قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ فَيَفْسُدُ الأَدَاءُ (وَيَرْجِعُ بِهِ عَلَى الوَكِيلِ إِنْ كَانَ بَاقِيًا فِي يَدِهِ) لِأَنَّ غَرَضَهُ مِنْ الدَّفْعِ بَرَاءَةُ ذِمَّتِهِ وَلَمْ تَحْصُلْ، فَلَهُ أَنْ يَنْقُضَ قَبْضُهُ (وَإِنْ كَانَ ضَاعَ فِي يَدِهِ لَمْ يَرْجِعْ عَلَيْهِ) لِأَنَّهُ بِتَصْدِيقِهِ اعْتَرَفَ أَنَّهُ مُحِقٌ فِي القَبْضِ وَهُوَ مَظْلُومٌ فِي هَذَا الْأَخْذِ، وَالمَظْلُومُ لَا يَظْلِمُ غَيْرَهُ.
قوله: (لم يرجع عليه) أي: لم يرجع المديون على الوكيل (لأنه) أي: المديون (بتصديقه) أي: بتصديق الوكيل.
(وهو) أي: المديون (مظلوم) يعني إنكار رب الدين الوكالة ظلم عليه، وكذلك طلب الدين ثانيًا في هذا الأخذ أي: أخذ رب الدين ثانيا (والمظلوم) أي: المديون لا يظلم غيره فلا يأخذ من الوكيل بعد الهلاك؛ لأن الوكيل في زعمه محق في قبض الدين عنه، وبعدما هلك المدفوع الأخذُ منه ظلم.
وفي الذخيرة والمبسوط (١): المسألة على أوجه: إما أن يصدق الغريم وكالته أو لا، فإن صدقه، ولم يدفع المال أجبر على الأداء، خلافًا لابن أبي ليلى والشافعي وأحمد؛ لأنه لم يثبت كونه وكيلا عند القاضي، وولاية الإجبار بعد ثبوت وكالته عند القاضي.
وقلنا: ثبت ذلك عند القاضي بتصديق المطلوب؛ لأنه خبر لا مكذب، وكل خبر محمول على الصدق عند القاضي إذا لم يأتِ معارض له، وإن أنكر وكالته وأراد الوكيل استحلافه بعد وكالته استحلفه؛ فإن حلف برئ، وإن نكل قضى عليه بالمال للوكيل؛ لأن نكوله كإقراره، ولم يصدق على الطالب، كما لو أقر.
وذكر الخصاف: لا يحلف المطلوب على الوكالة عند أبي حنيفة، وعندهما يحلف على العلم؛ لأنه ادعى عليه ما لو أقر به لزمه، فإذا أنكر يحلف لكن على العلم؛ لأن التوكيل فعل الغير.
ولأبي حنيفة: أن الاستحلاف ينبني على صحة الدعوى، ودعواه هاهنا لا تصح؛ لأنه لم يثبت كونه نائبًا عن الأمر، أما لو أقر الغريم بالوكالة وأنكر
стр. 5497
قَالَ: (إِلَّا أَنْ يَكُونَ ضَمِنَهُ عِنْدَ الدَّفْعِ) لِأَنَّ المَأْخُوذَ ثَانِيًا مَضْمُونٌ عَلَيْهِ فِي زَعْمِهِمَا، وَهَذِهِ كَفَالَةٌ أُضِيفَتْ إِلَى حَالَةِ القَبْضِ، فَتَصِحٌ بِمَنْزِلَةِ الكَفَالَةِ بِمَا ذَابَ لَهُ عَلَى فُلَانٍ، وَلَوْ كَانَ الغَرِيمُ، لَمْ يُصَدِّقْهُ عَلَى الوِكَالَةِ وَدَفَعَهُ إِلَيْهِ عَلَى ادْعَائِهِ، فَإِنْ رَجَعَ صَاحِبُ المَالِ عَلَى الغَرِيمِ رَجَعَ الغَرِيمُ عَلَى الوَكِيلِ، لِأَنَّهُ لَمْ يُصَدِّقُهُ عَلَى الوِكَالَةِ، وَإِنَّمَا دَفَعَهُ إِلَيْهِ عَلَى رَجَاءِ الإِجَازَةِ، فَإِذَا انْقَطَعَ رَجَؤُهُ رَجَعَ عَلَيْهِ، وَكَذَا إِذَا دَفَعَهُ إِلَيْهِ عَلَى تَكْذِيبِهِ إِيَّاهُ فِي الوِكَالَةِ. وَهَذَا أَظْهَرُ.
الدين، فعند أبي حنيفة يستحلف المطلوب، وعندهما لا يستحلف؛ لأن الوكيل بقبض الدين يملك الخصومة عنده، وقد تثبت الوكالة بإقراره.
