الغدر، وهو حرام. وأما المراد من النصوص: الرِّبا في مال محظور، ومال أهل الحرب غير محظور؛ لما ذكرنا.
следующие страницы →