وَالإِجَارَةُ وَالصَّرْفُ عَلَى هَذَا الخِلَافِ. قَالَ: (وَالوَكِيلُ بِالبَيْعِ يَجُوزُ بَيْعُهُ بِالقَلِيلِ وَالكَثِيرِ وَالعَرَضَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ. وَقَالَا: لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ بِنُقْصَانِ لَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ فِيهِ، وَلَا يَجُوزُ إِلَّا بِالدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ) (*)؛ لِأَنَّ مُطْلَقَ الْأَمْرِ يَتَقَيَّدُ بِالمُتَعَارَفِ؛ لِأَنَّ التَّصَرُّفَاتِ لِدَفْعِ الحَاجَاتِ فَتَتَقَيَّدُ بِمَوَاقِعِهَا، وَالمُتَعَارَفُ البَيْعُ بِثَمَنِ المِثْلِ وَبِالنُّقُودِ، وَلِهَذَا:
الآخر، فصار مال كل واحد منهما كمال صاحبه من وجه، وفي البيع إخراج وإدخال من الجانبين، وفي البيع من هؤلاء إخراج إلى نفسه من وجه، فلا يجوز. وأما قولهما: إن الأملاك متباينة.
قلنا: قدر ذلك التباين لما لم يؤثر في قبول الشهادة علمنا أن ذلك القدر وجوده كعدمه في مواضع التهمة.
قوله: (والإجارة والصرف على هذا الخلاف) وإنما خصهما بالذكر؛ لأن شرعية الإجارة مخالفة للقياس؛ لأنه بيع معدوم، فيزداد انتفاء شرعيتهما مع هؤلاء، وكذا عقد الصرف على شرائط كان يجب ألا يجوز مع هؤلاء، فتبين أنهما على الاختلاف كذا قيل، والسلم على هذا الاختلاف أيضًا.
وفي الكافي: ولو اشترى من هؤلاء عينًا بثمن معلوم، وأراد بيعه مرابحة لم يجز بلا بيان عنده خلافًا لهما، بناءً على هذا الأصل.
قوله: (والوكيل بالبيع) إلى قوله: (عند أبي حنيفة)، لقب هذه المسألة الوكيل بالبيع مطلقًا يملك البيع بما عزَّ وهان، وبأي ثمن كان، وأي أجل كان، متعارفًا وغير متعارف.
وقالا: يجوز بالغبن اليسير، وبالدراهم والدنانير، وبالأجل المتعارف.
وقال الشافعي ومالك وأحمد: بثمن المثل، وبنقد البلد، فإن كان النقود مختلفة يعتبر الأغلب، ولا بيع إلا حالا؛ لأن المطلق يتقيد بالمتعارف الغالب، وهو البيع حالاً وبنقد البلد، وإن استويا باع بما هو أنفع للموكل، وإن استويا يخير على المشهور.
стр. 5462
يَتَقَيَّدُ التَّوْكِيلُ بِشِرَاءِ الفَحْمِ وَالجُمْدِ وَالأَضْحِيَّةِ بِزَمَانِ الحَاجَةِ، وَلِأَنَّ البَيْعَ بِغَيْنِ
وقال صاحب التهذيب: ينبغي ألا يصح التوكيل ما لم يبين، كما لو باع وفي البلد نقدان مستويان، لا يصح حتى يقيد بأحدهما. كذا في شرح الوجيز (١).
وفي الذخيرة: إذا باع بأجل متعارف فيما بين الناس في تلك السلعة، بأن باع مثلًا إلى خمسين سنة وما أشبه ذلك؛ فعند أبي حنيفة يجوز، وعندهما لا يجوز، ثم قال: إنما يجوز البيع بالنسيئة إذا لم يكن في اللفظ ما يدل على البيع بالنقد، أما إذا كان لا يجوز، وذلك نحو أن يقول: بِعْه واقض ديني، أو قال: بعه فإن الغرماء يلازمونني، أو قال: بعه فإني أحتاج إلى نفقة عيالي، ففي هذه الصور لا يجوز بيعه نسيئة بالاتفاق.
قوله: (يتقيد بشراء الفحم) وفي بعض النسخ: (اللحم) ولكن الفحم أليق؛ لقران قوله: (بزمان الحاجة) إذ كل الأزمان زمان الحاجة [إلى] (٢) اللحم.
والحَمْدُ، بسكون الميم لا غير: هو ما جمد من الماء، فكان فيه تسمية للاسم بالمصدر. كذا في الصحاح (٣) والديوان.
وفي فتاوى قاضي خان: وكله بشراء الأضحية والفحم والجمد يتقيد بشراء الأضحية في تلك السنة لا السنة الثانية، وكذا شراء الجمد يتقيد بأيام الصيف في تلك السنة لا السنة الثانية، وقيل: هذا قولهما، أما على قول أبي حنيفة لا يتقيد؛ لأنه يعتبر لإطلاق اللفظ (٤).
ولو وكله بشراء اللحم يدخل لحم الضأن والإبل والبقر، وقيل: إن كان الأمر غريبًا ينصرف إلى المطبوخ، ولا تدخل الكرش والبطون والأكباد والرؤوس والأكارع ولحم القديد ولحم الطيور والوحوش، وكذا لا تدخل الشاة حية، أو مذبوحةً غير مسلوخة، ولو اشترى مسلوخة تلزم الأمر إلا أن يكون المدفوع قليلا.
стр. 5463
فَاحِشُ بَيْعٍ مِنْ وَجْهِ، هِبَةٌ مِنْ وَجْهِ، وَكَذَا المُقَايَضَةُ بَيْعٌ مِنْ وَجْهِ شِرَاءٌ مِنْ وَجْهِ فَلَا
يَتَنَاوَلُهُ مُطْلَقُ اسْمِ البَيْعِ، وَلِهَذَا: لَا يَمْلِكُهُ الأَبُ وَالوَصِيُّ. وَلَهُ: أَنَّ التَّوْكِيلَ بِالبَيْعِ
مُطْلَقٌ فَيَجْرِي عَلَى إِطْلَاقِهِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِ التَّهْمَةِ،
وفي الإيضاح: فاللحم يقع على لحم الضأن والمعز وما يشترى، ويدخل لحم البقر والإبل إذا جرت العادة بذلك، ولا يدخل اللحم القديد؛ لأنه لا يباع في الأسواق عادة، وعند الأئمة الثلاثة يقع على ما يباع في العادة في الأكل.
قوله: (وهبة من وجه) ألا ترى أنه [لو باع] (١) المريض بالغبن الفاحش يعتبر من الثلث، والأب والوصي لا يملكان البيع بالغبن الفاحش، وهو وكيل بالبيع دون الهبة، (وكذا المقايضة) أي: البيع بالعرض (بيع من وجه شراء من وجه) وهو وكيل بالبيع لا بالشراء.
قوله: (وله) أي: لأبي حنيفة أنه مأمور (بالبيع المطلق) وقد أتى به خاليًا من التهمة، وهذا لأن البيع مبادلة مال بمال، وذا موجود في البيع بالعرض، كما في البيع بالنقد، وبتضمنه الشراء لا يخرج من كونه بيعًا مطلقًا؛ لأن تضمن الشراء في جانب العرض لا في جانب المبيع، وأمره كان باعتبار المبيع، والعقد فيه مطلق.
وكذا البيع بالغبن الفاحش بيع من كل وجه، فما من جزء من المبيع إلا ويقابله جزء من الثمن، ولهذا يستحق الكل بالشفعة، والشفعة في الهبة لا تثبت، ولهذا لو حلف لا تبيع فباع بالغبن الفاحش يحنث، وكما يراعى العرف في الوكالات يراعى في الأيمان، ثم جعل هذا بيعًا مطلقا في الثمن، فكذا في الوكالة.
فإن قيل: لا يلزم من جريان العرف في اليمين في [نوع] (٢) جريانه في الوكالة، فإنه لو حلف لا يأكل لحما فأكل اللحم القديد يحنث، وفي الشراء لا يقع من الأمر، فعلم أن العرف قد يختلف بين اليمين والوكالة.
стр. 5464
وَالبَيْعُ بِالغَيْنِ أَوْ بِالعَيْنِ مُتَعَارَفٌ عِنْدَ شِدَّةِ الحَاجَةِ إِلَى الثَّمَنِ وَالتَّبَرُّمِ مِنْ العَيْنِ، وَالمَسَائِلُ مَمْنُوعَةٌ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ عَلَى مَا هُوَ المَرْوِيُّ عَنْهُ، وَأَنَّهُ بَيْعٌ مِنْ كُلِّ وَجْهِ، حَتَّى أَنَّ مَنْ حَلَفَ لَا يَبِيعُ يَحْنَثُ بِهِ، غَيْرَ أَنَّ الْأَبَ وَالوَصِيَّ لَا يَمْلِكَانِهِ مَعَ أَنَّهُ بَيْعٌ؛ لِأَنَّ وِلَا يَتَهُمَا نَظَرِيَّةٌ وَلَا نَظَر فِيهِ، وَالمُقَايَضَةُ شِرَاءٌ مِنْ كُلِّ وَجْهِ وَبَيْعٌ مِنْ كُلِّ وَجْهِ لِوُجُودِ حَدٌ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا.
قلنا: التوكيل بشراء اللحم يقع على لحم يباع في الأسواق، والقديد لا يباع، أما الأكل متعارف في الكل.
وأجاب في الأسرار عما تمسكا بمحاباة المريض: أن المحاباة لا تعتبر هبة بشيء من المبيع الذي تعلق الأمر به، بل يعتبر بالثمن، ألا ترى أنه لو حابي ومات ولا يخرج من الثلث قيل: للمشتري إما أن يرتد إلى الثلث وإما أن يَرُدَّه (١)، ولا يلزمه رد (٢) المبيع حتمًا، والأب والوصي مأمور أن يبيع بصفة النظر لا بمطلق البيع.
وقوله: (والبيع بالغبن أو العين) إلى آخره: جواب عن قولهما، فلما كان متعارفًا كان العرف مشتركًا، فلا يصلح حجة لأحدهما.
في المبسوط: العرف مشترك، فقد يبيع الشيء بالغبن الفاحش للتبرم (٣) منه، وفي هذا لا يبالي بقلة الثمن وكثرته، وقد يبيعه للاسترباح قصدًا، فعند الإطلاق لا يترجح أحد المقصودين من غير دليل.
قوله: (والمسائل ممنوعة) يعني هذه المسائل مروية عن أبي يوسف، فأما عند أبي حنيفة فيعتبر الإطلاق، ولئن سلم فهذا مطلق في حق الوقت لا عام، فلا يتناول إلا واحدًا، وقد صار المتعارف مرادًا فلم يبقَ غيره مرادًا، فأما هذا عام.
قوله: (والمقايضة شراء من كل وجه وبيع من كل وجه) جواب عن قولهما أيضًا.
стр. 5465
قَالَ: (وَالوَكِيلُ بِالشِّرَاءِ يَجُوزُ عَقْدُهُ بِمِثْلِ القِيمَةِ وَزِيَادَةٍ يَتَغَابَنُ النَّاسُ فِي مِثْلِهَا، وَلَا يَجُوزُ بِمَا لَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ فِي مِثْلِهِ) لِأَنَّ التُّهْمَةَ فِيهِ مُتَحَقِّقَةٌ فَلَعَلَّهُ اشْتَرَاهُ لِنَفْسِهِ،
فإن قيل: فمن المحال أن يوصف الشيء الواحد بصفة وبضدها في حالة واحدة.
قلنا: إنما كان محالا إذا كان ذلك بجهة واحدة، وليس كذلك، فإنه بيع من كل وجه بالنسبة إلى غرض نفسه، وشراء بالنسبة إلى غرض صاحبه.
ولا يقال: بدخول البائعين الثمنية؛ لأن الباء تدخل الأثمان، لأنا نقول: هذا في المكيلات والموزونات من غير الدراهم والدنانير؛ إذ الدراهم والدنانير يتعينان للثمنية حلت الباء عليهما أو لا، أما المكيلات والموزونات إذا كانت غير متعينة تتعين للثمنية، سواء حلت الباء على أحدهما أو لا. إليه أشار في الذخيرة.
فإن قيل: لو كان بيع المقايضة شراء من كل وجه، فمن أي وجه رجح أبو حنيفة جانب البيع؟
قلنا: ذكر في المبسوط (١): جانب البيع يرجح على جانب الشراء في البيع بالعرض، ألا ترى أن أحد المضاربين إذا اشترى بغير إذن صاحبه كان مشتريا لنفسه، ولو باع بغير إذن صاحبه شيئًا من مال المضاربة توقف على إجازة صاحبه! فإنه باعه بعرض يتوقف أيضًا، حتى لو أجاز صاحبه كان تصرفه على المضاربة والشراء لا يتوقف، ولأنه بنسبة ذاته مبيع، وتصرف الوكيل يقع بالنسبة إلى ذاته.
قوله: (ولا يجوز بما لا يتغابن [الناس] (٢) في مثله) أي: بالغبن الفاحش، ولا خلاف فيه للأئمة الأربعة.
قوله: (لأن التهمة فيه) أي: في هذا الشراء (متحققة) كما ذكر في المتن، والتهمة معتبرة في باب الوكالة، ألا ترى أن الوكيل بالبيع لا يبيع من أبيه أو ابنه؛ للتهمة!
стр. 5466
فَإِذَا لَمْ يُوَافِقْهُ أَلْحَقَهُ بِغَيْرِهِ عَلَى مَا مَرَّ، حَتَّى لَوْ كَانَ وَكِيلًا بِشِرَاءِ شَيْءٍ بِعَيْنِهِ قَالُوا: يَنْفُذُ عَلَى الْآمِرِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ شِرَاءَهُ لِنَفْسِهِ، وَكَذَا الوَكِيلُ بِالنِّكَاحِ إِذَا زَوَّجَهُ امْرَأَةً بِأَكْثَرَ مِنْ مَهْرِ مِثْلِهَا جَازَ عِنْدَهُ؛ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ الإِضَافَةِ إِلَى المُوَكِّلِ فِي العَقْدِ فَلَا تَتَمَكَّنُ هَذِهِ التَّهْمَةُ، وَلَا كَذَلِكَ الوَكِيلُ بِالشَّرَاءِ؛ لِأَنَّهُ يُطْلِقُ العَقْدَ.
وفي المبسوط (١): والفرق لأبي حنيفة أن الشراء يستوجب الثمن في ذمة الوكيل، ويوجب لنفسه مثله في ذمة الأمر، والإنسان متهم في حق نفسه، فلا يملك أن يلزم الأمر بالثمن ما لم يدخل في ملكه بإزائه ما يَعْدِلُهُ، ولهذا لو قال: اشتريت وقبضت وهلك في يدي فهات الثمن لم يقبل قوله، بخلاف الوكيل بالبيع، فإنه لو قال: بعت وقبضت الثمن فهلك - كان القول قوله.
ولأن الأمر بالشراء يلاقي ملك الغير، وليس للإنسان ولاية مطلقة في ملك الغير، فلا يعتبر إطلاق أمره فيه، بخلاف البيع، فإن أمره يلاقي ملك نفسه، وله في ملك نفسه ولاية مطلقة.
ولأن اعتبار العموم والإطلاق غير ممكن؛ لأنه لو اعتبر ذلك له أن يشتري ذلك المتاع بجميع ما يملكه الأمر وبما لا يملكه من المال، ونحن نعلم أنه لا يقصد ذلك، فحملناه على أخص الخصوص، وهو الشراء بالنقد بغبن يسير، وفي جانب البيع اعتبار العموم والإطلاق ممكن؛ لأنه لا يسلط به على شيء من ماله سوى المبيع الذي رضي ببيعه.