قوله: (إلا أن يكون ضمنه عند الدفع)، ويجوز التخفيف والتشديد في (يضمنه)، وهو أن يقول: أصدقك في الوكالة، ولكن لا آمن أن يجحد الطالب إذا حضر، فاضمن لي ما يقبضه الطالب مني ثانيًا، وهذا ضمان صحيح؛ لأنه مضاف إلى سبب الوجوب، فإن الطالب في حقهما غاصب فيما يقبضه ثانيًا، وكأنه قال: أنا ضامن لك ما يقبضه فلان منك بغير حق، وإليه أشار صاحب الكتاب بقوله: (لأن المأخوذ ثانيًا مضمون عليه أي: على رب الدين.
في زعمهما) أي: زعم الوكيل والغريم (وهذه كفالة أضيفت إلى حالة القبض) أي: قبض رب الدين ثانيا كما ذكرنا.
قوله: (بما ذاب) أي: سيجب، وهذا ماض أريد به المستقبل، وقد مر في الكفالة وجه التشبيه ظاهر.
قوله: (لم يصدقه على الوكالة) ولم يكذبه أيضًا، بل سكت.
قوله: (وهذا أظهر) أي: الدفع مع تكذيبه في الوكالة أظهر في حق جواز الرجوع على الوكيل بالنسبة إلى الصورتين الأوليين؛ لأنه لما رجع في الصورتين الأوليين، مع أنه لم يكذبه فيهما، فَلَأَنْ يرجع عليه في صورة التكذيب لأن الوكيل في حقه بمنزلة الغاصب؛ لأن الوكيل قبض منه بشرط أن يستفيد المديون البراءة، فإذا لم يستفد لم يكن المديون راضيًا بقبضه؛ بل هو في حقه كالغاصب. ذكره في المبسوط (١).
стр. 5498
لِمَا قُلْنَا، وَفِي الوُجُوهِ كُلِّهَا لَيْسَ لَهُ أَنْ يَسْتَرِدَّ المَدْفُوعَ حَتَّى يَحْضُرَ الغَائِبُ، لِأَنَّ المُؤَدَّى صَارَ حَقًّا لِلْغَائِبِ، إِمَّا ظَاهِرًا أَوْ مُحْتَمَلًا، فَصَارَ كَمَا إِذَا دَفَعَهُ إِلَى فُضُولِيٍّ عَلَى رَجَاءِ الإِجَازَةِ لَمْ يَمْلِكُ الاِسْتِرْدَادَ، لِاحْتِمَالِ الإِجَازَةِ، وَلِأَنَّ مَنْ بَاشَرَ التَّصَرُّفَ لِغَرَضِ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَنْقُضَهُ مَا لَمْ يَقَعُ اليَأْسُ عَنْ غَرَضِهِ.
(وَمَنْ قَالَ: إِنِّي وَكِيلٌ بِقَبْضِ الوَدِيعَةِ فَصَدَّقَهُ المُودِعُ) لَمْ يُؤْمَرُ بِالتَّسْلِيمِ إِلَيْهِ، لِأَنَّهُ أَقَرَّ لَهُ بِمَالِ الغَيْرِ،
وقوله: (لما قلنا) إشارة إلى قوله: (وإنما دفع عليه لرجاء الإجازة) (١).
(وفي الوجوه كلها وهي الوجوه الأربعة دفعه مع التصديق من غير تضمين، ودفعه بالتصديق مع التضمين، ودفعه ساكتا بلا تكذيب ولا تصديق، ودفعه مع التكذيب.
قوله: (إما ظاهرًا) أي: في حالة التصادق، أو حال ظهور العدالة في الوكيل؛ لأن الوكيل إذا كان عدلا كان صادقًا ظاهرًا أو محتملا) أي: في حالة التكاذب، أو في حالة كون الوكيل فاسقا أو مستورًا؛ لاحتمال الصدق.
قوله: (ليس له أن ينقضه) لأن سعي الإنسان في نقض ما تم من جهته مردود، كما إذا كان الشفيع وكيل المشتري ليس له الشفعة، وإلا كان سعيًا في نقض ما تم من جهته، وهو البيع؛ لأن البيع تم من جهة الشفيع.
وفي الكافي: لو أقام الغريم بينة بعد التسليم إلى رب الدين ما وكله، أو أقر الوكيل بأن رب الدين ما وكله لم تقبل، ولو أراد أن يستحلفه على ذلك لا يحلف عليه؛ لأن كل ذلك ينبني على صحة الدعوى، ولم توجد؛ لكونه ساعيًا في نقض ما تم من جهته.
أما لو أقام بينة أن رب الدين جحد الوكالة، فأخذ مني ثانيًا تقبل؛ لأنه ثبت لنفسه حق الرجوع على الوكيل، بناء على إثبات سبب انقطاع حق الطالب عن المدفوع، وهو قبضه المال، فانتصب الحاضر خصمًا عن الغائب في إثبات السبب فيثبت قبض الموكل فينقض قبض الوكيل ضرورة، وجاز أن يثبت الشيء ضمنا ولا يثبت قصدًا.
