← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 30179

معراج الدراية في شرح الهداية

الكاكي

Полный текст (7 597 стр.). Показаны 5391–5430 · переход к 5396.

стр. 5391

النِّكَاحِ، ثُمَّ يَجِبُ نِصْفُ المَهْرِ ابْتِدَاءً بِطَرِيقِ المُتْعَةِ فَكَانَ وَاجِبًا بِشَهَادَتِهِمَا قَالَ: (وَإِنْ شَهِدَا أَنَّهُ أَعْتَقَ عَبْدَهُ ثُمَّ رَجَعَا ضَمِنَا قِيمَتَهُ) لِأَنَّهُمَا أَتْلَفَا مَالِيَّةَ العَبْدِ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ عِوَضٍ، وَالوَلَاءُ لِلْمُعْتِقِ، لِأَنَّ العِتْقَ لَا يَتَحَوَّلُ إِلَيْهِمَا بِهَذَا الضَّمَانِ فَلَا يَتَحَوَّلُ الوَلَاءُ بالرجوع عندنا ومالك (١) وأحمد (٢)، وعند الشافعي (٣) يجب مهر المثل عليهما، والمسألة مشهورة. وفي الكافي: لو شهدا بالطلاق قبل الدخول ثم رجعا بعد موته غرما لورثته نصف المهر، ولم يرث؛ لأنا حكمنا بالبينونة قبل الموت. ولو شهدا بعد موت الزوج أنه طلقها قبل الدخول في حياته ثم رجعا لم يضمنا للورثة؛ لأن الشهادة وقعت لهم، وضمنا للمرأة نصف المهر والميراث؛ لأن الميراث كان مؤكدًا ظاهرًا بالموت بحيث لا يسقط بالمُسقط، وكذلك الميراث كان واجبًا لها بموت الزوج، [فهما] (٤) بهذه الشهادة أبطلا عليها نصفًا مؤكدًا من المهر، وإرثًا ثانيًا بالظاهر، فيضمنان لها ذلك، وبه قال مالك (٥). قوله: (ضمنا قيمته) أي: قيمة العبد، ولا خلاف فيه، موسرين كانا أو معسرين؛ لأنه ضمان إتلاف. (لأن العتق [لا يتحول] (٦) إليهما) أي: الشاهدين (بهذا الضمان) لأنه مما لا يحتمل الفسخ (فلا يتحول الولاء) ضرورة؛ لأن الولاء لمن أعتق، ولا يمتنع وجوب الضمان بثبوت الولاء للمعتق؛ لأن الولاء ليس بمال متقوّم، بل هو كالنسب، فلا يكون عوضًا عما أتلفا (٧). فإن قيل: ينبغي ألا يكون الولاء للمولى؛ لأنه ينكر العتق. قلنا: صار مكذبًا شرعًا بالقضاء؛ لأن القاضي لما قضى عليه بالعتق تبعه الولاء.

стр. 5392

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وفي المبسوط (١) والمغني: لو شهدا أنه دبره، فقضى بذلك ثم رجعا ضمنا ما نقصه التدبير؛ لأن ملك المالية للمولى ينتقص بالتدبير، فيضمنان النقصان، ولو شهدا بالكتابة فقضى بذلك، ثم رجعا ضمن قيمة العبد، والفرق بينهما أنهما حالا بين المولى ومدبره [ولكن] (٢) انتقصت مالية العبد بالتدبير، فضمنا النقصان. ثم الشاهدان يبيعان المكاتب ببدل الكتابة على نجومهما؛ لأنهما قاما مقام المولى في ذلك حتى ضمنا قيمته، وبه قال مالك (٣)، وهكذا قال في المدبّر، وقال أحمد (٤) في المكاتب: يرجع بالنقصان، ولا يعتق المكاتب حتى يؤدي ما عليه إليهما، فإذا أداه إليهما فالولاء للذي كاتبه؛ لأنهما قاما مقامه في قبض بدل الكتابة، فإذا أداه إليهما كان كأنه أداه إلى المولى. ولو عجز ورد إلى الرق كان لمولاه؛ لأن رقبته لم تصر مملوكة لهما؛ لأن المكاتب لا يقبل النقل، فرجوعهما غير صحيح في حقه، ويرد المولى ما أخذ منهما إليهما؛ لأن الحيلولة قد زالت، وعند مالك (٥) بيع (٦) لهما إن لم يستوفيا من نجومه. ولو شهدا بإقرار المولى أن أمته أم ولده، والمولى ينكر، فقضى بذلك ثم رجعا؛ فإن لم يكن معها ولد ضمنا نقصان قيمتها، وبه قال أحمد (٧)، وقال مالك (٨): ضمنا قيمتها للمولى، وفيه تفريعات كثيرة. ذكره في المحيط (٩)، وشرح الطحاوي (١٠).

стр. 5393

(وَإِنْ شَهِدُوا بِقِصَاصِ ثُمَّ رَجَعُوا بَعْدَ القَتْلِ، ضَمِنُوا الدِّيَةَ وَلَا يُقْتَصُّ مِنهُمْ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ اللهِ: يُقْتَصُّ مِنْهُمْ لِوُجُودِ القَتْلِ مِنهُمْ تَسْبِيبًا فَأَشْبَهَ المُكْرِهَ بَلْ أَوْلَى، لِأَنَّ الوَلِيَّ يُعَانُ وَالمُكْرِهَ يُمْنَعُ. وَلَنَا: أَنَّ القَتْلَ مُبَاشَرَةً لَمْ يُوجَدْ، وَكَذَا تَسْبِيبًا، لِأَنَّ التَّسْبِيبَ مَا يُفْضِي إِلَيْهِ غَالِبًا، وَهَاهُنَا لَا يُفْضِي، لِأَنَّ العَفْوَ مَنْدُوبٌ، بِخِلَافِ قوله: (ضمنوا الدية)، وبه قال ابن القاسم المالكي (١)، (وقال الشافعي (٢): يقتص منهم)، وبه قال أحمد (٣) وأشهب المالكي (٤) إن قالا: تعمدنا الكذب ليقتل، وإن قالا: أخطأنا تجب الدية بالاتفاق. قوله: (والمكره يمنع) بنصب الراء، على صيغة اسم المفعول؛ لأن الشاهد بمنزلة المكره، بكسر الراء، والولي بمنزلة المكره، وحاصله أن الإكراه أقل إفضاء إلى القتل، فكان قاصرًا؛ لأن المكره ممنوع عن القتل شرعًا، ومع ذلك يقتل المكره، فأولى أن يجب هنا؛ لكمال الشهادة إلى الإفضاء إلى القتل؛ لأن القتل يباح للولي (٥). قوله: (ولنا أن القتل مباشرةً لم يوجد)، وانتصاب (مباشرةً) على التمييز، (وكذا تسبيبا؛ لأن التسبيب ما يفضي إليه غالبًا). (ولا يفضي؛ لأن العفو مندوب) من الولي، قال تعالى: ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [البقرة: ٢٣٧]. وفي المبسوط (٦): الشاهد لم يكن مباشرًا لا حقيقةً ولا حكمًا ولا معنى؛ أما حقيقةً فظاهر، وأما حكمًا؛ لأن الولي طائع مختار في القتل، فيقطع النسبة، ولا معنى؛ لعدم الإلجاء، فإن القاضي إذا لم يحكم يخاف العقوبة في الآخرة، ولا يصير ملجأ به كما ذكرنا مرةً، فلا يصير به مكرها، فكان الشهادة تسبيبًا، ولا مساواة بين التسبيب والمباشرة، ويعتبر في القصاص المساواة.

стр. 5394

المُكْرَهِ، لِأَنَّهُ يُؤْثِرُ حَيَاتَهُ ظَاهِرًا، وَلِأَنَّ الفِعْلَ الِاخْتِيَارِيَّ مِمَّا يَقْطَعُ النِّسْبَةَ، … ... … وفي الأسرار: من مشايخنا من قال في تعليل المسألة بأن الشهود مسببون، ولا مساواة بين التسبيب والمباشرة، وهو ضعيف؛ لأن المذهب عند الشافعي (١) أن المسبب والمباشر واحد، ألا ترى أنه يلزمه الكفارة، إلا أن حافر البئر بمنزلة القاتل بسوط صغير؛ لأن الحفر لا يعد للقتل وضعًا، كالضرب بسوط صغير مرة أو مرتين، فأما الشهادة فطريق مسلوك لأخذ ما يثبت بالشهادة، فكان كالضرب بما يقصد به القتل. وقلنا: لما ثبت من مذهبنا أن الولي لا يقتل، وقد باشر القتل مختارًا لا بإلزام الشهود، فإنه إن شاء عفا، ثم لم يلزم القصاص؛ للشبهة، فالشهود الذين يصيرون بالشهادة متلفين حكمًا أولى؛ لأن الضمان بالقتل الذي باشره الولي لا بالقضاء وحده. وفي الكافي: وقوله في الهداية: (ولنا أن القتل مباشرة لم يوجد) إلى قوله: (لأنه يؤثر حياته ظاهرًا) مشكل؛ لأن الأمر على القلب، فالظاهر أن الولي يقدم على القتل لكونه مباحًا، وبه يدرك ثأره والظاهر أن المكره لا يقبل؛ لأنه لا يباح له قتله، ويحتمل أن يرتدع المكره عنه، أو يلحقه الغوث. أجيب عنه بأنه إنما قال الشيخ ظاهرًا بالنظر إلى حال المسلم المتدين؛ لأنه لا يلحقه بعفوه ضرر بنفسه وماله، ويحصل له الأجر الكثير، فأما المكره يختار حياته بأدنى رخصة في الشرع، ويرجحه على حياة غيره غالبًا، واحتمال الغوث نادر، وعلى تقدير لحوق الغوث لم يبق الإكراه، وكلامنا في المكره (٢). قوله: (ولأن الفعل الاختياري) أي: القتل الصادر من الولي باختياره الصحيح، من غير إجبار (مما يقطع به النسبة) بخلاف المكره، فإن له اختيارًا فاسدًا، وللمكره اختيار صحيح، والفاسد في مقابلة الصحيح بمنزلة المعدوم، فصار المُكرَه كالآلة للمكره، فلذلك انتقل فعله إلى المكره، فأضيف فعله إلى

стр. 5395

ثُمَّ لَا أَقَلَّ مِنْ الشُّبْهَةِ وَهِيَ دَارِئَةٌ لِلْقِصَاصِ، بِخِلَافِ المَالِ، لِأَنَّهُ يَثْبُتُ مَعَ الشُّبُهَاتِ وَالبَاقِي يُعْرَفُ فِي المُخْتَلِفِ. المكره على أنه لم يقطع النسبة بالكلية (فلا أقل بأن يورث الشبهة) وهي مانعة للقود. (بخلاف المال) أي: الدية (والباقي) أي: باقي المسألة وتفريعاته (يعرف في المختلف). فإنه قال في المبسوط (١): ولو رجعا يكون عليهما الدية؛ لأن كل واحد مسبب لإتلاف نصف النفس، فإن رجع الولي معهما، أو جاء المشهود بقتله حيًّا - فولى المقتول بالخيار بين تضمين الشاهدين، وبين تضمين القاتل؛ لأن القاتل متلف حقيقةً، والشهود حكمًا، والإتلاف الحكمي في وجوب الضمان كالإتلاف الحقيقي، فكان له الخيار. ثم إن ضمن الولي لم يرجع على الشاهدين، وبه قال مالك (٢) في رواية؛ لأنه ضمن بفعله باختياره. وإن ضمن الشهود لم يرجعوا على الولي أيضًا عند أبي حنيفة، وعندهما: يرجعون، وبه قال مالك (٣)؛ لأنهم ضمنوا بشهادتهم، وقد كانوا عاملين فيه للولي، فيرجعون عليه، كما لو شهدوا بالقتل الخطأ أو بالمال. ولا يقال: هناك قد ملكا المقبوض وهنا لم يملكا؛ لأن القصاص لا يملك بالضمان، والمشهود به هو القصاص. لأنا نقول: إنهما لم يملكا، فقد قاما مقام من ضمنها في الرجوع على القاتل بمنزلة من غصب مدبرًا، فغصبه آخر، ثم ضَمَّن المالك الغاصب الأول، فإنه يرجع بالضمان على الثاني، وإن لم يملك المدبر بالضمان، ولكنه قام مقام من ضمنه، وهذا لأن القصاص مما يملك في الجملة، حتى ملكه ولي

стр. 5396

قَالَ: (وَإِذَا رَجَعَ شُهُودُ الفَرْعِ ضَمِنُوا) لِأَنَّ الشَّهَادَةَ فِي مَجْلِسِ القَضَاءِ صَدَرَتْ القصاص، وله بدل متقوّم محتمل للتمليك، فيكون السبب معتبرًا، على أن يعمل في بدله عند تعذر إعماله في الأصل كاليمين على مس السماء. وكذا شهود الكتابة إذا رجعوا وضمنوا للمولى القيمة كان لهم أن يرجعوا على المكاتب ببدل الكتابة، ولم يملكوا رقبة المكاتب، ولكن المكاتب لما كان مملوكًا انعقد السبب في حقهم على أن يكون عاملًا في بدله، وهو بدل الكتابة، فيملكون بدل الكتابة بذلك، وإن لم يملكوا رقبة المكاتب، فهذا مثله. وأبو حنيفة يقول: الشهود ضمنوا لإتلافهم المشهود به حكمًا، والمتلف لا يرجع بما ضمن بسببه على غيره، كالولي، وهذا لأنهم لو لم يكونوا متلفين لما ضمنوا مع وجود المباشر، كالحافر مع الدافع، وهاهنا ضمنوا، عرفنا أنهم جناة متلفون حكمًا، وإن كان تمام الإتلاف عند استيفاء الولي، فإن استيفاء الولي بمنزلة شرط مقرر لجنايتهم، ومن ضمن شيئًا بجناية نفسه لا يرجع على غيره. أما في الخطأ إنما يرجع؛ لأنه ملك المقبوض، وهو الدية، بالضمان، وقد أتلفه المستوفي بصرفه إلى خاصته، وهذا سبب آخر موجب للضمان عليه للشاهد، وكذلك في المال. وقولهما: ينعقد السبب موجبًا له الملك أن يعمل في بدله. قلنا: هذا أن لو كان في الأصل توهم الملك بالضمان، وليس في القصاص توهم الملك بالضمان بحال، فلا ينعقد السبب باعتبار الحلف، ثم لو كان القصاص ملكًا لهما لم يضمنه المتلف عليهما، كما لو شهدا على الولي بالعفو، وقيل: أخر من عليه القصاص فليس لمن له القصاص قبله الضمان، وانعقاد السبب لا يكون أقوى من ثبوت حقيقة الملك، وبه فارق مسألة غصب المدبر والكتابة، فإن هناك لو كان ملكًا حقيقة كان يضمنه المتلف عليه، فكذلك إذا جعل كالمالك حكما باعتبار انعقاد السبب، فيكون له أن يرجع لذلك. الكل من المبسوط (١). قوله: (وإذا رجع شهود الفرع ضمنوا) ولا نعلم فيه خلافًا.

