وَلَهُ: أَنَّهُ مَجْهُولٌ لِلتَّفَاوُتِ فِي قِلَّةِ العَظمِ وَكَثَرَتِهِ أَوْ فِي سِمَنِهِ وَهُزَالِهِ عَلَى اخْتِلَافِ
وفي الذخيرة: لا يجوز السلم في لحم الطيور أما عددًا فظاهر؛ لأنه عددي متقارب، وأما وزنًا فظاهر، وما ذكر محمد يدل على جوازه؛ لأنه أطلق (١).
وقيل: المسألة لا تجوز عندهم، إلا أنه حمل المذكور من لحم الطيور على طيور لا تقتنى ولا تُحبس للتوالد، فيكون البطلان بسبب أنه أسلم في المنقطع، فلا يجوز عند الكل، فأما فيما يُقتنى ويُحبس للتوالد يجوز عندهم؛ لأن ما يقع من التفاوت في اللحم بسبب العظم في الطيور تفاوت لا يعتبره الناس، فلا تجري فيه المنازعة بسببه، فكان بمنزلة عظم الألية وعظم السمك، وإليه مال شيخ الإسلام خواهر زاده.
وعن أبي يوسف ما لا تتفاوت آحاده كالعصافير ونحوها يجب السلم فيها وفي لحومها (٢)، وبه قال الشافعي في لحوم كل الطيور (٣).
(وله) أي: لأبي حنيفة (أنه) أي: اللحم (مجهول) فإن اللحم يقل عند عظم العظم ويكثر عند صغره فكان المسلم فيه مجهولاً؛ ألا ترى أنه تجري المماكسة بين البائع والمشتري في ذلك، فالمشتري يطالبه بالنزع والبائع يدسه فيه، وهذا النوع من الجهالة والمنازعة لا يرتفع ببيان الموضع وذكر الوزن، بخلاف النوى في التمر فإن المنازعة لا تجري في نزع ذلك، وكذلك العظم الذي في الألية، وعلى هذا الطريق إذا أسلم في منزوع العظم يجوز السلم فيه عنده، وهو اختيار محمد بن شجاع البلخي. كذا في المبسوط (٤).
(أو في سمنه) أي: سمن اللحم (وهزاله).
وفي المبسوط (٥): الطريق الآخر له أن اللحم مشتمل على السمن والهزال، ومقاصد الناس في ذلك مختلف، فمنهم من يرغب في السمن ومنهم من يرغب في الهزال، وذلك يختلف باختلاف فصول السنة، وبقلة الكلأ وكثرته والسلم لا يكون إلا مؤجّلًا، وعند حلول الأجل لا يدرى على أي صفة
стр. 4902
فُصُولِ السَّنَةِ، وَهَذِهِ الجَهَالَةُ مُفضِيَةٌ إِلَى المُنَازَعَةِ. وَفِي مَحْلُوعِ العَظْمِ لَا يَجُوزُ عَلَى الوَجهِ الثَّانِي وَهُوَ الأَصَحُ، وَالتَّصْمِينُ بِالمِثْلِ مَمْنُوعٌ.
وَكَذَا الاستقراضُ، وَبَعدَ التَّسْلِيمِ فَالمِثلُ أَعدَلُ مِنْ القِيمَةِ، وَلِأَنَّ القَبضَ يُعَايَنُ
يكون، وهذه الجهالة لا ترتفع بذكر الوصف، فكان السلم في اللحم بمنزلة السلم في الحيوان، وبه يفارق الاستقراض، فالقرض لا يكون إلا حالا، وفي الحال صفة السِّمَن والهزال معلومة، بخلاف الشحم والألية فالتفاوت فيهما من حيث القلة، وبذكر الوزن تزول القلة.
وهذا الطريق لا يجوز السَّلَم في منزوع العظم، وهذا معنى قول المصنف: وفي مخلوع العظم لا يجوز على الوجه الثاني وهو الاختلاف في السمن والهزال وهو الأصح لجواز أن يكون الحكم معلولا بعلتين، ولا يلزم من انتفاء إحدى العلتين انتفاء الحكم.
وقوله: (والتضمين [بالمثل] (١) جواب عن قولهما، يعني اللحم من ذوات القيم [في رواية بيوع الجامع، قال الإمام ظهير الدين: كان والدي يقول: إن كان نضيجا فهو من ذوات القيم] (٢) وإن كان نينا ففيه روايتان.
والاستقراض وزنا ممنوع أيضًا، وبعد التسليم؛ يعني: سلمنا أن اللحم مضمون بالمثل فيفرّق بين الضمان والسلم والفرق أن المعادلة في باب الضمان شرط بالنص.
والمثل أعدل من القيمة لأنه يماثله صورة ومعنى، والقيمة لا تماثله صورة، والموجب الأصلي رد العين والمثل أقرب إلى العين فكان أقرب منها، فكان إيجاب الضمان بما فيه تفاوت قليل أولى من إلحاقه بما فيه تفاوت كثير، وكان إيجاب الضمان بالمثل لا يدل على عدم التفاوت ولأن القبض) يعني في الاستقراض يقبض حالا فترتفع الجهالة فلا تفضي إلى المنازعة، أما في السلم فالمسلم فيه يُعرف بالوصف، وبالوصف لا ترتفع الجهالة فتفضي إلى المنازعة.
стр. 4903
فَيُعرَفُ مِثْلَ المَقْبُوضِ بِهِ فِي وَقتِهِ، أَمَّا الوَصفُ فَلَا يُكتَفَى بِهِ.
قَالَ: (وَلَا يَجُوزُ السَّلَمُ إِلَّا مُؤَجَّلًا) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: يَجُوزُ حَالًا لِإِطْلَاقِ
وفي الكافي: القبض محسوس معاين في القرض وأخته، فأمكن اعتبار المقبوض ثابتًا بالأول، والسَّلَم يقع على الموصوف في الذمة، وبالوصف عند العقد لا يعرف الوجود عند المحل فلا يكتفى به أي: بالوصف؛ لبقاء الجهالة المفضية إلى المنازعة.
قوله: (ولا يجوز السلم إلا مؤجلا) يعني: يشترط لصحته الأجل، وبه قال مالك (١) وأحمد (٢).
(وقال الشافعي (٣): يجوز) أي: السلم (بدون الأجل)، وفي بعض النسخ: (يجوز حالا)، وبه قال عطاء، وأبو ثور (٤) واختاره ابن المنذر.
وصورة السلم أن يقول: أسلمت عشرة في كُرِّ حنطة، ولم يذكر الأجل؛ لإطلاق الحديث وهو ما روي أنه ﵇ نهى عن بَيعِ مَا لَيْسَ عند الإنسان، ورخص في السَّلَم (٥) فالنبي ﵇ أجاز السلم مطلقا، فاشتراط التأجيل زيادة على النص، ولأنه مبادلة المال بمال فلا يكون التأجيل فيه شرطًا كما في بيع الأعيان؛ وهذا لأن الأجل لو شرط إنما يُشترط لأجل القدرة على التسليم؛ لأنه شرط جواز العقد والمسلم فيه دين في الذمة، وتسليم الدين بالمثل الموجود في العالم.
والظاهر من حال العاقد أنه لا يلتزم تسليم ما لا يقدر على تسليمه، ولو لم يكن قادرا حقيقة فهو قادر على تحصيله والتسليم؛ فلهذا أوجبنا تسليم أرش المال، بخلاف الكتابة الحالة فإن الشافعي لا يجوزه؛ لأن العبد بالكتابة يخرج
стр. 4904
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
من يد مولاه ولا يدخل في يده شيءٌ من المال فلا يصير قادراً على تسليم بدل الكتابة، وبما يدخل في ملكه بالعقد لا يقدر على التحصيل إلا بمدة؛ فلهذا لا يجوز إلا مؤجلا.
فأما المسلم فيه فحر من أهل الملك قبل العقد، فالظاهر قدرته على التسليم، إلا أن يكون معدومًا في العالم لا يقدر على تسليمه إلا بوجوده في زمانه، فلا يجوز السلم فيه إلا مؤجلا. كذا في المبسوط (١).
لأن السلم الحال أبعد من الغرر ومن المؤجّل (٢)، وقوله ﵇: «مَنْ أَسْلَمَ مِنْكُمْ» (٣) محمول على الغالب؛ إذ الغالب في السلم أن يكون مؤجلا.
ولنا قوله ﵇: «مَنْ أَسْلَمَ مِنْكُمْ» الحديث، فقد شرط لجوازه (٤) إعلام الأجل، كما شرط إعلام القدر (٥).
وفي الأسرار والمبسوط (٦): وظاهره يحرم السَّلَم إلا بهذه الأوصاف، كمن قال لآخر: من أراد الصلاة فليتوضأ، ومن أراد دخول داري فليدخل غاضّ البصر، فتقيد المطلق في حديث الرخصة بهذا.
وفي الكافي: فيه إشكال؛ لأنه يقتضي انحصار ما جاز من السلم في المذكور في الحديث؛ إذِ السَّلَم يصح في المذروع والمعدود، فكان الحديث ساكتاً عن بيان السَّلَم الحال وما رواه ناطق؛ إذ المطلق لا يحمل على المقيد عندنا.
ويمكن أن يُقال: إن الأصل عدم جواز السَّلَم؛ لكونه بيع معدوم، وما ورد النص بجوازه إلا مؤجلا، وما رُويَ حكاية حال فلا عموم لها، وقد أريد به السَّلَم المؤجل بالإجماع (٧) فلم يرد غيره؛ لئلا يتعمم.
стр. 4905
الحَدِيثِ وَرَخَّصَ فِي السَّلَمِ. وَلَنَا: قَولُهُ ﵊: «إِلَى أَجَلٍ مَعلُوم» فِيمَا رَوَيْنَا، وَلِأَنَّهُ شُرِعَ رُخصة دفعا لِحَاجَةِ المَفَالِيسِ،
وفي الفوائد الحميدية: في هذه المسألة يتراءى (١) أن الشافعي ترك أصله، حيث لم يحمل المطلق على المقيد، وأصحابنا كذلك حتى حملوا المطلق على المقيد، فالتقصي عن هذا أن نقول:
أما عند الشافعي: إنما يحمل إذا لم تختلف الأصول، وهاهنا اختلفت، فلا يحمل كما في صوم كفارة اليمين، وبيان اختلافها: أن البيع يجوز حالا ومؤجلا، فبالنظر إلى البيع يجوز حالا ومؤجلا، وبالنظر إلى الكتابة لا يجوز إلا مؤجلا.
وأما عندنا: فإنما لا يُحمل إذا أمكن العمل بهما، وهاهنا الحكم والحادثة واحدة فلا يمكن العمل بهما؛ للتضاد، فإنه يستحيل أن يكون الشيء الواحد في زمان واحد ثابتا وغير ثابت، فإن قوله ﷺ : «مَنْ أَسْلَمَ» الحديث يقتضي جواز السَّلَم منحصرًا عليه كما بينا، فحينئذ لا يمكن إجراء المطلق على إطلاقه، وأما السَّلَم في المذروع والمعدود فبدلالة النص؛ لأنهما في معنى المنصوص من كل وجه، بخلاف الحال والمؤجل. كذا قيل.
قوله: (دَفْعًا لِحَاجَةِ الْمَفَالِيسِ)، وفي المبسوط (٢) والأسرار: قوله ﷺ : «وَرَخّصَ فِي السَّلَم»، دلَّ أن الأصل في باب السَّلَم الفساد، وإنما أبيح رخصةً؛ لأن الرخصة ما استبيح مع قيام المحرم تيسيرًا على العباد، وكل الأعذار للعباد في العجز، والعجز في باب السَّلَم حاجة الفقير إلى ثمن السلعة لعسرته، والعجز بسبب المعدوم لا يرتفع إلا بالتمليك، وذلك لا يحصل عادة إلا بزمان يتكسب فيه، أو مجيء حين الحصاد، فلم يُبح ذلك إلا بأجل ليتمكن فيه من التكسب فيقدر على التسليم، فصار الأجل شرطًا لا بعينه، بل للقدرة على التسليم كما قال الشافعي في الكتابة.
стр. 4906
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
إلا أنا نقول: البدل في الكتابة معقود به لا معقود عليه، والقدرة على تسليم المعقود به ليس بشرط كالثمن في البيع.
فأما المسلم فيه فمعقود عليه فتشترط القدرة على تسليمه كما في بيع العين، ولأن الكتابة إرفاق، فالظاهر أن المولى لا يضيق عليه في المطالبة بالبدل، وأما السلم فعقد تجارة وهو مبني على الضيق، فالظاهر أنه يطالبه بالتسليم عقيب العقد وهو عاجز عن ذلك؛ فلهذا لم يجوزه إلا مؤجلًا.
فإن قيل: لو كان شرعية السلم (١) دفعًا لحاجة المفاليس لاختص بحالة الإفلاس؛ لأنه ثبت على خلاف القياس فيقصر عليه، وليس كذلك، ألا ترى أنه يجوز بيع الحنطة سلمًا وعنده أكرار حنطة.
قلنا: إن الشيء لا يُباع سلمًا إلا بأدنى الثمنين، [والتاجر لا يبيع إلا للربح، فدل البيع بأدنى الثمنين] (٢) على أنه لا يبيع إلا للعجز عن الرابح، ولا عجز بأن يجعل ما عنده مستغرقًا لحاجته، ولأن حقيقة العدم أمر باطن لا يمكن الوقوف عليه حقيقة، والشرع بنى هذه الرخصة على العدم، فينبني على السبب الظاهر الدال على العدم ليمكننا تعليق الحكم به، والبيع بالخسران دليل على العدم.