(لأنه أقر بمال الغير) أي: أقر له بقبض (٢) مال الغير؛ لتصادقهما على أنه
стр. 5499
بِخِلَافِ الدَّيْنِ. وَلَوْ ادَّعَى أَنَّهُ مَاتَ أَبُوهُ وَتَرَكَ الوَدِيعَةَ مِيرَاثًا لَهُ وَلَا وَارِثَ لَهُ غَيْرُهُ، وَصَدَّقَهُ المُودَعُ: أُمِرَ بِالدَّفْعِ إِلَيْهِ، لِأَنَّهُ لَا يَبْقَى مَالُهُ بَعْدَ مَوْتِهِ، فَقَدْ اتَّفَقَا عَلَى أَنَّهُ مَالُ الوَارِثِ. وَلَوْ ادَّعَى أَنَّهُ اشْتَرَى الوَدِيعَةَ مِنْ صَاحِبِهَا فَصَدَّقَهُ المُودَعُ: لَمْ يُؤْمَرْ بِالدَّفْعِ إِلَيْهِ، لِأَنَّهُ مَا دَامَ حَيَّا كَانَ إِقْرَارًا بِمِلْكِ الغَيْرِ لِأَنَّهُ مِنْ أَهْلِهِ فَلَا يُصَدِّقَانِ فِي دَعْوَى البَيْعِ عَلَيْهِ.
ملك المودع، بخلاف الدين، حيث يؤمر بالدفع؛ لما قلنا أنه إقرار على نفسه؛ لأن الديون تقضى بأمثالها، ثم المودع إذا لم يؤمر بالتسليم وسلم، وأنكر رب الوديعة الوكالة، وحلف وضَمَّن ماله المودع رجع المستودع على القابض إن كان عنده بعينه؛ لأنه ملكه بأداء الضمان، وإن قال: هلك مني، أو دفعته إلى الوكيل؛ فإن المستودع إن دفعه بتصديق الوكالة لم يرجع بشيء، ولو دفعه بالسكوت أو بإنكار الوكالة أو صدقه وضمنه - كان له أن يضمنه؛ لما قلنا. كذا في المبسوط (١).
ولو دفعها في الوجوه كلها لا يملك استرداده؛ لما ذكرنا أنه ساع في نقض ما تم من جهته. ذكره في شرح الجامع.
وفي الفوائد الظهيرية: وإذا لم يؤمر المستودع بالتسليم، ولم يسلم، فضاعت في يده، هل يضمن؟ قيل: لا يضمن وينبغي أن يضمن؛ لأن المنع من وكيل المودع، فكان كالمنع من المودع.
قوله: (لا يَبْقَى ماله) بالنصب.
وفي النهاية: هكذا كان معربًا بإعراب شيخي، أي: لا يبقى مال الوديعة مال المودع (بعد موته) أي منسوبًا ومملوكًا له، فكان انتصابه على تأويل الحال، كما في (كَلَّمْتُهُ فاهُ إلى فِيَّ) أي: مُشافها، ويجوز الرفع.
قوله: (لأنه ما دام حيًّا) أي: لأن المودع ما دام حيًّا، وقد ثبت حياته باتفاقهما، فالوديعة ملكه.
(لأنه) أي: المودع (من أهله) أي: أهل الملك.
стр. 5500
قَالَ: (فَإِنْ وَكَّلَ وَكِيلًا يَقْبِضُ مَالَهُ، فَادَّعَى الغَرِيمُ أَنَّ صَاحِبَ المَالِ قَدْ اسْتَوْفَاهُ، فَإِنَّهُ يَدْفَعُ المَالَ إِلَيْهِ) لِأَنَّ الوِكَالَةَ قَدْ ثَبَتَتْ، وَالِاسْتِيفَاءُ لَمْ يَثْبُتْ بِمُجَرَّدِ دَعْوَاهُ فَلَا يُؤَخَّرُ الحَقُّ. قَالَ: (وَيَتْبَعُ رَبُّ المَالِ فَيَسْتَحْلِفُهُ) رِعَايَةٌ لِجَانِبِهِ، وَلَا يَسْتَحْلِفُ الوَكِيلَ لِأَنَّهُ نَائِبٌ … ... … .. … ... .
قوله: (فإنه) أي: الغريم (يدفع المال) إلى الوكيل.
قوله: (لأن الوكالة تثبت).
فإن قيل: لا نسلم ثبوت الوكالة.
