← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 30179

معراج الدراية في شرح الهداية

الكاكي

Полный текст (7 597 стр.). Показаны 5356–5395 · переход к 5361.

стр. 5356

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . كون الدار ملكًا لذي اليد ثبت باستصحاب الحال؛ لأنهم شهدوا أنها كانت لأبيه، والثابت بالاستصحاب يصلح لإبقاء ما كان على ما كان، لا لإثبات ما لم يكن. وفي جامع المحبوبي: ما جوابهما عن بينة قامت المدعي بملكية هذا العين له فإنه يقضي للمدعي وإن لم يشهدوا له في الحال، وكذا فيمن أقام بينة على عين في يد إنسان أنه اشتراها من فلان الغائب، ولم يقم البينة على ملك البائع، وذو اليد ينكر ملك البائع، فإنه يحتاج إلى إقامة البينة أنه ملك البائع يوم البيع؛ لثبوته اقتضاء، فوجب أن يكون في مسألتنا كذلك، وهذه المسألة أشبه بمسألتنا؛ إذ الشراء والإرث كل واحد سبب الملك. قلنا: جوابه أن يكون هذا العين ملكًا للمورث بالاستصحاب لا البينة، والثابت بالاستصحاب حُجّة لإبقاء ما كان لا لإثبات ما لم يكن ثابتا، كالملك الثابت بظاهر اليد لا يصلح للأخذ بالشفعة إذا أنكر المشتري ملكه، فكذا هاهنا مالكية الوارث لم تكن ثابتة، وإنما تثبت للحال، فكان ملكًا متجددا من وجه، حتى لو كانت صدقة تحل له، ويجب الاستبراء عليه، فيأخذ الاعتبارين إن وجب القضاء بهذه البينة، فباعتبار الآخر لا يجب، فلا يجب بالشك. بخلاف ما لو شهدا أنها كانت للمُدّعي وهو حي؛ إذ ليس في القضاء بتلك الشهادة إثبات أمر لم يكن؛ لأن ملك المُدّعي إذا ثبت في الماضي يبقى إلى وقت آخر، واستصحاب الحال حجة فيه، أما هاهنا الاستصحاب لإثبات مالكية الوارث؛ لأنها لم تكن ثابتة من الوجه الذي قلنا، وبخلاف مسألة الشراء؛ لأن ملك المشتري مضاف إلى الشراء الثابت بالبينة لا إلى بقاء ملك البائع في المبيع، وإن كان لا بد لإثبات ملك المشتري من بقاء ملك البائع؛ لأن الشراء آخرهما وجودًا، وأنه سبب موضوع للملك حتى لا يتحقق من غير إيجاب الملك فيكون مضافًا إلى الشراء، وأنه ثابت بالبينة. أما هاهنا ثبوت الملك للوارث مضاف إلى كون المال ملكًا للمورث وقت الموت لا إلى الموت؛ لأن الموت ليس بسبب موضوع للملك؛ بل هو موضوع لإبطال الملك، فكم من موت ليس فيه إيجاب الملك لأحد، وعن هذا وقع

стр. 5357

إِنَّ مِلْكَ الوَارِثِ مُتَجَدِّدٌ فِي حَقِّ العَيْنِ حَتَّى يَجِبَ عَلَيْهِ الاسْتِبْرَاءُ فِي الجَارِيَةِ المَوْرُوثَةِ، وَيَحِلُّ لِلْوَارِثِ الغَنِيِّ مَا كَانَ صَدَقَةٌ عَلَى المُورَثِ الفَقِيرِ فَلَا بُدَّ مِنْ النَّقْلِ، إِلَّا أَنَّهُ يَكْتَفِي الفرق بين التعليق بالشراء والتعليق بالموت حتى لو قال لأمة: إن اشتريتك فأنت حرة صح اليمين، ولو قال: إن مات مولاك فأنت حرة، والحالف وارثه لا يصح اليمين، وبقاء ملك الميت إلى يوم الموت فيما نحن فيه ثابت باستصحاب الحال، وأنه لا يصلح لإثبات ما لم يكن ثابتا، وإن صح لإبقاء ما كان ثابتا (١). قوله: (فلا بد من النقل) أي: الجر، وهو أن يقول الشهود أنه مات وتركها ميراثًا له، وهو تفسير الحر في الشهادة في المواريث، ولهذا لو ادعى دينا على المورث وشهدا أنه كان له على الميت دين لا تقبل حتى يقولوا: إنه مات وهو عليه. ذكره في القنية (٢). قوله: (إلا أنه يكتفي) إلى آخره: استثناء من قوله: (لا بد من النقل) [يعني عندهما لا بد من النقل] (٣) والجرّ، إلا أن الشهادة على قيام ملك المورث وقت الموت على الدار، أو قيام يد المورث عليها وقت الموت قائم مقام قولهم: كانت لأبيه، مات وتركها ميراثاً؛ لأن الشهادة باليد يوم الموت شهادة بالملك له وقت الموت؛ لأن اليد المجهولة تنقلب يد ملك عند الموت؛ لأن الظاهر من حال من حضره الموت أن يسوي أسبابه، ويبين ما كان عنده من الودائع أو المغصوب، فإذا لم يبين فالظاهر أن ما في يده ملكه. وروى الحسن بن زياد، وعلي بن يزيد الطبري صاحب محمد بن الحسن أنه لا تقبل الشهادة في هذه الصورة؛ لأنهم شهدوا بيد عرف القاضي زوالها، ولم يشهدوا بالملك للمورث، ولكن ما ذكر في ظاهر الرواية أصح؛ لما ذكرنا أن الأيدي المجهولة تنقلب عند الموت يد ملك، أما لو شهدوا أنها كانت لأبيه ولم يجروا فالقاضي لا يقبل الشهادة في قولهما، وهو قول أبي يوسف أولا، ثم

стр. 5358

بِالشَّهَادَةِ عَلَى قِيَامِ مِلْكِ المُورَثِ وَقْتَ المَوْتِ لِثُبُوتِ الانْتِقَالِ ضَرُورَةٌ، وَكَذَا عَلَى قِيَامِ يَدِهِ عَلَى مَا نَذْكُرُهُ، وَقَدْ وُجِدَتْ الشَّهَادَةُ عَلَى اليَدِ فِي مَسْأَلَةِ الكِتَابِ، لِأَنَّ يَدَ المُسْتَعِيرِ وَالمُودَعِ وَالمُسْتَأجِرِ قَائِمَةٌ مَقَامَ يَدِهِ، فَأَغْنَى ذَلِكَ عَنْ الجَرِّ وَالنَّقْلِ (وَإِنْ شَهِدُوا أَنَّهَا كَانَتْ فِي يَدِ فُلَانٍ مَاتَ وَهِيَ فِي يَدِهِ جَازَتْ الشَّهَادَةُ) لِأَنَّ الْأَيْدِي عِنْدَ المَوْتِ تَنْقَلِبُ يَدَ مِلْكِ بِوَاسِطَةِ الضَّمَانِ، وَالأَمَانَةُ تَصِيرُ مَضْمُونَةٌ بِالتَّجْهِيلِ … ... … . رجع أبو يوسف، وقال: تقبل، ولو شهدوا أنها لابنه لا تُقبل. ذكره محمد في كتاب الدعوى من غير ذكر خلاف. واختلف المشايخ؛ قيل: لا تُقبل على قولهما، وتقبل عند أبي يوسف. وقيل: لا تقبل هذه الشهادة بلا خلاف. كذا في الذخيرة (١) والمغني. وقوله: (على ما نذكره) إشارة إلى ما ذكر بعده بقوله: (لأن الأيدي عند الموت تنقلب يد ملك). قوله: (والأمانة تصير مضمونة بالتجهيل) يعني إذا مات المودع، ولم يبين أنها وديعة يضمن ولو هلكت الوديعة بعد موته يجب ضمانه في تركته؛ لأنه لما مات بدون البيان ترك الحفظ والمودع بترك الحفظ كان متعديًا، والتعدي موجب للضمان، ولما صار ضامنًا صار المضمون ملكًا بواسطة وجوب الضمان فيثبت أن الشهادة على اليد شهادة على الملك عند الموت، والملك الثابت عند الموت ينقل إلى الوارث ضرورة، فلذلك استغنى عن ذكر الجر. إليه أشار قاضي خان (٢) وغيره. فإن قيل: يشكل على قوله: (لأن الأيدي تنقلب) إلى آخره مسائل: منها: لو شهدا أن أباه دخل في هذه الدار ومات فيها. ومنها: لو شهدا أنه كان فيها حتى مات. ومنها: لو شهدا أنه مات فيها. ومنها: لو شهدا أنه قاعد على هذا البساط، أو نائم على هذا الفراش ومات عليه.

стр. 5359

فَصَارَ بِمَنْزِلَةِ الشَّهَادَةِ عَلَى قِيَامِ مِلْكِهِ وَقْتَ المَوْتِ. (وَإِنْ قَالُوا لِرَجُلٍ حَيٍّ: نَشْهَدُ أَنَّهَا كَانَتْ فِي يَدِ المُدَّعِي مُنْذُ شَهْرٍ، لَمْ تُقْبَلْ) وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ ﵀ أَنَّهَا تُقْبَلُ، لِأَنَّ اليَدَ مَقْصُودَةٌ كَالمِلْكِ؛ ومنها: لو شهدا أنه مات وهذا الثوب موضوع على رأسه لا تقبل هذه الشهادات، حتى لا يستحق الوارث شيئًا منها، وإن كانت هذه الأشياء في يده وقت الموت. قلنا: حصل جواب هذه المسائل بما ذكره بقوله: ملكه بواسطة الضمان؛ إذ هذه الأشياء ليست بموجبة للضمان، وإن كانت في يده في حالة الموت. وقال التمرتاشي: لم يستحق المُدّعِي بهذه الأشياء؛ لأن اليد على المحل لا تثبت بهذه الأشياء، بدليل أنه لا يصير غاصبا، ولا يصير ذو اليد مقرا له، فكذا في الشهادة، بخلاف الشهادة بالركوب والحمل واللبس؛ لأن اليد تثبت بهذه الأشياء بدليل (١). قوله: (فصار) أي: فصار قول الشاهد بأنها كانت في يده وقت الموت (بمنزلة الشهادة على قيام ملكه وقت الموت). قوله: (الرجل) (حي) يعني إذا كانت الدار في يد رجل حي، فادعاها رجل آخر، وليست الدار في يده أنها له، فشهدوا على هذا الطريق، وقيد بقوله: (حي)؛ لأنهم لو شهدوا للميت بأنها كانت في يده وقت الموت تقبل بالإجماع كما ذكرنا، وقيد بقوله: (أنها كانت في يد المدعي) لأنهم لو شهدوا أنها كانت له تقبل بالإجماع. كذا في جامع قاضي خان. وأما قوله: (منذ شهر) وجوده كعدمه؛ لأن الخلاف ثابت فيما لم يذكره. قال التمرتاشي: لو شهدوا لحي أن العين كانت في يده لم تقبل؛ لأن اليد محتملة يد غصب أو يد ملك، فإن كانت يد غصب لا تجب إعادته، وإن كانت يد ملك تجب إعادته، فلا يجب بالشك. قوله: (لأن اليد مقصودة كالملك) فالملك متى ثبت يبقى إلى أن يوجد المزيل، فكذا في اليد.

стр. 5360

وَلَوْ شَهِدُوا أَنَّهَا كَانَتْ مِلْكَهُ تُقْبَلُ، فَكَذَا هَذَا، صَارَ كَمَا إِذَا شَهِدُوا بِالْأَخْذِ مِنْ المُدَّعِي. وَجْهُ الظَّاهِرِ (*): وَهُوَ قَوْلُهُمَا، أَنَّ الشَّهَادَةَ قَامَتْ بِمَجْهُولٍ، لِأَنَّ اليَدَ مُنْقَضِيَةٌ وَهِيَ مُتَنَوِّعَةٌ إِلَى مِلْكِ وَأَمَانَةٍ وَضَمَانِ، فَتَعَذَّرَ القَضَاءُ بِإِعَادَةِ المَجْهُولِ، قوله: (شهدوا بالأخذ من المدعي) يعني لو شهد أنها كانت في يد المدعي، وأخذها المدعى عليه الذي هو صاحب اليد تقبل الشهادة، وترد الدار إلى المدعي، وكذا إذا أقر المدعى عليه بأنها كانت في يد المدعي ترد على ما ذكرنا في الكتاب (١). قوله: (لأن اليد منقضية) أي: زائلة، يعني يد المُدعِي زائلة في الحال، وليست بقائمة حتى يحمل على الملك باعتبار الظاهر. (وهي) أي: اليد (متنوعة إلى ملك وأمانة وضمان) فلما كانت كذلك كانت مجهولة، فلم يجب الرد؛ لأنه لو وجب الرد من وجه لم يجب من وجهين، فلا يجب بالشك، وبخلاف الأخذ؛ لأنه معلوم وموجبه معلوم شرعًا، وهو الرد كيفما كان، قال عليه الصلاة السلام: «على اليد ما أخذَتْ حَتَّى تُردَّ» (٢)، ولأن يد ذي اليد معاين، ويد المدعي مشهود به، والمعاين راجح؛ لأن المعاينة توجب العلم، والشهادة عليه الظن، فما كان موجبًا للعلم أولى (٣). فإن قيل: يشكل هذا بمسألة بينة الخارج مع ذي اليد، وكذا بينة دعوى مطلق الملك على ذي اليد، مع أن بينة الخارج أولى، وبينة صاحب الملك أقوى، وما ترجح ذو اليد باليد المعاين. قلنا: ذاك مُسلّم فيما لا يتنوع، وما أثبته بينة الخارج أو ملك المطلق لا يتنوع إلى ضمان وأمانة، وعدم وجود الرد إلى المدعي هنا باعتبار احتمال اليد

