← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 30179

معراج الدراية في شرح الهداية

الكاكي

Полный текст (7 597 стр.). Показаны 5076–5115 · переход к 5081.

стр. 5076

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وبه تبين أنه كان وعداً لا كفالة. وأما الجواب عن المعنى فهو أن الكفالة لالتزام المطالبة للمضمون الذي على الأصيل، ودين الميت المفلس في حكم الساقط من جانب المديون في أحكام الدنيا، والكفالة من أحكام الدنيا، فتقضى وجوبًا دنياويا من الدين ليثبت حقيقة الكفالة. الكل من المبسوط (١). فإن قيل: هاهنا مسائل تدل على بقاء الدين في أحكام الدنيا، ويدل على أن عدم جواز المطالبة لا يدل على سقوطه منها أن المشتري لو مات مفلسا قبل أداء الثمن لم يبطل البيع (٢)، ولو هلك ثمن الدين بموته مفلسا لبطل (٣) البيع، كما لو اشترى بفلوس في الذمة فكسدت قبل القبض يبطل البيع؛ لهلاك الثمن في نفسه، ولم يبطل هاهنا، عُلم أن الدين باق في حكم الدنيا. ومنها: أن لو كان بالدين كفيل يبقى على كفالته بموته مفلسا، والكفالة من أحكام الدنيا، فلو سقط الدين عنه في حكم الدنيا لما بقيت كفالته؛ لما أن سقوط الدين عن الأصيل يوجب براءة الكفيل. ومنها: لو كان بالدين رهن يبقى الدين عليه مفلسا، وبقاء الرهن لا يكون إلا باعتبار الدين، ولأن تعذر المطالبة لمعنى لا يُوجب بطلان الدين في حال الحياة، كالعبد المحجور إذا أقر بدين عليه ثم كفل عنه كفيل به صح، وإن كان لا يطالب به في حال رقه، فكذا ما نحن فيه. قلنا: أما الجواب عن الأول أن الدين لا يبطل في حق المستحق لو تبرع به أجنبي جاز له أن يأخذ عن دينه، وسقوط الدين عن المفلس في حقه لضرورة فقدان المحل، فيتقدر بقدر الضرورة، والكفالة تعتمد قيام الدين في حق الأصيل

стр. 5077

قَالَ: (وَمَنْ كَفَلَ عَنْ رَجُل بِأَلف عَلَيْهِ بِأَمْرِهِ فَقَضَاهُ الأَلفَ قَبْلَ أَنْ يُعْطِيَهُ صَاحِبَ المَالِ فَلَيسَ لَهُ أَنْ يَرجِعَ فِيهَا) لِأَنَّهُ تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّ القَابِضِ عَلَى احْتِمَالِ قَضَائِهِ الدِّينَ فَلَا يَجُوزُ المُطَالَبَةُ مَا بَقِيَ هَذَا الاحتِمَالُ، كَمَنْ عَجَّلَ زَكَاتَهُ وَدَفَعَهَا إِلَى كما ذكرنا، وأما إذا كسدت الفلوس بطل الملك في حق المشتري؛ فلذلك انتقض العقد. وأما هاهنا فالدين باقٍ في حق صاحب الدين فلا يبطل العقد، وكذا لو مات مفلسًا عن كفيل لا يبرأ الكفيل بموته؛ لأن ذمة الكفيل خلف عن ذمة المديون بعد صحة الكفالة في حياته، وقد يتحول الدين إلى ذمة الكفيل عند الضرورة، وهو عند أداء الكفيل أو الهبة له على ما ذكرنا، وقد تحققت الضرورة هاهنا فبقي الكفيل على كفالته. وكذا الرهن، فإن الرهن خلف عن ذمة المديون فيما هو المقصود، وهو الاستيفاء منه عند تعذر استيفائه من محل آخر، فإن له ذمة صالحة لوجوب الحق، وإن ضعفت ذمته بسبب الرق، فتصح الكفالة عنه، وإن لم يطالب به؛ لرقه وحجر المولى، كما أن الدين ثابت في ذمة المفلس الحي، وإن كان لا يُطالب به بالنص، قال تعالى: ﴿فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠]. أما إذا مات فخرج من أن يكون أهلا لالتزام شيء من الحقوق في أحكام الدنيا، فعرف أن ذمته لم تبق صالحة لكونها محلا للحق، ولكنه في أحكام الآخرة معد للحياة، فيبقى في أحكام الآخرة؛ إذ القبر للحياة ليوم التناد كالمهد للأولاد. كذا في المبسوط (١) والأسرار. قوله: (ومن كفل عن رجل بألف عليه) أي: على الرجل (بأمره) أي: بأمر الرجل، وهو المديون (فقضاه) أي: فقضى الرجل المديون الكفيل؛ أي: أداه (الألف قبل أن يعطيه) أي: يعطي الكفيل الألف، على تأويل المال. (صاحب المال) بالنصب؛ لأنه مفعول ثان ليعطيه (فليس له) أي: للرجل المديون (أن يرجع فيها) (٢) أي: في الألف [التي أعطاها للكفيل (لأنه) أي: لأن الألف، على تأويل المال. قوله: (كمن عجل زكاته) أي: ليس له] (٣) أن يأخذها من يد الساعي،

стр. 5078

السَّاعِي، وَلِأَنَّهُ مَلَكَهُ بِالقَبْضِ عَلَى مَا نَذْكُرُ، بِخِلَافِ مَا إِذَا كَانَ الدَّفْعُ عَلَى وَجْهِ الرِّسَالَةِ، لِأَنَّهُ تَمَحَّضَ أَمَانَة فِي يَدِهِ (وَإِنْ رَبِحَ الكَفِيلُ فِيهِ فَهُوَ لَا يَتَصَدَّقُ بِهِ) لِأَنَّهُ مَلَكَهُ حِينَ قَبَضَهُ، أَمَّا إِذَا قَضَى الدَّينَ فَظَاهِرٌ، وَكَذَا إِذَا قَضَى المَطْلُوبُ بِنَفْسِهِ وَثَبَتَ وَكمن اشترى شيئًا بشرط الخيار، ونَقْد الثمن قبل مضي مدة الخيار، ثم أراد أن يسترد قبل نقض البيع؛ لأن الدفع كان لغرض، وهو أن يصير زكاة وثمنا عند مضي الحول وسقوط الخيار، فما بقي ذلك لاحتمال ليس له أن يسترده، ولأنه سعى في نقض ما أوجبه فلا يصح. قوله: (ولأنه) أي: الكفيل (ملكه) أي: الألف (بالقبض) وبه قال الشافعي (١) في وجه، وقال في وجه: [لا يملكه، وهو في يده أمانة مستردة قبل أداء الكفيل]، وبه قال مالك وأحمد؛ لعدم تعلق حق الكفيل (٢) قبل الأداء به. وقلنا: إنما يملكه بالقبض إذا كان الدفع إلى الكفيل على وجه الاقتضاء بأن دفع إليه، وقال: لا آمن أن يأخذ الطالب منك حقه، وإني أقضيك قبل أن تؤدي، فقضى وهو قبضه. وقوله: (على ما نذكر) وهو قوله بعده بخطين: (أما إذا قضى الدين فظاهر) إلى آخره، بخلاف ما إذا كان الدفع إلى الكفيل على وجه الرسالة، نحو أن يقول الأصيل للكفيل: خذ هذا المال وادفع إلى الطالب، حيث لا يصير ملكا للكفيل؛ بل هو أمانة في يده، ولكن لا يكون للمطلوب أن يسترده من يد الكفيل؛ لأنه تعلق بالمؤدي حق الطالب، فالمطلوب بالاسترداد يريد إبطال ذلك فلا يقدر عليه. (وإن ربح الكفيل فيه) أي: في الألف المقبوض (فهو) أي: الربح له (لا يتصدق به) هذا إذا قبضه على وجه الاقتضاء، أما إذا قبضه على وجه الرسالة لا يطيب له الربح عند أبي حنيفة (٣) ومحمد؛ لأنه أمانة في يده. قوله: (فظاهر) لأنه قبض ما هو واجب له عليه، فيملكه من حين قبض؛

стр. 5079

لَهُ حَقُّ الاسْتِردَادِ، لِأَنَّهُ وَجَبَ لَهُ عَلَى المَكفُولِ عَنهُ مِثْلُ مَا وَجَبَ لِلطَّالِبِ عَلَيْهِ، إِلَّا أَنَّهُ أُخِرَتِ المُطَالَبَةُ إِلَى وَقتِ الأَدَاءِ فَنَزَلَ مَنزِلَةَ الدِّينِ المُؤَجَّلِ، وَلِهَذَا لَو أَبْرَأَ الكَفِيلُ المَطلُوبَ قَبلَ أَدَائِهِ يَصِحُّ، فَكَذَا إِذَا قَبَضَهُ يَمْلِكُهُ إِلَّا أَنَّ فِيهِ نَوعَ خُبث نُبَيِّنُهُ، فَلَا يُعْمَلُ مَعَ المِلكِ فِيمَا لَا يَتَعَيَّنُ وَقَدْ قَرَّرْنَاهُ فِي البُيُوعِ وَلَو كَانَتِ الكَفَالَةُ بِكُرِّ حِنطَة فَقَبَضَهَا الكَفِيلُ فَبَاعَهَا وَرَبِحَ فِيهَا فَالرِّبحُ لَهُ فِي الحُكمِ لِمَا بَيَّنَّا أَنَّهُ مَلَكَهُ. قَالَ: (وَأَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ يَرُدَّهُ عَلَى الَّذِي قَضَاهُ الكُرَّ وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ فِي الحُكمِ) وَهَذَا عِنْدَ لأنه استعجل الدين المؤجل، فيملكه بالاستعجال، كسائر الديون المؤجلة. وفي المبسوط: الكفالة توجب الدينين: دينا للكفيل على الأصيل، ودينا للطالب، لكن دين الكفيل مؤجل إلى وقت الأداء؛ لأن له مطالبة الأصيل بعد الأداء؛ ولهذا لو أخذ الكفيل من الأصيل رهنا بهذا المال يصح، بمنزلة ما لو أخذ رهنا بدين مؤجل، ولو أبرأ الكفيل الأصيل من الدين أو وهبه منه، حتى لو أداه الكفيل بعد ذلك إلى الطالب لا يرجع به على الأصيل. قوله: (لأنه وجب له) أي: لأن الكفيل وجب له، أي: للكفيل (مثل ما وجب للطالب عليه) أي: على الكفيل، وقيل: على المكفول عنه؛ لأن الكفالة هي ضم الذمة إلى الذمة في المطالبة لا في الدين، ولكن ذكر في جامع المحبوبي وقاضي خان أن الدين وجب للطالب على الكفيل، فيكون الضمير في (عليه) راجعا إلى الكفيل. قوله: (إلا أن فيه) أي: في الربح (نوع خبث) أي: على قول أبي حنيفة (١) أي: إذا قضى المديون الدين فيه نوع خبث، أما إذا قضاه الكفيل فلا خبث فيه بالاتفاق (نبينه) في مسألة الكفالة بالكر (وقد قررناه في البيوع) في آخر فصل أحكام البيع الفاسد. (ولو كانت الكفالة بكر حنطة فأعطاها الأصيل إلى الكفيل، ثم باعها الكفيل؛ فالربح له في الحكم) أي: في القضاء (لما بينا أنه ملكه). (ويستحب أن يرده على الذي قضاه الكر) أي: المكفول عنه (ولا يجب عليه في القضاء).

стр. 5080

أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ فِي رِوَايَةِ الجَامِعِ الصَّغِيرِ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ رَحِمَهُمَا اللهُ: هُوَ لَهُ وَلَا يَرُدُّهُ عَلَى الَّذِي قَضَاهُ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنهُ، وَعَنهُ: أَنَّهُ يَتَصَدَّقُ بِهِ. لَهُمَا: أَنَّهُ رَبِحَ فِي مِلْكِهِ عَلَى الوَجهِ الَّذِي بَيَّنَّاهُ فَيُسَلِّمُ لَهُ. وَلَهُ: أَنَّهُ تَمَكَّنَ الخُبْثُ مَعَ المِلكِ، إِمَّا لِأَنَّهُ بِسَبِيلَ مِنْ الاستِردَادِ بِأَنْ يَقْضِيَهُ بِنَفْسِهِ، أَوْ لِأَنَّهُ رَضِيَ بِهِ قوله: (هو له) أي: الربح للكفيل (لا يرده على الذي قضاه) أي: المكفول عنه، وهي رواية عنه أي عن أبي حنيفة، (وعنه) أي: عن أبي حنيفة (أنه) أي: الكفيل (يتصدق) بالربح. قال شيخ الإسلام: ليس في المسألة اختلاف الرواية عن أبي حنيفة، بل ما ذكره في الصلح، وهو قولهما، جواب القياس، وما ذكر هنا جواب الاستحسان. ووجه الاستحسان: أن ما قبضه الكفيل مملوك له ملكًا فاسدًا من وجه، فإن للأصيل استرداد ما قبضه الكفيل حال قيام الكفالة بقضاء نفسه، واسترداد المقبوض حال قيام العقد من حكم ملك فاسد، كما في البيع الفاسد، وإنما قلنا: حال قيام الكفالة؛ لأن الكفالة لا تبطل بأداء الأصيل، بل تنتهي نهايته، كما لو أدى الكفيل بنفسه، فلما كان المقبوض ملكًا فاسدًا من وجه صحيحًا من وجه. ولما كان فاسدًا من كل وجه بأن اشترى مكيلا أو موزونا ملكًا فاسدًا، وتصرف فيه وربح؛ يجب التصدق بالربح أو الرد على المالك؛ لأن الخبث كان لحقه، فيزول بالرد عليه؛ كالغاصب إذا أجر المغصوب ثم رد المغصوب؛ فإن الأجر له يتصدق به أو يرده على المغصوب منه، فكذا في الملك الفاسد من كل وجه. ولو كان الملك صحيحًا من كل وجه لا يجب التصدق بالربح ولا الرد، فإذا فسد من وجه وصح من وجه يجب التصدق أو الرد على الأصيل عملًا بالشبهين بقدر الإمكان. (أو لأنه) أي: الأصيل (رضي به) أي: بكون المدفوع ملكًا للكفيل.