قيل في جوابه: لما ادعى الغريم استيفاء ربّ الدين دينه كان هو معترفًا بأصل الحق، فلما ثبت الدين بإقراره، ولم ينكر الوكالة كان للوكيل ولاية الطلب، فيقضى عليه بالإيفاء، كما لو ادعى استيفاء رب الدين عند دعواه بنفسه كان يقضى عليه بالإيفاء، فكذا عند دعوى وكيله؛ لقيامه مقام الموكل. كذا قيل، وفيه نوع تأمل.
قوله: (ويتبع) أي: الغريم يتبع ربَّ الدين (رعاية لجانبه) أي: جانب الغريم، وهو المديون.
(لأنه) أي: الوكيل (نائب) والنيابة لا تجري في الأيمان.
وفي الإيضاح: لا يحلفه على العلم بأن الطالب استوفاه عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وقال زفر: يحلفه على العلم، فإن أبى أن يحلف خرج عن الوكالة، وكان الطالب على حجته، وبه قال الشافعي إن ادعى علم الوكيل، وإن لم يدع لا يحلف.
ولهما: أنه يدعي حقا على الموكل لا على الوكيل، فلو حلفنا الوكيل لكان التحليف بطريق النيابة، والنيابة لا تجري في الأيمان.
بخلاف الوارث، حيث يحلف على العلم، يعني ما يعلم أن مورثه استوفاه؛ لأن الحق يثبت للوارث، وكان مدعيًا بطلان حقه بفعل وجد من المورث، فكان الحلف بطريق الأصالة لا النيابة، إلا أنه يستحلف على العلم في فعل الغير.
стр. 5501
قَالَ: (وَإِنْ وَكَّلَهُ بِعَيْبٍ فِي جَارِيَةٍ فَادَّعَى البَائِعُ رِضَا المُشْتَرِي: لَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ حَتَّى يَحْلِفَ المُشْتَرِي بِخِلَافِ مَسْأَلَةِ الدَّيْنِ)، لِأَنَّ التَّدَارُكَ مُمْكِنُ هُنَالِكَ بِاسْتِرْدَادِ مَا قَبَضَهُ الوَكِيلُ إِذَا ظَهَرَ الخَطَأُ عِنْدَ نُكُولِهِ، وَهَاهُنَا غَيْرُ مُمْكِن، … ...
قوله: (وكله بعيب في جارية) أي: برد الجارية بسبب العيب.
قوله: (لم يَرُدَّ عليه) أي: على البائع، يعني القاضي لا يقضي بالرد حتى يحضر المشتري ويحلف، وبه قال ابن أبي ليلى، وقال الشافعي وأحمد: لا يلتفت إلى قول البائع، فيرد كما في الدين، ولا يمين على الوكيل إذا لم يدع البائع علمه، أما لو ادعى علمه يحلف على العلم، وبه قال زفر، وعندنا لا يحلف أيضًا.
قوله: (بخلاف مسألة الدين) حيث يؤمر بدفع الدين بدون تحليف الوكيل؛ لأن التدارك ممكن هناك.
وفي المبسوطين: الفرق بين مسألة العيب ومسألة الدين من وجهين:
أحدهما: أن حق الطالب ثابت بيقين؛ إذ ليس في دعوى الاستيفاء والإبراء ما ينافي ثبوت أصل حقه؛ لكنه يدعي الإسقاط بعد تقرر السبب الموجب، فلا يمتنع على الوكيل الاستيفاء ما لم يثبت المسقط، وفي مسألة العيب علم المشتري بالعيب وقت العقد يمنع ثبوت حق الرد أصلا، فالبائع بقوله: (رضا المشتري) يزعم أن حقه في الرد ما يثبت أصلا، فلا بد من أن يحضر الموكل ويحلف ليتمكن من الرد.
والثاني: أن الرد بالعيب بالقضاء فسخ العقد، والعقد إذا انفسخ لا يعود، فلو أثبتنا له حق الرد تضرر به الموكل بانفساخ العقد، أما قضاء الدين فليس فيه فسخ عقد، فإذا حضر الموكل ولم يحلف يسترد ما قبضه الوكيل، وهذا معنى قول المصنف: لأن التدارك ممكن هناك إلى آخره.
قوله: (إذا ظهر الخطأ عند نكوله) أي: نكول الموكل.
وفي جامع قاضي خان: التدارك غير ممكن في مسألة الرد بالعيب؛ لأنه لا يتمكن من إعادة البيع بعد القضاء؛ لأن قضاء القاضي في العقود والفسوخ ينفذ
стр. 5502
لِأَنَّ القَضَاءَ بِالفَسْخِ مَاضٍ عَلَى الصِّحَّةِ وَإِنْ ظَهَرَ الخَطَأُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ كَمَا هُوَ مَذْهَبُهُ، وَلَا يَسْتَحْلِفُ المُشْتَرِيَ عِنْدَهُ بَعْدَ ذَلِكَ، لِأَنَّهُ لَا يُفِيدُ، وَأَمَّا عِنْدَهُمَا قَالُوا: يَجِبُ أَنْ يَتَّحِدَ الجَوَابُ عَلَى هَذَا فِي الفَصْلَيْنِ وَلَا يُؤَخَّرُ (*)، لِأَنَّ التَّدَارُكَ مُمْكِنُ عِنْدَهُمَا لِبُطْلَانِ القَضَاءِ.