стр. 5361

بِخِلَافِ المِلْكِ، لِأَنَّهُ مَعْلُومٌ غَيْرُ مُخْتَلِفِ، وَبِخِلَافِ الآخِذِ لِأَنَّهُ مَعْلُومٌ وَحُكْمُهُ مَعْلُومٌ وَهُوَ وُجُوبُ الرَّدِّ، وَلِأَنَّ يَدَ ذِي اليَدِ مُعَايِنٌ، وَيَدُ المُدَّعِي مَشْهُودٌ بِهِ، وَلَيْسَ الخَبَرُ كَالمُعَايَنَةِ. (وَإِنْ أَقَرَّ بِذَلِكَ المُدَّعَى عَلَيْهِ دُفِعَتْ إِلَى المُدَّعِي) لِأَنَّ الجَهَالَةَ فِي الْمُقَرِّ بِهِ لَا تَمْنَعُ صِحَّةَ الإِقْرَارِ (وَإِنْ شَهِدَ شَاهِدَانِ أَنَّهُ أَقَرَّ أَنَّهَا كَانَتْ فِي يَدِ المُدَّعِي دُفِعَتْ إِلَيْهِ) لِأَنَّ المَشْهُودَ بِهِ هَاهُنَا الإِقْرَارُ وَهُوَ مَعْلُومٌ. بَابُ الشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ قَالَ: (الشَّهَادَةُ عَلَى الشَّهَادَةِ جَائِزَةٌ فِي كُلِّ حَقٌّ لَا يَسْقُطُ بِالشَّبْهَةِ) وَهَذَا للأوجه، ووقع الشك في وجوب الرد فلم يرد، أما في دعوى الملك المطلق خلص ما يوجب الرد، وهو الملك عن التنوع فعمل بما هو موضوع البينات، وهو أن ما كان أكثر إثباتًا أولى (١). قوله: (لا تمنع صحة الإقرار) بل يجب عليه بيانه، كما لو أقر لفلان بشيء يجب عليه بيانه. قوله: (وهو) أي: الإقرار (معلوم)، وإنما الجهالة في المقر به، وذلك لا يمنع القضاء، كما لو ادعى عشرة دراهم، فشهدا على إقرار المدعى عليه أن له عليه شيئًا جازت الشهادة، ويؤمَرُ بالبيان. كذا في جامع قاضي خان. بَابُ الشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ لما فرغ عن بيان شهادة الأصول شرع في بيان شهادة الفروع؛ إذ الأصل مقدم على الفرع. قوله: (في كل حق لا يسقط بالشبهة)، وبه قال أحمد (٢) والشافعي (٣) في

стр. 5362

اسْتِحْسَانُ، لِشِدَّةِ الحَاجَةِ إِلَيْهَا، إِذْ شَاهِدُ الأَصْلِ قَدْ يَعْجِزُ عَنْ أَدَاءِ الشَّهَادَةِ لِبَعْضِ العَوَارِضِ، فَلَوْ لَمْ تَجُزَ الشَّهَادَةُ عَلَى الشَّهَادَةِ أَدَّى إِلَى إِنْوَاءِ الحُقُوقِ، وَلِهَذَا: جَوَّزْنَا الشَّهَادَةَ عَلَى الشَّهَادَةِ وَإِنْ كَثُرَتْ، إِلَّا أَنَّ فِيهَا شُبْهَةٌ مِنْ حَيْثُ البَدَلِيَّةُ أَوْ مِنْ قول، وقال مالك (١): تُقبل في كل الحقوق، سواء كان حدا أو غيره، حق الله أو غيره، وبه قال الشافعي (٢) في الأصح؛ لأن الفروع عدول نقلوا شهادة الأصول، فالحكم بشهادة الأصول، وهم كالترجمان. وقلنا: القياس ألا تجوز شهادة الفروع لتمكن الشبهة فيها؛ إذ الأخبار إذا تناسختها يتمكن فيها زيادة ونقصان، ولأن أداء الشهادة عبادة، والنيابة لا تجري في العبادات، إلا أنه جوزت استحسانًا لحاجة الناس، فإن الأصل يعجز عن الأداء لموته أو لمرض أو غيبة، فلو لم تقبل لتعطلت الحقوق. وفي المغني: الأصل أن كل ما ثبت بشهادة النساء مع الرجال ثبت بالشهادة على الشهادة؛ لأن المتمكن في الشهادة على الشهادة تهمة كذب الفروع وتهمة كذب الأصول، وفي شهادة النِّساء أيضًا تهمتان: تهمة الكذب بسبب عدم العصمة، وتهمة الضلال والنسيان، فكانتا نظيرتين، إلا أن الشهادة على الشهادة تقبل عند العجز عن الأصول، وشهادة النساء مع الرجال تقبل مع القدرة على شهادة الرجال؛ لأن شهادة الفروع بدل من كل وجه، وشهادة النساء بدل من حيث الصورة كما بينا (٣). قوله: (أن فيها شبهة من حيث البدلية)، فإن قيل: لو كان فيها معنى البدلية ينبغي ألا يجوز الجمع بين الأصل والفرع، فإن القاضي لو قضى بشاهد شهد أصلا، وبشاهدين فرعين يجوز، وتكميل الأصل بالخلف لا يجوز، كما في الوضوء والتيمم. ذكره في الكافي. وأيضًا يجوز القضاء بذلك مع القدرة على شهادة الأصول عندنا.

стр. 5363

حَيْثُ إِنَّ فِيهَا زِيَادَةَ احْتِمَالٍ، وَقَدْ أَمْكَنَ الاحْتِرَازُ عَنْهُ بِجِنْسِ الشُّهُودِ فَلَا تُقْبَلُ فِيمَا تَنْدَرِئُ بِالشُّبُهَاتِ كَالحُدُودِ وَالْقِصَاصِ. قلنا: بدلية شهادة الفروع بحسب المشهود به لا بحسب شهادة الأصول؛ لأن الشبهة في عامة الشهادات ثبت في المشهود به: أهو حق أم لا؟ وهاهنا تثبت شبهة زائدة في نفس الشهادة أنها: هل وجدت من الأصول أم لا؟ مع الشبهة في حق الأصول، والاحتراز عنه ممكن في بجنس الشهود، فيعتبر فيما يسقط بالشبهات، ثم هذه الشبهة في شهادة الفروع تمكنت باعتبار بدلية الفروع للأصول في حق المشهود به لم يعاينوه؛ لأن الفروع بدل من الأصول. إليه أشار في الأسرار (١). قوله: (فيها زيادة احتمال)، يعني تهمة الكذب في الأصول والفروع؛ لعدم عصمتهم كما ذكرنا، وفي الفروع تهمة زائدة، وهي تهمة عدم السماع من الأصول، كالحدود والقصاص، فالشافعي (٢) في قول يوافقنا في الحدود لا في القصاص؛ لأنه قال: حجة في حقوق العباد أجمع العقوبات وغير العقوبات؛ لا في الحدود الخالصة لله تعالى. فإن قيل: ذكر في المبسوط (٣) أن الشاهدين لو شهدا على شهادة شاهدين أن قاضي كذا ضرب فلانًا حدًا في قذف - تقبل، حتى ترد شهادة فلان. قلنا: المشهود به فعل القاضي لا نفس الحد، وفعل القاضي مما يثبت بالشبهات، وإنما الذي لا يثبت مع الشبهات الأسباب الموجبة للعقوبة، وإقامة القاضي حد القذف ليس بسبب موجب للعقوبة. فإن قيل: أليس أن إقامة الحد مسقط للشهادة بطريق العقوبة. قلنا: ولكن رد شهادته من تمام حد، فيكون ما هو السبب الموجب للحد وهو القذف.

стр. 5364

(وَتَجُوزُ شَهَادَةُ شَاهِدَيْنِ عَلَى شَهَادَةِ شَاهِدَيْنِ). وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: لَا يَجُوزُ إِلَّا الأَرْبَعُ عَلَى كُلِّ أَصْلِ اثْنَانِ: لِأَنَّ كُلَّ شَاهِدَيْنِ قَائِمَانِ مَقَامَ شَاهِدٍ وَاحِدٍ فَصَارَا كَالمَرْأَتَيْنِ، وَلَنَا قَوْلُ عَلِيٌّ ﵁: لَا يَجُوزُ عَلَى شَهَادَةِ رَجُلٍ إِلَّا شَهَادَةُ رَجُلَيْنِ، وَلِأَنَّ نَقْلَ شَهَادَةِ الأَصْلِ مِنْ الحُقُوقِ فَهُمَا شَهِدَا بِحَقِّ ثُمَّ شَهِدَا بِحَقِّ آخَرَ فَتُقْبَلُ. وفي المحيط (١): ذكر محمد في الديات: لا تقبل هذه الشهادة. قوله: (وقال الشافعي (٢): لا يجوز) وهو أحد قوليه، واختاره المزني (٣) وعبد الملك المالكي (٤)؛ لأن الفرعين يقومان مقام أصلي واحد، فلا تتم حجة القضاء بهما، كالمرأتين، ولأن أحد الفرعين لو كان أصليا، فشهد على شهادة نفسه، وعلى شهادة صاحبه مع غيره - لا تتم الحجة بالاتفاق، فكذا إذا شهدا جميعا على شهادة الأصلين. وقال الشافعي (٥) في قول: يجوز، وهو قولنا ومالك (٦) وأحمد (٧) لقول علي: لا تجوز على شهادة رجل إلا شهادة رجلين، مطلقا من غير تقييد بأن يكون بإزاء كل أصل فرعان، ولم يرد عن غيره خلافه، فحل محل الإجماع، ولأن نقل شهادة الأصل من الحقوق؛ إذ طريق جواز الشهادة على الشهادة نقل الشهادة، فهما شهدا بحق ثم شهدا بحق آخر فيقبل، وهذا لأنهما إذا شهدا على شهادة أحدهما تثبت شهادته في مجلس القضاء، كما لو حضر بنفسه فشهد، ثم إذا شهد على شهادة الآخر تثبت شهادة أيضا في مجلس القضاء، فلا فرق بين شهادتهما على شهادته، وبين شهادة رجلين آخرين عليهما (٨).

стр. 5365

(وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ وَاحِدٍ عَلَى شَهَادَةِ وَاحِدٍ) لِمَا رَوَيْنَا، وَهُوَ حُجَّةٌ عَلَى مَالِكِ ﵀، وَلِأَنَّهُ حَقٌّ مِنْ الحُقُوقِ فَلَا بُدَّ مِنْ نِصَابِ الشَّهَادَةِ. (وَصِفَةُ الإِشْهَادِ: أَنْ يَقُولَ شَاهِدُ الأَصْلِ لِشَاهِدِ الفَرْعِ: اشْهَدْ عَلَى شَهَادَتِي أَنِّي أَشْهَدُ أَنَّ فُلَانَ بْنَ فُلَانٍ أَقَرَّ عِنْدِي بِكَذَا، وَأَشْهَدَنِي عَلَى نَفْسِهِ) لِأَنَّ الفَرْعَ كَالنَّائِبِ عَنْهُ فَلَا بُدَّ مِنْ التَّحْمِيلِ وَالتَّوْكِيلِ عَلَى مَا مَرَّ، وَلَا بُدَّ أَنْ يَشْهَدَ كَمَا يَشْهَدُ عِنْدَ القَاضِي لِيَنْقُلَهُ إِلَى مَجْلِسِ القَضَاءِ … ... … ... قوله: (لما روينا، وهو) أي: قول عليّ (حجة على مالك) فإنه قال في كتبنا، وقال مالك: تجوز شهادة الواحد على شهادة واحد، ولكن ذكر في جواهر المالكية (١): لا يجوز، وهكذا ذكر في الحلية (٢)، وذكر في الحلية (٣) أن على قول أحمد وابن أبي ليلى وابن شبرمة والحسن البصري وعبد الله بن الحسن العنبري وعثمان البتي وإسحاق - يثبت بشهادة واحد شهادة الأصل الواحد؛ لأن الفرعي قام مقام الأصلي معبر عنه بمنزلة رسوله في إيصال شهادته إلى مجلس القضاء، فكأنه حضر وشهد بنفسه، واعتبروا هذا برواية الأخبار. ولنا ما رَوَيْنا من قول عليّ، وقد مر. قوله: (لأن الفرع كالنائب عنه) أي: عن الأصل، وإنما قال: كالنائب، ولم يقل: نائب عنه؛ لأنه لو كان نائبًا عنه حقيقة لما جاز الجمع بين فرعي وأصلي، وقد نقلنا عن الكافي أنه يجوز (٤). وقوله: (على ما مر) إشارة إلى الذي ذكره قبل في فصل ما يتحمله الشاهد، وهو قوله: وإنما يصير موجبه بالنقل إلى مجلس القضاء فلا بد من الإنابة والتحميل. قوله: (ولا بد أن يشهد) أي: لا بد أن يشهد الأصل عند الفرع عند التحمل (كما يشهد ذلك الأصل عند القاضي) بلا تفاوت، بأن يقول: إني

