← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 30179

معراج الدراية في شرح الهداية

الكاكي

Полный текст (7 597 стр.). Показаны 4936–4975 · переход к 4941.

стр. 4936

قَالَ: (وَمَنْ أَسْلَمَ فِي كُرِّ، فَأَمَرَ رَبُّ السَّلَم أَنْ يَكِيلَهُ المُسْلَمُ إِلَيْهِ فِي غَرَائِرِ رَبِّ السَّلَمِ فَفَعَلَ وَهُوَ غَائِبٌ لَم يَكُنْ قَضَاء) لِأَنَّ الأَمرَ بِالكَيْلِ لَم يَصِحَّ، لِأَنَّهُ لَم يُصَادِ مِلكَ الآمِرِ، لِأَنَّ حَقَّهُ فِي الدِّينِ دُونَ العَينِ، فَصَارَ المُسلَمُ إِلَيْهِ مُستَعِيرًا لِلغَرَائِرِ مِنهُ، وَقَدْ جَعَلَ مِلكَ نَفْسِهِ فِيهَا، فَصَارَ كَمَا لَو كَانَ عَلَيْهِ دَرَاهِمُ دَيْنٌ فَدَفَعَ إِلَيْهِ كِيسًا لِيَزِنهَا المَديُونُ فِيهِ لَم يَصِرٍ قَائِضًا. وَلَو كَانَتِ الحِنطَةُ مُشتَرَاة وَالمَسأَلَةُ بِحَالِهَا صَارَ قَابِضًا، لِأَنَّ الأَمْرَ قَدْ صَحَّ (وهو) أي: رب السلم. قوله: (لم يكن قضاء) (١) أي: إذا لحقه، حتى لو هلك يهلك من مال المسلم إليه، هذا إذا لم يكن في غرائر (٢) رب السلم طعام، فإن كان فكاله بأمره فيها، قيل: لا يصير قابضًا لما ذكرنا أنّ أمره غير معتبر في ملك الغير. قال: والأصح عندي أن يصير قابضًا [هاهنا؛ لأن أمره بخلط طعام المسلم بطعامه على وجه لا يمكن التمييز - معتبر، فيصير بهذا الخلط قابضا] (٣)، وهو نظير ما ذكر في كتاب الصرف: لو دفع إلى صائغ نصف درهم [وقال: زد من عندك نصف درهم] (٤) وصغ لي منها خاتمًا ففعل ذلك - جاز، وصار بالخلط قابضًا له. كذا في المبسوط (٥). قوله: (ولو كانت الحنطة مشتراة) بأن اشترى حنطة بعينها، ودفع غرائره إلى البائع وقال: اجعلها فيها، ففعل، والمشتري حاضر أو غائب - يصير قابضًا؛ لأنه ملك الطعام المعين بنفس العقد، فصح الأمر، وصار البائع وكيلا عنه بإمساك الغرائر، وصار الغرائر في يد المشتري حكمًا، فصار الواقع فيها واقعا في يد المشتري حكمًا؛ لأن فعل نائبه كفعله، حتى لو كان الغرائر للبائع لا يصير قابضًا في رواية عن محمد.

стр. 4937

حَيثُ صَادَفَ مِلكَهُ، لِأَنَّهُ مَلَكَ العَينَ بِالبَيعِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَو أَمَرَهُ بِالطَّحْنِ كَانَ الطَّحِينُ فِي السَّلَمِ لِلمُسلَمِ إِلَيْهِ، وَفِي الشِّرَاءِ لِلمُشتَرِي لِصِحَّةِ الأَمرِ، وَكَذَا إِذَا أَمَرَهُ أَنْ يَصُبَّهُ فِي البَحْرِ فِي السَّلَم يَهْلَكُ مِنْ مَالِ المُسلَمِ إِلَيْهِ، وَفِي الشَّرَاءِ مِنْ مَالِ المُشتَرِي، وَيَتَقَرَّرُ الثَّمَنُ عَلَيْهِ لِمَا قُلْنَا، وَلِهَذَا: يُكتَفَى بِذَلِكَ الكَيْلِ فِي الشِّرَاءِ فِي الصَّحِيحِ، لِأَنَّهُ نَائِبٌ عَنهُ فِي الكَيْلِ وَالقَبْضِ بِالوُقُوعِ فِي غَرَائِرِ المُشتَرِي، وَلَو أَمَرَهُ فِي الشِّرَاءِ أَنْ يَكِيلَهُ فِي غَرَائِرِ البَائِعِ فَفَعَلَ لَم يَصِر قَائِضًا لِأَنَّهُ اسْتَعَارَ غَرَائِرَهُ وَلَم يَقْبِضُهَا، فَلَا تَصِيرُ الغَرَائِرُ فِي يَدِهِ، فَكَذَا مَا يَقَعُ فِيهَا، وَصَارَ كَمَا لَو أَمَرَهُ أَنْ يَكِيلَهُ وَيَعزِلَهُ فِي نَاحِيَة مِنْ بَيْتِ البَائِعِ، لِأَنَّ البَيْتَ بِنَوَاحِيهِ فِي يَدِهِ فَلَم يَصِر المُشتَرِي قَابِضًا. وَلَوِ اجْتَمَعَ الدِّينُ وَالعَينُ وَالغَرَائِرُ لِلْمُشْتَرِي، وقال الشافعي: لا يصير قابضًا، سواء كان الغرائر للمشتري أو للبائع، كما في السلم، وهو صحة أمر المشتري للبائع. فإن قيل: في فصل الشراء ينبغي ألا يصح الأمر أيضًا في حق ثبوت القبض؛ لأن البائع لا يصلح وكيلًا عن المشتري في القبض، حتى لو وكله بالقبض نصا لم يصح. قلنا: أمره بالكيل أو الطحن لا بالقبض، وإنما يثبت القبض حكمًا، وجاز أن يثبت الشيء حكمًا وإن كان لا يثبت قصدًا في الصحيح، هذا احتراز عما قيل: إنه لا يكتفى بكيل واحد؛ لظاهر الحديث، وقد مر في الفصل المتصل بباب المرابحة. (لأنه) أي: البائع (نائب عنه) أي: عن المشتري (في الكيل والقبض بالوقوع) أي: حصل القبض بالوقوع (في غرائر المشتري). (ولم يقبضها) أي: المشتري الغرائر (فلا تصير الغرائر في يده) لأن العارية بدون القبض لا تتم؛ لأنها عقد تبرع فكذا ما يقع فيه أي: في الغرائر، على تأويل الظرف أو المذكور، فلم يصر المشتري قابضًا؛ لأنه مستعير لم يقبض، وبقولنا قال الشافعي. قوله: (ولو اجتمع العين والدين)، صورته: أسلم في كر حنطة، فلما حلّ

стр. 4938

إِنْ بَدَأَ بِالعَيْنِ صَارَ قَابِضًا، أَمَّا العَينُ فَلِصِحَّةِ الأَمرِ فِيهِ، وَأَمَّا الدَّينُ فَلاتِّصَالِهِ بِمِلْكِهِ وَبِمِثْلِهِ يَصِيرُ قَائِضًا، كَمَنْ استَقرَضَ حِنطَة وَأَمَرَهُ أَنْ يَزرَعَهَا فِي أَرْضِهِ، وَكَمَن دَفَعَ إِلَى صَائِعْ خَاتَمًا وَأَمَرَهُ أَنْ يَزِيدَهُ مِنْ عِندِهِ نِصْفَ دِينَارٍ، وَإِنَّ بَدَأَ بِالدِّينِ لَم يَصِر قَائِضًا، أَمَّا الدِّينُ فَلِعَدَمِ صِحَّةِ الأَمرِ، وَأَمَّا العَينُ فَلِأَنَّهُ خَلَطَهُ بِمُلْكِهِ قَبْلَ التَّسْلِيمِ فَصَارَ مُستَهْلِكًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ فَيُنتَقَضُ البَيعُ، وَهَذَا الخَلطُ غَيْرُ مَرضِي بِهِ مِنْ الأجل. اشترى رب السلم كر حنطة أخرى بعينها من المسلم إليه، فدفع رب السلم الغرائر إلى المسلم إليه، وهو البائع أيضًا، وقال: اجعلهما فيها (إن بدأ) أي: المسلم إليه البائع بجعل الكر المشتري في الغرائر (صار) أي: المشتري، وهو رب السلم (قابضًا) خلافًا للشافعي، فإن عنده لا يصير قابضًا، سواء بدأ بالعين أو الدين. (فصار) أي: البائع (مستهلكا) المبيع، واستهلاك المبيع قبل القبض يُوجب نقض البيع. [دفع] إلى صائغ خاتمًا، أو دفع دينارًا، وأمره أن يزيد من عنده نصف دينار ويتخذه خاتما فزاد - صح، وصار الأمر قابضًا لاتصاله بملكه. قوله: (وهذا الخلط) جواب سؤال مقدر ذكر في الفوائد الظهيرية، وهو أن الخلط بإذن المشتري فينبغي ألا ينتقض البيع. وأجاب فقال: إن الخلط على هذا الوجه غير مرضي، فلا نسلم أنه حصل بإذن المشتري، بل بإذنه يخلط يصير قابضًا به، وهو ما إذا بدأ بالعين. فإن قيل: أليس أن الصبّاغ إذا صبغ الثوب لا يصير المستأجر - وهو رب الثوب - قابضًا باعتبار هذا الاتصال؟ فلم صار هاهنا قابضًا (١) قابضًا باعتباره. قلنا: المعقود عليه ثُمَّ الفعل، وهو الصبغ لا العين، والفعل لا يجاوز الفاعل؛ لأنه عرض لا يقبل الانتقال عن محله، فلم يتصل المعقود بالثوب، فلم يصر به قابضًا، وعندهما بالخيار. قال الإمام قاضي خان: ما ذكر من جواب الكتاب قول محمد، أما عند

стр. 4939

جِهَتِهِ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ مُرَادُهُ البُدَاءَةَ بِالعَينِ، وَعِندَهُمَا: هُوَ بِالخِيَارِ إِنْ شَاءَ نَقَضَ البَيعَ وَإِنْ شَاءَ شَارَكَهُ فِي المَخلُوط (*)، لِأَنَّ الخَلطَ لَيسَ بِاستهلاك عِندَهُمَا. قَالَ: (وَمَنْ أَسْلَمَ جَارِيَة فِي كُرِّ حِنطَة وَقَبَضَهَا المُسلَمُ إِلَيْهِ، ثُمَّ تَقَابَلَا، فَمَاتَتْ فِي يَدِ المُشتَرِي فَعَلَيْهِ قِيمَتُهَا يَومَ قَبضِهَا، وَلَو تَقَابَلَا بَعدَ هَلَاكِ الجَارِيَةِ جَازَ) لِأَنَّ صِحَّةَ الإِقَالَةِ تَعْتَمِدُ بَقَاءَ العَقدِ وَذَلِكَ بِقِيَامِ المَعقُودِ عَلَيْهِ، وَفِي السَّلَمِ المَعقُودُ عَلَيْهِ أبي يوسف: إذا بدأ بالدين يصير قابضًا، كما لو بدأ بالعين ضرورة اتصاله بملكه في الصورتين؛ إذ الخلط ليس باستهلاك. وعن محمد يصير قابضًا للعين دون الدين؛ لأنه لما كان الدين أولا لم يملكه المشتري وبقي على ملك البائع، وصار مستعيرًا من المشتري، فإذا كان العين بعده فقد خلط البائع ملك المشتري بملك نفسه، فلا يبرأ عن الدين، وإنما يصير قابضًا للعين في هذه الصورة؛ لأنه بالخلط صار مستهلكا للعين بإذنه، بخلاف الصورة الأولى؛ لأنه لما كان العين أولا صار العين مسلّمًا إلى المشتري، فإذا كان الدين بعده فقد خلط الدين بملك المشتري فيصير قابضًا. فإن قيل: ينبغي ألا يصير قابضًا؛ لأن البائع يصلح نائبًا عن المشتري في البعض؛ ولهذا لو وكله صريحًا لا يصح. قلنا: الأمر بالقبض ثبت ضمنًا لا قصدًا، [والشيء يجوز أن يثبت ضمنًا، ولا يثبت قصدًا] (١) كذا في الفوائد الظهيرية، وقد مر. قوله: (ثم تقايلا) أي: السلم (فماتت) أي: الجارية (في يد المشتري) أي: المسلم إليه، وإنما سماه مشتريًا بالنظر إلى شرائه الجارية بالحنطة؛ لأن كلا من العينين بمنزلة الثمن والمثمن (فعليه) أي: على المشتري (قيمتها) يعني لما بقيت الإقالة وجب ردّها، وقد عجز، فيجب رد بدلها، وبه قال الشافعي (يوم قبضها) لأن السبب الموجب للضمان إنما هو القبض، فصار كالغصب. (بقاء العقد) وفي بعض النسخ: قيام العقد، (وذلك) أي: بقاء العقد إنما هو المسلم فيه؛ لما روي أنه ﵇ «نَهَى عَنْ بَيعِ مَا لَيَس عِند الإنسان ورخص في

