وَقَدْ التَزَمَ الكَفِيلُ ذَلِكَ وَبَعْدَ المَوْتِ تَبْقَى القِيمَةُ وَاجِبَةٌ عَلَى الأَصِيلِ، فَكَذَا عَلَى الكَفِيلِ، بِخِلَافِ الأَوَّلِ.
قَالَ: (وَإِذَا كَفَلَ العَبْدُ عَنْ مَوْلَاهُ بِأَمْرِهِ فَعَتَقَ فَأَذَاهُ أَوْ كَانَ المَوْلَى كَفَلَ عَنْهُ فَأَدَّاهُ بَعْدَ العِتْقِ، لَمْ يَرْجِعْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ) وَقَالَ زُفَرُ: يَرْجِعُ، وَمَعْنَى الوَجْهِ الأَوَّلِ: أَنْ لَا يَكُونَ عَلَى العَبْدِ دَيْنٌ حَتَّى تَصِحٌ كَفَالَتُهُ بِالمَالِ عَنْ الْمَوْلَى إِذَا كَانَ بِأَمْرِهِ، أَمَّا كَفَالَتُهُ عَنْ العَبْدِ فَتَصِحُ عَلَى كُلِّ حَالٍ
(بخلاف الأول) أي: المسألة الأولى؛ لأن محل ما التزمه فات، وهو العبد، فسقط عن العبد تسليم نفسه، فكذا عن كفيله.
قوله: (عن مولاه بأمره) قيد بالأمر؛ إذ كفالة العبد بغير أمر سيده لا تجوز بإجماع (١) الفقهاء إلا عند الشافعي في وجه (٢)، وبإذن سيده تجوز، إلا في المأذون المستغرق بالدين، فإن عندنا (٣) ومالك (٤) لا تجوز كفالته.
قوله: (الوجه الأول أن له يكون على العبد دين) هكذا في بعض النسخ، وليس بصحيح؛ فإنه ذكر في المبسوط (٥) في الموضعين في هذه المسألة: (ألا يكون على العبد دين) وهكذا كان مصححا بخط الثقات، وهو الأصح؛ لأنه لو كان على العبد دين مستغرق لم تصح كفالته لحق الغرماء وإن كان بإذن السيد، أما كفالة المولى عن العبد تصح (٦) على كل حال، سواء كانت الكفالة بالنفس أو المال، أو على العبد دين أو لا.
فإن قيل: دين العبد مستحق القضاء من ماليته، وهي ملك مولاه، فأي فائدة في هذه الكفالة؟
قلنا: الفائدة شغل ذمة المولى بالمطالبة أو بأصل الدين، واستحقاق قضائه من سائر أمواله.
стр. 5112
لَهُ: أَنَّهُ تَحَقَّقَ المُوجِبُ لِلرُّجُوعِ وَهُوَ الكَفَالَةُ بِأَمْرِهِ وَالمَانِعُ وَهُوَ الرِّقُ قَدْ زَالَ. وَلَنَا: أَنَّهَا وَقَعَتْ غَيْرَ مُوجِبَةٍ لِلرُّجُوعِ، لِأَنَّ المَوْلَى لَا يَسْتَوْجِبُ عَلَى عَبْدِهِ دَيْنًا، وَكَذَا العَبْدُ عَلَى مَوْلَاهُ، فَلَا تَنْقَلِبُ مُوجِبَةٌ أَبَدًا كَمَنْ كَفَلَ عَنْ غَيْرِهِ بِغَيْرِ أَمْرِهِ فَأَجَازَهُ. (وَلَا تَجُوزُ الكَفَالَةُ بِمَالِ الكِتَابَةِ، حُرٌّ تَكَفَّلَ بِهِ أَوْ عَبْدٌ)
(له) أي: لزفر (١)، وبقوله قال الشافعي في وجه، وفي وجه كقولنا.
(ولنا: أنها) أي: الكفالة (وقعت غير موجبة للرجوع).
في الفوائد الظهيرية: أن الكفالة وقعت لازمة زمان وجودها، وما وقع لازما لا يكون لبقائه حكم الابتداء، أو هذه كفالة غير موجبة زمان وقوعها لعقد المحلية؛ إذ المولى والعبد كل واحدٍ لا يستوجب على صاحبه دينا، فلو ثبت الاستيجاب إنما يثبت حالة البقاء، ولا سبيل إليه اعتبارًا بما لو كفل عن إنسان دينه بغير أمره حتى وقعت لازمة، ثم بلغه الخبر فأجاز الكفالة لم يكن له أن يرجع على الأصيل، ومع هذا لم ينعقد موجبه، ولا يرجع فيما نحن فيه؛ لفقد محلية الاستيجاب زمان وقوعها أيضًا، أولى ألا يرجع.
فإن قيل: لو أعتق الراهن المرهون وهو معسر يسعى العبد ويرجع بذلك على المولى، مع أن العبد لا يستوجب على مولاه دينا هناك.
قلنا: في مسألة الرهن استيجاب الدين على مولاه بعد العتق، فلم يكن فيه تناف زمان استيجاب الدين، فجاز أن يرجع على المولى، أما فيما نحن فيه زمان وجود الكفالة وبين سبب الاستيجاب هو عبد فيكون تناف. كذا ذكره الإمام قاضي خان.
قوله: (ولا تجوز الكفالة بمال الكتابة) إلى آخره، وبه قال أكثر أهل العلم (٢)، وعن أحمد في رواية: يصح (٣)؛ لأنه دين كسائر الديون، والأصح عنده أيضًا أن الكفالة به لا تجوز (٤).
стр. 5113
لِأَنَّهُ دَيْنٌ ثَبَتَ مَعَ المُنَافِي فَلَا يَظْهَرُ فِي حَقِّ صِحَّةِ الكَفَالَةِ، وَلِأَنَّهُ لَوْ عَجَّزَ نَفْسَهُ سَقَطَ، وَلَا يُمْكِنُ إِثْبَاتُهُ عَلَى هَذَا الوَجْهِ فِي ذِمَّةِ الكَفِيلِ، وَإِثْبَاتُهُ مُطْلَقًا يُنَافِي مَعْنَى الضَّمِّ، لِأَنَّ مِنْ شَرْطِهِ الاتِّحَادُ، … .
وفي النهاية: التخصيص بمال الكتابة غير مقيد، فإنه كما لا تجوز الكفالة بمال الكتابة عن المكاتب للمولى لا يجوز بدين آخر للمولى سوى بدل الكتابة على المكاتب، ذكره في المبسوط (١)؛ لأن المكاتب إذا عجز نفسه يسقط عنه بدل الكتابة، وتسقط عنه أيضًا سائر ديون مولاه، فكان الفساد فيه ما هو الفساد في بدل الكتابة، فلا تجوز الكفالة بها أيضًا.
أما لو كان للمكاتب دين على مولاه، ولو لم يكن ذلك الدين من جنس الكفالة، فكفل به رجل للمكاتب عن المولى صح؛ لأن الأصل مطلوب بهذا المال مطلقا، فتصح الكفالة، أما العبد التاجر إذا ادان مولاه دينا، ولا دين على العبد، وأخذ منه كفيلا بذلك فالكفالة باطلة؛ لأن العبد لا يستوجب على المولى دينا (٢)، وإن كان العبد مديونا صحت الكفالة به؛ لأن كسبه حق الغرماء، فكان الدين واجبًا في ذمته كما في ذمة غيره، فصحت الكفالة.
والكفالة بالنفس مثل ذلك، فإن كان العبد لا دين عليه لا تصح، وإن كان عليه دين تصح.
قوله: (لأنه) [أي] (٣): عقد الكتابة، أو بدل الكتابة (دين يثبت مع المنافي) وهو الرق، فإن المولى لا يستوجب على عبده دينا، والمكاتب عبد ما بقي عليه درهم (فلا يظهر) أي: دين بدل الكتابة (ولا يمكن إثباته) أي: إثبات دين الكتابة (على هذا الوجه في ذمة الكفيل) وهو سقوطه عند عجزه.
وفي المبسوط (٤): لو أثبتناه مطلقًا على الكفيل كما أوجبناه في ذمة الكفيل أكثر مما هو واجب في ذمة الأصيل، وذا لا يجوز؛ إذ يجب على الكفيل بالصفة التي تجب على الأصيل؛ تحقيقا لمعنى الضم.
(لأن من شرطه) أي: شرط الضم (الاتحاد) والمطلق غير المقيد.
стр. 5114
وَبَدَلُ السِّعَايَةِ كَمَالِ الكِتَابَةِ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ، لِأَنَّهُ كَالمُكَاتَبِ عِنْدَهُ.
قوله: (وبدل السعاية كمال الكتابة في قول أبي حنيفة) (١) فلا تجوز (٢) الكفالة به للمولى (لأنه) أي: المستسعى (كالمكاتب عنده) فكان ثبوته مع المنافي، أما بالنظر إلى التعجيز له الثابتة، وهي التعجيز - ينبغي أن يجوز عنده؛ لما أن التعجيز لا يرد في المستسعى، وعندهما يصح (٣)؛ لأنه حر مديون عندهما، والله أعلم.
كمل السفر الثاني من معراج الدراية في شرح الهداية.
يتلوه في السفر الثالث كتاب الحوالة، وصلواته على أشرف الخلق سيدنا محمد وآله وصحبه وسلامه.
стр. 5115
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
كِتَابُ الحَوَالَةِ
قَالَ: (وَهِيَ جَائِزَةٌ بِالدُّيُونِ) قَالَ ﵊: «مَنْ أُحِيلَ عَلَى مَلِيءٍ فَلْيَتْبَعْ» وَلِأَنَّهُ التَزَمَ مَا يَقْدِرُ عَلَى تَسْلِيمِهِ فَتَصِحٌ كَالكَفَالَةِ، وَإِنَّمَا اخْتَصَّتْ بِالدُّيُونِ، لِأَنَّهَا تُنْبِئُ عَنْ النَّقْلِ وَالتَّحْوِيلِ، وَالتَّحْوِيلُ فِي الدَّيْنِ لَا فِي العَيْنِ.
كِتَابُ الْحَوَالَةِ
المناسبة بين الحوالة والكفالة ظاهرة؛ لما في كل منهما التزام ما على الأصيل؛ ولهذا يجوز استعارة أحدهما للآخر، وأخر الحوالة لتضمنها براءة الأصيل، والبراءة تقفو الالتزام، فكذلك ما تضمنها.
الحوالة لغة: النقل، وهي اسم من الإحالة.
وفي المغرب (١): أصل تركيب الحوالة يدل على الزوال والنقل، ومنه التحويل، وهو نقل الشيء من محل إلى محل، يقال: أحلت زيدًا بماله على رجل فاحتال؛ أي: قبل فأنا محيل، وزيد محال ومحتال، والمال محال به، والرجل محال عليه ومحتال عليه وتقدير المحتال في الفاعل: (مُحْتَوِل) بكسر الواو، وفي المفعول: بالفتح، وقولهم للمُحتال: المُحتال له لغو؛ لأنه لا حاجة إلى هذه الصلة، ويقال للمحتال: حويل.
وهي في الشريعة: نقل الدين من ذمة المحيل إلى ذمة المحتال عليه (٢)، وهي جائزة بالديون، قال ﵇: «مَنْ أُحِيلَ عَلَى مَلِيءٍ فَلْيَتْبَعْ»، متفق عليه (٣).
[عن أبي هريرة أنه قال ﵇: «مَطْلُ الغَنِيّ ظُلْمٌ، وَإِذَا اتْبَعَ أَحَدُكُمْ عَلَى
стр. 5116
قَالَ: (وَتَصِحُّ الحَوَالَةُ بِرِضَا المُحِيلِ وَالمُحْتَالِ وَالمُحْتَالِ عَلَيْهِ) أَمَّا المُحْتَالُ: فَلِأَنَّ الدَّيْنَ حَقَّهُ
مَلِيءٍ فَلْيَتْبَعْ»] (١)، ويُروى: «إِذَا أُحِيلَ أَحَدُكُمْ عَلَى مَلِيءٍ فَلْيَحْتَلْ» (٢) وهو معنى اللفظ الأول.
وفي الصحاح (٣): يقال: اتبع فلان لفلان إذا أحيل له عليه.
والرواية المشهورة: «وإِذَا أُحِيلَ أَحَدُكُمْ» بالواو، ويروى: «فإذَا أُحِيلَ أَحَدُكُمْ» بالفاء، فعلى التقدير الأول، وهو معنى قوله: «مَطْلُ الغَنَى ظُلم» جملتان لا تعلق للثانية بالأولى، كقوله ﵊: «العَارَيَةُ مَرْدُودةٌ، والزَّعِيمُ غارم» (٤)، وعلى الثاني يجوز أن يكون في الترتيب إذا كان مطل الغني ظلما من الغني، فإذا أحيل بدينه عليه؛ فإنه يحترز عن الظلم ولا يمطل، ثم الأمر في قوله: «فَلْيَتبع» أو «فَلْيَحتل» أمر استحباب عند أكثر أهل العلم، وعند أحمد للوجوب.