стр. 5366

(وَإِنْ لَمْ يَقُلْ: أَشْهَدَنِي عَلَى نَفْسِهِ، جَازَ لِأَنَّ مَنْ سَمِعَ إِقْرَارَ غَيْرِهِ حَلَّ لَهُ الشَّهَادَةُ وَإِنْ لَمْ يَقُلْ: لَهُ اشْهَدْ وَيَقُولُ شَاهِدُ الفَرْعِ عِنْدَ الأَدَاءِ: أَشْهَدُ أَنَّ فُلَانًا أَشْهَدَنِي عَلَى شَهَادَتِهِ أَنَّ فُلَانًا أَقَرَّ عِنْدَهُ بِكَذَا وَقَالَ لِي: اشْهَدْ عَلَى شَهَادَتِي بِذَلِكَ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ شَهَادَتِهِ، وَذِكْرِ شَهَادَةِ الأَصْلِ وَذِكْرِ التَّحْمِيلِ، وَلَهَا لَفْظُ أَطْوَلُ مِنْ هَذَا وَأَقْصَرُ مِنهُ، وَخَيْرُ الأُمُورِ أَوْسَطُهَا. أشهد أن فلان بن فلان أقر عندي بكذا، فاشهد أنت على شهادتي أو معناه، لا بد أن يشهد الأصل عند التحميل كما يشهد الفرع عند القاضي. (وإن لم يقل) أي: إن لم يقل الأصل عند الفرع: (أشهدني على نفسه) المقر أو المدعى عليه (١). قوله: (لأنه لا بد من [شهادته) أي:] (٢) شهادة الفرع. قوله: (ولها) أي: ولشهادة الأداء (لفظ أطول من هذا) وهو أن يقول الفرعي عند القاضي: أشهد أن فلانا شهد عندي أن لفلان على فلان كذا من المال، وأشهدني على شهادته، وأمرني أن أشهد على شهادته، وأنا أشهد على شهادته بذلك الآن، فيحتاج إلى ثمان شيناتٍ، وفيما ذكر في الكتاب خمس شِينات، واختاره الحلواني (وأقصر منه) وهو أن يقول الفرع: أشهدني على شهادة فلان بكذا - جاز، وفيه شينان واختاره أبو الليث وأستاذه أبو جعفر الهندواني، وهكذا حكي فتوى السرخسي، وهكذا ذكر محمد في السير الكبير، وبه قالت الأئمة الثلاثة (٣)، وحكي أن فقهاء زمن أبي جعفر يخالفونه في ذلك، ويشترطون زيادة تطويل، فأخرج أبو جعفر الرواية من السير فانقادوا له، فلو اعتمد أحد على هذا كان أسهل. كذا في الذخيرة (٤) والمغني.

стр. 5367

(وَمَنْ قَالَ: أَشْهَدَنِي فُلَانٌ عَلَى نَفْسِهِ، لَمْ يَشْهَدْ السَّامِعُ عَلَى شَهَادَتِهِ حَتَّى يَقُولَ لَهُ: اشْهَدْ عَلَى شَهَادَتِي) لِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ التَّحْمِيلِ، وَهَذَا ظَاهِرٌ عِنْدَ مُحَمَّدٍ ﵀ لِأَنَّ قوله: (ومن قال) أي: لو قال الأصل: (أشهدني فلان على نفسه) أي: المُقر على إقراره (لم يسع) أي: لم يجز للسامع أن يشهد لعدم التحميل (ولا بد من التحميل) وبه قال الشافعي (١) ومالك (٢) وأحمد (٣)، وذكر ابن العاص الشافعي (٤): لو سمع رجلًا يشهد شاهدًا على شهادته يجوز أن يشهد على شهادته، وبه قال أحمد (٥) في رواية؛ لعدم الاحتمال، وفي الجواهر (٦): لو رآه الفرعي يشهد بين يدي الحاكم فله أن يشهد على شهادته، وإن لم يشهده، وبه قال أحمد (٧) في رواية؛ لعدم الشبهة، وقال محمد من أصحاب مالك: لا يجوز أن يشهد على شهادته؛ لأنه نيابة، فلا بد من التحميل. قوله: (وهذا ظاهر عند محمد) إلى آخره، وذلك لأن الشاهد الفرعي لا علم له بالحق؛ بل ينقل شهادة غيره بطريق التوكيل عند محمد، حتى لو رجع الأصول دون الفروع يجب الضمان على الأصول، ولو رجع الأصول والفروع يجبر الشهود عليه بين تضمين الأصول وبين تضمين الفروع، فلا يصير الوكيل وكيلا بدون أمره، وعند أبي حنيفة وإن لم يكن الإشهاد توكيلا، حتى لو منع الفرعي بعد الشهادة عن الشهادة لا يصحّ مَنْعَهُ، وكان للفرعي أن يشهد على شهادته. وفي المحيط (٨): يصح منعه في قول، وتبطل شهادة الفروع، ولو رجع الأصول لا يجب الضمان عليهم عند أبي حنيفة وأبي يوسف، إلا أن شهادة الأصول إنما تصير حجة بالنقل إلى مجلس القاضي، ولهذا تعتبر

стр. 5368

القَضَاءَ عِنْدَهُ بِشَهَادَةِ الفُرُوعِ وَالأُصُولِ جَمِيعًا حَتَّى اشْتَرَكُوا فِي الضَّمَانِ عِنْدَ الرُّجُوعِ، وَكَذَا عِنْدَهُمَا، لِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ نَقْلِ شَهَادَةِ الْأُصُولِ لِيَصِيرَ حُجَّةٌ فَيَظْهَرَ تَحْمِيلُ مَا هُوَ حُجَّةٌ. عدالة الأصول، فلا يكون لغيره أن يجعل كلامه حجة إلا بأمره، فلا بد من التحميل. كذا في جامع قاضي خان (١). قوله: (اشتركوا في الضمان)، وفي الفوائد الظهيرية: معنى اشتراكهم في الضمان أن المشهود عليه بالخيار بين تضمين الأصول وبين تضمين الفروع، وليس معناه أن يقضي بنصف الضمان على الأصول وبنصفه على الفروع؛ بل هذا كالغاصب مع غاصب الغاصب (٢). وفي الذخيرة (٣): لو ضمن الفروع لا يرجعون على الأصول كما في الغصب، وإن ضمن الأصول لا يرجعون على الفروع أيضًا، بخلاف ما لو ضمن الغاصب حيث يرجع على غاصبه، وعندها الأصول مسببون والفروع مباشرون، وإذا اجتمعا وهما متعديان فالضمان على المباشر. قوله: (فيظهر تحميل ما هو حجة) أي: يظهر بالنقل التحميل، ولولا التحميل لم يوجد النقل والنقل إلى مجلس القاضي حجة. وفي الكافي: وتحمل الفروع إنما يصح إذا عاينوا حجة، والشهادة في غير مجلس القاضي ليس بحجة، فيجب النقل إلى مجلسه ليصير حجة، ويظهر أن التحمل حصل بما هو حجة، فلما لم يكن بد من النقل لم يكن بد من التحميل. وفي الفوائد الظهيرية: قول المشايخ في هذا الموضع أن الشهادة لا تكون حجة إلا في مجلس القاضي، فلا يحصل العلم للقاضي لقيام الحق بمجرد شهادة الأصل مزيف؛ لأن الفرع لا يسعه الشهادة على الشهادة، وإن كان الأصل شهد عند القاضي بالحق عندنا في مجلسه فلا بد من طريق آخر، وهو أن الشهادة لا تجوز إلا بالتحميل والتوكيل، ووجه ذلك أن الأصل منفعة في نقل

стр. 5369

قَالَ: (وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ شُهُودِ الفَرْعِ إِلَّا أَنْ يَمُوتَ شُهُودُ الأَصْلِ، أَوْ يَغِيبُوا مَسِيرَةَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فَصَاعِدًا، أَوْ يَمْرَضُوا مَرَضًا لَا يَسْتَطِيعُونَ مَعَهُ حُضُورَ مَجْلِسِ الحَاكِمِ) لِأَنَّ جَوَازَهَا لِلْحَاجَةِ، وَإِنَّمَا تُمَسُّ عِنْدَ عَجْزِ الْأَصْلِ وَبِهَذِهِ الْأَشْيَاءِ يَتَحَقَّقُ العَجْزُ. وَإِنَّمَا اعْتَبَرْنَا السَّفَرَ لِأَنَّ المُعْجِزَ بُعْدُ المَسَافَةِ وَمُدَّةُ السَّفَرِ بَعِيدَةٌ حُكْمًا حَتَّى أُدِيرَ عَلَيْهَا عِدَّةٌ مِنْ الأَحْكَامِ فَكَذَا سَبِيلُ هَذَا الحُكْمِ. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ ﵀: أَنَّهُ إِنْ شهادته، ومن وجه وهو أن الشهادة واجب عليه إقامتها، ويأثم بكتمانها متى وجد الطلب، غير أن فيها مضرّة له من حيث بطلان ولايتها في تنفيذ قوله على المشهود عليه، وإبطال ولايته بدون أمره مضرة له، فصار كولاية نكاح الصغيرة، فباعتبار ذلك شرط الأمر منه. (وإنما اعتبرنا السفر)، وبه قال الشافعي (١) في قول، وأحمد (٢) في رواية؛ لتعلق الأحكام بمدة السفر كقصر الصلاة، والصوم، وابتداء مسح الخف، وكتكبيرات التشريق عند أبي حنيفة، والأضحية والجمعة، وحرمة خروج المرأة بلا محرم. قوله: (وعن أبي يوسف) إلى آخره، وبه قال الشافعي (٣) في قول، وأحمد (٤) في رواية، وقال: لو كان بمكان لا يلزمه الحضور لأداء الشهادة، وهو قريب من قول أبي يوسف، وقال بعض أصحاب مالك (٥): لا ينقل في الحدود إلا في غيبة بعيدة، فأما اليومان والثلاثة فلا، إلا المرأة، فإنه ينقل عنها مع حضورها في البلد. ذكره في الجواهر (٦). وفي الذخيرة (٧): رُوِيَ عن محمد أنه يجوز كيفما كان، حتى إذا كان الأصل في زاوية المسجد، والفرع في زاوية أخرى من ذلك المسجد تُقبل.

стр. 5370

كَانَ فِي مَكَان لَوْ غَدَا لِأَدَاءِ الشَّهَادَةِ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَبِيتَ فِي أَهْلِهِ صَحَ الإِشْهَادُ إِحْيَاءً لِحُقُوقِ النَّاسِ (*)، قَالُوا: الأَوَّلُ أَحْسَنُ، وَالثَّانِي: أَرْفَقُ، وَبِهِ أَخَذَ الفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ. قَالَ: (فَإِنْ عَدَّلَ شُهُودُ الأَصْلِ شُهُودَ الفَرْعِ جَازَ) لِأَنَّهُمْ مِنْ أَهْلِ التَّزْكِيَةِ (وَكَذَا إِذَا شَهِدَ شَاهِدَانِ فَعَدَّلَ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ صَحٌ) وقال شمس الأئمة السرخسي، والسعدي في شرح أدب القاضي للخصاف: شهادة الفروع والأصول في المصر يجب أن تجوز على قولهما، وعلى قول أبي حنيفة لا تجوز؛ لما أن التوكيل بغير رضا الخصم لا يجوز عنده، وعندهما يجوز، ووجه البناء على قوله أنه لما لم يملك المدعى عليه إنابة غيره مناب نفسه في الجواب إلا بعذر - فكذا لا يملك الأصل إنابة غيره مناب تفسه في الشهادة إلا بعذر والجامع أن استحقاق الجواب على المدعى عليه كاستحقاق الحضور. قوله: (والأول أحسن) لأن العجز شرعًا يتحقق بمدة السفر كما في سائر الأحكام، فكان القول به موافقًا لحكم الشرع فكان أحسن. (والثاني) وهو قول أبي يوسف (أرفق، وبه) أي: بالثاني. وفي الذخيرة (١): برواية أبي يوسف أخذ كثير من المشايخ. قوله: (فإن عَدَّلَ شهود الأصل) بنصب (شهود) على المفعولية و (شهود الفرع) بالرفع، على الفاعلية، أي: عَدَّلَ الفروع الأصول (جاز) بإجماع الأئمة الأربعة (لأنهم من أهل التزكية) فحينئذ لا فرق بين تزكيتهم وتزكية غيرهم. وذكر الخصاف: يسأل القاضي الفروع عن الأصول، ولا يقضي قبل السؤال، فإن عدلوهم تثبت عدالتهم في ظاهر الرواية، وعن محمد لا تثبت عدالتهم بتعديل الفروع؛ لأن فيه تنفيذ شهادة نفسهم، والصحيح ظاهر الرواية؛ لأن العدل لا يتهم بمثله، كما لا يتهم في شهادة نفسه، مع احتمال أنه إنما يشهد ليصير مقبول القول، وإن لم تكن له شهادة.