стр. 4940

إِنَّمَا هُوَ المُسلَمُ فِيهِ فَصَحَّت الإِقَالَةُ حَالَ بَقَائِهِ، وَإِذَا جَازَ فَأُولَى أَنْ يَبْقَى انتِهَاء، لِأَنَّ البَقَاءَ أَسهَلُ، وَإِذَا انفَسَخَ العَقْدُ فِي المُسلَمِ فِيهِ انْفَسَخَ فِي الجَارِيَةِ تَبَعًا، فَيَجِبُ عَلَيْهِ رَدُّهَا وَقَدْ عَجَزَ، فَيَجِبُ عَلَيْهِ رَدُّ قِيمَتِهَا (وَلَو اشْتَرَى جَارِيَة بِأَلْفِ دِرْهَم ثُمَّ تَقَابَلَا فَمَاتَتْ فِي يَدِ المُشتَرِي بَطَلَت الإِقَالَةُ، وَلَو تَقَابَلَا بَعدَ مَوتِهَا فَالإِقَالَةُ بَاطِلَةٌ) لِأَنَّ المَعقُودَ عَلَيْهِ فِي البَيعِ إِنَّمَا هُوَ الجَارِيَةُ، فَلَا يَبقَى العَقْدُ بَعدَ هَلَاكِهَا، فَلَا تَصِحُ الإِقَالَةُ ابْتِدَاء وَلَا تَبقَى انتِهَاء لانعِدَامِ مَحِلِّهِ، وَهَذَا بِخِلَافِ بَيعِ المُقَايَضَةِ حَيثُ تَصِحٌ الإِقَالَةُ وَتَبقَى بَعدَ هَلَاكِ أَحَدِ العِوَضَينِ، لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَبِيعٌ فِيهِ. قَالَ: (وَمَنْ أَسْلَمَ إِلَى رَجُل دَرَاهِمَ فِي كُرِّ حِنطَة فَقَالَ المُسلَمُ إِلَيْهِ: شَرَطتُ السلم» (١)، جعل المسلم [فيه] (٢) مبيعا؛ لأنه، وإن كان دينا، فهو في حكم العين؛ لأنه مبيع، حتى لم يجز استبداله قبل قبضه بالإجماع، فصحت إضافة الإقالة إليه بعد موت الأمة ابتداء. (وإذا جاز) أي: التقايل بعد موتها ابتداء فأولى أن يبقى بعد موتها بالطريق الأولى؛ إذ البقاء أسهل من الابتداء. فإن قيل: ينبغي ألا تصح الإقالة بعد هلاك الجارية؛ لأنها بعد الهلاك بمنزلة المسلم فيه من حيث وجوب قيمتها دينا في الذمة، والمسلم فيه قد سقط أيضًا بالإقالة، فكذا هاهنا ينبغي أن يمتنع التقابل بهلاك العوضين. قلنا في بيع المقابضة: الرد واجب بعد الإقالة، وهلاك المبيع قبل القبض يوجب فسخ العقد، وفي السلم قامت قيمة الجارية مقامها، فلم يكن رد عين الجارية واجبًا، فكان قيام القيمة بمنزلة قيام الجارية. قوله: (ومن أسلم إلى رجل) إلى آخره، الأصل في هذه المسائل أنهما إذا

стр. 4941

رَدِيئًا، وَقَالَ رَبُّ السَّلَم: لَم تَشتَرِط شَيئًا، فَالقَولُ قَولُ المُسلَمِ إِلَيْهِ لِأَنَّ رَبَّ السَّلَمِ مُتَعَنْتُ فِي إِنكَارِهِ الصِّحَّةَ، لِأَنَّ المُسلَمَ فِيهِ يَرْبُو عَلَى رَأْسِ المَالِ فِي العَادَةِ، اختلفا في الصحة، فإن خرج كلامهما مخرج التعنت كان باطلا، وكان القول قول من يدعي الصحة، وإن خرج مخرج الخصومة قال أبو حنيفة: القول قول من يدعي الصحة أيضًا كما في الأول، وبه قال الشافعي، وقالا: القول قول المنكر إن أنكر الصحة. [والمراد] بالمتعنت لغة: من يتطلب العنت، وهو الوقوع فيما لا يستطيع الإنسان الخروج عنه، والمراد بالمتعنت شرعًا: من ينكر ما ينفعه ويريد الإضرار بغيره. وبالمخاصم: من ينكر ما يضره. كذا في الفوائد الظهيرية. (فالقول قول المسلم إليه) (١) (٢) وبه قال الشافعي (٣) أي: بالاتفاق، (لأن رب السلم متعنت) لأنهما اتفقا على عقد واحد، واختلفا في بيان الصفة التي هي من شرائط العقد فمن يدعي الصحة كان الظاهر شاهدًا له؛ إذ الظاهر من حالهما مباشرة العقد بوصف الصحة، فكان القول قول من يشهد له الظاهر؛ لأنه أقرب إلى الصدق. كذا ذكره الإمام قاضي خان. وفي الكافي: كلام المتعنت مردود، فبقي قول صاحبه بلا معارض. وقوله: (لأن المسلم فيه يربو) إلى آخره، دليل فيه على قوله: (لأن رب السلم متعنت) لربا المسلم فيه على رأس المال عادة، فكان الخير له في صحة العقد، فإذا أنكر صحته فقد كان متعنتا. فإن قيل: لا نسلم أن المسلم فيه يربو، بل رأس المال خير وإن قل من المسلم فيه وإن حل؛ لما أن رأس المال نقد، والمسلم فيه نسيئة، وفي المثل السائر: النقد خير من النسيئة. قلنا: نعم كذلك إلا أن ذلك متروك بالعرف والعادة، فإن الناس مع وفور عقولهم يقدمون في عقد السلم، وما ذاك إلا لفائدة زائدة رأوها فيه، فكان النقد

стр. 4942

وَفِي عَكسِهِ قَالُوا: يَجِبُ أَنْ يَكُونَ القَولُ لِرَبِّ السَّلَمِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀، لِأَنَّهُ يَدَّعِي الصِّحَّةَ وَإِنْ كَانَ صَاحِبُهُ مُنكِرًا. وَعِندَهُمَا: القَولُ لِلمُسَلَّمِ إِلَيْهِ لِأَنَّهُ مُنكِرٌ وَإِنْ أَنْكَرَ الصِّحَّةَ، وَسَنُقَرِّرُهُ مِنْ بَعدُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى (وَلَو قَالَ المُسلَمُ إِلَيْهِ: لَم يَكُنْ لَهُ أَجَلٌ، وَقَالَ رَبُّ السَّلَمِ: بَلْ كَانَ لَهُ أَجَلٌ، فَالقَولُ قَولُ رَبِّ السَّلَمِ) بمقابلة زيادة فائدة مع كونه نسيئة، وإنما ذكر ربا المسلم فيه [لإثبات المعادلة بينه وبين رأس المال؛ لأن المسلم فيه] (١) وإن كان أكثر مالية عادة إلا أنه آجل، ورأس المال - وإن قلت ماليته - عاجل، والعاجل خير من الأجل، فينجبر قصور كل واحد منهما بوفور كل واحد منهما فيتعادلان. وذكر الإمام السرخسي أن القول قول المسلم إليه؛ لأنه هو الذي يلتزم الطعام بعقد السَّلَم، فالقول قوله في بيان صفة ما التزم، ثم اتفاقهما على أصل العقد اتفاق على ما هو شرط جواز العقد، ومن شرط جوازه بيان صفة الطعام، فقول رب السلم لم يسم صفة الطعام يكون رجوعًا عما أقرّ به، وسعيا منه في نقض ما تم من جهته. (وفي عكسه) بأن ادعى رب السَّلَم شرط الرديء، وأنكر المسلم إليه الشرط أصلا، لم يذكره في الكتاب. (قالوا) أي: المشايخ (يجب أن يكون القول لرب السلم عند أبي حنيفة)، وبه قال الشافعي. (لأنه يدعي الصحة)، والظاهر شاهد؛ لأن العقد الفاسد معصية، والظاهر عن حال المسلم التفادي عن المعصية. وسنقرره من بعد أي: في المسألة التي بعد هذه المسألة. (فالقول قول رب السلم) أي: بالاتفاق، وبه قال الشافعي؛ لأن كلام المسلم إليه خرج مخرج التعنّت؛ لأنه ينكر ما ينفعه وما هو حقه وهو الأجل؛

стр. 4943

لِأَنَّ المُسلَمَ إِلَيْهِ مُتَعَنِّتٌ فِي إِنكَارِهِ حَقًّا لَهُ وَهُوَ الأَجَلُ، وَالفَسَادُ لِعَدَمِ الأَجَلِ غَيْرُ مُتَيَقَّن لِمَكَانِ الِاجْتِهَادِ فَلَا يُعتَبَرُ النَّفْعُ فِي رَدّ رَأسِ المَالِ، بِخِلَافِ عَدَمِ الوَصفِ، وَفِي عَكسِهِ القَولُ لِرَبِّ السَّلَم عِندَهُمَا، لِأَنَّهُ يُنْكِرُ حَقًّا لَهُ عَلَيْهِ فَيَكُونُ القَولُ قَولُهُ، وَإِنْ أَنْكَرَ الصِّحَّةَ كَرَبِّ المَالِ إِذَا قَالَ لِلمُضَارِبِ: شَرَطتُ لَكَ نِصْفَ الرِّبح لأن الأجل لتوفية المسلم إليه، وهو استحسان، والقياس: أن يكون القول قول من يدعي الفساد؛ لأنه ينكر استحقاق موجب العقد الجائز، أو لأن السلم فيه لما كان يربو على رأس المال لا يكون منكر لزوم شيء، وهو زائد المالية على ما يقابله، فلا يكون متعنتا. وقوله: (والفساد بعدم الأجل غير متيقن لمكان الاجتهاد) فإن الشافعي (١) يجوز السلم حالا بلا أجل؛ لدفع سؤال مقدّر هو أن يقال: المسلم إليه ليس بمعنت؛ لأنه يدَّعي الفساد ورد رأس المال، وفيه نفع له يعود رأس المال إليه، فقال: والفساد غير متيقن، يعني في كلام المسلم إليه تعنت من حيث إنه ينكر حقا له وهو الأجل كما بينا، وليس فيه تعنت من حيث إنه يدعي الفساد لأجل رد رأس المال وله في ذلك نفع، والجهة التي بها يصير متعنتا، وهو إنكار الأجل - قطعية؛ فإن كون الأجل حقا له وفيه منفعته قطعي، والجهة التي بها يتحقق انعدام التعنت مبنية على النفع برد رأس المال، مبنية على الفساد، وهو غير قطعي بل ظنية؛ لكونه مجتهدا فلا تعارض جهة الظنية لجهة القطعية. كذا في جامع قاضي خان. (بخلاف عدم الوصف) أي: الاختلاف في الوصف وهي المسألة الأولى، فإن فساد السلم بسبب ترك الوصف متيقن غير مجتهد فيه، فكان رب السلم هناك متعنيا. (وفي عكسه) بأن ادعى المسلم إليه الأجل، وأنكره ربُّ السَّلَم، فالقول قول المسلم إليه عند أبي حنيفة (٢)، وعندهما القول لرب السلم؛ لأنه منكر حقًا له وهو تسليم رأس المال إلى المسلم إليه بإنكار الأجل، وإن أنكر صحة العقد.

стр. 4944

إِلَّا عَشَرَةَ، وَقَالَ المُضَارِبُ: لَا بَلْ شَرَطتَ لِي نِصف الرِّبحِ، فَالقَولُ لِرَبِّ المَالِ، لِأَنَّهُ يُنكر استحقاق الرِّيحِ وَإِنْ أَنْكَرَ الصِّحَّةَ. وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀: القَولُ لِلمُسلَمِ إِلَيْهِ، لِأَنَّهُ يَدَّعِي الصِّحَّةَ وَقَدْ اتَّفَقَا عَلَى عقد وَاحِد، فَكَانَا مُتَّفِقِينَ عَلَى الصِّحَّةِ ظَاهِرًا، بِخِلَافِ مَسْأَلَةِ المُضَارَبَةِ، لِأَنَّهُ لَيْسَ بلازم. قوله: (إلا عشرة) وفي بعض النسخ: (وزيادة عشرة)، وهذه النسخة ليست بصحيحة؛ لأن على ذلك التقدير القول للمضارب بالإجماع، والصحيح النسخة الأولى؛ لأنه على ذلك التقدير كان القول لرب المال. والمقيس عليه في هذه المسألة في شروح المبسوط وشروح الجامع والفوائد الظهيرية والتتمة: بلفظ الاستثناء. (على الصحة ظاهرًا) إذ الظاهر من حال المسلم الامتناع عن العقد الفاسد، ولأن شرط الشيء تبع له، فكان الاتفاق على العقد اتفاقًا على شرائطه، فصارا متفقين على الصحة، فإنكار الأجل بعده رجوع عما أقرَّ، والرجوع عن الإقرار باطل، ألا ترى أن الاختلاف بين الزوجين لو وقع في أن النكاح بشهود أو بغير شهود بعد اتفاقهما على النكاح كان القول لمن يدّعي صحة النكاح. كذا في المبسوط (١)، وقال الشافعي بقول أبي حنيفة. (بخلاف المضاربة؛ لأنه) أي: عقد المضاربة (ليس بلازم) ولهذا يتمكن [رب المال من عزله قبل شراء المضاربة برأس المال شيئًا، وكذا المضارب يتمكن] (٢) من فسخه، وإذا كان غير لازم يرتفع باختلافهما فإذا ارتفع بالإنكار بقي دعوى المضارب في استحقاق الربح في مال المضارب وهو منكر، فالقول له، بخلاف السلم فإنه لازم فبالاختلاف لا يرتفع، فكان مدعي الفساد متعنا فكان مردودًا؛ لأنه إذا صح كان شركة، وإذا فسد كان إجارة، فلم يتفقا على عقد واحد، وذلك أن لزومه دليل على أن الحق الثابت لكل واحد من المتعاقدين حق لازم في العقد؛ لأنه حق محترم بدليل عدم تفرد أحدهما بالفسخ وما كان ذلك لصيانة حق الآخر.