وأجمع (٥) أهل العلم على جواز الحوالة، ولأنه التزام ما يقدر على تسليمه، فيصح دفعًا للحاجة.
وخصت بالديون؛ لأنها تبنى عن النقل والنقل في الدين لا في العين؛ لأن هذا نقل شرعي والدين وصف شرعي يظهر أثره عند المطالبة، فجاز أن يؤثر النقل الشرعي في الثابت شرعًا، وأما العين فحسي، فلا ينتقل بالنقل الشرعي؛ بل يحتاج إلى النقل الحسي (٦).
стр. 5117
وَهُوَ الَّذِي يَنْتَقِلُ بِهَا وَالدِّمَمُ مُتَفَاوِتَةٌ فَلَا بُدَّ مِنْ رِضَاهُ، وَأَمَّا المُحْتَالُ عَلَيْهِ فَلِأَنَّهُ يَلْزَمُهُ الدَّيْنُ وَلَا لُزُومَ بِدُونِ التِزَامِهِ، وَأَمَّا المُحِيلُ: فَالحَوَالَةُ تَصِحُ بِدُونِ رِضَاهُ: ذَكَرَهُ فِي الزِّيَادَاتِ، لِأَنَّ التِزَامَ الدَّيْنِ مِنْ المُحْتَالِ عَلَيْهِ تَصَرُّفٌ فِي حَقٌّ نَفْسِهِ وَهُوَ لَا يَتَضَرَّرُ بِهِ بَلْ فِيهِ نَفْعُهُ، لِأَنَّهُ لَا يَرْجِعُ عَلَيْهِ إِذَا لَمْ يَكُنْ بِأَمْرِهِ.
قوله: (وهو الذي) أي: الدين الذي (ينتقل بها) فلا بد من رضاه، ولا خلاف في اشتراط رضاه لأهل العلم، وأما المحتال عليه فرضاه شرط عندنا (١)، وبه قال الشافعي (٢) في وجه، وقيل: إنه منصوص في الأم، وأصحهما عنده أنه لا حاجة إلى رضاه إذا كان عليه دين للمحيل، وبه قال مالك (٣) وأحمد (٤)؛ لأنه محل التصرف فلا يشترط رضاه، كما لو باع عبدًا لا يشترط رضا العبد، ولأن الحق للمحيل عليه فله أن يستوفيه بنفسه وبغيره، كما لو وكل في الاستيفاء، أما اذا لم يكن للمحيل عليه دين فيشترط رضاه بالإجماع؛ لأنه التزام حق عليه، فلا يصح بدون قبوله (٥).
قوله: (وأما المحيل) أي: المديون (فلا يشترط رضاه عندنا) لأنه التزام دين من المحتال عليه إلى آخر ما ذكر في المتن (ذكره في الزيادات).
وفي الأوضح: لعل موضوع المذكور هاهنا إذا كان للمحيل على المحتال عليه دين بقدر ما يقبل الحوالة، فإن قبول الحوالة حينئذ يكون إسقاطا؛ لمطالبة المحيل عن نفسه، فلا يصح إلا برضاه. كذا في الخبازية.
وقالت الأئمة الثلاثة: شرط؛ لأن له إبقاء الحق من حيث شاء، فلا تعين عليه بعض الجهات قهرًا، وما نقل ابن قدامة الحنبلي في المغني (٦): أن رضا
стр. 5118
قَالَ: (وَإِذَا تَمَّتْ الحَوَالَةُ بَرِئَ المُحِيلُ مِنْ الدَّيْنِ بِالقَبُولِ) وَقَالَ زُفَرُ: لَا يَبْرَأُ
المحيل شرط بلا خلاف فليس بصحيح؛ إذ عندنا ليس بشرط لصحتها، ولو اشترط رضا المحيل إنما يشترط لفائدة الرجوع عليه بأمره.
قوله: (وإذا تمت الحوالة) هذا بيان حكمها، برئت ذمة المحيل عند عامة الفقهاء (١)، وعن الحسن أنه لا يرى الحوالة براءة إلا أن ينويه، وقال زفر: لا يبرأ، وقال ابن أبي ليلى: الكفالة توجب براءة الأصيل أيضًا على ضد قول زفر، ثم اختلف مشايخنا في ذمة المحيل: من الدين أم من المطالبة دون الدين؟
قيل: عن المطالبة دون الدين، استدل بما ذكر محمد أن المحتال له لو أبرأ المحتال عليه يصح ولا يرتد برده، كإبراء الكفيل، فلو انتقل أصل الدين إلى ذمته وجب أن يرتد برده، كما لو أبرأ المحيل قبل الحوالة، والأصل في الكفالة؛ لأن الإبراء حينئذ تمليك الدين ممن عليه الدين، والتمليك يرتد بالرد، وبما ذكر أن المحيل، وهو المديون، إذا نقد مال المحتال له يجبر المحتال له على القبول، فلو انتقل أصل الدين بالحوالة يكون المحيل متبرعا في نقده كأجنبي، والأجنبي إذا تبرع بقضاء الدين لا يجبر رب الدين على القبول.
وبما ذكر أن المحتال إذا وكل المحيل بقبض مال الحوالة عن المحتال عليه - لا يصح، فلو انتقل الدين بالحوالة يصير المحيل أجنبيا، وتوكيل الأجنبي بقبض الدين صحيح، وبما ذكر أن المحتال إذا أبرأ المحتال عليه يرجع بذلك على المحيل، ولو وهب من المحتال عليه يرجع بذلك على المحيل كما في الكفيل، ولو كان الدين يتحول إلى ذمته كان الإبراء والهبة في حقه.
وقيل: الحوالة توجب براءة ذمة المحيل من الدين والمطالبة جميعًا، واستدل بما ذكر محمد أن المحتال له إذا وهب الدين من المحيل، أو أبرأه من الدين بعد الحوالة - لا تصح هبته وإبراؤه، ولو بقي الدين في ذمته وجب أن تصح ولو أبرأ المحتال عليه من الدين أو وهبه يصح، وهذا يقتضي التحويل.
стр. 5119
اعْتِبَارًا بِالكَفَالَةِ، إِذْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَقْدُ تَوَثُّقِ، وَلَنَا: أَنَّ الحَوَالَةَ لِلنَّقْلِ لُغَةً، وَمِنهُ حَوَالَةُ الغِرَاسِ، وَالدَّيْنُ مَتَى انْتَقَلَ عَنْ الذِّمَّةِ لَا يَبْقَى فِيهَا.
قال مشايخنا: هو الصحيح؛ لأنه تصرف في التحويل، وذكر شيخ الإسلام هذا الاختلاف بين أبي يوسف ومحمد؛ فقال أبو يوسف: يوجب تحويل الدين والمطالبة، وعند محمد يوجب تحويل المطالبة لا الدين.
وفائدة الخلاف في مسألتين:
إحداهما: أن الراهن إذا أحال المرتهن بعد الرهن بالدين على غيره، هل يسترد الرهن؟
عند أبي يوسف: يسترد، كما لو أبرأه، وعند محمد (١): لا يسترد، كما لو أجل الدين بعد الرهن.
والثانية: إذا أبرأ الطالب المحيل بعد الحوالة - لا يصح عند أبي يوسف؛ لأنه برئ بالحوالة، وعند محمد: يصح، ويبرأ المحيل؛ لأن أصل الدين باق في ذمته بعد الحوالة، وتحول المطالبة لا غير. كذا ذكر المحبوبي والتمرتاشي.
وفي الذخيرة (٢) بعد ذكر هذا الاختلاف قال: وبعض مشايخنا أنكر هذا الخلاف، وقال: لم ينقل عن محمد نص بنقل المطالبة دون الدين، إلا أن محمدًا ذكر أحكامًا متشابهة، واعتبر الحوالة في بعضها تأجيلا، وجعل للمحول بها المطالبة دون الدين، واعتبرها في بعض الأحكام إبراء، وجعل بها المطالبة والدين؛ إذ الحوالة منبئة عن النقل، وقد أضيفت إلى الدين، واعتبار المعنى يوجب تحويل المطالبة؛ لأن الحوالة تأجيل معنى؛ ألا ترى أنه إذا مات المحتال عليه مفلسا يعود إلى ذمة المحيل، وهذا هو معنى التأجيل، فاعتبر الحقيقة في الأحكام، واعتبر المعنى في بعض الأحكام.
قوله: (إذْ كل واحدٍ منهما) أي: من الحوالة والكفالة (عقد توثق) بحق المطالبة، وذلك في أن يزداد له المطالبة.
стр. 5120
أَمَّا الكَفَالَةُ: فَلِلضَّمِّ وَالأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ عَلَى وِفَاقِ المَعَانِي اللُّغَوِيَّةِ وَالتَّوَثُّقِ بِاخْتِيَارِ الأَمْلَأَ وَالأَحْسَنِ فِي القَضَاءِ، وَإِنَّمَا يُجْبَرُ عَلَى القَبُولِ إِذَا نَقَدَ المُحِيلُ، لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ عَوْدُ المُطَالَبَةِ إِلَيْهِ بِالتَّوَى، فَلَمْ يَكُنْ مُتَبَرِّعًا.
قَالَ: (وَلَا يَرْجِعُ المُحْتَالُ عَلَى المُحِيلِ إِلَّا أَنْ يَتَوَى حَقَّهُ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: لَا يَرْجِعُ وَإِنْ تَوِيَ،
وقلنا: الحوالة للنقل لغة، والكفالة للضم لغة، واختصاص كل باسم لاختصاصه بموجب هو معنى ذلك الاسم، كالصرف لبيع الأثمان؛ لأن فيه صرف ما في يد كل واحد إلى صاحبه بالقبض، والسلم لبيع الآجل بالعاجل؛ إذ فيه تعجيل أحد البدلين في المجلس، فكذا هاهنا التحويل يوجب النقل لغة، والكفالة توجب الضم، والتحويل يوجب البراءة، والكفالة توجب ضم الذمة إلى الذمة لا البراءة، فتثبت أحكام العقود على وفاق معنى اللفظ. كذا في المبسوط (١) والإيضاح.
ولا يقال: الحوالة بغير أمر المحيل تصح، ولا يتحقق النقل فيه.
لأنا نقول: معنى النقل يتحقق فيه بعد أداء المحتال عليه، حتى لا يبقى على المحيل شيء، أو هو حوالة مجازًا، كما أن الكفالة بشرط براءة الأصيل حوالة مجازا.
قوله: (والتوثق) إلى آخره: جواب عن قول زفر؛ يعني: التوثق (باختيار الأملأ) والمليء: المقتدر (والأحسن في القضاء) بأن يعطي بأجود ولا يماطل.
وقوله: (وإنما يجبر): جواب عن سؤال مقدَّر، وهو أن في الحوالة لو كان نقل الدين لما أجبر الطالب المحيل؛ لأنه متبرع في أدائه، كما استدل به بعض المشايخ على عدم تحويل الدين فيها على قول محمد، فقال في جوابه: إنما يجبر بكذا (٢).
قوله: (وقال الشافعي (٣): لا يرجع وإن توي) بموت أو بإفلاس أو بغير
стр. 5121
لِأَنَّ البَرَاءَةَ حَصَلَتْ مُطْلَقَةً فَلَا تَعُودُ إِلَّا بِسَبَبٍ جَدِيدٍ. وَلَنَا: أَنَّهَا مُقَيَّدَةٌ بِسَلَامَةِ حَقِّهِ لَهُ، إِذْ هُوَ المَقْصُودُ، أَوْ تَنْفَسِخُ الحَوَالَةُ لِفَوَاتِهِ،
ذلك، وبه قال أحمد (١) والليث وأبو عبيد وابن المنذر، وعن أحمد (٢): إذا [كان] (٣) المحال عليه مفلسا، ولم يعلم الطالب بذلك - فله الرجوع، إلا أن يرضى بعد العلم، وبه قال مالك (٤)؛ لأن الإفلاس في المحال عليه عيب، فكان له الرجوع، كما لو اشترى سلعة فوجدها معيبة، ولأن المحيل غره فكان له الرجوع، كما لو دلس المبيع.
قوله: (لأن البراءة) أي: للمحيل (حصلت) بالحوالة من الدين؛ لنقله إلى ذمة المحال عليه فلا يعود كما لو أبرأه من الدين.
يُؤيده ما روي عن ابن المسيب أن له كان على علي دين فأحاله به على آخر، فمات المحتال عليه، فقال ابن المسيب: اخترت عليًّا، فقال: أبعدك الله، فأبعده بمجرد احتياله، ولم يخبره أن له الرجوع.
(ولنا أنها) أي: البراءة مقيدة بشرط السلامة معنى، وإن كانت مطلقة لفظًا بدلالة الحال؛ لأن المقصود من شرع الحوالة: التوصل إلى استيفاء الحق من المحل الثاني لا نفس الوجوب؛ لأن الذمم لا تختلف في الوجوب، وإنما تختلف في حق الإيفاء، فصارت السلامة من المحيل الثاني كالمشروط في العقد الأول؛ لما أنها المطلوب، فإذا لم يحصل المشروط عاد حقه في الأصل كما كان (٥).