قوله: (قالوا: ينفذ) الشراء على الأمر وإن كان بغبن فاحش؛ لعدم التهمة؛ إذ لا يملك الوكيل أن يشتريه لنفسه، على ما مر.
ثم قوله: (قالوا) يحتمل أن يريد به عامة المشايخ، فإنه ذكر في الذخيرة: أما الوكيل بشراء شيء بعينه فلا نص فيه، وقد اختلف المشايخ فيه؛ قال بعضهم: يُتحمَّل فيه اليسير دون الفاحش، وقال بعضهم: لا يتحمل فيه اليسير أيضًا.
قوله: (لأنه) أي: الوكيل (يطلق العقد) أي: لا يضيفه إلى الأمر فيقول: اشتريت، ولا يقول: اشتريت لفلان.
стр. 5467
قَالَ: (وَالَّذِي لَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ فِيهِ مَا لَا يَدْخُلُ تَحْتَ تَقْوِيمِ المُقَوِّمِينَ، وَقِيلَ: في العُرُوضِ دَه نيم " وَفِي الحَيَوَانَاتِ دَهْ يازده " وَفِي العَقَارَاتِ دَه دوازده ") لِأَنَّ التَّصَرُّفَ يَكْثُرُ وُجُودُهُ فِي الأَوَّلِ، وَيَقِلُّ فِي الأَخِيرِ، وَيَتَوَسَّطُ فِي الْأَوْسَطِ، وَكَثْرَةُ الغَبْنِ لِقِلَّةِ التَّصَرُّفِ.
قَالَ: (وَإِذَا وَكَّلَهُ بِبَيْعِ عَبْدٍ له، فَبَاعَ نِصْفَهُ جَازَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ)؛ لِأَنَّ اللَّفْظَ
قوله: (وقيل في العروض) إلى آخره، هذا بيان الغبن اليسير، فكان قوله: (وقيل) معطوفًا على ما تَضَمَّنَ.
قوله: (ما لا يدخل تحت تقويم المقومين) يعني إذا كان الغبن الفاحش ما لا يدخل؛ كان ما يدخل تحت تقويمهم يسيرًا.
وإنما وقع التفاوت؛ لأن التصرف يكثر وجوده في العروض، ويقل في العقار، فما وقعت المعاملة فيه كثيرة كانت التجربة فيها أوقع فيما يرجع إلى الغبن والربح، فكان التاجر بحالها أَعْرَفَ، فيقل الغبن فيها كذلك، وفي الحيوان بين الأمرين، وكلما كثر التصرف قل الغبن، وكلما قل التصرف كثر الغبن؛ لقلة الممارسة.
وفي الذخيرة: قال شيخ الإسلام في جامعه: تكلموا في الحد الفاصل بين اليسير والفاحش، والصحيح عن محمد في النوادر: كل ما يدخل تحت تقويم المقومين فهو يسير، وما لا يدخل فهو فاحش، ثم قال شيخ الإسلام هذا التحديد فيما لم يكن له قيمة معلومة في البلدة، كالعبيد والدواب وغيرهم، فأما ما له قيمة معلومة، كالخبز واللحم وغيرهما، فزاد الوكيل بالشراء لا ينفذ على الموكل وإن كانت الزيادة قليلا، كالفلس ونحوه؛ لأن هذا مما لا يدخل تحت تقويم المقومين، وإنما يدخل تحت تقويمهم ما يحتاج فيه إلى تقويمهم، وهاهنا لا يحتاج، فلا يدخل.
قوله: (وكله ببيع عبد له) أي: مطلقا.
وإنما وضع المسألة في العبد ليرتب عليه هذا الاختلاف المذكور؛ لأنه إذا باع نصف ما وُكِّل ببيعه، وليس في تفريقه ضرر، كالحنطة والشعير يجوز بالاتفاق، ذكره في الإيضاح؛ لأنه ليس في تفريقه ضرر.
стр. 5468
مُطْلَقٌ عَنْ قَيْدِ الِافْتِرَاقِ وَالاجْتِمَاعِ؛ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ بَاعَ الكُلَّ بِثَمَنِ النِّصْفِ يَجُوزُ عِنْدَهُ، فَإِذَا بَاعَ النِّصْفَ بِهِ أَوْلَى وَقَالَا: لَا يَجُوزُ (*)؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُتَعَارَفٍ لِمَا فِيهِ مِنْ ضَرَرِ الشَّرِكَةِ (إِلَّا أَنْ يَبِيعَ النِّصْفَ الآخَرَ قَبْلَ أَنْ يَخْتَصِمَا)؛ لِأَنَّ بَيْعَ النِّصْفِ قَدْ يَقَعُ وَسِيلَةٌ إِلَى الامْتِثَالِ بِأَنْ لَا يَجِدَ مَنْ يَشْتَرِيهِ جُمْلَةٌ فَيَحْتَاجُ إِلَى أَنْ يُفَرِّقَ، فَإِذَا بَاعَ البَاقِيَ قَبْلَ نَقْضِ البَيْعِ الأَوَّلِ تَبَيَّنَ أَنَّهُ وَقَعَ وَسِيلَةٌ، وَإِذَا لَمْ يَبِعْ ظَهَرَ أَنَّهُ لَمْ يَقَعْ وَسِيلَةٌ فَلَا يَجُوزُ، وَهَذَا اسْتِحْسَانُ عِنْدَهُمَا.
(وَإِنْ وَكَّلَهُ بِشِرَاءِ عَبْدٍ فَاشْتَرَى نِصْفَهُ فَالشِّرَاءُ مَوْقُوفٌ، فَإِنْ اشْتَرَى بَاقِيَهُ لَزِمَ
(إذا باع الكل بثمن النصف يجوز عنده) أي: عند أبي حنيفة، قيد بقوله: (عنده) لأنه لا يجوز عندهما؛ لأنه غبن فاحش.
فإن قيل: إنما يجوز بيع الكل بثمن النصف؛ لعدم الشركة، أما في بيع النصف بنصف الثمن تلزم الشركة، وهي عيب في الأعيان، فكان هذا مخالفة إلى الشراء لا الأول.
قلنا: ضرر الشركة أهون من ضرر بيع الكل بنصف الثمن، فلما جاز ذلك على قوله، لأن يجوز هذا - وهو أهون - أولى، وبقولهما قال الشافعي.
قوله: (وهذا) أي: كون البيع موقوفا إلى أن يبيع النصف الآخر قبل الخصومة (استحسان عندهما) إذ القياس ألا يتوقف لثبوت المخالفة ببيع النصف.
قوله: (فالشراء موقوف) أي: بالاتفاق، وبه قال الشافعي في قول، وأحمد في رواية، وقالا في قول ورواية: لا ينفذ على الأمر؛ لأنه مخالف، ثم عند أبي يوسف؛ إذا أعتقه الأمر جاز والإعتاق إجازة منه، ولو أعتقه الوكيل لم يجز، وعند محمد لو أعتقه الوكيل جاز، ولو أعتقه الموكل لم يجز؛ لأنه خالف فيما أمر به، والتوقف عليه من حيث إن الخلاف يتوهم رفعه بأن يشتري باقيه فيرتفع الخلاف، فقيل: شراء الباقي يكون مخالفًا، فلا ينفذ إعتاق الأمر. كذا في الإيضاح.
стр. 5469
المُوَكَّلَ)؛ لِأَنَّ شِرَاءَ البَعْضِ قَدْ يَقَعُ وَسِيلَةٌ إِلَى الامْتِثَالِ بِأَنْ كَانَ مَوْرُوثًا بَيْنَ جَمَاعَةٍ فَيَحْتَاجُ إِلَى شِرَائِهِ شِقْصًا شِقْصًا، فَإِذَا اشْتَرَى البَاقِيَ قَبْلَ رَدِّ الْآمِرِ البَيْعَ تَبَيَّنَ أَنَّهُ وَقَعَ وَسِيلَةٌ فَيَنْفُذُ عَلَى الْآمِرِ، وَهَذَا بِالاتِّفَاقِ. وَالفَرْقُ لِأَبِي حَنِيفَةَ: أَنَّ فِي الشِّرَاءِ تَتَحَقَّقُ التَّهْمَةُ عَلَى مَا مَرَّ. وَآخَرُ أَنَّ الأَمْرَ بِالبَيْعِ يُصَادِفُ مِلْكَهُ فَيَصِحُ فَيُعْتَبَرُ فِيهِ إِطْلَاقُهُ، وَالْأَمْرُ بِالشِّرَاءِ صَادَفَ مِلْكَ الغَيْرِ فَلَمْ يَصِحَّ فَلَا يُعْتَبَرُ فِيهِ التَّقْبِيدُ وَالإِطْلَاقُ.
قوله: (على ما مر) إشارة إلى قوله: (لأن التهمة فيه متحققة) (١) إلى آخره. وفي المبسوط (٢): توضيح الفرق على قوله أن صحة الأمر بالشراء بتسمية العبد، ونصف العبد ليس بعبد، فلا يصير ممتثلا أمر الأمر، إلا أن يشتري ما بقي قبل الخصومة.
فأما في جانب البائع فصحة التوكيل باعتبار ملك العين، وذلك موجود في العين، فيعتبر فيه إطلاقه، فلما اعتبر إطلاق أمره في بيع العبد بملك الوكيل بيع كُلُّه وبعضه؛ لأن الإطلاق يتناولهما، بخلاف الأمر بشراء العبد، حيث لم يعتبر في إطلاق الآمر؛ لمصادفته ملك الغير، فيقيد بالمتعارف، والمتعارف فيه شراء العبد جملةً.
وأما وجوب الثمن في ذمة المشتري فذلك بيع في البياعات، فلم يعتبر إطلاق أمره بسبب الثمن في الشراء؛ لأن الثمن تابع وليس بمقصود في البياعات على ما عرف، ولو وكله بالشراء فاشترى بكيلي ووزني في الذمة لا ينفذ على الأمر؛ لأن الأمر بالشراء يتقيد بالمتعارف، وهو الشراء بالأثمان المطلقة، وهي الدراهم والدنانير، وبه قالت الأئمة الثلاثة، وقال زفر: ينفذ على الأمر؛ لأنه شراء من كل وجه.
ولو وكله بشراء أمة، وسمى جنسها وثمنها، فاشترى شَلاءً أو عمياء نفذ على الأمر عند أبي حنيفة، وعندهما لا، وبه قالت الأئمة الثلاثة؛ لأن شراء العمياء والشلاء غير متعارف، وله أن العرف مشترك، فقد يشتري العمياء ترحما عليها وطلبا لرضا الله تعالى.
стр. 5470
قَالَ: (وَمَنْ أَمَرَ رَجُلًا بِبَيْعِ عَبْدِهِ فَبَاعَهُ وَقَبَضَ الثَّمَنَ، أَوْ لَمْ يَقْبِضُ، فَرَدَّهُ المُشْتَرِي عَلَيْهِ بِعَيْبٍ لَا يَحْدُثْ مِثْلُهُ بِقَضَاءِ القَاضِي بِبَيِّنَةٍ أَوْ بِإِبَاءِ يَمِينٍ أَوْ بِإِقْرَارٍ فَإِنَّهُ يَرُدُّهُ عَلَى الْآمِرِ) لِأَنَّ القَاضِيَ تَيَقَّنَ بِحُدُوثِ العَيْبِ فِي يَدِ البَائِعِ، فَلَمْ يَكُنْ قَضَاؤُهُ مُسْتَنِدًا إِلَى هَذِهِ الحُجَجِ وَتَأْوِيلُ اشْتِرَاطِهَا فِي الكِتَابِ: أَنَّ القَاضِيَ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا
ولو وكله بشراء هذا العبد بخمسمائة فاشتراه وآخر بضعفه يكون مخالفًا، ويضمن ما دفعه الأمر، وعندهما نفذ على الأمر؛ لأنه لما اشتراهما بألف، وقيمتهما سواء - انقسم الثمن على قيمتهما نصفين، فيكون مشتريا للعبد المأمور بخمسمائة، وهو قياس قول الأئمة الثلاثة، وله أن القيمة تعرف بالحزر والظن، فلم تثبت الموافقة بيقين، فلا ينفذ على الأمر؛ لوقوع الشك في الامتثال.
ولو أمره بالنكاح ولم يُسَمِّ مهرًا، فزوجه بمهر فيه غبن فاحش - جاز عنده؛ لإطلاق الأمر، ولم يجعله كالوكيل بالشراء حتى يتقيد بالعرف؛ لأن في الشراء بالأكثر تهمة كما ذكرنا، ولا تتحقق ذلك التهمة في النكاح؛ لما أنه لا بد في النكاح من إضافة العقد إلى الموكل.
ولو زوج بنته الكبيرة من الآمر لم يجز عنده خلافًا لهما، وهي كعقد الوكيل مع من ترد شهادته.
قوله: (بعيب لا يحدث مثله) كالإصبع الزائدة، والسن الشاغية (١).
قوله: (فإنه) أي: الوكيل (يرده على الأمر) من غير خصومة؛ إذ الرد [على الوكيل ردّ] (٢) على الأمر، وإنما يحتاج في صورة الإقرار إلى القضاء؛ لأنه ممكن أن يقر بالعيب ويمتنع عن القبول، فالقاضي يجبره على القبول.
وقوله: (فلم يكن قضاؤه مستندا) إلى آخره جواب سؤال، يعني لما كان العيب لا يحدث مثله لم يتوقف القضاء إلى هذه الحجج، بل ينبغي أن يقضى بدونها؛ لعلمه قطعا بوجود العيب عند البائع، فقال: (لم [يكن] (٣) قضاؤه مستندا إلى هذه الحجج، وتأويل اشتراطها في الكتاب) إلى آخره.
стр. 5471
يَحْدُثُ مِثْلُهُ فِي مُدَّةِ شَهْرٍ مَثَلًا، لَكِنَّهُ اشْتَبَهَ عَلَيْهِ تَارِيخُ البَيْعِ، فَيَحْتَاجُ إِلَى هَذِهِ الحُجَجِ لِظُهُورِ التَّارِيخِ، أَوْ كَانَ عَيْبًا لَا يَعْرِفُهُ إِلَّا النِّسَاءُ أَوْ الأَطِبَّاءُ، وَقَوْلُهُنَّ وَقَوْلُ الطَّبِيبِ حُجَّةٌ فِي تَوَجُهِ الخُصُومَةِ لَا فِي الرَّدِّ، فَيَفْتَقِرُ إِلَيْهَا فِي الرَّدِّ، حَتَّى لَوْ كَانَ القَاضِي عَايَنَ البَيْعَ وَالعَيْبُ ظَاهِرٌ لَا يَحْتَاجُ إِلَى شَيْءٍ مِنهَا، وَهُوَ رَدُّ عَلَى المُوَكِّلِ فَلَا يَحْتَاجُ الوَكِيلُ إِلَى رَدٌ وَخُصُومَةٍ.
قَالَ: (وَكَذَلِكَ إِنْ رَدَّهُ عَلَيْهِ بِعَيْبٍ يَحْدُثُ مِثْلُهُ بِبَيِّنَةٍ أَوْ بِإِبَاءِ يَمِينٍ)؛ لِأَنَّ البَيِّنَةَ حُجَّةٌ مُطْلَقَةٌ، وَالوَكِيلُ مُضْطَرٌ فِي النُّكُولِ لِبُعْدِ العَيْبِ عَنْ عِلْمِهِ بِاعْتِبَارِ عَدَمِ مُمَارَسَتِهِ المَبِيعَ فَلَزِمَ الآمِرَ.