стр. 4945

فَلَا يُعتَبَرُ الاختِلافُ فِيهِ، فَيَبقَى مُجَرَّدَ دَعوَى استحقَاقِ الرِّبحِ، أَمَّا السَّلَمُ فَلَازِمٌ فَصَارَ الأَصلُ: أَنَّ مَنْ خَرَجَ كَلَامُهُ تَعَنُّنا فَالقَولُ لِصَاحِبِهِ بِالاتِّفَاقِ، وَإِنْ خَرَجَ خُصُومَة وَوَقَعَ الاتِّفَاقُ عَلَى عَقد وَاحِد فَالقَولُ لِمُدَّعِي الصِّحَّةِ عِندَهُ، وَعِندَهُمَا: لِلمُنكِرِ وَإِنْ أَنْكَرَ الصِّحَّةَ. ولأن المقصود من الدعوى الالتزام، ولا يتحقق ذلك إلا في حق موصوف بصفة اللزوم مشتملا على المقصود وهو الالتزام (١)، أما دعوى العقد الذي هو غير موصوف بصفة اللزوم لا يكون مشتملا على المقصود، [وإذا كان كذلك فكل عقد] (٢) موصوف باللزوم يعتبر فيه الدعوى والاختلاف في العقد، وعقد المضاربة غير موصوف بصفة اللزوم، فلم تعتبر فيه الدعوى والاختلاف، فبقي مجرد دعوى الربح. كذا في الفوائد الظهيرية. وهذا معنى قول المصنف: (فلم يعتبر الاختلاف فيه). وفي مبسوط شيخ الإسلام في المتنازع فيه: البقاء على عقد واحد، وفي المضاربة على عقد واحد بل اختلفا، فرب المال يدّعي الإجارة، فإن المضاربة متى فسدت صارت إجارة فاسدة، وادعى المضارب الشركة، فإنها إذا جازت كانت شركة، ورب المال ينكر ذلك وأقر بالإجارة، فيكون القول له، بخلاف مسألتنا؛ فإن السلم الحال فاسد وليس بعقد آخر؛ ألا ترى أنه يحنث به في حلفه لا يسلم. فإن قيل: يشكل بما لو قال رب المال: شرطت لك نصف الربح وزيادة عشرة، والمضارب ينكر؛ فإن القول فيه للمضارب، ولم يقل إنهما اختلفا في نوع العقد. قلنا: المضارب ادَّعى الصحة والشركة، ورب المال أقر له بذلك بقوله: شرطتُ نصف الربح. ثم بقوله: (وبزيادة عشرة) يدعي الفساد بعدما أقر بجوازه؛ لأن قوله:

стр. 4946

قَالَ: (وَيَجُوزُ السَّلَمُ فِي الثِّيَابِ إِذَا بَيَّنَ طُولًا وَعَرَضًا وَرُقْعَة) لِأَنَّهُ أَسْلَمَ فِي (وزيادة عشرة) معطوف على قوله: (وشرطت لك) فأوّل الكلام لا يتوقف على آخره، بخلاف قوله: (إلا عشرة) فإن هذا استثناء، وأوّل الكلام مما يقف على الاستثناء. كذا ذكره قاضي خان. فإن قيل فيه: يحنث؛ لأنه ذكر في الأصول في مسألة نكاح الأختين موقوفًا، فإذا قال الفضولي: أجزت نكاح هذه وهذه؛ فإنه يتوقف أوله على آخره بوجود المغيّر في آخره وإن كان بحرف العطف، وهاهنا وجد المغير، فإن قوله: (وزيادة عشرة) لقوله: (شرطت لك نصف الربح) فينبغي أن يتوقف. فإن قيل: إذا اختلف الزوجان في النكاح فقال الزوج: تزوجتك حال ما كنت صغيرًا، وقالت المرأة: تزوجتني بعد البلوغ؛ فالقول قول الزوج وإن كان فيه فساد العقد. قلنا: هاهنا ما أقر بالعقد، بل أنكر العقد حيث أسنده إلى حال عدم الأهلية. قوله: (رقعة)، الرقعة: الغلظة والثخانة، كذا في المغرب (١). وقيل: المراد عدد الكرباس؛ يعني: أنه كثير الرقاع، أو قليل (٢) الرقاع، وقيل: تعريفه بأنه خُمَاسِيًّا أو سُدَاسِيًّا. ولا خلاف للأئمة الأربعة في جواز السلم في الثياب ببيان الطول والعرض والرقعة، وإنما الخلاف في اشتراط بيان الوزن في الثوب الحرير فعندنا شرط، وعند الشافعي (٣) ومالك (٤) وأحمد (٥) ليس بشرط. وكذا يجوز في البواري والجوالق (٦) والمسوح والأكسية والبسط استحسانًا إذا بين طولا وعرضًا وصنعة؛ لما روي عن ابن مسعود أنه قال: «يجوز السَّلَم

стр. 4947

مَعلُوم مَقدُورِ التَّسْلِيمِ عَلَى مَا ذَكَرنَا، وَإِنْ كَانَ ثَوبَ حَرِير لَا بُدَّ مِنْ بَيَانِ وَزِنِهِ أَيْضًا لِأَنَّهُ مَقْصُودٌ فِيهِ. (وَلَا يَجُوزُ السَّلَمُ فِي الجَوَاهِرِ وَلَا فِي الخَرَزِ) لِأَنَّ آحَادَهَا مُتَفَاوِتَةٌ تَفَاوُتًا فَاحِشًا، وَفِي صِغَارِ اللُّؤْلُةِ الَّتِي تُبَاعُ وَزنا يَجُوزُ السَّلَمُ، في كل شيء إلا الحيوان، ولأنه أسلم في معلوم لا ينقطع كما في المكيل والموزون. كذا في جامع قاضي خان. (لا بد من بيان وزنه)، في المبسوط (١): إذا أسلم في الحرير ينبغي أن يشترط؛ لأن قيمته تختلف باختلاف الوزن، وينبغي أن يشترط بيان الطول والعرض مع الوزن؛ لأن المسلم إليه ربما يأتي وقت حلول الأجل بقطع الحرير بذاك، ونحن نعلم يقينًا أنه لم يرد به قطع الحرير، وأما في غيره من الثياب فلا يشترط بيان الوزن؛ لأنها لا تختلف باختلاف الوزن. ذكره في الذخيرة. وذكر الإمام السرخسي اشتراط بيان الوزن في الوذاري وما يختلف بالثقل والخفة. وفي المنتقى: إذا باع ثوب حرير يدا بيد لا يجوز إلا وزنًا. وفي المحيط: وفي اشتراط ذكر الوزن في الحرير اختلاف المشايخ، والصحيح أنه يشترط، وفيه: لو شرط كذا كذا ذراعًا؛ فله ذراع وسط، واختلف في تفسير الوسط؛ قيل: أراد به الفعل، يعني لا يمد كل المد ولا يرخى كل الإرخاء، قيل: أراد به الخشب؛ لأنه يتفاوت، وفي الأسواق قال شيخ الإسلام: والصحيح أنه يُحمل عليهما نظرًا للجانبين. قوله: (ولا يجوز السلم في الجواهر)، ولا خلاف فيه للفقهاء إلا لمالك (٢) فإنه يجوز عنده. (وفي صغار اللؤلؤ التي تباع وزنًا يجوز السلم)؛ لأنه يدق ويُجعل في الدواء، ولا خلاف فيه أيضًا للفقهاء (٣).

стр. 4948

لِأَنَّهُ مِمَّا يُعلَمُ بِالوَزْنِ (وَلَا بَأْسَ بِالسَّلَم فِي اللَّبِنِ وَالآجُرِّ إِذَا سَمَّى مِلبَنا مَعلُومًا) لِأَنَّهُ عَدَدِيٌّ مُتَقَارِبُ لَا سِيَّمَا إِذَا سُمِّيَ المَلبَنُ. قَالَ: (وَكُلُّ مَا أَمْكَنَ ضَبْطُ صِفَتِهِ وَمَعرِفَةٌ مِقدَارِهِ جَازَ السَّلَمُ فِيهِ) لِأَنَّهُ لَا يُفْضِي إِلَى المُنَازَعَةِ (وَمَا لَا يُصْبَطُ صِفَتُهُ وَلَا يُعرَفُ مِقدَارُهُ لَا يَجُوزُ السَّلَمُ فِيهِ) لِأَنَّهُ دَيْنٌ، وَبِدُونِ الوَصْفِ يَبْقَى مَجْهُولًا جَهَالَة تُفضِي إِلَى المُنَازَعَةِ (وَلَا بَأسَ بِالسَّلَم فِي طَست أَوْ قُمقُمَة أَوْ خُفَّينِ أَوْ نَحوَ ذَلِكَ إِذَا كَانَ يُعرَفُ) لِاسْتِجَمَاعِ شَرَائِطِ السَّلَمِ (وَإِنْ كَانَ (لأنه مما يُعلم بالوزن)، ولا تتفاوت أحاده أيضًا. وفي المجتبى: قوله: (ملبنًا) يحتمل (١) ما يضرب منه اللبن وهو المكان، وما يضرب به وهو الآلة، وذكر في المحيط أنه يُشترط بيان مكانه والآلة. وقيل: لا يشترط بيان مكانه، وبقولنا قال الشافعي. قوله: (و كل ما أمكن ضبط صفته) إلى آخره؛ لا خلاف للفقهاء، حتى جاز السلم في كل ما هو من ذوات الأمثال (٢)، كالقطن والكتان والإبريسم والنحاس والتبر والحديد والرصاص والصفر والحناء والوشمة والرياحين اليابسة، وفي الجذوع إذا بين الطول والعرض، وكذا السَّاج وصفوف العيدان والخشب والقصب والغزل، ويجوز السلم في التبن كيلا، وكيله الغرائر. وقيل: إنه موزون، وقيل: المعتبر هو التعارف. كذا في المجتبى. قوله: (أو نحو ذلك) مثل الكوز والآنية من النحاس والصفر والقلنسوة، وبه قال الشافعي (٣) وإن كان يتساوى جوانبه، ويمكن العبارة عن ثخانته وطوله وعرضه، وما يختلف به الغرض، فأما إن كان أجزاؤه تختلف كالقماقم (٤) والطواجن والأواني المتخذة من الصفر والزجاج والكيزان (٥) والحباب؛ فلا يجوز لتفاوت أجزائها فمنها ما يكون أعلاه أوسع وأسفله أضيق وبالعكس، وقد

стр. 4949

لَا يُعرَفُ فَلَا خَيْرَ فِيهِ لِأَنَّهُ دَيْنٌ مَجْهُولٌ. قَالَ: (وَإِنْ اسْتَصْنَعَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ بِغَيْرِ أَجَل جَازَ استحسَانًا) لِلإِجْمَاعِ الثَّابِتِ بِالتَّعَامُلِ. يكون وسطه كذلك. كذا في تتمتهم (١)، وعندنا إن كان كذلك لا يعرف فلا يجوز أيضًا (٢). قوله: (وإن استصنع شيئًا من ذلك) من الطشت والقُمْقُمة والخف، قال أبو اليسر في جامعه: صورة الاستصناع أن يجيء إلى خَفَّاف ويقول له: اخرز لي خفا صفته كذا وقدره كذا بكذا، ويُسلّم الدراهم كله أو بعضه، أو لا يسلم. وفي القياس لا يجوز، وهو قول زفر (٣) والشافعي (٤)؛ إذ لا يمكن تحريره إجارة؛ لأنه استئجار على العمل في ملك الغير؛ إذ الأديم ملك الصانع ولا يبقى لأنه معدوم، وقد «نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عن بَيعَ مَا لَيْسَ عند الإنسان» (٥) وهذا في حكم بيع العين، فلو كان موجودًا غير مملوك للعاقل لا يجوز، فإذا كان معدومًا أولى ألا يجوز، ولكنا تركنا القياس وجوزنا الاستصناع بتعامل الناس من لدن رسول الله ﷺ إلى يومنا هذا من غير نكير. والتعامل بهذه الصفة أصل كبيرٌ؛ لقوله ﵇: «ما رآه المُسْلِمُونَ حَسَنًا فَهُو عند الله حسن» (٦)، وقال: «لَا تَجْتَمِع أُمّتي عَلَى الضَّلَالَةِ» (٧) وفي الحديث