стр. 5081

عَلَى اعْتِبَارِ قَضَاءِ الكَفِيلِ، فَإِذَا قَضَاهُ بِنَفْسِهِ لَمْ يَكُنْ رَاضِيًا بِهِ، وَهَذَا الخُبْثُ يُعْمَلُ فِيمَا يَتَعَيَّنُ فَيَكُونُ سَبِيلُهُ التَّصَدُّقَ فِي رِوَايَة، وَيَرُدُّهُ عَلَيْهِ فِي رِوَايَة لِأَنَّ الخُبْثَ لَحِقَهُ، وَهَذَا أَصَحُ، لَكِنَّهُ اسْتِحْبَابٌ لَا جَبْرٌ لِأَنَّ الحَقَّ لَهُ. قَالَ: (وَمَنْ كَفَلَ عَنْ رَجُل بِأَلف عَلَيْهِ بِأَمْرِهِ، فَأَمَرَهُ الأَصِيلُ أَنْ يَتَعَيَّنَ عَلَيْهِ قوله: (لم يكن) أي: الأصيل (راضيًا به) أي: بكون المدفوع ملكًا للأصيل للكفيل، (وهذا الخبث يعمل فيما يتعين). وفي جامع قاضي خان الملك قاصر، ولو انعدم الملك أصلا كان الربح خبيثًا، فإذا قصر الملك تتمكن فيه شبهة الخبث فلا يطيب. (لأن الخبث لحقه) أي: لحق الأصيل لا لحق الشرع (وهذا أصح) أي: الرد على المديون أصح؛ لأن الخبث لحقه، والرد له (لكنه) أي: الرد عليه (استحباب) لأن الملك للكفيل فلا يجبر على دفعه، إلا أنه لما تمكن الخبث يستحب الدفع إليه، بخلاف الربح، ولو ردها على الأصيل؛ إن كان الأصيل فقيرًا طاب له، وإن كان غنيًا ففيه روايتان والأشبه أنه يطيب له؛ لأنه إنما رد عليه؛ لأنه حقه. كذا في جامع قاضي خان. وفي الكافي: هذا إذا أعطاه على وجه القضاء، أما لو أعطاه على وجه الرسالة فتصرف فيه الرسول وربح - لم يطب له الربح، سواء كان ثمنًا أو مما يتعين؛ لأنه مودع، والمودع إذا تصرف في الوديعة وربح لم يطب له الربح عند أبي حنيفة ومحمد، وطاب له عند أبي يوسف؛ لما عرف (١). قوله: (فأمره الأصيل أن يتعين) أي: أمر الأصيل الكفيل أن يتعين (عليه) أي: على الكفيل، فكان معنى قوله: يعني يعامل إنسانًا بطريق العينة، بأن قال: تعين عليَّ؛ أي اشتر لي حريرًا بعينه ثم بعه بالنقد بأقل منه، واقض ديني، فإذا فعل يصير الوكيل مشتريًا لنفسه، كما لو وكله بشراء شيء؛ لأنه لم يصر عنه وكيلا بحكم هذا الأمر؛ لأنه لم يتبين مقدار الحرير ولا مقدار الثمن، ومثل هذا التوكيل لا يصح، وإذا صار مشتريًا لنفسه فالربح الذي ربحه البائع على

стр. 5082

حَرِيرًا فَفَعَلَ، فَالشِّرَاءُ لِلكَفِيلِ وَالرِّبحُ الَّذِي رَبِحَهُ البَائِعُ فَهُوَ عَلَيْهِ) وَمَعْنَاهُ: الْأَمْرُ بِبَيعِ العِينَةِ مِثلُ: أَنْ يَستَقرِضَ مِنْ تَاجِر عَشَرَة فَيَتَأَنَّى عَلَيْهِ وَيَبِيعَ مِنهُ ثَوبًا يُسَاوِي عَشَرَة بِخَمْسَةَ عَشَرَ مَثَلا، رَغْبَة فِي نَيْلِ الزِّيَادَةِ لِيَبِيعَهُ المُستَقْرِضُ بِعَشَرَة وَيَتَحَمَّلَ عَلَيْهِ خمسة؛ سُمِّيَ بِهِ لِمَا فِيهِ مِنْ الإِعْرَاضِ عَنْ الدَّينِ إِلَى العَينِ، وَهُوَ مَكْرُوهُ لِمَا فِيهِ مِنْ المشتري، وهو الكفيل، للعينة صور: إحداهما: ما ذُكر في الكتاب والثانية: أن يجعل المقرض والمستقرض بينهما ثالثا، فيبيع صاحب الثوب باثني عشر من المستقرض، ثم إن المستقرض يبيعه من الثالث بعشرة ويسلم، ثم يبيع الثالث من المقرض بعشرة، ويأخذ منه عشرة ويدفعها إلى المستقرض، فتندفع حاجته، وإنما خَلَّلا ثالثا؛ تحرزًا عن شراء ما باع بأقل مما باع قبل نقد الثمن. وفي جامع قاضي خان: اختلفوا في صورة العينة، ذكرها بين الصورتين، ثم قال: وقال بعضهم: صورته أن يقرض خمسة عشر دراهم، ثم يبيع المقرض من المستقرض، ثم يساوي عشرة بخمسة عشر، ويأخذ الدراهم المدفوعة التي اقترضها أولا، ولم يخرج عن ملكه إلا عشرة. وفي فتاوى الكبرى: صورته أن يبيع المستقرض سلعة من المقرض بعشرة، وسلم إليه، ثم قال المستقرض: بعني باثني عشر فباعها جاز، وإن تقدم الشرط. وفي محيط السرخسي: صورته باع متاعه بألفين من المستقرض إلى أجل، ثم يبعث متوسطا ليشتري المتاع لنفسه بألف حالة، ولا يقبضه، ثم يبيعه من البائع الأول بألف، ثم يحيل المتوسط بائعه على البائع الأول بالثمن الذي عليه، ويخرج من الوسط فيدفع البائع الأول ألفًا حالة إلى المستقرض، ويأخذ منه ألفين عند حلول الأجل، وهذا البيع جائز في الحكم، فقال أبو يوسف: لا يُكره؛ لأنه فعل ذلك كثير من الصحابة وحمدوا ذلك، ولم يعدوه من الربا، حتى قال: لو باع كاغده بألف يجوز ولا يُكره. وقال محمد: هذا المبيع في قلبي كأمثال الجبال؛ أي: لها شبهة كأمثال الجبال، ذميم (١) اخترعه أَكَلَة الربا، وقد ذمهم رسول الله ﷺ فقال: «إِذَا تَبَايَعْتُمْ

стр. 5083

الإِعْرَاضِ عَنْ مَبَرَّةِ الإِقْرَاضِ مُطَاوَعَة لِمَدْمُومِ البُخلِ. ثُمَّ قِيلَ: هَذَا ضَمَانٌ لِمَا يَحْسَرُ المُشتَرِي بالعينة، واتَّبَعْتُمْ أَذْنَابَ البَقَر - ذَلِلْتُمْ وظُفْرَ عَلَيْكُمْ عَدُوُّكُمْ»، وفي رواية: «سُلْطَ عَلَيْكُمْ شِرَارُكُمْ، فَيَدْعُو خَيَارُكُمْ فَلَا يُسَتَجَابُ لَكُمْ» (١)، وقيل: إِيَّاكَ والعينة فإنها لعينة (٢). قال المرغيناني في فوائده ومصداق هذا الحديث ما دهانا من البلاء، ودهمنا [من] (٣) اللواء، والناس في زماننا بعضهم اشتغلوا بالعين، فابتلوا بهذه الفتن، وبعضهم أقبلوا على الجد في الزراعة، فقرعوا بقارعة ذات بأس وطاعة، وعلماؤهم أخذوا في اقتراب أبواب السلطان، وأخذوا بأنواع الافتتان ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف: ٢٣] خصوصا في هذا الزمان الذي نحن فيه، حيث نزل هذا البيع منزل البياعات الصحيحة بالنسبة إلى بياعات هذا الزمان، فلا جرم ابتلونا ببلايا أشد مما كان البلاء فيما قبلهم. ذكره الإمام المحبوبي. وعن محمد بن سلمة كان [يقول] (٤) ببلخ للتجار: إن العينة التي جاءت في الحديث خير من بياعاتكم، قال مشايخ بلخ بيع العينة في زماننا خير من بياعاتكم (٥)، وعن أبي يوسف (٦): بيع العينة جائزة مأجورة وأجره لمكان الفرار من الحرام. ذكره في فتاوى قاضي خان. (ثم قيل: هذا) أي: قوله: (تعين عليَّ) (ضمان لما يخسر المشتري) فقد قال بعض المشايخ: هذا توكيل فاسد كما ذكرنا؛ لأنه أخرج الكلام مخرج

стр. 5084

نَظَرًا إِلَى قَوْلِهِ: «عَلَيَّ» وَهُوَ فَاسِدٌ وَلَيْسَ بِتَوكِيل، وَقِيلَ: هُوَ تَوكِيلٌ فَاسِدٌ؛ لِأَنَّ الحَرِيرَ غَيْرُ مُتَعَيَّن، وَكَذَا الثَّمَنُ غَيْرُ مُتَعَيَّن، لِجَهَالَةِ مَا زَادَ عَلَى الدِّينِ، وَكَيفَمَا كَانَ، فَالشِّرَاءُ لِلمُشتَرِي وَهُوَ الكَفِيلُ، وَالرِّبحُ: أَي الزَّيَادَةُ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ العَاقِدُ. قَالَ: (وَمَنْ كَفَلَ عَنْ رَجُل بِمَا ذَابَ لَهُ عَلَيْهِ، أَوْ بِمَا قَضَى لَهُ عَلَيْهِ، فَغَابَ المَكفُولُ عَنهُ، فَأَقَامَ المُدَّعِي البَيِّنَةَ عَلَى الكَفِيلِ بِأَنَّ لَهُ عَلَى المَكفُولِ عَنهُ أَلفَ درهم، لم تُقبَل بَيْنَتُهُ) لِأَنَّ المَكفُولَ بِهِ مَالٌ مَقضِيٌّ بِهِ، وَهَذَا فِي لَفَظَةِ القَضَاءِ ظَاهِرُ، الوكالة؛ ولهذا ذكر في بعض النسخ: (تعين لي (١) حريرًا) مكان (علي) وبعضهم قال: هذا ضمان الأصيل بقوله: تعين عليَّ؛ لأن معناه إن بعت بأقل من ذلك فالخسران عليَّ، والخسران غير مضمون على أحد، والكفالة والضمان إنما يصح بما هو مضمون، فلا يصح ضمانه، كمن قال لآخر: بايع في هذا السوق على أن كل وضيعة وخسران تصيبك فأنا ضامن به - كان باطلا. كذا في جامع المحبوبي. (وليس بتوكيل) لأنه لم يقل: تعين لي، بل قال: تعين علي، وهي كلمة ضمان لا كلمة وكالة. (وكذا الثمن غير متعين) أي: غير معلوم (لجهالة ما زاد على الدين) يعني والثمن معلوم بمقدار الدين؛ لكن ما زاد على الدين غير معلوم؛ إذ بيع العينة لا يكون إلا بأكثر من قيمة السلعة، وتلك الزيادة مجهولة؛ لأنه لا يعلم كم يزيد البائع على قيمة السلعة. قوله: (وكيف ما كان) أي: سواء كانت كفالة باطلة أو وكالة (فالشراء للمشتري). قوله: (لم تقبل) أي: بينة المدعي على الكفيل حتى يحضر المكفول عنه؛ لأنه كفل بما قضى له على الأصيل بعد الكفالة، فما لم يصر المال مقضيا به على المكفول عنه لا يكون الكفيل كفيلا، فلا يكون خصمًا، ولا يمكن القضاء

стр. 5085

وَكَذَا فِي الأُخرَى، لِأَنَّ مَعنَى: «ذَابَ» تَقَرَّرَ وَهُوَ بِالقَضَاءِ، أَوْ مَالٌ يُقضَى بِهِ وَهَذَا مَاضٍ أُرِيدَ بِهِ المُستَأْنَفُ، كَقَولِهِ: أَطَالَ اللهُ بَقَاءَكَ فَالدَّعْوَى مُطلَقٌ عَنْ ذَلِكَ فَلَا تَصِحٌ. على الأصيل بهذه البينة حال غيبته؛ لأنه يكون قضاء على الغائب، وهو لا يصح عندنا (١) وأحمد (٢)، ويصح عند الشافعي (٣) ومالك (٤)؛ ولذلك توقف قبول البينة والقضاء عن المكفول عنه إلى أن يحضر، حتى يكون الكفيل بالدين المقضي به على الأصيل كما شرط في حق الكفالة؛ ألا ترى أنه لو أقر الكفيل على الأصيل بمال الطالب لا يلزمه إذا حضر الأصيل، وإذا حضر الأصيل وقضى عليه فحينئذ يلزم الكفيل. وقيل: ذلك إذا كانت بينة على الغائب، والبينة عليه لا تسمع عندنا، حتى لو ادعى أن قاضي بلد كذا قضى على الأصيل بمال عقد الكفالة بالمال، وأقام البينة على ذلك - قبلت. كذا في شروح الجامع الصغير. قوله: (أو مال يقضى به) معطوف به على قوله: (مال قضى) يعني كفل بمال مقضي به على الأصيل بعد الكفالة، فما لم توجد هذه الصفة لا يكون كفيلا به. قوله: (وهذا) أي: قوله: ذاب، أو قضى له. وفي الكافي: وهذه العبارات وإن كانت للماضي فقد أريد بها الاستقبال عُرفًا، كما يقال: أطال الله بقاءك، أي: يُطيله، كذا يُكتب في المواثيق: شهد فلان بن فلان بكذا، ويراد به المستقبل. (والدعوى مطلق على ذلك) أي: المدعي لم يتعرض في دعواه أن القاضي قضى به بعد الكفالة، أو وجوب المال بعد الكفالة، وليس من ضرورة كون الألف على الأصيل أن يكون ذاب عليه ولزمه بعد الكفالة، ففسدت دعواه، وهو معنى قوله: (فلا تصح) أي: لا تصح دعواه، حتى قال الطالب: قدمت