فإن قيل: إنما سُمِّي السلم سلمًا؛ لما فيه من استعمال (٣) رأس المال.
قلنا: إن السلم اسم للمسلم فيه دون رأس المال فلا يكون الاسم مُبيِّنًا عمَّا ليس بمقصود في العقد، ولأنا اتفقنا على وجوب تسليم رأس المال أولًا [لأن قضية المعاوضة التسوية بين المتعاقدين] (٤) في الملك.
والتسليم يعني لو كان أحد البدلين - وهو المسلم فيه - جائز التسليم عند الخصم في الحال ينبغي أن [يكون] (٥) الحكم كذلك في رأس المال بأن يكون جائز التسليم لا واجب التسليم لمقتضى التسوية، ولم يكن كذلك، فعلم أن
стр. 4907
فَلَا بُدَّ مِنْ الأَجَلِ لِيَقْدِرَ عَلَى التَّحْصِيلِ فِيهِ فَيُسَلِّمُ، وَلَو كَانَ قَادِرًا عَلَى التَّسْلِيمِ لَم يُوجَد المُرَخِّصُ فَبَقِيَ عَلَى النَّافِي.
قَالَ: (وَلَا يَجُوزُ إِلَّا بِأَجَل مَعلُوم) لِمَا رَوَينَا، وَلِأَنَّ الجَهَالَةَ فِيهِ مُفْضِيَةٌ إِلَى المُنَازَعَةِ كَمَا فِي البَيعِ، وَالأَجَلُ أَدْنَاهُ شَهْرٌ (*)، وَقِيلَ: ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ، وَقِيلَ: أَكثَرُ مِنْ
الأصل في السلم فيه غير جائز؛ بل هو واجب ويتضح هذا فيما إذا كان رأس المال عينًا فإن أول السلمين في البدل الذي هو دين، كالثمن في بيع العين.
والدليل عليه: أن السلم اختص بالدين، مع مشاركة العين الدين فيما هو المقصود، فما كان ذلك إلا لاختصاصه بحكم يختص به الدين، وليس في ذلك إلا الأجل، وبه يبطل قول من قال: إن السلم الحال أبعد عن الغرر من السلم المؤجل، ومع ذلك اختص السلم بالدين بالإجماع (١).
وأما قولهم: فيحمل الحديث على الغالب (٢).
قلنا: ذاك بخلاف الأصل لدلائل ذكرناها كذا في المبسوط والأسرار.
(لم يوجد المرخص) وهو العجز عن التسليم (فبقي على النافي) وهو قوله ﵇: «لَا تَبِعْ مَا لَيسَ عِنْدَكَ» (٣).
قوله ﵇: (إلّا أجل معلوم)، وبه قال الشافعي (٤) وأحمد (٥) (لما روينا) وهو قوله: «مَنْ أَسْلَمَ مِنْكُمْ» الحديث (٦)، وقال مالك (٧): يجوز الأجل إلى الحصاد؛ لعدم إفضائه إلى المنازعة غالبًا.
قوله: (وقيل ثلاثة أيام) رواه أحمد بن عمران البغدادي أستاذ الطحاوي عن أصحابنا، اعتبارًا للأجل بالخيار الذي ورد الشرع بتقديره ثلاثة أيام، وهو رواية عن محمد.
стр. 4908
نِصفِ يَوم. وَالأَوَّلُ أَصَحٌ (وَلَا يَجُوزُ السَّلَمُ بِمِكْيَالِ رَجُل بِعَينِهِ وَلَا بِذِرَاعِ رَجُل بِعَيْنِهِ) مَعْنَاهُ: إِذَا لَم يُعرَف مِقدَارُهُ، لِأَنَّهُ تَأَخَّرَ فِيهِ التَّسْلِيمُ فَرُبَّمَا يَضِيعُ فَيُؤَدِّي إِلَى المُنَازَعَةِ وَقَدْ مَرَّ مِنْ قَبْلُ، وَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ المِكْيَالُ مِمَّا لَا يَنقَبِضُ وَلَا يَنبَسِطُ.
وفي شرح المجمع: وهذا ليس بصحيح؛ لأن الثلاث مثال أقصى المدة، وأدناه غير مقدر، وهكذا في الإيضاح (١).
وقيل: أكثر من نصف يوم، وبه قال أبو بكر الرازي وبعض أصحاب زفر؛ لأن المعجل ما كان مقبوضًا في المجلس، والمؤجل ما يتأخر قبضه عن المجلس، ولا يبقى المجلس بينهما في العادة أكثر من نصف يوم.
ومن مشايخنا من قال: أدناه شهر استدلالًا بمسألة كتاب الإيمان، وهي أن المديون إذا حلف ليقضين حقه عاجلا، فقضاه قبل تمام الشهر، بَرَّ في يمينه، فإذا كان ما دون الشهر في حكم العاجل كان الشهر وما فوقه في حكم الأجل. كذا في المبسوط (٢).
وفي الذخيرة عن الكرخي: أنه ينظر إلى مقدار المسلم فيه، وإلى عرف الناس في تأجيل مثله فإن كان قدر ما أجل أحد يؤجل مثله (٣) في العرف والعادة يجوز السلم وما [لا] (٤) فلا.
وعن محمد أدناه شهرٌ، وعليه الفتوى، وقيل: تقدير الأجل إلى المتعاقدين، فإن قدرا نصف يوم جاز. كذا في الإيضاح (٥).
قوله: (وقد مر من قبل) أي: في كتاب البيوع في مسألة: ويجوز البيع بإناء بعينه، وبقولنا قال الشافعي.
(ولا بأن يكون المكيال)، وفي بعض النسخ: (ولا بد أن يكون المكيال مما لا ينقبض ولا ينبسط).
стр. 4909
كَالقِصَاعِ مَثَلًا، فَإِنْ كَانَ مِمَّا يَنكَبِسُ بِالكَبسِ كَالذِّنبِيلِ وَالجِرَابِ لَا يَجُوزُ لِلمُنَازَعَةِ، إِلَّا فِي قِرَبِ المَاءِ لِلتَّعَامُلِ فِيهِ، كَذَا رُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ ﵀. قَالَ: (وَلَا فِي طَعَامِ قَريَة بِعَيْنِهَا) أَوْ ثَمَرَةِ نَحْلَة بِعَيْنِهَا، لِأَنَّهُ قَدْ يَعتَرِيهِ آفَةٌ فَلَا يَقْدِرُ عَلَى التَّسْلِيمِ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ ﵊ حَيثُ قَالَ: «أَرَأَيْتَ لَو أَذهَبَ اللَّهُ تَعَالَى الثَّمَرَ بِمَ يَسْتَحِلُّ أَحَدُكُم مَالَ أَخِيهِ؟» وَلَو كَانَتْ النِّسْبَةُ إِلَى قَرْيَةٍ لِبَيَانِ الصِّفَةِ لَا بَأْسَ بِهِ.
الكبس: (ابناسين) من حَدِّ ضرب، والانكباس (انباشته شدن).
(كالزنبيل) وفي بعض النسخ: (كالزبيل) أكثر، وفي المغرب والصحاح: والزبيل، بالفتح بدون التشديد، وبالكسر مع التشديد، لأنه ليس في كلام العرب (فعليل) بالفتح.
قوله: (وإليه أشار النبي ﷺ ) روي عن النبي ﷺ أنه سمع أقوامًا يسلفون في ثمر حائط فلان بعينها، فمنعهم رسول الله ﷺ عن ذلك، وقال: «أرأيت» أي: أخبرني «لَوْ أَذْهَبَ اللهُ ثَمَرَته تلك السنة بِمَ يستَحلّ … » إلى آخره (١)، فأشار إلى العلة، وهو ذهاب ثمرة تلك السنة، والذهاب موهوم، ومع هذا جعله كالمتحقق في منع جواز السلم، كما إذا أسلم بمكيال فلان بعينه؛ لأن القدرة على التسليم عند المحل شرط، وبالموهوم لا تتحقق القدرة. كذا في المبسوط (٢)، وبقولنا قال الشافعي (٣).
قوله: (ولو كانت النسبة) إلى آخره، إذا أسلم في حنطة من حنطة هراة وطعام ينقطع عن أيدي الناس فلا يجوز السَّلَم، كما لو أسلم في طعام قراح (٤) بعينه.
وفي المجتبى قال: عامة المشايخ لم يرد هراة خراسان، وإنما مراده قرية من الفرات تسمى هراة، وطعام تلك القرية يتوهم أن يصيبها آفة، أما هَرَاة
стр. 4910
عَلَى مَا قَالُوا كالخشمراني بِبُخَارَى وَالبَسَاخِيِّ بِفَرغَانَةَ.
قَالَ: (وَلَا يَصِحُّ السَّلَمُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ إِلَّا بِسَبْعِ شَرَائِطَ: جِنسٌ مَعْلُومٌ) كَقَولِنَا: حِنطَةٌ أَوْ شَعِيرٌ (وَنَوعٌ مَعْلُومٌ كَقَولِنَا: سَقِيَّةٌ أَوْ بَحْسِيَّةٌ وَصِفَةٌ مَعْلُومَةٌ) كَقَولِنَا: جَيِّدٌ
خراسان فلا يتوهم انقطاع طعامه؛ لأنها إقليم، فالسلم فيه، وفي طعام العراق والشام سواء كذا في المبسوط، وبقولنا قال الشافعي (١).
(على ما قالوا) أي: المشايخ (كالخشمراني) (٢) أي: الحنطة المنسوبة إلى الخشمران، قرية، وهي حنطة جيدة.
(والبساخي) بضم الباء وكسرها، كذا السماع، أي: الحنطة المنسوبة إلى البساخ، قرية، وهي حنطة جيدة بفرغانة، والمراد بالنسبة إليهما الجودة لا النابت فيهما.
قوله: (ولا يصح السلم عنده إلا بسبع)، وفي بعض النسخ: (إلا بسبعة) وهو الأصح، وقيد بقوله: (عند أبي حنيفة) لأن الانحصار في السبع المقيد من التركيب على قوله؛ إذ لا خلاف لأحدٍ من العلماء في اشتراط الجنس والنوع والصفة والقدرة والأجل عندنا، إنما الخلاف في غيرها.
فإن قيل: هاهنا شرطان لم يعدهما من الشرائط وهو تعجيل رأس المال، والقدرة على تحصيل المسلم فيه.
قلنا: ما ذكر شرائط يحتاج إلى ذكرها في العقد، وهذان الشرطان لا يحتاج فيه، وإليه أشار القدوري بقوله: إلا بسبعة شرائط يُذكر في العقد، وإليه أشير في المبسوط (٣) أيضًا حيث قال: الشرائط التي يحتاج إلى ذكرها في العقد.
(سقية) أي: مسقية، وفي المغرب (٤): السقية ما يُسقى سيحًا، والبخسي بخلافه، منسوب إلى البخس، وهي الأرض التي تسقيها السماء؛ لأنها مبخوسة الحظ من الماء.
стр. 4911
أو رَدِيءٍ؛ (وَبِمِقْدَارٍ مَعْلُومٍ) كَقَوْلِنَا: كَذَا كَيْلًا بِمِكْيَالٍ مَعْرُوفٍ وَكَذَا وَزْناً ﴿وَأَجَلُ مَعْلُومٌ﴾ وَالأَصْلُ فِيهِ مَا رَوَيْنَا وَالفِقْهُ فِيهِ مَا بَيَّنَا (وَمَعْرِفَةُ مِقْدَارِ رَأْسِ الْمَالِ إِذَا كَانَ يَتَعَلَّقُ الْعَقْدُ عَلَى مِقْدَارِهِ كَالْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ وَالْمَعْدُودِ وَتَسْمِيَةُ الْمَكَانِ الَّذِي يُوفِيهِ فِيهِ إِذَا كَانَ لَهُ حِمْلٌ وَمُؤْنَةٌ) وَقَالَا: لَا يَحْتَاجُ إِلَى تَسْمِيَةِ رَأْسِ الْمَالِ إِذَا كَانَ مُعَيَّناً
(والأصل فيه) أي: في اشتراط الشرائط المذكورة (ما روينا) وهو قوله ﷺ : ﴿مَنْ أَسْلَمَ مِنْكُمْ﴾ الحديث، ولما ثبت به بيان القدر المعلوم والأجل المعلوم ثبت بيان الجنس والنوع والصفة بطريق الدلالة، وما يتعلق بنفس السلم لدفع الجهالة المفضية إلى المنازعة. كذا قيل.
قوله: (ومعرفة مقدار رأس المال) إلى آخره، إذا كان رأس المال من المكيلات أو الموزونات أو المعدودات وجب إعلام قدره، وإن كان مشارا إليه، وبه قال مالك (١) وأحمد (٢) والشافعي في قول (٣)، وهو مروي عن ابن عمر، وقول الفقيه من الصحابة مقدم على القياس.