ظاهرا وباطنا وإن ظهر بطلان الحجة، ألا ترى أن عند محمد إذا لم ينفذ قضاؤه باطنا في العقود والفسوخ كانت المسألة الثانية والأولى سواء، أي: يرد القاضي فيهما جميعًا، وعند أبي يوسف: لو كان المشتري حاضرًا وأراد الرد بالعيب لا يرده القاضي ما لم يستحلف المشتري بالله بعدم الرضا بهذا العيب وإن كان البائع لم يدع، وإذا كان المشتري غائبًا لا يرد إلا بعد اليمين أيضًا؛ صيانةً للقضاء عن البطلان.
قوله: (لأن القضاء بالفسخ ماض) إلى آخره، في الذخيرة: ولو حضر الموكل بعد رد الجارية بالعيب بدعوى الوكيل، وادعى الرضا بالعيب، وأراد أخذ الجارية، وأبى البائع أن يدفعها، وقال: لا سبيل لك عليها بعد نقض القاضي البيع فالقاضي يرد الجارية على المشتري؛ لأن البائع ادعى رضاه بالعيب وصدقه الأمر، فاستند التصديق إلى وقت الإقرار، وعلم أن القاضي أخطأ في قضائه بالرد فبقيت الجارية على ملك المشتري.
بعض مشايخنا قالوا: هذا على قول محمد، فأما على قول أبي حنيفة: لا سبيل للمشتري على الجارية؛ لنفوذ القضاء ظاهرا وباطنا عنده.
وقال بعضهم: هذا قول الكل، وهو الأصح؛ لأن نقض القاضي البيع لم يكن بناء على دليل موجب للنقض، وإنما كان لجهله بالدليل المسقط للرد، وهو رضا المشتري، ثم ظهر الدليل بخلافه، وفي مثله لا ينفذ القضاء باطنا، كما لو قضى باجتهاد، ثم وُجد نص بخلافه. وهكذا ذكر في المبسوط وشرح الجامع الصغير.
قوله: (ولا يستحلف المشتري عنده) أي: عند أبي حنيفة (بعد ذلك) أي: بعد نكول الموكل (لأنه) أي: الاستحلاف (لا يفيد) يعني متى نفذ قضاء القاضي ظاهرا وباطنا لا يكون للبائع أن يستحلف المشتري إذا حضر على الرضا؛ لأنه
стр. 5503
وَقِيلَ: الأَصَحُ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ ﵀ أَنْ يُؤَخَّرَ فِي الفَصْلَيْنِ، لِأَنَّهُ يَعْتَبِرُ النَّظَرَ حَتَّى يَسْتَحْلِفَ المُشْتَرِي لَوْ كَانَ حَاضِرًا مِنْ غَيْرِ دَعْوَى البَائِعِ فَيَنْتَظِرُ لِلنَّظَرِ.
قَالَ: (وَمَنْ دَفَعَ إِلَى رَجُلٍ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ يُنْفِقُهَا عَلَى أَهْلِهِ فَأَنْفَقَ عَلَيْهِمْ عَشَرَةٌ مِنْ عِنْدِهِ، فَالعَشَرَةُ بِالعَشَرَةِ) لِأَنَّ الوَكِيلَ بِالإِنْفَاقِ وَكِيلٌ بِالشِّرَاءِ وَالحُكْمُ فِيهِ مَا ذَكَرْنَاهُ وَقَدْ قَرَرْنَاهُ فَهَذَا كَذَلِكَ.
لا فائدة في استحلافه؛ لأن فائدته أن ينكل فيظهر أنه كان راضيا بالعيب، وأن حق الفسخ لم يكن ثابتًا للمشتري، وأن القاضي أخطأ في قضائه بالفسخ، ولكن عند ظهور الخطأ في القضاء بالفسخ لا يبطل قضاؤه بالفسخ عنده، حتى قال المشايخ: يجب أن يتحد الجواب في فصل الدين والرد بالعيب، ولا يؤخر القضاء بالرد؛ لأن التدارك ممكن عندهما في هذا كما في مسألة الدين؛ لأن القضاء بالرد لا ينفذ في الباطن عندهما، كالقضاء بالتسليم.