قوله: (لا يعرفه إلا النساء) كالقرن في الفرج ونحوه (أو الأطباء) كالدق والسعال القديم.
(فيفتقر) أي: القاضي يفتقر إلى الحجج، وهي البينة والإقرار والإباء.
قوله: (لأن البينة حجة مطلقة) أي: مثبتة عند الناس كافة، فيثبت بها قيام العيب عند الموكل، فنفذ الرد على الموكل.
وقوله: (والوكيل مضطر) إلى آخره جواب عن قول زفر، ذكره في المبسوط، فعند زفر لو رده بنكوله لم يكن له أن يرده على الموكل، كمن اشترى شيئًا وباعه من غيره، ثم المشتري الثاني رده على المشتري الأول بنكوله لم يكن له أن يرده على بائعه.
وقلنا: الوكيل مضطر في هذا النكول؛ لأنه لا يمكنه أن يحلف كاذبًا إذا كان عالما بالعيب، وإنما اضطر إلى ذلك بعمل باشره للآمر، يعني أنه لم يباشر أحوال العبد، فلا يعرف بعيب ملك الغير، والأمر هو الذي أوقعه فيه، فكان الرد عليه ردًّا على الموكل بخلاف ما إذا أقر، فإنه مختار فيه لا مضطر، وبخلاف المشتري فإنه مضطر في النكول، ولكن بعمل باشره لنفسه، فلا يرجع على غيره. كذا في المبسوط (١) والفوائد الظهيرية.
стр. 5472
قَالَ: (فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ بِإِقْرَارِهِ: لَزِمَ المَأمُورَ) لِأَنَّ الإِقْرَارَ حُجَّةٌ قَاصِرَةٌ وَهُوَ غَيْرُ مُضْطَرَّ إِلَيْهِ، لِإِمْكَانِهِ السُّكُوتَ وَالنُّكُولَ، إِلَّا أَنَّ لَهُ أَنْ يُخَاصِمَ المُوَكَّلَ فَيُلْزِمَهُ بِبَيِّنَةٍ أَوْ بِنُكُولِهِ، بِخِلَافِ مَا إِذَا كَانَ الرَّدُّ بِغَيْرِ قَضَاءِ وَالعَيْبُ يَحْدُثُ مِثْلُهُ، حَيْثُ لَا يَكُونُ لَهُ أَنْ يُخَاصِمَ بَائِعَهُ؛ لِأَنَّهُ بَيْعٌ جَدِيدٌ فِي حَقٌّ ثَالِثٍ وَالبَائِعُ ثَالِثُهُمَا، وَالرَّدُّ بِالقَضَاءِ فَسْخٌ لِعُمُومِ وِلَايَةِ القَاضِي، غَيْرَ أَنَّ الحُجَّةَ قَاصِرَةٌ وَهِيَ الإِقْرَارُ، فَمِنْ حَيْثُ الفَسْخُ كَانَ لَهُ أَنْ يُخَاصِمَهُ، وَمِنْ حَيْثُ القُصُورُ لَا يَلْزَمُ المُوَكَّلَ إِلَّا بِحُجَّةٍ، وَلَوْ كَانَ العَيْبُ لَا يَحْدُثُ مِثْلُهُ، وَالرَّدُّ بِغَيْرِ قَضَاء بِإِقْرَارِهِ يَلْزَمُ المُوَكَّلَ مِنْ غَيْرِ خُصُومَةٍ فِي رِوَايَةٍ؛ لِأَنَّ الرَّدَّ مُتَعَيَّنٌ وَفِي عَامَّةِ الرِّوَايَاتِ لَيْسَ لَهُ أَنْ يُخَاصِمَهُ لِمَا ذَكَرْنَا
قوله: (والرد بالقضاء فسخ إلى آخره جواب سؤال، وهو أن يقال: ينبغي ألا يكون له حق الخصومة مع الموكل؛ إذ قد حصل الرد بإقرار الوكيل، فكان بيعًا جديدًا في حق الموكل، فقال: الرد بالقضاء فسخ؛ لعموم ولاية القاضي) فلا يحتمل أن يكون عقدًا مبتدأ؛ لفقد التراضي؛ لأن القاضي يرده على كره منه، فجعل فسخًا، ولكن فسخ استند إلى دليل قاصر، وهو الإقرار، فعملنا بهما، فمن حيث إن الرد بالقضاء فسخ كان للوكيل أن يخاصم الموكل، ومن حيث إنه استند إلى دليل قاصر لا يلزم الموكل إلا بحجة، وهي إقامة البينة على الموكل.
بخلاف ما لو رده بإقرار الموكل من غير قضاء، والعيب مما يحدث مثله لزم الموكل ولا يكون له أن يخاصم الموكل؛ لأن هذا فسخ بالتراضي، فيكون بيعًا جديدًا في حق غيرهما، والموكل غيرهما، وصار في حق الموكل كأن الوكيل اشترى من المشتري، ولو اشترى منه لم يكن له مخاصمة الموكل، فكذا هذا.
فإن قيل: ينبغي أن تكون له ولاية الرد على الموكل وإن قبله بإقراره من غير قضاء، كما في الوكيل بالإجارة إذا أجر وسلم ثم طعن المستأجر فيه بعيب وقبل الوكيل بغير قضاء؛ فإنه يلزم الموكل ولم يعتبر إجارة جديدة، وكذا هذا.
قلنا: من أصحابنا من قال: لا فرق بينهما في الحقيقة؛ لأن المعقود عليه في إجارة الدار لا يصير مقبوضًا بقبض الدار، ولهذا لو تلف بانهدام كان في
стр. 5473
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ضمان المؤجر، فيكون هذا بمنزلة ما لو قبله الوكيل بالعيب قبل القبض بغير قضاء، وهناك يلزم الأمر، فكذا في الإجارة.
قال شمس الأئمة: وفي الكتاب عَلَّل في الفرق بين المسألة، وقال: إن فسخ الإجارة ليس بإجارة معنى؛ لأن على إحدى الطريقتين: الإجارة عقود متفرقة يتجدد انعقادها بحسب ما يحدث من المنافع، فبعد الرد بالعيب يمتنع الانعقاد لا أن يجعل ذلك عقدًا مبتدأ.
وعلى طريقة إقامة الدار مُقامَ المنافع: المعقود عليها حكم ثبت بالضرورة، فلا يعدو موضعها، ولا ضرورة إلى أن يجعل الرد بالعيب عقدًا مبتدأ؛ لتقام فيه الدار مقام المنفعة، هذا إذا كان عيبًا يحدث مثله.
أما إذا كان عيبًا لا يحدث مثله، فرده بإقراره بقضاء يكون ردًا على الموكل باتفاق الروايات؛ لأن القاضي فسخ البيع بينهما بعلمه بقيام العيب عند البائع لا بإقراره، فيلزم الأمر، كما لو رده بالبينة.
وإن رده عليه بإقراره بغير قضاء يلزم الموكل بلا خصومة في رواية كتاب البيوع؛ لأنهما فعلا ما يفعله القاضي لو رُفع الأمر إليه، فإن القاضي يرده في عيب لا يحدث أصلًا، أو لا يحدث في تلك المدة، ولا يكلفه إقامة الحجة، فيكون ردًا على الموكل.
وفي عامة روايات المبسوط: ليس أن يخاصم الموكل لما ذكرنا أنه بمنزلة البيع المبتدأ، ولو اشتراه منه حقيقة لا يرده.
وقوله: فعلا عين ما يفعله القاضي.
قلنا: هذا الرد حصل تمليكا وتملكا بالتراضي، وليس باستيفاء لعين الحق؛ لأن حق المشتري في الجزء الفائت لا في الرد، فكان بيعًا ما أمكن، وإنما يجعل فسخًا إذا تعذر جعله بيعًا في حق الثالث فيما إذا كان بقضاء؛ لعدم التراضي، كذا ذكره قاضي خان والمرغيناني، وهذا هو الذي أحال بيانه إلى الكفاية.
стр. 5474
وَالحَقُّ فِي وَصْفِ السَّلَامَةِ، ثُمَّ يَنْتَقِلُ إِلَى الرَّدِّ، ثُمَّ إِلَى الرُّجُوعِ بِالنُّقْصَانِ، فَلَمْ يَتَعَيَّنْ الرَّدُّ، وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي الكِفَايَةِ بِأَطْوَلَ مِنْ هَذَا.
قَالَ: (وَمَنْ قَالَ لِآخَرَ: أَمَرْتُكَ بِبَيْعِ عَبْدِي بِنَقْدٍ، فَبِعْته بِنَسِيئَةٍ، وَقَالَ المَأْمُورُ: أَمَرْتَنِي بِبَيْعِهِ وَلَمْ تَقُلْ شَيْئًا فَالقَوْلُ قَوْلُ الْآمِرِ)؛ لِأَنَّ الآمِرَ يُسْتَفَادُ مِنْ جِهَتِهِ وَلَا دَلَالَةَ عَلَى الإِطْلَاقِ. قَالَ: (وَإِنْ اخْتَلَفَ فِي ذَلِكَ المُضَارِبُ) وَرَبُّ المَالِ: فَالقَوْلُ قَوْلُ المُضَارِبِ لِأَنَّ الأَصْلَ فِي المُضَارَبَةِ العُمُومُ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ بِذِكْرِ لَفْظِ المُضَارَبَةِ فَقَامَتْ دَلَالَةُ الإِطْلَاقِ، بِخِلَافِ مَا إِذَا ادَّعَى رَبُّ المَالِ المُضَارَبَةَ فِي نَوْعٍ، وَالمُضَارِبُ فِي نَوْعٍ آخَرَ حَيْثُ يَكُونُ القَوْلُ لِرَبِّ المَالِ؛ لِأَنَّهُ سَقَطَ الإِطْلَاقُ
وقوله: (والحَقُّ في وصف السلامة) لى آخره، جواب من قال: (إن الرد متعين) يعني حكم الأصل المطالبة بوصف السلامة، وإنما يصار إلى الرد لضرورة العجز، فإذا نقلاه إلى الرد لم يصح في حق غيرهما، ولهذا لو امتنع الرد وجب الرجوع بحصة العيب، وفي تلك المسائل الحق متعين لا يحتمل التحول إلى غيره.
قوله: (فالقول قول الآمر) وبه قال الشافعي، ومالك، وأحمد في رواية، وعن مالك: إن كانت السلعة قائمة فالقول للموكل، وإن كانت هالكة فالقول للوكيل؛ لأن الضمان يلزمه بالهلاك، والأصل عدم الضمان، وعن أحمد في رواية: القول للوكيل؛ لأنه أمين؛ لثبوت أصل الوكالة بإقرارهما.
قوله: (ولا دلالة على الإطلاق)؛ إذ الأمر بالبيع قد يكون مقيدًا وقد يكون مطلقا، ولا دليل على أحد الوجهين، والأمر يستفاد من جهته، فكان القول له، كما لو أنكر أصل الوكالة.
بخلاف ما لو قال رب المال: أمرتك بالنقد، وقال المضارب: بل دفعت مضاربة، ولم يبين شيئًا فالقول للمضارب؛ لأن الأصل في المضاربة الإطلاق والعموم، ألا ترى أن له أن يودع ويبضع ويوكل، وتصح المضاربة عند الإطلاق، ويثبت الإذن عامًا فكان القول للمضارب متمسك بالأصل، أما الوكالة فإن الإطلاق والعموم فيها ليس بأصل، حتى لا يودع ولا يوكل.
стр. 5475
بِتَصَادُقِهِمَا فَنَزَلَ إِلَى الوَكَالَةِ المَحْضَةِ ثُمَّ مُطْلَقُ الأَمْرِ بِالبَيْعِ يَنْتَظِمُهُ نَقْدًا وَنَسِيئَةٌ إِلَى أَي أَجَلٍ كَانَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَعِنْدَهُمَا: يَتَقَيَّدُ بِأَجَلٍ مُتَعَارَفٍ وَالوَجْهُ قَدْ تَقَدَّمَ.
قَالَ: (وَمَنْ أَمَرَ رَجُلًا بِبَيْعِ عَبْدِهِ فَبَاعَهُ، وَأَخَذَ بِالثَّمَنِ رَهْنَا، فَضَاعَ فِي يَدِهِ، أَوْ أَخَذَ بِهِ كَفِيلًا فَتَوَى المَالَ عَلَيْهِ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ) لِأَنَّ الوَكِيلَ أَصِيلٌ فِي الحُقُوقِ وَقَبْضِ الثَّمَنِ مِنهَا، وَالكَفَالَةُ تُوثَقُ بِهِ، وَالِارْتِهَانُ وَثِيقَةٌ لِجَانِبِ الِاسْتِيفَاءِ فَيَمْلِكُهُمَا، بِخِلَافِ الوَكِيلِبِقَبْضِ الدِّيْنِ؛ لِأَنَّهُ يَفْعَلُ نِيَابَةً وَقَدْ أَنَابَهُ فِي قَبْضِ الدَّيْنِ دُونَ الكَفَالَةِ
قوله: (والوجه قد تقدم) أي: الوجه من الجانبين تقدم في مسألة الوكيل بالبيع، وخلاف الأئمة قد بينا فيها.
قوله: (وأخذ به) أي: بالثمن (كفيلا فتوى المال) على الكفيل.
قيل: المراد من الكفالة هاهنا الحوالة؛ لأن التَّوَى لا يتحقق في الكفالة.
وقال التمرتاشي: الوكيل بالبيع لو احتال بالثمن لم يجز عند أبي يوسف؛ لأن الحوالة تتضمن إبراء الأصيل، والوكيل لا يملك ذلك عنده، وقيل: بل على حقيقتهما، والتَّوَى يتحقق في الكفالة، بأن مات الكفيل والمكفول عنه مفلسا.
وفي جامع المنهاجي: التَّوَى على الكفيل بأن يموت مفلسا.
وفي الكافي: التَّوى على الكفيل بأن رفع الأمر إلى قاض يرى براءة الأصيل بنفس الكفالة، كما هو مذهب مالك، فيحكم ببراءة الأصيل، فتَوِيَ المال على الكفيل.
(فلا ضمان عليه) أي: على الوكيل؛ لأنه يزداد بالكفالة والرهن معنى الوثيقة من غير أن يبرأ الأصيل من الثمن، فيؤكدان حق الوكيل، وهو الاستيفاء.
(فيملكهما) أي: الوكيل يملك الكفالة والرهن، فإذا ضاع الرهن في يده فقد صار استيفاء، وذا مملوك له، ألا ترى أنه لو استوفى الثمن حقيقةً، وضاع في يده كان الهلاك على الموكل فكذا في الرهن.
(بخلاف الوكيل بقبض الدين) إذا أخذ رهنا أو كفيلا، فإن التَّوَى لا يكون على رب الدين، وهو قياس قول الشافعي وأحمد في الوكيل؛ لأنه كالمأمور بقبض الثمن، ولا يقبض أصالة؛ لأن الحقوق ترجع إلى الموكل
стр. 5476
وَأَخْذِ الرَّهْنِ وَالوَكِيلُ بِالبَيْعِ يَقْبِضُ أَصَالَةٌ، وَلِهَذَا لَا يَمْلِكُ الْمُوَكَّلُ حَجْرَهُ عَنْهُ.