يؤيده ما روي عن عثمان مرفوعًا وموقوفًا في المحتال عليه إذا مات مفلسا قال: يعود الدين إلى ذمة المحيل، وقال: لا توى على مال امرئ مسلم.
قوله: (أو تنفسخ الحوالة لفواته) أي: لفوات المقصود، وهو وصول الحق
стр. 5122
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
إلى الطالب، أو البراءة حصلت بطريق الانتقال، فإذا لم يسلم له انتقل إليه؛ لأنه عقد توثق فيليق بحالة إحكام الحق لا إبطاله، فصار كوصف السلامة في المبيع، بأن اشترى شيئًا بالدين وهلك قبل القبض فإن حقه يعود في الدين كما كان، فكذا هنا.
والجامع أنها سبب يحتمل الفسخ، حتى لو تراضيا على فسخ الحوالة انفسخت، كما أن ذلك السبب يحتمل الفسخ.
فإن قيل: الطالب مخيَّر بين قبول الحوالة وبين عدم قبوله، فإذا اختار أحدهما تعيَّن ذلك عليه ولا يعود إلى محل آخر، كالغاصب مع غاصب الغاصب إذا اختار المالك تضمين أحدهما ثم توي ما عليه لا يرجع على الآخر بشيء.
وكالمولى إذا أعتق عبده المديون فاختار الغرماء استسعاء العبد ثم توي ذلك عليه لم يرجعوا على المولى بشيءٍ من الضمان؛ لما قلنا: ما في ذمة المحتال عليه ليس بعوض عما في ذمة المحيل؛ لأن تبديل الدين بالدين لا يجوز؛ بل ما في ذمة المحتال عليه خلف عما في ذمة المحيل.
كما في حوالة الغراس المكان الثاني خلف المكان الأول، والثابت في المكان الثاني عين ما كان في المكان الأول، فإذا كان الطريق هكذا كان رضا الطالب بهذه الخلافة على قصد التوثق بحقه، فيكون رضاه بشرط السلامة له ما في ذمة المحال، فإذا لم يسلم له فقد انعدم رضاه، فيعود المال إلى المحل الأول.
كما لو اشترى عينا به فهلك المبيع قبل القبض؛ فالمحل الذي هو خلف عن ذمة المحيل ليس في يد الطالب، فلم يصر قابضًا لحقه، وما لم يصر قابضًا لم يكن في ضمانه، بخلاف الغاصب مع الغاصب (١)، والمولى مع العبد؛ فإن إحدى الذمتين هناك ليس بخلف عن الأخرى؛ بل المالك مخير ابتداء، فإذا اختار أحدهما تعيَّن ذلك عليه. إليه أشار في المبسوط (٢).
[وأما حديث علي لا يدل على عدم العود، بل هو ساكت، وحديث عثمان
стр. 5123
لِأَنَّهُ قَابِلٌ لِلْفَسْخِ فَصَارَ كَوَصْفِ السَّلَامَةِ فِي المَبِيعِ. قَالَ: (وَالتَّوَى عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ أَحَدُ الْأَمْرَيْنِ: إِمَّا أَنْ يَجْحَدَ الحَوَالَةَ وَيَحْلِفَ وَلَا بَيِّنَةَ لَهُ عَلَيْهِ، أَوْ يَمُوتَ مُفْلِسًا) لِأَنَّ العَجْزَ عَنْ الوُصُولِ يَتَحَقَّقُ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنهُمَا وَهُوَ التَّوَى فِي الحَقِيقَةِ (وَقَالَا: هَذَانِ الوَجْهَانِ. وَوَجْهٌ ثَالِثُ: وَهُوَ أَنْ يَحْكُمَ الحَاكِمُ بِإِفْلَاسِهِ حَالَ حَيَاتِهِ) وَهَذَا بِنَاءً عَلَى أَنَّ الإِفْلَاسَ لَا يَتَحَقَّقُ بِحُكْمِ القَاضِي عِنْدَهُ خِلَافًا لَهُمَا، لِأَنَّ مَالَ اللَّهِ غَادٍ وَرَائِحٌ.
صريح فيعمل به، إذ لا معارضة حينئذ بينهما؛ إذ قوله: أبعدك الله لا يدل على الرجوع إلا على عدمه] (١).
قوله: (ولا بينة له) أي: للطالب (عليه) أي: على المحتال بقبول الحوالة. وقال التمرتاشي: لا بينة للطالب ولا للمحيل.
(أو يموت مفلسا) أي: المحتال عليه يموت ولم يترك مالا ولا دينا ولا كفيلا، ولو قال الطالب: مات مفلسا، وقال المحيل بخلافه، فقال في الشافي والمبسوط (٢): القول للطالب مع اليمين على العلم؛ لأنه متمسك بالأصل وهو العسرة، ولأنه بالحوالة لم يدخل في ملك المحتال عليه مال، ولو كان حيًّا فزعم أنه مفلس؛ فالقول قوله فكذلك بعد موته.
وفي شرح الناصح: القول للمحيل مع اليمين على العلم؛ لإنكاره عود الدين.
قوله: (خلافًا لأبي يوسف ومحمد فإنه يتحقق بحكم القاضي عندهما، وبه قالت الأئمة (٣) الثلاثة، حتى يعتبر في حق إخراجه من السجن، فكذا في حق غيره لأن مال الله غاد ورائح). هذا دليل أبي حنيفة.
في المبسوط (٤): قد يصبح الرجل فقيرًا ويمسي غنيا، بإن مات قريب له وترك مالا كثيرًا ميراثا له ولا يعلم به.
стр. 5124
قَالَ: (وَإِذَا طَالَبَ المُحْتَالُ عَلَيْهِ المُحِيلَ بِمِثْلِ مَالِ الحَوَالَةِ، فَقَالَ المُحِيلُ: أَحَلْتُ بِدَيْنٍ لِي عَلَيْكَ لَمْ يُقْبَلُ قَوْلُهُ إلا بحُجَّةٍ، وَكَانَ عَلَيْهِ مِثْلُ الدَّيْنِ) لِأَنَّ سَبَبَ الرُّجُوعِ قَدْ تَحَقَّقَ وَهُوَ قَضَاءُ دَيْنِهِ بِأَمْرِهِ، إِلَّا أَنَّ المُحِيلَ يَدَّعِي عَلَيْهِ دَيْنًا وَهُوَ يُنْكِرُ، وَالقَوْلُ لِلْمُنْكِرِ، وَلَا تَكُونُ الحَوَالَةُ إِقْرَارًا مِنْهُ بِالدَّيْنِ عَلَيْهِ، لِأَنَّهَا قَدْ تَكُونُ بِدُونِهِ.
وفي الطلبة: يقال: أفلس، أي: صار ذا فلس بعد أن كان دراهم ودينارًا (١)، فاستعمل مكان افتقر، وفلسه القاضي، أي: قضى بإفلاسه حين ظهر له حاله.
يقال: راح وغدا، أي: جاء غدوة وذهب رواحًا؛ أي: بعد الزوال.
قوله: (لم يقبل قوله) أي: قول المحيل (وكان عليه) أي: على المحيل (مثل الدين) الذي أداه المحتال عليه إلى الطالب.
ولا يقال: قبول الحوالة من المحتال عليه إقرار بالدين عليه.
لأنا نقول: ليس من ضرورة قبول الحوالة الإقرار بالدين؛ لأن الحوالة قد تكون مقيدة بما عليه، وقد تكون مطلقة، وحقيقة الحوالة هي المطلقة، أما المقيدة من وجه توكيل بالأداء والقبض، فلما لم توجد دلالة الإقرار من المحتال عليه بوجوب المال، وهو منكر لوجوبه فكان القول له. كذا في المبسوط (٢).
قوله: (قضاء دينه) أي: دين المحيل (بأمره) أي: بأمر المحيل (إلا أن المحيل يدعي دينا عليه) أي: على المحتال عليه (٣).
قوله: (أن المحتال) أي: الطالب (يَدَّعي عليه) أي: على المحيل (دينا، وهو ينكر) فالقول له لأن الفراغ أصل في الذمم والمحيل متمسك بالأصل، والطالب يدعي العارض، فكان اعتبار الأصل أولى (٤)، وبه قال الشافعي (٥) في
стр. 5125
قَالَ: (وَإِذَا طَالَبَ المُحِيلُ المُحْتَالَ بِمَا أَحَالَهُ بِهِ فَقَالَ: إِنَّمَا أَحَلْتُكَ لِتَقْبِضَهُ لِي، وَقَالَ المُحْتَالُ: لَا بَلْ أَحَلْتَنِي بِدَيْنٍ كَانَ لِي عَلَيْكَ، فَالقَوْلُ قَوْلُ المُحِيلِ) لِأَنَّ المُحْتَالَ يَدَّعِي عَلَيْهِ الدَّيْنَ وَهُوَ يُنْكِرُ، وَلَفْظَةُ الحَوَالَةِ مُسْتَعْمَلَةٌ فِي الوَكَالَةِ فَيَكُونُ القَوْلُ قَوْلَهُ مَعَ يَمِينِهِ.
وجه، وقال في وجه القول للطالب؛ لأن الحوالة تكون في الدين ظاهرا، وما قاله المحيل وكالة، فكان خلاف ظاهر الحوالة، وبه قال أحمد (١).
وقوله: (ولفظة الحوالة مستعملة) إلى آخره جواب مقدر (٢)، وهو أن يقال: ينبغي أن يكون القول للطالب؛ لأن المحيل لما قال: أحلتك، فقد أقرّ بالحوالة؛ إذ الحوالة نقل الدين من ذمة إلى ذمة، فقال في جوابه: نعم كذلك، إلا أن الحوالة تستعمل في الكفالة مجازًا؛ لأن في الكفالة نقل التصرف من الموكل إلى الوكيل؛ ولهذا قال محمد (٣): إذا صار مال المضاربة دينًا على الناس، ولم يكن فيه ربح، وامتنع المضارب عن التقاضي يقال له: أحل رب المال على الغرماء؛ أي: وكله، ويستعمل في نقل الديون، فلم يكن حجّة للمحتال على أن المحيل صار معترفًا بالدين؛ بل لما كان محتملا؛ كان القول قول من اتهمه مع يمينه، وقيل: المجاز لا يعارض الحقيقة، فاحتمال المجاز لا يخرجه عن إرادة الحقيقة.
أجيب: هذا مجاز متعارف، فيمكن أن يخرجه عن إرادة الحقيقة، ولو لم يخرجه كان محتملا فلا يدل على الإقرار.
قال شمس الأئمة (٤): وتحتمل المسألة معنى آخر، وهو أن المحتال له إذا استوفى الألف وقد كان المحيل باع متاعًا من المحتال عليه بهذا الألف، فيقول المحتال له: كان المتاع ملكي، وكنت وكيلًا في بيعه من جهتي، والمقبوض مالي، ويقول المحيل: كان المتاع ملكي، وإنما بعته لنفسي؛ فالقول للمحيل حينئذ؛ لأن أصل المنازعة بينهما وقع في ذلك المتاع، واليد كان للمحيل، ثم كل متصرف عامل لنفسه حتى يقوم الدليل على كونه عاملا لغيره، والثمن إنما
стр. 5126
قَالَ: (وَمَنْ أَوْدَعَ رَجُلًا أَلْفَ دِرْهَمٍ، وَأَحَالَ بِهَا عَلَيْهِ آخَرَ فَهُوَ جَائِرٌ، لِأَنَّهُ أَقْدَرُ عَلَى القَضَاءِ، فَإِنْ هَلَكَتْ بَرِئَ) لِتَقَيُّدِهَا بِهَا، … ...
وجب بالبيع، والمحيل هو الذي باشره، فيكون الثمن واجبًا في الظاهر؛ فلذلك كان القول قوله.
قوله: (لأنه أقدر على القضاء) أي: المودع، وهو المحتال عليه أقدر على قضاء مال الحوالة من الوديعة؛ لأن الأداء هاهنا يتحقق من عين مال المحيل، أما إذا كان المحتال به دينًا فلا يمكن الأداء من حق المحيل، فلما جازت الحوالة في الدين - ففي العين أجوز؛ لأن القضاء منه أيسر لهذا، أو لأن الوديعة حاصلة معينة لا تحتاج إلى الكسب، وأما الدين فيحتاج فيه إلى الكسب، فلما جاز في الدين مع تعسره - ففي العين أجوز؛ لتيسر الأداء منها بلا كسب (١).