وقيد بقوله: (إن كان يتعلق العقد على مقداره) احترازا عما لا يتعلق العقد بمقداره، كالمذروعات، فإنه لم يجب بيان مقداره عند أبي حنيفة (٤)، وعندهما وعند مالك (٥) وأحمد وقول من الشافعي أيضا (٦)؛ لأن الذرعان في الثوب المعين صفة؛ ولهذا لو اشترى ثوبا على أنه عشرة أذرع، فوجده أحد عشر ذراعا - تسلم له الزيادة، ولو وجده تسعة أذرع - لا يحط عنه شيء من الثمن.
(يوفيه) أي: المسلم فيه، أي: في المكان (إذا كان له حمل) بالفتح، ذكره في المغرب، وبه قال الشافعي (٧) في وجهه.
(وقالا) أي: أبو يوسف ومحمد (٨) (لا يحتاج إلى تسمية رأس المال) أي: تسمية قدره (إذا كان معينا) أي: مشارا إليه، ولا يلزمه بيان مكان الإيفاء فيعين
стр. 4912
وَلَا إِلَى مَكَانِ التَّسْلِيمِ وَيُسَلِّمُهُ فِي مَوْضِعِ الْعَقْدِ، فَهَاتَانِ مَسْأَلَتَانِ. وَلَهُمَا فِي الْأُولَى (*): أَنَّ الْمَقْصُودَ يَحْصُلُ بِالإِشَارَةِ فَأَشْبَهَ الثَّمَنَ وَالأُجْرَةَ وَصَارَ كَالثَّوْبِ. وَلأَبِي حَنِيفَةَ:
مكان العقد، وبه قال أبو حنفة أولا، والشافعي في الأصح (١)، واختاره المزني.
وقال أحمد: لا يجب بيان ذكر مكان الإيفاء، ولو ذكره، فهل يبطل السلم؟ عنه روايتان (٢).
(فهاتان المسألتان) أي: فهاتان المسألتان فيهما اختلاف بين أبي حنيفة وصاحبيه.
(في الأولى) أي: المسألة الأولى، وهي إعلام قدر رأس المال (أن المقصود) أي: من إعلام قدر رأس المال القدرة على التسليم وانقطاع المنازعة، وذلك حاصل (بالإشارة) إلى العين، فيغني ذلك عن إعلام القدر كما في (الثمن والأجرة)، وكما في المضاربة إذا دفع إلى آخر دراهم معينة غير معلومة المقدار مضاربة بالنصف كان جائزا.
(وصار كالثوب) يعني: إذا كان رأس المال ثوبا لا يكون إعلام ذرعانه شرطا بالاتفاق، مع أن الذرع في المذروعات للإعلام بمنزلة القدر في المقدورات. كذا في المبسوط (٣).
(وله) أي: لأبي حنيفة ما ذكرنا من قول ابن عمر، وقول صحابي فقيه مقدم على القياس.
والمعنى أن هذا مقدر بينا وله عقد السلم، فلا بد من إعلام قدره كالمسلم فيه، وتوضيحه أن جهالة قدر رأس المال مؤد إلى جهالة المسلم إليه إذا أخذ رأس المال وأنفقه كما ينفقه المحتاجون، فربما بقي في يده زيوف (٤)، وله أن
стр. 4913
أَنَّهُ رُبَّمَا يُوجَدُ بَعضُهَا زُيُوفا: وَلَا يُستَبْدَلُ فِي المَجْلِسِ، فَلَو لَم يَعلَم قَدرَهُ لَا يَدْرِي
يدفع الزيوف، وربما لا يتفق الاستبدال في مجلس الرد، فينقض العقد بذلك القدر، فإذا لم يكن مقدار رأس المال معلومًا لا يُدرى في كم انتقض (١) وفي كم بقي، وإذا كان معلومًا توزن الزيوف فيُعلم في كم انتقض، وهكذا إذا استحق بعض رأس المال ينفسخ العقد بقدره، وما كان يؤدي إلى الجهالة يجب الاحتراز عنه، وإن كان ذلك موهوما، ألا ترى أنه إذا أسلم في مكيال رجل بعينه لا يجوز لهذا المعنى، وهو أنه يؤدي إلى جهالة المسلم فيه وإن كان موهوما.
(بخلاف ما إذا كان رأس المال ثوبًا) (٢) لأن الذرعان في الثوب المعين صفة البدل لا تقابل الأوصاف، فلم يكن المسلم فيه منقسمًا على عدد الذرعان، فجهالة قدر الذرعان لا تؤدي إلى جهالة المسلم فيه، [فأما هاهنا مقدار، والبدل يقابله، فيؤدي إلى جهالة المسلم فيه] (٣) كذا في المبسوط (٤).
وهذا معنى قول المصنف: (أنه ربما يوجد بعضه زيوفًا) إلى آخره.
فإن قيل: في هذا اعتبار لشبهة الشبهة، وذلك أن وجود رأس المال زيوفًا فيه شبهة واحتمال؛ لأنه يحتمل ألا يجد زيفًا، وهو الظاهر، وبعد الوجود الرد محتمل، وبعد الرد ترك الاستبدال في مجلس الرد محتمل، والمعتبر شبهة الشبهة دون النازل عنها.
قلنا: هذه شبهة واحدة؛ لأن كلا منها مبني على وجوده زيفًا، فكانت شبهة واحدة فتعتبر.
قيل: هذه الشبهة مع جوابه غير مستقيم؛ لأنه ما اعتبرنا الشبهة، وفي مسألتنا ليست الشبهة، بل الشرع اعتبر الموهوم في هذا العقد بقوله ﵇: «أَرَأَيْتَ لَوْ أَذْهَبَ اللهُ ثَمَرَتهَ بِمَ يَسْتَحِلَّ … » الحديث (٥)، وأنا إذا اعتبرنا الموهوم أيضًا، وهاهنا ليست الشبهة؛ لأن الشبهة ما يشبه الثابت، وليس بثابت كالنقد مع النسيئة، وليس هاهنا كذلك.
стр. 4914
فِي كَمْ بَقِيَ أَوْ رُبَّمَا لَا يَقْدِرُ عَلَى تَحْصِيلِ المُسلَم فِيهِ فَيَحتَاجُ إِلَى رَبِّ رَأْسِ المَالِ، وَالمَوهُومُ فِي هَذَا العَقدِ كَالمُتَحَقِّقِ لِشَرعِهِ مَعَ الْمُنَافِي، بِخِلَافِ مَا إِذَا كَانَ رَأْسُ المَالِ ثَوبا، لِأَنَّ الدَّرعَ وَصفٌ فِيهِ لَا يَتَعَلَّقُ العَقْدُ عَلَى مِقْدَارِهِ.
وَمِنْ فُرُوعِهِ: إِذَا أَسْلَمَ فِي جِنسَينِ وَلَم يُبَيِّنْ رَأسَ مَالِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنهُمَا، أَوْ أَسْلَمَ جِنسَينِ وَلَم يُبَيِّنِ مِقدَارَ أَحَدِهِمَا.
(والموهوم في هذا العقد) أي: عقد السّلم (كالمتحقق) بقوله: «بِمَ يَسْتَحلّ أَحَدُكُمْ … » الحديث؛ ولهذا لا يجوز بمكيال رجل بعينه كما ذكرنا، وهذا في الحقيقة جواب إشكال، وهو أن يُقال: هذا الذي ذكرت موهوم، والموهومات لا يُعتبر هاهنا كما ذكرنا. كذا في الإيضاح.
(لشرعه مع المنافي) كان ضعيفًا فيصلح أن يكون الموهوم معارضًا لهما؛ لكونهما ضعيفين.
(لأن الذرع وصف فيه) أي: في الثوب كما بينا.
(على مقداره) أي: مقدار الذرع لما بينا أن البدل لا يقابل الأوصاف، فلم يكن المسلم منقسمًا على الذرعان.
قوله: (ومن فروعه) أي: فروع الاختلاف في معرفة قدر رأس المال (إذا أسلم في جنسين) بأن قال: أسلمت إليك عشرة دراهم في كرّ حنطة وكر شعير، أو في ثوبين مختلفين، ولم يبين حصة كل واحد منهما، فعنده لا يجوز (١)، وعندهما يجوز (٢).
[(أو أسلم جنسين) بأن قال: أسلمت إليك هذه الدراهم العشرة، وهذه الدنانير، أو على العكس فإنه علم وزن أحدهما ووزن الآخر في كر حنطة، ولم يبين مقدار الدنانير، فعنده: لا يجوز، وعندهما: يجوز] (٣)؛ لما [أن] (٤)
стр. 4915
وَلَهُمَا فِي الثَّانِيَةِ (*): أَنَّ مَكَانَ العَقدِ يَتَعَيَّنُ لِوُجُودِ العَقدِ المُوجِبِ لِلتَّسْلِيمِ،
إعلام رأس المال شرط عنده، والمالية تنقسم على الحنطة والشعير باعتبار القيمة، وطريق معرفته الحرز، فلا يكون مقدار رأس مال كل واحد منهما معلومًا، وكذلك في المسألة الثانية. كذا في المبسوط (١).
قوله: (ولهما في الثانية) أي: في المسألة الثانية (أن مكان العقد يتعين) أي: للإيفاء؛ لأن مكان العقد مكان الالتزام فيتعين لإيفاء ما التزمه في ذمته كموضع الاستقراض والاستهلاك؛ وهذا لأن المسلم فيه دين ومحلّه الذمة، وإنما يصير مملوكًا لرب السَّلَم في ذلك المكان، والتسليم إنما عُين في الموضع الذي ثبت الملك كما في بيع العين.
ولأن في حق أحد البدلين وهو رأس المال يتعين مكان العقد للإيفاء، فكذا في حق البدل الآخر، إلا أنه إذا شرط مكانًا آخر يتعين ذلك المكان بالشرط، وبأن جاز تغييره بالشرط، فذاك لا يدل على أنه غير ثابت بمطلق العقد، كنقد البلد في الثمن يتعين بمطلق العقد، ويجوز تغييره باشتراط نقد آخر، والملك بمطلق العقد يثبت عقيبه، ويجوز تغييره باشتراط الخيار، ويوجه مطالبة الثمن تثبت بمطلق ثمن العقد، ويجوز تغييره باشتراط الأجل. كذا في المبسوط (٢).
فإن قيل: لو تعين مكان العقد ينبغي أن يفسد العقد ببيان مكان آخر، كما قال أحمد (٣) في رواية، وكما في بيع العين، فإنه لو اشترى كرا وشرط على البائع الحمل إلى منزله يفسد، سواء اشتراه في المصر أو خارجه. ذكره في الذخيرة.
قلنا: لما عيّن مكانًا آخر بالنصّ صار أولى من مكان العقد؛ لأنه ثابت دلالة، إلا أن هذا الشرط يفسد بيع العين؛ لأن المشتري يملك العين بالشراء، فاشترط عليه حملا زائدًا فقد اشترط عليه عملًا في ملكه مع ما اشترى العين منه، ثم سمى الثمن بإزاء ذلك كله، فصار بائعًا العين وأجر الحمل، فتصير
стр. 4916
وَلِأَنَّهُ لَا يُزَاحِمُهُ مَكَانُ آخَرَ فِيهِ فَيَصِيرُ نَظِيرَ أَوَّلِ أَوقَاتِ الإِمْكَانِ فِي الْأَوَامِرِ فَصَارَ كَالقَرْضِ وَالغَصب.
صفقة في صفقة، فيبطل بالشرط الفاسد، ورب السَّلَم لا يملك عينا قبل القبض، فيكون النقل إلى مكان آخر عملًا من البائع في ملك نفسه فلا يصير مؤاجرا، فلا يصير صفقة في صفقة، فلا يصير فاسدًا. كذا في المبسوط (١).
وفي الفوائد الظهيرية: فإن قيل: لم قلتم: لأن في بيع العين يتعين مكان البيع للتسليم، وما روي عن محمد يدل على عدم تعيينه، فإنه قال في رجل باع طعاما والطعام في السواد: فإن كان المشتري يعلم مكان الطعام فلا خيار له، وإن كان لا يعلم فله الخيار، ولو تعيّن مكان البيع للتسليم؛ لما كان له الخيار؟
ثم قيل: إنما يجوز البيع إذا كانت جوابي الحنطة في بيت واحد، فإن كان في مصر وسواد - فالبيع فاسد؛ لإفضائه إلى المنازعة؛ لأن المشتري يطالب بالتسليم في أقرب الأماكن، وهذا كله دليلٌ على أن مكان العقد لا يتعين في بيع العين.
قلنا: البيع يتعين للتسليم إذا كان البيع حاضرًا، والمبيع في السلم حاضر؛ لأنه في ذمة المسلم إليه، والمسلم إليه حاضر في مكان العقد فيكون المبيع حاضرًا في السلم وفي بيع العين إذا كان المبيع حاضرًا يتعين مكان المبيع، وإن كان غائبا يتعين المكان الذي يستحق تسليم الثمن، ثم في السلم يستحق تسليم رأس المال في مكان العقد فيستحق تسليم ما يقابله في ذلك المكان أيضًا تسوية بينهما بقدر الوسع ..
(ولأنه) أي: مكان العقد (لا يزاحمه مكان آخر فيه) أي: في وجوب التسليم فيه، نصا؛ لعدم اشتراط مكان آخر فيه، ولا دلالة؛ لعدم العقد فيه.
(أول أوقات الإمكان في الأوامر) فإنه يتعين لسببه نفس الوجوب لعدم مزاحمة الآخر، وهذا على قول الكرخي في الأمر المطلق، فإنه يتعين وجوب الأداء في أول أوقات المكنة عنده.