فَصْلٌ: [حُكْمُ وَكَالَةِ الاثْنَيْنِ]
قَالَ: (وَإِذَا وَكَّلَ وَكِيلَيْنِ فَلَيْسَ لِأَحَدِهِمَا أَنْ يَتَصَرَّفَ فِيمَا وُكِّلَا بِهِ دُونَ الْآخَرِ) وَهَذَا فِي تَصَرُّفٍ يَحْتَاجُ فِيهِ إِلَى الرَّأْيِ كَالبَيْعِ وَالخُلْعِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، لِأَنَّ المُوَكَّلَ رَضِيَ بِرَأْيِهِمَا لَا بِرَأْي أَحَدِهِمَا،
عندهما، وعندنا الوكيل بالبيع يقبض أصالة، فكان في ذلك كالمالك، ولهذا لم يعمل نهي الآمر، أي: عن قبض الثمن، ولو رد الوكيل الرهن جاز، ويضمن للموكل أقل من قيمته ومن الثمن، وعند أبي يوسف لا يصح رده. كذا ذكره التمرتاشي والمحبوبي.
قوله: (حَجْرَهُ) أي: حَجْر الوكيل (عنه) أي: عن قبض الثمن عندنا، وقالت الأئمة الثلاثة يملك؛ لأن الحقوق عندهم راجعة إلى الموكل، وإنما يملك الوكيل قبض الثمن باعتبار الإذن دلالة عندهم.
فَصْلٌ: [حُكْمُ وَكَالَةِ الاثْنَيْنِ]
لما ذكر وكالة واحد أعقبه بحكم وكالة رجلين؛ لما أن المثنى بعد الواحد.
قوله: فليس لأحدهما أن يتصرف فيما وُكِّلا (به) [وبه] (١) قالت الأئمة الثلاثة.
وفي المبسوط (٢): هذا الذي ذكره فيما إذا وكلهما بكلام واحد، فأما إذا وكلهما بكلامين فيجوز لكل منهما أن يتصرف بدون الآخر؛ لأنه إذا وكلهما بكلامين فقد رضي برأي أحدهما، بخلاف الوصيين إذا أوصى كل واحد منهما بكلام على حدة، حيث لا ينفرد أحدهما بالتصرف في أحد القولين؛ لأن وجوب الوصية بالموت، وعند الموت صارا وصيين جملة، وهاهنا حكم الوكالة ثبتت بنفس التوكيل، فإذا أفرد كل واحد بالعقد استبد بالتصرف.
قوله: (لأن الموكل رضي برأيهما) حتى لو باع أحدهما والآخر حاضر لا
стр. 5477
وَالبَدَلُ وَإِنْ كَانَ مُقَدَّرًا، وَلَكِنَّ التَّقْدِيرَ لَا يَمْنَعُ اسْتِعْمَالَ الرَّأْيِ فِي الزِّيَادَةِ وَاخْتِيَارِ المُشْتَرِي. قَالَ: (إِلَّا أَنْ يُوَكَّلَهُمَا بِالخُصُومَةِ) لِأَنَّ الاِجْتِمَاعَ فِيهَا مُتَعَذِّرٌ لِلْإِفْضَاءِ إِلَى
يجوز، إلا أن يجيز الآخر جاز، ولو كان الآخر غائبًا عنه فأجاز لم يجز عند أبي حنيفة. ذكره في الذخيرة.
وفي المبسوط (١): ولو كان أحدهما صبيًا أو عبدًا محجورًا لم يجز للآخر أن ينفرد بالتصرف، ولو مات أحدهما أو ذهب عقله لم يجز للآخر أن يتصرف؛ لأنه ما رضي برأي أحدهما.
وقوله: (والبدل وإن كان مقدرًا) إلى آخره: جواب سؤال، وهو أن يقال: إنما يحتاج إلى الرأي في البيع إذا لم يكن الثمن مسمى في التوكيل به، فأما إذا كان فلا يحتاج إلى رأيهما، فينبغي أن ينفرد كل واحد منهما، كما في التوكيل بالطلاق والعتاق بغير عوض، فأجاب عنه بأن البدل وإن كان مقدرًا، ولكن تقدير الثمن يمنع النقصان لا الزيادة، وربما يزداد الثمن عند اجتماع الآخر؛ لذكاء أحدهما وهدايته، أو يختار الآخر مشتريًا لا يماطل في أداء الثمن.
قوله: (إلا أن يوكلهما بالخصومة) هذا استثناء من قوله: (ليس لأحدهما أن يتصرف فيما وكلا به دون الآخر) (٢) يعني لو وكلهما بالخصومة جاز انفراد أحدهما بالتصرف، وقال زفر: لا يصح الانفراد فيها أيضًا، وبه قال الشافعي وأحمد؛ لأنه يحتاج فيها إلى الرأي؛ إذ رأي الاثنين لا يكون كرأي واحد، فرضاه بهما لا يكون رضًا بأحدهما، كما في البيع والشراء.
وقلنا: الاجتماع فيها متعذر لصيانة مجلس القضاء عن الشغب؛ لأن المقصود فيها إظهار الحق، وبالشغب لا يحصل، ولأن فيه ذهاب مهابة مجلس القضاء، فلما وكلهما بها - مع علمه بتعذر اجتماعهما - صار راضيا بخصومة أحدهما، ولكن على وجه لا يفوت فائدة توكيلهما، وذا بأن يسويا الأمر برأيهما، وينقل أحدهما بالتكلم ولا يشترط حضرة صاحبه في خصومته عند الجمهور، وإطلاق محمد يدل على هذا.
стр. 5478
الشَّعْبِ فِي مَجْلِسِ القَضَاءِ، وَالرَّأيُ يَحْتَاجُ إِلَيْهِ سَابِقًا لِتَقْوِيمِ الخُصُومَةِ، قَالَ: (أَوْ بِطَلَاقِ زَوْجَتِهِ بِغَيْرِ عِوَضٍ أَوْ بِعِتْقِ عَبْدِهِ بِغَيْرِ عِوَضٍ، أَوْ بِرَدٌ وَدِيعَةٍ عِنْدَهُ، أَوْ قَضَاءِ دَيْنٍ عَلَيْهِ) لِأَنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ لَا يُحْتَاجُ فِيهَا إِلَى الرَّأي بَلْ هُوَ تَعْبِيرٌ مَحْضُ، وَعِبَارَةُ المُثَنَّى وَالوَاحِدِ سَوَاءٌ. وَهَذَا بِخِلَافِ مَا إِذَا قَالَ لَهُمَا: طَلَّقَاهَا إِنْ شِئْتُمَا، أَوْ قَالَ: أَمْرُهَا بِأَيْدِيكُمَا، لِأَنَّهُ تَفْوِيضُ إِلَى رَأْيِهِمَا؛
وقيل: يشترط، ولا يقبض أحدهما؛ لأن اجتماعهما على القبض والحفظ فائدة، فإنهما يقدران على دفع القاصد ما لا يقدر أحدهما عليه. كذا في الفوائد الظهيرية.
وبطلاق زوجته بغير عوض هذا عطف على المستثنى، وهو قوله: (بالخصومة).
وفي الذخيرة: لو وكلهما بطلاق امرأته فطلق أحدهما وأبي الآخر [جاز] (١)؛ لأن الإيقاع المفرد لا يحتاج إلى الرأي، وكذا في إعتاق عبده، وعند الشافعي وأحمد لم يجز حتى يجتمعا، كما في البيع.
وفي الجامع: ولو وكلهما، وقال: لا يُطَلِّقَنَّ أحدكما دون صاحبه، فطلق أحدهما، ثم طلق الآخر أو أجاز [جاز] (٢)، وكذا في الإعتاق، ولو قال: طلقاها جميعًا ثلاثا، فطلقها أحدهما واحدةً، ثم الآخر تطليقتين لم يقع شيء حتى يجتمعا على ثلاث تطليقات.
قوله: (أو برد وديعة) قيد بردها؛ لأنهما إذا كانا في قبضها لا ينفرد أحدهما، وعند الشافعي وأحمد الرد كالقبض.
وفي الذخيرة: قال محمد في الأصل: لو وكلهما بقبض وديعة، وقبضها أحدهما بغير إذن صاحبه يضمن؛ لأنه شرط اجتماعهما على القبض، ولم يوجد، فصار قابضًا بغير إذن المالك، فيصير ضامنًا.
ثم قال: فإن قيل: ينبغي أن يضمن النصف؛ لأنه مأمور بقبض النصف.
قلنا: مأمور بقبض النصف إذا قبض مع صاحبه، وبدونه لا.
стр. 5479
أَلَا تَرَى أَنَّهُ تَمْلِيكٌ مُقْتَصِرٌ عَلَى المَجْلِسِ، وَلِأَنَّهُ عَلَّقَ الطَّلَاقَ بِفِعْلِهِمَا فَاعْتَبَرَهُ بِدُخُولِهِمَا.
قَالَ: (وَلَيْسَ لِلْوَكِيلِ أَنْ يُوَكِّلَ فِيمَا وُكِّلَ بِهِ) لِأَنَّهُ فُوِّضَ إِلَيْهِ التَّصَرُّفُ دُونَ التَّوْكِيلِ بِهِ، وَهَذَا لِأَنَّهُ رَضِيَ بِرَأْيِهِ، وَالنَّاسُ مُتَفَاوِتُونَ فِي الْآرَاءِ.
قوله: (ألا ترى أنه تمليك مقتصر على المجلس) وقد مر أنه لو قال: (طَلِّقِ امرأتي إن شئتَ) تمليك يقتصر على المجلس، وكذا في الأمر باليد، تمليك يقتصر على المجلس، وإذا كان التطليق مملوكًا لهما لا يجوز لأحدهما التصرف بغير إذن صاحبه.
فإن قيل: ينبغي أن يقدر أحدهما على إيقاع نصف تطليقة.
قلنا: فيه إبطال حق الآخر؛ [إذ] (١) بإيقاع النصف تقع تطليقة كاملة.
فإن قيل: إبطال ضمني.
قلنا: لا حاجة إلى ذلك الإبطال؛ لقدرتهما على الاجتماع. كذا قيل.
قوله: (فاعتبره بدخولهما) أي: اعتبر تعليق الطلاق بفعلهما، وهو المشيئة، أو اختيار الطلاق بتعليق الطلاق بدخولهما، بأن قال: إن دخلتما الدار فامرأتي طالق، فدخل أحدهما لا تطلق، فكذا هذا.
قوله: (وليس للوكيل أن يوكل) إلى آخره.
المسألة على ثلاثة أوجه: أحدها: أن يوكله ولم يأذن له في التوكيل، ولم يَنْهَه عن التوكيل فليس له أن يوكل غيره عندنا وأحمد.
وقال الشافعي ومالك: إن كان الوكيل ممن يلي ذلك بنفسه عادة فليس له أن يوكل غيره، وإن كان يعجز عنه، أو ممن لم يباشر ذلك الفعل بنفسه لوجاهته له أن يوكل، وبه قال أحمد في رواية.
وهذا الخلاف فيما إذا أطلق، أما لو أَذِنَهُ في التوكيل يوكل غيره بلا خلاف، أو نهاه عن توكيل غيره لا يوكل بلا خلاف، وأما لو قال له: اصنع ما شئت، أو اعمل برأيك فله التوكيل عندنا وأحمد.
стр. 5480
قَالَ: (إِلَّا أَنْ يَأْذَنَ لَهُ المُوَكَّلُ) لِوُجُودِ الرِّضَا (أَوْ يَقُولَ لَهُ: اعْمَلْ بِرَأْيِكَ) لإِطْلَاقِ التَّفْرِيضِ إِلَى رَأْيِهِ، وَإِذَا جَازَ فِي هَذَا الوَجْهِ يَكُونُ الثَّانِي وَكِيلًا عَنْ المُوَكِّلِ، حَتَّى لَا يَمْلِكَ الأَوَّلُ عَزْلَهُ، وَلَا يَنْعَزِلُ بِمَوْتِهِ وَيَنْعَزِلَانِ بِمَوْتِ الأَوَّلِ، وَقَدْ مَرَّ نَظِيرُهُ فِي أَدَبِ القَاضِي.
قَالَ: (فَإِنْ وَكَّلَ بِغَيْرِ إِذْنِ مُوَكِّلِهِ فَعَقَدَ وَكِيلُهُ بِحَضْرَتِهِ جَازَ) لِأَنَّ المَقْصُودَ حُضُورُ رَأْيِ الأَوَّلِ وَقَدْ حَضَرَ، … ...
وقال أصحاب الشافعي: له التوكيل في أحد الوجهين؛ لأن التوكيل يقتضي تصرفًا يتولاه بنفسه، وقوله: (اصنع ما شئت) أو (اعمل برأيك) يرجع إلى ما يقتضيه التوكل من تصرفه بنفسه.
وقلنا: اللفظ عام، فيدخل في عمومه التوكيل، ولأن بقوله: (اعمل برأيك) أثبت له صفة المالكية؛ إذ المالك هو الذي يتصرف برأيه ومشيئته، وللمالك ألا يوكل غيره، فكذا للوكيل؛ لأنه صار كالمالك.
قوله: (حتى لا يملك) أي: الوكيل (الأول عزله، ولا ينعزل) أي: الوكيل الثاني (بموته) أي: بموت الوكيل الأول، وبه قال الشافعي في قول، وأحمد، وقال في الأصح: ينعزل بعزله وبموته، وله بموت الموكل قولان، وكذا بعزله، والأصح الانعزال كما قلنا وأحمد.
(وينعزلان بموت الأول) أي: الموكل الأول (وقد مر نظيره في أدب القاضي) وهو ما ذكره: ([وليس] (١) للقاضي أن يستخلف على القضاء إلا أن يفوض إليه ذلك) إلى أن قال: (جاز كما في الوكالة).
قوله: (فَعَقَدَ وَكيلُهُ) أي: وكيل الوكيل (بحضرته) أي: بحضرة الوكيل الأول (جاز) عندنا استحسانًا، وقال زفر: لا يجوز، وبه قال الشافعي وأحمد، كما في حال غيبته، ولأن حقوق العقد تتعلق بالعاقد، وإنما رضي الموكل الأول تعلق الحقوق بالوكيل الأول دون الثاني، فلو جاز يقع الثاني بحضرته؛ لتعلق حقوق العقد به دون الأول.
стр. 5481
وَتَكَلَّمُوا فِي حُقُوقِهِ.
وقلنا: مقصود الموكل أن يكون تمام العقد برأي الوكيل الأول، فإذا كان هو حاضرًا فقد حصل إتمام العقد برأيه، فكان مقصوده حاصلا على أنه إذا كان حاضرًا صار كأنه باشر العقد، كما لو زوج بنته البالغة بشهادة رجل بحضرتها جُعِل كأنها باشرت العقد، حتى صلح الأب أن يكون شاهدًا.
فإن قيل: يشكل بما لو باشر أحد الوكيلين بحضرة الآخر، حيث لا يكتفى بحضوره، ولا بد من الإجازة، ذكره في الذخيرة، وهاهنا اكتفى بحضوره من غير إجازة، والمعنى يشملهما.
قلنا: ما ذكر في الجامع محمول على ما إذا أجاز الوكيل الأول لا مطلق الحضرة، هكذا ذكر في الذخيرة، وقال: إن محمدًا ذكر في الجامع: فعقد الثاني بحضرة الأول، ولم يشترط للجواز إجازة الأول، وهكذا ذكر في وكالة الأصل، وفي موضع آخر من وكالة الأصل شرط إجازته، سواء كان الوكيل الأول حاضرًا أو غائب.
وعن الكرخي: ليس في المسألة روايتان، ولكن ما ذكر مطلقا في بعض المواضع محمول على ما إذا أجاز، وإليه ذهب عامة المشايخ، وهذا لأن عقد الثاني كعقد فضولي؛ لعدم إذن الموكل الأول، وفي الفضولي تشترط الإجازة، فكذا هاهنا.