стр. 5397

مِنْهُمْ، فَكَانَ التَّلَفُ مُضَافًا إِلَيْهِمْ (وَلَوْ رَجَعَ شُهُودُ الأَصْلِ وَقَالُوا: لَمْ نُشْهِدْ شُهُودَ الفَرْعِ عَلَى شَهَادَتِنَا، فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِمْ) لِأَنَّهُمْ أَنْكَرُوا السَّبَبَ وَهُوَ الإِشْهَادُ، فَلَا يَبْطُلُ القَضَاءُ، لِأَنَّهُ خَبَرٌ مُحْتَمِلٌ فَصَارَ كَرُجُوعِ الشَّاهِدِ، بِخِلَافِ مَا قَبْلَ القَضَاءِ (وَإِنْ قَالُوا: أَشْهَدْنَاهُمْ وَغَلِطْنَا، ضَمِنُوا وَهَذَا عِنْدَ مُحَمَّدٍ، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ: لَا ضَمَانَ عَلَيْهِمْ) (*) لِأَنَّ القَضَاءَ وَقَعَ بِشَهَادَةِ الفُرُوعِ، لِأَنَّ القَاضِيَ يَقْضِي بِمَا يُعَايِنُ قوله: (فلا ضمان عليهم) أي: على شهود الأصل باتفاق الأئمة الأربعة، وعن أحمد (١) في وجه: يضمنون كالمزكين. قوله: (لأنه خبر محتمل) أي: لأن إنكارهم الإشهاد خبر محتمل للصدق والكذب، فلا يبطل القضاء، كما لو شهد الأصل بنفسه، وقضى القاضي بشهادته ثم رجع، وإن قالوا: أشهدناهم وغلطنا ضمنوا. وفي المبسوط (٢): وكذلك لو قالوا: أشهدناهم على شهادتنا ولكن رجعنا عن ذلك؛ فعندهما لا يضمن الأصول أصلا، وعند محمد يضمنون؛ لما ذكرنا أن الفرعين قاما مقام الأصلين في نقل شهادتهما إلى مجلس القاضي، فأما القضاء يحصل بشهادة الأصلين؛ فلهذا اعتبرنا عدالتهما، فصار كأنهما حضرا بأنفسهما وشهدا ثم رجعا، وبه قال أحمد (٣)، وقالا: القاضي يحكم بما عاين من الحجّةِ، وهي شهادة الفروع والموجود من الأصول شهادة في غير مجلس القاضي، وهي غير حجة فلا يكون سببًا للإتلاف، فلا يلزم الأصول الضمان وإن رجعا؛ لأن الشهادة تختص بمجلس القاضي، كالرجوع، والرجوع في غير مجلس القاضي لا يوجب الضمان، فكذا الشهادة في غير مجلس القاضي، وقد بينا أن الفروع لم يكونوا نائبين؛ لعدم ولاية الأصول بعد الإشهاد منعهم عن الشهادة. (*) الراجح: قول الشيخين. (١) انظر: الكافي في فقه الإمام أحمد (٤/ ٢٩٦)، الشرح الكبير على متن المقنع (١٢/ ١١٢). (٢) المبسوط للسرخسي (١٧/¬٢١). (٣) انظر: الكافي في فقه الإمام أحمد (٤/ ٢٩٦)، الشرح الكبير على متن المقنع (١٢/ ١١٢).

стр. 5398

مِنْ الحُجَّةِ وَهِيَ شَهَادَتُهُمْ وَلَهُ: أَنَّ الفُرُوعَ نَقَلُوا شَهَادَةَ الأُصُولِ فَصَارَ كَأَنَّهُمْ حَضَرُوا (وَلَوْ رَجَعَ الأُصُولُ وَالفُرُوعُ جَمِيعًا يَجِبُ الضَّمَانُ عِنْدَهُمَا عَلَى الفُرُوعِ لَا غَيْرُ) لِأَنَّ القَضَاءَ وَقَعَ بِشَهَادَتِهِمْ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ ﵀: المَشْهُودُ عَلَيْهِ بِالخِيَارِ، إِنْ شَاءَ ضَمِنَ الأُصُولَ وَإِنْ شَاءَ ضَمِنَ الفُرُوعَ، لِأَنَّ القَضَاءَ وَقَعَ بِشَهَادَةِ الفُرُوعِ مِنْ الوَجْهِ الَّذِي ذَكَرَا، وَبِشَهَادَةِ الأُصُولِ مِنْ الوَجْهِ الَّذِي ذَكَرَ فَيَتَخَيَّرُ بَيْنَهُمَا، وَالجِهَتَانِ مُتَغَايِرَتَانِ فَلَا يُجْمَعُ بَيْنَهُمَا فِي التَّضْمِينِ (وَإِنْ قَالَ شُهُودُ الفَرْعِ: كَذَبَ شُهُودُ قوله: (والجهتان متغايرتان)؛ لأن شهادة الأصول على أصل الحق، وشهادة الفروع على شهادة الأصول (فلا يجمع بينهما في التضمين). وفي المبسوط (١): ولا يقال بأن الأصلين يضمنان النصف، والفرعين النصف الآخر، فيجعل الكل في حكم شهادة واحدة؛ لأنه لا تجانس بين شهادتي الفريقين؛ لما ذكرنا أن شهادة الأصول على أصل الحق، وشهادة الفروع على شهادة الأصول، وإذا لم يكن التجانس بين الشهادتين فلا يجعل كشهادة واحدة، فيجعل كل فريق كالمنفرد، فيُخيّر في التضمين، كالغاصب وغاصب الغاصب. أما هاهنا لو ضمن كل واحد من الفريقين لا يرجع على الآخر عند محمد، بخلاف غاصب الغاصب إذا ضمن الغاصب يرجع على غاصبه؛ لأن كل واحد من الفريقين هاهنا مؤاخذ بقوله، فلا يرجع على غيره، وهذا لأن نقل شهادة الأصول إلى مجلس القاضي سبب التلف، ونقل شهادتهما ثبت لهما بإشهادهم، فإنه لولا إشهاد الأصول لما تمكن الفروع من النقل، ولولا نقل الفروع لم يثبت التلف، فكان فعل كل واحد من الفريقين في حق المشهود عليه سبب ضمانه على سبيل المباشرة. أما في حق الفروع فظاهر، وكذا في حق الأصول؛ لأن أداء الفروع منقول إليهم؛ لأن الفروع مضطرون من جهة الأصول إلى الأداء بعد الإشهاد، حتى لو امتنعوا من الأداء أثموا، ولهذا قضاء القاضي منقول إلى الشهود؛ لأنه مضطر

стр. 5399

الأَصْلِ، أَوْ غَلِطُوا فِي شَهَادَتِهِمْ، لَمْ يُلْتَفَتْ إِلَى ذَلِكَ لِأَنَّ مَا أُمْضِيَ مِنْ القَضَاءِ لَا يُنْتَقَضُ بِقَوْلِهِمْ، وَلَا يَجِبُ الضَّمَانُ عَلَيْهِمْ، لِأَنَّهُمْ مَا رَجَعُوا عَنْ شَهَادَتِهِمْ، إِنَّمَا شَهِدُوا عَلَى غَيْرِهِمْ بِالرُّجُوعِ. قَالَ: (وَإِنْ رَجَعَ المُزَكَّوْنَ عَنْ التَّزْكِيَةِ ضَمِنُوا وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَقَالَا: لَا إلى القضاء بعد الشهادة، فلما كان كذلك كان كل فريق مؤاخذا بفعله، فلا يرجع على غيره، إليه أشار في المبسوط (١). قوله: (وإذا رجع المزكون) إلى آخره، وفي المبسوط (٢): شهدوا على الزنا، وزكاها المزكون، ثم تبين أنهم عبيد أو مجوس، فإن ثبت المزكون على التزكية، وزعموا أنهم أحرار فلا ضمان عليهم ولا على الشهود، أما على الشهود؛ لأنه لم يتبيّن كذبهم، وأما على المزكّين؛ فلأنهم اعتمدوا على ما سمعوا من إسلامهم وحريتهم، وإنما زكوهم بقول الناس، فلم يتبين كذبهم فيما أخبروا عن قول الناس. وقال أحمد (٣): على المزكين الضمان؛ لأنهم شهدوا بالزور، وشهادتهم أفضت إلى التلف، ولا ضمان على الشهود؛ لأنهم يقولون: شهدنا بحق، ولا على القاضي؛ لأنه ملجأ في الحكم، وأما إذا رجع المزكون عن التزكية فعليهم الضمان عند أبي حنيفة، وبه قال أحمد (٤) ومالك (٥)، وعندهما الدية في بيت المال في الوجهين؛ لأن المزكّين ما أثبتوا سبب الإتلاف، وسبب الإتلاف وما تعرضوا له، وإنما أثنوا على الشهود خيرًا، فكانوا في المعنى كشهود الإحصان. وأبو حنيفة يقول: إنهم أثبتوا سبب الإتلاف وهو الشهادة، والشهادة إنما كانت موجبة بالتزكية، فكانت التزكية كعلة العلة بخلاف شهود الإحصان، فإن

стр. 5400

يَضْمَنُونَ) (*) لِأَنَّهُمْ أَثْنَوْا عَلَى الشُّهُودِ خَيْرًا فَصَارُوا كَشُهُودِ الإِحْصَانِ. وَلَهُ: أَنَّ التَّزْكِيَةَ، إِعْمَالُ لِلشَّهَادَةِ، إِذْ القَاضِي لَا يَعْمَلُ بِهَا إِلَّا بِالتَّزْكِيَةِ، فَصَارَتْ بِمَعْنَى عِلَّةِ العِلَّةِ، بِخِلَافِ شُهُودِ الإِحْصَانِ، لِأَنَّهُ شَرْطٌ مَحْضُ وَإِذَا شَهِدَ شَاهِدَانِ بِاليَمِينِ وَشَاهِدَانِ بِوُجُودِ الشَّرْطِ ثُمَّ رَجَعُوا: فَالضَّمَانُ عَلَى شُهُودِ اليَمِينِ … . الشهادة على الزنا بدون الإحصان موجبة للعقوبة، وشهود الإحصان ما جعلوا ما ليس بموجب موجبًا، ولكن الإحصان إذا ثبت كان معرفًا لحكم الزنا، فثبت أنه علامة لا شرط، فلم يتعلق به وجوب ولا وجود. ولو رجع شهود الإحصان لم يضمنوا عندنا والشافعي (١) في قول ومالك (٢) في رواية، سواء رجعوا مع الشهود أو وحدهم، وقال زفر والشافعي في قول ومالك (٣) في رواية وأحمد (٤): يضمنون؛ لأن الزنا موجب للرجم بقولهم، فيكون في معنى العلة. وقلنا: الإحصان في معنى العلامة؛ لأن حكم الشرط أن يمنع انعقاد العلة إلى أن يوجد الشرط، والزنا إذا وجد لم يتوقف حكمه على إحصان يحدث بعده، فإنه إذا زنى ثم أحصن لا يرجم، ولكن الإحصان إذا ثبت كان معرفًا لحكم الزنا، والحكم لا يضاف إلى المظهر كما ذكرنا. وفي المبسوط (٥): وكيف يكون الإحصان موجبًا للزنا ومؤثرًا، فإن ثبوت الخصال الحميدة مانعة عن الزنا، ومثبت ما يوجب المنع عن الشيء لا يكون كمثبت من يوجب وجود ذلك الشيء؛ إذ هما على طرفي نقيض؟ فلما لم توجب هذه الخصال الزنا لم توجب الرجم أيضًا؛ لأن ذلك حكم الزنا. قوله: (فالضمان) أي: ضمان قيمة العبد أو ضمان نصف المهر؛ لأن وضع المسألة فيهما على ما ذكر في الكتاب.