(كالقرض والغصب) فإنه يتعين مكان القرض والغصب للتسليم بالإجماع.
стр. 4917
وَلِأَبِي حَنِيفَةَ ﵀: أَنَّ التَّسْلِيمَ غَيْرُ وَاجِب فِي الحَالٌ فَلَا يَتَعَيَّنُ، بِخِلَافِ القَرضِ وَالغَصبِ، وَإِذَا لَم يَتَعَيَّن فَالجَهَالَةُ فِيهِ تُفضِي إِلَى المُنَازَعَةِ، لِأَنَّ قِيَمَ الأَشْيَاءِ تَختَلِفُ بِاخْتِلَافِ المَكَانِ فَلَا بُدَّ مِنْ البَيَانِ، وَصَارَ كَجَهَالَةِ الصِّفَةِ، وَعَنْ هَذَا قَالَ
(ولأبي حنيفة) في المبسوط: مكان الإيفاء مجهول، وجهالته تفضي إلى المنازعة، فيجب التحرز عنها، وذلك أن في السَّلَم استحقاق التسليم عند المحل، ولا يدري: أي مكان يكون المحل؟
(بخلاف القرض والغصب والاستهلاك وبيع العين، فإن السبب يتعين فيتعين مكانه، ثم قال أبو حنيفة: ارأيتَ لو عقدا عقد السلم في السفينة في لجة البحر، أكان يتعين ذلك الموضع للتسليم عند المحل؟ هذا مما لا يقوله عاقل؛ ولهذا لو بين مكانًا آخر يتعين ذلك بالاتفاق بالشرط، ولو كان مكان العقد يتعين لكان اشتراط مكان آخر يُوجب فساد العقد، كما في بيع العين، وهذا بخلاف رأس المال، فإنه لما تعيَّن مكان العقد لتسليمه لم [يجز] (١) تغييره بشرط (٢).
على أنا لا نقول: إن مكان العقد تعيَّن في حقه، ولكن الشرط تسليمه قبل الافتراق؛ لئلا يلزم الكالئ بالكالئ، حتى لو مشيا فرسخًا بعد العقد، وسلّم رب السلم رأس المال (٣) قبل الافتراق - كان صحيحًا. كذا في المبسوط (٤).
قوله: (فلا يتعين مكان العقد لأنه إما لتعينه صريحًا، ولم يوجد، وإما ضرورة وجوب التسليم عليه في الحال، كما في القرض والغصب، ولم يوجد؛ إذ السلم لا يصح إلا مؤجلا، فلا يتعين مكان العقد للإيفاء، (وإذا لم يتعين) ولم يعينا مكانًا فيبقى مكان الإيفاء مجهولًا (والجهالة فيه) أي: في مكان الإيفاء تفضي إلى المنازعة) كجهالة الصفة.
تختلف باختلاف المكان أي: فيما له حمل ومؤنة، كما تختلف باختلاف الصفة، وعن هذا) أي: عن اختلاف القيم باختلاف الأماكن.
стр. 4918
مَنْ قَالَ مِنْ المَشَايِخِ ﵏: إِنَّ الاختِلافَ فِيهِ عِندَهُ يُوجِبُ التَّخَالُفَ كَمَا في الصِّفَةِ. وَقِيلَ: عَلَى عَكسِهِ، لِأَنَّ تُعَيُّنَّ المَكَانِ قَضِيَّةُ العَقدِ عِندَهُمَا، وَعَلَى هَذَا الخِلَافِ الثَّمَنُ: وَالأجرَةُ وَالقِسْمَةُ، وَصُورَتُهَا: إِذَا اقْتَسَمَا دَارًا وَجَعَلَا مَعَ نَصِيبٍ أَحَدِهِمَا شَيئًا لَهُ حَملٌ وَمُوْنَةٌ.
(إِنْ الاختلاف فيه)؛ أي: في مكان الإيفاء (يوجب التخالف) عند أبي حنيفة كالاختلاف في الصفة، وعندهما لا يوجب؛ لأنهما اختلفا في قضية العقد والاختلاف [في] (١) قضية العقد يوجب التحالف، كما لو اختلفا في مقدار المسلم، وعندهما صار هذا بمنزلة الاختلاف في الأجل بالإجماع؛ لأنه ليس من قضية العقد كالأجل، والاختلاف في الأجل لا يوجب التحالف بالإجماع؛ لأنه موجب الشرط لا من قضية العقد، فلا يوجب التحالف، والاختلاف في موجب العقد - كالاختلاف في البيع أو الثمن - يوجب التحالف بالإجماع.
(على عكسه) أي: لا يُوجب التحالف عنده، وعندهما يوجب؛ لأن تعين المكان لما ثبت عندهما بمجرد العقد كان من جملة قضية العقد، والاختلاف فيها يُوجب التحالف بالإجماع، وعند أبي حنيفة تعين مكان الإيفاء لما لم يكن من مقتضيات العقد صار بمنزلة الأجل، والاختلاف في الأجل لا يوجب التحالف بالإجماع، فكذا هاهنا.
(وعلى هذا الاختلاف) وهو أنه: هل يُشترط بيان مكان الإيفاء بالثمن في بيع العين إذا كان [له] حمل ومؤنة، ومؤجلا، والأجرة؟ وصورته: استأجر دارًا بما لَهُ حمل، ومؤجلاً، فعنده يشترط بيان مكان الإيفاء وعندهما لا يُشترط.
(وجعلا) أي: المتقاسمان (مع نصيب أحدهما شيئًا) وهذا إذا كان زيادة في نصيب الآخر، وشرط على نفسه ما له حمل دينا في الذمة. كذا في المبسوط (٢) وجامع قاضي خان والكافي.
стр. 4919
وَقِيلَ: لَا يُشْتَرَطُ ذَلِكَ فِي الثَّمَنِ. وَالصَّحِيحُ: أَنَّهُ يُشْتَرَطُ إِذَا كَانَ مُؤَجَّلًا، وَهُوَ اختِيَارُ شَمسِ الأَئِمَّةِ السَّرَحْسِيّ ﵀. وَعِندَهُمَا: يَتَعَيَّنُ مَكَانُ الدَّارِ وَمَكَانُ تَسْلِيمٍ الدَّابَّةِ لِلإِيفَاءِ. قَالَ: (وَمَا لَم يَكُنْ لَهُ حِملٌ وَمُؤنَةٌ، لَا يَحْتَاجُ فِيهِ إِلَى بَيَانِ مَكَانِ الإيفاء بالإجماع) لِأَنَّهُ لَا تَختَلِفُ قِيمَتُهُ (وَيُوفِيهِ فِي المَكَانِ الَّذِي أَسْلَمَ فِيهِ) قَالَ ﵁: وَهَذِهِ رِوَايَةُ الجَامِعِ الصَّغِيرِ وَالبُيُوعِ.
وَذَكَرَ فِي الإِجَارَاتِ: أَنَّهُ يُوفِيهِ فِي أَيِّ مَكَان شَاءَ، وَهُوَ الْأَصَحُ، لِأَنَّ الْأَمَاكِنَ كُلَّهَا سَوَاءٌ، وَلَا وُجُوبَ فِي الحَالٌ
(وقيل: لا يشترط ذلك) أي: بيان مكان الإيفاء (في الثمن) عند الكل (والصحيح أنه) أي: بيان مكان الإيفاء (يشترط عنده إذا كان مؤجلا) (١) وبه قال الشافعي (٢) أي: مكان الدار في القسمة (ومكان تسليم الدابة) أي: في الإجارة.
قوله: (وَمَا لَمْ يَكُنْ لَهُ حَمْلٌ وَمُؤْنَةٌ) كالمسك والكافور والزعفران وصغار اللؤلؤ (لا يشترط بيان مكان الإيفاء عندهم) (٣) وبه قال الشافعي في الأصح.
(في المكان (٤) الذي أسلم فيه) لأنه موضع الالتزام فيرجح على غيره.
(والبيوع) أي: بيوع الأصل، وهو المبسوط.
(وهو الأصح وبه قال الشافعي في الأصح لأن الأماكن كلها سواء) إذ المالية لا تختلف باختلاف الأماكن فيما لا حمل له ولا مؤنة له، وإنما يختلف بعزة الوجود وكثرة الوجود، وكثرة رغبات الناس وقلتها، بخلاف ما له حمل ومؤنة، فإن الحنطة أو الحطب موجودة في المصر والسواد ثم تُشترى في المصر بأكثر مما تُشترى في السواد، وما كان ذلك إلا لاختلاف المكان، فثبت أن ماليته تختلف باختلاف المكان كما تختلف باختلاف الزمان.
كذا في المبسوط (٥).
(ولا وجوب) وإنما قال دفعًا لسؤال، وهو أن يقال: يجوز أن يتعين مكان
стр. 4920
وَلَو عَيَّنَّا مَكَانًا، قِيلَ: لَا يَتَعَيَّنُ لِأَنَّهُ لَا يُفِيدُ، وَقِيلَ: يَتَعَيَّنُ (*)، لِأَنَّهُ يُفِيدُ سُقُوطَ خَطَرِ الطَّرِيقِ، وَلَو عَيَّنَ المِصرَ فِيمَا لَهُ حَملٌ وَمُؤنَةٌ يُكتَفَى بِهِ، لِأَنَّهُ مَعَ تَبَايُنِ أَطْرَافِهِ كبقعة
العقد ضرورة وجوب التسليم، فقال: ولا وجوب؛ أي: لا يجب التسليم في الحال ليتعين ضرورة باعتباره.
(فلو عيّنا (١) مكانًا) [أي] (٢): فيما لا حمل ولا مؤنة له، (قيل: لا يتعين؛ لأنه) أي: التعيين (لا يفيد) لأن الشرط الذي لا يفيد لا يجوز؛ لأنه لا يلزمه مؤنة، فيلغو.
(وقيل: يتعين)، وهو الأصح، وبه قال الشافعي وأحمد في رواية، وفي رواية عنه: يبطل العقد.
(لأنه) أي: التعيين (يفيد) لربّ السَّلَم (سقوط خطر الطريق).
(كبقعة) أي: مكان واحد؛ لأن القيمة لا تختلف باختلاف المصر عادة، حتى قيل: هذا إذا لم يكن المصر عظيمًا، فلو كان بين نواحيه مثل فرسخ، ولم تتبين ناحية منه - لا يجوز؛ لأن هذه جهالة مفضية الى المنازعة. كذا في المحيط (٣).
وفيه: لو شرط أن يوفيه في موضع ثم يحمله إلى منزله فلا خير فيه، ولو شرط الحمل إلى منزله ابتداء، قيل: يجوز استحسانًا.
وروى الكرخي عن أصحابنا أنه لا يجوز السَّلَم، وقيل: إنما لا يجوز قياسًا إذا شرط الإيفاء في موضع ثم الحمل إلى منزله، أما لو شرط الإيفاء إلى منزله يجوز قياسًا واستحسانًا، وفي بيع العين لو شرط على البائع في المصر أن يوفيه إلى منزله والعقد في المصر - جاز عند أبي حنيفة وأبي يوسف استحسانًا، وعند محمد لا يجوز، هذا إذا لم يكن بين جوانب المصر مسافة بعيدة، فإن كان - لا يجوز البيع.
стр. 4921
وَاحِدَة فِيمَا ذَكَرنَا.
قَالَ: (وَلَا يَصِلُّ السَّلَمُ حَتَّى يَقْبِضُ رَأسَ المَالِ قَبلَ أَنْ يُفَارِقَهُ فِيهِ) أَمَّا إِذَا كَانَ
ولو كان العقد في المصر ومنزله خارج المصر، أو على عكسه، وشرط التوفية إلى منزله، ولو اشترى طعامًا بطعام من جنسه، وشرط أحدهما التوفية إلى منزله - لم يجز بالإجماع (١) كيفما كان، ولو شرط أن يوفيه إلى مكان كذا، فسلمه في غيره، ودفع الكراء إلى الموضع المشروط صار قابضا ولا يجوز أخذ الكراء، وإن شاء ردّه إليه ليسلمه في المكان المشروط؛ لأنه حقه.
(فيما ذكرنا) أي: في اختلاف القيمة.
قوله: (قَبْلَ أَنْ يُفَارِقَهُ) أي: أحد المتعاقدين الآخر، بدنا لا مكانًا، حتى [لو] (٢) مشيا فرسخًا ولم يقبض المسلم [إليه] (٣) رأس المال - لا يبطل العقد ما لم توجد مفارقة أحدهما الآخر بدنا.
اعلم أن قبض رأس المال قبل الافتراق بالأبدان شرط بقاء العقد على الصحة، سواء كان رأس المال مما لا يتعين كالنقود، أو مما يتعين كالعروض (٤)، وبه قال الشافعي (٥) وأحمد (٦).
وقال مالك (٧) وأحمد: يجوز تأخير قبض رأس المال يومين أو ثلاثة أو أكثر ما لم يكن ذلك بشرط؛ أي: بغير اشتراط التأجيل بمنزلة الثمن في بيع العين، فإنه لا يُشترط قبضه في المجلس، حتى لو تأخر يوما أو يومين لم يخرجه ذلك عن كونه نقدًا غير مؤجل، ولأنه إذا لم يُشترط التأجيل لا يخرجه إلى الدين بالدين؛ إذ لا بدَّ من استثناء مُدّة يمكن فيها وزن المال أو نقده، وجرت العادة بتراخي الوزن والإقباض عن مجلس العقد.