стр. 5086

(وَمَنْ أَقَامَ البَيِّنَةَ أَنَّ لَهُ عَلَى فُلَان كَذَا وَأَنَّ هَذَا كَفِيلٌ عَنهُ بِأَمْرِهِ، فَإِنَّهُ يُقضَى بِهِ عَلَى الكَفِيلِ وَعَلَى المَكفُولِ عَنهُ، وَإِنْ كَانَتْ الكَفَالَةُ بِغَيْرِ أَمْرِهِ يُقْضَى عَلَى الكَفِيلِ خَاصَّة) وَإِنَّمَا تُقبَلُ لِأَنَّ المَكفُولَ بِهِ مَالٌ مُطلَقٌ، بِخِلَافِ مَا تَقَدَّمَ، وَإِنَّمَا يَخْتَلِفُ بِالْأَمْرِ وَعَدَمِهِ المطلوب بعد الكفالة إلى فُلان القاضي، وأقمت البينة، وقضى عليه بذلك المال، فصرت وكيلا بذلك - صحت دعواه، حتى لو أقام بينةً على ذلك قضى القاضي على الكفيل والغائب بالألف؛ لأنه ثبت الوصف، والكفالة بأمره وغير أمره سواء، إلا أنه لا يرجع في غير الأمر؛ لأنه في غير الأمر يكون القضاء على الكفيل خاصة. كذا في جامع شمس الأئمة. ولو ضمن ثمن ما بايعه أو أقرضه بعده، وجحد الكفيل ذلك - قضي على الكفيل والغائب بلا خلاف؛ لأن الضمان مقيد بصفة، ولا يمكن القضاء به إلا بعد القضاء على الغائب، فينتصب الكفيل خصمًا عنه. قوله: (وإنما تقبل) أي: إقامة البينة من المدعي حتى يقضى بها على الكفيل (لأن المكفول به مال مطلق) أي: غير موصوف بكونه مقضيا به بعد الكفالة كما كان موصوفًا به في المسألة المتقدمة، وهي مسألة ما ذاب أو قضى له عليه، على ما ذكرنا، فأقام البينة على وفق [دعواه هاهنا، فقض به عل الكفيل. كذا في جامع شمس الأئمة، وإليه أشار الشيخ بقوله: (بخلاف] (١) ما تقدم). قوله: (وإنما يختلف) أي: حكم القاضي بالرجوع على الأصيل (بالأمر وعدمه) وهذا إشارة إلى ما ذكرنا قبله من أن المدعي إذا أثبت كفالة الكفيل فأمر الأصيل كان حكم القاضي بتلك البينة حكمًا على الكفيل خاصة. فإن قيل: لو ادعى المال وأبهم، بأن قال: هو كفل عن فلان بكل ماله قبله من المال، فجحد الكفيل، وأقام المدعي بينة على الكفالة والمال - قضى بالكفالة والمال على الأصيل الغائب، سواء ادعى الأمر أو لا، فما الفرق بينهما؟

стр. 5087

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . قلنا: الفرق أن المدعى متى كان مالا مقدرًا أمكن إثباته على الكفيل باعتبار إقراره نظرًا إلى كفالته؛ لتضمنها الإقرار بالمال، فلا حاجة إلى تعدية المال إلى الأصيل، والإيصال منتفٍ، وفيما إذا أبهم لا يمكن إثبات المال على الكفيل باعتبار إقراره؛ لتعطل الكفالة بصفة الإبهام، فدعت الضرورة إلى إثبات كفالة متعدية إلى الأصيل عملا بالبينة. وفي الجامع الكبير: المسألة على أربعة أوجه: إما إن كانت الكفالة مطلقة بأن قال: كفلت بمالك على فلان. أو مقيدة بأن قال: بألف على فلان. وكل على وجهين بالأمر أو بغير الأمر؛ فإن كانت مطلقة فبالقضاء على الكفيل قضاء على الأصيل، سواء كانت بالأمر أو عدمه؛ لأن الطالب لا يتوصل إلى حقه من الكفيل، ولا بعد إثباته على الأصيل؛ لما ذكرنا؛ لأن القول للكفيل أنه ليس للطالب شيء على الأصيل، فإذا كان كذلك صار الكفيل خصمًا عنه وإن كان غائبًا، وعندنا (١) القضاء على الغائب لا يجوز إلا إذا ادعى على الحاضر حقًا لا يتوصل إليه إلا بإثباته على الغائب. قال مشايخنا: هذا طريق من أراد إثبات الدين على الغائب من غير أن يكون بين الكفيل والغائب اتصال، وكذا إذا خاف الطالب موت الشاهد يتواضع مع رجل، ويدعي عليه مثل هذه الكفالة، فيقر بالكفالة وينكر الدين، فيقيم المدعي بينة على الدين، فيقضى به على الكفيل والأصيل، ثم يبرأ الكفيل. وكذا الحوالة على هذه الوجوه، وكذا كل من يدعي حقًا عليه لا يثبت عليه إلا بالقضاء عن الغائب كان الحاضر خصمًا عن الغائب، وهذا استحسان أخذ به علماؤنا صيانة لحقوق المسلمين. والقياسُ: أن ينتصب الحاضر خصمًا عن الغائب، ولا يصح القضاء على الغائب. كذا ذكره المرغيناني والتمرتاشي والمحبوبي، ويجيء هذا البحث في أدب القاضي بتمامه.

стр. 5088

لِأَنَّهُمَا يَتَغَايَرَانِ، لِأَنَّ الكَفَالَةَ بِأَمر تَبَرُّعُ ابْتِدَاء وَمُعَاوَضَةُ انتِهَاء، وَبِغَيْرِ أَمر تَبَرُّعُ ابتِدَاء وَانتِهَاء، فَبِدَعوَاهُ أَحَدَهُمَا لَا يُقضَى لَهُ بِالْآخَرِ، وَإِذَا قُضِيَ بِهَا بِالْأَمْرِ ثَبَتَ أَمْرُهُ، وَهُوَ يَتَضَمَّنُ الإِقْرَارَ بِالمَالِ فَيَصِيرُ مَقضِيًّا عَلَيْهِ، وَالكَفَالَةُ بِغَيْرِ أَمْرِهِ لَا تَمَسُّ جَانِبَهُ، لِأَنَّهُ تَعتَمِدُ صِحَّتُهَا قِيَامَ الدِّينِ فِي زَعمِ الكَفِيلِ فَلَا يَتَعَدَّى إِلَيْهِ، وَفِي الكَفَالَةِ قوله: (لأنهما) أي: الكفالة [بالأمر والكفالة] (١) بغير الأمر (يتغايران) في المعنى، وهو قوله: (لأن الكفالة) إلى آخره. ويتغايران في الحكم أيضًا، وهو الرجوع وعدم الرجوع، فلما كانا متغايرين معنى وحكما (فبدعواه أحدهما) أي: أحد عقدي الكفالة (لا يقضى له بالآخر). قوله: (ثبت أمره) أي: أمر الأصيل (وهو) أي: الأمر بالكفالة (يتضمن الإقرار بالمال لأنه لما ادَّعى الكفالة بالأمر، وأثبتها بالبينة لا يمكن القضاء بكفالة أخرى، ومن ضرورة القضاء بالكفالة بالأمر القضاء على الغائب؛ لأن أمر الأصيل بالكفالة بالمال إقرار بالمال. كذا ذكره قاضي خان، (فيصير) أي: الأصيل (مقضيا عليه). قوله: (لا تمس جانبه) أي: جانب الأصيل (لأنه) أي: الأمر والبيان (تعتمد صحتها) أي: صحة الكفالة قيام الدين في زعم الكفيل) بفتح الزاي؛ لأنها لغة أكثر القراء في قوله تعالى: ﴿هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ﴾ [الأنعام: ١٣٦]، وقرأ الكسائي بالضم والأخذُ باللغة التي هي قراءة الغلبة أولى، أي: لا تشترط لصحة الكفالة لقيام الدين على الأصيل؛ بل وجوده في زعم الكفيل كافٍ؛ لما أن المرء مؤاخذ بزعمه، وهاهنا لم يثبت الدين في زعمه؛ لإنكاره الكفالة، حيث أثبت الكفالة بالبينة جعل ثابتًا في زعمه شرعًا لا غير؛ لأن الكلام فيما إذا ثبت الكفالة بغير أمر الأصيل، فلما كان كذلك لم يتعد وجوب الدين من الكفيل إلى الأصيل، وقد ذكرنا أنه ليس من ضرورة وجوبِ المال على الكفيل وجوبه على الأصيل، ولأن الثابت بالبينة كالثابت عيانًا، ولو أثبت أمره بالكفالة عيانًا كان حكمه ما قلنا، وكذا إذا ثبت بالبينة.

стр. 5089

بِأَمْرِهِ يَرْجِعُ الكَفِيلُ بِمَا أَدَّى عَلَى الْآمِرِ. وَقَالَ زُفَرُ لَهُ: لَا يَرْجِعُ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا أَنْكَرَ فَقَد ظَلَمَ فِي زَعمِهِ فَلَا يَظْلِمُ غَيْرَهُ، وَنَحْنُ نَقُولُ: صَارَ مُكَذِّبًا شَرعًا فَبَطَلَ مَا زَعَمَهُ. قَالَ: (وَمَنْ بَاعَ دَارًا وَكَفَلَ رَجُلٌ عَنهُ بِالدَّرَكِ فَهُوَ تَسْلِيمٌ) لِأَنَّ الكَفَالَةَ لَو كَانَتْ قوله: (وقال زفر: لا يرجع) الكفيل على الأصيل (لأنه) أي: لأن الكفيل (لما أنكر) يزعم أن الطالب، ظلمه والمظلوم لا يظلم غيره، وقلنا: لما قضى القاضي عليه فقد أكذبه فيما زَعَم فبطل زعمه كمن اشترى شيئًا وأقر أن البائع باع ملكه، ثم استحقه آخر بالبينة - لا يبطل حقه في الرجوع بالثمن على البائع. كذا ذكره شمس الأئمة وقاضي خان. فإن قيل: يشكل عليه قوله في من اشترى عبدًا ثم باعه، ورد عليه بعيب بالبينة بعد إنكاره العيب - فعند محمد لا يرده على بائعه، خلافًا لأبي يوسف، حيث لم يبطل زعمه بالقضاء بالبينة. قلنا: إنما لا يرده على بائعه؛ لأن قوله: (لا عيب فيه) نفي العيب في الحال والماضي، والقاضي إنما كذبه في قيام العيب عند البيع الثاني دون الأول؛ لأن قيام العيب عند البيع الأول ليس بشرط للرد على الثاني، فافترقا. كذا ذكره المحبوبي. قوله: (وكفل رجل عنه بالدرك) ضمان الدرك صحيح بإجماع الفقهاء (١)، وهو المنصوص من مذهب الشافعي (٢)، وخرج أبو العباس الشافعي قولا آخر: أنه لا يصح، وضمان الدرك عبارة عن قبول رد الثمن عند استحقاق المبيع. (فهو) أي: ضمان الدرك (تسليم) وتصديق من الكفيل بأن المبيع ملك البائع، حتى لو ادعاه الكفيل لنفسه لا تسمع دعواه؛ إذ لو صح رجع المشتري عليه بالثمن بحكم الكفالة فلا يفيد، ثم دعواه سعي في نقض ما تم من جهته، ومن سعى في نقض ما أوجبه ضل سعيه في الحياة الدنيا؛ ولهذا لو كان الكفيل

стр. 5090

مَشرُوطَة فِي البَيعِ فَتَمَامُهُ بِقَبُولِهِ، ثُمَّ بِالدَّعَوَى يَسْعَى فِي نَقضِ مَا تَمَّ مِنْ جِهَتِهِ، وَإِنْ لَم تَكُنْ مَشرُوطَة فِيهِ فَالمُرَادُ بِهَا أَحكَامُ البَيعِ وَتَرغِيبُ المُشتَرِي فِيهِ، إِذْ لَا يَرغَبُ فِيهِ دُونَ الكَفَالَةِ فَنَزَلَ مَنزِلَةَ الإِقْرَارِ بِمِلكِ البَائِعِ. قَالَ: (وَلَو شَهِدَ وَخَتَمَ وَلَم يَكفُل، لَم يَكُنْ تَسلِيمًا وَهُوَ عَلَى دَعَوَاهُ) لِأَنَّ الشَّهَادَةَ لَا تَكُونُ مَشرُوطَة فِي البَيعِ وَلَا هِيَ بِإِقرار بِالمِلكِ، لِأَنَّ البَيعَ مَرَّة يُوجَدُ مِنْ المَالِكِ وَتَارَة مِنْ غَيْرِهِ، وَلَعَلَّهُ كَتَبَ الشَّهَادَةَ لِيَحفَظَ الحَادِثَةَ بِخِلَافِ مَا تَقَدَّمَ، قَالُوا: إِذَا كَتَبَ فِي الصَّلِّ بَاعَ وَهُوَ يَمْلِكُهُ، أَوْ بَيعًا بَاتًا نَافِذا وَهُوَ كَتَبَ شَهِدَ بِذَلِكَ فَهُوَ تَسْلِيمٌ، إِلَّا إِذَا كَتَبَ الشَّهَادَةَ عَلَى إِقْرَارِ المُتَعَاقِدَينِ. شفيعا تبطل شفعته، وشرط الكفالة بالدرك ملائم العقد؛ إذ الدرك ثبت بلا شرط كفالة، والشرط يزيده وكادة. (فالمراد بها) أي: بالكفالة (أحكام البيع وترغيب المشتري فيه) إذ يحتمل ألا يرغب المشتري في تملك هذا المبيع بالشراء خوفًا من الاستحقاق، فيكفل تسكينا لقلبه، فصار كأنه يقول بهذه الكفالة: اشتر هذا المبيع ولا تبال، فإن لحقك ذلك فيما تشتري فأنا ضامن، فيكون مقرا بملك البائع، فلا تصح دعواه بعد ذلك أصلا، وإطلاق جواب الكتاب يدل على هذا، ذكره المرغيناني وقاضي خان. قوله: (ولو شهد وختم) قيل: لفظ الختم وقع اتفاقا باعتبار عادة العرب، فإنهم يختمون بعد كتابة اسمهم على الصك، أما الحكم لا يتفاوت بين إن ختم أو لم يختم. قال الإمام الحلواني: تفسير الختم إذا كتب اسمه في الصك أن يجعل اسمه تحت رصاص مكتوبًا، ووضع عليه نقش خاتمه حتى لا يجوز فيه التزوير والتبديل، وهذا عُرف زمانهم، أما زماننا هذا العُرف لم يبق. قوله: (إذا كتب) أي: المشايخ (١)، جواب الكتاب محمول على ما إذا كتب: شهد فلان بالبيع والشراء، أو كتب جرى المبيع بمشهدي، أو كتب: أقر