ومنهم من قال: في المسألة روايتان.
وجه رواية الجواز من غير إجازة الأول: أن عقد الثاني حال غيبته إنما يصح لتعري العقد عن رأي الأول، فمتى عقد بحضرته فقد حضر هذا العقد رأيه، وعلى هذا أحد وكيلي البيع أو الإجارة إذا باع بحضرة صاحبه، في رواية: لا يجوز إلا بإجازته، وفي رواية: يجوز من غير إجازة.
(وتكلموا في حقوقه) أي: حقوق عقد الثاني بحضرة الأول.
في الذخيرة: لم يذكر محمد في هذا الفصل في الصغير: العهدة على مَنْ؟ وذكر البقالي في رواية: ترجع إلى الأول، وفي حيل الأصل والعيون: ترجع إلى الثاني، وهو الصحيح، كما لو باعه أجنبي فأجاز الوكيل، فإنه يجوز، وتتعلق الحقوق بالمباشر غير الوكيل، أي: الفضولي.
стр. 5482
(وَإِنْ عَقَدَ فِي حَالِ غَيْبَتِهِ لَمْ يَجُزْ) لِأَنَّهُ فَاتَ رَأيَهُ إِلَّا أَنْ يُبْلِغَهُ فَيُجِيزَهُ (وَكَذَا لَوْ بَاعَ غَيْرُ الوَكِيلِ فَبَلَغَهُ فَأَجَازَهُ) لِأَنَّهُ حَضَرَ رَأيُهُ وَلَوْ قَدَّرَ الأَوَّلُ الثَّمَنَ لِلثَّانِي فَعَقَدَ بِغِيبَتِهِ يَجُوزُ لِأَنَّ الرَّأْيَ فِيهِ يُحْتَاجُ إِلَيْهِ لِتَقْدِيرِ الثَّمَنِ ظَاهِرًا وَقَدْ حَصَلَ، وَهَذَا بِخِلَافِ مَا إِذَا وَكَّلَ وَكِيلَيْنِ وَقَدَّرَ الثَّمَنَ، لِأَنَّهُ لَمَا فَوَّضَ إِلَيْهِمَا مَعَ تَقْدِيرِ الثَّمَنِ ظَهَرَ أَنَّ غَرَضَهُ اجْتِمَاعُ رَأيِهِمَا فِي الزِّيَادَةِ وَاخْتِيَارِ المُشْتَرِي عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ، أَمَّا إِذَا لَمْ يُقَدِّرْ الثَّمَنَ وَفَوَّضَ إِلَى الأَوَّلِ كَانَ غَرَضُهُ رَأْيَهُ فِي مُعْظَمِ الْأَمْرِ وَهُوَ التَّقْدِيرُ فِي الثَّمَنِ.
قَالَ: (وَإِذَا زَوَّجَ المُكَاتَبُ أَوْ العَبْدُ أَوْ الذِّمِّيُّ ابْنَتَهُ وَهِيَ صَغِيرَةٌ حُرَّةٌ مُسْلِمَةٌ، أَوْ بَاعَ أَوْ اشْتَرَى لَهَا لَمْ يَجُزْ) مَعْنَاهُ: التَّصَرُّفُ فِي مَالِهَا، لِأَنَّ الرِّقَّ وَالكُفْرَ يَقْطَعَانِ الولاية؛
قوله: (ولو قدر الأول) أي: الوكيل (الثمن) بأن قال للوكيل الذي وكله بغير إذن موكله بعه بكذا، فباعه الثاني به بغيبة الأول جاز في رواية كتاب الرهن كما ذكرنا من حصول المقصود بحضور رأيه.
وفي رواية كتاب الوكالة: لا يجوز؛ لأن تقدير الثمن يمنع النقصان ولا يمنع الزيادة، فربما يزيد الأول على هذا الثمن لو كان هو المباشر للبيع؛ لذكائه وهدايته.
قوله: (وفَوَّضَ) أي: الموكل الأول (إلى الأول) أي: الوكيل الأول (كان غَرَضُه) أي: عرض الموكل الأول (رَأْيَه) أي: رأي الوكيل الأول (في معظم الأمر) وهذا لأن المقصود من البياعات الاسترباح، وذلك إنما يكون بالبيع بتقدير ثمن كان مصلحة في تحصيل زيادة الربح، وقد حصل ذلك بتقدير الوكيل الأول ثمن المبيع، ورأيه إنما يُطلب لهذا.
قوله: (معناه التصرف في مالها) وإنما احتاج إلى هذا التأويل؛ لأن قوله: (أو باع أو اشترى لها لم يجز) يحتمل وجهين: أحدهما: أن يشتري لها شيئًا بمال نفسه، والآخر أن يشتري لها بمالها، والثاني هو المراد هنا، ولذلك قال: معناه كذا.
قوله: (لأن الرق والكفر يقطعان الولاية) وقد مرت المسألة في النكاح ببيان الاختلافات.
стр. 5483
أَلَا يَرَى أَنَّ المَرْقُوقَ لَا يَمْلِكُ إِنْكَاحَ نَفْسِهِ فَكَيْفَ يَمْلِكُ إِنْكَاحَ غَيْرِهِ، وَكَذَا الكَافِرُ لَا وِلَايَةَ لَهُ عَلَى المُسْلِمِ حَتَّى لَا تُقْبَلَ شَهَادَتُهُ عَلَيْهِ، وَلِأَنَّ هَذِهِ وِلَايَةٌ نَظَرِيَّةٌ فَلَا بُدَّ مِنْ التَّفْرِيضِ إِلَى القَادِرِ المُشْفِقِ لِيَتَحَقَّقَ مَعْنَى النَّظَرِ، وَالرِّقُّ يُزِيلُ القُدْرَةَ، وَالكُفْرُ يَقْطَعُ الشَّفَقَةَ عَلَى المُسْلِمِ فَلَا تُفَوَّضُ إِلَيْهِمَا (قَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ: وَالمُرْتَدُّ إِذَا قُتِلَ عَلَى رِدَّتِهِ وَالحَرْبِيُّ كَذَلِكَ) لِأَنَّ الحَرْبِيَّ أَبْعَدُ مِنْ الدِّمِّي فَأَوْلَى بِسَلْبِ الوِلَايَةِ، وَأَمَّا المُرْتَدُّ فَتَصَرُّفُهُ فِي مَالِهِ وَإِنْ كَانَ نَافِذًا عِنْدَهُمَا لَكِنَّهُ مَوْقُوفٌ عَلَى وَلَدِهِ وَمَالِ وَلَدِهِ بِالإِجْمَاعِ، لِأَنَّهَا وِلَايَةٌ نَظَرِيَّةٌ، وَذَلِكَ بِاتِّفَاقِ المِلَّةِ وَهِيَ مُتَرَدِّدَةٌ، ثُمَّ تَسْتَقِرُّ جِهَةُ الانْقِطَاعِ إِذَا قُتِلَ عَلَى الرِّدَّةِ فَيَبْطُلُ وَبِالإِسْلَامِ يُجْعَلُ كَأَنَّهُ لَمْ يَزَلْ مُسْلِمًا فَيَصِحٌ.
قوله: (إلى العاقد) أي: العاقد القادر المشفق، وفي بعض النسخ: (إلى القادر) مكان (العاقد).
قوله: (والرق يزيل القدرة) قال تعالى: ﴿عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ﴾ [النحل: ٧٥].
(لأن الحربي أبعد من الذمي) فإن الذمي صار منا دارًا وإن لم يكن منا دينا، أو تحقق في حق الذمي ما هو خَلَف عن الإسلام، وهو الجزية، ولم يثبت في حق الحربي شيء من الأصل والخلف، ولهذا لا تقبل شهادته على الذمي.
وقوله: (قال أبو يوسف ومحمد: المرتد إذا قُتِل على ردته) إلى آخره، يشير إلى دفع شبهة ترد على قولهما، مع أن هذا الحكم مجمع عليه، وهي أن تصرفات المرتد بالبيع والشراء نافذة وإن قُتِل على ردته عندهما؛ بناءً على الملك، ولكن تصرفاته على ولده موقوفة بالإجماع.
وفي جامع المحبوبي: زوج المرتد ابنته، ثم أسلم جاز نكاحه؛ لأن هذا نكاح له مجيز في الحال، حتى لو رفع إلى قاض فأجاز يجوز، وكان سبيله التوقف، فإذا توقف وعادت ولايته نفذ؛ لوجود الإجازة منه.
وإن تزوج هو بنفسه لم يجز؛ لأن جواز النكاح يعتمد الملة، ولا ملة للمرتدين، فإن أسلم بعد هذا لم يحل له إلا بإنشاء النكاح؛ لأن هذا نكاح لا مجيز له حال وقوعه، فلم يتوقف على إسلامه؛ لأن ما يجيز له لا يتوقف، ألا
стр. 5484
بَابُ الوِكَالَةِ بِالخُصُومَةِ وَالقَبْضِ
قَالَ: (الوَكِيلُ بِالخُصُومَةِ وَكِيلٌ بِالقَبْضِ) عِنْدَنَا، خِلَافًا لِزُفَرَ (*). هُوَ يَقُولُ: رَضِيَ بِخُصُومَتِهِ، وَالقَبْضُ غَيْرُ الخُصُومَةِ وَلَمْ يَرْضَ بِهِ.
ترى أن الصبي إذا زوج عبده أو أعتقه أو وهبه أو تصدق به كان باطلا، حتى لا ينفذ وإن أجازه بعد بلوغه؛ لأنها تصرفات لا مجيز لها حال وقوعها.
بخلاف المرتد إذا زوج ابنته الصغيرة؛ لأن له مجيزا، وهو القاضي أو الولي، فيصح أن ينفذ تصرفه، ولو مات بَطَلَ، بخلاف التصرف في أكسابه، فإنها نافذة عندهما؛ لأن ملك الولاية يبتني على الملك، والملك قائم ما دام حيا بلا توقف.
بَابُ الْوِكَالَةِ بِالْخُصُومَةِ وَالْقَبْضِ
لما كانت الوكالة بالخصومة من المهجور الشرعي - حتى عدل عن حقيقتها إلى مطلق الجواب - تأخر ذكرها عما هو مشروع ومقر على حقيقته.
قوله: (الوكيل بالخصومة) إلى آخره، أطلق في الرواية ليتناول الوكيل بالخصومة في العين والدين، وهو وكيل بالقبض فيهما عند علمائنا الثلاثة. ذكره المحبوبي.
قوله: (خلافًا لزفر) فإنه يقول: لا يكون وكيلا بالقبض، وبه قال الشافعي في الأظهر، ومالك وأحمد، وعند الشافعي في وجه: أنه يملك، كقولنا.
(هو يقول) أي: زفر يقول: إن القبض غير الخصومة؛ لأن الخصومة لإظهار الحق، ويختار في الخصومة أَلَجَّ الناسِ، وللقبض آمَنَ الناس، فمن يصلح للخصومة لا يُرضى بأمانته عادةً.
ولنا: أن التوكيل بشيء توكيل بإتمامه، وإتمام الخصومة يكون بالقبض؛ لأن الخصومة باقية ما لم يقبض، وذلك لأنه ما لم يقبضه يتوهم عليه الإنكار بعد ذلك والمطل، ويحتاج إلى المرافعة. كذا في الأسرار والمبسوط (١).
стр. 5485
وَلَنَا: أَنَّ مَنْ مَلَكَ شَيْئًا مَلَكَ إِثْمَامَهُ، وَإِثْمَامُ الخُصُومَةِ وَانْتِهَاؤُهَا بِالقَبْضِ، وَالفَتْوَى اليَوْمَ عَلَى قَوْلِ زُفَرَ ﵀ لِظُهُورِ الخِيَانَةِ فِي الوُكَلَاءِ، وَقَدْ يُؤْتَمَنُ عَلَى الخُصُومَةِ مَنْ لَا يُؤْتَمَنُ عَلَى المَالِ، وَنَظِيرُهُ: الوَكِيلُ بِالتَّقَاضِي، يَمْلِكُ القَبْضَ عَلَى أَصْلِ الرِّوَايَةِ، لِأَنَّهُ فِي مَعْنَاهُ وَضْعًا، إِلَّا أَنَّ العُرْفَ بِخِلَافِهِ، وَهُوَ قَاضٍ عَلَى الوَضْعِ، وَالفَتْوَى عَلَى أَنْ لَا يَمْلِكَ.
قَالَ: (فَإِنْ كَانَا وَكِيلَيْنِ بِالخُصُومَةِ لَا يَقْبِضَانِ إِلَّا مَعًا) لِأَنَّهُ رَضِيَ بِأَمَانَتِهِمَا لَا بِأَمَانَةِ أَحَدِهِمَا، وَاجْتِمَاعُهُمَا مُمْكِنٌ بِخِلَافِ الخُصُومَةِ عَلَى مَا مَرَّ. قَالَ: (وَالوَكِيلُ بِقَبْضِ الدَّيْنِ يَكُونُ وَكِيلًا بِالخُصُومَةِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ) حَتَّى لَوْ أُقِيمَتْ عَلَيْهِ البَيِّنَةُ عَلَى
قوله: (والفتوى اليوم على قول زفر) وبه أفتى كثير من مشايخ بلخ، والصدر الشهيد؛ لأن التوكيل بالقبض غير ثابت نصًا ودلالةً، أما نصا فظاهر، وأما دلالةً فإن الإنسان قد يوكل غيره بالخصومة والتقاضي ولا يرضى بأمانته وقبضه، والوكيل على التقاضي يملك القبض على أصل الرواية، خلافًا لهم، وعلى اختيار الفتوى.
قوله: (لأنه في معناه) أي: لأن التقاضي في معنى القبض في أصل اللغة، يقال: تقاضيته ديني وبديني، واقتضيته، واستقضيته، واقتضيت منه حقي، أي: أخذته. ذكره في الأساس (١).
(إلا أن العرف يخالفه) (٢) فإن الناس لا يفهمون من التقاضي القبض؛ بل يفهمون منه المطالبة.
(وهو) أي: العرف (راجح) أي: (قاض على الوضع) لأن وضع الألفاظ لحاجة الناس، وهم لا يفهمون المعنى الموضوع؛ بل يفهمون المجاز، فصار بمنزلة الحقيقة العرفية.
قوله: (واجتماعهما) أي: اجتماع الوكيلين على القبض (ممكن) فإنهما يصيران قابضين بالتحلية (على ما مر) أي: في فصل الوكيلين.
قوله: (والوكيل بقبض الدين [يكون] (٣) وكيلا بالخصومة عند أبي حنيفة)
стр. 5486
اسْتِيفَاءُ المُوَكِّلِ أَوْ إِبْرَائِهِ تُقْبَلُ عِنْدَهُ، وَقَالَا: لَا يَكُونُ خَصْمًا وَهُوَ رِوَايَةُ الحَسَنِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ (*)، لِأَنَّ القَبْضَ غَيْرُ الخُصُومَةِ، وَلَيْسَ كُلُّ مَنْ يُؤْتَمَنُ عَلَى المَالِ يَهْتَدِي
وبه قال الشافعي في قول، وأحمد في رواية. وقال الشافعي في الأصح، وأحمد في ظاهر الرواية: لا يملك، وهو رواية الحسن عن أبي حنيفة، وهذا الخلاف في الوكيل بقبض الدين، أما الوكيل بقبض العين لا يملك الخصومة باتفاق أصحابنا، وللشافعي وأحمد فيه وجهان كما في قبض الدين، ويجيء بعد ذلك.