وقلنا: رأس المال إن كان دينًا، كالنقود يكون تعجيل رأس المال شرطًا، قياسًا واستحسانا؛ إذ الدراهم والدنانير لا يتعينان في العقود، فيكون هذا بيع
стр. 4922
مِنْ النُّقُودِ، فَلِأَنَّهُ افْتِرَاقٌ عَنْ دَين بِدَين، وَقَدْ نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنِ الكَالِئِ بِالكَالِئِ، وَإِنْ كَانَ عَينا، فَلِأَنَّ السَّلَمَ أَخَذُ عَاجِل بِآجِل، إذ الإِسْلَامُ وَالإِسْلَافُ يُنبِثَانِ عَنْ التَّعجِيلِ، فَلَا بُدَّ مِنْ قَبضِ أَحَدِ العِوَضَينِ لِيَتَحَقَّقَ مَعْنَى الاِسْمِ، وَلِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ تَسْلِيمِ رَأْسِ المَالِ لِيَتَقَلَّبَ المُسلَمُ إِلَيْهِ فِيهِ فَيَقْدِرُ عَلَى التَّسْلِيمِ، وَلِهَذَا قُلْنَا: لَا يَصِحُ السَّلَمُ إِذَا كَانَ فِيهِ خِيَارُ الشَّرطِ لَهُمَا أَوْ لِأَحَدِهِمَا،
الدين بالدين، وأنه منهي لنهي النبي ﵇ (عن الكالئ بالكالئ (١)) أي: النسيئة بالنسيئة (وإن كان عينًا) يُشترط تعجيله استحسانًا لا قياسًا؛ لأنه لا يؤدي إلى بيع الدين بالدين.
وجه الاستحسان: أن السَّلَم أخذُ عاجل بآجل، والمسلم فيه أجل، فوجب أن يكون رأس المال عاجلا؛ ليكون حكمه على وفق ما يقتضيه اسمه، كما في الصرف والحوالة والكفالة، فإن هذه العقود تثبت أحكامها بمقتضيات أساميها لغة. كذا في المبسوط (٢).
وهذا معنى قول المصنف: (إذ الإسلام والإسلاف) إلى آخره (ينبئان) أي: الإسلام والإسلاف؛ لأنهما في اللغة: أخذ عاجل بآجل، ولأن المسلم مشتق من السلامة، وذلك بقبض رأس المال؛ إذ المسلم فيه غير موجود.
(ليتقلب) أي: لينصرف (فيقدر على التسليم) أي: تسليم المسلم فيه من زمان العقد إلى حين المحل.
وقوله: (ولهذا فلنا لا يصح السلم) إلى آخره: توضيح ودليل لاشتراط
стр. 4923
لِأَنَّهُ يَمْنَعُ تَمَامَ القبض لِكَونِهِ مَانِعًا مِنْ الإِنعِقَادِ فِي حَقِّ الحُكمِ، وَكَذَا لَا يَثْبُتُ فِيهِ خِيَارُ الرُّؤيَةِ، لِأَنَّهُ غَيْرُ مُفيد، بِخِلَافِ خِيَارِ العَيبِ،
القبض (لأنه) أي: خيار الشرط (يمنع تمام القبض) إذ القبض إنما يتم إذا كان بناء على الملك، وخيار الشرط يمنع الملك (لكونه) أي: لكون الخيار (مانعًا من الانعقاد في حق الحكم) وهو ثبوت الملك، فيكون مانعا لما هو مبني على الملك فيمنع تمام القبض، والافتراق قبل تمامه يبطل العقد.
وهذا بخلاف الاستحقاق، فإن رأس المال إذا وجد مستحقا لم يمنع الاستحقاق تمام القبض، حتى لو افترقا بعد القبض، ثم أجاز المالك صح العقد، وإن كان الاستحقاق يمنع الملك؛ لأن امتناع الملك ليس يقتضيه السبب، فإن السبب وجد مطلقا لا مانع فيه، وإنما امتناع الملك لتعلق حق ثالث، فإذا أجاز المالك التَحَقَتِ الإجازة بحالة العقد، وبقاء حقه قبل الإجازة لا يمنع صحة القبض الذي يتم به العقد، كما لا يمنع عن انعقاد العقد عليه.
أما خيار الشرط فيعدم الملك، ويجعل العقد في حق الحكم كالمتعلق بشرط سقوط الخيار، فكان تأثيره أكثر من تأثير عدم القبض، وعدم قبض رأس المال في المجلس مُبْطِل للسلم، فاشتراط الخيار فيه أولى؛ وهذا لأن القبض حكم العقد، وقد صار العقد بشرط الخيار في حق الحكم كالمعلق، والمعلق بالشرط معدوم قبله.
وعن هذا قلنا: إن إعتاق المشتري لا يصح ولا يتوقف إذا كان في المبيع خيار البيع، وإعتاق المشتري يتوقف، وبهذا تبين أن القبض لا يتم بخيار الشرط، والافتراق قبل القبض مبطل للعقد. كذا في الإيضاح، والمبسوط (١).
(وكذا لا يثبت فيه) أي: في السَّلَم (خيار الرؤية) بإجماع الفقهاء (٢)، أما خيار العيب يثبت (٣) (لأنه) أي: خيار الرؤية (غير مفيد) إذ فائدة الخيار رد
стр. 4924
لِأَنَّهُ لَا يَمْنَعُ تَمَامَ القَبْضِ، وَلَو أُسقِطَ خِيَارُ الشَّرطِ قَبلَ الِافْتِرَاقِ وَرَأْسُ المَالِ قَائِمٌ
المبيع، والمسلم فيه دين في الذمة، فإذا ردّ المقبوض عاد دينا كما كان؛ لأنه لم يرد عين ما تناوله العقد؛ لأن العقد لم يتناول هذا المقبوض، وإنما يتناول مثله دينا في الذمة، فلا ينفسخ العقد برده؛ بل يعود حقه في مثله، فإذا لم يفد فائدة لا يثبت بخلاف بيع العين، فإنه لو رد العين بخيار الرؤية ينفسخ العقد؛ لأنه رد عين ما تناوله العقد، فينفسخ العقد برده. كذا ذكره شيخ الإسلام خواهر زاده.
وحاصله أن رد المسلم فيه لا يوجب الفسخ؛ لأن المقبوض غير المبيع في السَّلَم؛ لأنه دين والفسخ بخيار الرؤية ثابت في المبيع لا في غيره، ولا يشكل بالاستصناع؛ فإنه دين في ذمة الصانع، ومع ذلك فيه خيار الرؤية؛ لأنا لا نسلم في الاستصناع المبيع هو الدين، بل العين، كما يجيء، وخيار الرؤية والعيب في رأس المال لا يفسد العقد؛ لأنه لا يمنع ثبوت الملك. ذكره في التحفة.
(لأنه) أي: خيار العيب (لا يمنع تمام القبض) [لأن تمام القبض] (١) يتعلق بتمام الصفقة، وتمام الصفقة يتعلق بتمام الرضا، والرضا تمام وقت العقد. كذا في المبسوط (٢).
وفي الكافي: ولأن إعلام الدين بذكر الصفة؛ إذ لا يتصور فيه المعاينة، فقام ذكر الوصف على الاستقصاء في المسلم فيه مقام الرؤية في بيع العين.
قوله: (ورأس المال قائم) يعني: حال إسقاط الخيار، حتى لو أسقط بعد هلاك رأس المال في يد المسلم إليه أو إنفاقه لا يعود (٣) السلم جائزا بالإجماع؛ لأنه بالإهلاك والإنفاق صار دينًا في ذمته، فلو انقلبَ السَّلم جائزا لصار بمنزلة عقد السلم بالدين ابتداء، وذا لا يجوز، فإذا لم يجز ابتداؤه بالدين لا يجوز إتمامه بإسقاط الخيار.
стр. 4925
جَازَ خِلَافًا لَزُفَرَ، وَقَدْ مَرَّ نَظِيرُهُ (وَجُملَةُ الشُّرُوطِ جَمَعُوهَا فِي قَولِهِم: «إِعْلَامُ رَأْسِ المَالِ، وَتَعجِيلُهُ، وَإِعْلَامُ المُسلَمِ فِيهِ، وَتَأجِيلُهُ، وَبَيَانُ مَكَانِ الإِيفَاءِ، وَالقُدرَةُ عَلَى
(خلافًا لزفر) (١) والشافعي (٢) ومالك (٣) أيضًا.
(وقد مر نظيره) أي: في باب البيع الفاسد، وهو ما إذا باع إلى أجل مجهول، ثم أسقط الأجل قبل حلوله ينقلب جائزا عندنا، خلافًا له.
(إعلام رأس المال) أي: في المكيل والموزون والمعدود (وتعجيله) أي: تعجيل رأس المال وإعلام المسلم فيه يعني جنسًا ونوعًا وصفة وقدرًا، وقوله: (إعلام رأس المال) مشتمل على بيان جنسه وصفته وقدره (وتأجيله) أي: تأجيل المسلم فيه (وبيان مكان الإيفاء) أي: فيما له حمل ومؤنة.
وفي المحيط: شرائط صحة السلم أربعة عشر: هذه السبعة المذكورة، وسبعة أخرى لم يذكرها صاحب الكتاب في عد الشروط، وإن ذكرها متفرقة:
أحدها: دوام وجود المسلم فيه من حين العقد إلى حين المحل.
وثانيها: أن يكون المسلم فيه مما يتعين بالتعيين، حتى لا يجوز السلم في الأثمان، وفي التبر روايتان.
وثالثها: أن يكون المسلم فيه من المكيلات أو الموزونات، أو المعدودات المتقاربة، أو المذروعات، حتى لا يجوز السلم في الحيوان.
ورابعها: قبض رأس المال قبل الافتراق.
وخامسها: أن يكون رأس المال منقدًا عند أبي حنيفة، خلافًا لهما (٤). وسادسها: ألا يكون في السلم خيار.
وسابعها: أن يكون المسلم فيه مضبوطًا بوصف يلتحق به بذوات الأمثال. قال الإمام تاج الدين أخو حسام الشهيد: الشروط سبعة عشر: هذه الأربعة عشر، وآخران:
стр. 4926
تَحصِيلِهِ»، فَإِنْ أَسْلَمَ مِائَتِي دِرْهَم فِي كُرِّ حِنطَة مِائَةٌ مِنهَا دَيْنٌ عَلَى المُسلَمِ إِلَيْهِ وَمِائَةٌ نقدٌ: فَالسَّلَمُ فِي حِصَّةِ الدِّينِ بَاطِلٌ لِفَوَاتِ القَبضِ (وَيَجُوزُ فِي حِيَّةِ النَّقْدِ) لاستجمَاعِ شَرَائِطِهِ، وَلَا يَشِيعُ الفَسَادَ لِأَنَّ الفَسَادَ طَارِى، إذ السَّلَمُ وَقَعَ صَحِيحًا،
أحدهما: في رأس المال، وهو بيان نوعه أنه محمودية أو مصرية، ودراهم غطريفيّة أو عدلية، وبيان صفته: أنها جيدة أو رديئة.
وشرط في المسلم فيه، وهو ألا يشتمل البدلين أحد وصفي علة الربا، كإسلام الحنطة في الشعير. كذا في المجتبى.
وفي كتب أصحاب الشافعي: جملة شرائطه: تسعة: ذكر الجنس، وذكر القدر، وذكر الأوصاف، وإعلام الأجل، وذكر موضع التسليم، وكون المسلم فيه مأمون الوجود في محله، وكون رأس المال معلومًا، وقبضه في المجلس.
قوله: (فِي كُرِّ حِنْطَةٍ)، قال الأزهري: الكرّ: ستون قفيزا، والقفيز: ثمانية مكاكيك، والمكوك: صاع ونصف.
وفي الجامع الصغير الحسامي: الكرّ: اسم لأربعين قفيزا. كذا في المغرب (١).
فالسلم في حصة الدين باطل، وبه قال الشافعي؛ لأنه دين بدين، والكالئ بالكالئ منهي عنه، وبفوات القبض في قدر الدين إذا انعقد لا يتعلق بالدين المضاف إليه، وإنما ينعقد بمثله وهو غير مقبوض.
وقوله: (ولا يشيع الفساد) جواب عن قول زفر، فإنه يقول: يشيع الفساد ويبطل العقد في صحة النقد أيضًا؛ لأن هذا فساد قوي تمكن في صلب العقد، فيفسد به الكل باعتبار أنه جعل قبول العقد في حصة الدين شرطًا لقبوله في حصة النقد، وهذا شرط فاسد.
قال: (لا يشيع الفساد لأن الفساد طارئ)؛ لأنه ما اقترن بنفس العقد؛ لأن كونه دينًا عفو في المجلس، ألا ترى أنهما لو أخَّرا التسليم والتسلم إلى آخر
стр. 4927
وَلِهَذَا: لَو نَقَدَ رَأسَ المَالِ قَبلَ الِافْتِرَاقِ صَحَّ، إِلَّا أَنَّهُ يَبْطُلُ بِالافْتِرَاقِ لِمَا بَيَّنَّا، وَهَذَا لِأَنَّ الدِّينَ لَا يَتَعَيَّنُ فِي البَيعِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُمَا لَو تَبَايَعَا عَيْنًا بِدَينِ ثُمَّ تَصَادَقَا أَنْ لَا دَينَ لَا يَبْطُلُ البَيعُ فَيَنعَقِدُ صَحِيحا.