стр. 5401

خَاصَّةٌ) لِأَنَّهُ هُوَ السَّبَبُ، وَالتَّلَفُ يُضَافُ إِلَى مُثْبِتِي السَّبَبِ دُونَ الشَّرْطِ المَحْضِ أَلَا تَرَى أَنَّ القَاضِيَ يَقْضِي بِشَهَادَةِ اليَمِينِ دُونَ شُهُودِ الشَّرْطِ، وَلَوْ رَجَعَ شُهُودُ الشَّرْطِ وَحْدَهُمْ اخْتَلَفَ المَشَايِخُ فِيهِ، وَمَعْنَى المَسْأَلَةِ يَمِينُ العِتَاقِ وَالطَّلَاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ. وقوله: (خاصة) احتراز عن قول زفر، فإن الضمان عنده على الجميع، قال: لأن التلف حصل بشهادة الفريقين جميعًا، وقلنا: شهود اليمين أثبتوا العلة الموجبة للعتق، وهي قوله: أنت حر، وشهود الدخول أثبتوا شرط العتق، وهو الدخول، والشرط لا يعارض العلة في إضافة الحكم؛ لأن إضافة الحكم إلى العلة حقيقة، وإضافته إلى الشرط مجازية، كما في الحافر مع الدافع، فإن الحكم يضاف إلى الدافع دون الحافر. كذا في المبسوط (١). قوله: (اختلف المشايخ فيه)، في المبسوط (٢): ظن بعض مشايخنا أن شهود الشرط يضمنون بالرجوع فيما إذا كانت اليمين ثابتة بإقرار المولى، وقالوا: لأن العلة لا تصلح لإضافة الحكم؛ لأنها ليست بتعد، فيكون الحكم مضافًا إلى الشرط؛ إذ الشرط يخلف العلة، كما في حفر البئر، وهو غلط؛ بل الصحيح من المذهب أن شهود الشرط لا يضمنون، نص عيه في الزيادات؛ لأن قوله: (أنت حر) مباشرة للإتلاف، وعند وجود المباشر يضاف الحكم إليه لا إلى الشرط، سواء كان الشرط بطريق التعدي أو لا، بخلاف مسألة الحفر، فالعلة هناك ثقل الماشي، وليس ذلك من مباشرة الإتلاف في شيء، فلهذا يجعل الإتلاف مضافًا إلى الشرط. وفي الكافي: وإلى الأول مال فخر الإسلام، ولو شهدا بالتفويض، وآخران بأنها طلقت أو أعتق فالتفويض كالشرط (٣).

стр. 5402

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ كِتَابُ الوَكَالَةِ كِتَابُ الْوَكَالَةِ قيل: وجه مناسبته بالشهادات أن الشهادة والوكالة صفة الله تعالى، قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ﴾ [يونس: ٤٦] ﴿وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران: ١٧٣] وقيل: هو أن كلا منهما إيصال النفع إلى الغير بالإعانة في إحياء حقه، أو كل واحد يصلح سببًا لاكتساب الثواب، والصيانة عن العقاب في المعاملات. ثم محاسن الوكالة ظاهرة؛ لما فيها من إيصال النفع وقضاء حوائج المحتاجين. والوكالة لغةً: الحفظ، ومنه الوكيل في أسماء الله تعالى، بمعنى الحافظ، ولهذا قلنا: إذا قال: (وكلتك بمالي) إنه يملك الحفظ فقط. والوكالة - بفتح الواو وكسرها -: اسم للتوكيل، من قولك: وَكَلْتُك توكيلا، والتوكل: إظهار العجز والاعتماد على الغير، والاسم: التكلان، والتركيب يدل على التفويض والاعتماد، يقال: على الله توكلنا، أي: فوضنا أمورنا إليه، والوكيل: هو القائم بما فُوّض إليه، والجمع: الوكلاء، كأنه (فعيل) بمعنى (مفعول)، واتَّكَلت على فلان في أمري: أي: اعتمدت، وأصله (اوْتَكَلْت) قلبت الواو ياء؛ لانكسار ما قبلها، ثم أبدل منها التاء، فأدغمت في تاء الافتعال. كذا في الصحاح والمغرب (١). وشرعًا: إقامة الإنسانِ غيرَه مُقام نفسه في تصرف معلوم. والوكالة مشروعة بالكتاب والسنة والإجماع. أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ﴾ [الكهف: ١٩]

стр. 5403

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . قَصَّ الله تعالى عن الأمم الماضية بلا إنكار، فيكون شريعة لنا ما لم يظهر ناسخه. وأما السنة: فما روي أنه ﵇ وكل حكيم بن حزام بشراء الأضحية (١)، وعروة البارقي به أيضًا (٢). ووكل عمرو بن أُميّة الضّمري بقُبُولِ نِكَاحِ أَمْ حَبيبَة بِنتِ أَبِي سُفَيان، وأبا رافِعٍ بِقُبول نِكَاحِ مِيمُونَةَ (٣). وعن جابر قال: أردت الخروج إلى خيبر، فذكر به لرسول الله ﷺ ، فقال: «إِذَا لَقِيت وكيلي فخُذْ مِنهُ خمسَةَ عَشَر وَسَفًا، فإِن ابْتَغَى منك آيةً فَضَعْ يَدَك على تَرْقُوَتِهِ» (٤). وأجمعت الأمة على جوازها، وكذا المعقول يدل عليه؛ إذ الإنسان قد يعجز عن حفظ ماله عند خروجه للسفر، وقد يعجز عن التصرف في ماله؛ إما لقلة هدايته، أو لكثرة أشغاله، أو لكثرة ماله، أو لضعفه، أو لوجاهته لا يتولى الأمور بنفسه، فاقتضى هذا المعنى جوازها.

стр. 5404

قَالَ: (كُلُّ عَقْدٍ جَازَ أَنْ يَعْقِدَهُ وسببها ما هو السبب في سائر المعاملات، وهو تعلق بقاء المقدور (١) بتعاطيها. وركنها: الألفاظ التي تثبت بها الوكالة من قوله: وكلتك في كذا، واقترن به قبول المخاطب. روى بشر عن أبي يوسف: لو قال لغيره: أحببتُ أن تبيع عبدي هذا، أو قال: هَوِيتُ، أو قال: رضيتُ، أو قال: شئتُ، أو قال: أردتُ، أو قال: وافقت (٢)، فهذا كله توكيل. ولو قال: لا أنهاك عن طلاق امرأتي؛ لا يكون هذا أمرًا وتوكيلا، حتى لو طلق لا يقع، وكذا لو قال لعبده: لا أنهاك عن التجارة لا يصير مأذونا. وقال أبو الليث: الجواب في الوكالة كذلك، أما في الإذن يجب أن يصير العبد مأذونا عندنا؛ لأنه بسكوت المولى يكون مأذونا، وهذا فوق السكوت. كذا في الذخيرة. وقال المحبوبي: لو قال: أنت وكيلي في كل شيء كان وكيلا بالحفظ، إلا إذا زاد فقال: أنت وكيلي في كل شيءٍ، جائز صنعُك؛ فعند محمد يصير وكيلا في البياعات والإجارات والهبات والطلاق والعتاق، وعند أبي حنيفة وكيلا في المعاوضات دون غيرها. وشرطها: ما ذكر في الكتاب. وصفتها: أنها من العقود الجائزة. وحكمها: جواز تصرف الوكيل فيما وكل به. قوله: (كل عقد جاز أن يعقده) إلى آخره، فإن قيل: يلزم على طرده الاستقراض، فإنه لو استقرض بنفسه يجوز، وتوكيل غيره بالاستقراض يقع على المستقرض الذي هو الوكيل لا على الموكل.

стр. 5405

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . قلنا: ذكر في الذخيرة: لو أخرج الوكيل كلامه في الاستقراض مُخرَج الرسالة بأن قال: فلان يستقرض منك كذا، ففعل المقرض تكون الدراهم للأمر [حتى] (١) لا يكون للوكيل أن يمنع ذلك منه. ولو أخرج الكلام مُخرج الوكالة بأن قال: أقرضني عشرة فالعشرة للوكيل، وله أن يمنعها من الأمر؛ لأن التوكيل بالاستقراض باطل، بخلاف الرسالة؛ إذ الرسالة موضوعة لنقل العبارة، والوكيل غير ناقل للعبارة. وإنما صح التوكيل بالبيع وغيره؛ لأن محل التصرف ملك الموكل، والتوكيل بالشراء صح من حيث إنه أمر بإيجاب الثمن في ذمة الموكل، وذمته ملكه، وهذا المعنى لا يتحقق في الاستقراض؛ لأن البدل في باب القرض يجب دينًا في ذمة المستقرض بالقبض لا بالعقد، فلا بد من تصحيح الأمر أولا بالقبض؛ حتى يستقيم الأمر بإيجاب المثل في ذمته، والأمر بالقبض لم يصح؛ لأنه ملك الغير، فتعذر تصحيح هذه الوكالة باعتبار جانب التملك، وباعتبار جانب العبارة، فبطل. ثم ذكر في الذخيرة: لو وكله بما لا يملكه الموكل لا يصح؛ لأن التوكيل إثبات ولاية التصرف، وإثبات الولاية بما لا ولاية له باطل. ثم قال: هذا عندهما، أما عند أبي حنيفة شرط صحة التوكيل كون التوكيل بما يملكه الوكيل، وكون الموكل مالكًا ليس بشرط عنده، حتى لو وَكَّل المسلم الذمي ببيع خمر وشرائه جائز عنده. قال شيخي صاحب النهاية: فعلى هذا يحمل إطلاق ما ذكر في رواية على قولهما. وفي الكافي: قيل: المراد من قوله: أن يكون مالكًا للتصرف بالنظر إلى أصل التصرف، وإن امتنع لعارض وبيع الخمر يجوز للمسلم في الأصل، وإنما امتنع بعارض النهي.

стр. 5406

الإِنْسَانُ بِنَفْسِهِ جَازَ أَنْ يُوَكَّلَ بِهِ غَيْرَهُ) لِأَنَّ الإِنْسَانَ قَدْ يَعْجِزُ عَنْ المُبَاشَرَةِ بِنَفْسِهِ عَلَى اعْتِبَارِ بَعْضِ الأَحْوَالِ، فَيَحْتَاجُ إِلَى أَنْ يُوَكِّلَ غَيْرَهُ فَيَكُونَ بِسَبِيلٍ مِنهُ دَفْعًا لِلْحَاجَةِ. وَقَدْ صَحَّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَكَّلَ بِالشِّرَاءِ حَكِيمَ بْنَ حِزَامٍ وَبِالتَّزْوِيجِ عُمَرَ بْنَ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂. قَالَ: (وَتَجُوزُ الوَكَالَةُ بِالخُصُومَةِ فِي سَائِرِ الحُقُوقِ) لِمَا قَدَّمْنَا مِنْ الحَاجَةِ، إِذْ لَيْسَ كُلُّ أَحَدٍ يَهْتَدِي إِلَى وُجُوهِ الخُصُومَاتِ. وَقَدْ صَحَّ أَنَّ عَلِيًّا ﵁ وَكَّلَ عَقِيلًا، وَبَعْدَمَا أَسَنَّ وَكَّلَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جَعْفَرٍ ﵁ (وَكَذَا بِإِيفَائِهَا وَاسْتِيفَائِهَا، إِلَّا فِي الحُدُودِ وَالقِصَاصِ، فَإِنَّ الوَكَالَةَ لَا تَصِحُ بِاسْتِيفَائِهَا مَعَ غَيْبَةِ المُوَكِّلِ عَنْ المَجْلِسِ) لِأَنَّهَا قوله: (على اعتبار بعض الأحوال) بأن يكون مريضًا، أو شيخا فانيًا، أو ذا وجاهة لا يتولى الأمور بنفسه، والتوكيل صحيح بدون هذه العوارض؛ لأن حكمة الحكم تراعى في الجنس لا في الأفراد، كالسفر مع المشقة. قوله: (وبالتزويج عمرَ بنَ أمّ سلمة) أي: وكله بتزويج أمه من النبي ﵊. قوله: (في سائر الحقوق) أي: جميعها. وفي الصحاح: سائر الناس: أي: جميعهم (١). وقوله: (لما قدمنا) إشارة إلى قوله: (لأن الإنسان قد يعجز) إلى آخره. قوله: (وكل عقيلا) أي: في الخصومات، وإنما اختار عقيلا؛ لأنه كان ذكيا حاضر الجواب، حتى حُكِي أن عليا استقبله يومًا ومعه عنز له، فقال على سبيل الدعابة: أحد الثلاثة أحمق، فقال عقيل: أما أنا وعنزي فعاقلان، فلما كبر عقيل وأسن وكل عبد الله بن جعفر الطيار؛ إما لأنه وقره لكبر سنه، أو لنقصان ذهنه، فوكل عبد الله بن جعفر، وكان شابا ذكيا. كذا في المبسوط (٢). قوله: (مع غيبة الموكل) قيد به؛ لأنه يجوز استيفاء القصاص والقذف في حضوره بإجماع الأئمة الأربعة، وفي غيبته لا يجوز في الأصح، ومالك (٣)

стр. 5407

تَنْدَرِئُ بِالشُّبُهَاتِ، وَشُبْهَةُ العَفْوِ ثَابِتَةٌ حَالَ غَيْبَةِ المُوَكِّلِ، بَلْ هُوَ الظَّاهِرُ لِلنَّدْبِ الشَّرْعِيِّ، بِخِلَافِ غَيْبَةِ الشَّاهِدِ، لِأَنَّ الظَّاهِرَ عَدَمُ الرُّجُوعِ، وَبِخِلَافِ حَالَةِ الحَضْرَةِ لانْتِفَاءِ هَذِهِ الشُّبْهَةِ، وَلَيْسَ كُلُّ أَحَدٍ يُحْسِنُ الاسْتِيفَاءَ. فَلَوْ مُنِعَ عَنْهُ يَنْسَدُّ بَابُ الِاسْتِيفَاءِ أَصْلًا، وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ (وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: لَا تَجُوزُ الوَكَالَةُ بِإِثْبَاتِ الحُدُودِ وَالقِصَاصِ بِإِقَامَةِ وأحمد (١) يُجوز له استيفاء القصاص والقذف في غيبة الموكل؛ لأنه حق العبد، ويجوز استيفاؤه في حضوره، فكذا في غيبته. وقلنا: إنه عقوبة تسقط بالشبهات، وشبهة العفو ثابتة في حال غيبته؛ لجواز أن الموكل قد عفا بنفسه، والوكيل لا يشعر به، بل هو الظاهر؛ إذ العفو مندوب إليه شرعًا، قال تعالى: ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [البقرة: ٢٣٧]، وقال تعالى: ﴿فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾ [المائدة: ٤٥] بخلاف ما لو كان الموكل حاضرًا؛ لأنه لا تتمكن فيه شبهة العفو، وقد يحتاج الموكل إلى ذلك؛ لقلة هدايته في الاستيفاء، أو لأن قلبه لا يحتمل ذلك، وبخلاف الاستيفاء في غيبة الشهود؛ لأن رجوعهم نادر؛ إذ الأصل في العدول الصدق. قوله: (وليس كل أحد إلى آخره) جواب إشكال، وهو أن يقال: لما حضر الموكل لم يحتج إلى التوكيل باستيفاء القصاص؛ بل يستوفيه بنفسه؛ لما أن في التوكيل شبهة البدلية، واستيفاء القصاص مما لا تجرى فيه الأبدال، فأجاب عنه بهذا، وهو ما ذكرنا من قلة هدايته، إلى آخره. قوله: (وهذا الذي ذكرناه) أي: جواز التوكيل بإثبات كل الحقوق، سواء كان في الحدود والقصاص، أو غيرها (قول أبي حنيفة) وبه قالت الأئمة الثلاثة (٢)، وعند أبي يوسف: لا يجوز في إثبات الحدود والقصاص. في المبسوط: وكل رجلا بطلب قصاص في نفس أو ما دونها - لا يجوز، وإن وكله بإقامة البينة على ذلك جاز عند أبي حنيفة ومحمد، إلا عند أبي حنيفة عند مرض الخصم أو غيبته، وعند محمد على كل حال، وبه قالت الأئمة