(وقيل: والأصح عند أبي يوسف أن يؤخر في الفصلين) أي: فصل الدين وفصل العيب (لأنه يعتبر النظر) أي: أبو يوسف يعتبر النظر؛ لأن من مذهبه أن القاضي لا يرد المبيع على البائع إذا كان المشتري حاضرًا وأراد الرد، ما لم يستحلفه القاضي بالله: ما رضيت بهذا العيب وإن لم يدع البائع، فإذا كان المشتري غائبًا لا يرد عليه ما لم يستحلف؛ صيانةً لقضائه عن البطلان، ونظرًا للبائع والمديون، فصار عنه روايتان: في رواية مثل قول محمد، وفي رواية: يؤخر فيهما؛ اعتبارا للنظر.
قوله: (فالعشرة بالعشرة) فيكون ما أخذه من الموكل ملكًا للوكيل.
قال التمرتاشي: هذا إذا كانت العشرة المدفوعة قائمة وقت شرائه وكان يضيف العقد إليها، أو كان مطلقًا لكن كان ينوي تلك العشرة، أما إذا كانت العشرة المدفوعة مستهلكة، أو كان يشتري النفقة بعشرة نفسه ويضيف العقد يصير مشتريًا لنفسه، ويكون متبرعًا بالاتفاق؛ لأن الدراهم تتعين في الوكالات، وكذا لو أضاف العقد إلى غيرها.
(والحكم فيه) أي: في الوكيل بالشراء (ما ذكرناه) وهو أن يشتري الوكيل ما وكل به من مال نفسه ثم يرجع به على الموكل.
(وقد قررناه) أي: في باب الوكالة بالبيع والشراء في قوله:
стр. 5504
وَقِيلَ: هَذَا اسْتِحْسَانُ (*)، وَفِي القِيَاسِ: لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ وَيَصِيرُ مُتَبَرِّعًا. وَقِيلَ: القِيَاسُ وَالِاسْتِحْسَانُ فِي قَضَاءِ الدَّيْنِ، لِأَنَّهُ لَيْسَ بِشِرَاءٍ، فَأَمَّا الْإِنْفَاقُ يَتَضَمَّنُ الشَّرَاءَ
(وإذا دفع الوكيل بالشراء الثمن من ماله) إلى آخره.
وإنما قلنا: إنه وكيل بالشراء؛ لأنه محتاج في الإنفاق إلى شراء ما يحتاج إليه في النفقة، فيكون وكيلا بالشراء، وإذا كان وكيلا بالشراء فيحتاج أن ينقد الثمن من دراهم نفسه؛ لأنه لا يمكنه استصحاب دراهم الموكل في الأحوال كلها، وقد يظفر في السوق بشراء شيء يحتاج في النفقة، فيحتاج إلى أن ينقد الدراهم من مال نفسه على سبيل الإقراض، فلم يجعل متبرعًا؛ لأنه خالف أمر الأمر؛ لأن الوكالة تعلقت بالدراهم المدفوعة، بدليل أنها لو هلكت تبطل الوكالة، فإذا كان مقيدًا بها ففي [دفع مال آخر (١) هو أجنبي آخر، فيكون متبرعًا في القضاء من مال نفسه، ويَرُدُّ على الموكل] (٢) مالَهُ؛ لأنه ملكه، دفعه إليه لمقصوده، وقد استغنى عنه. كذا في المبسوط (٣).
وإنما ذكر بقوله: (وقيل: هذا استحسان) احتراز عن القول الثاني، وهو قوله: (وقيل: القياس والاستحسان في قضاء الدين).
وصورته: أن يدفع المديون إلى رجل ألفًا، وقال: ادفعها إلى فلان قضاءً عني، فدفع الوكيل إلى فلان من مال نفسه قضاءً عنه؛ في القياس: يكون متبرعًا، حتى لو أراد المأمور حبس الألف المدفوعة لا يكون له ذلك، وفي الاستحسان: له ذلك.
وقوله: (لأنه ليس بشراء) دليل القياس، يعني فلما لم يكن قضاء الدين شراء لم يكن الأمر راضيًا بثبوت الدين في ذمته للوكيل، [فلو] (٤) لم نجعله متبرعًا لألزمناه دينا لم يرض به، فجعلناه متبرعًا قياسًا، وأما في مسألة الإنفاق رضي الآمر بثبوت الدين في ذمته للوكيل؛ لأنه أمره بالإنفاق، والأمر بالإنفاق
стр. 5505
فَلَا يَدْخُلَانِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
أمر بشراء الطعام والشراء لا يتعلق بغير تلك الدراهم؛ بل يتعلق بمثلها في الذمة، ثم يثبت به حق الرجوع على الأمر، فكان راضيا بثبوت الدين، فلم يجعل متبرعا قياسًا أيضًا.
وأما ما ذكر في وجه القياس أن الدراهم تتعين في الوكالات، إلى آخره.