стр. 4950

وَفِي القِيَاسِ: لَا يَجُوزُ لِأَنَّهُ بَيعُ المَعدُومِ، وَالصَّحِيحُ: أَنَّهُ يَجُوزُ بَيعا لَا عِدَة، أنه ﵇ «استصنع خاتما، أو استصنع المنبر»، وهو نظير دخول الحمام بالأجر فإنه جائز بالتعامل، وإن كان مقدار ما يمكث فيه وما يصب من الماء مجهولا، وكذا شرب الماء من السقا بفلس، والحجامة بأجر وإن لم يكن مقدار ما يشرط وما يضع من الكبة على ظهره معلومًا. وهذا القياس فيما فيه تعامل للناس، وفيما لا تعامل فيه لا يُترك، بأن يستصنع حائكًا ثوبًا لينسجه بغزل نفسه. ثم اختلف المشايخ أنه مواعدة أو معاقدة؛ قال الحاكم الشهيد: مواعدة (١) وإنما ينعقد العقد بالتعاطي عند الفراغ؛ ولهذا يثبت لكل منهما الخيار، فكان للصانع أن يمتنع من العمل. كذا في المبسوط. قال السيد الإمام في المنشور: وهو اختيار أبي القاسم الصفار ومحمد بن سلمة، وبه نأخذ، ولا تلزم المعاملة والمزارعة على قول أبي حنيفة (٢) فإنهما فاسدان مع التعامل؛ لأن الخلاف في الصدر الأول، وهذا إذا كان على الاتفاق. كذا ذكره الإمام قاضي خان. (والصحيح أنه) أي: الاستصناع (يجوز (٣) بيعًا لا عدة)؛ لأن محمدًا ذكر فيه القياس، والاستحسان يجوز قياسًا واستحسانًا، ولأنه جوزه فيما فيه تعامل

стр. 4951

وَالمَعدُومُ قَدْ يُعتَبَرُ مَوجُودًا حُكمًا، وَالمَعقُودُ عَلَيْهِ العَينُ دُونَ العَمَلِ، لا فيما لا تعامل فيه، والمواعيد تجوز في الكل؛ ولأنه سماه شراءً فقال: إذا رآه المستصنع فإنه بالخيار فإنه اشترى ما لم يره، ولأنه أثبت فيه خيار الرؤية، وهو يثبت في البيع لا في الوعد، ولأن الصانع لو قبض الدراهم يملكها، ولو كان موعدًا لا يملكها. كذا في المبسوط (١) والذخيرة. قال أبو اليسر في جامعه بثبوت الخيار لكل واحد منهما، وبه لا يتبين أنه ليس ببيع؛ إذ لو تبايع الرجلان عرضًا بعرض ولم [ير] (٢) كل واحد ما اشتراه؛ فلكل واحد منهما الخيار، وهذا بيع محض. وقوله: (لا عدة) (٣) نفي لقول الحاكم الشهيد كما ذكرناه. قوله: (وقد يعتبر) جواب عن قولهما: إنه بيع معدوم، يعني: قد يعتبر المعدوم موجودًا حكمًا؛ للعادة، كطهارة المستحاضة، وعكسه الماء المستحق للعطش، وكالمسلم فيه، والتسمية عند الذبح للنسيان، وكالقراءة في الفرض في الآخرتين، وفي حق المقتدي، وكالرهن بالدين الموعود، وقد تحققت الحاجة هنا؛ إذ كل واحدٍ لا يجدُ خُفًا يوافق رجليه، أو خاتما يوافق إصبعه، وبيع المعدوم قد يجوز للحاجة، أصله بيع المنافع. وبقوله: (والمعقود عليه العين دون العمل) ينفي قول أبي سعيد البردعي، فإنه يقول: المعقود عليه العمل؛ لأن الاستصناع استفعال من الصنع وهو العمل، فتسمية العقد به دليل على أنه هو المعقود عليه، والأديم (٤) والصرم (٥) فيه بمنزلة الآلة للعمل، ولكن الأصح أن المعقود عليه العين؛ لأن المقصود هو المستصنع، وذكر الصنعة لبيان الوصف. والدليل عليه أن محمدًا أثبت خيار الرؤية فيه، وهو إنما يكون في بيع

стр. 4952

حَتَّى لَو جَاءَ بِهِ مَفْرُوعًا لَا مِنْ صَنعَتِهِ أَوْ مِنْ صَنعَتِهِ قَبْلَ العَقدِ فَأَخَذَهُ جَازَ، العين، وكذ (ا لو جاء به مفروعًا عنه لا من صنعته، أو من صنعته قبل العقد فأخذه جاز)، ولو كان بعد العقد يجبر الأمر على القبول، كذا في المبسوط (١). فإن قيل: لو كان تبعًا لما بطل بموت الصانع، فإن الإمام قاضي خان ذكر في الجامع أنه يبطل بموت الصانع أو المستصنع، والبيع لا يبطل بموتهما. قلنا: للاستصناع شَبَه بالإجارة من حيث إن فيه طلب الصنع وهو العمل، وشبه بالبيع من حيث إن المقصود عين المستصنع فيه؛ فلشبهة بالإجارة قلنا: يبطل بموت أحدهما، ولشبهه بالبيع، وهو المقصود، أجرينا فيه القياس والاستحسان، وأثبتنا فيه خيار الرؤية، ولم نوجب تعجيل الثمن في مجلس العقد. وفي الذخيرة: أنه إجارة ابتداءً وبيع انتهاءً، ولكن قبل التسليم لا عند التسليم؛ بدليل أنهم قالوا: إذا مات الصانع قبل تسليم العمل بطل الاستصناع، ولا يستوفى المصنوع من تركته. كذا ذكره (٢) محمد في كتاب البيوع. فإن قيل: لو كان ينعقد إجارة لكان الصانع يُجبر على العمل، ويجبر المستصنع على إعطاء الدراهم كما في سائر الصنائع والإجارات، ولو أتى الصانع بمصنوع صنعه قبل العقد برئ عما لزمه بالاستصناع. قلنا: الروايات في لزوم الاستصناع وعدم لزومه مختلفة، فروى أبو يوسف عن أبي حنيفة أن الصانع لا يجبر على العمل بل يتخير، وإذا أتى بالمصنوع لا يجبر المستصنع على القبول. فوجه ذلك: أما الصانع لا يجبر على العمل؛ لأنه لا يمكنه العمل إلا بإتلاف عين له، والإجارة تفسخ بهذا العقد؛ ألا ترى أن المزارع له أن يمنع من العمل إذا كان البذر من جهته، وكذلك رب الأرض؛ لأنه لا يمكنه المضي بهذه الإجارة [إلا بإتلاف عين، فكذا هذا.

стр. 4953

وَلَا يَتَعَيَّنُ إِلَّا بِالاحْتِيَارِ، حَتَّى لَو بَاعَهُ الصَّانِعُ قَبْلَ أَنْ يَرَاهُ المُستَصنِعُ جَازَ، وَهَذَا كُلُّهُ هُوَ الصَّحِيحُ. قَالَ: (وَهُوَ بِالخِيَارِ إِذَا رَآهُ، إِنْ شَاءَ أَخَذَهُ، وَإِنْ شَاءَ تَرَكَهُ) لِأَنَّهُ اشْتَرَى شَيْئًا لَم وأما لا يجبر المستصنع على إعطاء الدراهم وإن شرط تعجيله؛ لأن هذه الإجارة في الآخرة كان] (١) شراء ما لم يره. ومن اشترى ما لم يره كان له أن يفسخ العقد ولا يعطي البدل، ولأن جواز الاستصناع بخلاف القياس لأجل الحاجة، والضرورة في الجواز لا في اللزوم، وعن هذا قلنا: إن للصانع أن يبيع المصنوع قبل أن يراه المستصنع؛ لأن العقد ليس بلازم فإذا رآه ورضي به ليس له أن يبيعه؛ لأن الصانع بالإحضار أسقط خياره ولزم العقد من جانبه، فإذا رضي به المستصنع ثبت اللزوم في حقه أيضا. وقال أبو يوسف: آخرًا لا خيار لواحد منهما؛ بل يجبر الصانع على العمل، ويجبر المستصنع على القبول؛ لأن الصانع ضمن العمل فيجبر عليه، والمستصنع لو لم يجبر على القبول لتضرر به الصانع؛ لأنه عسى لا يشتريه منه غيره أصلا أو لا يشتري بذلك القدر، فيجبر دفعا للضرر عن الصانع. وأما قوله: لو أتى بمصنوع صنعه قبل العقد لا يُجبر على العمل. قلنا: المقصود من العمل المعمول، وقد حصل، فقد سقط العمل. هذا كله من الذخيرة. (ولا يتعين) أي: لا يتعين المستصنع الذي اتخذه لأجل المستصنع (إلا بالاختيار) أي: باختيار المستصنع؛ إذ لو تعيَّن لما جاز بيعه قبل اختياره. ذكره في المبسوط (٢). وهذا لكونه بيعًا لا عدة، وكون المعقود عليه الدين دون العمل، وكونه لا يتعين إلا باختياره. (هو الصحيح) لما أن في كل واحدٍ منها خيرٌ آخر كما يجيء بعد هذا. (وهو) أي: المستصنع (بالخيار إذا رآه، إن شاء أخذه وإن شاء تركه) لما

стр. 4954

يَرَهُ وَلَا خِيَارَ لِلصَّانِعِ، كَذَا ذَكَرَهُ فِي المَبسُوطِ وَهُوَ الأَصَحُّ، لِأَنَّهُ بَاعَ مَا لَم يَرَهُ. وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀: أَنَّ لَهُ الخِيَارَ أَيضًا، لِأَنَّهُ لَا يُمكِنُهُ تَسْلِيمُ المَعْقُودِ عَلَيْهِ إِلَّا بِضَرَر وَهُوَ قَطعُ الصَّرمِ وَغَيْرِهِ. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ: أَنَّهُ لَا خِيَارَ لَهُمَا أَمَّا الصَّانِعُ: فَلِمَا ذَكَرنَا. وَأَمَّا المُستَصنِعُ: فَلِأَنَّ فِي إِثْبَاتِ الخِيَارِ لَهُ إِصْرَارًا بِالصَّانِعِ، لِأَنَّهُ رُبَّمَا ذكرنا أنه بيع العين، فكان مشتريا، والمشتري بالخيار إذا رآه، ولا خيار للصانع؛ بل يُجبر على العمل؛ لأنه باع ما لم يره، وهذا مخالف لما ذكر في الذخيرة من رواية أبي يوسف عن أبي حنيفة أن له الخيار، ورواية جامع أبي اليسر، وكذا ذكره قاضي خان. (أن له) أي: للصانع (الخيار أيضًا). (وهو) [أي] (١): الضرر (قطع الصرم وغيره) كإتلاف الحنطة في حرزه. فإن قيل: هذا ضرر مَرْضِيٌّ في حق الصانع؛ لأنه من لوازمه. قلنا: جاز أن يكون رضاه بسبب ظن أن المستصنع مجبور على القبول، فلما علم أن المستصنع مختار في القبول لا يرضى حينئذ بقطع الصرم وإتلاف الخيط، غاية الأمر أن هذا التقرير يقتضي اعتبار الجهل عذرًا، والجهل ليس بعذر في دار الإسلام؛ لأنا نقول: خيار المستصنع اختيار بعض المتأخرين من أصحابنا، وليس على كل أحد من المسلمين في دار الإسلام أن يعلم أقوال جميع المجتهدين؛ إذ لو كان ذلك مشروطًا كان كل الناس علماء وأهل الفتوى، وليس ذلك بمأخوذ على الناس؛ بل الجهل ليس بعذر في دار الإسلام في الفرائض التي لا بد منها لإقامة دينه لا في حيازة اجتهاد جميع المجتهدين. كذا في الفوائد الحميدية. (أما الصانع فلما ذكرنا) وهو أن الاستصناع يجوز بيعا لا عدة، والبائع إذا باع شيئًا لم يره لا يكون له الخيار.

стр. 4955

لَا يَشتَرِيهِ غَيْرُهُ بِمِثْلِهِ وَلَا يَجُوزُ فِيمَا لَا تَعَامُلَ فِيهِ لِلنَّاسِ كَالثَّيَابِ لِعَدَمِ المُجَوَّزِ وَفِيمَا فِيهِ تَعَامُلٌ إِنَّمَا يَجُوزُ إِذَا أَمْكَنَ إِعْلَامُهُ بِالوَصفِ لِيُمكِنَ التَّسْلِيمُ، وَإِنَّمَا قَالَ: بِغَيْرِ أَجَل، لِأَنَّهُ لَو ضَرَبَ الأَجَلَ فِيمَا فِيهِ تَعَامُلٌ يَصِيرُ سَلَمًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ خِلَافًا لَهُمَا، (لا يشتريه) أي: للمستصنع (غيره) غير الصانع (بمثله) أي: بمثل ما اشتراه، وقد لا يشتريه غيره أصلا، كما لو استصنع واعظ منبرًا يعظ الناس عليه، فالعاصي لا يشتريه أصلا. وفي المبسوط: فرق في ظاهر الرواية بين هذا والمسلم، وقال: لا فائدة في إثبات الخيار في السلم لرب السلم؛ لأن للسَّلَم فيه دين، وبرد المقبوض يعود دينا كما كان، أما هاهنا إثبات الخيار في المبيع مقيد؛ لأنه مبيع عين فيرده بنفس العقد ويعود إليه رأس ماله. توضيحه أن إعلام الدين بذكر الصفة؛ إذ لا تُتصوَّر فيه المعاينة، فقام ذكر الوصف فيه مقام الرؤية في بيع العين، فأما إعلام العين فتمامه بالرؤية، والمستصنع فيه مبيع عين، فيثبت فيه خيار الرؤية كالثياب (١). وفي الكافي: كالجباب والثياب، وصورته أن يُدفع إلى حائك دينارًا لينسج له ثوبا من غزل نفسه. قوله: (لو ضرب الأجل) أي: الأجل الذي يضرب للمسلم فيه، فإنه ذكر في المبسوط: هذا ذكر على سبيل الاستمهال بأن أجل شهرًا أو ما فوقه، أما إذا كان على سبيل الاستعجال بأن قال: على أن يفرغ عنه غدًا أو بعد غد؛ فهذا لا يكون سلمًا؛ لأن ذكر المدّة للفراغ من العمل، لا لتأخير المطالبة بالتسليم؛ ألا ترى أنه ذكر أدنى مدة الفراغ فيها من العمل. وحكي عن الهندواني أنه قال: إذا كان ذكر المدة من قبل المستصنع فهو للاستعجال فلا يصير به سلما، وإن كان من قِبَل الصانع فهو سلم؛ لأنه يذكره على سبيل الاستمهال.