قوله: (فإن هلكت) أي: ألف الوديعة (برئ) أي: المودع، وهو المحتال عليه أيضًا (لتقيدها) أي: لتقيد الحوالة (بها) أي: بألف الوديعة، فيبطل بهلاكها، كالزكاة المتعلقة بنصاب معين تسقط بهلاك ذلك النصاب المعين، بخلاف ما إذا كانت الحوالة مقيدة بالمال المغصوب المعين، حيث لا تبطل بهلاكه؛ بل تبقى الحوالة متعلقة بمثله أو بقيمته؛ لفوات المغصوب إلى خُلفٍ، وهو المثل أو القيمة؛ إذ هلاك المغصوب في يد الغاصب يوجب المثل أو القيمة، فصار كلا فوات، أو لقيام المحتال في أخذ المثل أو القيمة مقام المحيل، أما هلاك الوديعة يبطل حق المحيل؛ لأن هلاكها لا يوجب شيئًا (٢).
وفي الكافي: الأصل أن الحوالة نوعان:
مقيدة بدين على المحتال عليه، أو بعين في يده بغصب أو وديعة، أو غير ذلك.
ومطلقة، وهو ألا يقيدها المحيل بالدين الذي على المحتال عليه، ولا بالعين الذي في يده، أو يحيله على رجل ليس عليه دين ولا في يده عين، فالحوالة المقيدة - كما تبطل بموت المحتال عليه مفلسا - تبطل بفوات ما قيد به
стр. 5127
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحوالة، إذا كان الفوات لا إلى خُلف، فلا تبطل الحوالة؛ لأن الحوالة إلى خلف بلا فوات.
فالحوالة المقيدة على نوعين:
مقيدة بدين على المحتال عليه، ومقيدة بعين.
والمطلقة على نوعين أيضًا: إما مطلقة مؤجلة، وحالة.
فالحالة: أن يحيل الطالب على رجل بألف، ويكون الألف المحتال على المحتال عليه حالة إذا كانت على المحيل حالة؛ لأن الحوالة لتحويل الدين فيتحول بالصفة التي على الأصيل.
والمطلقة المؤجلة: له على رجل ألف إلى سنة [فأحال الطالب عليه إلى سنة، فالحوالة جائزة، والمال على المحتال عليه إلى سنة] (١) لأنه قبل ذلك.
ولو حصلت الحوالة مبهمة؛ أي: لم يذكر: حالة أو مؤجلة - فلم يذكرها محمد (٢) في الأصل، قالوا: وينبغي أن تثبت مؤجلة كما في الكفالة؛ لأنه تحمل ما على الأصيل بأي صفة كان، فلو مات المحيل لم يحل المال على المحتال عليه؛ لأن حلول الأجل في حق الأصيل لاستغنائه عن الأجل بموته، وهذا يتأتى في حق المحتال عليه؛ لأنه حيٌّ محتاج إلى الأجل، ولو حلَّ عليه إنما يحل بناء على الأصيل، فلا وجه إليه؛ لأن الأصيل برئ عن الدين والتحق بالأجانب.
ولو مات المحتال عليه قبل الأجل، والمحيل حي؛ حل المال على المحتال عليه؛ لاستغنائه عن الأجل بموته، فإن لم يكن له وفاء رجع الطالب على المحيل إلى أجله؛ لأن الأجل سقط حكمًا للحوالة، وقد انقضت الحوالة بموت المحتال عليه مفلسًا، فينتقض ما في ضمنها، وهو سقوط الأجل، كما لو باع المديون بدين مؤجل عبدًا من الطالب، ثم استحق العبد عاد الأجل؛ لأن سقوطه كان بحكم البيع، كذا هاهنا. كذا في الذخيرة.
стр. 5128
فَإِنَّهُ مَا التَزَمَ الأَدَاءَ إِلَّا مِنهَا، بِخِلَافِ مَا إِذَا كَانَتْ مُقَيَّدَةٌ بِالمَغْصُوبِ، لِأَنَّ الفَوَاتَ إِلَى خُلْفٍ كَلَا فَوَاتَ، وَقَدْ تَكُونُ الحَوَالَةُ مُقَيَّدَةٌ بِالدَّيْنِ أَيْضًا، وَحُكْمُ المُقَيَّدَةِ فِي هَذِهِ الجُمْلَةِ أَنْ لَا يَمْلِكَ المُحِيلُ مُطَالَبَةَ المُحْتَالِ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّ المُحْتَالِ عَلَى مِثَالِ الرَّهْنِ، وَإِنْ كَانَ أُسْوَةً لِلْغُرَمَاءِ بَعْدَ مَوْتِ المُحِيلِ،
قوله: (وحكم المقيدة) أي: الحوالة المقيّدة (في هذه الجملة) وهي ما ذكرنا أن تقيده بالدين أو العين والعين وديعة أو غضبًا هو (ألا يملك المحيل مطالبة المحتال عليه) بذلك العين أو الدين الذي قيدت به الحوالة فيه؛ لأن الحوالة إذا قيدت بها تعلق حق الطالب به، وهو حق استيفاء دينه منها، وأخذ المحيل يبطل هذا الحق فلا يملك أخذه كالراهن؛ فإنه لا يملك مطالبة الرهن لتعلق حق المرتهن به، وليس للمحتال عليه أن يدفعها إلى المحيل أيضًا؛ لتعلق حق الطالب، فإن دفع ضمنه الطالب؛ لأنه استهلك ما تعلق به حق المحتال، كالمرتهن يضمن مستهلك الرهن.
ولو مات المحيل وعليه ديون قبل أن يقبض المحتال دين الحوالة؛ فالدين الذي على المحتال عليه للمحيل بين غرماء المحيل، والمحتال أسوة للغرماء فيه، وكذا بالعين الذي قيدت الحوالة لا يختص الطالب بها استحسانًا. والقياس: أن يختص بهما كما في الرهن.
(تعلق به حق)، وهو قول زفر؛ ولهذا لم يملك المطالبة بالإبراء والهبة.
ولنا: أن الدين في ذمة المحتال عليه على ملك المحيل قبل قبض المحتال؛ لأنه لو صار ملكًا له لكان تمليك الدين من غير من عليه الدين؛ ولهذا لو بطل دين المحتال بالإبراء كان المحيل أحق به، وإذا بقي على ملك المحيل صار بين غرمائه بالحصص، وما يختص المحتال به؛ لأن الاختصاص بملك رقبة أو يد، والدين على الغير لا يقبل التمليك بوجه.
بخلاف الرهن؛ لأن المرتهن ملكه يدًا؛ لأنه بقبضه صار مستوفيا من وجه، فكان أخص به من سائر الغرماء إذا قسم الدين بين غرماء المحيل لا يرجع المحتال بحصة الغرماء على المحتال عليه؛ لأن الحوالة كانت مقيدة بدين كان عليه، وقد استحقّ ذلك، فتبطل الحوالة بفواته (١).
стр. 5129
وَهَذَا لِأَنَّهُ لَوْ بَقِيَ لَهُ مُطَالَبَتُهُ، فَيَأْخُذُهُ مِنْهُ لَبَطَلَتِ الحَوَالَةُ وَهِيَ حَقُّ المُحْتَالِ. بِخِلَافِ المُطْلَقَةِ: لِأَنَّهُ لَا تَعَلَّقَ لِحَقِّهِ بِهِ بَلْ بِذِمَّتِهِ، … ... … ... … ... … ..
قوله: (وهذا) إشارة إلى قوله: أن لا يملك المحتال مطالبة المحتال عليه؛ لأنه لو بقي واحد منه البطلت الحوالة (١).
قوله: (لو بقيت له) أي: للمحيل (مطالبته) أي: بذلك الدين أو العين (فيأخذ منه) أي: من المحتال عليه (لبطلت).
(وهي) أي: الحوالة، على تأويل عقد الحوالة، وفي بعض النسخ: (فهي) أي: الحوالة المقيدة، وهو الأصح (حق المحتال) أي: الطالب.
(بخلاف المطلقة) أي: الحوالة المطلقة (لأنه) الضمير للشأن؛ أي: لأن الشأن والأمر: أن (لا تعلق لحقه) أي: لحق المحتال له (به) أي: بذلك الدين أو العين (بل بذمته) أي: بذمة المحتال عليه، وفي الذمة سعة، فيجب عليه أداء دين المحيل من مال نفسه، وللمحيل أن يأخذ دينه ووديعته وغصبه منه، ولا تبطل الحوالة بأخذه، حتى لو مات المحيل قسم دينه ووديعته وغصبه الذي قبل المحتال عليه بين غرمائه دون المحتال له؛ لأنه بالحوالة صار غريم المحتال عليه، ولم يبق غريم المحيل.
بخلاف الحوالة المقيدة؛ لأن هناك لو لم يشارك ابتداء يشارك انتهاء؛ لأن الحوالة تبطل بفوات العبد، فيعود الدين على المحيل، فيصير غريم المحيل انتهاء، فلو أدَّى المحتال عليه في الحوالة المطلقة الدين من مال نفسه؛ يرجع على المحيل ويصير غريمًا للمحيل، فيخاصم غرماءه فيما أخذوا منه.
وفي الحوالة المقيدة لو أبرأ المحتال له المحتال عليه عن دين الحوالة رجع المحيل بدينه على المحتال عليه؛ لأن دينه بعد الحوالة باق على ملكه، وإنما لم يملك قبضه؛ لتعلق حق المحتال عليه، فإذا زال حقه بالإبراء فله الرجوع به، ولو وهب المحتال له للمحتال عليه، أو مات المحتال له وورثه المحتال لا يرجع المحيل على المحتال عليه بدينه؛ لأن المحتال عليه ملك الدين بالهبة والإرث؛ لأنهما من أسباب المُلك، بخلاف الإبراء، إلا أنه إسقاط لا تمليك، فلم يملك المحتال عليه ما في ذمته بالإبراء؛ لأنه ملك دين الحوالة بالهبة
стр. 5130
فَلَا تَبْطُلُ الحَوَالَةُ بِأَخْذِ مَا عَلَيْهِ أَوْ عِنْدَهُ.
قَالَ: (وَيُكْرَهُ السَّفَائِجُ وَهِيَ: قَرْضُ اسْتَفَادَ بِهِ المُقْرِضُ سُقُوطَ خَطَرِ الطَّرِيقِ) وَهَذَا نَوْعُ نَفْعِ اسْتُفِيدَ بِهِ وَقَدْ «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ قَرْضِ جَرَّ نَفْعًا».
والإرث كما في الأداء، وبالإبراء لا يملك شيئًا. كذا في الذخيرة (١)، والكافي.
قوله: (بأخذ ما عليه) أي: من الدين والغصب، (أو عنده) أي: يأخذ عينه الذي عنده من الوديعة، ويحتمل أن يراد بما عليه الدين خاصة، وبقوله: عنده؛ أي: عنده من العين سواء كانت وديعة وغضبًا (٢).
قوله: (ويكره السفاتج) إلى آخره، وفي المغرب (٣): السُّفتجة، بضم السين وفتح الفاء: واحدة السفاتج، وهو تعريب (سفته): شيء محكم، وسُمِّيَ هذا الفرض به؛ لإحكام أمره.
وصورته: أن يدفع إلى تاجر عشرة قرضًا؛ ليدفعه إلى صديقه في بلد آخر؛ ليستفيد به سقوط خطر الطريق.
وفي المبسوط (٤): فإن لم تكن المنفعة مشروطة فلا بأس به، حتى لو قضاه أجود مما قبضه لا بأس به، إذا لم يكن مشروطًا فيه ولا عرف ظاهر فيه؛ لأنه في معنى الحوالة؛ لأنه أحال الخطر المتوقع على المستقرض، قالوا: إنما يحل ذلك عند عدم الشرط، إذا لم يكن فيه عُرف ظاهر، فأما إذا كان يعرف أنه فعل ذلك لأجل القرض.
والذي حكي عن أبي حنيفة أنه لم يقعد في ظل جدار غريمه فلا أصل له؛ لأن ذلك لا يكون انتفاعًا بملكه، كيف ولم يكن مشروطًا ولا مطلوبًا، وإنما أورد هذه المسألة في هذا الموضع؛ لأنها معاملة في الديون، كالكفالة والحوالة، فإنها معاملة في الديون أيضًا.
стр. 5131
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
كِتَابُ أَدَبِ القَاضِي
كِتَابُ أَدَبِ الْقَاضِي
لما [كان] (١) أكثر المنازعات في الديون والبياعات ذكر ما هو قاطعها بعدها، وهو القضاء والقاضي يحتاج إلى خصال حميدة حتى يصلح بها للقضاء، فهذا الكتاب لبيانها.
ثم تركيب (الأدب) يدل على الجمع والدعاء، ومنه الأدب، بسكون الدال، وهو أن تجمع الناس إلى طعامك وتدعوهم إليه، والمأدبة: اسم للطعام، والأدب: هو الداعي إليه، وسمى الأدب أدبا؛ لأنه يؤدب الناس إلى المحامد، أي: يدعوهم إليها (٢).
وعن أبي يزيد: الأدب يقع على كل رياضة محمودة يتخرج بها الإنسان في فضيلة من الفضائل، والمراد من أدب القاضي هنا: هو الخصال المدعو إليها.
والقضاء الحكم، وأصله: (قضاي) لأنه من (قضيت) إلا أن الياء لما جاءت بعد الألف همزت، كَرِداء، أصله: (رداي).