стр. 5091

فَصَلِّ فِي الضَّمَانِ قَالَ: (وَمَنْ بَاعَ لِرَجُل ثَوبًا وَضَمِنَ لَهُ الثَّمَنَ، أَوْ مُضَارِبٌ ضَمِنَ ثَمَنَ مَتَاعِ رَبِّ المَالِ: فَالضَّمَانُ بَاطِلٌ) لِأَنَّ الكَفَالَةَ التِزَامُ المُطَالَبَةِ وَهِيَ إِلَيْهِمَا، فَيَصِيرُ كُلُّ وَاحِد مِنهُمَا ضَامِنَا لِنَفْسِهِ، وَلِأَنَّ المَالَ أَمَانَةٌ فِي أَيْدِيهِمَا، وَالضَّمَانُ تَعْبِيرٌ لِحُكمِ الشَّرِعِ فَيَرُدُّ عَلَيْهِ، كَاشْتِرَاطِهِ عَلَى المُودَعِ وَالمُستَعِيرِ (وَكَذَا رَجُلَانِ بَاعًا عَبدا صَفقَة وَاحِدَة بالبيع والشراء عندي، أما إذا كتب في الشهادة ما يوجب صحة البيع ونفاذه بأن كتب في الصك: باع فلان كذا، وقد أقر أنه باع ملكه، والشاهد كتب: شهد بذلك، تصح دعواه. فَصْلٌ فِي الضَّمَانِ هذه مسائل الجامع الصغير وردت بلفظ الضمان ففصلها، لتغاير اللفظ، وإن كان معنى الضمان والكفالة واحدًا، ولهذا سمى أكثر الفقهاء باب الكفالة باب الضمان. قوله: (ومن باع لرجل ثوبًا وضمن له) أي: لذلك [الرجل] (١) (الثمن) يعني باع الوكيل ثوبًا للموكل، وضمن الثمن للموكل. قوله: (وهي) أي: المطالبة (إليهما) أي: إلى الوكيل والمضارب؛ إذ حقوق العقد ترجع إلى العاقد، فاختص المطالبة به، فلو صح الضمان منه يصير ضامنا لنفسه، وأنه لا يجوز، بخلاف الوكيل بالنكاح فإن المهر من الزوج يصح؛ لأنه سفير؛ ولهذا لا يلي قبض المهر، فلا يصير هناك ضامنًا لنفسه. كذا ذكره المرغيناني، والمحبوبي. على قياس قول الأئمة الثلاثة ينبغي أن يصح هذا الضمان؛ لأن للموكل ولاية مطالبة الثمن، فلا يكون ضامنًا لنفسه، كما في النكاح. قوله: (ويرد عليه) أي: على الضامن (كاشتراطه) أي: كاشتراط الضمان (على المودع والمستعير) فإنه لا ضمان عليهما شرعًا، فاشتراطه يكون تغييرا

стр. 5092

وَضَمِنَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ حِصَّتَهُ مِنْ الثَّمَنِ) لِأَنَّهُ لَو صَحَ الضَّمَانُ مَعَ الشَّرِكَةِ يَصِيرُ ضَامِنًا لِنَفْسِهِ، وَلَو صَحَّ فِي نَصِيبِ صَاحِبِهِ خَاصَّة يُؤَدِّي إِلَى قِسْمَةِ الدِّينِ قَبْلَ قَبضِهِ للمشروع، فلا يجوز، وكمن عليه السهو إذا سلم بنية قصد الخروج، فيرد عليه ولا يخرج، حتى لو كان له أن يعود إلى سجدتي السهو، وكمن نذر أن يصوم غدًا، وعليه قضاء رمضان يجوز له صوم القضاء، فترد عليه نيته تعيينه الغد لصوم النذر؛ لأنه يعتبر المشروع، وهو صلاحية الغد لصوم القضاء. قوله: (لأنه [لو] (١) صح الضمان) إلى قوله: (ولو صح في نصيب صاحبه) يعني: أن هذا الضمان لو صح؛ إما أن يصح مع بقاء الشركة، أو لا مع بقائها. فلا يجوز الأول؛ لما مرَّ أن كل واحد يصير ضامنًا لنفسه؛ لأن ما من جزء من الثمن إلا وهو مشترك بينهما. ولا يجوز الثاني؛ لأنه يؤدي إلى قسمة الدين قبل القبض، حتى امتاز نصيب أحدهما، والدين لا يحتمل القسمة قبل القبض؛ لأن القسمة إقرار، والإقرار يتحقق في الأعيان لا في الأوصاف، والدين وصف، ولأن في القسمة معنى التمليك، وتمليك الدين من غير من عليه الدين لا يجوز (٢). كذا في جامع قاضي خان. ولأنه لو جاز ضمان أحد الشريكين لآخر يبطل من حيث يجوز، لأن الضامن يقول: أنا قائم مقام المشتري، والمشتري إذا دفع إليك شيئًا فأنا شريك في ذلك الشيء؛ لبقاء الشركة؛ فلذلك رجع إلى نصف ما أدّيتُ إليك، فيبطل الضمان انتهاء لو جاز ابتداء؛ لأن الضامن شريك فيما أدى إلى الشريك إلى أن يبقى فيه الجزء الذي لا يتجزأ، فهذا معنى قول المشايخ: إن تجويز هذا الضمان ابتداء إبطاله انتهاء. فقلنا ببطلانه ابتداءً، ولا معنى لما قيل في هذه المسائل: لو صح الضمان؛ إما أن يصح بنصف شائع، أو بنصف هو نصيب شريكه؛ لأن الضمان يضاف إلى نصيب شريكه، فكيف يصح شائعا!

стр. 5093

وَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ، بِخِلَافِ مَا إِذَا بَاعَا بِصَفقَتَيْنِ، لِأَنَّهُ لَا شَرِكَةَ؛ أَلَا تَرَى أَنَّ لِلمُشتَرِي أَنْ يَقْبَلَ نَصِيبَ أَحَدِهِمَا وَيَقْبِضَ إِذَا نَقَدَ ثَمَنَ حِصَّتِهِ وَإِنْ قَبِلَ الكُلَّ. وقوله: (ولا وجه إلى الثاني) لما فيه من قسمة الدين قبل القبض، ولا معنى لهذا أيضًا؛ لانعقاد الإجماع على أن أحدهما لو اشترى بنصيبه من الدين يجوز، وليس فيه معنى قسمة الدين، فكذا إذا ضمن أحدهما بنصيب شريكه، ولكن التعويل على ما ذكرنا كذا في الفوائد الظهيرية. قوله: (بخلاف ما إذا باعا بصفقتين) بأن سمى [كل واحد منهما لنفسه ثمنًا، ثم ضمن أحدهما الآخر - صح ضمانه؛ لأنه لا شركة؛ إذ نصيب] (١) كل واحد منهما ممتاز عن نصيب الآخر؛ ولهذا لو أخذ أحدهما شيئًا من المشتري لا يشاركه الآخر فلا يصير ضامنًا لنفسه بخلاف الفصل الأول. قال الإمام قاضي خان ولو تبرع بالأداء في هذه الفصول من غير ضمان - جاز تبرعه؛ لأن التبرع لا يتم إلا بالأداء، وعند الأداء يصير مسقطا حقه في المشاركة فيصح، وجواز التبرع لا يدل على جواز الكفالة؛ لأن التبرع [أسرع] (٢) جوازا من الكفالة؛ ألا ترى أنه يجوز التبرع ببدل الكتابة، ولا تصح الكفالة [به] (٣). قوله: (فإن قبل الكل) أي: فإن قبل المشتري الكل بكلام واحد؛ لما مر في البيوع أن تفريق الصفقة يكون بتفريق الثمن بتسمية كل واحد من الثمن للبائعين. وإن كان المشتري واحدًا وقبلهما بكلمة واحدة، وفي لفظ الكتاب تخليط، وقد فصله المحبوبي حيث قال: إن كان البيع صفقتين، بأن سميا لكل نصيب ثمنًا - صح ضمانه؛ لأنه لا شركة بينهما؛ ألا ترى أن المشتري لو قبل نصيب أحدهما ورد الآخر يصح، ولو قبل الكل ثم نقد حصة أحدهما ملك قبض نصيبه بخلاف الأول (٤).

стр. 5094

قَالَ: (وَمَنْ ضَمِنَ عَنْ آخَرَ خَرَاجَهُ وَنَوَائِبَهُ وَقِسَمَتَهُ فَهُوَ جَائِزٌ). أَمَّا الخَرَاجُ فَقَد ذَكَرنَاهُ وَهُوَ يُخَالِفُ الزَّكَاةَ، لِأَنَّهَا مُجَرَّدُ فِعل، وَلِهَذَا لَا تُؤَدَّى بَعدَ مَوتِهِ مِنْ تَرِكَتِهِ إِلَّا بِوَصِيَّة. قوله: (أما الخراج فقد ذكرناه) قبل هذا الفصل بقوله: والرهن والكفالة جائزان في الخراج بلا خلاف (١). ثم قيل: المراد بالخراج الذي تصح الكفالة به الموظف، وهو الذي يجب في الذمة أما خراج المقاسمة، وهو ما يجب فيما يخرج من الأرض، فإنها غير واجبة (٢) في الذمة، فلم يكن في معنى الدين، فلا تصح الكفالة به. (وهو) أي: الخراج (يخالف الزكاة؛ لأنها) أي: الزكاة (مجرد فعل). وفي الفوائد الظهيرية: الخراج دين كسائر الديون، كأنه أراد به الموظف، بخلاف الزكاة في الأموال الظاهرة حيث لا يجوز الضمان بها (٣)؛ لأن الواجب جزء من النصاب، وهو عين غير مضمون، بدليل أنه لو هلك لا يضمن شيئًا، والكفالة بأعيان غير مضمونة باطلة، فعلى هذا ينبغي أن تصح الكفالة بدين الزكاة عند الشافعي (٤)؛ لأنها دين مطالب؛ ولهذا لا تسقط بهلاك المال. فإن قيل: عندنا ينبغي أن تصح الكفالة في زكاة واجبة في نصاب مستهلك السوائم؛ لأنه في الذمة. قلنا: قال بعض المشايخ: الفرق بين الزكاة والخراج: أن الزكاة ليست بدين؛ لأن الدين اسم لمال واجب في الذمة، والزكاة فعل هو عبادة والمال لإقامته، كالحج؛ ولهذا قلنا: إن الزكاة لا تستوفى من التركة بخلاف الخراج؛ لأنه مال يجب في مقابلة الذب عن حريم الدين وحفظه، فكان بمنزلة الأجرة، والكفالة بالأجرة صحيحة، فكذا بالخراج، وأما الواجب في الزكاة فتمليك مال من غير أن يكون بدلا عن شيء آخر.

стр. 5095

وَأَمَّا النَّوَائِبُ، فَإِنْ أُرِيدَ بِهَا مَا يَكُونُ بِحَقِّ، كَكَري النَّهْرِ المُشْتَرَكِ وَأَجْرِ الحَارِسِ وَالمُوَظَّفِ لِتَجهيز الجَيشِ وَفِدَاءِ الأَسَارَى وَغَيْرِهَا، جَازَتِ الكَفَالَةُ بِهَا عَلَى - الاتِّفَاقِ، وَإِنْ أُرِيدَ بِهَا مَا لَيْسَ بِحَقِّ، كَالجِبَايَاتِ فِي زَمَانِنَا، فَفِيهِ اخْتِلَافُ المَشَايِخِ ﵏، وَمِمَّنْ يَمِيلُ إِلَى الصِّحَّةِ الإِمَامُ عَلِيٌّ البَرْدَوِيُّ، وَأَمَّا القِسْمَةُ فَقَد قوله: (جازت الكفالة (١) بها) أي: بالنوائب بالحق (بالاتفاق) بين أصحابنا وغيرهم من الفقهاء. (كالجبايات في زماننا) وهي التي تأخذها الظلمة ظلمًا كالفتحر (٢) وغيره ففيه اختلاف مشايخنا. (علي البزدوي) وهو فخر الإسلام (٣)، لا صدر الإسلام (٤)، فإن صدر الإسلام قال: لا تصح الكفالة (٥)، وبه قالت الأئمة الثلاثة (٦). وقال النسفي، وشمس الأئمة، وقاضي خان مثل قول فخر الإسلام؛ لأنها في حق توجه المطالبة فوق سائر الديون، والعبرة في باب الكفالة للمطالبة؛ لأنها شرعت لالتزامها. ولهذا قلنا: إن من قام بتوزيع هذه النوائب على المسلمين بالقسط يؤجر، وإن كان الآخذ ظالمًا؛ ولهذا قلنا: إن من قضى نائبة غيره بأمره رجع عليه وإن لم يشترط الرجوع، كما لو قضى دين غيره بأمره. قوله: (وأما القسمة) إلى آخره، عن أبي بكر بن سعيد أنه قال: قول صاحب الكتاب: (وقسمته) وقع غلطًا؛ لأن القسمة مصدر، والمصدر فعل حقيقة، والفعل غير مضمون. قال الهندواني: معنى قسمته؛ يعني: إذا طلب أحد الشريكين القسمة من صاحبه، وامتنع الآخر عن ذلك، فضمن إنسان بها؛ لأن القسمة واجبة عليه.