قلنا: تتعين هي في حق الوكالة، أما لا تتعين في حق القضاء، حتى إن للمطلوب أن يدفع إلى الطالب دراهم غير ما دفعها إلى الوكيل، والقضاء لا يبطل بهلاكها، وباعتبار الوكالة إن صار متبرعًا، فباعتبار جانب القضاء لم يصر متبرعًا؛ لأنها لا تتعين في حق القضاء، فلا يجعل متبرعًا بالشك، فَرُجِّحَ (١) جانب القضاء؛ صيانة لملكه عن الزوال بغير بدل كمن دفع إلى غيره ألفًا ليتصرف فيها، فإنه يجعل قرضًا لا هبةً وإن احتمل الدفع هذين الأمرين؛ صيانة لملكه عن الزوال بغير بدل.
وكمن أعطى غيره مالا، وقال: حُجَّ به، أو اغْزُ به في سبيل الله، أو أنفقه على نفسك وعيالك كان قرضًا، حتى لو اختلفا فالقول للمعطي.
وكمن زوج ابنته وسلمها مع الجهاز، ثم ماتت البنت، فقال الزوج: هبة، وقال الأب: بل أعرتها، فالقول للأب، ويحمل على العارية؛ صيانة لملكه عن الزوال بغير بدل. كذا ذكره المحبوبي في جامعه، وأحال المسألة الأخيرة إلى شرح السير الكبير لشمس الأئمة.
قوله: (فلا يدخلانه) أي: القياس والاستحسان فيما ذكرنا من مسألة الإنفاق.
ولو وكله بإجارة الدار أو الأرض فله أن يؤجرها بالنقد والمكيل والموزون وبالحيوان المعين وبالموصوف بالاتفاق، فأما عند أبي حنيفة فظاهر؛ لأنه كالوكيل بالبيع بالنقد للعرف ولا عرف هاهنا بأن الأراضي تؤجر بغير النقد أيضًا، هكذا ذكره، وفي بعض المواضع حقق الخلاف كما في البيع.
стр. 5506
بَابُ عَزْلِ الوَكِيلِ
قَالَ: (وَلِلْمُوَكِّلِ أَنْ يَعْزِلَ الوَكِيلَ عَنْ الوَكَالَةِ) لِأَنَّ الوَكَالَةَ حَقَّهُ فَلَهُ أَنْ يُبْطِلَهُ، إِلَّا إِذَا تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّ الغَيْرِ، بِأَنْ كَانَ وَكِيلًا بِالخُصُومَةِ يُطْلَبُ مِنْ جِهَةِ الطَّالِبِ لِمَا فِيهِ مِنْ إِبْطَالِ حَقِّ الغَيْرِ، وَصَارَ كَالوَكَالَةِ الَّتِي تَضَمَّنَهَا عَقْدُ الرَّهْنِ.
ولو وكله بأن يستأجر أرضًا له فأخذها مزارعة لم يجز عنده؛ لعدم رؤيته جواز المزارعة، وعندهما يجوز.
ولو وكله بالصلح عن دم عمد، فصالحه على مال قليل صح عنده، كالوكيل بالبيع، خلافًا لهما.
بَابُ عَزْلِ الْوَكِيلِ
أخر العزل لأنه بعد الإثبات.
قوله: (يطلب من جهة الطالب) أي: بالتماس من جهة المدعي، قيد بهذين القيدين؛ لأنه لو وكل المدعى عليه لا يطلب المدعي تملك المدعى عليه عزله، وكذا إن كان الوكيل من جانب الطالب يملك الطالب عزله، سواء كان ذلك بطلب المدعى عليه أو لا، وعدم صحة العزل إذا كان يطلب من جهة الطالب فيما إذا كان العزل عند غيبة الطالب، وبحضوره يصح عزله، سواء رضي به الطالب أو لا، وإلى هذه القيود أشار في الذخيرة.
وقال مالك: إذا تشبث بالخصومة ما تعلق به حق الغير لا يجوز عزله في الغيبة والحضور، وعند الشافعي وأحمد يجوز عزل الوكيل بالخصومة، تعلق به حق الغير أم لا؛ لأن الوكالة عقد جائز غير لازم.