والقضاء يجيء لمعان؛ قال ابن قتيبة: يجيء لمعان مختلفة كلها تعود إلى معنى واحد، أصله: الختم والفراغ عن الأمر، وبه تجري ألفاظ القرآن.
وفي الشرع: المراد به الإلزام، وفصل الخصومات، وقطع المنازعات، وسمى حكمًا؛ لما فيه من منع الظالم عن المظلوم، ومنه الحكمة، والحكمة، ويقال: أحكمت السفيه: إذا أخذت على يده ومنعته.
ثم القضاء بالحق من أشرف العبادات، وأقوى الفرائض بعد الإيمان.
стр. 5132
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وفي الزاد: القضاء فريضة محكمة، وشريعة متبعة، وعبادة شريفة؛ لأجل ذلك أثبت الله تعالى لآدم الخلافة بقوله: ﴿إِنِّي جَاعِلُ﴾ [البقرة: ٣٠]، ولداود بقوله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً﴾ [ص: ٢٦] وبه أمر كل نبي مرسل حتى خاتم الأنبياء صلوات الله وسلامه عليه وعليهم قال تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم﴾ [المائدة: ٤٩] الآيات.
ثم القضاء مشروع بالكتاب كما ذكرنا، وبالسنة لما روي أنه ﵇ قال: «إذا اجْتَهَدَ الحَاكِمُ فَأَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ، وَإِنْ أصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ» (١)، وقال ﵇: «السَّابِقُونَ إِلى ظِلِّ الله تَعَالى يَوْمَ القِيَامَةِ: الذينَ إِذَا أَعْطُوا الحَقَّ قَبِلُوه، وإِذَا سُلُوا بَذَلُوا، وإِذَا حَكَمُوا للمُسْلِمِيْن حَكَمُوا كَحُكْمِهِمْ لأَنْفُسِهِمْ» (٢)، وقال ﵇: «إِذَا جَلَسَ الحَاكِمُ للحُكُمْ بَعَث الله تَعَالى مَلَكَيْن يُسدِدَانِهِ ويُوفقَانِه، فإِنْ عَدَلَ أقاما، وإن جَارَ عَرجًا وتَرَكَاه» (٣)، وروي أنه ﵇ بعث علياً قاضياً إلى اليمن، فقال: يا رسول الله، بعثتني أقضي بينهم وأنا شاب لا أدري ما القضاء، قال علي: فضرب رسول الله ﷺ في صدري، وقال: «اللَّهُم اهدِهِ وَثَبِّتْ لِسَانَهُ»، فوالذي فلق الحبة ما شككت في قضاء بين اثنين (٤)، وأنه ﵇ بعث معاذاً إلى اليمن قال: كَيْفَ تَقْضِي؟ قال: أقضي بكتاب الله الحديث (٥).
وبالإجماع (٦)، وهو ظاهر.
وبالمعقول، وهو أن في القضاء الأمر بالمعروف، ودفع الظلم عن
стр. 5133
قَالَ: (وَلَا تَصِحُّ وِلَايَةُ القَاضِي حَتَّى يَجْتَمِعَ فِي المُوَلَّى شَرَائِطُ الشَّهَادَةِ، وَيَكُونَ مِنْ أَهْلِ الاجْتِهَادِ) أَمَّا الأَوَّلُ: فَلِأَنَّ حُكْمَ القَضَاءِ يُسْتَقَى مِنْ حُكْمِ الشَّهَادَةِ، لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ بَابِ الوِلَايَةِ، فَكُلُّ مَنْ كَانَ أَهْلًا لِلشَّهَادَةِ يَكُونُ أَهْلًا لِلْقَضَاءِ، وَمَا يُشْتَرَطُ لِأَهْلِيَّةِ الشَّهَادَةِ يُشْتَرَطُ لِأَهْلِيَّةِ القَضَاءِ.
وَالفَاسِقُ أَهْلُ لِلْقَضَاءِ حَتَّى لَوْ قُلِّدَ يَصِحُّ،
المظلوم، ودفع التهارج، وقطع المنازعات وفصل الخصومات، والكل حسن عقلا، وهو فرض كفاية بالإجماع، فإن لم يصلح للقضاء إلا واحد تعين عليه ووجب عليه بالإجماع.
قوله: (حتى يجتمع في المولى) على اسم المفعول من التولية، ولم يقل المتولي؛ ليكون فيه دلالة على تولية غيره إياه بدون طلبه، وهو الأولى للقاضي، على ما يجيء.
(يُسْتَقَى) أي: يستفاد ويؤخذ، استعار الاستقاء للاستفادة؛ لأن في الاستقاء فائدة للمستقي، ولا يلزم من هذا بناء القوي على الضعيف؛ لما أن القضاء أقوى من الشهادة؛ لأن هذا بيان حكم المرجع، أي: مرجعهما واحد، وهو الولاية؛ إذ الولاية تنفيذ القول على الغير شاء أو أبى، والشهادة والقضاء كذلك، فكان مرجعهما إلى أصل واحد (١).
[قوله] (٢) (وما يشترط لأهلية الشهادة) من الإسلام والبلوغ والعقل والعدالة يشترط لأهلية القضاء لما أن حكم القضاء مبني على حكم الشهادة؛ لأن أصل الولاية يثبت بأهل الشهادة، وكمال الولاية بالقضاء، وكمال الشيء لا يكون بدون أصله، ولأن الشهادة توجد بدون وصف القضاء، ولا يوجد القضاء بدون وصف الشهادة، فمن هذا الوجه ولاية القضاء كالفرع لولاية الشهادة (٣).
قوله: (حتى لو قلد) أي: الفاسق (يصح) أي: تقليده ابتداء (٤)، وقال
стр. 5134
إِلَّا أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُقَلَّدَ كَمَا فِي حُكْمِ الشَّهَادَةِ، فَإِنَّهُ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَقْبَلَ القَاضِي شَهَادَتَهُ، وَلَوْ قَبِلَ جَازَ عِنْدَنَا.
وَلَوْ كَانَ القَاضِي عَدْلًا فَفَسَقَ بِأَخْذِ الرِّشْوَةِ أَوْ غَيْرِهِ لَا يَنْعَزِلُ … ... … .
الشافعي (١) ومالك (٢) وأحمد (٣): لا يصح تقليده، وبه قال بعض مشايخنا، وقال أصبغ المالكي (٤): يصح، ولكن يجب عزله.
وفي وسيط الغزالي (٥) اجتماع هذه الشرائط من الاجتهاد والعدالة وغيرهما متعذر في عصرنا؛ لخلو العصر عن المجتهد والعدل، فالوجه تنفيذ قضاء كل من ولاه سلطان ذو شوكة وإن كان جاهلا فاسقا.
قوله: (إلا أنه) أي: الفاسق (ينبغي ألا يقلد)؛ لأنه لا يؤمن عليه؛ لقلة مبالاته بواسطة فسقه (كما في حكم الشهادة) فإن الأولى للقاضي ألا يقضي بشهادته، ولو قضى نفذ عندنا (٦).
قوله: (بأخذ الرشوة)، في الصحاح (٧): الرشوة: معروفة، وضم الراء لغة فيه، وهي مأخوذة من الرشاء، بالمد، فإن نازح الماء من البئر لا يتوصل إليه إلا به، فكذا الإنسان إلى مقصود الحرام لا يتوصل إلا بها.
والرشوة على أربعة أوجه:
منها ما هو حرام للآخذ والمعطي، وهو الرشوة في تقليد القضاء، فإنه لا يصير قاضيًا بالرشوة بالإجماع (٨)، سواء كان قضاؤه بحق أو بغير حق.
ومنها ما يأخذه القاضي على القضاء، وهو حرام من الجانبين أيضًا، ولا ينفذ، قضاه بحق أو بغير حق.
ومنها ما دفعها لخوف على نفسه أو ماله، فهذه حرام على الآخذ لا الدافع.
стр. 5135
وَيَسْتَحِقُّ العَزْلَ، وَهَذَا هُوَ ظَاهِرُ المَذْهَبِ (•) وَعَلَيْهِ مَشَايِخُنَا ﵏.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: الفَاسِقُ لَا يَجُوزُ قَضَاؤُهُ كَمَا لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ عِنْدَهُ، وَعَنْ عُلَمَائِنَا الثَّلَاثَةِ ﵏ فِي النَّوَادِرِ: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ قَضَاؤُهُ. وَقَالَ بَعْضُ المَشَايِخِ ﵏: إِذَا قُلْدَ الفَاسِقُ ابْتِدَاءً يَصِحٌ، وَلَوْ قُلْدَ وَهُوَ عَدْلٌ يَنْعَزِلُ بِالفِسْقِ، لِأَنَّ المُقَلِّدَ اعْتَمَدَ عَدَالَتَهُ فَلَمْ يَكُنْ رَاضِيًا بِتَقْلِيدِهِ دُونَهَا.
ومنها لو دفعها ليستوي أمره عند السلطان، حل الدفع ولا يحل الأخذ، فلو أراد الآخذ أن يحل يستأجر الدافع الآخذ يومًا إلى الليل بما يريد أن يدفع إليه، فإنه يجوز هذه الإجارة، ثم المستأجر إن شاء استعمله في هذا العمل، وإن شاء استعمله في غيره. كذا في فتاوى قاضي خان (١) وأدب القاضي للصدر الشهيد (٢).
قوله: (ويستحق العزل) عن العلامة الكردري: يعني يحسن عزله، وقال الشافعي (٣) ومالك (٤) وأحمد (٥): ينعزل ولا يصح قضاؤه بعد ذلك، كما لا تقبل شهادته، وفي النوادر عن علمائنا الثلاثة: لا يصح قضاؤه، كمذهب الشافعي، وينعزل بالفسق إذا كان عدلا وقت التقليد.
(وعن بعض مشايخنا: إذا قلد الفاسق ابتداء يصح) إلى قوله: (وينعزل بالفسق).
فإن قيل: البقاء أسهل من الابتداء، وكم من شيء لا يثبت ابتداء ويثبت بقاء، كالنكاح لا يثبت بدون الشهود ويبقى بموت الشهود، أما ما يثبت ابتداءً فيثبت بقاءً، وهاهنا يثبت ابتداءً ولا يثبت بقاء.
قلنا: هذا من باب تعليق القضاء والإمارة بالشرط؛ لما ذكر في الكتاب.
(أنه اعتمد عدالته) إلى آخره، فحينئذ يكون تقليده معلقًا بالعدالة ومقيدًا بها، فصار كما لو قال: إذا قدمت بلدة كذا فأنت قاضيها، أو
стр. 5136
وَهَلْ يَصْلُحُ الفَاسِقُ مُفْتِيًّا؟
قال: إذا أتَيْتُ مكة فأنت أمير الموسم، وكذا يجوز إضافتهما إلى وقت كما لو قال: جعلتك قاضيًا أو واليًا رأس الشهر.
والأصل في ذلك أنه ﵇ بعث جيشًا، وأمر عليه زيد بن حارثة ثم قال:
«إِنْ قُتِلَ زَيْدُ فَجَعْفَرٌ أَمِيرُكُمْ، وإِنْ قُتِلَ جَعْفَرُ فَعَبْدُ اللهِ بنُ رَوَاحَةَ أَمِيرُكُمْ» (١) وكذا يجوز تعليق عزل القضاء بالشرط. ذكره في شرح أدب القاضي (٢).
في الذخيرة (٣): الإمام إذا كان عدلا، وكذا الأمير، ثم فسقا - لم يخرجا عن الإمامة، والإمارة، والقاضي يخرج بالفسق.
والفرق على قول هؤلاء المشايخ: أن مبنى الإمارة والإمامة على الغلبة والقهر، ولهذا تقلد بعض الصحابة الأعمال ممن غلب وجار، وأما مبنى القضاء على العدالة والأمانة، فإذا بطلت العدالة والأمانة يبطل القضاء ضرورة، وقد يثبت الشيء ابتداء أو لا يثبت بقاء، فإن العبد المأذون إذا أبق صار محجورًا، ولو أُذن حال إباقه يصح على رواية هذا الكتاب على ما يجيء، وقال قاضي خان: إذن الآبق في التجارة (٤) إنما يصح إذا أُذن له بالتجارة ممن في يده.
قوله: (يصلح) أي: الفاسق (مفتيًا)؟ قيل: لا يصح؛ لأن مبناه على الأمانة والاحتراز عن الخيانة، وبه قال الشافعي (٥) [ومالك] (٦) وأحمد (٧).
قوله: «مَنْ قلّد إنسانًا» الحديث (٨)، قيل: هذا حديث خارج عن المدونات. أجيب: هذا طعن بلا دليل، وقد ثبت بنقل العدل (٩).