стр. 5096

قِيلَ: هِيَ النَّوَائِبُ بِعَينِهَا، أَوْ حِصَّةٌ مِنهَا وَالرِّوَايَةُ بِـ «أو»، وَقِيلَ: هِيَ النَّائِبَةُ المُوَظَّفَةُ الرَّاتِبَةُ، وَالمُرَادُ بِالنَّوَائِبِ: مَا يَنُوبُهُ غَيْرُ رَاتِبِ … ... … ... … . وقال بعضهم: معناها: إذا اقتسما، ثم يبيع أحد الشريكين قسم صاحبه، فتكون الرواية على هذا (قسمة) بسكون السين، وحذف التأكيد. كذا في الفوائد الظهيرية. قيل في جوابه: القسمة بمعنى النصيب، جاء في القرآن قوله تعالى: ﴿وَنَّبئهُمْ أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ﴾ [القمر: ٢٨]، والمراد النصيب. (هي النوائب بعينها) وقد ذكر في التفسير النوائب بحق وبغير حق (أو حصة منها) أي: من النوائب، يعني إذا قسم الإمام نائبة على المسلمين، فأصاب من تلك القسمة له شيئًا فكفل به - صح بالإجماع. ولكن ينبغي أن يذكر الرواية على هذا التقدير، (وقسمة) بالواو، ليكون عطفًا للخاص على العام، كما في قوله تعالى: ﴿وَمَلَائِكَتِهِ، وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ﴾ [البقرة: ٩٨] دون (أو)، فكان قوله: الرواية (بأو) جواب هذه الشبهة. قال شمس الأئمة: تكلموا في معنى النوائب، قيل: هي أجرة الحارس ونحوه من نوائب المحلة، وهو واجب شرعًا. وقيل: ما يجهز الإمام للجيش إذا لم يكن في بيت المال شيء، وهو واجب على كل مسلم؛ طاعةً للإمام فيما يجب نظرًا للمسلمين (١)، وقيل: هي النائبة الموظفة الراتبة؛ أي: المقاطعات الديوانية في كل شهر أو ثلاثة. كذا في الفوائد الظهيرية. قال المحبوبي في جامعه: من أصحابنا من قال: الأفضل للمرء أن يشارك أهل محلته في إعطاء النائبة. قال شمس الأئمة: هذا كان في ذلك الوقت؛ لأنه إعانة على الطاعة والجهاد، أما في زماننا أكثر النوائب تؤخذ بطريق الظلم، ومن تمكن من دفع الظلم عن نفسه [فذلك خير له، وإن أراد الإعطاء فليُعط من هو عاجز عن دفع

стр. 5097

وَالحُكمُ مَا بَيَّنَّاهُ. (وَمَنْ قَالَ لِآخَرَ: لَكَ عَلَيَّ مِائَةٌ إِلَى شَهرٍ، وَقَالَ المُقَرُّ لَهُ: هِيَ حَالَّةٌ، فَالقَولُ قولُ المُدَّعِي، وَمَنْ قَالَ: ضَمِنْتُ لَك عَنْ فُلان مِائَةً إِلَى شَهرٍ، وَقَالَ المُقَرُّ لَهُ: هِيَ حَالَةٌ، فَالقَولُ قَولُ الضَّامِنِ). وَوَجهُ الفَرقِ: أَنَّ المُقِرَّ أَقَرَّ بِالدِّينِ. ثُمَّ ادَّعَى حَقًّا لِنَفْسِهِ وَهُوَ تَأْخِيرُ المُطَالَبَةِ إِلَى أَجَلٍ، وَفِي الكَفَالَةِ مَا أَقَرَّ بِالدِّينِ، لِأَنَّهُ لَا دَينَ عَلَيْهِ فِي الصَّحِيحِ، وَإِنَّمَا أَقَرَّ بِمُجَرَّدِ المُطَالَبَةِ بَعدَ الشَّهْرِ، وَلِأَنَّ الأَجَلَ الظلم عن نفسه] (١) لفقره؛ حتى يستعين به الفقير على دفع الظلم، وينال المعطي الثواب. قوله: (فالحكم ما بيناه) وهو أن الكفالة فيما إذا كانت بحق بالاتفاق، ولو كانت بغير حق ففي صحة الكفالة اختلاف المشايخ كما ذكرنا. قوله: (فالقول للضامن) (٢) أي في ظاهر الرواية. (أن المقر أقر بالدين) وهو سبب وجوب المطالبة (ثم ادعى لنفسه حقًا) على المقر له (وهو تأخير المطالبة إلى شهر والمقر له ينكر ذلك؛ فالقول للمنكر في الشرع وفي الكفالة ما أقر بالدين) إذ لا دين عليه في الأصح، وإنما أقر بحق المطالبة بعد شهر، والمكفول له يدعي المطالبة لنفسه في الحال، والضامن ينكر ذلك القول، والقول للمنكر. فإن قيل: فعلى هذا التقدير تتعطل الكفالة عن موجبها وهو التزام المطالبة؛ فينبغي ألا يكون القول للضامن. قلنا: لا يتعطل؛ لأن التزام المطالبة إما للحال أو للمستقبل، وقد وجد هاهنا التزام المطالبة في المستقبل، فكانت صحيحة. إليه أشير في الفوائد الظهيرية. قوله: (لا دين عليه) (٣) أي: على الكفيل (في الصحيح)، ولهذا لو أبرأ

стр. 5098

في الدُّيُونِ عَارِضٌ حَتَّى لَا يَثْبُتَ إِلَّا بِشَرط، فَكَانَ القَولُ قَولَ مَنْ أَنْكَرَ الشَّرِطَ كَمَا في الخِيَارِ، أَمَّا الأَجَلُ فِي الكَفَالَةِ فَنَوعٌ مِنهَا حَتَّى يَثْبُتَ مِنْ غَيْرِ شَرط بِأَنْ كَانَ مُؤَجَّلًا عَلَى الأَصِيلِ، وَالشَّافِعِيُّ ﵀ أَلحَقَ الثَّانِيَ بِالأَوَّلِ، وَأَبُو يُوسُفَ ﵀ فِيمَا يُروَى عَنهُ: أَلحَقَ الأَوَّلَ بِالثَّانِي الطالب الكفيل، فرده الكفيل، لا يرتد برده كما بينا، فعلم أن لا دين عليه، ولأن الأصل في الدين أن يجب حالا، والأجل فيه عارض؛ لأنه إن وجب فرضًا أو إتلافًا فظاهر، وإن وجب ثمنًا فكذلك؛ لأنه مقابل بزوال ملك البائع بآخر، أو العاقل على ما عليه ظاهر حاله لا يرضى بزوال ملكه ناجزا لا ببدل ناجز؛ ولهذا لا يثبت الأجل إلا بشرط، فكان القول قول من أنكر العارض، كما إذا ادعى أحد المتعاقدين خيار الشرط وينكر الآخر؛ فالقول لمنكر الشرط؛ أي: مع اليمين والأجل في الكفالة، وليس بعارض حتى يثبت بلا شرط، فإن كفل بدين مؤجل؛ فإن الأجل يثبت (١) في حق الكفيل بلا شرط، فوجب أن يقبل قوله في بيانه. قوله: (والشافعي ألحق الثاني بالأول، وأبو يوسف ألحق الأول بالثاني). هكذا وقع في عامة النسخ، وليس بصحيح؛ بل الصحيح عكسه؛ فإن الشافعي ألحق الأول بالثاني، وأبو يوسف الثاني بالأول؛ وذلك لأن عند الشافعي القول للمقر في الفصلين جميعًا، فكان الإقرار بالدين هو المذكور أولا، ملحقا بالثاني وهو الإقرار بالكفالة، ومذهب أبي يوسف على عكسه. وفي الكافي: ما ذكر في الهداية أن الشافعي ألحق الثاني بالأول مشكل؛ لأن مذهبه على عكسه، فيحتمل أن يكون له قولان، أو لفظ المصنف: والشافعي ألحق الأول بالثاني، وأبو يوسف الثاني بالأول، وهكذا في شرح البزدوي والظهيري، والتغيير وقع من الكاتب. حجة الشافعي أن الدين نوعان: حال ومؤجّل كالكفالة، فكان القول له في بيانه.

стр. 5099

والفَرقُ قَدْ أَوضَحَنَاهُ. قَالَ: (وَمَنِ اشْتَرَى جَارِيَة فَكَفَلَ لَهُ رَجُلٌ بِالدَّرَكِ) فَاسْتَحَقَّت: (لَم يَأْخُذِ الكَفِيلَ حَتَّى يُقضَى لَهُ بِالثَّمَنِ عَلَى البَائِعِ) لِأَنَّ بِمُجَرَّدِ الِاسْتِحْقَاقِ لَا يَنتَقِضُ البَيعُ عَلَى ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ (•) وحجة أبي يوسف في رواية إبراهيم بن يوسف عنه: أنهما تصادقا على وجوب المال، ثم ادعى أحدهما الأصل على صاحبه، فلا يصدق إلا بالحجة كما في الأول؛ ألا ترى أنه لو أقر بالكفالة على أنه بالخيار - جاز إقراره بالكفالة، ودعواه الخيار باطل، وكذا الأجل (١). قوله: (والفرق قد أوضحناه) إشارة إلى قوله: (ووجه الفرق) صالح للجواب عن دليل الشافعي، وعن دليل أبي يوسف. فإن قيل: الأجل صفة للدين، يقال: دين مؤجل ودين حال، كالجودة والرداءة، وفي دعوى الجودة والرداءة القول للمقر بالاتفاق، وفي دعوى الأجل القول للمقر له، فما الفرق بينهما؟ قلنا: قال الإمام المرغيناني والمحبوبي: الأجل للدين وصف لفظا لا معن، بخلاف الجودة والرداءة صفة للمال حقيقة ولفظا، فلما أقر بالمال بوصف لا يجب عليه بوصف آخر في مطلق الإقرار. ثم ذكر التمرتاشي هاهنا مسألة، وهي أن رجلا لو ادعى مالا على رجل، والمال مؤجل، فيخاف إن أقر أخذ به، وإن أنكر يكون كاذبًا؛ فالحيلة له أن يقول للمدعي: هذا المال الذي تدعيه مؤجل أو معجل؟ فإن قال: مؤجل فلا دعوى له في الحال، فإن قال: معجل ينكر وهو صادق. وفي العيون: من عليه دين مؤجل لو حلف: ما له قبلي اليوم شيء - أرجو ألا يكون به بأس إن كان لا يقصد إتواء حقه. قوله: (لأن بمجرد الاستحقاق) أي: القضاء بالاستحقاق، والقضاء بالمبيع للمستحق (لا ينتقض البيع (٢) على ظاهر الرواية) فلا يجب الثمن على البائع، وفي

стр. 5100

مَا لَم يُقضَ لَهُ بِالثَّمَنِ عَلَى البَائِعِ، فَلَم يَجِب لَهُ عَلَى الأَصِيلِ رَدُّ الثَّمَنِ فَلَا يَجِبُ عَلَى الكَفِيلِ، بِخِلَافِ القَضَاءِ بِالحُرِّيَّةِ، لِأَنَّ البَيعَ يَبْطُلُ بِهَا لِعَدَمِ المَحَلِّيَّةِ فَيَرْجِعُ عَلَى البَائِعِ وَالكَفِيلِ. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ: أَنَّهُ يَبْطُلُ البَيعُ بِالاسْتِحْقَاقِ، فَعَلَى قِيَاسِ قَولِهِ: يَرجِعُ بِمُجَرَّدِ الاستحقاقِ، وَمَوضِعُهُ أَوَائِلُ الزِّيَادَاتُ فِي تَرتِيبِ الأَصل. الكفالة بالدرك لا بد من وجود الثمن على البائع، فلا بد من القضاء بالثمن على البائع؛ لاحتمال أن يجيز المستحق البيع فلا يعود الثمن (١) إلى ملك المشتري؛ ولهذا لو كان الثمن عبدًا فأعتقه بائع الجارية بعد استحقاقها نفذ إعتاقه. وكذا لو كان المشتري باعها من غيره، فاستحقت من يد الثاني لم يكن للمشتري الأول أن يرجع على بائعه ما لم يرجع عليه المشتري الثاني؛ كيلا يجتمع البدلان في ملك واحد، ومتى لم يجب الثمن على البائع لا يرجع المشتري على الكفيل. كذا في جامع قاضي خان والمحبوبي. وفي جامع المحيط: قال أبو يوسف (٢): الكفيل بالدرك يأخذه المشتري إذا قضي عليه بالاستحقاق، وإن كان البائع غائبًا فينفسخ البيع بهذه الرواية بمجرد الاستحقاق، وهو وراية عن أبي حنيفة، وبه قال الأئمة الثلاثة (٣)، فعلى هذا: للمشتري أن يأخذ الكفيل بالثمن إذا قضي عليه بالاستحقاق. قوله: (بخلاف القضاء بالحرية) [ووجه الورود أن بمجرد القضاء بالحرية] (٤) يثبت للمشتري حق الرجوع، ولم يثبت في فصل الاستحقاق (لأن البيع يبطل بها) أي: بالحرية (لعدم المحلية). قوله: (في ترتيب) (٥) وهو ترتيب محمد، حيث ابتدأ كتاب الزيادات بكتاب المأذون، ثم رتبها الزعفراني على هذا الترتيب الذي عليه الآن.