стр. 5371

لِمَا قُلْنَا، غَايَةُ الأَمْرِ: أَنَّ فِيهِ مَنْفَعَةٌ مِنْ حَيْثُ القَضَاءُ بِشَهَادَتِهِ، لَكِنَّ العَدْلَ لَا يُتَّهَمُ بِمِثْلِهِ كَمَا لَا يُتَّهَمُ فِي شَهَادَةِ نَفْسِهِ، كَيْفَ وَأَنَّ قَوْلَهُ مقبول فِي حَقِّ نَفْسِهِ، وَإِنْ رُدَّتْ شَهَادَةُ صَاحِبِهِ فَلَا تُهْمَةَ. قَالَ: (وَإِنْ سَكَتُوا عَنْ تَعْدِيلِهِمْ جَازَ، وَنَظَرَ القَاضِي فِي حَالِهِمْ) وَهَذَا عِنْدَ أَبِي يُوسُفَرَحِمَهُ اللهُ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ ﵀: لَا تُقْبَلُ (*)، لِأَنَّهُ لَا شَهَادَةَ إِلَّا بِالعَدَالَةِ، فَإِذَا لَمْ يَعْرِفُوهَا لَمْ يَنْقُلُوا الشَّهَادَةَ فَلَا يُقْبَلُ. وَلِأَبِي يُوسُفَ ﵀: أَنَّ المَأْخُوذَ عَلَيْهِمْ النَّقْلُ دُونَ التَّعْدِيلِ، لِأَنَّهُ قَدْ يَخْفَى عَلَيْهِمْ، وَإِذَا نَقَلُوا يَتَعَرَّفُ القَاضِي العَدَالَةَ كَمَا إِذَا حَضَرُوا بِأَنْفُسِهِمْ وَشَهِدُوا. قَالَ: (وَإِنْ أَنْكَرَ شُهُودُ الأَصْلِ الشَّهَادَةَ لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَةُ الشُّهُودِ الفَرْعِ) لِأَنَّ قوله: (لما قلنا) أنه من أهل التزكية، وعن بعض مشايخنا: لا تقبل؛ لأنه يريد به تنفيذ شهادته، فكان متهما، وقلنا: إن العدل لا يتهم بمثله كما ذكرنا (١). قوله: (وإن سكتوا) أي: الفروع عن تعديل الأصول (نظر القاضي) أي: يسأل عن المزكين حال الأصول. وفي جامع قاضي خان (٢): لو قال الفروع: لا نخبرك لا يقبل القاضي شهادتهم، وعن أبي يوسف: يسأل القاضي عن غيرهم عن حال الأصول، وإن قالوا: لا نعرف الأصول: أعدول أم لا؟ قال السعدي: وهذا وقولهم: (لا نخبرك) سَوَاء، وقال الحلواني: لو قالوا: لا نعرف عدالتهم لا يرد القاضي شهادتهم، ويسأل عن غيرهم عن حال الأصول، وهو الصحيح؛ لأن شاهدي الأصل بقي مستورًا. قوله: (فإذا لم يعرفوها) أي: إذا لم يعرف الفرع عدالة الأصول (٣). قوله: (وإن أنكر شهود الأصل) إلى آخره، وفي الكافي: معنى المسألة أنهم قالوا: ما لنا شهادة على هذه الحادثة، وماتوا أو غابوا، ثم جاء الفروع

стр. 5372

التَّحْمِيلَ لَمْ يَثْبُتْ لِلتَّعَارُضِ بَيْنَ الخَبَرَيْنِ وَهُوَ شَرْطٌ. (وَإِذَا شَهِدَ رَجُلَانِ عَلَى شَهَادَةِ رَجُلَيْنِ عَلَى فُلَانَةَ بِنْتِ فُلَانِ الفُلَانِيَّةِ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ، وَقَالَا: أَخْبَرَانَا أَنَّهُمَا يَعْرِفَانِهَا، فَجَاءَ بِامْرَأَةٍ وَقَالَا: لَا نَدْرِي أَهِيَ هَذِهِ أَمْ لَا، فَإِنَّهُ يُقَالُ لِلْمُدَّعِي: هَاتِ شَاهِدَيْنِ يَشْهَدَانِ أَنَّهَا فُلَانَةُ) لِأَنَّ الشَّهَادَةَ عَلَى المَعْرِفَةِ بِالنِّسْبَةِ قَدْ تَحَقَّقَتْ وَالمُدَّعِي يَدَّعِي الحَقَّ عَلَى الحَاضِرَةِ، وَلَعَلَّهَا غَيْرُهَا فَلَا بُدَّ مِنْ تَعْرِيفِهَا بِتِلْكَ النِّسْبَةِ، وَنَظِيرُ هَذَا: إِذَا تَحَمَّلُوا الشَّهَادَةَ بِبَيْعِ مَحْدُودَةٍ بِذِكْرِ حُدُودِهَا وَشَهِدُوا عَلَى المُشْتَرِي لَا بُدَّ مِنْ آخَرَيْنِ يَشْهَدَانِ عَلَى أَنَّ المَحْدُودَ بِهَا فِي يَدِ المُدَّعَى عَلَيْهِ، وَكَذَا إِذَا أَنْكَرَ المُدَّعَى عَلَيْهِ أَنَّ الحُدُودَ المَذْكُورَةَ فِي الشَّهَادَةِ حُدُودُ مَا فِي يَدِهِ. يشهدون على شهادتهم بهذه الحادثة، أما مع حضورهم فلا يلتفت إلى شهادة الفروع وإن لم ينكروا. قوله: (للتعارض بين الخبرين) أي: بين خبر الفروع وخبر الأصول. (وهو) أي: التحمل (شرط)، وقد فات للتعارض (١). قوله: (وقالا: أَخْبَرَانا) أي قال: الفرعان (أَخْبَرَانا) أي: الأصلان (أنهما) أي: الأصلان (يعرفانها) أي: تلك المرأة المشهود عليها. (فجاء) أي: المدعي (بامرأة وقالا) أي: الفرعان أهي هذه أم لا؟ (٢) أي: لا ندري أن المعرفة بالنسبة هي هذه الحاضرة أم لا؛ لأن الشهادة على المعرفة بالنسبة قد تحققت كما تحملوها، فصح النقل. وقولهم: لا ندري: أهي هذه أم لا؟ يوجب جرحًا في شهادتهم؛ لأنهم لم يعرفوها فقد عرفها الأصل، وإنما لم نحكم بهذه الشهادة؛ لأن الشهادة على المعرفة بالنسبة تحققت والمدّعِي يدعي الحق على الحاضرة، ويحتمل أن تكون الحاضرة غيرها، فوجب التوقف حتى يشهدا بأنها فلانة بعينها (٣). قوله: (أن الحدود المذكورة في الشهادة)، قال التمرتاشي: يعني لو قال

стр. 5373

قَالَ: (وَكَذَا كِتَابُ القَاضِي إِلَى القَاضِي) لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ، إِلَّا أَنَّ القَاضِيَ لِكَمَالِ دِيَانَتِهِ وَوُفُورِ وِلَايَتِهِ يَنْفَرِدُ بِالنَّقْلِ وَلَوْ قَالُوا فِي هَذَيْنِ البَابَيْنِ: التَّمِيمِيَّةُ، لَمْ يَجُزْ حَتَّى يَنْسُبُوهَا إِلَى فَخِذِهَا وَهِيَ القَبِيلَةُ الخَاصَّةُ، وَهَذَا لِأَنَّ التَّعْرِيفَ لَا بُدَّ مِنهُ فِي هَذَا، وَلَا يَحْصُلُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى العَامَّةِ وَهِيَ عَامَّةٌ إِلَى بَنِي تَمِيمٍ، لِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يُحْصَوْنَ، وَيَحْصُلُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الفَخِذِ لِأَنَّهَا خَاصَّةٌ. وَقِيلَ: الفَرْغَانِيَّةُ المُدّعِي أن المذكورة بهذه الحدود ملكه، وفي يد المدعى عليه بغير حق، فقال المدعى عليه الذي في يدي غير محدود بهذه الحدود، فلا بد من شاهدين آخرين أن الحدود المذكورة حدود ما في يده ليصح القضاء (١). قوله: (وكذا كتاب القاضي [إلى القاضي]) (٢) يعني كتب في كتابه: شهد عدلان عندي أن لفلان بن فلان الفلاني على فلانة بنت فلان الفلاني كذا، فاقض عليها أنت بذلك، فأحضر المدعي امرأة في مجلس المكتوب إليه، ودفع الكتاب إليه، وأنكرت أنها فلانة المكتوب فيه، فقال المكتوب إليه: هات شاهدين أن التي أحضرتها هي الفلانة المذكورة في هذا الكتاب؛ لتمكن الإشارة إليها في القضاء. كذا ذكره التمرتاشي (٣). وقوله: (إلا القاضي بكمال ديانته) (٤) إلى آخره جواب إشكال مقدر، وهو أن يقال: إن القاضي الكاتب بمنزلة الشاهد الفرعي؛ لأنه سمع الشهادة من الشاهدين، ونقل شهادتهما بالكتاب، فصار كأنه حضر مجلس المكتوب إليه، وشهدوا هناك، يشترط اثنان فكذلك ينبغي أن يشترط في القاضي الكاتب أن يكون اثنين، فأجاب بما ذكر في الكتاب (٥). قوله: (في هذين البابين) أي: باب الشهادة على الشهادة، وباب كتاب القاضي. قوله: (لأنها خاصة) أي: الفخذ قبيلة خاصة، لا قبيلة دونها، هكذا ذكر

стр. 5374

نِسْبَةٌ عَامَّةٌ، وَالأَوْزَجَنْدِيَّةُ خَاصَّةٌ، وَقِيلَ: السَّمَرْقَنْدِيَّةُ وَالبُخَارِيَّةُ عَامَّةٌ، وَقِيلَ إِلَى السِّكَّةِ الصَّغِيرَةِ خَاصَّةٌ، وَإِلَى المَحَلَّةِ الكَبِيرَةِ وَالمِصْرِ عَامَّةٌ. ثُمَّ التَّعْرِيفُ وَإِنْ كَانَ يَتِمُّ بِذِكْرِ الجَدِّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ خِلَافًا لأَبِي يُوسُفَ ﵀ عَلَى ظَاهِرِ الرِّوَايَاتِ (*)، فَذِكْرُ الفَخِذِ يَقُومُ مَقَامَ الجَدِّ، لِأَنَّهُ اسْمُ الجَدِّ الأَعْلَى، فَنَزَّلَ مَنْزِلَةَ الجَدِّ الأَدْنَى، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. في الصحاح (١)، حيث قال: القبائل ست: أولها الشعب، ثم القبيلة، ثم الفصيلة، ثم العمارة، ثم البطن، ثم الفخذ. وذكر في الكشاف (٢) في قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ﴾ [الحجرات: ١٣] الشعب: الطبقة الأولى من الطبقات التي عليها العرب، وهي الشعب والقبيلة والعمارة والبطن والفخذ والفصيلة، فالشعب يجمع القبائل، والقبيلة تجمع العمائر، والعمارة تجمع البطون، والبطون تجمع الأفخاذ، والفخذ يجمع الفصائل. خزيمة شعب، وكنانة قبيلة، وقريش عمارة، وقصي بطن، وهاشم فخذ، وعباس فصيلة. وسميت الشعب؛ لأن القبائل تشعبت منها. وفي الديوان (٣): الشعب، بفتح الشين، والعمارة: بكسر العين. قوله: (لأنه) أي: الفخذ (اسم الجد الأعلى) في القبيلة الخاصة (فنزل منزلة الجد الأدنى) وهو أبو الأب (٤). وتصح الشهادة على الشهادة من النساء، وبه قال مالك (٥) وأحمد (٦) في

стр. 5375

فَصْلٌ: [في شَهَادَةِ الزُّورِ] رواية، وقال الشافعي (١) وأحمد (٢) في رواية، وأشهب وعبد الملك من أصحاب مالك (٣): لا تجوز؛ لأن الشهادة على الشهادة ليست بمال، ولا المقصود منه المال، ويطلع عليه الرجال، فأشبه النكاح. وقلنا: شهادتهن في غير الحدود معتبرة كما في الأصول، ونقل الشهادة ليس من الحدود والقصاص. فَصْلٌ: [في شَهَادَةِ الزُّورِ] ذكر شهادة الزور بفصل على حدة؛ لأن لها أحكامًا مخصوصة، وأخرها لأن الأصل هو الصدق. اعلم أن شاهد الزور يعزّر بإجماع الأمة (٤)، اتصل القضاء بشهادته أو لم يتصل؛ لأنه ارتكب كبيرة اتصل ضررها بالمسلمين، قال ﵊: «أيُّها النَّاسُ عُدِلَتْ شَهادَة الزُّور بالإِشْرَاكِ بالله»، ثم تلا قوله تعالى: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ [الحج: ٣٠] (٥)، وليس فيها حد مقدر، فيعزر زجرًا له وتنكيلا، إلا أنهم اختلفوا في كيفية التعزير؛ فقال أبو حنيفة: تعزيره تشهيره فقط، وقالا: يُضرب ويُحبس، وهو قول الشافعي (٦) ومالك (٧) وأحمد (٨) وباقي العلماء.