المجلس يكون العقد صحيحًا؛ ولهذا لو نقد المائتين قبل الافتراق صح العقد، فكان الافتراق قبل القبض مُبطلا له، فيكون الفساد طارئًا بسبب الافتراق قبل القبض، والفساد الطارئ لا يشيع عند الكل، وهو أن اشتراط تسليم الثمن على غير العاقدين مفسد للعقد؛ لأنه شرط لا يقتضيه العقد، وهو مقارب العقد. كذا في المبسوط (١).
وفي النهاية: وإنما قيد بقوله: (بمائة منها على المسلم) لأنه لو كان دينا على الأجنبي، والمسألة بحالها - يشيع الفساد في الكل، ومذهبنا مروي عن ابن عباس.
ثم قال: المسألة على وجهين: أما إذا أطلق العقد ولم يضف إلى الدين، ثم جعلا بعد العقد مائة رأس المال قصاصًا بالدين، وهذا الفساد لا يشيع في الكل؛ لأن الفساد طارئ.
أما إذا قيد العقد بالدين، بأن أضاف السَّلَم إلى ذلك الدين، فكذلك عندنا؛ لأن الدراهم لا تتعين في العقود إذا كانت عينًا، فلا تتعين أيضًا إذا كانت دينا، وإذا لم تتعين إلى الدين كانت الإضافة إلى الدين والإطلاق سواء.
فإن قيل: هذا منقوض بثلاث مسائل:
أحدها: أن الرجل إذا قال: بعتُ هذا العبد بهذا الكر من الحنطة، وبهذه الدراهم فيهما في المساكين صدقة، فباعه بهما، يحنث بالكر والدراهم، وهذا آية تعيين النقود.
وثانيها: أن الرجل إذا باع دينارًا بعشرة، فنقد الدينار ولم يقبض العشرة حتى اشترى بالعشرة ثوبًا - فالبيع فاسد.
وثالثها: إذا باع عينا بدين وهما يعلمان أن لا دين - فالبيع فاسد، ولو كان الإطلاق والتقييد سواء لجاز العقدان، ولما حنث في المسألة الأولى.
стр. 4928
قَالَ: (وَلَا يَجُوزُ التَّصَرُّفُ فِي رَأسِ مَالِ السَّلَمِ وَالمُسلَمِ فِيهِ قَبلَ القَبضِ) أَمَّا الأَوَّلُ: فَلِمَا فِيهِ مِنْ تَفوِيتِ القَبضِ المُستَحَقِّ بِالعَقدِ. وَأَمَّا الثَّانِي: فَلِأَنَّ المُسْلَمَ فِيهِ
قلنا: أما الأولى فنحن ندعي أن النقود لا تتعين في العقود استحقاقا لا جوازا، فلا يلزم؛ لأنها تتعين جوازا لا استحقاقا.
وأما المسألة الثالثة؛ فلأن البيع إنما لم يجز لمكان التهازل بالبيع؛ لأن هذا بيع بلا ثمن، فيكون منهما تهازلا، وهي تتعين في حق الجواز، وهكذا نقول في المسألة الثانية؛ لانتقاص الصرف باختلاس المجلس بالاستعمال بالعقد الآخر، فيتحقق البيع بلا ثمن، فيمتنع الجواز باعتبار التهازل كذا في الفوائد الظهيرية.
وقيل: هذا إذا اطلق مائتين ثم قاضى المائة بما عليه، أما إذا أضاف العقد إلى المائة الدين والعقد [بطل العقد] (١) فيهما عند أبي حنيفة؛ لأن في حصة الدين يبطل العقد، وقد جعل ذلك شرطًا في الثاني فيبطل الجميع، والصحيح أن الجواب فيهما واحد؛ لأن العقد لا يتقيد بالدين، وإن قيد به. كذا ذكره التمرتاشي.
قوله: (ولا يجوز التصرف في رأس المال) إلى آخره، وبه اتفق الفقهاء (٢).
أما في رأس المال؛ فلأن قبضه في المجلس حق الله تعالى، والتصرف يبطله، ولأنه أخذ شبها بالمبيع فلا يجوز التصرف قبل القبض، أما لو دفع إليه أردأ أو أجود برضا المسلم إليه - جاز؛ لأنه حبس حقه فلم يكن استبدالا، ولو أبرأه عنه فقيل: بطل العقد لعدم القبض، ولو رد البراءة لم يبطل.
وأما المسلم فيه؛ فلقوله ﵇: «من أسلم في شيء فلا يصرفه إلى غره» (٣)، ولأن المسلم فيه في حكم الأعيان (٤) المنقولة فلا يجوز التصرف فيها
стр. 4929
مَبِيعٌ، وَالتَّصَرُّفُ فِي المَبِيعِ قَبلَ القَبْضِ لَا يَجُوزُ وَلَا تَجُوزُ الشَّرِكَةُ وَالتَّولِيَةُ فِي المُسلَمِ فِيهِ لِأَنَّهُ تَصَرُّفٌ فِيهِ
قبل القبض والتخلية قبض فيه عند محمد (١)، خلافًا لأبي يوسف (٢).
وفي المبسوط (٣): أنه ﵇ «كَانَ يَنْهَى عَنْ بَيْعَ الطَّعَامِ حَتَّى يُقبض» (٤)، قال ابن عباس: «أحسب كل شيء مثله»، ولأنه ﵇ لما بعث عتاب بن أسيد إلى مكة فقال له: انههم عن أربعة: عن بيع ما لم يقبضوا، وعن ربح ما لم يضمنوا، وعن شرطين في بيع، وعن يبع وسلف.
وصورة الشرطين: أن يقول رب السَّلَم: إن أعطيتني إلى شهر فكذا، وإن أعطيتني إلى شهرين فكذا، ولأن العين أقبل للتصرف من الدين، وفيه لا يجوز التصرف قبل القبض إذا كان منقولا؛ لبقاء الغرر في الملك المطلق للتصرف، فإذا كان دينًا أولى، وذلك الغرر هنا قائم فإن الدين يتوفى (٥) بفوات محله إذا مات المديون.
فقلنا: أما لو دفع الأردأ أو الأجود برضا رب السَّلَم من جنسه جاز؛ لأنه جنس حقه فلم يكن استبدالا.
(ولا تجوز الشركة والتولية) (٦) أي: في المسلم فيه، وفي بعض النسخ: هكذا، وبه قال الشافعي (٧) وأحمد (٨).
وصورة الشركة أن يشركه الآخر في المسلم فيه، وأنه تصرف فيه قبل القبض، وصورة التولية جائزة؛ لأن كل واحدٍ من الشركة والتولية (تصرف فيه) أي: في المسلم فيه قبل القبض.
стр. 4930
(فَإِنْ تَقَابَلَا السَّلَمَ لَم يَكُنْ لَهُ أَنْ يَشتَرِيَ مِنْ المُسلَم إِلَيْهِ بِرَأْسِ المَالِ شَيئًا حَتَّى يَقْبِضَهُ كُلَّهُ) لِقَولِهِ ﵊: «لَا تَأْخُذ إِلَّا سَلَمَكَ أَوْ رَأْسَ مَالِكَ» أَي عِنْدَ الفَسخ، وَلِأَنَّهُ أَخَذَ شَبَهَا بِالمَبِيعِ فَلَا يَحِلُّ التَّصَرُّفُ فِيهِ قَبلَ قَبضِهِ، وَهَذَا لِأَنَّ الإِقَالَةَ بَيْعٌ جَدِيدٌ فِي حَقِّ ثَالِث،
وفائدة تخصيص الشركة والتولية ما نُقل عن العلامة مولانا حافظ الملة والدين.
وعن مبسوط شيخ الإسلام أن المسألة فيهما رد لقول بعض العلماء: إن التولية في بيع العين والسلم قبل القبض يجوز، وحكي ذلك عن مالك (١)؛ لأن التولية إقامة غيره مقام نفسه فيما تولى، فلو أقامه في كل البيع فهو التولية، فلو أقامه في بعضه فهو الشركة، فوضع المسألة فيهما؛ ليتبين أن ذا ليس بشيء؛ لأن التولية بيع مثل الثمن الأول، وهو بيع المبيع قبل القبض.
قوله: (لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَشْتَرِي)، في الإيضاح: فإن استبدل برأس المال شيئًا بعد الإقالة؛ لم يجز استحسانًا، والقياس أن يجوز، وهو قول زفر (٢) والشافعي (٣)؛ لأنهما لما تقايلا بطل السَّلَم وبقي رأس المال دينا في حصته يصح الاستبدال به كسائر الديون؛ لأنه لا يجب قبضه في المجلس.
ولنا: قوله ﵇: «لَا تَأْخُذ إِلَّا سَلَمَك» أي المسلم فيه؛ أي: حال قيام العقد «أو رأس مالك» (٤) أي: بعد انفساخه؛ إذ لا يمكنه أخذه حال قيام العقد فقد جعل رب السلم أخذ المسلم فيه وبعدها أخذ رأس المال، وقبل الإقالة لا يصح الاستبدال بالمسلم فيه كيلا يكون قابضًا غير حقه، فكذا بعدها برأس المال.
(ولأنه) أي: رأس المال (أخذ شبها بالمبيع فلا يحل التصرف) أي: في رأس المال (قبل قبضه كما في المبيع (وهذا) أي: كونه مشابها للمبيع (بيع جديد) أي: بيع ابتداء في حق ثالث) أي: غير المتعاقدين، وحرمة الاستبدال غيرهما؛ لإيفاء حق الشرع، فيكون الثالث الشرع.
стр. 4931
وَلَا يُمْكِنُ جَعَلُ المُسلَمِ فِيهِ مَبِيعًا لِسُقُوطِهِ، فَجَعَلَ رَأْسَ المَالِ مَبِيعًا لِأَنَّهُ دَينٌ مِثْلُهُ، إِلَّا أَنَّهُ لَا يَجِبُ قَبضُهُ فِي المَجْلِسِ لِأَنَّهُ لَيسَ فِي حُكمِ الابْتِدَاءِ مِنْ كُلِّ وَجهِ، وَفِيهِ خِلَافُ زُفَرَ ﵀ وَالحُجَّةُ عَلَيْهِ مَا ذَكَرنَاهُ.
وقوله: (لا يمكن جعل المسلم فيه مبيعًا) جواب سؤال وهو أن يقال: لم لا يجوز أن يجعل بيعًا جديدًا في جانب المسلم فيه حتى لا يكون لرأس المال جهة كونه مبيعًا؟ فقال: لا يمكن جعله مبيعًا (لسقوطه) لأنه دين ثبت بالسلم وتسقط الإقالة؛ ولهذا [قال:] إن الإقالة في باب السلم لا تحتمل النقض بعد وقوعها؛ لسقوط المسلم فيه عن الذمة، فلو صح نقضها لعاد المسلم فيه واجبًا، والساقط لا يعود.
(فجعل رأس المال مبيعًا؛ لأنه دين مثله) أي: مثل المسلم فيه، وجعل الدين مبيعًا ليس بمحال، فجعل رأس المال مبيعًا ضرورة؛ إذ لو لم يجعل مبيعًا تبطل الإقالة؛ ألا ترى أنهما لو تقايلا في باب المبيع، وهلك المبيع بعد الإقالة قبل القبض - تبطل الإقالة، وهنا لما تقابلا سقط المسلم فيه وصار كالهالك، فلو لم يجعل رأس المال مبيعًا لبطلت الإقالة، وقد صحت هاهنا، فلا بد من قيام المعقود عليه، وليس ذلك إلا رأس المال لسقوط المسلم فيه.
وقيل في بيان شبهه بالمبيع: إن الأصل أن يكون المبيع عينا، والثمن دينا، وفي السلم الثمن صار عينًا؛ لأن تعينه قبل الافتراق واجب، ولأن الأصل أن يكون التأجيل في الثمن لا في المبيع، وهاهنا ثبت الأجل في المبيع، وهو المسلم فيه، ويثبت التعجيل في الثمن، وهو رأس المال؛ فلهذا أخذ رأس المال شبهًا بالمبيع، فتثبت حرمة الاستبدال قبل قبضه، كما في المبيع قبل القبض.
وقول المصنف: (إلا أنه) أي: رأس المال (لا يجب قبضه في المجلس) إلى آخره. جواب هذا السؤال ذكره في الإيضاح بقوله: فإن قيل: لو كان هذا بمنزلة بيع جديد وجب أن يجب قبض المال في المجلس؛ لأن إقالة بيع السلم بمنزلة السلم، وفيه القبض شرطٌ، وبالإجماع لا يجب قبضه في المجلس.
قلنا: قبض رأس المال إنما يجب قبضه؛ لئلا يكون افتراقا
стр. 4932
قَالَ: وَمَنْ أَسْلَمَ فِي كُرِّ حِنطَة، فَلَمَّا حَلَّ الأَجَلُ اشْتَرَى المُسْلَمُ إِلَيْهِ مِنْ رَجُل كُرًا وَأَمَرَ رَبَّ السَّلَمِ بِقَبْضِهِ قَضَاء،
عن دين بدين، وإنما يكون افتراقًا إذا كان المسلم فيه مما يجب تسليمه، وهاهنا لا يجب تسليم المسلم فيه، فلا يكون افتراقا عن دين بدين.