стр. 5101

(وَمَنِ اشْتَرَى عَبْدًا فَضَمِنَ لَهُ رَجُلٌ بِالعُهْدَةِ فَالضَّمَانُ بَاطِلٌ) لِأَنَّ هَذِهِ اللَّفظَةَ مُشتَبِهَةٌ قَدْ تَقَعُ عَلَى الصَّلِّ القَدِيمِ، وَهُوَ مِلكُ البَائِعِ، فَلَا يَصِحُّ ضَمَانُهُ، وَقَدْ تَقَعُ عَلَى العَقدِ وَعَلَى حُقُوقِهِ وَعَلَى الدَّرَكِ وَعَلَى الخِيَارِ، وَلِكُلِّ ذَلِكَ وَجهُ فَتَعَذَّرَ العَمَلُ بِهَا، بِخِلَافِ الدَّرَكِ، لِأَنَّهُ اسْتُعْمِلَ فِي ضَمَانِ الاستحقاقِ عُرفًا، وَلَو ضَمِنَ قوله: (فضمن له رجل بالعهدة، فالضمان باطل) اعلم أن هاهنا ثلاث مسائل: ضمان العهدة، وضمان الدرك، وضمان الخلاص، فضمان الدرك جائز باتفاق (١) أصحابنا، وضمان العهدة باطل (٢) عندهم بالاتفاق، وضمان الخلاص؛ فعند أبي يوسف ومحمد جائز (٣)، وعند أبي حنيفة باطل (٤). وفي الفوائد الظهيرية: وأما ضمان العهدة فقد ذكر هاهنا؛ أي: في الجامع الصغير، أنه باطل، ولم يَحْكِ خلافًا، وذكر بعض مشايخنا أن عند أبي حنيفة ضمان العهدة ضمان الدرك. وذكر الصدر الشهيد في أدب القاضي للخصاف أن تفسير الخلاص والدرك والعهدة واحد عند أبي حنيفة ومحمد، وهو الرجوع بالثمن على البائع عند الاستحقاق، وبه قالت الأئمة الثلاثة (٥)، وعند أبي حنيفة شرط العهدة باطل، وتفسيره عنده الصك الأصلي الذي كان عند البائع يشترط المشتري أن يسلمه إليه، وهذا شرط لا يقتضيه العقد، ولأحد العاقدين فيه منفعة فكان باطلا، والضمان به باطل أيضًا؛ لأنه التزام شيء لا يقدر عليه. (وهذه اللفظة) أي: لفظة العهدة (مشتبهة) كما ذكره في الكتاب، يعني يطلق على العقد؛ لأن العهدة أخذت من العهد والعهد والعقد سواء، فكانت العهدة من العهد بمنزلة العقدة من العقد، ويطلق على الصك القديم؛ لأنه وثيقة بمنزلة كتاب العهد، ويطلق على الحقوق التي ترجع إلى العقد؛ لأنها من ثمرات

стр. 5102

الخَلَاصَ لَا يَصِحُّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀، لِأَنَّهُ عِبَارَةٌ عَنْ تَحْلِيصِ الْمَبِيعِ وَتَسْلِيمِهِ لَا مَحَالَةَ وَهُوَ غَيْرُ قَادِر عَلَيْهِ، وَعِندَهُمَا: هُوَ بِمَنزِلَةِ الدَّرَكِ وَهُوَ تَسْلِيمُ البَيعِ أَوْ قِيمَتِهِ فَصَحَّ. العقد، ويُطلق على خيار الشرط، كما جاء في الحديث: «عُهْدَةُ الرّقيق ثلاثة أيّام» (١)؛ أي: خيار الشرط، وإذا كان كذلك بطل العمل بها قبل البيان، وهما يقولان: يجب صرفها إلى ما يصح به الضمان، وهو الدرك؛ تصحيحا للضمان بقدر الإمكان، وأبو حنيفة يقول: فراغ الذمة أصل، فلا يثبت الشغل بالشك والاحتمال. وقال ابن قدامة في المغني: العُهدة عبارة عن الدرك، وضمان الثمن في العُرف، فيحمل المطلق عليه (٢). وقلنا: العُرف غير مسلم؛ لما ذكرنا، ولئن سلم فيحمل عليه إذا لم يعارض أصلا آخر، وهو الأصل في الذمم البراءة. وضمان الخلاص لا يصح عند أبي حنيفة (٣)، وبه قال أحمد في رواية (٤)، واختاره القاضي الحنبلي. (لأنه عبارة) أي: ضمان الخلاص (عن تخليص المبيع) وهو غير قادر عليه؛ لأن المبيع إذا خرج حرًا أو مستحقا كيف يخلصه؟ وعندهما تفسيره ضمان تسليم المبيع إن قدر عليه، وتسليم الثمن إن عجز عنه. كذا في جامع المحبوبي وقاضي خان وشمس الأئمة. وقال شمس الأئمة: شرط الخلاص تفسيره: أن يشترط على البائع أن

стр. 5103

بَابُ كَفَالَةِ الرَّجُلَينِ (وَإِذَا كَانَ الدَّينُ عَلَى اثْنَيْنِ، وَكُلُّ وَاحِد مِنهُمَا كَفِيلٌ عَنْ صَاحِبِهِ، كَمَا إِذَا اشْتَرَيَا عَبْدًا بِأَلْفِ درهم، وَكَفَلَ كُلُّ وَاحِد مِنهُمَا عَنْ صَاحِبِهِ، فَمَا أَدَّى أَحَدُهُمَا لَم يَرجِع عَلَى شَرِيكِهِ حَتَّى يَزِيدَ مَا يُؤَدِّيهِ عَلَى النِّصْفِ، فَيَرجِعَ بِالزِّيَادَةِ)؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِد مِنْهُمَا فِي النّصفِ أَصِيلٌ وَفِي النّصفِ الْآخَرِ كَفِيلٌ، وَلَا مُعَارَضَةً بَينَ مَا عَلَيْهِ بِحَقِّ الأَصَالَةِ وَبِحَقِّ الكَفَالَةِ، لِأَنَّ الأَوَّلَ دَيْنٌ، وَالثَّانِيَ: مُطَالَبَةٌ، ثُمَّ هُوَ تَابِعُ لِلأَوَّلِ فَيَقَعُ المبيع إن استحق من يده يخلصه ويسلمه بأي طريق يقدر عليه، وهذا باطل؛ لأنه شرط لا يقدر على الوفاء به؛ إذ المستحق ربما لا يساعده عليه؛ ولهذا ذكر أبو زيد في شروطه أن أبا حنيفة وأبا يوسف كانا يكتبان في الشرط: فما أدرك فلان بن فلان؛ فعلى فلان خلاصه أو رد الثمن، وإن لم يذكر رد الثمن يفسد البيع؛ لأنه ينفي الضمان بتخليص المبيع، وأنه باطل، وعلم من هذا أن الخلاف فيما إذا ذكر ضمان الخلاص مطلقا، أما إذا ذكر خلاص المبيع، أو رد الثمن، أو أراد ذلك يجوز بالإجماع. بَابُ كَفَالَةِ الرَّجُلَيْنِ لما ذكر كفالة الواحد أعقبه بكفالة الاثنين؛ إذ الاثنين بعد الواحد وجودًا، وكذا ذكرا. قوله: (كما [إذا] (١) اشتريا) إلى آخره، يعني لرجل عليهما ألف من ثمن متاع أو قرض أو غيرهما. قوله: (لأن الأول) هذا دليل قوة الدين وضعف المطالبة (ثم هو) أي: الثاني، وهو المطالبة بالدين بالكفالة (تابع) للدين. وفي المحيط: الدين أقوى من المطالبة؛ ألا ترى أن الطالب يملك إخراجه عن المطالبة، ولا يملك في حق ما لزم الأصيل، فلما لم يستويا في القوة لم تثبت المعارضة؛ إذ من شرطها المساواة بينهما في القوة، فلما لم

стр. 5104

عَنِ الأَوَّلِ، وَفِي الزِّيَادَةِ لَا مُعَارَضَةً فَيَقَعُ عَنْ الكَفَالَةِ، وَلِأَنَّهُ لَو وَقَعَ فِي النِّصْفِ عَنْ صَاحِبِهِ فَيَرْجِعُ عَلَيْهِ فَلِصَاحِبِهِ أَنْ يَرجِعَ، لِأَنَّ أَدَاءَ نَائِبِهِ كَأَدَائِهِ فَيُؤَدِّي إِلَى الدَّورِ (وَإِذَا كَفَلَ رَجُلَانِ عَنْ رَجُل بِمَال عَلَى أَنَّ كُلَّ وَاحِد مِنْهُمَا كَفِيلٌ عَنْ صَاحِبِهِ، فَكُلُّ شَيْء أَدَّاهُ أَحَدُهُمَا رَجَعَ عَلَى شَرِيكِهِ بِنِصْفِهِ قَلِيلًا كَانَ أَوْ كَثِيرًا) وَمَعْنَى المَسأَلَةِ فِي الصَّحِيحِ: أَنْ تَكُونَ الكَفَالَةُ بِالكُلِّ عَنْ الأَصِيلِ وَبِالكُلِّ عَنِ الشَّرِيكِ، وَالمُطَالَبَةُ يستويا في السبب لم يستويا في الحكم؛ بل يثبت حكم ما هو أقوى، وهو الأداء، من الدين (١). وفي المغني لابن قدامة الحنبلي (٢): ويتعين القضاء بلفظه أو نيته، ولو أطلق احتمل صرفها إلى ما شاء، كمن أخرج زكاة وله نصابان، وهذا على أصل الأئمة الثلاثة أن الدين يثبت في ذمة الضامن كثبوته في ذمة الأصيل. وقلنا: التعيين في الجنس الواحد لغو، وهذا دين واحد، حتى لو كان نصف الدين بقرض، ونصفه الآخر ببيع وعين - صح، وفي الجنسين يعتبر تعيينه؛ لأنه حينئذ مفيد. قوله: (فيؤدي إلى الدور) لأنه لو وقع النصف عن صاحبه يقول للمؤدي: أنت أديته عني بأمري، فيكون ذلك كأدائي، ولو أديت بنفسي كان لي أن أجعل المؤدي عنك، ثم إن رجعت عليَّ وأنا كفيل عنك، وأنا أجعله عنك وأرجع عليك؛ لأن ذلك الذي أديته هو أدائي في التقدير، وفي حقيقة أدائي لرجعت عليك، ففي التقدير أيضًا أرجع، وذلك الشريك الآخر يقول أيضًا كذلك؛ فلذلك لم يكن في الرجوع فائدة، فجعلنا المؤدي عن نصيبه خاصة؛ حتى ينقطع الدور. بخلاف الزيادة على النصف، فإنه لو رجع على شريكه بذلك لا يكون لشريكه أن يرجع عليه؛ إذ ليس على شريكه بحكم الأصالة إلا النصف فيفيد الرجوع إلى هذا أشير في شروح الجامع الصغير، فكل أمر آل عاقبته إلى الدور لا يؤخذ هو في نفسه أصلا. قوله: (ومعنى المسألة في الصحيح أن تكون) إلى آخره، إنما قال: في الصحيح؛ لأنه لو جعل كل واحد منهما كفيلا بالنصف لما صح التفريع الذي

стр. 5105

مُتَعَدِّدَةٌ فَتَجْتَمِعُ الكَفَالَتَانِ عَلَى مَا مَرَّ، وَمُوجِبُهَا: التِزَامُ المُطَالَبَةِ فَتَصِحُ الكَفَالَةُ عَنْ الكَفِيلِ كَمَا تَصِحُ الكَفَالَةُ عَنْ الأَصِيلِ وَكَمَا تَصِحُ الحَوَالَةُ مِنْ المُحتَالِ عَلَيْهِ. وَإِذَا عُرِفَ هَذَا، فَمَا أَذَاهُ أَحَدُهُمَا وَقَعَ شَائِعًا عَنْهُمَا، إِذْ الكُلُّ كَفَالَةٌ فَلَا تَرْجِيحَ لِلْبَعْضِ عَلَى البَعْضِ بِخِلَافِ مَا تَقَدَّمَ، فَيَرْجِعُ عَلَى شَرِيكِهِ بِنِصْفِهِ وَلَا يُؤَدِّي إِلَى الدَّوْرِ، لِأَنَّ قَضِيَّتَهُ الِاسْتِوَاءُ، وَقَدْ حَصَلَ بِرُجُوعِ أَحَدِهِمَا بِنِصْفِ مَا أَدَّى، فَلَا يَنْتَقِضُ بِرُجُوعِ الآخَرِ عَلَيْهِ، بِخِلَافِ مَا تَقَدَّمَ، ثُمَّ يَرْجِعَانِ عَلَى الأَصِيلِ، لِأَنَّهُمَا أَدَّيَا يأتي، والمطالبة متعددة؛ لأن كل واحد منهما مطالب بالكل من جهة الأصيل، ومطالب بالكفالة من جهة الكفيل، فتجتمع الكفالتان، فتعددت المطالبتان لتعدد الكفالتين. قوله: (كما تصح الحوالة) أي: حوالة المحتال عليه بما التزم على آخر - يصح؛ فكذلك في الكفالة، والجامع بينهما التزام ما وجب على الأصيل من غير تعرض لنقل الدين وعدمه. قوله: (لا) ترجيح للبعض على البعض لأن الكل كفالة، فيقع شائعًا (بخلاف ما تقدم) أي: في المسألة الأولى الترجيح موجود، وهو أنه أصيل في النصف. وحاصل الفرق بينهما؛ أي: أن ما أدى أحد الكفيلين يقع شائعًا في الثانية، ووقع من الدين لا من الكفالة، وفي المسألة الأولى ما لم يزد المؤدي لا يقع عن الكفالة. قوله: (لأن قضيته) أي: قضية عقد الكفالة (الاستواء) لاستوائهما في العلة، وهي ضمان الكفالة، فلما كان كذلك كان لمن أدى ولاية الرجوع على صاحبه بنصف ما أدى؛ لأنه مستو لصاحبه في الالتزام بجهة توجب أن يستويا في الغرم بسببه. بخلاف الشراء فإن هناك كل واحدٍ منهما لم يلتزم جميع المال بحكم الكفالة؛ بل التزم نصف المال لشرائه بنفسه، ونصفه بكفالته عن شريكه، وجعل المؤدى من الكفالة يؤدي إلى الدور فلا يجعل كذا في جامع المحبوبي. (وقد حصل) أي: وقد حصل الاستواء (برجوع أحدهما بنصف ما أدى فلا ينتقض) الاستواء بعد ذلك بالرجوع.