стр. 5376

(قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: شَاهِدُ الزُّورِ أُشَهِّرُهُ فِي السُّوقِ وَلَا أُعَزِّرُهُ. وَقَالَا: نُوجِعُهُ ضَرْبًا وَنَحْبِسُهُ) (*) وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ﵀. لَهُمَا مَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ ﵁ أَنَّهُ ضَرَبَ شَاهِدَ الزُّورِ أَرْبَعِينَ سَوْطًا وَسَحَّمَ وَجْهَهُ، وَلِأَنَّ هَذِهِ كَبِيرَةٌ يَتَعَدَّى ضَرَرُهَا إِلَى وفي المبسوط (١): شاهد الزور عندنا هو المقرُّ على نفسه بذلك؛ لأنه لا تتمكن تهمة الكذب في إقراره على نفسه، ولا طريق لإثبات ذلك بالبينة عليه؛ لأنه نفي لشهادته، والبينة للإثبات دون النفي، والرجال والنساء وأهل الذمة في ذلك سواء؛ لقيام الأهلية في حقهم جميعًا فيما تتعلق به شهادة الزور. وقال شيخ الإسلام في مبسوطه: شاهد الزور هو الذي يقر على نفسه بالكذب متعمدًا، أو يشهد بقتل رجل، ثم يجيء المشهود بقتله حيًّا حتى يثبت كذبه بيقين، فأما لو قال: غلطت أو أخطأت، أو ردت شهادته لتهمة، أو لمخالفة بين الدعوى والشهادة - لا يعزر أصلا. وقال أبو محمد الكاتب: هذه المسألة على ثلاثة أوجه: إما أن رجع على سبيل التوبة والندامة لا يعزّر بلا خلاف. وإن رجع على سبيل الإصرار يعزّر بالضرب بلا خلاف. وإن كان لا يعلم فعلى الاختلاف. ثم قال: لو تاب شاهد الزور هل تقبل شهادته بعد ذلك؟ فعلى الوجهين؛ إن كان فاسقًا لا تُقبل؛ لأن الذي حمله على شهادة الزور فسقه، فإذا تاب وظهرت توبته فقد زال فسقه فتقبل، ولم يبين في الكتاب مدة ظهور توبته، فقال بعض المشايخ: سنة، وقيل: ستة أشهر، والصحيح أنه مفوض إلى رأي القاضي. أما لو كان مستورًا لا تقبل شهادته أبدًا على رواية بشر عن أبي يوسف؛ لأنه لا يدرى: ما الذي حمله على شهادة الزور؟ فكان حاله قبل التوبة وبعده سواء. وروى أبو جعفر عن أبي يوسف أنه يقبل، قالوا: والفتوى على هذا. كذا ذكره المحبوبي في جامعه (٢). قوله: (وَسَخَّمَ) بالحاء المهملة، من الأَسْحَم: الأسود. ذكره في

стр. 5377

العِبَادِ، وَلَيْسَ فِيهَا حَدٌ مُقَدَّرٌ فَيُعَزَّرُ. وَلَهُ: أَنَّ شُرَيْحًا كَانَ يُشَهِّرُ وَلَا يَضْرِبُ، وَلِأَنَّ الانْزِجَارَ يَحْصُلُ بِالتَّشْهِيرِ فَيَكْتَفِي بِهِ، وَالضَّرْبُ وَإِنْ كَانَ مُبَالَغَةٌ فِي الزَّجْرِ وَلَكِنَّهُ يَقَعُ مَانِعًا عَنْ الرُّجُوعِ فَوَجَبَ التَّخْفِيفُ نَظَرًا إِلَى هَذَا الوَجْهِ. وَحَدِيثُ عُمَرَ ﵁ مَحْمُولٌ عَلَى السِّيَاسَةِ، بِدَلَالَةِ التَّبْلِيغِ إِلَى الْأَرْبَعِينَ المغرب (١) وفي المغني: (والأسحم) يروى بالحاء المهملة، والخاء المنقوطة جميعًا (٢)، وهذا التمسك منهما بفعل عمر لإثبات الضرب ونفى قول أبي حنيفة؛ لأنهما لا يقولان بالتسحيم، ومحمد لا يقول بتبليغ التعزير إلى أربعين. وفي المبسوط (٣): عندهما: يُسَحَّم ويضرب أربعين، ويطاف به، إلا أن الدليل قائم على انتساخ حكم التسحيم؛ لأن ذلك مثلة، والمثلة منهي ولو بالكلب بالعقور (٤)، والتشهير بأن يطاف به، والتشهير لإعلام الناس حتى لا يعتمدوا شهادته، والضرب لارتكابه كبيرة. قوله: (وله) أي: لأبي حنيفة (أن شريحًا) إلى آخره، فإن قيل: أبو حنيفة لا يرى تقليد التابعي، حتى روى عنه أنه قال: هم رجال اجتهدوا، ونحن رجال نجتهد. قلنا: ذكر في النوادر عن أبي حنيفة في تقليد التابعي الذي زاحم الصحابة في الفتوى، قال: أنا أقلده، فعلى هذه الرواية ظاهر، وعلى ظاهر الرواية قالوا: لم يذكر قوله محتجا به، وإنما ذكره لبيان أنه لم يستبد بهذا القول؛ بل سبقه غيره، واحتجاجه بتجويز الصحابةِ فِعْلَهُ، فإنه كان قاضيا في زمن عمر وعلي، ومثل هذا التشهير لا يُخفى على الصحابة، ولم ينكر أحد من الصحابة فعله، فحل محل الإجماع، وإن كان احتجاجًا بإجماع الصحابة لا تقليدًا لشريح، وكان شريح يبعث إلى سوقه إن كان سوقيًّا، وإلى قومه إن لم يكن

стр. 5378

وَالتَّسْخِيمِ، ثُمَّ تَفْسِيرُ التَّشْهِيرِ مَنْقُولُ عَنْ شُرَيْحٍ ﵀، فَإِنَّهُ كَانَ يَبْعَثُهُ إِلَى سُوقِهِ إِنْ كَانَ سُوقِيًّا، وَإِلَى قَوْمِهِ إِنْ كَانَ غَيْرَ سُوقِي بَعْدَ العَصْرِ، أَجْمَعَ مَا كَانُوا، وَيَقُولُون: إِنَّ شُرَيْحًا يُقْرِئُكُمْ السَّلَامَ وَيَقُولُ: إِنَّا وَجَدْنَا هَذَا شَاهِدَ زُورٍ فَاحْذَرُوهُ، وَحَذِّرُوا النَّاسَ مِنْهُ. وَذَكَرَ شَمْسُ الأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ ﵀: أَنَّهُ يُشَهَّرُ عِنْدَهُمَا أَيْضًا. وَالتَّعْزِيرُ وَالحَبْسُ عَلَى قَدْرِ مَا يَرَاهُ القَاضِي عِنْدَهُمَا، وَكَيْفِيَّةُ التَّعْزِيرِ ذَكَرْنَاهُ فِي الحُدُودِ وَفِي الجَامِعِ الصَّغِيرِ: شَاهِدَانِ أَقَرًّا أَنَّهُمَا شَهِدَا بِزُورٍ لَمْ يُضْرَبَا، وَقَالَا: (يُعَزَّرَانِ) وَفَائِدَتُهُ: أَنَّ شَاهِدَ الزُّورِ فِي حَقِّ مَا ذَكَرْنَا مِنَ الحُكْمِ هُوَ المُقِرُّ عَلَى نَفْسِهِ بِذَلِكَ، فَأَمَّا لَا طَرِيقَ إِلَى إِثْبَاتِ ذَلِكَ بِالبَيِّنَةِ، لِأَنَّهُ نَفْيٌ لِلشَّهَادَةِ وَالبَيِّنَاتُ لِلْإِثْبَاتِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. سوقيًا بعد العصر في أجمع ما كانوا، ويقول: القاضي يسلم عليكم، ويقول: إنا وجدنا هذا شاهد زور، فاحذروه وحذروا الناس (١). قوله: (والضرب) (٢) إلى آخره، يعني الضرب إن صلح زاجرًا في حق من لم يباشر لم يصلح زاجرًا في حق من باشر، بل يصدّه عن الرجوع، فوجب التخفيف باعتباره. قوله: (محمول على السياسة) (٣) إلى آخره؛ لأن التعزير أنقص من أربعين عند محمد لقوله: «مَنْ بَلَغَ حَدًّا» الحديث، وقد بيّنا، أما التسحيم فعل مشروع بالإجماع سياسةً إذا رأى الإمام المصلحة فيه، حتى قال الشافعي (٤): لو رأى حلق رأسه يحلقه، أما لا يحلق لحيته، وله في تسويد وجهه وجهان. قال شيخ الإسلام: لم يرد به حقيقة التسويد؛ بل أراد به التخجيل بالتفضيح والتشهير، فإن الخجل يسمى مُسْوَدًّا قال تعالى: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا﴾ [النحل: ٥٨] كذا في المغني (٥). قوله: (وفائدته) أي: فائدة وضع الجامع بقوله: (شاهدان أقرا) إلى آخره.

стр. 5379

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ كِتَابُ الرُّجُوعِ عَنْ الشَّهَادَةِ قَالَ: (إِذَا رَجَعَ الشُّهُودُ عَنْ شَهَادَتِهِمْ قَبْلَ الحُكْمِ بِهَا سَقَطَتْ) لِأَنَّ الحَقَّ إِنَّمَا يَثْبُتُ بِالقَضَاءِ، وَالقَاضِي لَا يَقْضِي بِكَلَامِ مُتَنَاقِضِ، وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِمَا لِأَنَّهُمَا مَا أَتْلَفَا شَيْئًا لَا عَلَى المُدَّعِي وَلَا عَلَى المَشْهُودِ عَلَيْهِ (فَإِنْ حَكَمَ بِشَهَادَتِهِمْ ثُمَّ رَجَعُوا لَمْ يُفْسَخُ الحُكْمُ) لِأَنَّ آخِرَ كَلَامِهِمْ يُنَاقِضُ أَوَّلَهُ فَلَا يُنْقَضُ الحُكْمُ بِالتَّنَاقُضِ، وَلِأَنَّهُ كِتَابُ الرُّجُوعِ عَنْ الشَّهَادَةِ كِتَابُ الرُّجُوعِ عَنْ الشَّهَادَةِ عقب الرجوع عن الشهادة؛ إذ الرجوع يقتضي سبق الشهادة، وله مناسبة خاصة بشهادة الزور؛ إذ الرجوع عن الشهادة من أسباب شهادة الزور. ثم الرجوع ركن، وهو قول الشاهد: شهدت بزور، وهو أن يكون عند القاضي أي قاضٍ كان، فيختص بمجلس القاضي على ما يجيء. قوله: (سقطت) أي: الشهادة، فلم يقض القاضي بها، ولا خلاف فيه (١). قوله: (لأن آخر كلامهم يناقض أوله) فلا يبطل حكم القاضي بالمتناقض، ولأنه لو اعتبر رجوعه في إبطال القضاء أدى إبطاله إلى ما لا يتناهى؛ لأنه يأتي بعد ذلك فيرجع عن هذا الرجوع، فيجب إعادة القضاء الأول. كذا في المبسوط (٢). وفي المغني: كان أبو حنيفة أولا يقول فيما رجع بعد القضاء: ينظر إلى حال الراجع؛ إن كان حاله عند الرجوع أفضل من حاله وقت الشهادة في العدالة صح رجوعه في حقه نفسه وفي حق غيره، حتى وجب عليه التعزير، وينقض القضاء، ويرد المال على المشهود عليه، وإن كان حاله عند الرجوع مثل حاله عند الشهادة في العدالة أو دونه - يجب عليه التعزير، ولا ينقض القضاء، ولا يجب الضمان عليه، وهو قول أستاذه حماد، ثم رجع عن هذا، وقال: لا يصح

стр. 5380

فِي الدَّلَالَةِ عَلَى الصِّدْقِ مِثْلُ الأَوَّلِ، وَقَدْ تَرَجَّحَ الأَوَّلُ بِاتِّصَالِ القَضَاءِ بِهِ (وَعَلَيْهِمْ ضَمَانُ مَا أَتْلَفُوهُ بِشَهَادَتِهِمْ) لِإِقْرَارِهِمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِسَبَبِ الضَّمَانِ، وَالتَّنَاقُضُ لَا يَمْنَعُ صِحَّةَ الإِقْرَارِ، وَسَنُقَرِّرُهُ مِنْ بَعْدُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى (وَلَا يَصِحُ الرُّجُوعُ إِلَّا بِحَضْرَةِ الحَاكِمِ) لِأَنَّهُ فَسْخٌ لِلشَّهَادَةِ فَيَخْتَصُّ بِمَا تَخْتَصُّ بِهِ الشَّهَادَةُ مِنْ المَجْلِسِ، وَهُوَ مَجْلِسُ القَاضِي، أَيَّ قَاضِ كَانَ، وَلِأَنَّ الرُّجُوعَ تَوْبَةٌ وَالتَّوْبَةُ عَلَى حَسَبِ الجِنَايَةِ، فَالسِّرُّ بالسِّرِّ، وَالإِعْلَانُ بِالإِعْلَانِ. وَإِذَا لَمْ يَصِحَ الرُّجُوعُ فِي غَيْرِ مَجْلِسِ القَاضِي، فَلَوْ ادَّعَى المَشْهُودُ عَلَيْهِ رُجُوعَهُمَا وَأَرَادَ يَمِينَهُمَا لَا يَحْلِفَانِ، وَكَذَا لَا تُقْبَلُ بَيِّنَتُهُ عَلَيْهِمَا، لِأَنَّهُ ادَّعَى رُجُوعًا بَاطِلًا، حَتَّى لَوْ أَقَامَ البَيِّنَةَ أَنَّهُ رَجَعَ عِنْدَ قَاضِي كَذَا … ... … ... … .. رجوعه في حق غيره على كل حال، ولا ينقض القضاء، ولا يرد المشهود به على المشهود عليه، وهو قول أبي يوسف ومحمد والأئمة الثلاثة (١). قوله: (فالسر بالسر والإعلان بالإعلان) وهكذا جاء لفظ الحديث. فإن قيل: ينبغي ألا يكون الرجوع مختصا بمجلس القاضي؛ لأنه إقرار بضمان مال المشهود عليه على نفسه بسبب الإتلاف بالشهادة الكاذبة، والإقرار لا يختص بمجلس القاضي. قلنا: ما كان شرطًا في الابتداء يكون شرطًا في البقاء، كالمبيع، فإن وجوده شرط لابتداء البيع فكذا بقاؤه شرط لصحة الفسخ، فكذا الشهادة، فمجلس القاضي شرط لابتدائها فكذا شرط لفسخها، وهو الرجوع، ولا يلزم عليه رأس مال السلم، فإن إحضاره شرط في ابتداء العقد، وليس بشرط في فسخ السلم؛ لأنا نقول: إحضاره شرط للاحتراز عن الكالئ بالكالئ، وذلك المعنى لا يوجد في الفسخ (٢). قوله: (رجوعًا باطلا) إذ الرجوع في غير مجلس القاضي باطل لما ذكرنا، والاستحلاف وسماع البينة بعد صحة الدعوى، والدعوى باطل؛ لما ذكرنا.