стр. 4956

وَلو ضَرَبَهُ فِيمَا لَا تَعَامُلَ فِيهِ، يَصِيرُ سَلَماً بِالاتِّفَاقِ *. لَهُمَا: أَنَّ اللَّفظَ حَقِيقَةٌ للاستصنَاعِ فَيُحَافَظُ عَلَى قَضِيَّتِهِ وَيُحْمَلُ الأَجَلُ عَلَى التَّعْجِيلِ، بِخِلَافِ مَا لَا تَعَامُلَ وقيل: إن ذكر أدنى مدة يتمكن فيها من العمل فهو استصناع، وإن كان أكثر من ذلك فهو سلم؛ لأن ذلك يختلف باختلاف المدة فلا يمكن تقديره بشيء معلوم، وبقول أبي حنيفة يقول الشافعي (١) ومالك (٢) وأحمد (٣)؛ لأنهم لا يجوزون الاستصناع، ثم فيما كان سلمًا يُشترط فيه ما يُشترط في السلم من تعجيل رأس المال واستقصاء الوصف وعدم جواز خيار الرؤية. (على قضيته) أي: قضية الاستصناع أو اللفظ، وذلك لأن ذكر الأجل محتمل، فإنه يحتمل أن يكون للتعجيل، ويحتمل أن يكون للاستمهال، والاستصناع مُحكم في تناوله، وما وضع له غير محتمل لشيء آخر، فيحمل المحتمل على المحكم فيقال: إن ذكر الأجل للتعجيل. وفي المبسوط: الاستصناع بدون ذكر الأجل عقد جائز غير لازم، فبذكر الأجل لا يصير لازمًا، كعقد الشركة والمضاربة؛ وهذا لأن ذكر الأجل للترفيه وتأخير المطالبة، فلا يتغير به العقد من جنس إلى جنس، ولو كان الاستصناع بذكر الأجل سلما لصار السلم بحذف الأجل استصناعًا، ولو كان هذا سلما لكان سلمًا فاسدًا؛ لأنه شرط فيه صنعة صانع بعينه، وذلك مفسد للسلم، وأبو حنيفة يقول: إنه، أي: المستصنع، مبيع دين، ومبيع الدين لا يكون إلا سلما، كما لو ذكر لفظة السلم (٤). وبيانه أن المستصنع فيه مبيع، والأجل لا يثبت إلا في الديون، فلما ثبت الأجل هاهنا عرفنا أنه مبيع دين. توضيحه أن المعتبر ما هو المقصود، وبه يتغير العقد لا باعتبار اللفظ؛ ألا ترى أنه لو قال: ملكتك هذا العين بعشرة دراهم كان بيعًا، ولو قال: ملكتك

стр. 4957

فِيهِ لِأَنَّهُ اسْتِصْنَاعٌ فَاسِدٌ فَيُحمَلُ عَلَى السَّلَمِ الصَّحِيحِ. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ: أَنَّهُ دَيْنٌ يَحْتَمِلُ السَّلَمَ، وَجَوَازُ السَّلَم بِإِجْمَاع لَا شُبهَةَ فِيهِ، وَفِي تَعَامُلِهِم الاسْتِصْنَاعُ نَوعُ شُبهة فَكَانَ الحَملُ عَلَى السَّلَمِ أَولَى، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. سكنى هذه الدار بعشرة دراهم شهرًا كان إجارة، فعرفنا أن المعتبر هو المقصود، ومتى ضربا له أجلًا عُرف أنهما قصدا مباشرة عقد السلم. ثم السلم أقرب إلى الجواز من الاستصناع فإن كل واحدٍ منهما مُستحسن، ولكن الآثار في السَّلَم مشهورة، حتى جاز فيما فيه تعامل وفيما لا تعامل فيه، فكان الأصل فيما قصداه إلا إذا تعذر جعله سلما بأن لم يذكرا فيه أجلا، فحينئذٍ يُجعل استصناعًا، ولأن الأجل مؤخر للمطالبة ولا يكون ذلك إلا بعد لزوم العقد، واللزوم في السلم دون الاستصناع، فثبوت الأجل فيه دليل على أنه سلم، وذكر الصنعة لبيان وصف المسلم فيه؛ ولهذا لو جاء به مفروعًا عنه لا من صنعته يجبر على القبول، وبهذا يتبين فساد قولهما: إنه سلم شُرط صنعة صانع بعينه، وما قالا: إن السَّلَم بحذف الأجل لا يصير استصناعًا؛ يشكل بالمتعة حيث لا تكون نكاحًا بحذف المدة عنها، ثم النكاح بذكر المدة فيه يصير متعة بأن تزوج امرأة شهرًا. الكل من المبسوط (١). قوله: (نوع شبهة) فإن زفر (٢) والشافعي ينكران شرعيته، ولأنه عدة عند البعض لا بيع، فلا يُجبر على التسليم، ولأن جوازه بتعامل الناس، وتعاملهم في كل البلاد غير معلوم، فكان في تجويزه (٣) شُبهة، ولأنه نُقل عن الصحابة تعاملهم السَّلَم، وفي تعاملهم الاستصناع شبهة، والسلم مذكور في الكتاب والسنة فكان أقرب إلى الجواز، وذكر الأجل نص على السلم، فكان حمل اللفظ على السلم أولى.

стр. 4958

مَسَائِلُ مَنثُورَةٌ قَالَ: (وَيَجُوزُ بَيعُ الكَلبِ وَالفَهْدِ وَالسِّبَاعِ المُعَلَّمُ وَغَيْرُ المُعَلَّمِ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ) وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيعُ الكَلبِ العَقُورِ، لِأَنَّهُ غَيْرُ مُنتَفَع (*) بِهِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يَجُوزُ بَيعُ الكَلبِ، لِقَولِهِ ﵊: «إِنَّ مِنْ السُّحتِ مَهرَ البَغِيِّ وَثَمَنَ الكَلبِ» وَلِأَنَّهُ نَجِسُ العَينِ، وَالنَّجَاسَةُ تُشعِرُ بِهَوَانِ المَحَلِّ، وَجَوَازُ البَيعِ يُشعِرُ بِإِعْزَازِهِ فَكَانَ مُنتَفِيًا. (مَسَائِلُ مَنْثُورَةٌ) قوله: (لأنه غير منتفع) فلا يكون مالا محلا للبيع. وفي شرح الإرشاد: يجب قتله ويُحرّم اقتناؤه فلا يجوز بيعه كما في الخنزير، وبيع المعلم يجوز؛ لما روى جابر أنه ﵇ «نَهَى عَنْ بَيْعِ الكَلْبِ إِلا الكَلْبَ المُعلّم» (١). قال شمس الأئمة السرخسي: ولو كان العقور بحال يقبل التعليم يجوز بيعه في الصحيح من المذهب؛ لأنه حينئذ يكون منتفعًا مالا فيكون مالا محلًا للبيع. الدليل أن محمدًا ذكر في النوادر ولو باع الجرو يجوز؛ لأنه يقبل التعليم، وإنما لا يجوز بيع العقور الذي لا يقبل التعليم. (من السحت) أي: الحرام المحض الخالص. وقيل: السحت الحرام المستأصل. (ومهر البغي) أجرة الزانية، بغت المرأة بغاء، بالكسر والمد: زنت، إلا أنه قد يشبه فعيلًا بمعنى مفعول، فلا يفرق كقولهم: ملحفة جديدة، وسماه ثمنًا باعتبار صورة البيع. (فكان) أي: جواز البيع (منتفيًا) لأن العزة والهوان متنافيان لا يجتمعان،

стр. 4959

وَلَنَا: «أَنَّهُ ﵊ نَهَى عَنْ بَيعِ الكَلبِ إِلَّا كَلبَ صَيد أَوْ مَاشِيَة» ولأن سؤره نجس فيحرّم بيعه كالخنزير، وعكسه الشاة، وإنما جاز الانتفاع به اصطيادًا وحراسة ضرورة؛ لحاجة الناس كالخرز بشعر الخنزير. قوله: (وقال الشافعي (١): لا يجوز بيع الكلب) (٢) وبه قال أحمد (٣) وبعض أصحاب مالك (٤)، وقال بعض أصحاب مالك (٥): يجوز بيع الكلب المأذون بإمساكه ويكره، ويجوز الشافعي (٦) إجارة (٧) الكلب المعلم في أصح الوجهين. أما اقتناء الكلب للصيد وحفظ الزرع والبيوت والمواشي يجوز بالإجماع (٨)، وعنده لا يجوز بيع كل عين نجسة كالكلب والنمر والأسد. (لنا أنه ﵇ … ) الحديث رواه ابن عباس (٩). فإن قيل: المدعى جواز بيع جميع الكلاب، وهذا الحديث يقتضي جواز بيع كلب الصيد والماشية. قلنا: المقصود من إيراد الحديث إبطال مذهب الخصم، فإنه يدعي شمول عدم الجواز في الكل، أما إثبات المدعى والمذهب بما ذكر في الأسرار حديث عبد الله بن عمرو بن العاص فإنه قال: «قَضَى رسول الله ﷺ في كلب بأربعين درهمًا» (١٠)، فذكره مطلقًا من غير تخصيص في أنواع الكلاب في التضمين،

стр. 4960

ولأنه منتفع به حراسة واصطيادا، وتضمين المتلف دليل على تقومه وماليته، أو نقول: ثبت جواز بيع الكلب المعلم بقوله: «إلا كلب صيد» وجواز بيع الكلب الغير المعلم سوى العقور بقوله: «أو ماشية» فإن كل كلب يصلح لحراسة الماشية؛ إذ من عادته النباح عند حس الذئب أو السارق، فبقي العقور تحت المستثنى منه. كذا في الأسرار. قوله: (ولأنه) أي: الكلب (منتفع به حراسة واصطيادا) حقيقة وشرعا فكان مالا؛ لأن المال غير الآدمي خلق لمصالح الآدمي فيكون محلا للبيع. فإن قيل: الكلب يمسك للإنتفاع بمنافعه لا لعينه كالأدمي فإنه ينتفع بمنافعه إجارة وغيرها، ولا يدل على أن عينه مال. قلنا: الإنتفاع بمنفعة الكلب يقع تبعا لملك العين لا قصدا في المنفعة؛ ألا ترى أنه يورث، والمنفعة وحدها لا تورث، فيجري مجرى الإنتفاع بمنافع العبد والأمة والثوب ولا يقال شعر الخنزير ينتفع به للخرز، ولا يجوز بيعه؛ لأنا نقول: الخنزير محرم العين شرعا لا يباح إمساكه لمنفعة بوجه فتثبت الحرمة في كل جزء منه وسقطت القيمة، ثم الإباحة لضرورة الخرز لا يدل على رفع الحرمة عن أصله فيما عداه الضرورة، كإباحة لحمه حال الضرورة لا يدل على صحة تموله وجواز بيعه، فأما الكلب فما ثبت فيه تحريم مطلق، وإباحة للضرورة ليبقى ما وراءها على التحريم. كذا في الأسرار. والحديث محمول على الابتداء، فإنه روي عن إبراهيم أنه قال: روي أن رسول الله ﷺ «رخص في ثمن كلب الصيد» [فبذكر الرخصة تبين انتساخ ما رووا، وهذا لأنهم كانوا ألفوا اقتناء الكلاب] (١) وكانت الكلاب تؤذي الضيفان والغرباء فنهوا عن اقتنائها، فشق ذلك عليهم، فأمر بقتلها ونهوا عن بيعها تحقيقا للزجر عن العادة المألوفة، ثم رخص لهم بعد ذلك في ثمن ما يكون منتفعا به من الكلاب. ويجوز تملكها بالهبة والوصية فيجوز تملكها بالعوض أيضا، وبهذا تبين

стр. 4961

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . الاختيار كالخنزير والخمر ولا يجوز تمليكه قصدًا بالهبة والوصية. كذا ذكره في كتاب الصيد من المبسوط (١). ولا يقال: التحريم متأخر نقله؛ لأن ذلك فيما لم يُعرف تقديمه وهاهنا قد دل الدليل على تقديمه كما ذكرنا فيحرم التناول. في الإيضاح: فأما نجاسة العين في ذاته إن سلم له فتأثيرها في تحريم التناول ووجوب الاجتناب عنه حسا صونًا لنفسه وثيابه عن النجاسة، أما في حق جواز الانتفاع بها اصطيادًا أو حراسة فلا. وفي جامع قاضي خان: وهذا مثل السرقين عندنا (٢) فإنه يجوز بيعه؛ لانتفاع الناس به من غير نكير، وعند الشافعي (٣) لا يجوز لنجاسة عينه كالعذرة، وقلنا: العذرة لا يُنتفع بها إلا إذا اختلط بالتراب فحينئذ يجوز بيعها تبعًا. وذكر القدوري (٤) يجوز بيع كل ذي ناب وذي مخلب إلا الخنزير. كذا في الذخيرة والمحيط. وعند الشافعي ما لا نفع فيه في الحال من الحيوانات ويرجى نفعه في الثاني، كالفهد الذي إذا علم والفيل الذي تأنس حمل وقاتل؛ ففي جواز بيعه في الحال وجهان: أحدهما: لا يجوز، والثاني: يجوز. كذا في الحلية (٥). وفي شرح الوجيز: اعلم أن الحيوانات الظاهرة نوعان: ما ينتفع به فيجوز بعه كالنعم والبغال والحمير، ومن الصيود كالظباء والغزلان، ومن الجوارح كالصقور والبزاة (٦) والفهود، ومن الطيور كالحمام والعصفور والعقاب والزرزور ويجوز بيع الفيل والهرة والقرد. وما لا يُنتفع به لا يجوز بيعه كالخنافس والعقارب وكالفأرة والنمل ونحوها ولا ينظر إلى منافعها المعدودة، فإن تلك المنافع لا يلحقها بما في العادة.