وهذا يرجع إلى أصل، وهو أن التوكيل بقبض الدين توكيل باستيفاء الحق شرعًا عندهما، ولهذا لو قبض أحد الشريكين شيئًا من الدين المشترك كان للآخر أن يشاركه فيه، ومعنى التمليك ساقط في الحكم، وعند أبي حنيفة القبض في الدين يُملك؛ إذ الديون تُقض بأمثالها، فيصير للقبض حكم المبادلة، والتمليك إنشاء تصرف، وحقوق العقد تتعلق بالعاقد، فكان خصمًا فيها.
وإذا ثبت هذا فهما يقولان: التوكيل بقبض الدين توكيل باستيفاء عين حقه حكمًا، ومعنى التمليك ساقط حكمًا، حتى كان له أن يأخذه بلا قضاء ولا رضا، كما في الوديعة والغصب، فلا ينتصب خصمًا، كما في الوكيل بقبض العين.
وأبو حنيفة يقول: التمليك في القبض حقيقة؛ لما أن الديون تقضى بأمثالها لا بأعيانها، ولأن الشرع جعل ذلك طريقا لاستيفاء عين حقه، ولهذا يجبر على الأداء، ولو كان مبادلة محضًا لما أجبر، ولا يملك الأخذ متى ظفر محض حقه، فانتصب خصمًا، كالوكيل بأخذ الشفعة، والرجوع في الهبة، والشراء، والقسمة، والرد بالعيب بأن وكل المشتري رجلًا برد المبيع على البائع بالعيب يكون الوكيل خصمًا في هذه الصور، حتى لو أقام المشتري على وكيل الشفيع بينة أن موكله سلمها يجوز بالاتفاق، وكذا لو أقام الموهوب له البينة أن الواهب الموكل أخذ عوضًا يسمع، وكذا [لو] (١) أقام أحد الشريكين بينة على الوكيل أن موكلك أخذ نصيبه يقبل؛ لأنه خصم، وكذا لو أقام البائع البينة عليه على أن المشتري الموكل رضي بهذا العيب يقبل؛ لأنه خصم.
стр. 5487
فِي الخُصُومَاتِ، فَلَمْ يَكُنْ الرِّضَا بِالقَبْضِ رِضًا بِهَا. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ رَحمة الله: أَنَّهُ وَكَّلَهُ بِالتَّمَلُّكِ، لِأَنَّ الدُّيُونَ تُقْضَى بِأَمْثَالِهَا، إِذْ قَبْضُ الدَّيْنِ نَفْسِهِ لَا يُتَصَوَّرُ، إِلَّا أَنَّهُ جَعَلَ اسْتِيفَاءَ العَيْنِ حَقَّهُ مِنْ وَجْهِ، فَأَشْبَهَ الوَكِيلَ بِأَخْذِ الشَّفْعَةِ وَالرُّجُوعِ فِي الهِبَةِ، وَالوَكِيلُ بِالشِّرَاءِ وَالقِسْمَةِ وَالرَّدِّ بِالعَيْبِ، وَهَذِهِ أَشْبَهُ بِأَخْذِ الشَّفْعَةِ حَتَّى يَكُونَ خَصْمًا قَبْلَ القَبْضِ كَمَا يَكُونُ خَصْمًا قَبْلَ الأَخْذِ هُنَالِكَ. وَالوَكِيلُ بِالشِّرَاءِ لَا يَكُونُ خَصْمًا قَبْلَ مُبَاشَرَةِ الشِّرَاءِ، وَهَذَا لِأَنَّ المُبَادَلَةَ تَقْتَضِي حُقُوفًا وَهُوَ أَصِيلٌ فِيهَا فَيَكُونُ خَصْمًا فِيهَا. قَالَ: (وَالوَكِيلُ بِقَبْضِ العَيْنِ لَا يَكُونُ وَكِيلًا بِالخُصُومَةِ) بِالاتِّفَاقِ، لِأَنَّهُ أَمِينٌ مَحْضُ، وَالقَبْضُ لَيْسَ بِمُبَادَلَةٍ فَأَشْبَهَ الرَّسُولَ (حَتَّى إِنَّ مَنْ وَكَّلَ وَكِيلًا بِقَبْضِ عَبْدٍ لَهُ فَأَقَامَ الَّذِي هُوَ فِي يَدِهِ البَيِّنَةَ أَنَّ المُوَكَّلَ بَاعَهُ إِيَّاهُ وَقَفَ الْأَمْرُ حَتَّى يَحْضُرَ الغَائِبُ) وَهَذَا اسْتِحْسَانُ، وَالقِيَاسُ أَنْ يَدْفَعَ إِلَى الوَكِيلِ، لِأَنَّ البَيِّنَةَ قَامَتْ لِأَعْلَى خَصْمٍ … ...
قوله: (وهذه) أي: مسألة الكتاب (أشبه بأخذ الشفعة) وفي بعض النسخ: (وهذا) أي: التوكيل بقبض الدين أشبه بأخذ الشفعة من المسائل الثلاث الأخر؛ لأن في هذه المسائل ما لم توجد المبادلة لا يصير وكيلا، يعني بعد وجود هذه الأفعال يكون خصمًا، وأما في مسألة الشفعة وقبض الدين يكون خصما قبل القبض.
وقوله: (وهذا) إشارة إلى مطلع نكتة أبي حنيفة بقوله: (أنه وكله بالتملك) يعني كأنه وكله بتملك مثل الدين، وذلك مبادلة، والمأمور بالمعاوضة يكون أصيلا.
وفي جامع قاضي خان ولا يقال: لو كان وكيلا بالمبادلة وجب أن تلحقه العهدة في المقبوض لأنا نقول: إنما لا تلحقه العهدة في المقبوض؛ لأن قبض الدين، وإن كان مبادلة من الوجه الذي ذكرنا، فهو استيفاء حق من وجه؛ لأن من الديون ما لا يجوز الاستبدال به فلشبهه بالمبادلة جعل خصمًا، ولشبهه بأخذ العين لا تلحقه العهدة في المقبوض؛ عملا بهما، هذا إذا ادعى الإيفاء، وإن ادعى الإبراء فكذلك. ذكره شمس الأئمة.
قوله: (حتى يحضر الغائب) أي: الغائب الموكل.
(لأن البينة) أي: بينة صاحب اليد (قامت لأعلى خصم) إذ الوكيل بقبض
стр. 5488
فَلَمْ تُعْتَبَرْ. وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ: أَنَّهُ خَصْمٌ فِي قَصْرِ يَدِهِ لِقِيَامِهِ مَقَامَ المُوَكِّلِ فِي القَبْضِ، فَتَقْصُرُ يَدُهُ، حَتَّى لَوْ حَضَرَ البَائِعُ تُعَادُ البَيِّنَةُ عَلَى البَيْعِ، فَصَارَ كَمَا إِذَا أَقَامَ البَيِّنَةَ عَلَى أَنَّ المُوَكَّلَ عَزَلَهُ عَنْ ذَلِكَ فَإِنَّهَا تُقْبَلُ فِي قَصْرِ يَدِهِ كَذَا هنا. قَالَ: (وَكَذَلِكَ العِتَاقُ وَالطَّلَاقُ وَغَيْرُ ذَلِكَ) وَمَعْنَاهُ: إِذَا أَقَامَتْ المَرْأَةُ البَيِّنَةَ عَلَى الطَّلَاقِ، وَالعَبْدُ وَالأَمَةُ عَلَى العِتَاقِ عَلَى الوَكِيلِ بِنَقْلِهِمْ تُقْبَلُ فِي قَصْرِ يَدِهِ حَتَّى يَحْضُرَ الغَائِبُ اسْتِحْسَانًا دُونَ العِتْقِ وَالطَّلَاقِ.
قَالَ: (وَإِذَا أَقَرَّ الوَكِيلُ بِالخُصُومَةِ عَلَى مُوَكِّلِهِ عِنْدَ القَاضِي جَازَ إِقْرَارُهُ عَلَيْهِ، وَلَا يَجُوزُ عِنْدَ غَيْرِ القَاضِي) عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ اسْتِحْسَانًا، إِلَّا أَنَّهُ يَخْرُجُ عَنْ الوِكَالَةِ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: يَجُوزُ إِقْرَارُهُ عَلَيْهِ وَإِنْ أَقَرَّ فِي غَيْرِ مَجْلِسِ القَضَاءِ (*).
الوديعة ليس بخصم (فلم تعتبر) أي: بينة ذي اليد في قطع يد الوكيل بالقبض.
(وجه الاستحسان أنه) أي: الوكيل بقبض الوديعة (خصم في قصر يده) أي: يد نفسه، أي: قصر يد الوكيل (فتقصر يده) أي: يد الوكيل.
قوله: (تعاد البينة على البيع) والعتاق والطلاق؛ لأن البينة قامت على شيئين: على البيع والعتق والطلاق، وعلى قصر يد الوكيل، ففي حق زوال الملك على الموكل قامت البينة لا على خصم، وفي حق قصر يد الوكيل قامت على خصم، فتقبل في حق قصر يده لا في حق إزالة ملك الموكل.
قوله: (وعن ذلك) كما إذا ادعى صاحب اليد الارتهان من الموكل، وأقام بينة على ذلك البينة تقبل في حق قصر يده لا في ثبوت الارتهان في حق الموكل.
قوله: (وإذا أقر الوكيل بالخصومة على موكله)، أطلق الإقرار والموكل ليتناول اسم الموكل المدعي والمدعى عليه؛ لأن جواز الإقرار على الموكل لا يتفاوت بين أن يكون بين موكله مدعيًا أو مدعى عليه، سوى أن معنى الإقرار يختلف بحسب اختلاف الموكل، فإقرار وكيل المدعي هو أن يقر بقبض الموكل المال، وإقرار وكيل المدعى عليه هو أن يقر بوجوب المال على موكله.
قوله: (إلا أنه يخرج عن الوكالة) على رواية الأصول؛ لأنه زعم أنه مبطل في دعواه، فلا يدفع المال إليه ولو أقام بينة.
стр. 5489
وَقَالَ زُفَرُ وَالشَّافِعِيُّ رَحِمَهُمَا اللَّهُ: لَا يَجُوزُ فِي الوَجْهَيْنِ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ ﵀ أَوَّلًا، وَهُوَ القِيَاسُ، لِأَنَّهُ مَأمُورٌ بِالخُصُومَةِ وَهِيَ مُنَازَعَةٌ وَالْإِقْرَارُ يُضَادُّهُ، لِأَنَّهُ مُسَالَمَةٌ، وَالأَمْرُ بِالشَّيْءِ لَا يَتَنَاوَلُ ضِدَّهُ، وَلِهَذَا لَا يَمْلِكُ الصُّلْحَ وَالْإِبْرَاءَ، وَيَصِحُ إِذَا اسْتَثْنَى الإِقْرَارَ، وَكَذَا لَوْ وَكَّلَهُ بِالجَوَابِ مُطْلَقًا، يَتَقَيَّدُ بِجَوَابِ هُوَ خُصُومَةٌ لِجَرَيَانِ العَادَةِ بِذَلِكَ وَلِهَذَا يَخْتَارُ فِيهَا الْأَهْدَى فَالْأَهْدَى.
وذكر في الجامع: لا يقضى بدفع المال؛ لزعمه بانتفاء حقه في الأخذ.
قوله: (وقال زفر والشافعي: لا يجوز في الوجهين) في مجلس القاضي وغيره، وبه قال مالك وأحمد وابن أبي ليلى.
(وهو القياس) أي: قول زفر والشافعي القياس؛ لأن الإقرار ضد ما أمر به، فإنه مأمور بالخصومة، وهي اسم لكلام يجري بين اثنين على سبيل المنازعة والمشاجرة، والإقرار اسم لكلام يجرى على سبيل المسالمة والموافقة، فكان ضد ما أمر به، والتوكيل بالشيء لا يتناول ضده، ولهذا لا يملك التوكيل بالخصومة الهبة والبيع والإبراء والصلح، أي: لوجود المضادة بين الخصومة، وهذه الأفعال لا يَمْلِكُ هذه الأفعال.
وقوله: (ويصح إذا استثنى الإقرار) جواب سؤال يرد على قولهم؛ لأن التوكيل بالخصومة إذا لم يتناول الإقرار كيف يصح استثناؤه؟ فقال: إذا صح استثناء الإقرار مع صحة التوكيل علم أن حقيقة الخصومة غير مهجورة؛ إذ لو كانت مهجورة لما صح استثناء الإقرار، كما لو وكله بالخصومة واستثنى الإنكار فإنه لا يصح؛ لأنه يلزم استثناء الكل من الكل، وكذا إذا استثنى الإقرار؛ لأن الجواب إما بالإقرار أو الإنكار لا كلاهما (١) بالاتفاق، فإذا صح استثناء الإقرار علم أن التوكيل بالخصومة ليس بمجاز لمطلق الجواب. [إليه] (٢) أشار في الطريقة البرغرية.
قوله: (وكذا لو وكله بالجواب) هذه مسألة مبتدأة خلافية ليس إيرادها على
стр. 5490
وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ: أَنَّ التَّوْكِيلَ صَحِيحٌ قَطْعًا، وَصِحَّتُهُ بِتَنَاوُلِهِ مَا يَمْلِكُهُ قَطْعًا، وَذَلِكَ مُطْلَقُ الجَوَابِ دُونَ أَحَدِهِمَا عَيْنًا.
وَطَرِيقُ المَجَازِ مَوْجُودٌ عَلَى مَا نُبَيِّنُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، فَيُصْرَفُ إِلَيْهِ تَحَرِّيًا لِلصِّحَّةِ قَطْعًا؛ وَلَوْ اسْتَثْنَى الإِقْرَارَ، فَعَنْ أَبِي يُوسُفَ ﵀: أَنَّهُ لَا يَصِحُ، لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُهُ …
وجه الاستشهاد يعني لو وكله بالجواب مطلقًا فهو على هذا الخلاف أيضًا، فعندهم يتقيد بجواب هو خصومة؛ إذ العادة جرت في التوكيل بذلك، ولهذا يختار الأهدى فالأهدى، والوكالة تتقيد بدلالة العرف.
قوله: (أن التوكيل صحيح قطعًا) أي: ثابت من كل وجه بلا شبهة، بالإجماع.
قوله: (لا أحدهما عينًا) وهو الإنكار، فإنه إذا عرف أن المدعي محق لا يملك الإنكار شرعًا، وتوكيله بما لا يملك لا يجوز شرعًا، والديانة تمنعه من ذلك، فحملنا على المجاز، وهو الجواب مطلقًا تحريًا لصحته قطعًا (وطريق المجاز موجود).
(ولو استثنى الإقرار).
في المبسوط (١): استثناء الإقرار ظاهر الرواية، وعن أبي يوسف لا يصح؛ لأن من أصله أن صحة الإقرار باعتبار قيامه مقام الوكيل لا لأنه من الخصومة، فيصير ثابتًا بالوكالة حكمًا لها، فلا يصح استثناؤه، كما لو وكله بالبيع على ألا يقبض الثمن، أو لا يسلم المبيع كان الاستثناء باطلا، فكذا هنا.
وجه ظاهر الرواية: أن صحة إقرار الوكيل باعتبار ترك الحقيقة إلى المجاز باعتبار الشرع؛ إذ الخصومة مهجورة شرعًا، فيصار إلى المجاز، وهو الجواب، وبهذا الاستثناء تبين أن مراده حقيقة الخصومة لا الجواب الذي هو مجاز؛ لأن للتنصيص زيادة دلالة على أنه مالك للإنكار، فلا عبرة لدلالة الحال عند التصريح بخلافه.