стр. 5381

وَضَمَّنَهُ المَالَ تُقْبَلُ، لِأَنَّ السَّبَبَ صَحِيحٌ. (وَإِذَا شَهِدَ شَاهِدَانِ بِمَالٍ، فَحَكَمَ الحَاكِمُ بِهِ، ثُمَّ رَجَعَا، ضَمِنَا المَالَ لِلمَشْهُودَ عَلَيْهِ) لِأَنَّ التَّسْبِيبَ عَلَى وَجْهِ التَّعَدِّي سَبَّبَ الضَّمَانَ كَحَافِرِ البِئْرِ وَقَدْ سَبَّبَا لِلْإِخْلَافِ تَعَدِّيا. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: لَا يَضْمَنَانِ، لِأَنَّهُ لَا عِبْرَةَ لِلتَّسْبِيبِ عِنْدَ وُجُودِ المُبَاشَرَةِ. قُلْنَا: تَعَذَّرَ إِيجَابُ الضَّمَانِ عَلَى المُبَاشِرِ وَهُوَ القَاضِي، لِأَنَّهُ كَالمَلْجَةِ إِلَى القَضَاءِ، وَفِي إِيجَابِهِ صَرْفُ النَّاسِ عَنْ تَقَلُّدِهِ، وَتَعَدُّرُ اسْتِيفَائِهِ مِنْ المُدَّعِي، لِأَنَّ الحُكْمَ مَاضِ فَاعْتُبِرَ التَّسْبِيبُ، وَإِنَّمَا يَضْمَنَانِ إِذَا قَبَضَ المُدَّعِي المَالَ دَيْنًا كَانَ أَوْ عَيْنًا، لِأَنَّ الإِثْلَافَ بِهِ يَتَحَقَّقُ، وَلِأَنَّهُ لَا مُمَاثَلَةَ بَيْنَ أَخْذِ العَيْنِ وَإِلْزَامِ الدَّيْنِ. قَالَ: (فَإِنْ رَجَعَ قوله: (ضمنا المال) وبه قال مالك (١) وأحمد (٢) والشافعي (٣) في القول الأصح، وقال الشافعي [في قول] (٤): لا يضمنان. قوله: (كالمُلجأ) ولم يقل إنه ملجأ حقيقة؛ إذ لو كان ملجأ حقيقة على الحكم بعد الشهادة لوجب القصاص على الشاهدين في الشهادة بالقتل العمد إذا ظهر كذبه، كما في المكره، كما هو مذهب الشافعي (٥)، وليس كذلك، وهذا لأن الملجأ حقيقة من يخاف العقوبة الدنياوية، والقاضي إنما يخاف عقوبة الآخرة، ولا يصير به ملجأ؛ لأن كل أحد يقيم الطاعة خوفًا من العقوبة على تركها في الآخرة، ولا يصير به مُكرها، ولكن لا يجب الضمان على القاضي؛ لأنه غير مُتَعَدِّ في القضاء؛ بل هو مباشر لما هو فرض عليه ظاهرا ويأثم بتركه، فتعين الشاهد؛ لأنه متعد في الشهادة، فوجب الضمان عليه جبرًا لنقصان حق المدعى عليه، كالحافر على قارعة الطريق. كذا في المبسوط (٦). قوله: (لأن الإتلاف به) أي: بقبض المدّعِي مال المدعى عليه، وفي ذلك لا يتفاوت الحكم بعد العين والدين، وهذا اختيار شمس الأئمة (٧).

стр. 5382

أَحَدُهُمَا ضَمِنَ النِّصْفَ وَالأَصْلُ أَنَّ المُعْتَبَرَ فِي هَذَا بَقَاءُ مَنْ بَقِيَ، لَا رُجُوعُ مَنْ رَجَعَ، وَقَدْ بَقِيَ مَنْ يَبْقَى بِشَهَادَتِهِ نِصْفُ الحَقِّ وَإِنْ شَهِدَ بِالمَالِ ثَلَاثَةٌ فَرَجَعَ أَحَدُهُمْ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ) … وفرق شيخ الإسلام بين العين والدين فقال: إن كان المشهود به عينًا يضمن للمشهود عليه قبض المُدّعي العين أولاً، وإن كان المشهود به دينا يضمنه إذا استوفاه المُدعِي من المُدعَى عليه؛ لأن ما يجب عليهما ضمان إتلاف، وضمان الإتلاف مقيد بالمثل، فمتى كان المشهود به عينًا فالشاهد (١) أزاله عن ملكه باتصال القضاء، ألا ترى أن تصرف المُدّعى عليه بعد القضاء فيه لا ينفذ، فحينئذ بأخذ الضمان عن الشاهد لا تنتفي المماثلة. فأما إذا كان المشهود به دينا فالشاهد ما أزال عن ملكه شيئًا قبل الاستيفاء؛ بل أوجبا عليه دينا بغير حق، فلو استؤفينا الضمان من الشهود قبل أن يستوفي المشهود له ذلك من المدعى عليه تنتفي به المماثلة؛ لأن المستوفى عين، والعين خير من الدين، وتعتبر قيمة العين يوم القضاء؛ لأن الإتلاف بالقضاء. كذا في الذخيرة (٢). قوله: (وإن شهد ثلاثة ورجع واحد فلا ضمان عليه)، وبه قال الشافعي (٣) في قول، ومالك (٤) في رواية، وقال أحمد (٥): يغرم ثلث الحق، وبه قال الشافعي (٦) في قول آخر، ومالك (٧) في رواية؛ لأن المال تلف بشهادتهم، فيكون الضمان عليهم، كما في الغصب. وقلنا: الاعتبار لبقاء من بقي لا لرجوع من رجع؛ لأن وجوب الحق في الحقيقة بشهادة شاهدين؛ لأن الزيادة عليهما في هذا الباب فضل في حق القضاء، إلا أن الشهود إذا كانوا أكثر من اثنين يضاف القضاء ووجوب الحق

стр. 5383

لِأَنَّهُ بَقِيَ مَنْ بَقِيَ بِشَهَادَتِهِ كُلُّ الحَقِّ، وَهَذَا لِأَنَّ الاِسْتِحْقَاقَ بَاقٍ بِالحُجَّةِ، وَالمُتْلِفُ مَتَى اسْتَحَقَّ سَقَطَ الضَّمَانُ فَأَوْلَى أَنْ يَمْتَنِعَ فَإِنْ رَجَعَ الآخَرُ ضَمِنَ الرَّاجِعَانِ نِصْفَ الحَقِّ لِأَنَّ بِبَقَاءِ أَحَدِهِمْ يَبْقَى نِصْفُ الحَقِّ (وَإِنْ شَهِدَ رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ فَرَجَعَتْ امْرَأَةٌ ضَمِنَتْ رُبُعَ الحَقِّ لِبَقَاءِ ثَلَاثَةِ الأَرْبَاعِ بِبَقَاءِ مَنْ بَقِيَ وَإِنْ رَجَعَتَا ضَمِنَنَا نِصْفَ الحَقِّ) لِأَنَّ بِشَهَادَةِ الرَّجُلِ بَقِيَ نِصْفُ الحَقِّ وَإِنْ شَهِدَ رَجُلٌ وَعَشْرُ نِسْوَةٍ ثُمَّ رَجَعَ ثَمَانٍ، فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِنَّ لِأَنَّهُ بَقِيَ مَنْ يَبْقَى بِشَهَادَتِهِ كُلُّ الحَقِّ … إلى الكل؛ لضرورة المزاحمة؛ لاستواء حالهم، فإذا رجع واحد منهم زالت المزاحمة لزوال الاستواء، وظهر أن القضاء كان مضافًا إلى شهادة المثنى. كذا في الذخيرة (١). وهذا معنى قوله: (وهذا لأن الاستحقاق باق بالحجة) أي: استحقاق المشهود به للمُدّعِي باقٍ بالحُجّة، وهي شهادة الاثنين. (وَالْمُتْلِفُ متى استحق سقط الضمان) أي: عن المتلف (فأولى أن يمتنع)؛ لأن المنع أسهل من الرفع. صورته: إذا أتلف إنسان مال زيد مثلا، فقضى القاضي لزيد على المتلف بالضمان، ثم استحق ذلك العين المُتلف عمرو، وأخذ الضمان، أو وهبه سقط الضمان الثابت لزيد عليه بخلاف الغصب؛ لأن الإتلاف حصل من الكل. قوله: (فإن رجع آخر من الثلاثة يضمن الراجعان نصف الحق)، فإن قيل: ينبغي أن يضمن الراجع الثاني فقط؛ لأن التلف أضيف إليه. قلنا: التلف مضاف إلى المجموع، إلا أن برجوع الأول لم يظهر أثره لمانع، وهو بقاء من بقي، فإذا رجع الثاني ظهر أن التلف بهما. وفي شرح الأقطع: وهذا كما يلزم جميع الشهود إذا رجعوا وهم ثلاثة، ولا يقول واحد: لو رجعت وحدي لم يلزمني شيء؛ لأني كنت ثالثهم، فيجب أن يلزمني عند رجوع غيري؛ بل يجب الضمان على الكل، فكذا هنا (٢). قوله: (فلا ضمان عليهن) أي: على ثمان نسوة، وبه قال مالك (٣)

стр. 5384

(فَإِنْ رَجَعَتْ أُخْرَى كَانَ عَلَيْهِنَّ رُبْعُ الحَقِّ) لِأَنَّهُ بَقِيَ النِّصْفُ بِشَهَادَةِ الرَّجُلِ، وَالرُّبْعُ بِشَهَادَةِ البَاقِيَةِ، فَبَقِيَ ثَلَاثَةُ الأَرْبَاعِ (وَإِنْ رَجَعَ الرَّجُلُ وَالنِّسَاءُ، فَعَلَى الرَّجُلِ سُدُسُ الحَقِّ، وَعَلَى النِّسْوَةِ خَمْسَةُ أَسْدَاسِهِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَعِنْدَهُمَا عَلَى الرَّجُلِ النِّصْفُ وَعَلَى النِّسْوَةِ النِّصْفُ) (*) لِأَنَّهُنَّ وَإِنْ كَثُرْنَ يَقُمْنَ مَقَامَ رَجُلٍ وَاحِدٍ، وَلِهَذَا لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُنَّ إِلَّا بِانْضِمَامِ رَجُلٍ وَاحِدٍ. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ ﵀: أَنَّ كُلَّ امْرَأَتَيْنِ قَامَتَا مَقَامَ رَجُلٍ وَاحِدٍ، «قَالَ ﵊ فِي نُقْصَانِ عَقْلِهِنَّ عُدِلَتْ شَهَادَةُ اثْنَتَيْنِ مِنْهُنَّ بِشَهَادَةِ رَجُلٍ وَاحِدٍ». والشافعي (١) في قول، وقال أحمد (٢): يجب عليهن أربعة أسداس الضمان، وبه قال الشافعي في الأصح؛ لما ذكرنا في ثلاثة شهود، فإن كل امرأتين مقام رجل فيكون عشر نسوة مع رجل كسنة رجال، فيقسم الضمان عليهن أسداساً. (فإن رجعت أخرى كان عليهن) أي: على تسع نسوة (ربع الحق) وبه قال مالك (٣) والشافعي (٤) في قول. قوله: (وإن رجع الرجل مع النساء جميعًا فعلى الرجل سدس الحق، وخمسة أسداسه على النسوة عند أبي حنيفة)، وبه قال الشافعي (٥) ومالك (٦) وأحمد (٧)، وعندهما على الرجل نصف الحق، وعليهن نصفه، وبه قال أبو العباس من أصحاب الشافعي (٨). قوله: (لا تقبل شهادتهن بدون رجل) فكان الثابت بشهادتهن نصف المال، وبشهادة الرجل نصف المال (٩).