стр. 4962

فَكَانَ مَا لَا يَجُوزُ بَيعُهُ، بِخِلَافِ الهَوَامِّ المُؤذِيَةِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُنتَفَعُ بِهَا، وَالحَدِيثُ مَحمُولٌ عَلَى الابْتِدَاءِ، قَلعًا لَهُمْ عَنْ الاقتِنَاءِ، وَلَا نُسَلِّمُ نَجَاسَةَ العَينِ، وَلَو سُلَّمَ فَيَحْرُمُ التَّنَاوُلُ دُونَ البَيعِ. وَقَالَ: (وَلَا يَجُوزُ بَيعُ الخَمرِ وَالخِنزِيرِ) لِقَولِهِ ﵊: «إِنَّ الَّذِي حَرَّمَ شُربَهَا حَرَّمَ بَيعَهَا وَأَكلَ ثَمَنِهَا» وَلِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَال فِي حَقْنَا، وفي معناها السباع التي لا تصلح للاصطياد والقتال عليها كالأسد والذئب والنمر، ولا يُنظر إلى اقتناء الملوك لها للهيبة والسياسة فإنها ليست من المنافع المعتبرة (١). وعندنا يجوز بيع ما يحلّ الانتفاع به وما يجوز الانتفاع بجلده أو عظمه، وفي بيع القرد روايتان، وذكر شيخ الإسلام يجوز بيع الهرة ولا بأس في ثمنها، ولا يجوز بيع هوام الأرض وما في البحر كالأسودين والضفدع إلا السمك. كذا في المبسوط (٢). وفي النوازل: يجوز بيع الحيتان إذا كان ينتفع بها في الأدوية، وإن لم ينتفع به لا يجوز. وفي الإيضاح: في القرد روايتان. وجه عدم الجواز: أنه في الغالب يجوز بيعه للتلهي، وهذه جهة محظورة فلا يجوز بيعه (٣)، وجه الانتفاع به: أنه أمكن الانتفاع بجلده وبيع الدهن النجس للانتفاع (٤) عندنا (٥)، وعند الشافعي لا يجوز (٦)؛ لأنه مائع نجس كالدم، والاستصباح به يجوز بالإجماع (٧). (ولأنه) أي: كل واحد من الخمر والخنزير (ليس بمال) أي: بمال متقوم. وفي المبسوط: قال ﵇: «لَعَنَ اللهُ فِي الخَمرِ عَشْرًا»، وذكر من جملتها

стр. 4963

وَقَدْ ذَكَرنَاهُ. قَالَ: (وَأَهلُ الذِّمَّةِ فِي البِيَاعَاتِ كَالمُسلِمِينَ) لِقَولِهِ ﵊ فِي ذَلِكَ الحَدِيثِ: «فَأَعْلِمْهُم أَنَّ لَهُمْ مَا لِلمُسلِمِينَ وَعَلَيْهِم مَا عَلَى المُسْلِمِينَ» وَلِأَنَّهُم مُكَلَّفُونَ مُحتَاجُونَ كَالمُسلِمِينَ. قَالَ: (إِلَّا فِي الخَمرِ وَالخِنزِيرِ خَاصَّة) فَإِنَّ عَقْدَهُم بائعها (١)، وقال ﵇: «لَعَنَ اللهُ اليَهُودَ حَرّمَ عَلَيْهِمْ الشَّحُومَ فَجَمِّلُوهَا وَبَاعُوهَا، وإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى إِذَا حَرّمَ شيئًا حَرّمَ بَيْعَه وَأَكَلَ ثَمَنَهُ» (٢) وبهذه الآثار تبين أن الخمر ليس بمال متقوّم في حق المسلم فلا يجوز بيعها، (وقد ذكرناه) أي: في باب البيع الفاسد (٣). قوله: (ولأنهم) أي: أهل الذمة (مكلفون) أي: بالإيمان وموجب المعاملات. وفي المبسوط: ولا يجوز بين أهل الذمة شيء من البيوع: الصرف والسلم وغيرهما إلا ما يجوز بين أهل الإسلام، وما خلا بيع الخمر والخنزير؛ فإن ذلك يجوز بينهم؛ لأن الخنزير في حقهم كالشاة في حقنا، والخمر كالعصير (٤). ثم لما كانوا مكلفين كانوا محتاجين إلى ما تبقى به أنفسهم كالمسلمين، ولا تبقى الأنفس إلا بالطعام والشراب والكسوة والسكني، ولا تحصل هذه

стр. 4964

عَلَى الخَمْرِ كَعَقدِ المُسلِمِ عَلَى العَصِيرِ، وَعَقْدُهُم عَلَى الخِنْزِيرِ كَعَقدِ المُسلِمِ عَلَى الشَّاةِ؛ لِأَنَّهَا أَمْوَالٌ فِي اعْتِقَادِهِم، وَنَحْنُ أُمِرنَا بِأَنْ نَتْرُكَهُم وَمَا يَعْتَقِدُونَ. دَلَّ عَلَيْهِ قَولُ عُمَرَ: وَلُّوهُم بَيعَهَا وَخُذُوا العُشْرَ مِنْ أَثْمَانِهَا. قَالَ: (وَمَنْ قَالَ لِغَيْرِهِ: الأشياء إلا بمباشرة الأسباب المشروعة، ومن تلك الأسباب البيع، فيجب أن يكون البيع مشروعًا في حقهم؛ ليتمكنوا في تبقية أنفسهم. (وَلُّوهم) الخطاب للعمال؛ أي: اجعلوهم ولاة (بيعها) والتولية أن يجعله واليًا، روي أن عمر لما بلغه أن المسلمين بالشام يأخذون الخمر والخنزير في الجزية والعشر [كتب إلى عماله: ولوهم بيعها، وخذوا العشر] (١) من ثمنها. قوله: (ومن قال لغيره) إلى آخره، صورة المسألة ما ذكره الإمام المرغيناني والكاساني: هي أن يطلب رجل من آخر شراء عبده بألف، وهو لا يبيعه إلا بألف وخمسمائة، والمشتري لا يرغب فيه إلا بالألف، فيجيء آخر ويقول لصاحب العبد: بع عبدك منه بألف على أني ضامن لك خمسمائة من الثمن سوى الألف فيقول: بعت فيكون قوله: بعت جوابًا للكل ولو لم يوجد إباء ولا مساومة، وقد حصل إيجاب العبد بألف عقيب ضمان الرجل؛ كان كذلك استحسانًا، أما ضمانه بعد الإباء والمساومة يصح قياسًا واستحسانًا. وذكر فخر الإسلام أصل ذلك [أن أصل الثمن لم يشرع بغير مال يقابله، فأما فضول الثمن فيُستغنى عن ذلك] (٢) ويجوز أن يقابله تسمية المال لا حقيقة؛ ألا ترى أن من باع عبدًا بألفين وقيمته ألف أن الألف الزائد لا يقابله مال إلا تسمية، فصار الفضول في ذلك بمنزلة بدل الخلع، وقد شرط بدل الخلع على غير العاقد؛ أعني: على غير المرأة، وكذلك هاهنا، وإن لم يكن من الثمن لم توجد صورة المقابلة ولا معناها فلا يصح شرطه على الغير. وذكر التمرتاشي: ولو لم يُقل من الثمن جاز البيع للمشتري بألف حتى [لو] (٣) أدى الألف له قبض العبد، وليس للبائع أن يحبسه لأجل الخمسمائة،

стр. 4965

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ولو أراد المشتري أن يبيعه مرابحة يبيعه بألف، وللشفيع أن يأخذ المبيع بالألف إن كان دارًا، ولو تقايلا البيع فللمشتري أن يستردّ الخمسمائة من البائع. وفي قياس أبي يوسف: ينبغي ألا يستردّ؛ لأن الإقالة بيع جديد، ولو ردَّه بعيب بقضاء أو بغير قضاء يسترد، ولو ضمن الأجنبي بأمر المشتري والمسألة بحالها فالزيادة واجبة في حق المشتري؛ فللبائع أن يحبسه حتى يحصل إليه خمسمائة؛ لأنه صار كالمشتري اشتراه بألف وخمسمائة، وله أن يبيعه مرابحة وللشفيع أخذه بذلك، ولو ردَّ بعيب أو تقابلا فالبائع يردّ الألف على المشتري والزيادة على الضمين. وذكر الإمام السرخسي الفرق بين المسألتين من وجهين فقال في المسألة الأولى: ضمن الأجنبي وصيَّر نفسه زعيمًا حيث قال من الثمن، [فيجب عليه، بخلاف الثانية] (١) لأن هناك رشاة على البيع بما سمَّى من المال، والرشوة حرام، لا يلتزم بالضمان، وفي الصورة الأولى جعل الخمسمائة مستحقًّا للبائع بالبيع بقوله: من الثمن، وذلك جائز. وفي الصورة الثانية جعل الخمسمائة للبائع على نفسه بالتزام ابتداء لا بالبيع، وذلك رشوة التزمها ليحصل المقصود، أو لأنه قال من الثمن فقد صار مضيفًا الالتزام إلى ما بعد البيع؛ لأن وجوب الثمن يكون بعد البيع، وإذا لم يقل من الثمن؛ كان التزامًا منه بشرط أن يبيعه منه بألف وذلك غير صحيح. فإن قيل: كيف يجب عليه شيء من الثمن بالبيع ولم يدخل في ملكه شيء من المعقود عليه. قلنا: التزام الثمن بالبيع مضمون لا يكون إلا ممن يدخل البيع في ملكه، فأما بيعًا فيكون من غير المشتري؛ ولهذا جوَّزنا من المشتري الزيادة في الثمن مع أنه لا يملك شيئًا بمقابلة هذه الزيادة؛ إذ المبيع صار مملوكًا له كله بالثمن الأول، ولكن هذه الزيادة تثبت تبعًا.

стр. 4966

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . فإن قيل: لو ثبتت هذه الزيادة ثمنًا لتوجهت مطالبتها على المشتري، ثم الضامن يكون متحملًا عنه وبالاتفاق لا يطالب المشتري (١). قلنا: لا يطالب؛ لأنه لا يلتزمها وإنما يطالب بها من التزمها؛ لأن ثبوت الحكم بحسب السبب، وهو كالرجل يقول لفلان: على فلان ألف وأنا به كفيل، وأنكر الأصيل ذلك فإن الكفيل يصير مطالبًا بالألف، والأصيل لا؛ لهذا المعنى، وذكر في الفوائد الظهيرية هذا السؤال والجواب بوجه آخر فقال: فإن قيل: يجب ألا تصح الزيادة من الأجنبي؛ لأن أصل الثمن لا يجوز أن يجب عليه في المبيع لغيره فكذلك الزيادة. قلنا: ذكر الجصاص عن الكرخي أنه أورد هذا السؤال ومنع وقال: يجوز أن يكون أصل الثمن على الأجنبي والمثمن لغيره كما تجوز الزيادة في الثمن من الأجنبي وما بإزائها لغيره، وقال: ما يُعرف في هذا رواية منصوص عليها من أصحابنا بخلاف ما قلنا فساغ لنا المنع، فعلى هذا لا يحتاج إلى الفرق. ثم قال الجصاص: هذا المنع مما يتعذر؛ وذلك لأن عن أصحابنا رواية في هذا، فإن محمدًا ذكر في كتاب الصرف وغيره أن من اشترى شيئًا بدين له على غيره لا يصح هذا عند علمائنا الثلاثة؛ لأنه اشترى بشرط أن يكون تسليم الثمن على الغير والمثمن لغيره، وإذا كان شرط تسليم الثمن على الغير باطلا؛ فلأن يبطل الشراء بشرط وجوب الثمن وتسليمه على غير المشتري كان أولى. وإذا كان كذلك لم يكن بد من الفرق، والفرق أن القياس يأبى جواز الزيادة من الأجنبي؛ لأنها بدل مال معاوضة من غير أن يحصل ما بإزائه عوض، وذلك لا يجوز اعتبارًا بأصل الثمن إلا أنا تركنا القياس بالنص الوارد بجواز قضاء الدين من الأجنبي شرعًا، وهو حديث أبي قتادة حين «امتَنَعَ النَّبيُّ ﵇ عن الصَّلاةِ عَلَى رَجلٍ من الأنصار لمكان دينٍ عَليهِ»، قال أبو قتادة: هو عليَّ وإليَّ وفي مالي يا رسول الله، وجوز ذلك منه حتى صلى على الميت (٢)، وذلك