стр. 5106

عَنْهُ أَحَدُهُمَا بِنَفْسِهِ وَالآخَرُ بِنَائِبِهِ (وَإِنْ شَاءَ رَجَعَ بِالجَمِيعِ عَلَى المَكْفُولِ عَنْهُ) لِأَنَّهُ كَفَلَ بِجَمِيعِ المَالِ عَنْهُ بِأَمْرِهِ. قَالَ: (وَإِذَا أَبْرَأَ رَبُّ المَالِ أَحَدَهُمَا، أَخَذَ الْآخَرَ بِالجَمِيعِ) لِأَنَّ إِبْرَاءَ الكَفِيلِ لَا يُوجِبُ بَرَاءَةَ الأَصِيلِ، فَبَقِيَ المَالُ كُلُّهُ عَلَى الأَصِيلِ وَالْآخَرُ كَفِيلٌ عَنْهُ بِكُلِّهِ عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ، وَلِهَذَا يَأْخُذُهُ بِهِ. قَالَ: (وَإِذَا افْتَرَقَ المُتَفَاوِضَانِ، فَلِأَصْحَابِ الدُّيُونِ أَنْ يَأْخُذُوا أَيَّهِمَا شَاؤُوا بِجَمِيعِ الدَّيْنِ) لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا كَفِيلٌ عَنْ صَاحِبِهِ عَلَى مَا عُرِفَ فِي الشَّرِكَةِ (وَلَا يَرْجِعُ أَحَدُهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ حَتَّى يُؤَدِّيَ أَكْثَرَ مِنْ النِّصْفِ) لِمَا مَرَّ مِنْ الوَجْهَيْنِ فِي كَفَالَةِ الرَّجُلَيْنِ. قَالَ: (وَإِذَا كُوتِبَ العَبْدَانِ كِتَابَةً وَاحِدَةً وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا كَفِيلٌ عَنْ صَاحِبِهِ قوله: (كتابة واحدة)، وفي الفوائد الظهيرية: كاتبهما كتابة واحدة، وقيد بالكتابة الواحدة؛ لأنه لو كان كل واحد مكاتبًا بكتابة على حدة، فكفل كل منهما عن صاحبه ببدل الكتابة - لا يصح قياسًا واستحسانًا؛ إذ الكفالة ببدل الكتابة لا تصح بإجماع الأئمة الأربعة (١). أما لو كانت الكتابة واحدة تصح استحسانًا عندنا (٢)، ولا تصح قياسًا، وبه قالت الأئمة الثلاثة (٣)، كما إذا كانت الكتابة على حدة منفردة، ولأنه شرط فيه كفالة المكاتب، والكفالة ببدل الكتابة، وكل ذلك باطل، فكانت الكتابة فاسدة؛ إذ الكتابة تفسد بالشروط الفاسدة. ووجه الاستحسان أن هذا عقد يحتمل الصحة فتحمل عليهما مهما أمكن، وذلك بأن يجعل على أحدهما وعتق الآخر معلقًا بأدائه، كما في الولد المولود في الكتابة، بخلاف ما إذا اختلفت كتابتهما؛ للعتق كل واحد تعلقت بمال على حدة، فيتعذر تصحيحه، وإذا أمكن تصحيحه كما قلنا يجعل كل واحد منهما في

стр. 5107

فَكُلُّ شَيْءٍ أَذَاهُ أَحَدُهُمَا رَجَعَ عَلَى صَاحِبِهِ بِنِصْفِهِ) وَوَجْهُهُ: أَنَّ هَذَا العَقْدَ جَائِزٌ اسْتِحْسَانًا، وَطَرِيقُهُ: أَنْ يُجْعَلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَصِيلًا فِي حَقِّ وُجُوبِ الأَلْفِ عَلَيْهِ، فَيَكُونُ عِتْقُهُمَا مُعَلَّقًا بِأَدَائِهِ، وَيُجْعَلَ كَفِيلًا بِالأَلْفِ فِي حَقِّ صَاحِبِهِ، وَسَنَذْكُرُهُ فِي المُكَاتَبِ إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى، وَإِذَا عُرِفَ ذَلِكَ: فَمَا أَدَّاهُ أَحَدُهُمَا رَجَعَ بِنِصْفِهِ عَلَى صَاحِبِهِ لِاسْتِوَائِهِمَا، وَلَوْ رَجَعَ بِالكُلِّ لَا تَتَحَقَّقُ المُسَاوَاةُ. قَالَ: (وَلَوْ لَمْ يُؤَدِّيَا شَيْئًا حَتَّى أَعْتَقَ المَوْلَى أَحَدَهُمَا جَازَ العِتْقُ) لِمُصَادَفَتِهِ مِلْكَهُ وَبَرِئَ عَنْ النِّصْفِ، لِأَنَّهُ مَا رَضِيَ بِالتِزَامِ المَالِ إِلَّا لِيَكُونَ المَالُ وَسِيلَةٌ إِلَى العِتْقِ، وَمَا بَقِيَ وَسِيلَةٌ فَيَسْقُطُ وَيَبْقَى النِّصْفُ عَلَى الآخَرِ؛ لِأَنَّ المَالَ فِي الحَقِيقَةِ مُقَابَلٌ بِرَقَبَتِهِمَا. وَإِنَّمَا جُعِلَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا احْتِيَالًا لِتَصْحِيحِ الضَّمَانِ، وَإِذَا حق المولى كأن المال كله عليه وعتق الآخر معلق بأدائه، فيُطالب كل واحد منهما بجميع المال بحكم الأصالة لا بحكم الكفالة، وفي الحقيقة المال مقابل بهما حتى يكون موزعًا منقسمًا عيلهما، ولكنا قدرنا المال على كل واحد منهما؛ تصحيحا للكفالة، وفيما وراء ذلك: العبرة للحقيقة، فإن أدى أحدهما شيئًا يرجع على صاحبه بنصف ما أدى. فإن قيل: كيف يرجع على صاحبه وقد قلتم: إن المال مقابل بهما حقيقة، فيجب أن يكون الرجوع ما لم يزد المؤدى على النصف، وإلا يلزم الدور كما في مسألة أول الباب؟ قلنا: إنما يرجع بنصف ما أدى؛ تحرزًا عن تفريق الصفقة على المولى؛ لأن المؤدى لو وقع عن المؤدي على الخصوص يبرأ بأدائه عن نصيبه فيعتق؛ لأن المكاتب إذا أبرئ مما عليه من البدل يُعتق، والمولى شرط عليهما أن يؤديا جميعًا ويعتقا جميعًا، فأوقعنا المؤدى عنهما تحرزا عن هذا. ونظيره كاتب نصراني عبدين نصرانيين على خمر كتابة واحدة، فأسلم أحدهما فانقلب ما عليهما قيمة؛ لأنه لو انقلب على المسلم خاصة دون الآخر يتميز نصيبه عن نصيب صاحبه، فيُعتق بأداء ما عليه، فيؤدي إلى تفريق الصفقة. قوله: (لأن المال في الحقيقة مقابل برقبتهما) وإنما جعلناه على كل واحدٍ

стр. 5108

جَاءَ العِتْقُ اسْتَغْنَى عَنْهُ فَاعْتُبِرَ مُقَابَلًا بِرَقَبَتِهِمَا فَلِهَذَا يَتَنَصَّفُ، وَلِلْمَوْلَى أَنْ يَأْخُذَ بِحِيَّةِ الَّذِي لَمْ يُعْتِقْ أَيَّهِمَا شَاءَ المُعْتَقَ بِالكَفَالَةِ وَصَاحِبَهُ بِالأَصَالَةِ، وَإِنْ أَخَذَ الَّذِي أَعْتَقَ رَجَعَ عَلَى صَاحِبِهِ بِمَا يُؤَدِّي لِأَنَّهُ مُؤَدِّ عَنْهُ بِأَمْرِهِ، وَإِنْ أَخَذَ الْآخَرُ لَمْ يَرْجِعْ عَلَى المُعْتَقِ بِشَيْءٍ، لِأَنَّهُ أَدَّى عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. بَابُ كَفَالَةِ العَبْدِ وَعَنْهُ ضرورة تصحيح الكفالة، فيتقدر بتقدره، وفيما وراءه: العبرة للحقيقة، ولأن بالعتق استغنى عنه فقوبل برقبتهما، ولأنا جعلنا المال على أحدهما، وعلقنا عتق الآخر بأدائه، فإن كان المال على الذي أعتقه يسقط كله بعتقه، وإن كان على الآخر لا يسقط منه شيء، وكل واحد منهما متردد بين أن يكون أصيلا وبين أن يكون تبعًا، فيسقط نصفه وتبقى حصة الآخر. قوله: (المعتق بالكفالة) فإن قيل: الكفالة ببدل الكتابة لا تصح، فكيف يكون المعتق كفيلا به، وقد جعلتم المال على كل واحد منهما، وعتق الآخر معلقا بأدائه؟ قلنا: الكفالة ببدل الكتابة ابتداءً لا تجوز؛ ولهذا جعلنا البدل على كل واحد منهما تصحيحًا للكتابة على ذلك الوجه بقدر الإمكان، أما بعد عتق أحدهما صار كفيلا عن غير المعتق ببدل الكتابة بقاء، فيجوز ذلك بقاء وإن لم يجز ابتداء، كما في موت الشهود في النكاح، كذا قيل، وفيه تأمل. وقال الإمام قاضي خان والمرغيناني والمحبوبي وغيرهم: البقاء يكون على وفق الثبوت، وفي حالة الثبوت كان مطالبا بجميع الألف، والباقي بعض ذلك الألف، فيبقى على تلك الصفة. باب كفالة (١) العبد وعنه أخر هذا الباب لأن الحرَّ مقدَّم على العبد لشرفه، ولأن الأصل في بني آدم الحرية، والرق بعارض الكفر.

стр. 5109

(وَمَنْ ضَمِنَ عَنْ عَبْدِ مَالًا لَا يَجِبُ عَلَيْهِ حَتَّى يَعْتِقَ وَلَمْ يُسَمٌ حَالًّا وَلَا غَيْرَهُ، فَهُوَ حَالٌ) لِأَنَّ المَالَ حَالٌ عَلَيْهِ لِوُجُودِ السَّبَبِ وَقَبُولِ الذِّمَّةِ، إِلَّا أَنَّهُ لَا يُطَالَبُ قوله: (لا يجب عليه) هذه الجملة صفة لـ (مالا) لا جواب المسألة؛ إذ هي جملة فعلية وقعت صفة النكرة وهي (مالا). وجواب المسألة قوله: (فهو حال) فقد ذكر الإمام قاضي خان صورة المسألة: ما إذا أقر العبد بالاستهلاك، قال: وكذبه المولى، أو أقرضه إنسانًا، أو باعه وهو محجورٌ، أو وطئ امرأة بشبهة بغير إذن المولى، أو أودعه إنسانًا فاستهلك الوديعة. وفي الفوائد الظهيرية: لفظ محمد في الكتاب: إذا استهلك مالا لا يؤاخذ به حتى يعتق. اختلف المشايخ في مراده. قيل: مراده أقر بالاستهلاك وكذبه المولى، وقيل: مراده أراد العبد المحجور إذا استهلك مالا أودع عنده؛ فإنه لا يؤاخذ به إلا بعد العتق عند أبي حنيفة ومحمد (١). قال المحبوبي: مراده أقر بالاستهلاك، [لأنه لو استهلك عيانا يؤخذ في الحال من كسبه إن كان، وإن لم يكن تباع رقبته بدين الاستهلاك] (٢) إلا أن يقضيه المولى. أما الكفالة صحيحة في جميع هذه الوجوه؛ لأنه كفل بمال مضمون على الأصيل، وهو مقدور التسليم للكفيل، فتصح الكفالة كما في سائر الديون، ويؤخذ الكفيل به في الحال، وإن كان في حق الأصيل متأخرًا لعسرته، إذ العبد لا يملك شيئًا، ولا عسرة في حق الكفيل، كمفلس فلسه القاضي؛ فإنه لا يؤاخذ به قبل الميسرة ويؤاخذ به كفيله، وكما لو كفل بدين عن غائب فإن الكفيل يؤخَذُ به في الحال إن عجز الطالب عن مطالبة الأصيل، بخلاف الدين المؤجل حيث يؤخذ الكفيل بعد الأجل؛ لأن الدين كان مؤجّلًا على الأصيل بالتأجيل، والكفيل متحمل ما عليه فيلزمه بصفته.