стр. 5385

فَصَارَ كَمَا إِذَا شَهِدَ بِذَلِكَ سِتَّةُ رِجَالٍ ثُمَّ رَجَعُوا (وَإِنْ رَجَعَ النِّسْوَةُ العَشَرَةُ دُونَ الرَّجُلِ كَانَ عَلَيْهِنَّ نِصْفُ الحَقِّ عَلَى القَوْلَيْنِ) لِمَا قُلْنَا (وَلَوْ شَهِدَ رَجُلَانِ وَامْرَأَةٌ بِمَالٍ ثُمَّ رَجَعُوا: فَالضَّمَانُ عَلَيْهِمَا دُونَ المَرْأَةِ) لِأَنَّ الوَاحِدَةَ لَيْسَتْ بِشَاهِدَةٍ، بَلْ هِيَ بَعْضُ الشَّاهِدِ فَلَا يُضَافُ إِلَيْهِ الحُكْمُ. قوله: (فصار كما إذا شهد بذلك ستة رجال)، في المبسوط (١): ودليل صحة هذا الكلام أن حكم الشهادة كحكم الميراث، وفي الميراث عند كثرة البنات مع الابن تجعل كل بنتين كابن، ولم تجعل هناك حالة الاختلاط كحالة انفراد البنات، فعند الانفراد لا يزاد لهن على الثلثين، ثم عند الاختلاط يجعل كل ابنتين كابن واحد، فكذلك في الشهادة، وهذا لأن النقصان عن أدنى العدد في الشهادة يمنع القضاء، فأما الزيادة على النصاب فمعتبرة في أن القضاء يكون بشهادة الكل، فبكثرة النساء عند وجود الرجل يزداد النصاب، ويكون القضاء بشهادة الكل على أن كل امرأتين كرجل واحد، فعند الرجوع كذلك يُقضى بالضمان. قوله: (لما قلنا) إشارة إلى قوله: (أن المعتبر في هذا بقاء من بقي) وبه قال مالك (٢) والشافعي (٣) في قول، وقال أحمد (٤) والشافعي (٥) في قول: على الراجع بقسطه. قوله: (فلا يضاف إليه) أي: إلى بعض الشاهد (الحكم القاضي) لأنه شرط العلة، وبشطر العلة لا يثبت شيء، بخلاف ما لو شهد رجلان وامرأتان ثم رجعوا، فالضمان أثلاثا؛ لأن المرأتين قامتا مقام رجل، فكأنه شهد ثلاثة رجال. وفي المبسوط (٦): لو شهد رجل وثلاث نسوة، ثم رجع رجل وامرأة -

стр. 5386

قَالَ: (وَإِنْ شَهِدَ شَاهِدَانِ عَلَى امْرَأَةٍ بِالنِّكَاحِ بِمِقْدَارِ مَهْرِ مِثْلِهَا، ثُمَّ رَجَعَا فَلَا ضمن الرجل نصف المال؛ لأن الحُجّة بقيت في نصف المال، ثم هذا النصف على الرجل خاصة عندهما؛ لما بينا أن عندهما نصف المال يثبت بشهادة الرجل، ونصفه بشهادة النساء، وقد بقي من النساء من يثبت نصف الحق، وينبغي في قياس قول أبي حنيفة أن يكون النصف أثلاثا بين الرجل والمرأة؛ لأن القضاء هاهنا بشهادة الكل، وبه قال الشافعي (١) ومالك (٢) وأحمد (٣)، ولو رجعوا جميعًا فعلى الرجل النصف، وعلى النسوة النصف عندهما، وعند أبي حنيفة على الرجل خمسا المال، وعلى النساء ثلاثة أخماسه، وبه قال الشافعي (٤) ومالك (٥) وأحمد (٦). قوله: (وكذا إذا شهدا بأقل من مهر مثلها) أي: لا ضمان عليهما عندنا، وعند الشافعي (٧) ومالك (٨) وأحمد (٩) يضمنان لها ما زاد على ما شهدا إلى تمام مهر المثل؛ لأن منافع البضع متقوّم عند دخوله في ملك الزوج بالإجماع، وكذا عند الخروج عندي، ومن ضرورة تقومه في حالة الدخول تقومه عند الخروج؛ لأن الخارج عين الداخل، وقيمته مهر المثل، فقد نقصا عن حقها، وعندنا لا تقوم له عند الإتلاف؛ لأن التقوم يتحقق عند الإحراز، [والإحراز] (١٠) لا يمكن في الأعراض، وكذلك سائر المنافع، وقد بيّن في الأصول. فأما عند الدخول في ملك الزوج المتقوّم هو المملوك دون الملك؛ لإظهار خطر المحل؛ حتى يكون مصونا عن الابتذال (١١).

стр. 5387

ضَمَانَ عَلَيْهِمَا، وَكَذَلِكَ إِذَا شَهِدَا بِأَقَلَّ مِنْ مَهْرِ مِثْلِهَا) لِأَنَّ مَنَافِعَ البُضْعِ غَيْرُ مُتَقَوِّمَةٍ عِنْدَ الإِثْلَافِ، لِأَنَّ التَّضْمِينَ يَسْتَدْعِي المُمَاثَلَةَ عَلَى مَا عُرِفَ، وَإِنَّمَا تُضْمَنُ وَتُتَقَوَّمُ بِالتَّمَلُّكِ، لِأَنَّهَا تَصِيرُ مُتَقَوَّمَةٌ ضَرُورَةَ المِلْكِ إِبَانَةٌ لِخَطَرِ المَحَلِّ (وَكَذَا إِذَا شَهِدَا عَلَى رَجُلٍ بِتَزَوُّجِ امْرَأَةٍ بِمِقْدَارِ مَهْرِ مِثْلِهَا) لِأَنَّهُ إِتْلَافُ بِعِوَضٍ لِمَا أَنَّ البُضْعَ مُتَقَوَّمٌ حَالَ الدُّخُولِ فِي المِلْكِ وَالإِتْلَافُ بِعِوَضٍ كَلَا إِخْلَافٍ، وَهَذَا لِأَنَّ مَبْنَى الضَّمَانِ عَلَى المُمَاثَلَةِ، وَلَا مُمَاثَلَةَ بَيْنَ الإِتْلَافِ بِعِوَضٍ وَبَيْنَهُ بِغَيْرِ عِوَضٍ وَإِنْ شَهِدَا بِأَكْثَرَ مِنْ مَهْرِ فإن قيل: ينبغي أن يضمنا ما زاد على ما شهدا إلى تمام مهر المثل كما قال الشافعي (١) في هذه الصورة؛ لأنهما أتلفا منافع بضعها من حيث الحكم، وإتلاف منافع البضع حقيقة بغير عوض موجب للضمان، كما قالوا في المجنون إذا أكره امرأة وزني بها يجب مهر المثل، فكذا في الإتلاف الحكمي. قلنا: القياس ألا يضمن منافع البضع في الإتلاف الحقيقي؛ لعدم إحرازها، إلا أن الشرع ورد في فصل المجنون بالإتلاف بالضمان بخلاف القياس؛ تعظيمًا لأمر البضع، فيقتصر عليه، ولا يمكن الإلحاق دلالة؛ لعدم المماثلة من كل وجه. إليه أشار في الذخيرة (٢). قوله: (لأنه إتلاف بعوض؛ لما أن البضع متقوم حال الدخول في الملك)، يعني وإن كان أتلفا مال الزوج في مقدار مهر المثل فقد عوضاه منافع البضع بمقابلة ذلك، وهي متقوّمة عند الدخول، فلا يضمنان، كما لو شهدا بشراء شيء بمثل قيمته ثم رجعا. وفي الذخيرة (٣): ومنافع البضع تعتبر مالا عند الدخول في الملك، فصلحت عِوَضًا، ولهذا يجوز للأب أن يزوج ابنه الصغير بمهر المثل من مال الصغير، والأب لا يملك إزالة ملك الصغير إلا بعوض، ولا يملك الأب خلع المرأة الصغيرة بمالها وإن كان المسمى مثل مهر المثل.

стр. 5388

المِثْلِ ثُمَّ رَجَعَا ضَمِنَا الزِّيَادَةَ لِأَنَّهُمَا أَتْلَفَاهَا مِنْ غَيْرِ عِوَضٍ. قَالَ: (وَإِنْ شَهِدَا بِبَيْعِ شَيْءٍ بِمِثْلِ القِيمَةِ أَوْ أَكْثَرَ ثُمَّ رَجَعَا لَمْ يَضْمَنَا) لِأَنَّهُ لَيْسَ بِإِثْلَافٍ مَعْنَى. نَظَرًا إِلَى العِوَضِ وَإِنْ كَانَ بِأَقَلَّ مِنْ القِيمَةِ ضَمِنَا النُّقْصَانَ لِأَنَّهُمَا أَتْلَفَا هَذَا الجُزْءَ بِلَا عِوَضِ. قوله: (لأنهما أتلفاها) أي: الزيادة على الزوج المنكر (١). قوله: (لم يضمنا) هذا إذا كان المُدّعِي هو المشتري، ولو كان المدعي هو البائع بأن ادعى رجل على أنه باع عبده منه بألف درهم، والمشتري ينكر، وقيمة العبد خمسمائة، وشهدا بذلك ثم رجعا يضمنان خمسمائة للمشتري. ولو كان المشتري يدعي البيع بخمسمائة درهم والعبد يساوي ألف درهم، فشهدا للمشتري ثم رجعا يضمنان للبائع خمسمائة. ذكره في شرح الطحاوي (٢). وكان قوله: (ضمنا النقصان) أي: للبائع، إن كان المدعي هو المشتري (لأنهما أتلفا هذا الجزء بلا عوض). وفي الذخيرة (٣): هذا إذا شهدا بالبيع ولم يشهدا بنقد الثمن، فأما إذا شهدا بهما ثم رجعا فهذا على وجهين: أحدهما: أن يشهدا عليه بشهادة واحدة، بأن شهدا بأنه باع منه بألف وأوفاه الثمن، فالقاضي يقضي بقيمة المبيع للبائع ولا يقضي بالثمن. وثانيهما: أن يشهدا عليهما بشهادتين مختلفتين، بأن شهدا على البيع أولًا، ثم شهدا بإيفاء الثمن للبائع، والفرق بينهما أنهما لما شهدا بهما بشهادة واحدة فالمقضي به المبيع دون الثمن؛ لأنه لا يمكن للقاضي القضاء بإيجاب الثمن؛ لأنه لا يقارن القضاء بالثمن ما يوجب سقوطه، وهو القضاء بالإيفاء، ولهذا لو شهدا بالبيع والإقالة معًا فإنه لا يقضي بالبيع؛ لأنه قارن القضاء بالبيع ما يوجب

стр. 5389

وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ البَيْعُ بَاتًّا أَوْ فِيهِ خِيَارُ البَائِعِ، لِأَنَّ السَّبَبَ هُوَ البَيْعُ السَّابِقُ انفساخه، وهو القضاء بالإقالة، كذا هنا؛ فلذا ضمنا قيمة المبيع دون الثمن؛ لأن المبيع هو المقضي به، وزوال المبيع بلا عوض. أما لو شهدا بالبيع والإيفاء بالشهادتين فالثمن يقضى به؛ لأن القضاء بالثمن ممكن؛ لأنه لم يقارنه ما يوجب سقوطه؛ لأن حال ما شهدا بالبيع لم يشهد بالإيفاء، وإذا كان الثمن مقضيا به، فإذا رجعا ضمنا الثمن ولم يضمنا قيمة المبيع، وإن صار المبيع مقضيا به في هذه الحالة مع الثمن؛ لأن إزالة المبيع حصلت بعوض، فلا يضمنان قيمته. قوله: (ولا فرق بين أن يكون البيع باتا، أو فيه خيار للبائع) جواب سؤال ذكره في المبسوط (١). فإن قيل: البيع بشرط خيار البائع لا يزيل ملكه عن المبيع، وقد كان متمكنا من دفع الضرر عن نفسه بفسخ البيع في المدة، فإذا لم يفعل كان راضيا بهذا البيع، فينبغي ألا يضمن الشاهدان شيئًا. قلنا: زوال الملك، وإن كان يتأخر إلى سقوط الخيار، فالسبب هو البيع المشهود، ولهذا استحق المشترى بزوائده، فكان الإتلاف حاصلا بشهادتهم، والبائع كان منكرًا لأصل البيع، فمع إنكاره لا يمكن أن يتصرف بحكم الخيار؛ لأنه إذا تصرف بحكم الخيار يصير مقرا بالبيع، ويظهر كذبه عند الناس، والعاقل يتحرز عن مثله، فلهذا لا يعتبر تمكنه من الفسخ في إسقاط الضمان عن الشهود، حتى لو أوجب البيع في مدة الخيار لم يضمن له الشهود شيئًا؛ لأنه صار مقرا بالبيع مزيلًا ملكه باختياره. وكذا لو كان شرط الخيار للمشتري وهو منكر للشراء، وفي قيمة العبد نقصان عن الثمن، فإن سكت المشتري حتى مضت المدة ضمن له الشهود النقصان عند الرجوع، وإن اختار البيع في المدة لم يضمن الشهود شيئًا؛ لما بينا في جانب البيع.