стр. 5408

الشُّهُودِ أَيْضًا) وَمُحَمَّدٌ مَعَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقِيلَ: مَعَ أَبِي يُوسُفَ ﵏، وَقِيلَ: هَذَا الاخْتِلَافُ فِي غَيْبَتِهِ دُونَ حَضْرَتِهِ (*)، لِأَنَّ كَلَامَ الوَكِيلِ يَنْتَقِلُ إِلَى المُوَكِّلِ عِنْدَ حُضُورِهِ فَصَارَ كَأَنَّهُ مُتَكَلِّمُ بِنَفْسِهِ. لَهُ: أَنَّ التَّوْكِيلَ إِنَابَةٌ وَشُبْهَةُ النِّيَابَةِ يُتَحَرَّزُ عَنْهَا فِي هَذَا البَابِ، كَمَا فِي الشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ وَكَمَا فِي الاسْتِيفَاءِ وَلِأَبِي حَنِيفَةَ تَلهُ: أَنَّ الخُصُومَةَ شَرْطٌ مَحْضُ، لِأَنَّ الوُجُوبَ مُضَافٌ إِلَى الجِنَايَةِ، وَالظُّهُورَ إِلَى الشَّهَادَةِ، فَيَجْرِي فِيهِ التَّوْكِيلُ كَمَا فِي سَائِرِ الحُقُوقِ، وَعَلَى هَذَا الخِلَافِ: التَّوْكِيلُ بِالجَوَابِ مِنْ جَانِبِ مَنْ عَلَيْهِ الحَدُّ وَالْقِصَاصُ. الثلاثة، وعلى قول أبي يوسف لا يجوز التوكيل بذلك، وعلى هذا الخلاف إثبات حد السرقة والقذف. (له) أي: لأبي يوسف أن الوكيل بمنزلة البدل عن الموكل، ولا مدخل للأبدال فيها، ولهذا لا تثبت بالشهادة على الشهادة، وبكتاب القاضي إلى القاضي، وبشهادة النساء مع الرجال، وبالإشارة من الأخرس التي هي بدل من العبارة، ولأن المقصود من الإثبات الاستيفاء، فإذا لم يصح التوكيل بالاستيفاء فلا يصح التوكيل بالإثبات أيضًا، وهذا حجة على أبي حنيفة ومحمد، لا على الأئمة الثلاثة. وقلنا: إنه وكله بما يملك مباشرته، وهي الخصومة، فصح توكيله، وما يثبته ليس بحد ولا قصاص، ولا يضاف إليه الحد؛ لأن وجوب الحد مضاف إلى الجناية، وظهوره مضاف إلى الشهادة، والخصومة شرط محض لا أثر لها في الوجوب والظهور، والحكم لا يضاف إلى الشرط المحض. قوله: (وقول محمد مع قول أبي حنيفة) وهو الأظهر. قوله: (لأن كلام الوكيل ينتقل إلى الموكل) إذا لم يكن فيه عهدة على الوكيل، كما مر في النكاح. قوله: (من جانب من عليه الحد) يعني إذا وكل المطلوب بالقصاص أو القذف وكيلا بالخصومة في دفع ما يطالب به.

стр. 5409

وَكَلَامُ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ فِيهِ أَظْهَرُ، لِأَنَّ الشُّبْهَةَ لَا تَمْنَعُ الدَّفْعَ، غَيْرَ أَنَّ إِقْرَارَ الوَكِيلِ غَيْرُ مَقْبُولٍ عَلَيْهِ لِمَا فِيهِ مِنْ شُبْهَةِ عَدَمِ الأَمْرِ بِهِ. (وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَجُوزُ التَّوْكِيلُ بِالخُصُومَةِ إِلَّا بِرِضَا الخَصْمِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ قوله: (وكلام أبي حنيفة) أي: في التوكيل من جانب من عليه الحد (أظهر) لأن التوكيل وقع هنا بدفع دعوى القصاص، والحدود دَفْعُها يثبت مع الشبهات، حتى يثبت العفو عن القصاص بالشهادة على الشهادة، وبشهادة النساء مع الرجال. قوله: (لما فيه) أي: في الإقرار (شبهة عدم الأمر به) أي: بالإقرار، يعني لو حملنا التوكيل على الجواب فيجب أن يصح إقراره على الموكل. وفي المبسوط (١): لو أقر في مجلس القضاء بوجوب القصاص على موكله يصح قياسًا؛ لأنه قام مقام الموكل كما في سائر الحقوق. وفي الاستحسان لا يجوز؛ لأنَّا [حملنا] (٢) التوكيل على الجواب؛ لأن جواب الخصم من الخصومة، ولكن هذا نوع مجاز، وفي الحقيقة الإقرار ضدُّ الخصومة، فيصير ذلك شبهة فيما يَنْدَرِى بالشبهات لا فيما يثبت الشبهات. ولو وكل بإثبات المال دون طلب الحد في السرقة يجوز بلا خلاف؛ لأن المقصود المال. وفي الكافي: ولا يجوز التوكيل بإثبات حد الزنا وشرب الخمر بالاتفاق؛ لأنه لا حق لأحد فيه، وإنما تقام البينة على وجه الحسبة، فإذا كان أجنبيا عنه لا يصح توكيله إياه. قوله: (إلا برضا الخصم) سواء كان التوكيل من جانب المدعي أو من جانب المدعى عليه، ويستوي عنده الموكل إذا كان رجلا أو امرأة، بكرا كان أو ثيبا.

стр. 5410

المُوَكِّلُ مَرِيضًا أَوْ غَائِبًا مَسِيرَةَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فَصَاعِدًا. وَقَالَا: يَجُوزُ التَّوْكِيلُ بِغَيْرِ رِضَا الخَصْمِ) (*) وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ﵀. وَلَا خِلَافَ فِي الجَوَازِ إِنَّمَا الخِلَافُ فِي اللُّزُوم. لَهُمَا: أَنَّ التَّوْكِيلَ تَصَرُّفٌ فِي خَالِصِ حَقِّهِ فَلَا يَتَوَقَّفُ عَلَى رِضَا غَيْرِهِ كَالتَّوْكِيلِ بِتَقَاضِي الدُّيُونِ. قوله: (وهو) [أي] (١): قول أبي يوسف ومحمد (قول الشافعي) (٢) وبه قال مالك (٣) وأحمد (٤). وفي فتاوى قاضي خان (٥): كان أبو يوسف أولا يقول: لا تقبل الوكالة بغير رضا الخصم من الرجال، وتقبل من النساء، ثم رجع وقال: تقبل من الرجال والنساء، ويستوي فيه الوضيع والشريف، وهو قول محمد والشافعي، وبه أخذ الصفار. وقال الإمام السرخسي: إذ علم القاضي التعنت من المدعي في إباء التوكيل يقبل التوكيل بغير رضاه، وهو الصحيح عندي، وإن علم القصد إلى الإضرار من الموكل بالمدعي ليشتغل الوكيل بالحيل والأباطيل والتلبيس لا يقبل. قوله: (ولا خلاف في الجواز، وإنما الخلاف في اللزوم)، يعني هل تَرْتَدُّ الوكالة بِرَدِّ الخصم أم لا؟ عنده ترتد، خلافًا لهما. وفي فتاوى العتابي: بغير رضا الخصم لا يجوز، معناه: لا يجبر خصمه على قبول الوكالة وهو المختار، ويستوي فيه الوضيع والشريف، فكان معنى قوله: (لا يجوز) (٦): لا يلزم. قوله: (في خالص حقه) أي: حق الموكل، وهذا لأنه وكله إما بالجواب أو بالخصومة، وكلاهما حق الموكل، فإن الخصومة من خالص حق الموكل، حتى لا يجبر المدعي على الخصومة، وكذا الجواب؛ لأنه إما إنكار أو إقرار، كما

стр. 5411

وَلَهُ: أَنَّ الجَوَابَ مُسْتَحَقٌّ عَلَى الخَصْمِ، وَلِهَذَا يَسْتَحْضِرُهُ، وَالنَّاسُ مُتَفَاوِتُونَ فِي الخُصُومَةِ، فَلَوْ قُلْنَا بِلُزُومِهِ يَتَضَرَّرُ بِهِ، فَيَتَوَقَّفُ عَلَى رِضَاهُ كَالعَبْدِ المُشْتَرَكِ إِذَا كَاتَبَهُ أَحَدُهُمَا يَتَخَيَّرُ الْآخَرُ، بِخِلَافِ المَرِيضِ وَالمُسَافِرِ، لِأَنَّ الجَوَابَ غَيْرُ مُسْتَحَقٌ عَلَيْهِمَا هُنَالِكَ، ثُمَّ كَمَا يَلْزَمُ التَّوْكِيلُ عِنْدَهُ مِنْ المُسَافِرِ يَلْزَمُ إِذَا أَرَادَ السَّفَرَ … ... … .. في استيفاء الدين وإيفائه، وقبضه وتقاضيه. (وله) أي: ولأبي حنيفة أنه قصد بهذا التوكيل الإضرار بخصمه فيما هو مستحق عليه، وهو الجواب، فلا يملكه إلا برضاه، كالحوالة بالدين، وهذا لأن الحضور والجواب مستحق عليه، بدليل أن القاضي يقطعه عن أشغاله، ويحضره ليجيب خصمه والناس يتفاوتون في هذا الجواب، فرب إنكار يكون أشد دفعًا للمدعي من إنكار. والظاهر أن الموكل إنما يقصد بهذا التوكيل أن يشتغل الوكيل بالحيل؛ ليدفع الخصم عن الموكل، وفيه إضرار بالخصم نعم توكيل بما هو خالص حقه، لكن لما كان يتصل به ضرر الغير لا يملكه بلا رضاه، كمن استأجر دابة بركوبه، أو ثوبًا للبسه - لا يملك أن يؤجره لغيره وإن كان يتصرف في ملكه، وهو المنفعة، لكن يتصل به ضرر بملك الغير، وهو العين؛ لأن الناس يتفاوتون في الركوب واللبس. وكأحد شريكي العبد إذا كاتبه كان للآخر فسخه، وإن حصل تصرفه في خالص ملكه؛ لأن الآخر يتضرر به بخلاف التوكيل بالقبض والإيفاء، فإن الحق معلوم الحقيقة، فلا يتصل بهذا التوكيل ضرر بالآخر، وكذا التقاضي له حد معلوم يمنع الوكيل عن مجاوزته، فلا يتضرر به الخصم، فأما الخصومة فليس لها حد معلوم يعرف ذلك، حتى يمنع الوكيل عن محاورته، وبعضهم أَلْحَنُ بحُجَّتِه، فيحتال في الإثبات، فيتضرر الخصم، فيشترط رضاه. قوله: (ولهذا يستحضره) أي: للمدعي ولاية إحضار المدعى عليه إلى مجلس القاضي، يعلم أن الجواب مستحق عليه. قوله: (غير مستحق عليهما) أي: غير واجب على المسافر والمريض؛

стр. 5412

لِتَحَقُّقِ الضَّرُورَةِ، وَلَوْ كَانَتْ المَرْأَةُ مُخَدَّرَةٌ لَمْ تَجْرِ عَادَتُهَا بِالبُرُوزِ وَحُضُورِ مَجْلِسِ الحُكْمِ، قَالَ الرَّازِي لَهُ: يَلْزَمُ التَّوْكِيلُ، لِأَنَّهَا لَوْ حَضَرَتْ لَا يُمْكِنُهَا أَنْ تَنْطِقَ بِحَقِّهَا لِحَيَائِهَا فَيَلْزَمُ تَوْكِيلُهَا. قَالَ: لعجز المسافر لغيبيته، وعجز المريض لمرضه، فلا يملك الخصم إحضارهما لعجزهما، فلا يكون في التوكيل إسقاط حق مستحق. وفي فتاوى قاضي خان (١): ثم المريض إذا كان لا يستطيع أن يمشي على قدميه، ولكن يمكنه بركوب الدابة، أو أيدي الناس، فإن ازداد مرضه بالركوب صح توكيله بغير رضا الخصم، وإن كان لا يزداد؛ اختلفوا فيه، قيل: على الخلاف أيضًا، وقيل: له أن يوكل بغير رضاه، وهو الصحيح. قوله: (لتحقق الضرورة) إذ لو لم يجز يلحقه الحرج بالانقطاع عن مصالحه. وفي فتاوى قاضي (٢): لكن لا يصدق أنه يريد السفر، ولكن القاضي ينظر إلى زيه وعدة سفره، أو يسأل عمن يريد أن يخرج معه، فيسأل عن رفقائه، كما في فسخ الإجارة. قوله: (ولو كانت المرأة مُخَدَّرَة)، قال البزدوي: المخدرة: هي التي لا يراها غير المحارم من الرجال، أما التي جلست على المنصة فرآها [الأجانب فلا] (٣) تكون مخدرة. فلو وكلت بالخصومة فوجب عليها اليمين وهي لا تعرف بالخروج ومخالطة الرجال في الحوائج يبعث الحاكم إليها ثلاثة من العدول، ويستحلفها أحدهم ويشهد الآخران على حلفها، وكذا في المريضة إذا وجب عليها يمين؛ لأن النيابة لا تجري في الأيمان، هكذا ذكر الصدر الشهيد في أدب القاضي، وذكر فيه: وإن كان يبعث إلى المخدرة والمريضة أو إلى المريض خليفة فيفصل الخصومة هنالك يجوز؛ لأن مجلس الخليفة كمجلسه، وإن لم يكن للحاكم أن يستحلف يبعث أمينًا ومعه أمينان يعرفان المريض أو المرأة؛ حتى يمكنهما الشهادة على حلفهما.