стр. 4967

بع عَبدَكَ مِنْ فُلان بِأَلْفِ دِرْهَم عَلَى أَنِّي ضَامِنٌ لَك خَمْسَمِائَةِ مِنْ الثَّمَنِ سِوَى الأَلفِ، فَفَعَلَ، فَهُوَ جَائِزٌ، وَيَأخُذُ الأَلفَ مِنْ المُشتَرِي وَالخَمْسَمِائَةِ مِنْ الضَّامِنِ، وَإِنْ كَانَ لَم يَقُل مِنْ الثَّمَنِ جَازَ البَيعُ بِأَلف وَلَا شَيْءَ عَلَى الضَّمِينِ) وَأَصْلُهُ: أَنَّ الزِّيَادَةَ فِي الثَّمَنِ وَالمُثَمَّنِ جَائِزٌ عِنْدَنَا، وَتُلحَقُ بِأَصلِ العَقدِ، خِلَافًا لِزُفَرَ وَالشَّافِعِيِّ، لِأَنَّهُ تَغيِيرٌ لِلعَقدِ مِنْ وَصف مَشرُوع، إِلَى وَصف مَشرُوع، وَهُوَ كُونُهُ عَدلًا أَوْ خَاسِرًا أَوْ رَابِحًا، ثُمَّ قَدْ لَا يَسْتَفِيدُ المُشتَرِي بِهَا شَيْئًا بِأَنْ زَادَ فِي الثَّمَنِ وَهُوَ يُسَاوِي المَبِيعَ بِدُونِهَا، فَيَصِمُّ اشْتِرَاطُهَا عَلَى الأَجنَبِيِّ كَبَدَلِ الخُلعِ، لَكِن مِنْ شَرطِهَا المُقَابَلَةُ تَسْمِيَة وَصُورَة، فَإِذَا قَالَ: مِنْ الثَّمَنِ، وُجِدَ شَرطُهَا فَيَصِحٌ، وَإِذَا لَم يَقُل لَم يُوجَد فَلَم يَصِحٌ. قَالَ: (وَمَنِ اشْتَرَى جَارِيَة وَلَم يَقْبِضُهَا حَتَّى زَوَّجَهَا فَوَطِئَهَا الزَّوجُ: فَالنِّكَاحُ جَائِزٌ لِوُجُودِ سَبَبِ الوِلَايَةِ، وَهُوَ المِلكُ فِي الرَّقَبَةِ عَلَى الكَمَالِ وَعَلَيْهِ المَهْرُ. القضاء منه بذلك المال عوضًا عن دينه من غير أن يجعل له عوض بإزائه، والزيادة في الثمن من الأجنبي في معناه فلحق به دلالة. قال شيخي العلامة صاحب النهاية: لكن الأولى ما قاله العلماء؛ لأنا لو استدللنا في جواز التزام الزيادة من الأجـ جنبي بهذا الحديث ينبغي أن يجوز من الأجنبي التزام أصل الثمن أيضًا إذ حُكمُ الحديث لا يُفرّق بينهما، وبالاتفاق لا يجوز التزام أصل الثمن من الأجنبي، ولأن حكم الحديث كان بعد الوجوب، والتزام الزيادة من الأجنبي وقت المعاقدة قبل وجوب أصل الثمن على المشتري، فعلم أن بينهما فرقًا. وقوله: (لأنه دليلنا) وجه قول زفر والشافعي في القياس، وقد مر في فصل بيع المنقول قبل القبض. وقوله: (من شرطها المقابلة) تسمية جائزة إشارة إلى ما ذكر العلماء من الفرق. قوله: (لوجود سبب الولاية) أي: ولاية التزويج، وقيد الملك في الرقبة على الكمال؛ لأن ولاية التزويج تثبت بملك الرقبة كاملا، حتى لو ملك نصفها لا يملك التزويج.

стр. 4968

(وَهَذَا قَبْضُ) لِأَنَّ وَطْءَ الزَّوْجِ حَصَلَ بِتَسْلِيطٍ مِنْ جِهَتِهِ فَصَارَ فِعْلُهُ كَفِعْلِهِ (وإن لَم يَطَأْهَا فَلَيْسَ بِقَبْضِ) وَالقِيَاسُ: أَنْ يَصِيرَ قَابِضًا؛ لِأَنَّهُ تَعْيِيبٌ حُكْمِيٌّ فَيُعْتَبَرُ بِالتَّعْيِيبِ الحَقِيقِيِّ. فإن قيل: ملك الرقبة سبب ولاية التزويج، فكذلك سبب ولاية التصرُّف أيضًا، فلم لا يجوز البيع قبل القبض كما قال مالك؟ فإن عنده يجوز جميع التصرفات قبل القبض، وعندنا والشافعي وأحمد لا يجوز البيع، ويجوز التزويج والعتق، ولو قيل: بالحديث على خلاف القياس، قيل: فما الحكم في تخصيص البيع دون سائر التصرفات؟ قلنا: إن البيع دون سائر التصرفات يبطل بالغرر؛ لاحتمال انفساخه بالهلاك قبل القبض، والنكاح لا ينفسخ بهلاك المعقود عليه قبل القبض وبعده، ولأن القدرة على التسليم شرط في البيع وذلك إنما يكون بالقبض، وهي ليس بشرط في النكاح؛ ألا ترى أنه لا يجوز بيع الآبق، ونكاح الآبقة يجوز. وذكر الصدر الشهيد في فتاوى الأكبر: جاز نكاحها قبل القبض إن تم البيع، وإن انتقض بطل النكاح في قول أبي يوسف خلافًا لمحمد، والمختار قول أبي يوسف؛ لأن البيع متى انتقض قبل القبض انتقض من الأصل فصار كأن لم يكن، فصار النكاح باطلا، فعلى ما اختاره إنما يصير المشترى بعيب يبقى على تقدير الرد. وذكر القاضي الإمام الزرنكري: لو ماتت الجارية، قيل: لا يبطل النكاح وإن بطل البيع، ومتى لم يطأها حتى مات يجب المهر للمشتري. (وهذا) أي: وطء الزوج (قبض) وعند الشافعي (١) [ومالك (٢)] (٣) وأحمد لا يصير قبضا؛ لأن الوطء لا يمنع الرد بالعيب فلا يكون تعييبا. (من جهته) أي: من جهة المشتري. (أن يصير) أي: المشتري (قابضًا) [أي: بنفس التزويج، وهو رواية عن أبي يوسف، حتى إذا هلكت بعد ذلك تكون من مال المشتري] (٤)؛ لأن التزويج

стр. 4969

وَجهُ الِاسْتِحْسَانِ: أَنَّ فِي الحَقِيقِي استيلاء عَلَى المَحَلِّ، وَبِهِ يَصِيرُ قَابِضًا، وَلَا كَذَلِكَ الحُكْمِيُّ فَافْتَرَقًا. قَالَ: (وَمَنْ اشتَرَى عَبدا فَغَابَ ولم يَنقُد الثمن، والعبد في يد البائع، عيب فيها، حتى لو وجدها ذات زوج له أن يردّها، فالمشتري إذا عيب المعقود عليه حكمًا بالإعتاق والتدبير يصير قابضًا، فكذا بالتزويج؛ لأنه تعييب حكمي. [وعند الشافعي: الوطء لما لم يكن تعييبا فالتزويج أولى. وعندنا التزويج تعييب حكمي] (١) لكن لا يصير به قابضًا؛ لأن بالتعييب الحقيقي، بأن فقأ عينها أو قطع عضوها يصير مستوليًا على المحل فيصير قابضًا، فكذا الوطء استيلاء على المحل بالفعل الحسيّ، فيصيرُ به قابضًا، (ولا كذلك الحكمي) وهو التزويج. وفي المبسوط: التزويج عيبٌ من طريق الحكم على معنى أنه نقل رغبات الناس فها به وينتقض لأجله الثمن وهو في معنى نقصان السعر والتزويج لما كان عيبا كان نظير الإقرار عليه بالدين والمشتري لو أقرَّ عليها بدين لا يصير قابضًا لها بخلاف التعيب الحسي، فكذلك باعتبار فعل يتصل من المشتري بعينها وهو إتلاف الجزء من عينها. فإن قيل: يشكل هذا بالإعتاق والتدبير، فإنهما ليسا باستيلاء على المحل بالفعل الحسي، مع أنه يصير قابضا بهما بإجماع العلماء. قلنا: هما إتلاف من وجه فإن (٢) الإعتاق إنهاء للملك فيها وإتلاف للمالية؛ ولهذا يثبت الولاء، فمن ضرورته أن يصير قابضًا، وهذا استيلاء على المحل غاية الكمال فوق القبض، وكذا التدبير في استحقاق الولاء وثبوت حق الجزية. كذا في المبسوط. قوله: (ومن اشترى عبدًا فغاب) أي: المشتري قبل القبض وقبل نقد الثمن، وإنما وضع المسألة في العبد لا في الدار؛ لأن في الدار لا يتعرض

стр. 4970

فَأَقَامَ البَائِعُ البَيِّنَةَ أَنَّهُ بَاعَهَا إِيَّاهُ ولم يقبض الثمن، فَإِنْ كَانَتْ غَيبَتُهُ مَعْرُوفَة لَم يُبَعِ فِي دَينِ البَائِعِ) لِأَنَّهُ يُمكِنُ إِيصَالُ البَائِعِ إِلَى حَقِّهِ بِدُونِ البَيعِ، وَفِيهِ إِبْطَالُ حَقِّ المُشتَرِي القاضي لذلك ولا يتبعه، فإن القياس لا يجوز في العبد، إلا أنه جوز في العبد استحسانًا؛ لتسقط النفقة عن البائع ولا يحتاج إلى النفقة في الدار. كذا ذكره شيخ الإسلام خواهر زاده. وذكر التمرتاشي وضع المسألة في المنقول؛ لأن القاضي لا يبيع العقار على الغائب. (فأقام البائع البينة) يعني: أقرّ أنه باع هذا العبد من ذلك المشتري فأقام البينة على ذلك، وإنما ذكر إقامة البيّنة لنفي التهمة فإن البائع لو طلب من القاضي أن يبيعه لثمنه وقص عليه القصة فالقاضي لا يجيبه. فإن قيل: كيف يقبل البينة من غير خصم ينكر؛ لأن من شرط قبول البينة إنكار خصم حاضر؟ قلنا: قبول البينة لكشف الحال، أو لأنه يدعي ثبوت ولاية النظر للقاضي في هذا المال بسبب غيبة صاحبه، فالقاضي ناظر لكل من عجز عن النظر لنفسه، والحاجة إلى النظر هاهنا ماسة لهما جميعًا، أما للمشتري؛ فلأن العبد ملكه وهو محتاج إلى البينة، وأما للبائع؛ فلأنه يعرض للهلاك في يده، وبهلاكه يسقط حقه؛ فلهذا قبلت البينة. وحاصله أن حكم القاضي هذا حكم بإقرار المقر في الحقيقة، وإنما اشترط مع ذلك إقامة البينة لإظهار الأمر على القاضي ونفي التهمة لا لإثبات الملك للغائب والدين عليه، وإنكار الخصم إنما يشترط لقبول البينة أن لو كان المدعي يدعي إثبات الحق على المدعى عليه، والقاضي يقضي بموجب البينة، أما هاهنا فالقاضي يقضي بموجب إقرار المقر بما في يده فلا يحتاج بذلك إلى الإنكار؛ وهذا لأن العبد في يد البائع، والقول قول الإنسان فيما في يده؛ ألا ترى أنه لو ادعى أنه ملكه كان القول قوله، فإذا أقر بالبيع فقد أقر للغائب بالملك على وجه يكون مشغولا بحقه؛ لأن للثمن تعلقا بالمبيع فيعتبر إقراره، واشترط البينة لنفي التهمة. كذا ذكره الإمام السرخسي والإمام قاضي خان في جامعه.