стр. 5390

فَيُضَافُ الحُكْمُ عِنْدَ سُقُوطِ الخِيَارِ إِلَيْهِ فَيُضَافُ التَّلَفُ إِلَيْهِمْ (وَإِنْ شَهِدَا عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ قَبْلَ الدُّخُولِ بِهَا ثُمَّ رَجَعَا ضَمِنَا نِصْفَ المَهْرِ) لِأَنَّهُمَا أَكَّدَا ضَمَانًا عَلَى شَرَفِ السُّقُوطِ، أَلَا تَرَى أَنَّهَا لَوْ طَاوَعَتْ ابْنَ الزَّوْجِ أَوْ ارْتَدَّتْ سَقَطَ المَهْرُ أَصْلًا، وَلِأَنَّ الفُرْقَةَ قَبْلَ الدُّخُولِ فِي مَعْنَى الفَسْخِ فَيُوجِبُ سُقُوطَ جَمِيعِ المَهْرِ كَمَا مَرَّ فِي قوله: (ضمنا نصف المهر)، وبه قال أحمد (١)، ومالك (٢) في رواية ابن القاسم، والشافعي في رواية الربيع (٣) عنه، وقال الشافعي في رواية المزني (٤) عنه: يضمن مهر المثل؛ لأن البضع عنده متقوّم دخولا وخروجًا، وقال مالك في رواية أشهب (٥) عنه: لا ضمان على الشهود؛ لأن منافع البضع عند الخروج والدخول ليس بمال، ولو كان فعاد كل المبدل، وهو البضع، إليه كما كان، فصار بمنزلة فسخ البيع قبل القبض، فيوجب سقوطه بغير شيء. وقلنا: إنهما أكدا ضمانًا على شرف السقوط، وهو نصف المهر، وعلى المؤكد ما على الموجب، ألا ترى أن المُحرم لو أخذ صيدًا في الحرم، فجاء رجل فذبحه في يده يجب الجزاء على المُحرم، ويرجع به على الذابح؛ لأنه أكد الجزاء عليه، وكان على شرف السقوط بأن يخلي سبيله، وقد بين ضعف هذا الوجه في الأصول، واختار فخر الإسلام بأن الضمان إنما يجب على الشهود؛ لأنهم لما ألزموه على الزوج صاروا كأنهم أخذوه من يد الزوج ودفعوه إليها، فصار كالغصب. قوله: (في معنى الفسخ) لعود المبدل، وهو البضع إليها كما كان، فصار بمنزلة الفسخ قبل قبض المبيع، وإنما قيل: في معنى الفسخ، ولم يقل: هو فسخ؛ لأن النكاح بعد اللزوم لا يقبل الفسخ؛ لكن لما عاد قبل الدخول المبدل إليها كما كان صار بمنزلة الفسخ، فيكون وجوب نصف المهر ابتداء بشهادتهما، وإنما قال: النكاح بعد اللزوم لا يقبل الفسخ؛ لأنه قبل اللزوم يقبله، كما لو نكح الصغيرة أخوه، فلها خيار الفسخ بالبلوغ؛ لما أن النكاح لم يقع لازما. وإنما قيد قبل الدخول لأنه لو طلقها بعد الدخول لم يجب شيء عليهما

стр. 5391

النِّكَاحِ، ثُمَّ يَجِبُ نِصْفُ المَهْرِ ابْتِدَاءً بِطَرِيقِ المُتْعَةِ فَكَانَ وَاجِبًا بِشَهَادَتِهِمَا قَالَ: (وَإِنْ شَهِدَا أَنَّهُ أَعْتَقَ عَبْدَهُ ثُمَّ رَجَعَا ضَمِنَا قِيمَتَهُ) لِأَنَّهُمَا أَتْلَفَا مَالِيَّةَ العَبْدِ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ عِوَضٍ، وَالوَلَاءُ لِلْمُعْتِقِ، لِأَنَّ العِتْقَ لَا يَتَحَوَّلُ إِلَيْهِمَا بِهَذَا الضَّمَانِ فَلَا يَتَحَوَّلُ الوَلَاءُ بالرجوع عندنا ومالك (١) وأحمد (٢)، وعند الشافعي (٣) يجب مهر المثل عليهما، والمسألة مشهورة. وفي الكافي: لو شهدا بالطلاق قبل الدخول ثم رجعا بعد موته غرما لورثته نصف المهر، ولم يرث؛ لأنا حكمنا بالبينونة قبل الموت. ولو شهدا بعد موت الزوج أنه طلقها قبل الدخول في حياته ثم رجعا لم يضمنا للورثة؛ لأن الشهادة وقعت لهم، وضمنا للمرأة نصف المهر والميراث؛ لأن الميراث كان مؤكدًا ظاهرًا بالموت بحيث لا يسقط بالمُسقط، وكذلك الميراث كان واجبًا لها بموت الزوج، [فهما] (٤) بهذه الشهادة أبطلا عليها نصفًا مؤكدًا من المهر، وإرثًا ثانيًا بالظاهر، فيضمنان لها ذلك، وبه قال مالك (٥). قوله: (ضمنا قيمته) أي: قيمة العبد، ولا خلاف فيه، موسرين كانا أو معسرين؛ لأنه ضمان إتلاف. (لأن العتق [لا يتحول] (٦) إليهما) أي: الشاهدين (بهذا الضمان) لأنه مما لا يحتمل الفسخ (فلا يتحول الولاء) ضرورة؛ لأن الولاء لمن أعتق، ولا يمتنع وجوب الضمان بثبوت الولاء للمعتق؛ لأن الولاء ليس بمال متقوّم، بل هو كالنسب، فلا يكون عوضًا عما أتلفا (٧). فإن قيل: ينبغي ألا يكون الولاء للمولى؛ لأنه ينكر العتق. قلنا: صار مكذبًا شرعًا بالقضاء؛ لأن القاضي لما قضى عليه بالعتق تبعه الولاء.

стр. 5392

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وفي المبسوط (١) والمغني: لو شهدا أنه دبره، فقضى بذلك ثم رجعا ضمنا ما نقصه التدبير؛ لأن ملك المالية للمولى ينتقص بالتدبير، فيضمنان النقصان، ولو شهدا بالكتابة فقضى بذلك، ثم رجعا ضمن قيمة العبد، والفرق بينهما أنهما حالا بين المولى ومدبره [ولكن] (٢) انتقصت مالية العبد بالتدبير، فضمنا النقصان. ثم الشاهدان يبيعان المكاتب ببدل الكتابة على نجومهما؛ لأنهما قاما مقام المولى في ذلك حتى ضمنا قيمته، وبه قال مالك (٣)، وهكذا قال في المدبّر، وقال أحمد (٤) في المكاتب: يرجع بالنقصان، ولا يعتق المكاتب حتى يؤدي ما عليه إليهما، فإذا أداه إليهما فالولاء للذي كاتبه؛ لأنهما قاما مقامه في قبض بدل الكتابة، فإذا أداه إليهما كان كأنه أداه إلى المولى. ولو عجز ورد إلى الرق كان لمولاه؛ لأن رقبته لم تصر مملوكة لهما؛ لأن المكاتب لا يقبل النقل، فرجوعهما غير صحيح في حقه، ويرد المولى ما أخذ منهما إليهما؛ لأن الحيلولة قد زالت، وعند مالك (٥) بيع (٦) لهما إن لم يستوفيا من نجومه. ولو شهدا بإقرار المولى أن أمته أم ولده، والمولى ينكر، فقضى بذلك ثم رجعا؛ فإن لم يكن معها ولد ضمنا نقصان قيمتها، وبه قال أحمد (٧)، وقال مالك (٨): ضمنا قيمتها للمولى، وفيه تفريعات كثيرة. ذكره في المحيط (٩)، وشرح الطحاوي (١٠).

стр. 5393

(وَإِنْ شَهِدُوا بِقِصَاصِ ثُمَّ رَجَعُوا بَعْدَ القَتْلِ، ضَمِنُوا الدِّيَةَ وَلَا يُقْتَصُّ مِنهُمْ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ اللهِ: يُقْتَصُّ مِنْهُمْ لِوُجُودِ القَتْلِ مِنهُمْ تَسْبِيبًا فَأَشْبَهَ المُكْرِهَ بَلْ أَوْلَى، لِأَنَّ الوَلِيَّ يُعَانُ وَالمُكْرِهَ يُمْنَعُ. وَلَنَا: أَنَّ القَتْلَ مُبَاشَرَةً لَمْ يُوجَدْ، وَكَذَا تَسْبِيبًا، لِأَنَّ التَّسْبِيبَ مَا يُفْضِي إِلَيْهِ غَالِبًا، وَهَاهُنَا لَا يُفْضِي، لِأَنَّ العَفْوَ مَنْدُوبٌ، بِخِلَافِ قوله: (ضمنوا الدية)، وبه قال ابن القاسم المالكي (١)، (وقال الشافعي (٢): يقتص منهم)، وبه قال أحمد (٣) وأشهب المالكي (٤) إن قالا: تعمدنا الكذب ليقتل، وإن قالا: أخطأنا تجب الدية بالاتفاق. قوله: (والمكره يمنع) بنصب الراء، على صيغة اسم المفعول؛ لأن الشاهد بمنزلة المكره، بكسر الراء، والولي بمنزلة المكره، وحاصله أن الإكراه أقل إفضاء إلى القتل، فكان قاصرًا؛ لأن المكره ممنوع عن القتل شرعًا، ومع ذلك يقتل المكره، فأولى أن يجب هنا؛ لكمال الشهادة إلى الإفضاء إلى القتل؛ لأن القتل يباح للولي (٥). قوله: (ولنا أن القتل مباشرةً لم يوجد)، وانتصاب (مباشرةً) على التمييز، (وكذا تسبيبا؛ لأن التسبيب ما يفضي إليه غالبًا). (ولا يفضي؛ لأن العفو مندوب) من الولي، قال تعالى: ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [البقرة: ٢٣٧]. وفي المبسوط (٦): الشاهد لم يكن مباشرًا لا حقيقةً ولا حكمًا ولا معنى؛ أما حقيقةً فظاهر، وأما حكمًا؛ لأن الولي طائع مختار في القتل، فيقطع النسبة، ولا معنى؛ لعدم الإلجاء، فإن القاضي إذا لم يحكم يخاف العقوبة في الآخرة، ولا يصير ملجأ به كما ذكرنا مرةً، فلا يصير به مكرها، فكان الشهادة تسبيبًا، ولا مساواة بين التسبيب والمباشرة، ويعتبر في القصاص المساواة.

стр. 5394

المُكْرَهِ، لِأَنَّهُ يُؤْثِرُ حَيَاتَهُ ظَاهِرًا، وَلِأَنَّ الفِعْلَ الِاخْتِيَارِيَّ مِمَّا يَقْطَعُ النِّسْبَةَ، … ... … وفي الأسرار: من مشايخنا من قال في تعليل المسألة بأن الشهود مسببون، ولا مساواة بين التسبيب والمباشرة، وهو ضعيف؛ لأن المذهب عند الشافعي (١) أن المسبب والمباشر واحد، ألا ترى أنه يلزمه الكفارة، إلا أن حافر البئر بمنزلة القاتل بسوط صغير؛ لأن الحفر لا يعد للقتل وضعًا، كالضرب بسوط صغير مرة أو مرتين، فأما الشهادة فطريق مسلوك لأخذ ما يثبت بالشهادة، فكان كالضرب بما يقصد به القتل. وقلنا: لما ثبت من مذهبنا أن الولي لا يقتل، وقد باشر القتل مختارًا لا بإلزام الشهود، فإنه إن شاء عفا، ثم لم يلزم القصاص؛ للشبهة، فالشهود الذين يصيرون بالشهادة متلفين حكمًا أولى؛ لأن الضمان بالقتل الذي باشره الولي لا بالقضاء وحده. وفي الكافي: وقوله في الهداية: (ولنا أن القتل مباشرة لم يوجد) إلى قوله: (لأنه يؤثر حياته ظاهرًا) مشكل؛ لأن الأمر على القلب، فالظاهر أن الولي يقدم على القتل لكونه مباحًا، وبه يدرك ثأره والظاهر أن المكره لا يقبل؛ لأنه لا يباح له قتله، ويحتمل أن يرتدع المكره عنه، أو يلحقه الغوث. أجيب عنه بأنه إنما قال الشيخ ظاهرًا بالنظر إلى حال المسلم المتدين؛ لأنه لا يلحقه بعفوه ضرر بنفسه وماله، ويحصل له الأجر الكثير، فأما المكره يختار حياته بأدنى رخصة في الشرع، ويرجحه على حياة غيره غالبًا، واحتمال الغوث نادر، وعلى تقدير لحوق الغوث لم يبق الإكراه، وكلامنا في المكره (٢). قوله: (ولأن الفعل الاختياري) أي: القتل الصادر من الولي باختياره الصحيح، من غير إجبار (مما يقطع به النسبة) بخلاف المكره، فإن له اختيارًا فاسدًا، وللمكره اختيار صحيح، والفاسد في مقابلة الصحيح بمنزلة المعدوم، فصار المُكرَه كالآلة للمكره، فلذلك انتقل فعله إلى المكره، فأضيف فعله إلى

стр. 5395

ثُمَّ لَا أَقَلَّ مِنْ الشُّبْهَةِ وَهِيَ دَارِئَةٌ لِلْقِصَاصِ، بِخِلَافِ المَالِ، لِأَنَّهُ يَثْبُتُ مَعَ الشُّبُهَاتِ وَالبَاقِي يُعْرَفُ فِي المُخْتَلِفِ. المكره على أنه لم يقطع النسبة بالكلية (فلا أقل بأن يورث الشبهة) وهي مانعة للقود. (بخلاف المال) أي: الدية (والباقي) أي: باقي المسألة وتفريعاته (يعرف في المختلف). فإنه قال في المبسوط (١): ولو رجعا يكون عليهما الدية؛ لأن كل واحد مسبب لإتلاف نصف النفس، فإن رجع الولي معهما، أو جاء المشهود بقتله حيًّا - فولى المقتول بالخيار بين تضمين الشاهدين، وبين تضمين القاتل؛ لأن القاتل متلف حقيقةً، والشهود حكمًا، والإتلاف الحكمي في وجوب الضمان كالإتلاف الحقيقي، فكان له الخيار. ثم إن ضمن الولي لم يرجع على الشاهدين، وبه قال مالك (٢) في رواية؛ لأنه ضمن بفعله باختياره. وإن ضمن الشهود لم يرجعوا على الولي أيضًا عند أبي حنيفة، وعندهما: يرجعون، وبه قال مالك (٣)؛ لأنهم ضمنوا بشهادتهم، وقد كانوا عاملين فيه للولي، فيرجعون عليه، كما لو شهدوا بالقتل الخطأ أو بالمال. ولا يقال: هناك قد ملكا المقبوض وهنا لم يملكا؛ لأن القصاص لا يملك بالضمان، والمشهود به هو القصاص. لأنا نقول: إنهما لم يملكا، فقد قاما مقام من ضمنها في الرجوع على القاتل بمنزلة من غصب مدبرًا، فغصبه آخر، ثم ضَمَّن المالك الغاصب الأول، فإنه يرجع بالضمان على الثاني، وإن لم يملك المدبر بالضمان، ولكنه قام مقام من ضمنه، وهذا لأن القصاص مما يملك في الجملة، حتى ملكه ولي
следующие страницы →