стр. 5413

وَهَذَا شَيْءٌ اسْتَحْسَنَهُ المُتَأَخِّرُونَ. أما لو أقر المريض أو المرأة بدعوى الخصم شهد الأمينان على ذلك، وقالا للمريض: وكل وكيلا يحضر مع خصمك مجلس الحكم، فإذا فعل ذلك حضر الشاهدان فشهدا عند القاضي بما أقر، ولو جحد المريض ولم يحلف ونكل، فأمره أيضًا أن يوكل وكيلًا حتى يحضر مجلس القاضي، وشهدا عليه عند القاضي بمحضر من وكيله بنكوله حكم القاضي عليه بالدعوى وألزمه ذلك. قال شمس الأئمة السرخسي: هذا اختيار صاحب الكتاب، حيث لا يشترط للقضاء بالنكول أن يكون على فور النكول، فأما غيره من المشايخ يشترطون القضاء بالنكول أن يكون على إثر النكول، فكيف يصنع على قولهم؟ اختلفوا؛ قيل: الأمين يحكم عليها بالنكول، ثم ينقل الشاهدان ذلك إلى مجلس القاضي مع وكيلهما، فالقاضي يمضي ذلك، فيكون هذا إمضاء لذلك الحكم. وقيل: إن القاضي يقول للمدعي أتريد حَكَمًا يحكم بينكما بذلك ثمة؟ فإذا رضي يبعث أمينا إلى الخصم فيخبره بالحكم، فإذا رضي بحكم الحاكم بينهما؛ فإن كان حكمه شيئًا لا يختلف الفقهاء فيه نفذ، وإن كان فيه اختلاف يتوقف على إمضاء القاضي. وفي الذخيرة: ومن الأعذار التي توجب لزوم التوكيل بغير رضا الخصم عند أبي حنيفة؛ الحيض في المرأة إذا كان القاضي يقضي في المسجد. وهذه المسألة على وجهين: إن كانت الحائض طالبة؛ قبل منها التوكيل بغير رضا الخصم، وإن كانت مطلوبة؛ إن أخرها الطالب حتى يخرج القاضي من المسجد - لا يقبل توكيلها بغير رضا خصمه، وإلا يقبل. ولو كان الموكل محبوسًا، فهو على وجهين: إن كان محبوسًا في سجن هذا القاضي لا يقبل التوكيل بلا رضا خصمه؛ لأن القاضي يخرجه حتى يخاصم ثم يعيده إلى السجن، وإن كان محبوسًا في سجن الولي، ولا يمكنه الوالي من الخروج يلزمه توكيله بغير رضا خصمه (وهذا شيء استحسنه المتأخرون) وألحقوها بالمريضة لعجزها عن الأداء بحجتها لمكان الحياة، واختاروه للفتوى.

стр. 5414

قَالَ: (وَمِنْ شَرْطِ الوَكَالَةِ: أَنْ يَكُونَ المُوَكِّلُ مِمَّنْ يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ وَتَلْزَمُهُ الأَحْكَامُ) لِأَنَّ الوَكِيلَ يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ مِنْ جِهَةِ المُوَكِّلِ، فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ المُوَكَّلُ مَالِكًا لِيُمَلِّكَهُ مَنْ غَيْرَهُ. (وَ) يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ (الوَكِيلُ مِمَّنْ يَعْقِلُ العَقْدَ قوله: (ممن يملك التصرف) أي: التصرف الذي وكل به. وفي الذخيرة: هذا القيد وقع على قولهما لا على قول أبي حنيفة، فإن عنده شرط الوكالة كون التوكيل حاصلا بما يملكه الوكيل، وقد مر. فإن قيل: يشكل بما لو قال رجل لغيره: خذ عبدي هذا وبعه بعبد، أو قال: اشتر لي به عبدًا صح التوكيل، وإن لم تصح مباشرة الموكل في مثل هذا التصرف، فإنه من قال لغيره: بعتك هذا العبد أو قال: اشتريت منك بهذا العبد عبدا لا يجوز. ذكره في الذخيرة. قلنا: يملك مباشرة بيع هذا العبد أو شرائه، أما إذا باعه بنفسه لا يجوز؛ لجهالة الثمن أو المبيع جهالةً مُفضِيةً الى المنازعة، أما الجهالة لا تمنع التوكيل؛ لأنه ليس بأمر لازم، والمانع من الصحة المنازعة لا نفس الجهالة. ثم إذا صح التوكيل؛ فإن كان قد وكله بالشراء، فاشترى عبدًا بغير عينه لا يجوز، كما لو اشترى الموكل بنفسه، وإن اشترى عبدًا بعينه؛ إن كانت قيمته مثل قيمة هذا العبد أو أقل بقدر العين اليسير يجوز، وإن كان أقل بقدر الغبن الفاحش لا يجوز، وكذا في جانب الوكالة بالبيع. ذكره في الذخيرة. قوله: (وتلزمه الأحكام)، قيل: هذا احتراز عن الوكيل، فإن الوكيل لا يثبت له حكم تصرفه، حتى [لا] (١) يملك الوكيل بالشراء المبيع، ولا الوكيل بالبيع الثمن، فلا يصح توكيل الوكيل غيره. وقيل: احتراز عن الصبي المحجور والعبد المحجور، فإنهما لو اشتريا شيئًا لا يملكانه، فلذلك لم يصح توكيلهما. قوله: (ممن يعقل العقد)، وفي الذخيرة: يَعرِف أن الشراء جالب للمبيع وسالب للثمن، والبيع على عكسه، ويَعرِف الغبن اليسير من الفاحش.

стр. 5415

وَيَقْصِدُهُ) لِأَنَّهُ يَقُومُ مَقَامَ المُوَكِّلِ فِي العِبَارَةِ، فَيُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ العِبَارَةِ حَتَّى لَوْ كَانَ صَبِيًّا لَا يَعْقِلُ أَوْ مَجْنُونًا كَانَ التَّوْكِيلُ بَاطِلًا. (وَإِذَا وَكَّلَ الحُرُّ العَاقِلُ البَالِغُ أَوْ المَأْذُونُ مِثْلَهُمَا جَازَ) لِأَنَّ المُوَكَّلَ مَالِكٌ لِلتَّصَرُّفِ وَالوَكِيلَ مِنْ أَهْلِ العِبَارَةِ (وَإِنْ وَكَّلَا صَبِيًّا مَحْجُورًا يَعْقِلُ البَيْعَ وَالشِّرَاءَ أَوْ عَبْدًا مَحْجُورًا جَازَ، وَلَا يَتَعَلَّقُ بِهِمَا الحُقُوقُ وَيَتَعَلَّقُ بِمُوَكِّلِهِمَا) لِأَنَّ الصَّبِيَّ مِنْ أَهْلِ العِبَارَةِ؛ … ... . (ويقصده) أي: يقصد بمباشرة السبب ثبوت الحكم، ولا يكون هازلا فيه؛ لأنه يقوم مقام الموكل في العبارة، فلا بد من أن يكون من أهلية العبارة، وأهلية العبارة بالعقل؛ لأن المراد بالكلام ما يكون له صورة ومعنى، وكل محدث يكون موجودًا بصورته ومعناه، ومعنى الكلام لا يوجد إلا بالعقل والتمييز؛ لأن كلام غير المميز كألحان الطيور. قوله: (مثلهما جاز) هذا غير منحصر في المثلية في صفة الحرية والرقية؛ بل يجوز للموكل أن يوكل من فوقه كتوكيل العبد المأذون الحر، أو من دونه، كتوكيل الحر العبد المأذونَ؛ لأن التعليل بقوله: (لأن الموكل مالك للتصرف، والوكيل من أهل العبارة) يشمل الأوجه الثلاثة من المثلية والفوقية والدونية. قوله: (وإن وكلا صبيا محجورًا) إلى آخره، وعند الشافعي لا يجوز. ذكر في الوجيز (١): يشترط في الوكيل صحة العبارة، وكذلك التكليف، فلا يصح توكيل الصبي إلا في الإذن، وإيصال الهدية على رأي، وفي العبد المحجور له قولان؛ لأن الوكيل إذا ملك التصرف بنفسه يملكه نيابة عن غيره، وبه قال مالك، وإلا لا ولاية، ذكر في الكتاب بقوله: (لأن الصبي من أهل العبارة) وبقولنا: قال أحمد. قوله: (لا تتعلق الحقوق بهما) كالقاضي وأمينه، إشارة إلى أنهما لو كانا مأذونين تتعلق الحقوق بهما لا بموكلهما، ولكن فيه [تفصيل] (٢) ذكره في الذخيرة: الصبي المأذون في التجارة إن كان وكيلا بالبيع بثمن حال أو مؤجل لزمه العهدة.

стр. 5416

أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَنْفُذُ تَصَرُّفُهُ بِإِذْنِ وَلِيْهِ، وَالعَبْدَ مِنْ أَهْلِ التَّصَرُّفِ عَلَى نَفْسِهِ مَالِكٌ، لَهُ وَإِنَّمَا لَا يَمْلِكُهُ فِي حَقِّ المَوْلَى، وَالتَّوْكِيلُ لَيْسَ تَصَرُّفًا فِي حَقِّهِ، إِلَّا أَنَّهُ لَا يَصِحُ مِنْهُمَا التِزَامُ العُهْدَةِ. أَمَّا الصَّبِيُّ لِقُصُورِ أَهْلِيَّتِهِ، وَالعَبْدُ لِحَقِّ سَيِّدِهِ فَتَلْزَمُ المُوَكِّل. وإن كان وكيلا بالشراء؛ إن كان بالشراء بثمن مؤجل لا تلزمه العهدة قياسًا واستحسانًا؛ بل العهدة على الآمر، وذلك لأن ما يلزم من العهدة ضمان كفالة لا ضمان ثمن؛ لأن الملك لا يفيد للضامن في المشتري (١)؛ بل يلزم مالا في ذمته استوجبه مثل ذلك على موكله، وهو معنى الكفالة، ولا يلزمه ضمان الكفالة. وإن كان الشراء بثمن حال لا تلزمه العهدة قياسًا لا استحسانًا. وجه الاستحسان: أن ما يلزمه ضمان ثمن؛ لأنه يملك المشترى من حيث الحكم، فإنه يحبسه بالثمن حتى يستوفي من الموكل، كما لو اشترى لنفسه ثم باع منه. والصبي المأذون من أهل أن يلزم ضمان الثمن، بخلاف ما إذا كان الثمن مؤجلا، فإنه لا يملك حقيقة ولا حكمًا؛ لأنه لا يملك حبسه بذلك، فكان ضمان كفالة من حيث المعنى. وفي الكافي: فإن كانا مأذونين في التجارة لزمهما الثمن، ورجعا به على الأمر استحسانًا. ثم ذكر في جامع قاضي خان والمبسوط: أن العبد المحجور إذا أعتق تلزمه العهدة، والصبي المحجور إذا أعتق (٢) لا تلزمه العهدة؛ لأن قول العبد ملزم في حق نفسه لكونه مخاطبًا، وإنما لا تلزمه العهدة لحق المولى، وقد سقط بالعتق، أما قول الصبي فليس بملزم في حقه نفسه، فلا تلزمه العهدة بعد البلوغ.