стр. 5137
قِيلَ: لَا، لِأَنَّهُ مِنْ أُمُورِ الدِّينِ، وَخَبَرُهُ غَيْرُ مَقْبُولٍ فِي الدِّيَانَاتِ، وَقِيلَ: يَصْلُحُ (•)، لِأَنَّهُ يَجْتَهِدُ كُلَّ الجَهْدِ فِي إِصَابَةِ الحَقِّ حَذَارِ النِّسْبَةِ إِلَى الخَطَرِ، وَأَمَّا الثَّانِي: فَالصَّحِيحُ أَنَّ أَهْلِيَّةَ الِاجْتِهَادِ شَرْطُ الأَوْلَوِيَّةِ.
فَأَمَّا تَقْلِيدُ الجَاهِلِ فَصَحِيحٌ عِنْدَنَا، خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ ﵀ وَهُوَ يَقُولُ: … ...
قوله: (وأما الثاني) أي: اشتراط الاجتهاد بقوله: (ويكون من أهلية الاجتهاد).
والاجتهاد: بذل المجهود لنيل المقصود، والمراد به العالم بالأحكام.
وفي المجتبي: نص محمد في الجامع: شرط القضاء أن يكون القاضي مجتهدًا، وذكر الخصاف: يجوز أن يكون غير مجتهد، فتقليد الجاهل صحيح عندنا خلافًا للشافعي (١)، ولكن ينبغي أن يقضي بقول الأفقه في المجتهدات، ويقضي بفتوى الأفقه.
قوله: (خلافًا للشافعي) (٢) وبقوله قال مالك (٣) وأحمد (٤).
(هو يقول) أي: الشافعي يقول إنه مأمور بالقضاء بالحق، ولا أمر بلا قدرة، ولا قدرة بلا علم، وقد روي أنه ﵇ قَالَ: «القُضَاةُ ثَلَاثَةٌ: قَاضِيَانِ فِي النَّار، وقَاضِ في الجَنَّة، أمَّا اللَّذَانِ في النَّارِ: الجَاهِلُ، والعَالِمُ الجَائِر، وأمّا الذي في الجنة: فالعالمُ العَادِلُ» رواه أبو داود (٥).
ولنا: أن المقصود من القضاء، وهو إيصال الحق إلى مستحقه، يحصل بفتوى غيره، والحديث محمول على الجاهل الذي يعمل بجهله ولا يرجع إلى الغير، ولأن هذا الحديث يدل على عظم جنايته، إلا أنه لا يصير قاضيًا، ولهذا سماه قاضيًا، وكذا المفتي عندهم ينبغي أن يكون من أهل الاجتهاد، وعندنا أيضًا.
стр. 5138
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أما لو أفتى فقيه لم يبلغ درجة الاجتهاد فيما يروى عن أصحابنا، يُفتي بالرواية الظاهرة، ولا يُخالفهم برأيه وإن كان مُجتهدا، ولو كانت مُختلفة بين أصحابنا، فإن كان مع أبي حنيفة أحد صاحبيه، يُفتي بقولهما وإن خالفاه، فإن كان اختلاف عصر أو أحد المتأخرين بقولهما، كالمزارعة، يُفتي بقولهما، وفيما سواه يتخيّر المفتي ويعمل بالاجتهاد، وقال ابن المُبارك: يأخذ بقول أبي حنيفة.
وقال رضي الدين النيسابوري: لو كان المفتي مُجتهدا يُفتي برأيه كائنا ما كان، ولا يفتي بقول من يُقلّده لا مُحالة إلا في موضع الضّرورة، وعليه الأكثرون، وإن وجد لها رواية نادرة؛ فإن وافق قول أصحابنا، أخذ بها، وإن لم يجد واتفق بها المتأخرون، أخذ به، وإلا يُفتي بما هو الأصوب عنده، وإن كان المفتي مُقلّدا غير مُجتهد، يفتي بقول من هو أفقه عنده، وإن كان في مِصر آخر.
وفي الكافي: ينبغي أن يكون المفتي عفيفًا صالحًا عاقلاً فهمًا، عالمًا بالسّنة والآثار ووجوه الفقه الذي يؤخذ منه الكلام، فمن لم يكن بهذه الصفة لا يُفتي إلا بشيء سمعه، يقول: قال أبو حنيفة كذا.
وفي بعض الجوامع: من عرف الأقاويل ولم يعرف الحجج لا يحل له أن يفتي فيما اختلف فيه، ولا يقطع بأحد الأقاويل فيفتي به، ولو لم يوجد في البلد مثله، وفيه حافظ للفقه إن كان مأمونًا ثقة عليه لا فيما يحكيه حكى الأقاويل للمستفتي، فيختار المستفتي ما يقع في قلبه أنه أصوبهم، على ما روي عن أبي حنيفة.
وفي الجامع الصغير: لو انتقل من مذهب إلى مذهب لاجتهاد وبرهان فهو مذموم آثم مستوجب للتأديب والتعزير، فبلا اجتهاد وبرهان بالطريق الأولى، وبه قال الشافعي (١).
وقال الإمام العياضي: العبرة لمن يعتقده المستفتي، فكل ما اعتقده من مذهب حل له الأخذ به ديانة ولم يحل بخلافه.
стр. 5139
إِنَّ الْأَمْرَ بِالقَضَاءِ يَسْتَدْعِي القُدْرَةَ عَلَيْهِ، وَلَا قُدْرَةَ دُونَ العِلْمِ. وَلَنَا: أَنَّهُ يُمْكِنُهُ أَنْ يَقْضِيَ بِفَتْوَى غَيْرِهِ، وَمَقْصُودُ القَضَاءِ يَحْصُلُ بِهِ وَهُوَ إِيصَالُ الحَقِّ إِلَى مُسْتَحِقِّهِ.
وَيَنْبَغِي لِلْمُقَلِّدِ أَنْ يَخْتَارَ مَنْ هُوَ الأَقْدَرُ وَالأَوْلَى لِقَوْلِهِ ﵊: «مَنْ قَلَّدَ إِنْسَانًا عَمَلًا، وَفِي رَعِيَّتِهِ مَنْ هُوَ أَوْلَى مِنْهُ، فَقَدْ خَانَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَجَمَاعَةَ المُسْلِمِينَ».
وَفِي حَدِّ الاجْتِهَادِ كَلَامٌ عُرِفَ فِي أُصُولِ الفِقْهِ. وَحَاصِلُهُ: أَنْ يَكُونَ صَاحِبَ
وفي جامع شمس الأئمة: ولا بأس بمباشرة ما يعتقد جوازه وإن كان فيه اختلاف العلماء، فلا يكون ذلك تركا للاحتياط.
وذكر الرازي في أصول الفقه: فأما ما يؤخذ من كلام في كتاب معروف تداولته الأيدي يجوز لمن نظر فيه أن يقول: قال فلان كذا وإن لم يسمعه من أحد، نحو كتب محمد بن الحسن ونحوها من التصانيف في أصناف العلوم؛ لأنه بمنزلة الخبر المتواتر، ومثله يستغني عن الإسناد. كذا في المجتبي
وفي المحيط (١): وعن الحسن بن زياد الجاهل بالعلم إذا استفتى فقيها فأفتاه بقول يأخذ به ولا يسعه أن يتعدّى إلى غيره، ولو كان في المصر فقيهان سيان في الفتوى فاختلفا يأخذ بقول أيهما يقع في قلبه أنه أصوبهما، وإن كانوا ثلاثة في مصر واتفق اثنان بقول يأخذ بقولهما، ولا يسعه أن يأخذ بقول الثالث، وإن اختلفوا ولم يتفق اثنان منهم اجتهد هو رأيه فأيهم أصوب عنده عمل به.
قوله: (صاحب حديث له معرفة بالفقه أو صاحب فقه له معرفة بالحديث) (٢)، والفرق بين القولين أن في الأول منسوب إلى علم الحديث؛ لزيادة علمه ودرسه فيه، ولكن له فقه أيضًا، وفي الثاني منسوب إلى الفقه لزيادة درسه فيه؛ لكن له علم الحديث أيضًا، ولم يدخل الواو في قوله: له معرفة بالفقه؛ لأن ذلك خبر بعد خبر.
قوله: (وفي حد الاجتهاد كلام) أي: اختلاف كثير عرف في أصول الفقه.
وفي الكافي: وأصح ما قيل في حد المجتهد أن يكون قد حوى علم الكتاب ووجوه معانيه، وعلم السنة بطرقها ومتونها ووجوه معانيها، وأن يكون
стр. 5140
حَدِيثٍ، لَهُ مَعْرِفَةٌ بِالْفِقْهِ لِيَعْرِفَ مَعَانِيَ الآثَارِ، أَوْ صَاحِبَ فِقْهِ، لَهُ مَعْرِفَةٌ بِالحَدِيثِ، لِئَلَّا يَشْتَغِلَ بِالقِيَاسِ فِي المَنْصُوصِ عَلَيْهِ، وَقِيلَ: أَنْ يَكُونَ مَعَ ذَلِكَ صَاحِبَ قَرِيحَةٍ يَعْرِفُ بِهَا عَادَاتِ النَّاسِ، لِأَنَّ مِنْ الأَحْكَامِ مَا يَبْتَنِي عَلَيْهَا.
قَالَ: (وَلَا بَأْسَ بِالدُّخُولِ فِي القَضَاءِ لِمَنْ يَثِقُ بِنَفْسِهِ أَنْ يُؤَدِّيَ فَرْضَهُ) لِأَنَّ الصَّحَابَةَ ﵃ تَقَلَّدُوهُ وَكَفَى بِهِمْ قُدْوَةٌ، وَلِأَنَّهُ فَرْضُ كِفَايَةٍ لِكَوْنِهِ أَمْرًا بِالْمَعْرُوفِ.
عالمًا بالقياس ومصيبًا فيه، وعالمًا بعرف الناس على ما بيّن في أصول الفقه (١).
قوله: (وما يبتني عليها) أي على عادات الناس؛ لأن العرف قد يغلب على القياس، كما في الاستصناع جوّز بخلاف القياس. ذكره الصدر الشهيد في أدب القاضي (٢).
في الصحاح (٣): القريحة أول ما يستنبط من البئر، ومنه قولهم: لفلان قريحة جيدة، يريد استنباط العلم بجودة الطبع.
قوله: (لأنه فرض كفاية)، فإن قيل: قوله: فرض كفاية يوجب أن الدخول فيه مستحب، كما في صلاة الجنازة وغيرها.
قلنا: نعم لكن فيه خطر عظيم وأمر مخوف لا يسلم في بحره كل سابح، فبالنظر إلى كونه فرض كفاية يستحب، وبالنظر إلى كونه متضمنا أمرًا مخوفًا يكره، فقلنا بعدم البأس.
قوله: «فَكَأَنَّمَا ذُبِحَ بِغَيْرِ سِكّين»، وفي رواية: «ذُبح بسكين» رواه الترمذي، وقال: حديث حسن (٤).
стр. 5141
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وذكر الصدر الشهيد في أدب القاضي (١): وجه التشبيه أن السكين مؤثرة في الظاهر والباطن جميعًا، والذبح بغير السكين ذبح بطريق الخنق والغم ونحو ذلك، فإنه يؤثر في الباطن والقضاء لا يؤثر في الظاهر فإنه في ظاهره جاه، وفي باطنه هلاك.
وعن الإمام الحلواني: لا ينبغي أن يزدري اللفظ أحد كيلا يصيبه ما أصاب ذلك القاضي.
روي أن قاضيًا ازدراه، وقال: كيف يكون هذا؟ ثم دعا في مجلسه بمن يسوي شعره، فجعل الحلاق يحلق بعض الشعر من تحت ذقنه إذ عطس فأصابه الموسى فألقى رأسه بين يديه.
وذكر الصدر الشهيد في أدب القاضي (٢): وكان في بني إسرائيل من فرغ نفسه للعبادة ستين سنة فإنه يرجى له النبوة، فإذا اشتغل بالقضاء أويس له من النبوة.
وروى أن عثمان لما استقضى ابن عمر امتنع منه، ولما دعي أبو قلابة للقضاء هرب حتى أتى الشام فوافق ذلك عزل قاضيها، فهرب حتى أتى اليمامة، فقال: ما وجدت القاضي إلا كسابح في بحر فكم يسبح حتى يغرق.
وعن أبي هريرة يقول: والله ليرمين الله تعالى القضاة يوم القيامة بشرار أعظم من هضبات حُسمى.
والهضبات: التلال، وحسمى: اسم موضع.
وإن قيل في تأويله: أن المراد: القاضي الجائر؛ لكن بظاهره يتناول الكل، وفائدته التحذير.
وقد تحرز أبو حنيفة (٣) عن تقلده بعدما ضرب مرارًا وحبس لأجله، وقال: البحر عميق والسفينة وثيق والملاح عالم، فقال أبو حنيفة: كأني بك قاضيًا.