قوله: (لأنه) أي: الموكل (لا يملكه) أي: لا يملك الإنكار عينا شرعًا؛
стр. 5491
وَعَنْ مُحَمَّدٍ ﵀: أَنَّهُ يَصِحُ، لِأَنَّ لِلتَّنْصِيصِ زِيَادَةَ دَلَالَةٍ عَلَى مِلْكِهِ إِيَّاهُ؛ وَعِنْدَ الإِطْلَاقِ يُحْمَلُ عَلَى الأَوْلَى وَعَنْهُ: أَنَّهُ فَصَلَ بَيْنَ الطَّالِبِ وَالمَطْلُوبِ، وَلَمْ يُصَدِّحْهُ في الثَّانِي لِكَوْنِهِ مَجْبُورًا عَلَيْهِ، وَيُخَيَّرُ الطَّالِبُ فِيهِ؛ فَبَعْدَ ذَلِكَ يَقُولُ أَبُو يُوسُفَ ﵀: إنَّ الوَكِيلَ قَائِمٌ مَقَامَ المُوَكِّلِ، وَإِقْرَارُهُ لَا يَخْتَصُّ بِمَجْلِسِ القَضَاءِ فَكَذَا إِقْرَارُ نَائِبِهِ. وَهُمَا يَقُولَانِ: إِنَّ التَّوْكِيلَ يَتَنَاوَلُ جَوَابًا يُسَمَّى خُصُومَةٌ حَقِيقَةً أَوْ مَجَازًا، وَالإِقْرَارُ
لأنه لا يعلم أن الإنكار حقه عينًا، وإنما يصير الإنكار حقه عينًا إذا علم أن المدعي مبطل في دعواه، فتعذر تصحيح الوكالة بالإنكار عينًا.
قوله: (وعن محمد أنه) أي: استثناء الإقرار (يصح) لما ذكرنا (أن للتنصيص زيادة دلالة على ملكه) أي: ملك الموكل (إياه) للإنكار.
(عنه) أي: عن محمد (أنه فصل) إلى آخره.
في التتمة: عن محمد أنه يصح ان استثناء الإقرار من الطالب؛ لأنه مخير، فلا يصح من المطلوب؛ لأنه مجبور عليه، يعني المدعي لما كان مخيرًا بين الإقرار والإنكار أفاد الاستثناء فائدته في حقه، أما من المطلوب لا يصح استثناء الإقرار؛ لأنه لا يفيد ذلك؛ لأن المدعي لما صحح دعواه، فالمطلوب مضطر ومجبور على الإقرار لعرض اليمين عليه، فيكون مجبورًا عليه، وكذا وكيله، إلا أن الوكيل عند توجه اليمين يحيل اليمين على موكله؛ لأن النيابة لا تجري في الأيمان، فلا يفيد استثناء الإقرار فائدته.
قوله: (وإقراره) أي: إقرار الموكل (لا يختص بمجلس القضاء) لأنه موجب بنفسه، وإنما يختص بمجلس القضاء ما لا يكون موجبًا إلا بانضمام القضاء.
قوله: (إن التوكيل يتناول جوابًا) إلى آخره؛ لأن التوكيل أمر بما هو مالك له، والذي ملكه في معاملة الخصومة هو الجواب لا الإنكار فحسب، فإنه لا يملكه إذا عرفه محقا في دعواه؛ بل يملك الإقرار حينئذ، فثبت أن ملكه قطعا مطلق الجواب لا الجواب مقيدًا، فعلم أنه وكله بجواب (يسمى خصومة حقيقة) كالإنكار (أو مجازًا) كالإقرار في مجلس القضاء، وسُمي الإقرار في مجلس
стр. 5492
فِي مَجْلِسِ القَضَاءِ خُصُومَةٌ مَجَازًا، إِمَّا لِأَنَّهُ خَرَجَ فِي مُقَابَلَةِ الخُصُومَةِ، أَوْ لِأَنَّهُ سَبَبٌ لَهُ، لِأَنَّ الظَّاهِرَ إِثْيَانُهُ بِالمُسْتَحَقِّ وَهُوَ الجَوَابُ فِي مَجْلِسِ القَضَاءِ فَيَخْتَصُّ بِهِ، لَكِنْ إِذَا أُقِيمَتْ البَيِّنَةُ عَلَى إِقْرَارِهِ فِي غَيْرِ مَجْلِسِ القَضَاءِ يَخْرُجُ مِنْ الوِكَالَةِ حَتَّى لَا يُؤْمَرَ بِدَفْعِ المَالِ إِلَيْهِ، لِأَنَّهُ صَارَ مُنَاقِضًا وَصَارَ كَالأَبِ أَوْ الوَصِيِّ إِذَا أَقَرَّ فِي مَجْلِسِ القَضَاءِ لَا يَصِحُ وَلَا يَدْفَعُ المَالَ إِلَيْهِمَا.
القضاء خصومة، كما سمي جزاء العدوان جزاء كما في قوله تعالى: ﴿فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٥]، وجزاء السيئة سيئة في قوله: ﴿وَجَزَاؤُا سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ [الشورى: ٤٠] لخروجه في مقابله السيئة.
(أو لأنه) أي: الخصومة، على تأويل التخاصم، وفي بعض النسخ: (أو لأنها).
(سبب له) أي: للإقرار؛ إذ الخصومة سبب الجواب، والجواب سبب الإقرار؛ لأن الجواب تارةً يكون (بلا) وتارةً (بِنَعَمْ) فكانت الخصومة سببًا للإقرار بالواسطة، وإطلاق اسم السبب على المسبب مجازًا، ولأن مجلس القضاء مجلس الخصومة، فما يجرى فيه يسمى خصومة مجازًا، بخلاف الإقرار في غير مجلس القضاء؛ لأنه لا يسمى خصومة لا حقيقة ولا مجازا، وتملكه الإقرار باعتبار دخوله في مطلق الجواب.
قوله: (وصار) أي: الوكيل المقر في غير مجلس القضاء (كالأب أو الوصي المقر في مجلس القضاء) حيث لا يصح إقرارهما، ولا يدفع إليهما؛ لأن ولايتهما باعتبار النظر، وهو في حفظ المال، والإقرار لا يكون حفظًا؛ بل هو إضاعة، فإذا أخذ المال من الغريم لا يدفع إليهما؛ للتناقض، كما لو ادعيا مالًا للصغير على رجل، فأنكر، فصدقه الأب أو الوصي، ثم جاء يدعي المال لا يدفع المال إليهما؛ لأنهما خرجا من الولاية والوصاية، فكذا الوكيل.
وحاصل مسألة التوكيل بالخصومة على خمسة أوجه:
أحدها: أن يوكل مطلقًا بلا تعرض لإقرار، ويصير وكيلا بالإنكار بالإجماع، وبالإقرار عندنا، خلافًا لزفر والشافعي.
стр. 5493
قَالَ: (وَمَنْ كَفَلَ بِمَالٍ عَنْ رَجُلٍ، فَوَكَّلَهُ صَاحِبُ المَالِ بِقَبْضِهِ عَنْ الغَرِيمِ، لَمْ يَكُنْ وَكِيلًا فِي ذَلِكَ أَبَدًا) لِأَنَّ الوَكِيلَ مَنْ يَعْمَلُ لِغَيْرِهِ، وَلَوْ صَحَحْنَاهَا صَارَ عَامِلًا لِنَفْسِهِ فِي إِبْرَاءِ ذِمَّتِهِ فَانْعَدَمَ الرُّكْنُ،
وثانيها: أن يوكل بها غير جائز الإقرار، ففيه يصير وكيلا بالإنكار، وعن أبي يوسف: لا يصح هذا الاستثناء.
وثالثها: أن يوكل بها غير جائز الإنكار، ففيه يصير وكيلا بالإقرار، ويصح الاستثناء في ظاهر الرواية، وعن أبي يوسف: لا يصح استثناء الإنكار.
ورابعها: أن يوكل بها جائز الإقرار عليه، ففيه يصير وكيلا بالإنكار، والإنكار والإقرار عندنا خلافًا للشافعي، فعلم منه أن التوكيل بالإقرار صحيح عندنا، وبه قال مالك وأحمد والشافعي في الأظهر، وعنه في وجه: لا يصح.
وخامسها: أن يوكل بها غير جائز الإنكار وغير جائز الإقرار؛ اختلف المتأخرون فيه:
قيل: لا يصح هذا التوكيل؛ لأنه إذا استثناهما لم يفوض إليه شيء، وعن القاضي صاعد النيسابوري: يصح التوكيل، ويصير وكيلا بالسكوت في مجلس القضاء حتى تُسمع البينة عليه، وإنما يصح التوكيل بهذا القدر؛ لأن ما هو مقصود الطالب وهو الوصول إلى حقه بواسطة إقامة البينة - يحصل به.
الكل من الذخيرة.
قوله: (فانعدم الركن) أي: ركن الوكالة، وهو العمل لغيره، فانعدم عقد الوكالة بانعدام ركنه.
فإن قيل: يشكل بما ذكره في الجامع أن رب الدين لو وكل المديون بإبراء نفسه عن الدين يصح، والمديون في إبراء نفسه عامل لنفسه.
قلنا: ذكر شيخ الإسلام: لا تصح هذه الوكالة، فتمنع أولا، ولئن سلم فإنما يصح؛ لأن الإبراء تمليك، ولهذا يرتد بالرد، كما في قوله: طلقي نفسك، فلا يرد بقضاء؛ لأن كلامنا في الوكالة لا في التمليك.
فإن قيل: ينبغي أن تصح وكالة الكفيل؛ لأنه عامل لرب الدين قصدًا،
стр. 5494
وَلِأَنَّ قَبُولَ قَوْلِهِ مُلَازِمٌ لِلْوِكَالَةِ لِكَوْنِهِ أَمِينًا، وَلَوْ صَحَّحْنَاهَا لَا يُقْبَلُ لِكَوْنِهِ مُبَرِّنَا نَفْسَهُ فَيَنْعَدِمُ بِانْعِدَامِ لَازِمِهِ، وَهُوَ نَظِيرُ عَبْدٍ مَدْيُونٍ أَعْتَقَهُ مَوْلَاهُ حَتَّى ضَمِنَ قِيمَتَهُ لِلْغُرَمَاءِ وَيُطَالَبُ العَبْدُ بِجَمِيعِ الدَّيْنِ، فَلَوْ وَكَّلَهُ الطَّالِبُ بِقَبْضِ المَالِ عَنْ الْعَبْدِ كَانَ بَاطِلًا لِمَا بَيَّنَّاهُ. قَالَ: (وَمَنْ ادَّعَى أَنَّهُ وَكِيلُ الغَائِبِ فِي قَبْضِ دَيْنِهِ، فَصَدَّقَهُ الغَرِيمُ، أُمِرَ بِتَسْلِيمِ الدَّيْنِ إِلَيْهِ لِأَنَّهُ إِقْرَارٌ عَلَى نَفْسِهِ، لِأَنَّ مَا يَقْضِيهِ خَالِصُ مَالِهِ … ... … ... … ..
وعمله لنفسه يقع ضمنًا، والاعتبار للمتضمّن الذي هو الأصل لا للمتضمن.
قلنا: لا نسلم، بل عمل الإنسان لنفسه أصل؛ إذ الأصل أن يقع تصرف كل عامل لنفسه لا لغيره.
فإن قيل: لما استويا في جهة الأصالة ينبغي أن تبطل الكفالة بالوكالة، كما تبطل الوكالة بالكفالة، فإنه ذكر في جامع المحبوبي والوكيل بقبض الدين لو ضمن المال للموكل يصح وتبطل الوكالة، فكذا ينبغي أن تبطل الكفالة بالوكالة المتأخرة.
قلنا: الكفالة تصلح مبطلة للوكالة وناسخة لها لا على العكس؛ لأن الشيء يكون منسوخًا مما هو مثله أو فوقه لا بما هو دونه، فتبطل الوكالة بالكفالة؛ لأنها فوقها، أما لا تبطل الكفالة بالوكالة؛ لأن الوكالة دون [الكفالة] (١).
(ولأن قبول قوله) أي: قول الوكيل (ملازم).
(فينعدم) أي: التوكيل (بانعدام لازمه) وهو قبول قول الوكيل.
قوله: (ضمن قيمته) أي: قيمة العبد (للغرماء) سواء كان معسرا أو موسرًا (فلو وكله الطالب) أي: وكل الطالب المولى.
(لما بيناه) وهو قوله: (والوكيل من يعمل لغيره) إلى آخره.
قوله: (أمر بتسليم الدين) وفي بعض النسخ: (تسليم المال) أي: الدين، وبه قال المزني، وقال الشافعي ومالك وأحمد: لم يؤمر بالتسليم بالتصدق لا في الدين ولا في الوديعة إلا أن يقيم الوكيل بينة على وكالته، فحينئذ يؤمر بالتسليم في الدين والوديعة، وعندنا: في الوديعة لم يؤمر بالتسليم بالتصدق.
واحتج الشافعي: بأنه تسليم لا تبرئة عن الدين، فلا يؤمر به، كما لو كان
стр. 5495
(فَإِنْ حَضَرَ الغَائِبُ فَصَدَّقَهُ، وَإِلَّا دَفَعَ إِلَيْهِ الغَرِيمُ الدَّيْنَ ثَانِيًا) لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ الاسْتِيفَاءُ حَيْثُ أَنْكَرَ الوِكَالَةَ، وَالقَوْلُ فِي ذَلِكَ
الحق عينًا، وكما لو أقر بأن هذا وصي الصغير، بخلاف ما لو أقر أنه وارثه، حيث يؤمر بالتسليم؛ لأنه يتضمن إبراءه، فإنه أقر بأنه لا حق لسواه.
وقلنا: أقر على نفسه بأن له حق الاستيفاء؛ لأن ما يقتضيه خالص مال الغريم؛ لأن الديون تقضى بأمثالها لا بأعيانها، فكان ما أداه المديون خالص ماله، وكان تصديقه إقرارًا على نفسه بأداء المال، فيجبر على الأداء.
وفي الذخيرة: في المسألة نوع إشكال، وهو أن التوكيل بقبض الدين توكيل بالاستقراض معنى؛ لأن المديون يقضي مثل الدين، فما قبضه رب الدين منه يصير مضمونًا عليه، وله على المديون مثل ذلك، فيلتقيان قصاصا، وقد ذكرنا أن التوكيل بالاستقراض باطل.
وجوابه: أن التوكيل بقبض الدين رسالة بالاستقراض من حيث المعنى، وليس بتوكيل بالاستقراض؛ لأنه لا بد للوكيل بقبض الدين من إضافة القبض إلى موكله بأن يقول: فلان وكلني بقبض دينه، كما لا بد للرسول في الاستقراض من الإضافة إلى المرسل بأن يقول: أرسلني ويقول: أقرضني كذا، بخلاف الوكيل بالاستقراض فإنه يضيف إلى نفسه ويقول: أقرضني.
قوله: (فإن حضر الغائب) أي: رب الدين (فصدقه) أي: صدق الوكيل، كان ما دفع إليه قضاء لدينه (وإلا) أي: وإن لم يصدقه (دفع إليه) أي: دفع الدين (إليه) إلى رب الدين (ثانيًا) وبه قال الشافعي في الأصح، وأحمد ومالك، وقال الشافعي في وجه: له الرجوع على القابض.
(والقول في ذلك) أي: في الإنكار الوكالة (قوله) (١) أي: قول رب الدين (مع يمينه) (٢) لأن الدين كان ثابتًا، والمديون يدعي عارضًا، وهو سقوط الدين بأدائه إلى الوكيل، ورب الدين ينكر الوكالة، فكان منكرًا للعارض، فكان القول له، وبه قالت الأئمة الثلاثة.