стр. 5417

وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ لَهُ: أَنَّ المُشْتَرِيَ إِذَا لَمْ يَعْلَمْ بِحَالِ البَائِعِ ثُمَّ عَلِمَ أَنَّهُ صَبِيٌّ أَوْ مَجْنُونٌ لَهُ خِيَارُ الفَسْخِ، لِأَنَّهُ دَخَلَ فِي العَقْدِ عَلَى أَنَّ حُقُوقَهُ تَتَعَلَّقُ بِالعَاقِدِ، فَإِذَا ظَهَرَ خِلَافُهُ يَتَخَيَّرُ كَمَا إِذَا عَثَرَ عَلَى عَيْبٍ. قَالَ: (وَالعَقْدُ الَّذِي يَعْقِدُهُ الوُكَلَاءُ عَلَى ضَرْبَيْنِ: كُلُّ عَقْدٍ يُضِيفُهُ الوَكِيلُ إِلَى نَفْسِهِ كَالبَيْعِ وَالإِجَارَةِ، فَحُقُوقُهُ تَتَعَلَّقُ بِالوَكِيلِ دُونَ المُوَكِّلِ). وَقَالَ الشَّافِعِيُّ نَقَلَهُ: تَتَعَلَّقُ بِالمُوَكَّلِ؛ لِأَنَّ الحُقُوقَ تَابِعَةٌ لِحُكْمِ التَّصَرُّفِ، وَالحُكْمُ وَهُوَ المِلْكُ يَتَعَلَّقُ بِالمُوَكِّلِ، فَكَذَا تَوَابِعُهُ وَصَارَ كَالرَّسُولِ وَالوَكِيلِ بِالنِّكَاحِ. ثم قبضهما الثمن وتسليمهما المبيع يعتبر وإن لم يتعلق بهما الحقوق، ويجيء في فصل الشراء في التوكيل. وفي المبسوط: إن كان الوكيل مرتدًا جاز بيعه؛ لأنه من أهل عبارة معتبرة، ولكن يتوقف حكم العهدة عند أبي حنيفة؛ فإن أسلم كانت عليه، وإلا على الأمر، وبه قال الشافعي في وجه، وعندهما العهدة عليه على كل حال، وبه قال الشافعي في قول، وهو نظير قولهم في تصرفات المرتد بيعًا وشراء (١)، وقد مرّ في السير. قوله: (أو مجنون). قيل: في حاشية نسخة المصنف (أو محجور) وفي متنها: (مجنون) وفي بعض النسخ: (أو عبد محجور) ولهذا قال في الكافي: ثم اعلم أنه صبي محجور أو عبد محجور. قوله: (عثر على عيب)، والجامع بينهما عدم الرضا. قوله: (فحقوقه تتعلق بالوكيل)، وعن هذا ذكر في الإيضاح: للوكيل أن يوكل غيره في الحقوق التي يوجبها العقد عليه، ولو وكل الموكل لم يجز؛ لأن الوكيل أصل في الحقوق، فيمتلك التفويض إلى الغير. قوله: (وقال الشافعي: تتعلق بالموكل) وبه قال مالك، وأحمد. (وصار كالرسول) بأن قال لآخر: كن رسولي في بيع عبدي.

стр. 5418

وَلَنَا: أَنَّ الوَكِيلَ هُوَ العَاقِدُ حَقِيقَةٌ؛ لِأَنَّ العَقْدَ يَقُومُ بِالكَلَامِ، وَصِحَّةُ عِبَارَتِهِ لِكَوْنِهِ آدَمِيًّا وَكَذَا حُكْمًا؛ لِأَنَّهُ يَسْتَغْنِي عَنْ إِضَافَةِ العَقْدِ إِلَى المُوَكِّلِ، وَلَوْ كَانَ سَفِيرًا عَنْهُ لَمَا اسْتَغْنَى عَنْ ذَلِكَ كَالرَّسُولِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ كَانَ أَصِيلًا فِي الحُقُوقِ فَتَتَعَلَّقُ (ولنا: أن الوكيل هو العاقد) إلى آخره، أي: الوكيل أصل في العقد، كما لو عقد لنفسه؛ لأن العقد يقوم بالكلام، وصحة الكلام باعتبار كونه آدميا عاقلا أهلا للتصرف، فقضيته تستدعي أن يكون الحاصل بالتصرف وأفعاله، غير أن الموكل لما استنابه في تحصيل الحكم جعلناه نائبا في حق الحكم، وراعينا الأصل في حق الحقوق، والدليل عليه أنه مستغن عن إضافة العقد إلى الموكل، ولو كان سفيرا كما زعم الخصم لما استغنى عن ذلك كالرسول، وكالوكيل في النكاح، حتى لو أضاف النكاح إلى نفسه كان العقد له دون الموكل. وفي التتمة: وحقيقة الفرق أن كل عقد يجوز أن ينتقل موجبه من شخص إلى شخص فـ (الوكيل) فيه كـ (العاقد) لنفسه، وكل عقد لا يجوز أن ينتقل منه فـ (الوكيل) فيه سفير، فموجب النكاح تملك البضع، وهو لا يحتمل النقل، وموجب الشراء ملك الرقبة، وهو يحتمل النقل منه، فيجعل كأن الوكيل يملكه بالشراء، ثم ملكه من الموكل، هذا على طريقة الكرخي حيث يقول: بأن الملك يقع أولا للوكيل ثم ينتقل عنه، أما على طريقة أبي طاهر الدباس: الملك يقع للموكل، ولكن يعقد الوكيل على سبيل الخلافة عنه، وملك النكاح لا يحتمل هذه الخلافة، وملك المال يحتمل، ألا ترى أن بعقد العبد الملك لمولاه، وبعقد المورث الملك لوارثه بعد موته، فلهذا كان الوكيل بمنزلة العاقد لنفسه في الحقوق. وقال شمس الأئمة السرخسي: قول أبي طاهر أصح، ولهذا لو كان المشترى منكوحة الوكيل أو قريبة لا يفسد النكاح ولا يعتق عليه. وذكر الصدر الشهيد أن القاضي أبا زيد خالفهما، وقال: الوكيل نائب في حق الحكم أصيل في حق الحقوق، فإن الحقوق تثبت له ثم تنتقل إلى الموكل، فوافق الكرخي في حق الحقوق، وأبا طاهر في حق الحكم، وهذا حسن، وهكذا ذكر في الإيضاح.

стр. 5419

بِهِ، وَلِهَذَا قَالَ فِي الكِتَابِ (يُسَلِّمُ المَبِيعَ وَيَقْبِضُ الثَّمَنَ وَيُطَالِبُ بِالثَّمَنِ إِذَا اشْتَرَى، وَيَقْبِضُ المَبِيعَ وَيُخَاصِمُ فِي العَيْبِ وَيُخَاصَمُ فِيهِ)؛ لِأَنَّ كُلَّ ذَلِكَ مِنْ الحُقُوقِ وَالمِلْكُ يَثْبُتُ لِلْمُوَكِّلِ خِلَافَةٌ عَنْهُ، اعْتِبَارًا لِلتَّوْكِيلِ السَّابِقِ كَالْعَبْدِ يَتَّهِبُ وَيَصْطَادُ ويَحْتِطِبُ هُوَ الصَّحِيحُ. قَالَ العَبْدُ الضَّعِيفُ: وَفِي مَسْأَلَةِ العَيْبِ تَفْصِيلُ نَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. قَالَ: (وَكُلُّ عَقْدٍ يُضِيفُهُ إِلَى مُوَكِّلِهِ كَالنِّكَاحِ وَالخُلْعِ وَالصُّلْحِ عَنْ دَمِ العَمْدِ، فَإِنَّ حُقُوقَهُ تَتَعَلَّقُ بِالمُوَكِّلِ دُونَ الوَكِيلِ، فَلَا يُطَالَبُ وَكِيلُ الزَّوْجِ بِالمَهْرِ، وَلَا يَلْزَمُ وَكِيلَ المَرْأَةِ تَسْلِيمُهَا)؛ لِأَنَّ الوَكِيلَ فِيهَا سَفِيرٌ مَحْضٌ؛ أَلَا يُرَى أَنَّهُ لَا يُسْتَغْنَى عَنْ إِضَافَةِ العَقْدِ إِلَى المُوَكِّلِ، وَلَوْ أَضَافَهُ إِلَى نَفْسِهِ كَانَ النِّكَاحُ لَهُ فَصَارَ كَالرَّسُولِ، وَهَذَا؛ لِأَنَّ الحُكْمَ فِيهَا قوله: (ولهذا قال) أي: محمد (في الكتاب) أي: الجامع الصغير أو المبسوط. وقوله: (والملك يثبت فيه خلافة) جواب سؤال مقدر، وهو أن يقال: لما ثبت الملك للموكل ينبغي أن تثبت الحقوق له كما قال الشافعي، فأجاب عنه بهذا، وقال: نعم يثبت له ابتداء؛ لكن بطريق الخلافة عن الوكيل لا أصالة، فكان الوكيل أصلا في الحقوق، فلذا تضاف الحقوق إلى الوكيل. وفي المبسوط (١): الموكل خلف عن الوكيل في حق الملك، كالعبد يقبل الهبة يثبت الملك للمولى ابتداء. (هو الصحيح) وهو احتراز عن قول الكرخي، وقوله كما ذكرنا. قوله: (وفي مسألة العيب تفصيل نذكره) أي: في باب الوكالة بالبيع والشراء في قوله: (وإذا اشترى الوكيل ثم اطلع على عيب) إلى آخره. قوله: (لأن الوكيل فيها سفير محض) والسفير هو الذي يحكي عن الغير، ومن حكى حكاية الغير لا يلزم عليه حكم قول الغير، كما لو حكى قذف الغير لا يكون قاذفا، ومن حكى كفر الغير لا يكفر. قوله: (فصار كالرسول) أي: في باب البيع (لأن الحكم فيها) أي: في هذه

стр. 5420

لَا يَقْبَلُ الفَصْلَ عَنِ السَّبَبِ؛ لِأَنَّهُ إِسْقَاطٌ فَيَتَلَاشَى فَلَا يُتَصَوَّرُ صُدُورُهُ مِنْ شَخْصٍ وَثُبُوتُ حُكْمِهِ لِغَيْرِهِ فَكَانَ سَفِيرًا. وَالضَّرْبُ الثَّانِي مِنْ أَخَوَاتِهِ العِتْقُ عَلَى مَالٍ، وَالكِتَابَةُ وَالصُّلْحُ عَلَى الْإِنْكَارِ. فَأَمَّا الصُّلْحُ الَّذِي هُوَ جَارٍ مَجْرَى البَيْعِ فَهُوَ مِنْ الضَّرْبِ الأَوَّلِ، وَالوَكِيلُ بِالهِبَةِ وَالتَّصَدُّقِ وَالإِعَارَةِ وَالإِيدَاعِ وَالرَّهْنِ وَالإِقْرَاضِ سَفِيرٌ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الحُكْمَ فِيمَا يَثْبُتُ بِالقَبْضِ، وَأَنَّهُ يُلاقِي مَحَلًّا مَمْلُوكًا لِلْغَيْرِ فَلَا يُجْعَلُ أَصِيلًا، … ... … ... … العقود، وهي النكاح وأمثاله (لا يقبل الفصل عن السبب) ولهذا لم يدخل فيها خيار الشرط؛ لأنها من قبيل الإسقاطات، فلا تقبل تراخي الحكم بالخيار وغيره، أما غير النكاح فظاهر، وكذا النكاح؛ لأنه مسقط لمعنى المالكية الذي كان ثابتًا للحرة بطريق الأصالة؛ إذ الحرية تستدعي انتفاء ورود الملك عليها، إلا أن الشارع أثبت نوع تملك عليها بالنكاح تحقيقا لمعنى النسل. كذا نقل عن العلامة شمس الأئمة الكردري، أو لأن الإيضاع الحرمة، فكان النكاح إسقاطا للحرمة نظرا إلى الأصل. وفي الكافي: وإنما يثبت الملك عليها ضرورة التمكن من الوطء، ولهذا لا يظهر في حق الفسخ والتمليك من الغير، ففيما وراء ذلك هو إسقاط جريًا على الأصل؛ لأن الحرية تنافي الملك. قوله: (فلا يتصور صدوره) أي: صدور السبب بطريق الأصالة (من شخص وثبوت حكمه لغيره (سفيرًا) بخلاف البيع، فإن حكمه يقبل الفصل عن السبب، كما في البيع بشرط الخيار، فجاز أن يصدر السبب من شخص أصالة ويقع الحكم لغيره خلافة، وقيدنا بقوله: أصالة؛ إذ السبب يصدر من الوكيل نيابة في النكاح. قوله: (من أخواته العتق) أي: من أخوات الضرب الثاني العتق. (لأن الحكم فيما) أي: في العقود المذكورة (يثبت بالقبض، وأنه) أي: القبض يلاقي محلا مملوكًا للغير). وفي الإيضاح: وكل غيره أن يهب عبده لفلان، أو يتصدق به عليه، أو

стр. 5421

وَكَذَا إِذَا كَانَ الوَكِيلُ مِنْ جَانِبِ المُلْتَمِسِ، وَكَذَا الشَّرِكَةُ وَالمُضَارَبَةُ، إِلَّا أَنَّ التَّوْكِيلَ بِالِاسْتِقْرَاضِ بَاطِلٌ حَتَّى لَا يَثْبُتَ المِلْكُ لِلْمُوَكِّلِ بِخِلَافِ الرِّسَالَةِ فِيهِ. == يعيره، أو يودعه، أو يرهنه، فقبض الوكيل وفعل ما أمر به، فهو جائز على الموكل، وليس للوكيل المطالبة برد شيء من ذلك إلى يده، ولا أن يقبض الوديعة والعارية والرهن والقرض ممن عليه؛ لأن أحكام هذه العقود إنما تثبت بالقبض، فلا يجوز أن يكون الوكيل فيه أصيلا، إلا أنه أجنبي عن المحل الذي يلاقيه القبض، فكان سفيرًا ومعبرًا عن المالك، فأما التصرفات التي تقوم بالقبول، ولا تتوقف على القبض، فالوكيل يجب أن يكون أصيلا فيه؛ لأنه أصل في التكلم، فكلامه مملوك له، إلا أنا فصلنا بين الحكم والحقوق فأظهر ناقضية (١) الولاية الأصلية، فيما يرجع إلى الحقوق، وفي هذه العقود وإن كانت تقوم باللفظ؛ لكن الحكم لا يتأتى إلا بالقبض والقبض تصرف في المحل ولا ملك له فيه، فلا يمكن أن يجعل أصلا بوجه ما. قوله: (وكذا إذا كان جانب الملتمس) يعني لو كانت هذه الوكالة من الملتمس لذلك، نحو أن وكله بالاستعارة أو الارتهان أو الاستيهاب، فالحكم والحقوق كلها تتعلق بالموكل. قوله: (وكذا الشركة والمضاربة) أي: الوكالة بالشرك والمضاربة، يعني الوكيل فيهما يضيف العقد إلى الموكل لا إلى نفسه، إلا أن التوكيل بالاستقراض باطل، وقد ذكرنا وجهه. (بخلاف الرسالة فيه) أي: تصح الرسالة في الاستقراض بأن يقول: أرسلني فلان إليك ويستقرض منك، ويثبت الملك للمستقرض. وفي الكافي: كان التوكيل بالاستقراض قياس التوكيل بالتكدي؛ لأن المستقرض يستلزم بدل القرض في ذمته، ولو قال: بع شيئًا من مالك على أن يكون ثمنه لي لا يصح، فكذا إذا قال: التزم عشرة في ذمتك على أن يكون عوضه لي، فكان كالتوكيل بالتكدي فكان باطلا، وما استقرض كان للوكيل، وله أن يمنعها من الأمر ولو هلك من ماله.