стр. 5142
قَالَ: (وَيُكْرَهُ الدُّخُولُ فِيهِ لِمَنْ يَخَافُ العَجْزَ عَنْهُ، وَلَا يَأْمَن عَلَى نَفْسِهِ الحَيْفَ فيهِ) كَيْ لَا يَصِيرَ شَرْطًا لِمُبَاشَرَتِهِ القَبِيحَ، وَكَرِهَ بَعْضُهُمْ الدُّخُولَ فِيهِ مُخْتَارًا لِقَوْلِهِ ﵊: «مَنْ جُعِلَ عَلَى القَضَاءِ فَكَأَنَّمَا ذُبِحَ بِغَيْرِ سِكِّينِ» وَالصَّحِيحُ: أَنَّ الدُّخُولَ فِيهِ رُخْصَةٌ طَمَعًا فِي إِقَامَةِ العَدْلِ، وَالتَّرْكُ عَزِيمَةٌ، فَلَعَلَّهُ يُخْطِئُ ظَنُّهُ وَلَا يُوَفَّقُ لَهُ أَوْ لَا يُعِينُهُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ، وَلَا بُدَّ مِنْ الإِعَانَةِ، إِلَّا إِذَا كَانَ هُوَ أَهْلًا لِلْقَضَاءِ دُونَ غَيْرِهِ، فَحِينَئِذٍ يُفْتَرَضُ عَلَيْهِ التَّقَلُّدُ صِيَانَةٌ لِحُقُوقِ العِبَادِ، وَإِخْلَاءَ لِلْعَالَمِ عَنْ الفَسَادِ.
قَالَ: (وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَطْلُبَ الوِلَايَةَ وَلَا يَسْأَلَهَا) لِقَوْلِهِ ﵊:
وكذا دعي محمد إلى القضاء فأبى حتى قيد وحبس حتى اضطر فتقلد، وعن الشافعي أنه عرض عليه كتاب الرشيد فلم يجبه وامتنع عنه، وأوصى في مرضه للمزني ألا يتولى القضاء، وعن بعض أصحابه إن كان خامل الذكر يستحب له الطلب لنشر العلم، أما إذا أمكن نشر العلم بدونه لا يستحب.
وقال الفقهاء (١): لا يستحب مطلقا، وهو قول مالك (٢) وأحمد (٣)، وكرهوا الدخول فيه مختارًا كما ذكرنا.
قوله: (طمعًا في إقامة العدل) في الحديث: «عَدْلُ سَاعَةٍ خَيْرٌ مِنْ عِبَادَةِ سَنَةٍ»، والامتناع عزيمة؛ لأنه مأمور بالقضاء بالحق، وربما يظن في الابتداء أنه يقضي بالحق ثم لا يقدر عليه في الانتهاء، ولأنه لا يمكنه القضاء إلا بإعانة غيره، ولعل غيره لا يعينه (٤).
قوله: (يفترض عليه التقلد) بلا خلاف بين الفقهاء، كصلاة الجنازة إذا تعين واحد لإقامتها يفترض (٥).
قوله: (وينبغي ألا يطلب الولاية) أي: بقلبه (ولا يسألها) أي: بلسانه، ولا
стр. 5143
«مَنْ طَلَبَ القَضَاءَ وُكِلَ إِلَى نَفْسِهِ، وَمَنْ أُجْبِرَ عَلَيْهِ نَزَلَ عَلَيْهِ مَلَكُ يُسَدِّدُهُ» وَلِأَنَّ مَنْ طَلَبَهُ يَعْتَمِدُ عَلَى نَفْسِهِ فَيَحْرُمُ، وَمَنْ أُجْبِرَ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ عَلَى رَبِّهِ فَيُلْهَمُ.
(ثُمَّ يَجُوزُ التَّقَلُّدُ مِنْ السُّلْطَانِ الجَائِرِ كَمَا يَجُوزُ مِنْ العَادِلِ) لِأَنَّ الصَّحَابَةَ ﵃
خلاف فيه في غير المعين، أما إذا لم يتعيّن ألا يطلب الولاية، ولكن هو أصلح من غيره - نص بعض أصحاب الشافعي (١) إن كان خامل الذكر ولو ولي القضاء لاشتهر وانتفع الناس بعلمه، أو لم يكن له كفاية ولو ولي لصار مكفيا من بيت المال - يستحب الطلب، وبه قال أحمد (٢)، وقال القفال (٣): لا يستحب الطلب بحال؛ لحديث عبد الرحمن بن سمرة قال ﵇: «لا تَسْأَلِ الإمارَة فَإِنَّكَ إِنْ أعْطَيتَها عن مسألة وكلْتَ إِليها، وإِنْ أَعْطَيْتَهَا عَنْ غَيْرِ مَسأَلَةٍ أَعْنْتَ عَلَيْهَا» (٤).
قوله: («وَكِلَ») بالتخفيف، الحديث رواية أنس، رواه الترمذي، وقال: حديث حسن.
وذكر الصدر الشهيد (٥): وإنما فوض إلى نفسه لا من سأل القضاء فقد اعتمد ذكاءه وورعه فصار معجبًا، فلا يلهم الرشد ويحرم التوفيق، بخلاف من أكره عليه فقد اعتصم بحبل الله وتوكل على الله تعالى، فيلهم الرشد ويوفق للصواب.
قوله: (يجوز التقلد من السلطان الجائر) ولا خلاف فيه، أما الإسلام شرط في السلطان عند الأئمة الأربعة وأكثر أهل العلم، وذكر في الملتقط ليس بشرط حتى قال: بلاد الإسلام التي في أيدي الكَفَرة لا شك أنها بلاد الإسلام لا بلاد الحرب؛ لأنها غير متصلة ببلاد الحرب ولم يظهروا فيها حكم الكفر؛ بل القضاة مسلمون والملوك الذين يطيعونهم عن ضرورة مسلمون، وإن كان عن غير ضرورة فكذلك أيضًا وهم فسّاق، وكل مصر فيه وال من جهتهم تجوز فيه إقامة
стр. 5144
تَقَلَّدُوهُ مِنْ مُعَاوِيَةَ ﵁ وَالحَقُّ كَانَ بِيَدِ عَلِيٌّ ﵁ فِي نَوْبَتِهِ، وَالتَّابِعِينَ تَقَلَّدُوهُ مِنْ الحَجَّاجِ وَكَانَ جَائِرًا، إِلَّا إِذَا كَانَ لَا يُمَكِّنُهُ مِنْ القَضَاءِ بِحَقِّ، لِأَنَّ المَقْصُودَ لَا يَحْصُلُ بِالتَّقَلُّدِ، بِخِلَافِ مَا إِذَا كَانَ يُمْكِنُهُ.
الجمعة والأعياد وأخذ الخراج وتقليد القضاة وتزويج الأيامى لاستيلاء المسلم عليه، أما طاعته للكفرة فذاك موادعة ومخادعة، وأما بلاد عليها ولاة الكفار فيجوز للمسلمين إقامة الجمعة والأعياد، ويصير القاضي قاضيًا بتراضي المسلمين، ويجب عليهم أن يلتمسوا واليًا مسلمًا منهم ﴿فَعَسَى اللهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ﴾ [المائدة: ٥٢].
ولكن ذكر في القنية البلاد التي غلب عليها التَّتَرة الملعونة كخوارزم وخراسان وما وراء النهر وغيرها صارت دار الحرب في الظاهر؛ لأنهم أَجْرَوْا أحكامهم فيها حتى لو استولى الزوج على امرأته بعد ردتها يملكها الزوج فتبقى في يده بحكم الرق.
قوله: (في نوبته) أي نوبة عليّ، وقيد به احترازًا عن مذهب الروافض، فإنهم يقولون: الحق مع عليّ في جميع نوب الخلفاء: في نوبة أبي بكر وعمر وعثمان، ومع أولاده بعد علي، وعند أهل السنة معاوية كان باغيًا في نوبة علي وبعده إلى زمان ترك أمير المؤمنين حسين الخلافة إليه، وانعقد الإجماع على خلافه معاوية بعده، وهذا البحث مذكور في علم أصول الدين (١).
قوله: (وهو) أي: الحجاج (كان جائرًا) فقد قال الحسن فيه: لو جاء كل أمة بخبيثاتها وجئنا به لغلبناهم، وظلمه مشهور.
(لأن المقصود) وهو دفع الظلم (لا يحصل بالتقلد).
وذكر الصدر الشهيد في أدب القاضي (٢): روى عن الحكم بن عمرو الغفاري أنه أتاه كتاب معاوية، وكان فيه أن أمير المؤمنين يأمرك أن تصطفي له الصفراء والبيضاء، فصعد المنبر وقال: أيها الناس أتاني كتاب أمير المؤمنين وقد أمرني أن اصطفي له الصفراء والبيضاء، وقد سبق كتاب الله
стр. 5145
قَالَ: (وَمَنْ قُلِّدَ القَضَاءَ يُسَلَّمُ إِلَيْهِ دِيوَانُ القَاضِي الَّذِي كَانَ قَبْلَهُ) وَهُوَ الخَرَائِطُ الَّتِي فِيهَا السِّجِلَّاتُ وَغَيْرُهَا، لِأَنَّهَا وُضِعَتْ فِيهَا لِتَكُونَ حُجَّةٌ عِنْدَ الحَاجَةِ، فَتُجْعَلُ فِي يَدِ مَنْ لَهُ وِلَايَةُ القَضَاءِ.
ثُمَّ إِنْ كَانَ البَيَاضُ مِنْ بَيْتِ المَالِ فَظَاهِرٌ، وَكَذَا إِذَا كَانَ مِنْ مَالِ الخُصُومِ فِي الصَّحِيحِ، لِأَنَّهُمْ وَضَعُوهَا فِي يَدِهِ لِعَمَلِهِ وَقَدْ انْتَقَلَ إِلَى المُوَلَّى، وَكَذَا إِذَا كَانَ مِنْ مَالِ القَاضِي هُوَ الصَّحِيحُ، لِأَنَّهُ اتَّخَذَهُ تَدَيُّنَا لَا تَمَوُّلًا، وَيَبْعَثُ أَمِينَيْنِ لِيَقْبِضَاهَا
كتاب معاوية إليّ، وإني قاسم لكم ما أفاء الله عليكم، ألا فليقم كل واحد وليأخذ حقه، ثم قال: اللهم اقبضني إليك، فما عاش بعد ذلك إلا قليلا.
في المغرب: السجل: كتاب حكمي (١).
(وغيرها) أي: غير السجلات من المحاضر والصكوك، وكتاب نصيب الأوصياء، وتقدير النفقات.
(ثم إن كان البياض) أي: القراطيس التي كتب فيها السجلات وغيرها (من بيت المال فظاهر) أي: يجبر المعزول على دفعه؛ لأن ذلك إنما كان في يده لعمله، وقد صار العمل لغيره، فلا يترك في يده.
(هو الصحيح) احترز به عما قال بعض المشايخ: إذا كان البياض من ماله أو مال الخصم لا يجبر على الدفع؛ لأنه ملكه أو وهب له، وفي الصحيح يجبر؛ لأنه ما اتخذه للتمول؛ بل للتدين، وكذا الخصوم تركوا ذلك في يده لعمله، وقد تحول العمل إلى غيره.
وفي المحيط (٢)، وأدب القاضي للصدر الشهيد (٣): للسلطان أن يعزل القاضي بريبة أو بغير ريبة؛ أما بريبة فلا شك، وأما بغير ريبة؛ لما روي عن أبي حنيفة أن القاضي على القضاء لا يُترك إلا حولاً؛ لأنه متى اشتغل بالقضاء أكثر من سنة ينسى العلم، فيقول له السطان: لا فساد فيك، ولكن أخشى عليك
стр. 5146
بِحَضْرَةِ المَعْزُولِ أَوْ أَمِينِهِ وَيَسْأَلَانِهِ شَيْئًا فَشَيْئًا، وَيَجْعَلَانِ كُلَّ نَوْعٍ مِنهَا فِي خَرِيطَةٍ كَيْ لَا يَشْتَبِهَ عَلَى المُوَلَّى، وَهَذَا السُّؤَالُ لِكَشْفِ الحَالِ لَا لِلْإِلْزَامِ.
أن تنسى العلم، فعد وادرس العلم ثم عد إلينا حتى نقلّدك.
وقال الشافعي (١): يجوز العزل بخلل إذا غلب على ظن السلطان خلله، وبه قال أحمد (٢)، وقال مالك (٣): يعزل بشكوى أحد، أما بغير خلل - عنه: لا يجوز عزله، ولو عزله لا ينعزل، فإن كان صالح آخر أفضل منه جاز عزله، وإن كان دونه أو مثله فإن كان لتسكين الفتنة أو مصلحة أخرى جاز عزله، وبه قال الغزالي.
وأما القضاة والولاة لا ينعزلون بموت السلطان ولا بعزل السلطان بلا خلاف، ولو عزل القاضي نفسه ينعزل، فإذا عزل وقلد آخر، فيبعث القاضي الجديد اثنين من ثقاته والواحد يكفي، والاثنان أحوط فيقبضان من المعزول ديوانه، ثم إذا قبض الديوان فنسخ السجلات يجمعان في خريطة، ونسخ الأوصياء في خريطة، وكل نوع في خريطة؛ لأن هذه النسخ كانت تحت يد المعزول، فلا يشتبه عليه شيء من ذلك متى احتاج إليه، فأما المقلد الجديد فيشتبه عليه لو لم يجمعا كل نوع في خريطة، ويسألانه عن المحبوسين وعن أسباب حبسهم.