وإنما شرطنا القبض في الابتداء؛ لما فيه من التعيين، ولا حاجة إلى التعيين في الإقالة؛ لأن الدراهم تعود إليه عينًا، فبقي القبض واجبًا عن اختيار التعيين، فلا يتقيد بمجلس الإقالة. كذا في الإيضاح.
وحاصل ما ذكر في الإيضاح أن رأس المال بعد الإقالة صار بمنزلة المسلم فيه، والقبض ليس بشرط فيه، فكذا في رأس المال بعد الإقالة.
(لأنه) أي: الإقالة، على تأويل تصرف الإقالة [(ليس في حكم الابتداء) أي: ابتداء عقد السلم (من كل وجه)، والإقالة] (١) فسخ في حق المتعاقدين، بيع في حق ثالث، فكان عقدًا من وجه.
(وفيه) أي: في جعل رأس المال مبيعًا حتى لا يجوز استبداله قبل القبض، خلافًا لزفر والشافعي أيضًا، وقد بينا خلافهما مع دليلهما، وما ذكرنا استحسان الحديث، وهو قوله ﵇: «لا يَأخُذ … » الحديث، ذكره في المبسوط.
[وفيه] (٢): وإذا بقيت الإقالة فعليه رد قيمة [رأس] (٣) المال؛ لتعذر [رد] (٤) العين (٥)، إذا كان رأس المال شيئًا لا مثل له كالثوب، ولو اختلفا في قدر قيمته فالقول للمطلوب في مقدار القيمة؛ لأن الطالب يدعي عليه زيادة وهو منكر لها، وكذا إذا تقايلا وهلك بعد الإقالة رأس المال وهو عين قبل الرد؛ فعيله قيمته ولا تبطل الإقالة؛ لأن ابتداء الإقالة بعد هلاك رأس المال صحيح فإن السلم بمنزلة بيع المقايضة؛ لأن المسلم فيه مبيع معقود عليه فجازت الإقالة بعد هلاك ما يقابله.
стр. 4933
لَم يَكُنْ قَضَاء، وَإِنْ أَمَرَهُ أَنْ يَقْبِضَهُ لَهُ ثُمَّ يَقْبِضَهُ لِنَفْسِهِ فَاكْتَالَهُ لَهُ ثُمَّ اكْتَالَهُ لِنَفْسِهِ جَازَ لِأَنَّهُ اجْتَمَعَت الصَّفَقَتَانِ بِشَرطِ الكَيْلِ، فَلَا بُدَّ مِنْ الكَيْلِ مَرَّتَيْنِ، لِنَهيِ النَّبِيِّ ﵊ عَنْ بَيعِ الطَّعَامِ حَتَّى يَجْرِيَ فِيهِ صَاعَانِ، وَهَذَا هُوَ مَحمَلُ الحَدِيثِ
وكذا لو تقايلا في عقد الصرف بعد هلاك البدلين جميعًا، أو تقايلا ثم هلك البدلان قبل التراد جازت الإقالة؛ لأن المعقود ما استوجب كل واحد منهما في ذمة صاحبه؛ ولهذا لا يلزمه بعد الإقالة رد المقبوض بعينه.
قوله: (لَمْ يَكُنْ قَضَاءً) أي: إذا لحقه.
وفي الكافي: أمره بقبضه فاقتضاه رب السَّلَم لم يكن قضاء لحقه؛ أي: لم يكن قضاء عن السلم، حتى لو هلك المقبوض في يد رب السلم هلك من مال المسلم إليه.
[(له) أي: لأجل المسلم إليه (فاكتاله له) أي: لأجل المسلم إليه] (١) (اجتمعت الصفقتان) أحدهما: عقد السلم، والثاني: هي الصفقة التي جرت بين المسلم إليه وبين بائعه.
هذا على ما اقتضاه لفظ الكتاب، أما على تقدير صاحب الكتاب والفوائد، فالصفقة الثانية هي الصفقة التقديرية بين المسلم إليه وبين رب السلم؛ لأن المسلم إليه يصير بائعًا ما اشترى من رب السَّلَم، والأولى هي صفقة المسلم إليه من بائعه بشرط الكيل؛ لأنه اشترى الكر، وهي اسم لأربعين قفيزا أو ستين، فيكون هذا شراء بشرط الكيل، وكذلك عقد السلم؛ لأنه أسلم في كر. كذا في جامع المحبوبي.
قوله: (وهذا محمل الحديث) أي: معنى قوله: «نَهَى النَّبي ﷺ عَنْ بَيْعِ الطعام حتى يَجري فِيهِ صَاعَان» الحديث والفقه فيه أن المستحق بالعقد ما سمي في العقد، وهو الكر، وذلك إنما يتحقق بالكيل، فكان الكيل معينًا للمستحق بالعقد؛ ألا ترى أن الثاني لو كاله فزاد شيء لم تطب له الزيادة ووجب الرد، وإذا كان الكيل معينًا للمستحق صار حقًا من جملة حقوق العقد،
стр. 4934
عَلَى مَا مَرَّ، وَالسَّلَمُ وَإِنْ كَانَ سَابِقًا
فإذا كان المشتري الأول بحضرة الثاني فذلك حق العقد الأول، فإذا قبضه الثاني فلا بد أن يكيله؛ إقامةً لحق العقد الثاني. كذا في الإيضاح.
(على ما مرَّ) وهو قوله في فصل المتصل بباب المرابحة والتولية: (ومحمل الحديث اجتماع الصفقتين على ما تبين).
قوله: (والسلم وإن كان سابقًا) جواب سؤال مقدر وهو أن يقال: إن بيع المسلم إليه مع رب السَّلَم كان سابقًا على شراء المسلم إليه مع بائعه، فلا يكون المسلم إليه بائعًا بعد الشراء، فلم تجتمع الصفقتان، فلا يدخل تحت النهي.
فأجاب عنه بهذا فقال: نعم والسَّلَم وإن كان سابقا على شراء المسلم إليه من بائعه إلا أنه في التقدير لاحق، فتجتمع الصفقتان في التقدير؛ لأن للقبض في باب السَّلَم حكم العقد الجديد، بدليل ما قال في الزيادات: لو أسلم بمائة درهم في كر حنطة، ثم اشترى المسلم إليه كر حنطة بمائتي درهم إلى سنة فقبضه، فلما حلَّ السَّلَم أعطاه ذلك الكر - لم يجز؛ لأنه اشترى ما باع بأقل مما باع قبل نقد الثمن، وإنما يكون ذلك إذا جعلا عند القبض كأنهما جددا العقد.
قال الإمام السرخسي: المقبوض في باب السلم غير المسلم فيه حقيقة؛ لأن العقد تناوله دينا في الذمة، والعين غير الدين (١) حقيقة، فباعتبار هذه الحقيقة لم يكن المقبوض غير ما تناوله العقد، فلا بد من طريق يجعل بذلك الطريق كأنه عين المعقود عليه، وذلك بأن يُجعل عند القبض كأنهما جددا ذلك العقد على المقبوض، وهو معنى قول المتقدمين: للقبض في باب السَّلَم حكم عقد جديد؛ لأن المسلم إليه حين عَقَد عقد السلم صار بائعًا دينا، وإنما يصير بائعًا للعين عند اقتضاء رب السَّلَم، إلا أن هذا العين جعل عين حقه حكمًا حتى لا يصير مستبدلا، أما فيما وراء ذلك فهو كالبائع عند الاقتضاء، وإذا صار المسلم بائعًا من رب السلم جرت الصفقتان بشرط (٢) الكيل، فيستحق على رب السلم كيلان.
стр. 4935
لَكِن قَبضُ المُسلَمِ فِيهِ لَاحِقٌ، وَأَنَّهُ بِمَنزِلَةِ ابْتِدَاءِ البَيعِ، لِأَنَّ العَينَ غَيْرُ الدِّينِ حَقِيقَة. وَإِنْ جَعَلَ عَيْنَهُ فِي حَقٌّ حُكمٌ خَاصٌ، وَهُوَ حُرمَةُ الاسْتِبْدَالِ فَيَتَحَقَّقُ البَيعُ بَعدَ الشَّرَاءِ، وَإِنْ لَم يَكُنْ سَلَمًا وَكَانَ قَرْضًا فَأَمَرَهُ بِقَبْضِ الكُرِّ جَازَ، لِأَنَّ القَرْضَ إِعَارَةٌ، وَلِهَذَا يَن عَقِدُ بِلَفْظِ الإِعَارَةِ فَكَانَ المَردُودُ عَينَ المَأخُوذِ مُطلَقًا حُكما فَلَا تَجْتَمِعُ الصَّفَقَتَانِ.
(وأنه) أي: قبض المسلم فيه.
وقوله: (وإن جعل) [إن] (١) هنا للوصل، أي: وإن جعل المقبوض عين الدين؛ لأنه لو لم يجعل في حق الاستبدال [عين حقه - يلزمه استبدال] (٢) المبيع قبل قبضه، وذا لا يجوز، فتحققت الضرورة في حقه، أما فيما لا ضرورة فيعمل بالحقيقة، وهي أن العين غير الدين.
(فيتحقق البيع والشراء) أي: بيع المسلم إليه من ربّ السَّلَم بعد شراء المسلم إليه من بائعه.
قوله: (وَكَانَ قَرْضًا)، قال الإمام قاضي خان: فأما إذا كان أحد الدينين قرضًا، بأن كان على الرجل كُرّ من سلم، فاستقرض المسلم إليه كرا من [رجل] وأمر رب السلم بقبضه من المقرض؛ أو كان على الرجل كُرّ قرض، فاشترى المستقرض كُرًا وأمر بقبضه - يكتفى بكيل واحد.
ثم قال: والفرق بين القرض والسلم أن عقد السلم يوجب الكيل، والقرض لا يوجب الكيل (٣)؛ لأنه عقد مساهلة، والتفاوت اليسير لا يفضي إلى المنازعة؛ ولهذا لو استقرض من إنسان حنطة على أنها عشرة أقفزة - كان له أن يتصرف فيها قبل الكيل. وكذا لو اشترى المسلم حنطة مجازفة، أو استقاد من أرضه، أو ملك بميراث أو هبة أو وصية، وأوفاه رب السلم وكالة بمحضر منه - يُكتفى بكيل واحد، وهو السلم.
(مطلقا) سواء كان في حق الاستبدال أو غيره (حكمًا) أي: تقديرًا، وإلا يلزم تملك الشيء بجنسه نسيئة.
стр. 4936
قَالَ: (وَمَنْ أَسْلَمَ فِي كُرِّ، فَأَمَرَ رَبُّ السَّلَم أَنْ يَكِيلَهُ المُسْلَمُ إِلَيْهِ فِي غَرَائِرِ رَبِّ السَّلَمِ فَفَعَلَ وَهُوَ غَائِبٌ لَم يَكُنْ قَضَاء) لِأَنَّ الأَمرَ بِالكَيْلِ لَم يَصِحَّ، لِأَنَّهُ لَم يُصَادِ مِلكَ الآمِرِ، لِأَنَّ حَقَّهُ فِي الدِّينِ دُونَ العَينِ، فَصَارَ المُسلَمُ إِلَيْهِ مُستَعِيرًا لِلغَرَائِرِ مِنهُ، وَقَدْ جَعَلَ مِلكَ نَفْسِهِ فِيهَا، فَصَارَ كَمَا لَو كَانَ عَلَيْهِ دَرَاهِمُ دَيْنٌ فَدَفَعَ إِلَيْهِ كِيسًا لِيَزِنهَا المَديُونُ فِيهِ لَم يَصِرٍ قَائِضًا.
وَلَو كَانَتِ الحِنطَةُ مُشتَرَاة وَالمَسأَلَةُ بِحَالِهَا صَارَ قَابِضًا، لِأَنَّ الأَمْرَ قَدْ صَحَّ
(وهو) أي: رب السلم.
قوله: (لم يكن قضاء) (١) أي: إذا لحقه، حتى لو هلك يهلك من مال المسلم إليه، هذا إذا لم يكن في غرائر (٢) رب السلم طعام، فإن كان فكاله بأمره فيها، قيل: لا يصير قابضًا لما ذكرنا أنّ أمره غير معتبر في ملك الغير.
قال: والأصح عندي أن يصير قابضًا [هاهنا؛ لأن أمره بخلط طعام المسلم بطعامه على وجه لا يمكن التمييز - معتبر، فيصير بهذا الخلط قابضا] (٣)، وهو نظير ما ذكر في كتاب الصرف: لو دفع إلى صائغ نصف درهم [وقال: زد من عندك نصف درهم] (٤) وصغ لي منها خاتمًا ففعل ذلك - جاز، وصار بالخلط قابضًا له. كذا في المبسوط (٥).
قوله: (ولو كانت الحنطة مشتراة) بأن اشترى حنطة بعينها، ودفع غرائره إلى البائع وقال: اجعلها فيها، ففعل، والمشتري حاضر أو غائب - يصير قابضًا؛ لأنه ملك الطعام المعين بنفس العقد، فصح الأمر، وصار البائع وكيلا عنه بإمساك الغرائر، وصار الغرائر في يد المشتري حكمًا، فصار الواقع فيها واقعا في يد المشتري حكمًا؛ لأن فعل نائبه كفعله، حتى لو كان الغرائر للبائع لا يصير قابضًا في رواية عن محمد.