стр. 5422

قَالَ: (وَإِذَا طَالَبَ المُوَكِّلُ المُشْتَرِيَ بِالثَّمَنِ، فَلَهُ أَنْ يَمْنَعَهُ إِيَّاهُ)؛ لِأَنَّهُ أَجْنَبِيٌّ عَنْ العَقْدِ وَحُقُوقِهِ لِمَا أَنَّ الحُقُوقَ إِلَى العَاقِدِ (فَإِنْ دَفَعَهُ إِلَيْهِ جَازَ وَلَمْ يَكُنْ لِلْوَكِيلِ أَنْ يُطَالِبَهُ بِهِ ثَانِيًا)؛ لِأَنَّ نَفْسَ الثَّمَنِ المَقْبُوضِ حَقَّهُ وَقَدْ وَصَلَ إِلَيْهِ، وَلَا فَائِدَةَ فِي الأَخْذِ مِنهُ ثُمَّ الدَّفْعِ إِلَيْهِ، وَلِهَذَا لَوْ كَانَ لِلْمُشْتَرِي عَلَى المُوَكِّلِ دَيْنٌ يَقَعُ المُقَاصَّةُ، وَلَوْ كَانَ لَهُ عَلَيْهِمَا دَيْنٌ يَقَعُ المُقَاصَّةُ بِدَيْنِ المُوَكِّلِ أَيْضًا دُونَ دَيْنِ الوَكِيلِ، وَبِدَيْنِ الوَكِيلِ إِذَا كَانَ وَحْدَهُ إِنْ كَانَ يَقَعُ المُقَاصَّةُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ (*) رَحِمَهُمَا اللَّهُ، لِمَا أَنَّهُ يَمْلِكُ الْإِبْرَاءَ عَنْهُ عِنْدَهُمَا، .... قوله: (فله أن يمنعه) خلافًا للأئمة الثلاثة؛ لما أن الحقوق ترجع إلى الموكل عندهم. قوله: (فإن دفعه) أي: الثمن إليه (جاز) بخلاف الوكيل في بيع الصرف، فإن هناك لو قبض الموكل بدل الصرف لا يجوز؛ لأن بيع الصرف يتعلق بالقبض، فكان القبض فيه بمنزلة الإيجاب والقبول، ولو ثبت للوكيل حق القبول وقبل الموكل لا يجوز، فكذا إذا ثبت له حق القبض وقبض الموكل لا يجوز، فأما قبض الثمن في عين الصرف فليس بمنزلة الإيجاب والقبول؛ لما أن نفس الثمن المقبوض حق الموكل، وقد وصل إليه فيجوز إليه أشار في الذخيرة. ونقل من مختلف الرواية أن المشتري من الوصي لو دفع الثمن إلى الصبي فللوصي أن يرجع إلى المشتري. قوله: (ولو كان له) أي: للمشتري (عليهما) أي: على الموكل والوكيل (دين تقع المقاصة بدين الموكل لا الوكيل) لأن المقاصة إبراء بعوض، فتعتبر بالإبراء بغير عوض. ولو أبرأ المشتري عن الثمن وخرج الكلامان معًا، فالمشتري يبرأ ببراءة الأمر لا ببراءة المأمور، حتى لا يرجع الأمر على المأمور بشيء، فكذا هاهنا، ولأنا لو جعلنا قصاصًا بدين الوكيل احتجنا إلى قضاء آخر، فإن الوكيل يقضي

стр. 5423

وَلَكِنَّهُ يَضْمَنُهُ لِلْمُوَكِّلِ فِي الفَصْلَيْنِ. للموكل، ولو جعلنا قصاصا بدين الموكل لا نحتاج إلى قضاء آخر، فجعلنا قصاصا بدين الموكل قصرًا للمسافة. ولأنا لو جعلنا قصاصًا بدين الموكل فقد أثبتنا حكمًا مجمعًا عليه، فإن الموكل يملك إسقاط الثمن بالإجماع، ولو جعلنا قصاصا بدين الوكيل أثبتنا حكمًا مختلفًا، فكان ما قلنا أولى. كذا ذكره شيخ الإسلام. وفي الذخيرة والتتمة: ما ذكره شيخ الإسلام يصير حيلة في موضعين: فيما إذا كان لرجل على آخر دين ولا يؤديه، فيتوكل الدائن عن الغير (١) في شراء عين من مديونه، فإذا اشترى تقع المقاصة بين دين الوكيل على البائع وبين دين وجب للبائع على الوكيل، ثم الوكيل يأخذ الثمن من موكله. والثاني: أن يوكل رب الدين غيره بالشراء من المديون، فتقع المقاصة بين دين الموكل وبين ما وجب على الوكيل. قوله: (ولكنه يضمنه) أي: لكن الوكيل يضمن الثمن (في الفصلين) أي: في فصل الإبراء وفصل المقاصة. ولا يقال: ينبغي ألا يجوز من الوكيل بالبيع مثل هذا البيع الذي يوجب المقاصة بدين الموكل؛ لأنه خالف الموكل؛ لأنه وكله ببيع فصل الثمن إليه، وهاهنا لا يصل، فإذا خالف ينبغي ألا يجوز هذا البيع. لأنا نقول: وصل إليه الثمن قبل البيع؛ لأنه بالبيع صار دينه قصاصا بدين الأمر بالإجماع. كذا في الذخيرة. وفي المبسوط (٢): قال أبو يوسف: لا يجوز إبراء الوكيل للمشتري عن الثمن؛ لأنه تصرف في ملك الغير، وبه قالت الأئمة الثلاثة؛ إذ الثمن ملك الموكل، ولهما: الإبراء إسقاط بحق القبض، والقبض خالص حق الوكيل، حتى لا يمنعه الموكل عن ذلك، وبه قال الشافعي في وجه، وأحمد في رواية.

стр. 5424

بَابُ الوَكَالَةِ فِي البَيْعِ وَالشَّرَاءِ فَصْلٌ فِي الشَّرَاءِ قَالَ: (وَمَنْ وَكَّلَ رَجُلًا بِشِرَاءِ شَيْءٍ، فَلَا بُدَّ مِنْ تَسْمِيَةِ جِنْسِهِ وَصِفَتِهِ، أَوْ جِنْسِهِ وَمَبْلَغ ثَمَنِهِ) لِيَصِيرَ الفِعْلُ المُوَكَّلُ بِهِ مَعْلُومًا فَيُمْكِنُهُ الِانْتِمَارُ، (إِلَّا أَنْ يُوَكَّلَهُ وَكَالَةً عَامَّةً فَيَقُولَ: ابْتَعْ لِي مَا رَأَيْتَ)؛ لِأَنَّهُ فَوَّضَ الأَمْرَ إِلَى رَأْيِهِ، فَأَيُّ شَيْءٍ يَشْتَرِيهِ يَكُونُ مُمْتَثِلًا. وَالأَصْلُ فِيهِ: أَنَّ الجَهَالَةَ اليَسِيرَةَ تَتَحَمَّلُ فِي الوَكَالَةِ كَجَهَالَةِ الوَصْفِ بَابُ الْوَكَالَةِ فِي الْبَيْعِ وَالشَّرَاءِ فَصْلٌ فِي الشِّرَاءِ لما شرع في أبواب الوكالات قدم ما هو أكثر وقوعًا، ثم قدم فصل الشراء على البيع؛ لأن الشراء ينبني عن الإثبات، والبيع عن الإزالة، والإزالة بعد الإثبات أو الشراء يتحقق بالموجود والمعدوم، والبيع لا يتحقق إلا في الموجود. قوله: (بشراء شيء) أي: غير معين؛ لأن في المعين لا يحتاج إلى تسمية الجنس والصفة فلا بد من تسمية جنسه كالعبد والجارية؛ إذ العبد جنس بلسان الشرع، وكذا الجارية؛ باعتبار اختلاف الأحكام. (وصفته) أي: نوعه كالتركي والهندي، ولا خلاف فيه للفقهاء. (أو جنسه) أي: تسمية جنسه. (ومبلغ ثمنه) وبه قال الشافعي في وجه، وأحمد في رواية، وقال في وجه: لا يصح حتى يذكر نوعه، وبه قال أحمد في رواية؛ لكثرة التفاوت في الجنس بدون الصفة، وعند مالك: الشرط أن يكون معلومًا في الجملة. قوله: (يكون ممتثلا) وفيه خلاف أحمد، فإنه يقول: لا تصح هذه الوكالة العامة؛ لأنه قد يشتري شيئًا لا يقدر على ثمنه، وقلنا: القدرة على أداء الثمن ما هو من شرط صحة العقد إذا اشترى بنفسه، فكذا في الوكالة. قوله: (والأصل) إلى آخره، في الكافي: الجهالة ثلاثة أنواع: فاحشة، وهي جهالة، الجنس، كالتوكيل بشراء الثوب والدابة والرقيق، وهي تمنعه صحة الوكالة وإن بين الثمن؛ لأن الوكيل لا يقدر على الامتثال.

стр. 5425

اسْتِحْسَانًا، لِأَنَّ مَبْنَى التَّوْكِيلِ عَلَى التَّوَسُّعَةِ؛ لِأَنَّهُ اسْتِعَانَةٌ. وَفِي اعْتِبَارِ هَذَا الشَّرْطِبَعْضُ الحَرَجِ وَهُوَ مَدْفُوعٌ (ثُمَّ إِنْ كَانَ اللَّفْظُ يَجْمَعُ أَجْنَاسًا، أَوْ مَا هُوَ فِي مَعْنَى الأَجْنَاسِ، لَا يَصِحُ التَّوْكِيلُ وَإِنْ بَيَّنَ الثَّمَنَ)؛ لِأَنَّ بِذَلِكَ الثَّمَنِ يُوجَدُ مِنْ كُلِّ جِنْسِ، ويسيرة، وهي جهالة النوع، كالتوكيل بشراء الحمار والفرس والبغل والثوب الهروي والمروي، فإنها لا تمنع صحة الوكالة، وإن لم يبين الثمن. وقال بشر المَرِيسِيُّ: لا تصح الوكالة، وبه قال الشافعي في وجه، وأحمد في رواية؛ لأن التوكيل بالبيع والشراء معتبر بنفس البيع والشراء، فلا يصح إلا ببيان وصف المعقود عليه. ولنا: أنه ﵇ «وَكَّل حَكِيم بن حزام بشراء شاة للأضحية» (١)، ولأن مبنى الوكالة على التوسع، فَتُحُمِّلَ فيها جهالةً يسيرة استحسانًا؛ إذ في اشتراط بيان الوصف بعض الحرج، فسقط اعتباره. وجهالة متوسطة، وهي بين النوع والجنس، كالتوكيل بشراء عبد أو أمة أو دار، فإن بين الثمن أو النوع يصح، ويجعل ملحقًا بالجهالة اليسيرة، وإن لم يبين الثمن أو النوع كالتركي والهندي لا يصح، ويلحق بالجهالة الفاحشة؛ لأنه يمنع الامتثال، وهكذا ذكر في المباسيط والجوامع. وفي المبسوط (٢): وكان بشر يأخذ بالقياس إلى أن نزل به ضيف، فدفع درهما إلى إنسان ليأتي بالرؤوس المشوية، فجعل يصفها، فعجز عن إعلامه بالصفة، فقال له: اصنع ما بدا لك، فذهب الرجل واشترى وحملها إلى عياله، وعاد إلى بشر بعد أكلها، فقال له بشر: أين ما قلتُ لك؟ قال: قلت لي: اصنع ما بدا لك، وقد بدا لي ما فعلتُ، فرجع عن قوله وأخذ بالاستحسان. قوله: (يجمع أجناسا) (٣) كالدابة والثوب (أو ما هو في معنى الأجناس) كالدار والرقيق.