стр. 5110

لِعُسْرَتِهِ، إِذْ جَمِيعُ مَا فِي يَدِهِ مِلْكُ المَوْلَى وَلَمْ يَرْضَ بِتَعَلُّقِهِ بِهِ وَالكَفِيلُ غَيْرُ مُعْسِرٍ، فَصَارَ كَمَا إِذَا كَفَلَ عَنْ غَائِبِ أَوْ مُفْلِسٍ، بِخِلَافِ الدَّيْنِ المُؤَجَّلِ لِأَنَّهُ مُتَأَخِّرُ بِمُؤَخَّرٍ، ثُمَّ إِذَا أَدَّى رَجَعَ عَلَى العَبْدِ بَعْدَ العِتْقِ، لِأَنَّ الطَّالِبَ لَا يَرْجِعُ عَلَيْهِ إِلَّا بَعْدَ العِتْقِ، فَكَذَا الكَفِيلُ لِقِيَامِهِ مَقَامِهِ. (وَمَنْ ادَّعَى عَلَى عَبْدٍ مَالًا وَكَفَلَ لَهُ رَجُلٌ بِنَفْسِهِ فَمَاتَ العَبْدُ بَرِئَ الكَفِيلُ) لِبَرَاءَةِ الأَصِيلِ، كَمَا إِذَا كَانَ المَكْفُولُ عَنْهُ بِنَفْسِهِ حُيًّا. قَالَ: (فَإِنْ ادَّعَى رَقَبَةَ العَبْدِ، فَكَفَلَ بِهِ رَجُلٌ، فَمَاتَ العَبْدُ، فَأَقَامَ المُدَّعِي البَيِّنَةَ أَنَّهُ كَانَ لَهُ: ضَمِنَ الكَفِيلُ قِيمَتَهُ) لِأَنَّ عَلَى المَوْلَى رَدَّهَا عَلَى وَجْهِ يَخْلُفُهَا قِيمَتُهَا، قوله: (برئ الكفيل) وهذا الحكم لا يختلف بين ما إذا كان المكفول بنفسه يوجب براءة الكفيل، إلا أنه ذكر العبد هاهنا؛ لينهي المسألة الثانية فيفرق بينهما. قوله: (فإن ادعى رقبة العبد) أي: على ذي اليد رقبة العبد، وبه صرح في الفوائد الظهيرية (فكفل به) أي: بالعبد نفسه (فمات (١) العبد، فأقام المدعي البينة)، وقيد إثبات ملكه بالبينة؛ لأنه لو ثبت ملك المدعى عليه بإقرار ذي اليد، أو بنكوله عند التحليف، وقد مات العبد في يد ذي اليد قُضي بقيمة العبد على المدعى عليه، ولا يلزم على الكفيل شيء، ولأن إقراره غير حجة على الكفيل إلا إذا اقر الكفيل بما أقر به الأصيل (٢). وقال التمرتاشي: لا يصدق ذو اليد في موت العبد، ويحبس هو والكفيل، فإن طال الحبس ضمنا القيمة، وكذا الوديعة المجحودة. قوله: (لأن على المولى ردها) أي: على ذي اليد رد نفس العبد على نفس (يخلفها) أي: يخلف نفس العبد (قيمتها) أي: قيمة نفس العبد؛ لأنه ثبت بالبينة أن العبد كان مغصوبا، والكفالة بالعين المغصوبة توجب رد القيمة عند تعذر رد العين، فتحولت المطالبة عن عين العبد إلى قيمته في حق الأصيل، فكذا في حق الكفيل.

стр. 5111

وَقَدْ التَزَمَ الكَفِيلُ ذَلِكَ وَبَعْدَ المَوْتِ تَبْقَى القِيمَةُ وَاجِبَةٌ عَلَى الأَصِيلِ، فَكَذَا عَلَى الكَفِيلِ، بِخِلَافِ الأَوَّلِ. قَالَ: (وَإِذَا كَفَلَ العَبْدُ عَنْ مَوْلَاهُ بِأَمْرِهِ فَعَتَقَ فَأَذَاهُ أَوْ كَانَ المَوْلَى كَفَلَ عَنْهُ فَأَدَّاهُ بَعْدَ العِتْقِ، لَمْ يَرْجِعْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ) وَقَالَ زُفَرُ: يَرْجِعُ، وَمَعْنَى الوَجْهِ الأَوَّلِ: أَنْ لَا يَكُونَ عَلَى العَبْدِ دَيْنٌ حَتَّى تَصِحٌ كَفَالَتُهُ بِالمَالِ عَنْ الْمَوْلَى إِذَا كَانَ بِأَمْرِهِ، أَمَّا كَفَالَتُهُ عَنْ العَبْدِ فَتَصِحُ عَلَى كُلِّ حَالٍ (بخلاف الأول) أي: المسألة الأولى؛ لأن محل ما التزمه فات، وهو العبد، فسقط عن العبد تسليم نفسه، فكذا عن كفيله. قوله: (عن مولاه بأمره) قيد بالأمر؛ إذ كفالة العبد بغير أمر سيده لا تجوز بإجماع (١) الفقهاء إلا عند الشافعي في وجه (٢)، وبإذن سيده تجوز، إلا في المأذون المستغرق بالدين، فإن عندنا (٣) ومالك (٤) لا تجوز كفالته. قوله: (الوجه الأول أن له يكون على العبد دين) هكذا في بعض النسخ، وليس بصحيح؛ فإنه ذكر في المبسوط (٥) في الموضعين في هذه المسألة: (ألا يكون على العبد دين) وهكذا كان مصححا بخط الثقات، وهو الأصح؛ لأنه لو كان على العبد دين مستغرق لم تصح كفالته لحق الغرماء وإن كان بإذن السيد، أما كفالة المولى عن العبد تصح (٦) على كل حال، سواء كانت الكفالة بالنفس أو المال، أو على العبد دين أو لا. فإن قيل: دين العبد مستحق القضاء من ماليته، وهي ملك مولاه، فأي فائدة في هذه الكفالة؟ قلنا: الفائدة شغل ذمة المولى بالمطالبة أو بأصل الدين، واستحقاق قضائه من سائر أمواله.

стр. 5112

لَهُ: أَنَّهُ تَحَقَّقَ المُوجِبُ لِلرُّجُوعِ وَهُوَ الكَفَالَةُ بِأَمْرِهِ وَالمَانِعُ وَهُوَ الرِّقُ قَدْ زَالَ. وَلَنَا: أَنَّهَا وَقَعَتْ غَيْرَ مُوجِبَةٍ لِلرُّجُوعِ، لِأَنَّ المَوْلَى لَا يَسْتَوْجِبُ عَلَى عَبْدِهِ دَيْنًا، وَكَذَا العَبْدُ عَلَى مَوْلَاهُ، فَلَا تَنْقَلِبُ مُوجِبَةٌ أَبَدًا كَمَنْ كَفَلَ عَنْ غَيْرِهِ بِغَيْرِ أَمْرِهِ فَأَجَازَهُ. (وَلَا تَجُوزُ الكَفَالَةُ بِمَالِ الكِتَابَةِ، حُرٌّ تَكَفَّلَ بِهِ أَوْ عَبْدٌ) (له) أي: لزفر (١)، وبقوله قال الشافعي في وجه، وفي وجه كقولنا. (ولنا: أنها) أي: الكفالة (وقعت غير موجبة للرجوع). في الفوائد الظهيرية: أن الكفالة وقعت لازمة زمان وجودها، وما وقع لازما لا يكون لبقائه حكم الابتداء، أو هذه كفالة غير موجبة زمان وقوعها لعقد المحلية؛ إذ المولى والعبد كل واحدٍ لا يستوجب على صاحبه دينا، فلو ثبت الاستيجاب إنما يثبت حالة البقاء، ولا سبيل إليه اعتبارًا بما لو كفل عن إنسان دينه بغير أمره حتى وقعت لازمة، ثم بلغه الخبر فأجاز الكفالة لم يكن له أن يرجع على الأصيل، ومع هذا لم ينعقد موجبه، ولا يرجع فيما نحن فيه؛ لفقد محلية الاستيجاب زمان وقوعها أيضًا، أولى ألا يرجع. فإن قيل: لو أعتق الراهن المرهون وهو معسر يسعى العبد ويرجع بذلك على المولى، مع أن العبد لا يستوجب على مولاه دينا هناك. قلنا: في مسألة الرهن استيجاب الدين على مولاه بعد العتق، فلم يكن فيه تناف زمان استيجاب الدين، فجاز أن يرجع على المولى، أما فيما نحن فيه زمان وجود الكفالة وبين سبب الاستيجاب هو عبد فيكون تناف. كذا ذكره الإمام قاضي خان. قوله: (ولا تجوز الكفالة بمال الكتابة) إلى آخره، وبه قال أكثر أهل العلم (٢)، وعن أحمد في رواية: يصح (٣)؛ لأنه دين كسائر الديون، والأصح عنده أيضًا أن الكفالة به لا تجوز (٤).

стр. 5113

لِأَنَّهُ دَيْنٌ ثَبَتَ مَعَ المُنَافِي فَلَا يَظْهَرُ فِي حَقِّ صِحَّةِ الكَفَالَةِ، وَلِأَنَّهُ لَوْ عَجَّزَ نَفْسَهُ سَقَطَ، وَلَا يُمْكِنُ إِثْبَاتُهُ عَلَى هَذَا الوَجْهِ فِي ذِمَّةِ الكَفِيلِ، وَإِثْبَاتُهُ مُطْلَقًا يُنَافِي مَعْنَى الضَّمِّ، لِأَنَّ مِنْ شَرْطِهِ الاتِّحَادُ، … . وفي النهاية: التخصيص بمال الكتابة غير مقيد، فإنه كما لا تجوز الكفالة بمال الكتابة عن المكاتب للمولى لا يجوز بدين آخر للمولى سوى بدل الكتابة على المكاتب، ذكره في المبسوط (١)؛ لأن المكاتب إذا عجز نفسه يسقط عنه بدل الكتابة، وتسقط عنه أيضًا سائر ديون مولاه، فكان الفساد فيه ما هو الفساد في بدل الكتابة، فلا تجوز الكفالة بها أيضًا. أما لو كان للمكاتب دين على مولاه، ولو لم يكن ذلك الدين من جنس الكفالة، فكفل به رجل للمكاتب عن المولى صح؛ لأن الأصل مطلوب بهذا المال مطلقا، فتصح الكفالة، أما العبد التاجر إذا ادان مولاه دينا، ولا دين على العبد، وأخذ منه كفيلا بذلك فالكفالة باطلة؛ لأن العبد لا يستوجب على المولى دينا (٢)، وإن كان العبد مديونا صحت الكفالة به؛ لأن كسبه حق الغرماء، فكان الدين واجبًا في ذمته كما في ذمة غيره، فصحت الكفالة. والكفالة بالنفس مثل ذلك، فإن كان العبد لا دين عليه لا تصح، وإن كان عليه دين تصح. قوله: (لأنه) [أي] (٣): عقد الكتابة، أو بدل الكتابة (دين يثبت مع المنافي) وهو الرق، فإن المولى لا يستوجب على عبده دينا، والمكاتب عبد ما بقي عليه درهم (فلا يظهر) أي: دين بدل الكتابة (ولا يمكن إثباته) أي: إثبات دين الكتابة (على هذا الوجه في ذمة الكفيل) وهو سقوطه عند عجزه. وفي المبسوط (٤): لو أثبتناه مطلقًا على الكفيل كما أوجبناه في ذمة الكفيل أكثر مما هو واجب في ذمة الأصيل، وذا لا يجوز؛ إذ يجب على الكفيل بالصفة التي تجب على الأصيل؛ تحقيقا لمعنى الضم. (لأن من شرطه) أي: شرط الضم (الاتحاد) والمطلق غير المقيد.

стр. 5114

وَبَدَلُ السِّعَايَةِ كَمَالِ الكِتَابَةِ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ، لِأَنَّهُ كَالمُكَاتَبِ عِنْدَهُ. قوله: (وبدل السعاية كمال الكتابة في قول أبي حنيفة) (١) فلا تجوز (٢) الكفالة به للمولى (لأنه) أي: المستسعى (كالمكاتب عنده) فكان ثبوته مع المنافي، أما بالنظر إلى التعجيز له الثابتة، وهي التعجيز - ينبغي أن يجوز عنده؛ لما أن التعجيز لا يرد في المستسعى، وعندهما يصح (٣)؛ لأنه حر مديون عندهما، والله أعلم. كمل السفر الثاني من معراج الدراية في شرح الهداية. يتلوه في السفر الثالث كتاب الحوالة، وصلواته على أشرف الخلق سيدنا محمد وآله وصحبه وسلامه.

стр. 5115

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ كِتَابُ الحَوَالَةِ قَالَ: (وَهِيَ جَائِزَةٌ بِالدُّيُونِ) قَالَ ﵊: «مَنْ أُحِيلَ عَلَى مَلِيءٍ فَلْيَتْبَعْ» وَلِأَنَّهُ التَزَمَ مَا يَقْدِرُ عَلَى تَسْلِيمِهِ فَتَصِحٌ كَالكَفَالَةِ، وَإِنَّمَا اخْتَصَّتْ بِالدُّيُونِ، لِأَنَّهَا تُنْبِئُ عَنْ النَّقْلِ وَالتَّحْوِيلِ، وَالتَّحْوِيلُ فِي الدَّيْنِ لَا فِي العَيْنِ. كِتَابُ الْحَوَالَةِ المناسبة بين الحوالة والكفالة ظاهرة؛ لما في كل منهما التزام ما على الأصيل؛ ولهذا يجوز استعارة أحدهما للآخر، وأخر الحوالة لتضمنها براءة الأصيل، والبراءة تقفو الالتزام، فكذلك ما تضمنها. الحوالة لغة: النقل، وهي اسم من الإحالة. وفي المغرب (١): أصل تركيب الحوالة يدل على الزوال والنقل، ومنه التحويل، وهو نقل الشيء من محل إلى محل، يقال: أحلت زيدًا بماله على رجل فاحتال؛ أي: قبل فأنا محيل، وزيد محال ومحتال، والمال محال به، والرجل محال عليه ومحتال عليه وتقدير المحتال في الفاعل: (مُحْتَوِل) بكسر الواو، وفي المفعول: بالفتح، وقولهم للمُحتال: المُحتال له لغو؛ لأنه لا حاجة إلى هذه الصلة، ويقال للمحتال: حويل. وهي في الشريعة: نقل الدين من ذمة المحيل إلى ذمة المحتال عليه (٢)، وهي جائزة بالديون، قال ﵇: «مَنْ أُحِيلَ عَلَى مَلِيءٍ فَلْيَتْبَعْ»، متفق عليه (٣). [عن أبي هريرة أنه قال ﵇: «مَطْلُ الغَنِيّ ظُلْمٌ، وَإِذَا اتْبَعَ أَحَدُكُمْ عَلَى
следующие страницы →