стр. 4937
حَيثُ صَادَفَ مِلكَهُ، لِأَنَّهُ مَلَكَ العَينَ بِالبَيعِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَو أَمَرَهُ بِالطَّحْنِ كَانَ الطَّحِينُ فِي السَّلَمِ لِلمُسلَمِ إِلَيْهِ، وَفِي الشِّرَاءِ لِلمُشتَرِي لِصِحَّةِ الأَمرِ، وَكَذَا إِذَا أَمَرَهُ أَنْ يَصُبَّهُ فِي البَحْرِ فِي السَّلَم يَهْلَكُ مِنْ مَالِ المُسلَمِ إِلَيْهِ، وَفِي الشَّرَاءِ مِنْ مَالِ المُشتَرِي، وَيَتَقَرَّرُ الثَّمَنُ عَلَيْهِ لِمَا قُلْنَا، وَلِهَذَا: يُكتَفَى بِذَلِكَ الكَيْلِ فِي الشِّرَاءِ فِي الصَّحِيحِ، لِأَنَّهُ نَائِبٌ عَنهُ فِي الكَيْلِ وَالقَبْضِ بِالوُقُوعِ فِي غَرَائِرِ المُشتَرِي، وَلَو أَمَرَهُ فِي الشِّرَاءِ أَنْ يَكِيلَهُ فِي غَرَائِرِ البَائِعِ فَفَعَلَ لَم يَصِر قَائِضًا لِأَنَّهُ اسْتَعَارَ غَرَائِرَهُ وَلَم يَقْبِضُهَا، فَلَا تَصِيرُ الغَرَائِرُ فِي يَدِهِ، فَكَذَا مَا يَقَعُ فِيهَا، وَصَارَ كَمَا لَو أَمَرَهُ أَنْ يَكِيلَهُ وَيَعزِلَهُ فِي نَاحِيَة مِنْ بَيْتِ البَائِعِ، لِأَنَّ البَيْتَ بِنَوَاحِيهِ فِي يَدِهِ فَلَم يَصِر المُشتَرِي قَابِضًا.
وَلَوِ اجْتَمَعَ الدِّينُ وَالعَينُ وَالغَرَائِرُ لِلْمُشْتَرِي،
وقال الشافعي: لا يصير قابضًا، سواء كان الغرائر للمشتري أو للبائع، كما في السلم، وهو صحة أمر المشتري للبائع.
فإن قيل: في فصل الشراء ينبغي ألا يصح الأمر أيضًا في حق ثبوت القبض؛ لأن البائع لا يصلح وكيلًا عن المشتري في القبض، حتى لو وكله بالقبض نصا لم يصح.
قلنا: أمره بالكيل أو الطحن لا بالقبض، وإنما يثبت القبض حكمًا، وجاز أن يثبت الشيء حكمًا وإن كان لا يثبت قصدًا في الصحيح، هذا احتراز عما قيل: إنه لا يكتفى بكيل واحد؛ لظاهر الحديث، وقد مر في الفصل المتصل بباب المرابحة.
(لأنه) أي: البائع (نائب عنه) أي: عن المشتري (في الكيل والقبض بالوقوع) أي: حصل القبض بالوقوع (في غرائر المشتري).
(ولم يقبضها) أي: المشتري الغرائر (فلا تصير الغرائر في يده) لأن العارية بدون القبض لا تتم؛ لأنها عقد تبرع فكذا ما يقع فيه أي: في الغرائر، على تأويل الظرف أو المذكور، فلم يصر المشتري قابضًا؛ لأنه مستعير لم يقبض، وبقولنا قال الشافعي.
قوله: (ولو اجتمع العين والدين)، صورته: أسلم في كر حنطة، فلما حلّ
стр. 4938
إِنْ بَدَأَ بِالعَيْنِ صَارَ قَابِضًا، أَمَّا العَينُ فَلِصِحَّةِ الأَمرِ فِيهِ، وَأَمَّا الدَّينُ فَلاتِّصَالِهِ بِمِلْكِهِ وَبِمِثْلِهِ يَصِيرُ قَائِضًا، كَمَنْ استَقرَضَ حِنطَة وَأَمَرَهُ أَنْ يَزرَعَهَا فِي أَرْضِهِ، وَكَمَن دَفَعَ إِلَى صَائِعْ خَاتَمًا وَأَمَرَهُ أَنْ يَزِيدَهُ مِنْ عِندِهِ نِصْفَ دِينَارٍ، وَإِنَّ بَدَأَ بِالدِّينِ لَم يَصِر قَائِضًا، أَمَّا الدِّينُ فَلِعَدَمِ صِحَّةِ الأَمرِ، وَأَمَّا العَينُ فَلِأَنَّهُ خَلَطَهُ بِمُلْكِهِ قَبْلَ التَّسْلِيمِ فَصَارَ مُستَهْلِكًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ فَيُنتَقَضُ البَيعُ، وَهَذَا الخَلطُ غَيْرُ مَرضِي بِهِ مِنْ الأجل.
اشترى رب السلم كر حنطة أخرى بعينها من المسلم إليه، فدفع رب السلم الغرائر إلى المسلم إليه، وهو البائع أيضًا، وقال: اجعلهما فيها (إن بدأ) أي: المسلم إليه البائع بجعل الكر المشتري في الغرائر (صار) أي: المشتري، وهو رب السلم (قابضًا) خلافًا للشافعي، فإن عنده لا يصير قابضًا، سواء بدأ بالعين أو الدين. (فصار) أي: البائع (مستهلكا) المبيع، واستهلاك المبيع قبل القبض يُوجب نقض البيع.
[دفع] إلى صائغ خاتمًا، أو دفع دينارًا، وأمره أن يزيد من عنده نصف دينار ويتخذه خاتما فزاد - صح، وصار الأمر قابضًا لاتصاله بملكه.
قوله: (وهذا الخلط) جواب سؤال مقدر ذكر في الفوائد الظهيرية، وهو أن الخلط بإذن المشتري فينبغي ألا ينتقض البيع. وأجاب فقال: إن الخلط على هذا الوجه غير مرضي، فلا نسلم أنه حصل بإذن المشتري، بل بإذنه يخلط يصير قابضًا به، وهو ما إذا بدأ بالعين.
فإن قيل: أليس أن الصبّاغ إذا صبغ الثوب لا يصير المستأجر - وهو رب الثوب - قابضًا باعتبار هذا الاتصال؟ فلم صار هاهنا قابضًا (١) قابضًا باعتباره. قلنا: المعقود عليه ثُمَّ الفعل، وهو الصبغ لا العين، والفعل لا يجاوز الفاعل؛ لأنه عرض لا يقبل الانتقال عن محله، فلم يتصل المعقود بالثوب، فلم يصر به قابضًا، وعندهما بالخيار.
قال الإمام قاضي خان: ما ذكر من جواب الكتاب قول محمد، أما عند
стр. 4939
جِهَتِهِ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ مُرَادُهُ البُدَاءَةَ بِالعَينِ، وَعِندَهُمَا: هُوَ بِالخِيَارِ إِنْ شَاءَ نَقَضَ البَيعَ وَإِنْ شَاءَ شَارَكَهُ فِي المَخلُوط (*)، لِأَنَّ الخَلطَ لَيسَ بِاستهلاك عِندَهُمَا.
قَالَ: (وَمَنْ أَسْلَمَ جَارِيَة فِي كُرِّ حِنطَة وَقَبَضَهَا المُسلَمُ إِلَيْهِ، ثُمَّ تَقَابَلَا، فَمَاتَتْ فِي يَدِ المُشتَرِي فَعَلَيْهِ قِيمَتُهَا يَومَ قَبضِهَا، وَلَو تَقَابَلَا بَعدَ هَلَاكِ الجَارِيَةِ جَازَ) لِأَنَّ صِحَّةَ الإِقَالَةِ تَعْتَمِدُ بَقَاءَ العَقدِ وَذَلِكَ بِقِيَامِ المَعقُودِ عَلَيْهِ، وَفِي السَّلَمِ المَعقُودُ عَلَيْهِ
أبي يوسف: إذا بدأ بالدين يصير قابضًا، كما لو بدأ بالعين ضرورة اتصاله بملكه في الصورتين؛ إذ الخلط ليس باستهلاك.
وعن محمد يصير قابضًا للعين دون الدين؛ لأنه لما كان الدين أولا لم يملكه المشتري وبقي على ملك البائع، وصار مستعيرًا من المشتري، فإذا كان العين بعده فقد خلط البائع ملك المشتري بملك نفسه، فلا يبرأ عن الدين، وإنما يصير قابضًا للعين في هذه الصورة؛ لأنه بالخلط صار مستهلكا للعين بإذنه، بخلاف الصورة الأولى؛ لأنه لما كان العين أولا صار العين مسلّمًا إلى المشتري، فإذا كان الدين بعده فقد خلط الدين بملك المشتري فيصير قابضًا.
فإن قيل: ينبغي ألا يصير قابضًا؛ لأن البائع يصلح نائبًا عن المشتري في البعض؛ ولهذا لو وكله صريحًا لا يصح.
قلنا: الأمر بالقبض ثبت ضمنًا لا قصدًا، [والشيء يجوز أن يثبت ضمنًا، ولا يثبت قصدًا] (١) كذا في الفوائد الظهيرية، وقد مر.
قوله: (ثم تقايلا) أي: السلم (فماتت) أي: الجارية (في يد المشتري) أي: المسلم إليه، وإنما سماه مشتريًا بالنظر إلى شرائه الجارية بالحنطة؛ لأن كلا من العينين بمنزلة الثمن والمثمن (فعليه) أي: على المشتري (قيمتها) يعني لما بقيت الإقالة وجب ردّها، وقد عجز، فيجب رد بدلها، وبه قال الشافعي (يوم قبضها) لأن السبب الموجب للضمان إنما هو القبض، فصار كالغصب.
(بقاء العقد) وفي بعض النسخ: قيام العقد، (وذلك) أي: بقاء العقد إنما هو المسلم فيه؛ لما روي أنه ﵇ «نَهَى عَنْ بَيعِ مَا لَيَس عِند الإنسان ورخص في
стр. 4940
إِنَّمَا هُوَ المُسلَمُ فِيهِ فَصَحَّت الإِقَالَةُ حَالَ بَقَائِهِ، وَإِذَا جَازَ فَأُولَى أَنْ يَبْقَى انتِهَاء، لِأَنَّ البَقَاءَ أَسهَلُ، وَإِذَا انفَسَخَ العَقْدُ فِي المُسلَمِ فِيهِ انْفَسَخَ فِي الجَارِيَةِ تَبَعًا، فَيَجِبُ عَلَيْهِ رَدُّهَا وَقَدْ عَجَزَ، فَيَجِبُ عَلَيْهِ رَدُّ قِيمَتِهَا (وَلَو اشْتَرَى جَارِيَة بِأَلْفِ دِرْهَم ثُمَّ تَقَابَلَا فَمَاتَتْ فِي يَدِ المُشتَرِي بَطَلَت الإِقَالَةُ، وَلَو تَقَابَلَا بَعدَ مَوتِهَا فَالإِقَالَةُ بَاطِلَةٌ) لِأَنَّ المَعقُودَ عَلَيْهِ فِي البَيعِ إِنَّمَا هُوَ الجَارِيَةُ، فَلَا يَبقَى العَقْدُ بَعدَ هَلَاكِهَا، فَلَا تَصِحُ الإِقَالَةُ ابْتِدَاء وَلَا تَبقَى انتِهَاء لانعِدَامِ مَحِلِّهِ، وَهَذَا بِخِلَافِ بَيعِ المُقَايَضَةِ حَيثُ تَصِحٌ الإِقَالَةُ وَتَبقَى بَعدَ هَلَاكِ أَحَدِ العِوَضَينِ، لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَبِيعٌ فِيهِ.
قَالَ: (وَمَنْ أَسْلَمَ إِلَى رَجُل دَرَاهِمَ فِي كُرِّ حِنطَة فَقَالَ المُسلَمُ إِلَيْهِ: شَرَطتُ
السلم» (١)، جعل المسلم [فيه] (٢) مبيعا؛ لأنه، وإن كان دينا، فهو في حكم العين؛ لأنه مبيع، حتى لم يجز استبداله قبل قبضه بالإجماع، فصحت إضافة الإقالة إليه بعد موت الأمة ابتداء.
(وإذا جاز) أي: التقايل بعد موتها ابتداء فأولى أن يبقى بعد موتها بالطريق الأولى؛ إذ البقاء أسهل من الابتداء.
فإن قيل: ينبغي ألا تصح الإقالة بعد هلاك الجارية؛ لأنها بعد الهلاك بمنزلة المسلم فيه من حيث وجوب قيمتها دينا في الذمة، والمسلم فيه قد سقط أيضًا بالإقالة، فكذا هاهنا ينبغي أن يمتنع التقابل بهلاك العوضين.
قلنا في بيع المقابضة: الرد واجب بعد الإقالة، وهلاك المبيع قبل القبض يوجب فسخ العقد، وفي السلم قامت قيمة الجارية مقامها، فلم يكن رد عين الجارية واجبًا، فكان قيام القيمة بمنزلة قيام الجارية.
قوله: (ومن أسلم إلى رجل) إلى آخره، الأصل في هذه المسائل أنهما إذا