قوله: (وهذا السؤال) أي: سؤال أحوال الديوان والمحبوسين وسبب الحبس (لكشف الحال لا للإلزام) لأن قول المعزول ليس بحجة لإلحاقه بالعزل بواحد من الرعايا، ومتى قبضا ذلك يختمان ذلك؛ احترازا عن الزيادة والنقصان، وهذا ينبغي أن يكون في حق كل قاض، كذا في المحيط (٤) وأدب القاضي للصدر الشهيد (٥).
قيل: والسؤال بمعنى الاستعلاء يتعدى إلى المفعول الثاني بـ (عن)، وهاهنا قال: (يسألانه شيئًا فشيئًا) بدون (عن).
أجيب: أن انتصاب (شيئًا) بعامل مضمر يدل عليه قوله: يسألانه، تقديره:
стр. 5147
[وَظَائِفُ القَاضِي]
قَالَ: (وَيَنْظُرُ فِي حَالِ المَحْبُوسِينَ) لِأَنَّهُ نُصْبَ نَاظِرًا (فَمَنْ اعْتَرَفَ بِحَقِّ أَلْزَمَهُ إِيَّاهُ) لِأَنَّ الإِقْرَارَ مُلْزِمٌ (وَمَنْ أَنْكَرَ: لَمْ يُقْبَل قَوْلُ المَعْزُولِ عَلَيْهِ إِلَّا بِبَيِّنَةٍ) لِأَنَّهُ بِالعَزْلِ التَحَقَ بِالرَّعَايَا، وَشَهَادَةُ الفَرْدِ لَيْسَتْ بِحُجَّةِ، لَا سِيَّمَا إِذَا كَانَتْ عَلَى فِعْلِ نَفْسِهِ (فَإِنْ لَمْ تَقُمْ بَيِّنَةٌ لَمْ يُعَجِّلْ بِتَخْلِيَتِهِ حَتَّى يُنَادَى عَلَيْهِ وَيَنْظُرَ فِي أَمْرِهِ) لِأَنَّ فِعْلَ القَاضِي المَعْزُولِ حَقٌّ ظَاهِرٌ، فَلَا يُعَجِّلُ كَيْ لَا يُؤَدِّيَ إِلَى إِبْطَالِ حَقِّ الغَيْرِ.
يسألانه عن أحوال السجلات وكيفياتها، أي: يسألان شيئًا وهما عنها (١).
وَظَائِفُ القَاضِي
قوله: (وينظر) أي: القاضي الحادث (في حال المحبسين) وفي أكثر النسخ: (المحبوسين).
قوله: (لم يقبل قول المعزول إلا يبينة) وبه قال الشافعي (٢) ومالك (٣)، وقال أحمد (٤): يقبل قوله بعد العزل كما قبل العزل؛ لأنه أمين الشرع، وعند مالك: لا يقبل قوله قبل العزل إلا بحجة أيضًا.
قوله: (حتى ينادى عليه) وصفته: أن يأمر كل يوم إذا جلس مناديًا ينادي في محلته: من كان يطلب فلان بن فلان المحبوس الفلاني بحق فليحضر، ينادي كذلك أيامًا، فإذا حضر وادّعى عليه وهو على جحوده ابتدأ الحكم بينهم، ولا يقبل قول المعزول، وإن لم يحضر خصم أخذ منه كفيلا بنفسه، ولعله محبوس بحق غائب، وقد قامت عليه أمارة، وهو حبس القاضي المعزول، بخلاف فصل قيمة الميراث عند أبي حنيفة، حيث لا يأخذ الكفيل هناك عند أبي حنيفة، على ما يجيء؛ لأن في مسألة الميراث الحق ظاهر لهذا الوارث، وفي ثبوت حق الآخر شك، فلا يجوز تأخيره لموهوم، أما هاهنا الحق ثابت؛ لحمل فعل القاضي على الصلاح، ولكنه مجهول، فلا يكون أخذ الكفالة لموهوم.
стр. 5148
(وَيَنْظُرُ فِي الوَدَائِعِ، وَارْتِفَاعِ الوُقُوفِ، فَيَعْمَلُ فِيهِ عَلَى مَا تَقُومُ بِهِ البَيِّنَةُ أَوْ يَعْتَرِفُ بِهِ مَنْ هُوَ فِي يَدِهِ) لِأَنَّ كُلَّ ذَلِكَ حُجَّةٌ.
(وَلَا يُقْبَلُ قَوْلُ المَعْزُولِ) لِمَا بَيَّنَّا إِلَّا أَنْ يَعْتَرِفَ الَّذِي هُوَ فِي يَدِهِ أَنَّ المَعْزُولَ سَلَّمَهَا إِلَيْهِ، فَيُقْبَلُ قَوْلُهُ فِيهَا لِأَنَّهُ ثَبَتَ بِإِقْرَارِهِ أَنَّ اليَدَ كَانَتْ لِلْقَاضِي، فَيَصِحُ إِقْرَارُ القَاضِي كَأَنَّهُ فِي يَدِهِ فِي الحَالِ، إِلَّا إِذَا بَدَأَ بِالإِقْرَارِ لِغَيْرِهِ ثُمَّ أَقَرَّ بِتَسْلِيمِ القَاضِي فَيُسَلِّمُ مَا فِي يَدِهِ إِلَى المُقَرِّ لَهُ الأَوَّلِ لِسَبْقِ حَقِّهِ، وَيَضْمَنُ قِيمَتَهُ لِلْقَاضِي بِإِقْرَارِهِ الثَّانِي، وَيُسَلَّمُ إِلَى المُقَرِّ لَهُ مِنْ جِهَةِ القَاضِي.
وقيل: أخذ الكفيل هاهنا على الخلاف أيضًا.
وفي المحيط (١): الصحيح أن أخذ الكفيل هاهنا بالاتفاق.
قوله: (كأنه في يده) أي: كان المال المقرّ به في يد القاضي المعزول (في الحال) ولو كان في يد المعزول عينًا كان تقبل إقراره بما في يده، فكذا يقبل إقراره بما في يد مودعه؛ لأن يد المودع كيد المودع (إلا إذا بدأ بالإقرار لغيره) ثم أقر بتسلم المعزول إليه، والقاضي المعزول يقول: هو لغيره.
(فيسلم) أي: صاحب اليد إليه (لسبق حقه) أي: حق المقر له الأول، ثم يضمن قيمته للمعزول بإقراره الثاني، ثم يسلم القاضي المعزول القيمة إلى من أقر له المعزول.
قال الصدر الشهيد (٢): حاصل ذلك أن المسألة على أربعة أوجه:
إما أن أقر صاحب اليد أنه دفعه إلى المعزول، وقال: إنه لفلان.
أو قال: دفعه إلي ولا أدري: لمن هو؟ وأنكر ما قاله القاضي المعزول. أو قال: دفعه إلى المعزول وهو لفلان آخر.
ففي الوجه الأول والثاني يقبل قول المعزول، ويكون المال للمقر له؛ لأن المال وصل إلى يده من جهة المعزول، وكان المال في يد المعزول معنى، وإذا أقرّ من في يده المال يُقبل قوله، فكذا هذا.
стр. 5149
قَالَ: (وَيَجْلِسُ لِلْحُكْمِ جُلُوسًا ظَاهِرًا فِي المَسْجِدِ) كَيْ لَا يَشْتَبِهَ مَكَانُهُ عَلَى الغُرَبَاءِ وَبَعْضِ المُقِيمِينَ، وَالمَسْجِدُ الجَامِعُ أَوْلَى، لِأَنَّهُ أَشْهَرُ.
وفي الوجه الثالث: القول لصاحب اليد، ولا يجب عليه شيء بقول المعزول؛ لالتحاقه بسائر الرعايا.
وفي الوجه الرابع: المسألة على وجهين:
إما أن بدا صاحب اليد بالدفع من المعزول، أو بدا الآخر.
فإن قال: لفلان غير الذي أقرّ له المعزول، ثم قال: دفعه المعزول، ففي الوجه الأول: القول للمعزول، ويؤمر بالدفع إلى من أقرّ له المعزول؛ لأنه لما بدأ بالدفع من المعزول فقد أقر باليد له، فصار كأن المال في يده، ثم أقر أنه لفلان، فلا يصح إقراره.
وفي الوجه الثاني: يؤمر بالدفع إلى من أقرّ له، ويضمن مثله أو قيمته للمعزول، ثم يسلمه المعزول إلى من أقرّ له.
قوله: (لأنه أشهر) أي: المسجد الجامع أشهر المواضع.
قال فخر الإسلام: هذا إذا كان الجامع في وسط البلدة، ولو كان في طرف البلدة يختار مسجدًا في وسط البلدة؛ كيلا يلحق الناس مشقة الذهاب إلى طرف البلد، ويختار مسجد السوق؛ لأنه أشهر.
وفي المبسوط (١): أحبُّ إليَّ أن يقضي حيث تقام جماعة الناس، يعني في المسجد الجامع أو غيره من مساجد الجماعات؛ لأن ذلك يكون عن التهمة أبعد، وبه قال مالك (٢).
وذكر الصدر الشهيد (٣) قول مالك على التفصيل بأن قال: إن كان في المسجد فتقدم إليه الخصمان لا بأس به، وإن تعمّد القضاء فيه يكره، ولكن في المشهور من كتبهم: أنه لا يكره وإن تعمّد القضاء في المسجد؛ لما أنه ﵇
стр. 5150
وقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: يُكْرَهُ الجُلُوسُ فِي المَسْجِدِ لِلْقَضَاءِ، لِأَنَّهُ يَحْضُرُهُ المُشْرِكُ وَهُوَ نَجَسٌ بِالنَّص، وَالحَائِضُ وَهِيَ مَمْنُوعَةٌ عَنْ دُخُولِهِ. وَلَنَا: قَوْلُهُ ﵊: «إِنَّمَا بُنِيَتْ المَسَاجِدُ لِذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَالحُكْمِ». «وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَفْصِلُ الخُصُومَةَ فِي مُعْتَكَفِهِ» وَكَذَا الخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ كَانُوا يَجْلِسُونَ فِي المَسَاجِدِ لِفَصْلِ الخُصُومَاتِ، وَلِأَنَّ القَضَاءَ عِبَادَةٌ فَيَجُوزُ إِقَامَتُهَا فِي الْمَسْجِدِ كَالصَّلَاةِ.
وَنَجَاسَةُ المُشْرِكِ فِي اعْتِقَادِهِ لَا فِي ظَاهِرِهِ، فَلَا يَمْنَعُ مِنْ دُخُولِهِ، وَالحَائِضُ تُخْبِرُ بِحَالِهَا فَيَخْرُجُ القَاضِي إِلَيْهَا، أَوْ إِلَى بَابِ المَسْجِدِ، أَوْ يَبْعَثُ مَنْ يَفْصِلُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ خَصْمِهَا، كَمَا إِذَا كَانَتْ الخُصُومَةُ فِي الدَّابَّةِ. وَلَوْ جَلَسَ فِي دَارِهِ لَا بَأْسَ بِهِ، وَيَأْذَنُ لِلنَّاسِ بِالدُّخُولِ فِيهَا، وَيَجْلِسُ مَعَهُ مَنْ كَانَ يَجْلِسُ قَبْلَ ذَلِكَ لِأَنَّ فِي جُلُوسِهِ وَحْدَهُ تُهْمَةٌ.
كان يحكم في مُعتَكَفِه، وكذا الخلفاء الراشدون، والسلف من الصحابة والتابعين في المساجد، وبه قال أحمد (١) أيضًا.
وفي المبسوط (٢): ولا يقضي وهو يمشي أو يسير على الدابة؛ لأنه عند ذلك لا يكون معتدل الحال، وقلبه مشغولاً بما هو فيه من المشي والسير، ولا يتفرغ للنظر في الحُجَج، ولأنه نوع من الاستخفاف ظاهرا وباطنا.
ولا بأس بأن يتكئ ويقضي؛ لأن التكأة نوع جلسة، كالتربع وغيره، وطباع الناس في الجلوس مختلفة.
وينبغي ألا يقضي وهو غضبان، أو فرحان في غاية الفرح، أو جائع أو عطشان، ولا مهموم، ولا في حالة غلبة النعاس، ولا في حر وبرد مزعج مؤلم، ولا حاقن، فالحاصل أنه لا يقضي في حال شغل قلبه بشيء من ذلك بلا خلاف.
أصله قوله ﵇: «لا يَقْضِي القَاضِي وهوَ غَضْبَانُ» (٣) معلول؛ لشغل القلب.
قوله: (تهمة) أي: تهمة الرشوة أو الظلم، وقد روي أن عثمان ما يحكم حتى يحضر أربعة من الصحابة.