стр. 4971

(وَإِنْ لَم يَدْرِ أَينَ هُوَ بِيعَ العَبدُ وَأَوفَيَ الثَّمَنُ) لِأَنَّ مِلكَ المُشْتَرِي ظَهَرَ بِإِقْرَارِهِ فَيَظْهَرُ عَلَى الوَجْهِ الَّذِي أَقَرَّ بِهِ مَشغُولًا بِحَقِّهِ، وَإِذَا تَعَذَّرَ اسْتِيفَاؤُهُ مِنْ المُشتَرِي يَبِيعُهُ القَاضِي فِيهِ، كَالرَّاهِنِ إِذَا مَاتَ، وَالْمُشْتَرِي إِذَا مَاتَ مُفْلِسًا وذكر شيخ الإسلام خواهر زاده القياس ألا تسمع بينته؛ لأنه يقيم على إثبات حق على الغائب، [وليس عن الغائب خصم حاضر، لا قصدي ولا حكمي، فهذا كمن أقام بينة على إثبات حق على الغائب] (١) ولم يعرف مكانه فإنه لا يُقبل، وإن كان لا يصل إلى حقه. وفي الاستحسان: يُقبل لأن البائع عجز عن الوصول إلى الثمن وعن الانتفاع بالمبيع؛ لأنه ملك غيره واحتاج إلى أن ينفق عليه ما لم يحضر المشتري، وربما تُرْبي النفقة على الثمن متى انتظر القاضي حضور المشتري فيؤدي إلى إبطال حقه، والقاضي ناظر لإحياء حقوق الناس، فكان للقاضي أن يقبلها لتدفع البلية بخلاف ما لو ادعى حقًا على الغائب لينزع شيئًا من يده فإن القاضي لا يقبلها؛ إذ ليس فيه خصم إلا أنا تركنا القياس بإجماع بيننا وبين الشافعي، والإجماع في هذا لتندفع البلية عن البائع، وليس فيه إزالة يد الغائب عما في يده لأن حق (٢) البائع يستوفى مما يده فلا يكون واردا على انتزاع مال في يد الغائب، وفيه إزالة ملك البائع، ويدعي إيفاء حقه عما في يده. (يبيعه) أي: العبد (القاضي فيه) أي: في استيفاء حقه. فإن قيل: في البيع يلزم بيع المنقول قبل القبض، وذا لا يجوز بالإجماع والقضاء على الغائب أيضًا. قلنا: فمن مشايخنا من قال: ينصب القاضي من يقبض العبد للمشتري ثم يبيعه؛ لأن بيع القاضي كبيع المشتري، وبيع المشتري لا يجوز قبل القبض، فكذا بيع القاضي، ولكن فيه نظر؛ لأن المشتري ليس له أن يقبض قبل نقد الثمن فكذا من يجعل وكيلا عنه. وقيل: لا ينصب وكيلا ليقبضه للمشتري؛ لأن البيع هنا ليس بمقصود وإنما

стр. 4972

وَالمَبِيعُ لَم يُقبَض، بِخِلَافِ مَا بَعدَ القَبْضِ؛ لِأَنَّ حَقَّهُ لَم يَبْقَ مُتَعَلِّقًا بِهِ، ثُمَّ إِنْ فَضَلَ شَيْءٌ يُمسَكُ لِلمُشتَرِي؛ لِأَنَّهُ بَدَلُ حَقِّهِ وَإِنْ نَقَصَ يَتبَعُ هُوَ أَيضا. قَالَ: (فَإِنْ كَانَ المُشتَرِي اثْنَيْنِ فَغَابَ أَحَدُهُمَا فَلِلحَاضِرِ أَنْ يَدفَعَ الثَّمَنَ كُلَّهُ وَيَقْبِضَهُ، وَإِذَا حَضَرَ المقصود النظر للبائع إحياء لحقه، والبيع يحصل في ضمن النظر، ويجوز أن يثبت الشيء ضمنًا ولا يثبت قصدًا. كذا في الفوائد الظهيرية. وإنما ذكرنا أن هذا ليس بقضاء على الغائب؛ بل هو اعتبار صاحب اليد فيما في يده، والقضاء على الغائب إنما لا يجوز إذا وقع مقصودًا، فأما لو وقع ضمنا لمقصود سواه فيجوز. قوله: (والمبيع لم يقبض)، وذلك لأن البائع أحق بمالية العبد إذا كان قبل القبض، فإن له أن يحبسه حتى يستوفي الثمن، فلو مات المشتري في هذه الحالة كان البائع أحق بماليته من سائر الغرماء، كالمرتهن إذا مات الراهن فإنه أحق من سائر الغرماء، والمبيع قبل القبض في يد البائع سلمه إليه وقبضه، والمسألة بحالها لا تقبل بينة البائع؛ لأن حقه هناك في الثمن غير متعلق بمالية العبد، بل هو دين في ذمة المشتري، والبينة لإثبات الدين على الغائب غير مقبولة عندنا، فلا يتمكن القاضي من قضاء الدين من مال الغائب قبل ثبوت الدين، وإثباته بالبينة إنما يكون عند حضور الخصم. إليه أشار الإمام السرخسي. (لأن حقه) أي: حق البائع (لم يتعلق به) أي: بالعبد، بل صار دينا في ذمة المشتري. (يتبع هو) أي: المشتري (أيضًا) حتى يرجع البائع بالنقصان إذا ظفر به. قوله: (فللحاضر) إلى آخره، اتفقوا على أنهما لو كانا حاضرين وأراد أحدهما أن ينقد حِصَّته من الثمن ليقبض نصيبه ليس له ذلك، فالخلاف في موضعين: أحدهما: في قبض جميع العبد، والثاني في احتباس نصيب الغائب عنه إذا حضر. وذكر التمرتاشي فالحاضر لا يملك قبض نصيبه إلا بنقد جميع الثمن، فلو نقد اختلفوا في مواضع:

стр. 4973

الآخَرُ لَم يَأخُذ نَصِيبَهُ حَتَّى يَنقُدَ شَرِيكُهُ الثَّمَنَ كُلَّهُ، وَهُوَ قَولُ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّد، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: إِذَا دَفَعَ الحَاضِرُ الثَّمَنَ كُلَّهُ لَم يَقْبِضُ إِلَّا نَصِيبَهُ، وَكَانَ مُتَطَوِّعًا بِمَا أَدَّى عَنْ صَاحِبِهِ) (*) لِأَنَّهُ قَضَى دَينَ غَيْرِهِ بِغَيْرِ أَمْرِهِ فَلَا يَرْجِعُ عَلَيْهِ وَهُوَ أَجْنَبِيٌّ عَنْ نَصِيبِ صَاحِبِهِ فَلَا يَقْبِضُهُ. وَلَهُمَا: أَنَّهُ مُصْطَرٌّ فِيهِ، لِأَنَّهُ لَا يُمكِنُهُ الانتِفَاعُ بِنَصِيبِهِ إِلَّا بِأَدَاءِ جَمِيعِ الثَّمَنِ؛ لِأَنَّ البَيعَ صَفقَةٌ وَاحِدَةٌ، وَلَهُ: حَقُّ الحَبسِ مَا بَقِيَ شَيْءٌ مِنْهُ، وَالمُصْطَرُّ يَرْجِعُ أحدها: هل يُجبر الحاضر على قبول نصيب الغائب؟ عند أبي يوسف لا يُجبر، وعندهما يجبر. والثاني: هل يُجبر البائع على تسليم نصيب الغائب إلى الحاضر؟ عنده لا يجبر، وعندهما يجبر ويقبض نصيبه بطريق المهايأة عنده أيضًا. (لهما أنه) أي: الحاضر (مضطر فيه) أي: في أداء جميع الثمن (وله) أي: للمانع (حق الحبس) أي: حبس المبيع. فإن قيل: لو كان التعليل بالاضطرار معلولا عليه لما تفاوت الحكم بين أن يكون الشريك حاضرًا أو غائبًا كما في صاحب العلو، فإنه يبني السفل ليبني عليه علوه فإنه لا يكون متبرعًا ببناء السفل سواء كان صاحب السفل حاضرًا أو غائبًا، وهاهنا لو كانا حاضرين فأراد أحدهما نقد الثمن وقبض نصيبه؛ ليس له ذلك بالإجماع، ولو نقد نصيبه كان متبرعًا فيما نقد بالإجماع. قلنا: الملك للغائب إنما يثبت في نصيبه باعتبار قبول الحاضر؛ لأن من خاطب الاثنين بالبيع فقبل أحدهما دون الآخر لم يملك شيئًا منه، وإذا ثبت أن الملك له باعتبار قبول الحاضر؛ فإن الحاضر بمنزلة الوكيل عنه بالشراء، فإذا نقد الثمن تمكن من قبض المبيع، وثبت له الرجوع على صاحبه بنصيبه إلا أنه وكيل من وجه دون وجه؛ لأنه لا يكون مطالبًا بنصيب صاحبه من بعد قبوله، فمن هذا الوجه يكون كالمتبرع؛ فلشبهه بالتبرع.

стр. 4974

كَمُعِيرِ الرَّهْنِ، وَإِذَا كَانَ لَهُ أَنْ يَرجِعَ عَلَيْهِ كَانَ لَهُ حَقُّ الحَبسِ عَنهُ إِلَى أَنْ يَستَوفِيَ حَقَّهُ، كَالوَكِيلِ بِالشِّرَاءِ إِذَا قَضَى الثَّمَنَ مِنْ مَالِ نَفْسِهِ. قَالَ: (وَمَنِ اشْتَرَى جَارِيَة بِأَلْفِ مِثْقَالِ ذَهَب وَفِضَّة فَهُمَا نِصْفَانِ) لِأَنَّهُ أَضَافَ قلنا: إذا كان صاحبه حاضرًا لا يرجع عليه ولشبهه بالوكيل قلنا: إذا كان صاحبه غائبًا يرجع عليه بما أدى عنه؛ لأن في حال حضرته غير مضطر إلى إبقاء جميع الثمن؛ لأنه يمكنه أن يخاصمه إلى القاضي حتى ينقد نصيبه من الثمن ليتمكن هو من قبض نصيبه، وفي حال غيبته مضطر إلى ذلك؛ لأنه لا يتوسل إلى قبض نصيبه من العبد إلا بدفع جميع الثمن؛ فإن الصفقة في حق واحد؛ فلهذا جعلناه كالوكيل في هذه الحالة؛ ليقبض جميع العبد إذا نقد جميع الثمن، ثم يرجع على صاحبه بنصيبه ويحبس نصيبه عنه ليستوفي عنه ما ثبت له حق الرجوع به، كما يثبت للوكيل حق حبس المبيع إذا نقد الثمن من مال نفسه. كذا في الجامع الصغير لشمس الأئمة. وأما صاحب العلو فإنه مضطر إلى أن يتوسل إلى حقه من بناء العلو سواء كان صاحب السفل حاضرًا أو غائبًا؛ لأنه ليس له أن يخاصمه في أن يبني السفل ليبني هو علوه؛ فلذلك افترقا. فإن قيل: ما الفرق بين هذا وبين ما إذا استأجر الرجلان دارا فعاب أحدهما قبل نقد الإجارة، فنقد الحاضر الأجر كله فإنه يكون متبرعًا بالإجماع؟ قلنا: إنه غير مضطر في نقد نصيب صاحبه من الأجر من قبل أنه ليس للآجر حبس الدار لاستيفاء الأجر. كذا ذكره التمرتاشي. (كمعير الرهن) يعني: إذا أعار شيئًا ليرهنه فرهنه المستعير الراهن فغاب أو أفلس، فافتكّه المعير - يرجع بما أدى من الدين على الراهن، وإن كان قضى دينه بغير أمره؛ لأنه مضطر في قضاء الدين؛ إذ لا يتمكن من الانتفاع بملكه إلا بقضاء الدين، فكذا هاهنا. قوله: (بألف مثقال ذهب وفضة)، في المبسوط (١): لو باعها بألف مثقال

стр. 4975

المِثْقَالَ إِلَيْهِمَا عَلَى السَّوَاءِ فَيَجِبُ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا خَمسُمِائَةِ مِثْقَالَ لِعَدَمِ الأولَوِيَّةِ، وَبِمِثْلِهِ: لَو اشْتَرَى جَارِيَة بِأَلف مِنْ الذَّهَبِ وَالفِضَّةِ يَجِبُ مِنْ الذَّهَبِ مَثَاقِيلُ وَمِنْ الفِضَّةِ دَرَاهِمُ وَزْنُ سَبعَة، لِأَنَّهُ أَضَافَ الأَلفَ إِلَيْهِمَا فَيَنصَرِفُ إِلَى الوَزْنِ المَعهُودِ فِي كُلِّ وَاحِد مِنْهُمَا. قَالَ: (وَمَنْ لَهُ عَلَى آخَرَ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ جِيَاد، فَقَضَاهُ زُبُوفًا وَهُوَ لَا يَعْلَمُ، فَأَنفَقَهَا أَوْ هَلَكَت، فَهُوَ قَضَاءٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّد، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: يَرُدُّ مِثْلَ زُيُوفِهِ وَيَرْجِعُ بِدَرَاهِمِهِ) (*) لِأَنَّ حَقَّهُ فِي الوَصفِ، مَرعِيٌّ كَهُوَ فِي الأَصْلِ، ذهب وفضة أو دراهم أو دنانير؛ كان له النصف من كل واحد؛ لأن الواو للعطف، ومطلق العطف يوجب الاشتراك على وجه المساواة بين المعطوف والمعطوف عليه؛ إذ لا رجحان إلا أنه إن كان ألف مثقال فعليه خمسمائة دينار بالمثاقيل، وخمسمائة درهم وزن سبعة؛ لأنه هو المتعارف في وزن الدراهم فينصرف إليه. وقال التمرتاشي: لو قال بألف مثقال ذهب وفضة فهما نصفان؛ لأنه أضاف العقد إليهما على السواء، ويشترط بيان صفتهما بخلاف الدراهم والدنانير حيث ينصرف إلى الجيد، وكذا لو قال: علي مائة مثقال ذهب وفضة؛ فعليه من كل واحد النصف، وكذا هذا في جميع ما يقرّ به من المكيل والموزون والثياب وغيرها قرضًا أو سلمًا أو غصبًا أو وديعة أو بيعًا أو شراء أو مهرا أو جعلا في خلع أو وصية أو كفالة أو غير ذلك، وكذا لو قال: علي كُر حنطة وشعير وسمسم كان عليه الثلث من كل جنس. قوله: (وهو لا يعلم) أي: ربّ الدين لا يعلم زيافته. (كَهُوَ) أي: كحقه (في الأصل) أي: القدر، حتى لو كان دون حقه في القدر لم تسقط مطالبته، فكذا إذا كان دون حقه وصفًا فَرد المقبوض إن كان باقيًا، ومثله إن كان مستهلكا؛ لأن مثل الشيء يحكى عنه، ويتعذر الرجوع
следующие страницы →