стр. 5426

فَلَا يُدْرَى مُرَادُ الآمِرِ لِتَفَاحُشِ الجَهَالَةِ (وَإِنْ كَانَ جِنْسًا يَجْمَعُ أَنْوَاعًا لَا يَصِحُ إِلَّا بِبَيَانِ الثَّمَنِ أَوْ النَّوْعِ)؛ لِأَنَّهُ بِتَقْدِيرِ الثَّمَنِ يَصِيرُ النَّوْعُ مَعْلُومًا، وَبِذِكْرِ النَّوْعِ تَقِلُّ الجَهَالَةُ فَلَا تَمْنَعُ الامْتِثَالَ. مِثَالُهُ: إِذَا وَكَّلَهُ بِشِرَاءِ عَبْدٍ أَوْ جَارِيَةٍ لَا يَصِحُ؛ لِأَنَّهُ يَشْمَلُ أَنْوَاعًا، فَإِنْ بَيَّنَ النَّوْعَ كَالتَّرْكِي وَالحَبَشِي أَوْ الهِنْدِي أَوْ السِّنْدِي أَوْ المُوَلِّدِ جَازَ، وَكَذَا إِذَا بَيَّنَ الثَّمَنَ لِمَا ذَكَرْنَاهُ، وَلَوْ بَيَّنَ النَّوْعَ أَوْ الثَّمَنَ وَلَمْ يُبَيِّنُ الصِّفَةَ وَالجَوْدَةَ وَالرَّدَاءَةَ وَالسِّطَةَ جَازَ؛ لِأَنَّهُ جَهَالَةٌ مُسْتَدْرَكَةٌ، وَمُرَادُهُ مِنْ الصِّفَةِ المَذْكُورَةِ فِي الكِتَابِ: النَّوْعُ (وَفِي الجَامِعِ الصَّغِيرِ: وَمَنْ قَالَ لِآخَرَ: اشْتَرِ لِي ثَوْبًا أَوْ دَابَّةً أَوْ دَارًا فَالوَكَالَةُ بَاطِلَةٌ) لِلْجَهَالَةِ الفَاحِشَةِ، فَإِنَّ الدَّابَّةَ فِي حَقِيقَةِ اللُّغَةِ اسْمٌ لِمَا يَدِبُّ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ. وَفِي العُرْفِ: يُطْلَقُ عَلَى الخَيْلِ وَالحِمَارِ وَالبَغْلِ فَقَدْ جَمَعَ أَجْنَاسًا، وَكَذَا الثَّوْبُ؛ لِأَنَّهُ يَتَنَاوَلُ المَلْبُوسَ مِنْ الأَطْلَسِ إِلَى الكِسَاءِ، وَلِهَذَا لَا يَصِحُ تَسْمِيَتُهُ مَهْرًا، وَكَذَا الدَّارُ تَشْمَلُ مَا هُوَ فِي مَعْنَى الْأَجْنَاسِ؛ لِأَنَّهَا تَخْتَلِفُ قوله: (المولد). في المغرب: الذي ولد في [دار] (١) الإسلام (٢). وقيل: العبد الذي تولد بين العرب، ونشأ بين أولادهم. قوله: (وكذا إذا بَيَّنَ الثمن)، وفي الفوائد الشاهية والخبازية: هذا إذا لم يوجد بهذا الثمن من كل نوع، أما إذا وجد لا يجوز عند بعض المشايخ؛ لبقاء الجهالة الفاحشة. قوله: (والسِّطَة) أي: الوسط، والسطة مع الوسط، كالعدة والوعد، والعظة والوعظ، في أن التاء عَرَّضت في آخرها عن الواو الساقطة من أولها من المصدر، والفعلُ من حَدٌ (ضرب). قوله: (فالوكالة باطلة) أي: وإن بين الثمن (للجهالة الفاحشة) حتى لو اشترى كان الشراء واقعًا على الوكيل، وبه صرح في نسخ الجوامع. قوله: (وكذا الدار) أي: لا يصح التوكيل بشراء الدار مطلقًا.

стр. 5427

اخْتِلَافًا فَاحِشًا بِاخْتِلَافِ الأَعْرَاضِ وَالجِيرَانِ وَالمَرَافِقِ وَالمَحَالِّ وَالبُلْدَانِ فَيَتَعَذَّرُ الامْتِنَالُ، قَالَ: (وَإِنْ سَمَّى ثَمَنَ الدَّارِ وَوَصَفَ جِنْسَ الدَّارِ وَالثَّوْبِ جَازَ) مَعْنَاهُ: نَوْعُهُ، وَكَذَا إِذَا سَمَّى نَوْعَ الدَّابَّةِ بِأَنْ قَالَ: حِمَارًا أَوْ نَحْوَهُ. قَالَ: (وَمَنْ دَفَعَ إِلَى آخَرَ دَرَاهِمَ وَقَالَ: اشْتَرِ لِي بِهَا طَعَامًا، فَهُوَ عَلَى الحِنْطَةِ وَدَقِيقِهَا) اسْتِحْسَانًا وَالقِيَاسُ: أَنْ يَكُونَ عَلَى كُلِّ مَطْعُومِ اعْتِبَارًا لِلْحَقِيقَةِ كَمَا فِي اليَمِينِ عَلَى الأَكْلِ، إِذْ الطَّعَامُ اسْمٌ لِمَا يُطْعَمُ. قوله: (معناه: نوعه) أي: معنى قوله: (وَوَصَفَ جنس … ) وتقييده بذكر نوع الدار مخالف لرواية المبسوط، فإنه قال: وإن سمى ثمن الدار جاز؛ لأن تسمية الثمن صارت معلومة عادة، وبقيت جهالة يسيرة مستدركة، والمتأخرون من مشايخنا قالوا: في ديارنا لا يجوز إلا ببيان المحلة. قوله: (بأن قال: حمارًا) أي: يصح التوكيل بشراء الحمار وإن لم يبين الثمن، وبه صرح في المبسوط (١)؛ لأن الجنس صار معلومًا بالتسمية، وإنما بقيت الجهالة في الوصف، فتصح الوكالة بدون تسمية الثمن. فإن قيل: الحمير أنواع، منها ما يركبه العظماء، ومنها ما لا يصلح إلا للحمل. قلنا: هذا اختلاف الوصف، مع أن ذلك يصير معلومًا بمعرفة حال الموكل، حتى قالوا: إن القاضي أو الوالي لو أمر بشراء حمار ينصرف إلى ما يركب مثله، حتى لو اشتراه مقطوع الذنب أو الأذنيين لا يجوز، بخلاف ما لو أمر الفاليري (٢) بذلك. كذا في المبسوط (٣). قوله: (ومن دفع إلى آخر دراهم وقال: اشتر لي طعامًا) قيد بالدفع؛ لأنه إذا لم يدفع الدراهم، وقال: اشتر لي حنطة أو شعيرًا لم يجز؛ لأنه لم يبين المقدار، وجهالة القدر في المكيلات والموزونات كجهالة الجنس من حيث إن الوكيل لا يقدر على تحصيله مقصودا للأمر.

стр. 5428

وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ: أَنَّ العُرْفَ أَمْلَكُ (*) وَهُوَ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ إِذَا ذُكِرَ مَقْرُونًا بِالبَيْعِ وَالشِّرَاءِ، وَلَا عُرْفَ فِي الأَكْلِ، فَبَقِيَ عَلَى الوَضْعِ، وَقِيلَ: إِنْ كَثُرَتِ الدَّرَاهِمُ فَعَلَى الحِنْطَةِ، وَإِنْ قَلَّتْ: فَعَلَى الخُبْزِ، وَإِنْ كَانَ فِيمَا بَيْنَ ذَلِكَ فَعَلَى الدَّقِيقِ. قوله: (أن العرف أملك) أي: أقوى (وهو) أي: العرف (على ما ذكرناه) أي: العرف يقع على شراء الحنطة ودقيقها في شراء الطعام، وبائع الطعام في الناس يبيع الحنطة ودقيقها لا بائع الفاكهة، فصار التقييد الثابت بالعرف كالثابت بالنص. كذا في المبسوط (١). (ولا عرف في الأكل فبقي على الوضع). وقوله: (وقيل: إن كثرت الدراهم) إلى آخره، ليس بقول مخالف للأول؛ بل هو داخل في الأول، إليه أشار في المبسوط والذخيرة (٢)، حيث قال بعد ذكر ما قلنا: ثم إن قلت الدراهم فله أن يشتري بها خبزًا، وإن كثرت لا يشتري الخبز؛ لأن ادخاره غير ممكن. وفي الذخيرة: ينصرف التوكيل إلى الحنطة استحسانًا، وتحكم الدراهم في تعيين واحد منها، فإن كانت قليلة، بحيث لا يشتري بها إلا الخبز ينصرف إلى الخبز. ثم قال القدوري: إذا كان الرجل قد اتخذ وليمة يعلم أن مراده الخبز، وإن كثرت الدراهم، فإذا اشترى الخبز في هذه الصورة يجوز على الأمر. ثم قال: ما ذكره من انصراف الطعام إلى الحنطة ودقيقها عرف أهل الكوفة، فإن سوق الحنطة ودقيقها سوق الطعام عندهم، فأما في عرف غيرهم إلى شراء كل مطعوم، حتى قال مشايخ ما وراء النهر: الطعام في عرف ديارنا ما يمكن أكله من غير إدام كاللحم المطبوخ أو المشوي ونحوه، فينصرف إليه دون الحنطة ودقيقها والخبز، قال الصدر الشهيد: وعليه الفتوى.

стр. 5429

قَالَ: (وَإِذَا اشْتَرَى الوَكِيلُ وَقَبَضَ، ثُمَّ اطَّلَعَ عَلَى عَيْبٍ، فَلَهُ أَنْ يَرُدَّهُ بِالعَيْبِ مَا دَامَ المَبِيعُ فِي يَدِهِ)؛ لِأَنَّهُ مِنْ حُقُوقِ العَقْدِ وَهِيَ كُلُّهَا إِلَيْهِ (فَإِنْ سَلَّمَهُ إِلَى المُوَكِّلِ لَمْ يَرُدَّهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ)؛ لِأَنَّهُ انْتَهَى حُكْمُ الوَكَالَةِ، وَلِأَنَّ فِيهِ إِبْطَالَ يَدِهِ الحَقِيقِيَّةِ فَلَا يَتَمَكَّنُ مِنْهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ، وَلِهَذَا كَانَ خَصْمًا لِمَنْ يَدَّعِي فِي المُشْتَرِي دَعْوَى كَالشَّفِيعِ وَغَيْرِهِ قَبْلَ التَّسْلِيمِ إِلَى المُوَكِّلِ لَا بَعْدَهُ. قَالَ: (وَيَجُوزُ التَّوْكِيلُ بِعَقْدِ الصَّرْفِ وَالسَّلَم)؛ قوله: (فله) أي: للوكيل أن يرده بالعيب ولا خلاف فيه للأئمة الأربعة. (ولأن فيه أي: في الرد بالعيب إبطال يده) أي: يد الموكل (ولهذا كان) أي: الوكيل (خصما). قوله: (وغيره) أي: غير الشفيع، كمن يدعي استحقاق المبيع. وفي الذخيرة: لو رضي الوكيل بالعيب في هذه الصورة، وأبرأ البائع عنه صح عندهما كما ذكرنا، وعلى قول أبي يوسف اختلف المشايخ؛ قال عامتهم: يصح إبراؤه عن العيب دون الثمن، والفرق أن الوكيل بالبيع والشراء أصيل من وجه، فاعتبرنا جهة الأصالة في حقوق لا تضر بالموكل، نحو المطالبة بتسليم المبيع والثمن وما أشبه ذلك، واعتبرنا جهة النيابة في حقوق تضر بالمالك، والإبراء عن اليمين يضر بالمالك؛ لأن قبل هذا كان الثمن في ذمة المشتري، وبعد الإبراء في ذمة الوكيل، وربما يكون المشتري أَمْلَأَ، أما الإبراء عن العيب لا يضر بالموكل؛ لأنه لا يثبت في حق الموكل بعد الإبراء إلا ما كان ثابتا قبل الإبراء. فإن قيل: الإبراء للموكل خيارًا للرضا بالعيب، وعدم الرضا يلزم الوكيل، وهذا الخيار باقٍ بعد الإبراء عن العيب، فنُزِّل في هذا منزلة المالك، وإنما كان للموكل هذا الخيار بعد رضا الوكيل بالعيب؛ لأن الثابت في حق الحقوق عقدان تقديرًا، ورضا الوكيل به يوجب بطلان الرد في عقده، أما لا يوجب بطلانا في عقد الموكل، وبه قالت الأئمة الثلاثة، لأن للموكل ألا يرضى بالعيب.

стр. 5430

لِأَنَّهُ عَقْدٌ يَمْلِكُهُ بِنَفْسِهِ فَيَمْلِكُ التَّوْكِيلَ بِهِ عَلَى مَا مَرَّ، وَمُرَادُهُ التَّوْكِيلُ بِالإِسْلَامِ قوله: (لأنه عقد يملكه بنفسه، فيملك التوكيل على ما مر) في أول باب الوكالة، وترد عليه مسألة الاستقراض، فإنه يملك الموكل ولا يملك التوكيل، وكذا ترد عليه مسألة الوكالة من جانب المسلم إليه شبهة، فإن المسلم إليه لو باشره بنفسه لقبول السلم يجوز، ولو وكل غيره لا يجوز. قوله: (ومراده التوكيل بالإسلام) يعني يصح توكيل رب السلم غيره، بأن يعقد عقد السلم - يجوز، أما لو وكله المسلم إليه بقبول المسلم فيه لا يجوز، فإنه لو صح ذلك يجب أن يبيع الوكيل طعامًا في ذمة نفسه على أن يكون الثمن لموكله، وهو رب السلم، وذلك لا يجوز؛ لأن من باع ملك نفسه في الأعيان على أن يكون الثمن لغيره لا يجوز، فكذلك في الديون. وإذا بطل التوكيل من المسلم إليه بقبول عقد السلم كان الوكيل عاقدًا لنفسه، فيجب الطعام في ذمته، ورأس المال مملوك له، وما سلمه إلى الأمر كان قرضًا عليه. كذا في المبسوط (١). فإن قيل: قد يجوز التوكيل بشيء يجب في ذمة الغير، كما في التوكيل بالشراء، فإن الوكيل هو المطالب بالثمن، والثمن يجب في ذمة الموكل، فينبغي أن يجوز فيما نحن فيه لجامع معنى الدَّيْنِيَّة، فإن المسلم فيه دين في ذمة المسلم كالثمن. قلنا: المسلم فيه دين له حكم المبيع، حتى لا يجوز الاستبدال به قبل القبض، وليس للثمن حكم المبيع، فلا يلزم من الجواز هاهنا الجواز هاهنا. وفي الذخيرة: التوكيل بقبول السلم توكيل بما لا يملك بنفسه بعصبية الأصل؛ لأن قبول السلم بيع ما ليس عند الإنسان، وبيع ما ليس عنده لا يملكه بنفسه، فكان القياس ألا يجوز لو قبل الموكل بنفسه في السلم، والرخصة وردت في بيع ما ليس عنده لحاجته لا في الأمر ببيع ما ليس عنده، بخلاف التوكيل بالشراء، حيث يصح وإن لم يكن الثمن في ملكه؛ لأن الشراء بما ليس عند الإنسان جائز على وفق القياس، فكان الأمر به جائزا على وفق القياس.
следующие страницы →