стр. 5496
قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ فَيَفْسُدُ الأَدَاءُ (وَيَرْجِعُ بِهِ عَلَى الوَكِيلِ إِنْ كَانَ بَاقِيًا فِي يَدِهِ) لِأَنَّ غَرَضَهُ مِنْ الدَّفْعِ بَرَاءَةُ ذِمَّتِهِ وَلَمْ تَحْصُلْ، فَلَهُ أَنْ يَنْقُضَ قَبْضُهُ (وَإِنْ كَانَ ضَاعَ فِي يَدِهِ لَمْ يَرْجِعْ عَلَيْهِ) لِأَنَّهُ بِتَصْدِيقِهِ اعْتَرَفَ أَنَّهُ مُحِقٌ فِي القَبْضِ وَهُوَ مَظْلُومٌ فِي هَذَا الْأَخْذِ، وَالمَظْلُومُ لَا يَظْلِمُ غَيْرَهُ.
قوله: (لم يرجع عليه) أي: لم يرجع المديون على الوكيل (لأنه) أي: المديون (بتصديقه) أي: بتصديق الوكيل.
(وهو) أي: المديون (مظلوم) يعني إنكار رب الدين الوكالة ظلم عليه، وكذلك طلب الدين ثانيًا في هذا الأخذ أي: أخذ رب الدين ثانيا (والمظلوم) أي: المديون لا يظلم غيره فلا يأخذ من الوكيل بعد الهلاك؛ لأن الوكيل في زعمه محق في قبض الدين عنه، وبعدما هلك المدفوع الأخذُ منه ظلم.
وفي الذخيرة والمبسوط (١): المسألة على أوجه: إما أن يصدق الغريم وكالته أو لا، فإن صدقه، ولم يدفع المال أجبر على الأداء، خلافًا لابن أبي ليلى والشافعي وأحمد؛ لأنه لم يثبت كونه وكيلا عند القاضي، وولاية الإجبار بعد ثبوت وكالته عند القاضي.
وقلنا: ثبت ذلك عند القاضي بتصديق المطلوب؛ لأنه خبر لا مكذب، وكل خبر محمول على الصدق عند القاضي إذا لم يأتِ معارض له، وإن أنكر وكالته وأراد الوكيل استحلافه بعد وكالته استحلفه؛ فإن حلف برئ، وإن نكل قضى عليه بالمال للوكيل؛ لأن نكوله كإقراره، ولم يصدق على الطالب، كما لو أقر.
وذكر الخصاف: لا يحلف المطلوب على الوكالة عند أبي حنيفة، وعندهما يحلف على العلم؛ لأنه ادعى عليه ما لو أقر به لزمه، فإذا أنكر يحلف لكن على العلم؛ لأن التوكيل فعل الغير.
ولأبي حنيفة: أن الاستحلاف ينبني على صحة الدعوى، ودعواه هاهنا لا تصح؛ لأنه لم يثبت كونه نائبًا عن الأمر، أما لو أقر الغريم بالوكالة وأنكر
стр. 5497
قَالَ: (إِلَّا أَنْ يَكُونَ ضَمِنَهُ عِنْدَ الدَّفْعِ) لِأَنَّ المَأْخُوذَ ثَانِيًا مَضْمُونٌ عَلَيْهِ فِي زَعْمِهِمَا، وَهَذِهِ كَفَالَةٌ أُضِيفَتْ إِلَى حَالَةِ القَبْضِ، فَتَصِحٌ بِمَنْزِلَةِ الكَفَالَةِ بِمَا ذَابَ لَهُ عَلَى فُلَانٍ، وَلَوْ كَانَ الغَرِيمُ، لَمْ يُصَدِّقْهُ عَلَى الوِكَالَةِ وَدَفَعَهُ إِلَيْهِ عَلَى ادْعَائِهِ، فَإِنْ رَجَعَ صَاحِبُ المَالِ عَلَى الغَرِيمِ رَجَعَ الغَرِيمُ عَلَى الوَكِيلِ، لِأَنَّهُ لَمْ يُصَدِّقُهُ عَلَى الوِكَالَةِ، وَإِنَّمَا دَفَعَهُ إِلَيْهِ عَلَى رَجَاءِ الإِجَازَةِ، فَإِذَا انْقَطَعَ رَجَؤُهُ رَجَعَ عَلَيْهِ، وَكَذَا إِذَا دَفَعَهُ إِلَيْهِ عَلَى تَكْذِيبِهِ إِيَّاهُ فِي الوِكَالَةِ. وَهَذَا أَظْهَرُ.
الدين، فعند أبي حنيفة يستحلف المطلوب، وعندهما لا يستحلف؛ لأن الوكيل بقبض الدين يملك الخصومة عنده، وقد تثبت الوكالة بإقراره.
قوله: (إلا أن يكون ضمنه عند الدفع)، ويجوز التخفيف والتشديد في (يضمنه)، وهو أن يقول: أصدقك في الوكالة، ولكن لا آمن أن يجحد الطالب إذا حضر، فاضمن لي ما يقبضه الطالب مني ثانيًا، وهذا ضمان صحيح؛ لأنه مضاف إلى سبب الوجوب، فإن الطالب في حقهما غاصب فيما يقبضه ثانيًا، وكأنه قال: أنا ضامن لك ما يقبضه فلان منك بغير حق، وإليه أشار صاحب الكتاب بقوله: (لأن المأخوذ ثانيًا مضمون عليه أي: على رب الدين.
في زعمهما) أي: زعم الوكيل والغريم (وهذه كفالة أضيفت إلى حالة القبض) أي: قبض رب الدين ثانيا كما ذكرنا.
قوله: (بما ذاب) أي: سيجب، وهذا ماض أريد به المستقبل، وقد مر في الكفالة وجه التشبيه ظاهر.
قوله: (لم يصدقه على الوكالة) ولم يكذبه أيضًا، بل سكت.
قوله: (وهذا أظهر) أي: الدفع مع تكذيبه في الوكالة أظهر في حق جواز الرجوع على الوكيل بالنسبة إلى الصورتين الأوليين؛ لأنه لما رجع في الصورتين الأوليين، مع أنه لم يكذبه فيهما، فَلَأَنْ يرجع عليه في صورة التكذيب لأن الوكيل في حقه بمنزلة الغاصب؛ لأن الوكيل قبض منه بشرط أن يستفيد المديون البراءة، فإذا لم يستفد لم يكن المديون راضيًا بقبضه؛ بل هو في حقه كالغاصب. ذكره في المبسوط (١).
стр. 5498
لِمَا قُلْنَا، وَفِي الوُجُوهِ كُلِّهَا لَيْسَ لَهُ أَنْ يَسْتَرِدَّ المَدْفُوعَ حَتَّى يَحْضُرَ الغَائِبُ، لِأَنَّ المُؤَدَّى صَارَ حَقًّا لِلْغَائِبِ، إِمَّا ظَاهِرًا أَوْ مُحْتَمَلًا، فَصَارَ كَمَا إِذَا دَفَعَهُ إِلَى فُضُولِيٍّ عَلَى رَجَاءِ الإِجَازَةِ لَمْ يَمْلِكُ الاِسْتِرْدَادَ، لِاحْتِمَالِ الإِجَازَةِ، وَلِأَنَّ مَنْ بَاشَرَ التَّصَرُّفَ لِغَرَضِ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَنْقُضَهُ مَا لَمْ يَقَعُ اليَأْسُ عَنْ غَرَضِهِ.
(وَمَنْ قَالَ: إِنِّي وَكِيلٌ بِقَبْضِ الوَدِيعَةِ فَصَدَّقَهُ المُودِعُ) لَمْ يُؤْمَرُ بِالتَّسْلِيمِ إِلَيْهِ، لِأَنَّهُ أَقَرَّ لَهُ بِمَالِ الغَيْرِ،
وقوله: (لما قلنا) إشارة إلى قوله: (وإنما دفع عليه لرجاء الإجازة) (١).
(وفي الوجوه كلها وهي الوجوه الأربعة دفعه مع التصديق من غير تضمين، ودفعه بالتصديق مع التضمين، ودفعه ساكتا بلا تكذيب ولا تصديق، ودفعه مع التكذيب.
قوله: (إما ظاهرًا) أي: في حالة التصادق، أو حال ظهور العدالة في الوكيل؛ لأن الوكيل إذا كان عدلا كان صادقًا ظاهرًا أو محتملا) أي: في حالة التكاذب، أو في حالة كون الوكيل فاسقا أو مستورًا؛ لاحتمال الصدق.
قوله: (ليس له أن ينقضه) لأن سعي الإنسان في نقض ما تم من جهته مردود، كما إذا كان الشفيع وكيل المشتري ليس له الشفعة، وإلا كان سعيًا في نقض ما تم من جهته، وهو البيع؛ لأن البيع تم من جهة الشفيع.
وفي الكافي: لو أقام الغريم بينة بعد التسليم إلى رب الدين ما وكله، أو أقر الوكيل بأن رب الدين ما وكله لم تقبل، ولو أراد أن يستحلفه على ذلك لا يحلف عليه؛ لأن كل ذلك ينبني على صحة الدعوى، ولم توجد؛ لكونه ساعيًا في نقض ما تم من جهته.
أما لو أقام بينة أن رب الدين جحد الوكالة، فأخذ مني ثانيًا تقبل؛ لأنه ثبت لنفسه حق الرجوع على الوكيل، بناء على إثبات سبب انقطاع حق الطالب عن المدفوع، وهو قبضه المال، فانتصب الحاضر خصمًا عن الغائب في إثبات السبب فيثبت قبض الموكل فينقض قبض الوكيل ضرورة، وجاز أن يثبت الشيء ضمنا ولا يثبت قصدًا.
(لأنه أقر بمال الغير) أي: أقر له بقبض (٢) مال الغير؛ لتصادقهما على أنه
стр. 5499
بِخِلَافِ الدَّيْنِ. وَلَوْ ادَّعَى أَنَّهُ مَاتَ أَبُوهُ وَتَرَكَ الوَدِيعَةَ مِيرَاثًا لَهُ وَلَا وَارِثَ لَهُ غَيْرُهُ، وَصَدَّقَهُ المُودَعُ: أُمِرَ بِالدَّفْعِ إِلَيْهِ، لِأَنَّهُ لَا يَبْقَى مَالُهُ بَعْدَ مَوْتِهِ، فَقَدْ اتَّفَقَا عَلَى أَنَّهُ مَالُ الوَارِثِ. وَلَوْ ادَّعَى أَنَّهُ اشْتَرَى الوَدِيعَةَ مِنْ صَاحِبِهَا فَصَدَّقَهُ المُودَعُ: لَمْ يُؤْمَرْ بِالدَّفْعِ إِلَيْهِ، لِأَنَّهُ مَا دَامَ حَيَّا كَانَ إِقْرَارًا بِمِلْكِ الغَيْرِ لِأَنَّهُ مِنْ أَهْلِهِ فَلَا يُصَدِّقَانِ فِي دَعْوَى البَيْعِ عَلَيْهِ.
ملك المودع، بخلاف الدين، حيث يؤمر بالدفع؛ لما قلنا أنه إقرار على نفسه؛ لأن الديون تقضى بأمثالها، ثم المودع إذا لم يؤمر بالتسليم وسلم، وأنكر رب الوديعة الوكالة، وحلف وضَمَّن ماله المودع رجع المستودع على القابض إن كان عنده بعينه؛ لأنه ملكه بأداء الضمان، وإن قال: هلك مني، أو دفعته إلى الوكيل؛ فإن المستودع إن دفعه بتصديق الوكالة لم يرجع بشيء، ولو دفعه بالسكوت أو بإنكار الوكالة أو صدقه وضمنه - كان له أن يضمنه؛ لما قلنا. كذا في المبسوط (١).
ولو دفعها في الوجوه كلها لا يملك استرداده؛ لما ذكرنا أنه ساع في نقض ما تم من جهته. ذكره في شرح الجامع.
وفي الفوائد الظهيرية: وإذا لم يؤمر المستودع بالتسليم، ولم يسلم، فضاعت في يده، هل يضمن؟ قيل: لا يضمن وينبغي أن يضمن؛ لأن المنع من وكيل المودع، فكان كالمنع من المودع.
قوله: (لا يَبْقَى ماله) بالنصب.
وفي النهاية: هكذا كان معربًا بإعراب شيخي، أي: لا يبقى مال الوديعة مال المودع (بعد موته) أي منسوبًا ومملوكًا له، فكان انتصابه على تأويل الحال، كما في (كَلَّمْتُهُ فاهُ إلى فِيَّ) أي: مُشافها، ويجوز الرفع.
قوله: (لأنه ما دام حيًّا) أي: لأن المودع ما دام حيًّا، وقد ثبت حياته باتفاقهما، فالوديعة ملكه.
(لأنه) أي: المودع (من أهله) أي: أهل الملك.
стр. 5500
قَالَ: (فَإِنْ وَكَّلَ وَكِيلًا يَقْبِضُ مَالَهُ، فَادَّعَى الغَرِيمُ أَنَّ صَاحِبَ المَالِ قَدْ اسْتَوْفَاهُ، فَإِنَّهُ يَدْفَعُ المَالَ إِلَيْهِ) لِأَنَّ الوِكَالَةَ قَدْ ثَبَتَتْ، وَالِاسْتِيفَاءُ لَمْ يَثْبُتْ بِمُجَرَّدِ دَعْوَاهُ فَلَا يُؤَخَّرُ الحَقُّ. قَالَ: (وَيَتْبَعُ رَبُّ المَالِ فَيَسْتَحْلِفُهُ) رِعَايَةٌ لِجَانِبِهِ، وَلَا يَسْتَحْلِفُ الوَكِيلَ لِأَنَّهُ نَائِبٌ … ... … .. … ... .
قوله: (فإنه) أي: الغريم (يدفع المال) إلى الوكيل.
قوله: (لأن الوكالة تثبت).
فإن قيل: لا نسلم ثبوت الوكالة.
قيل في جوابه: لما ادعى الغريم استيفاء ربّ الدين دينه كان هو معترفًا بأصل الحق، فلما ثبت الدين بإقراره، ولم ينكر الوكالة كان للوكيل ولاية الطلب، فيقضى عليه بالإيفاء، كما لو ادعى استيفاء رب الدين عند دعواه بنفسه كان يقضى عليه بالإيفاء، فكذا عند دعوى وكيله؛ لقيامه مقام الموكل. كذا قيل، وفيه نوع تأمل.
قوله: (ويتبع) أي: الغريم يتبع ربَّ الدين (رعاية لجانبه) أي: جانب الغريم، وهو المديون.
(لأنه) أي: الوكيل (نائب) والنيابة لا تجري في الأيمان.
وفي الإيضاح: لا يحلفه على العلم بأن الطالب استوفاه عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وقال زفر: يحلفه على العلم، فإن أبى أن يحلف خرج عن الوكالة، وكان الطالب على حجته، وبه قال الشافعي إن ادعى علم الوكيل، وإن لم يدع لا يحلف.
ولهما: أنه يدعي حقا على الموكل لا على الوكيل، فلو حلفنا الوكيل لكان التحليف بطريق النيابة، والنيابة لا تجري في الأيمان.
بخلاف الوارث، حيث يحلف على العلم، يعني ما يعلم أن مورثه استوفاه؛ لأن الحق يثبت للوارث، وكان مدعيًا بطلان حقه بفعل وجد من المورث، فكان الحلف بطريق الأصالة لا النيابة، إلا أنه يستحلف على العلم في فعل الغير.