قوله: (فصار كالوكالة التي في ضمن الرهن) أي: الوكالة المشروطة في عقد الرهن، فإن الراهن لا يملك عزله؛ لما فيه من إبطال حق المرتهن، فكذا فيما نحن فيه؛ لأن الوكالة إذا كانت بالتماس الطالب ثبت نوع حق الطالب قبل الوكيل، وهو أن يحضره مجلس الحكم ويخاصمه، ويثبت حقه عليه، فلو صح عزله بطل هذا الحق أصلا؛ لأنه لا يمكنه الخصومة معه أيضًا، بخلاف ما إذا كان الطالب حاضرًا، فإن حقه لا يبطل أصلا؛ لأنه إن لم يمكنه مع الوكيل
стр. 5507
قَالَ: (فَإِنْ لَمْ يَبْلُغْهُ العَزْلُ فَهُوَ عَلَى وَكَالَتِهِ، وَتَصَرُّفُهُ جَائِزٌ حَتَّى يَعْلَمَ) لِأَنَّ فِي العَزْلِ إِضْرَارًا بِهِ مِنْ حَيْثُ إِبْطَالُ وِلَايَتِهِ، أَوْ مِنْ حَيْثُ رُجُوعُ الحُقُوقِ، إِلَيْهِ فَيَنْقُدُ مِنْ مَالِ المُوَكِّلِ وَيُسَلِّمُ المَبِيعَ فَيَضْمَنُهُ فَيَتَضَرَّرُ بِهِ، وَيَسْتَوِي الوَكِيلُ بِالنِّكَاحِ وَغَيْرُهُ لِلْوَجْهِ الأَوَّلِ،
يمكن مع المطلوب، ويمكنه أن يطلب منه وكيلا آخر، وبخلاف ما إذا كان التوكيل بغير التماس الطالب؛ لأنه رضي ببطلان حقه، حيث لم يلتمس وكيلا مع علمه أن الموكل ربما يغيب فلا يمكنه الخصومة معه.
قوله: (فهو على وكالته وتصرفه جائز) عندنا، وبه قال الشافعي في قول، ومالك في رواية وأحمد، وقال الشافعي في الأصح: ينعزل، وبه قال مالك في رواية، وأحمد في رواية؛ لأنه بالعزل يسقط حق نفسه؛ لأن نفوذ الوكالة لحق الموكل، والمرء ينفرد بإسقاط حق نفسه كالطلاق والعتاق، فإنه يجوز بدون علم المرأة والعبد.
ولنا: في انعزاله بدون علمه إضرار به؛ لأنه ربما تصرف بناء على أنه وكيل ثم ظهر أنه غير وكيل، فلحقه عهدة وضمان؛ لأنه إذا نقد من مال الوكالة أو سلم المبيع يضمنه فيتضرر به، ولأن العزل خطاب ملزم للوكيل يمنع من التصرف، وحكم الخطاب لا يثبت في حق المخاطب ما لم يعلم به كخطاب الشرع، فإن أهل قباء كانوا يصلون إلى بيت المقدس بعد الأمر بالتوجه إلى الكعبة، وجوز لهم النبي ﵇ حين لم يعلموا به (١)، وكذلك كثير من الصحابة شربوا الخمر بعد نزول تحريمها قبل علمهم بذلك، وفيه نزول قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ [المائدة: ٩٣] الآية.
قوله: (للوجه الأول) وهو أن في العزل إبطال ولايته، وهو إضرار به؛ لأن الوكيل لما زوج أو طلق أو باع أو اشترى على ادعاء أنه وكيله، ثم لو صح عزله بغير علمه كان تكذيبا للوكيل فيما ادعى من الوكالة ببطلان ولايته، وتكذيب الإنسان فيما يقول ضرر عليه، وهذا المعنى شامل للطلاق وغيره.
стр. 5508
وَقَدْ ذَكَرْنَا اشْتِرَاطَ العَدَدِ أَوْ العَدَالَةِ فِي المُخْبِرِ فَلَا نُعِيدُهُ. قَالَ: (وَتَبْطُلُ الوَكَالَةُ بِمَوْتِ المُوَكِّلِ، وَجُنُونِهِ جُنُونًا مُطْبقًا، وَلَحَاقِهِ بِدَارِ الحَرْبِ مُرْتَدًا) لِأَنَّ التَّوْكِيلَ تَصَرُّفٌ غَيْرُ لَازِمٍ فَيَكُونُ لِدَوَامِهِ حُكْمُ ابْتِدَائِهِ
وكذا الوكيل [لو] (١) عزل نفسه بغير علم الموكل لا ينعزل ولا يخرج عن الوكالة، وعند الشافعي وأحمد ومالك في رواية ينعزل، وقال مالك: إن كان في عزله ضرر على الموكل لم ينعزل بدون علمه.
وفي الذخيرة: بإنكار الموكل الوكالة لا ينعزل.
وفي شرح الوجيز (٢): وجَحْدُ الوكيل الوكالة ردُّ للوكالة إن لم يكن لنسيان أو غرض في الإخفاء، وإن كان لعمد ولا غرض في الإخفاء لا ينعزل، وعلى هذا جحد الموكل وإنكاره.
قوله: (وقد ذكرنا اشتراط العدد أو العدالة في المخبر) أي: في فصل القضاء بالمواريث في قوله: (ولا يكون النهي عن الوكالة) إلى آخره.
قوله: (تبطل بموت الموكل) (٣) وكذا بموت الوكيل (وجنونه مطبقًا) ولا خلاف في هذا كله.
قوله: (فيكون لدوامه حكم ابتدائه) وفيه إشارة إلى أن التصرف إذا كان لازما لا يكون لدوامه حكم ابتدائه، والمعنى: أنه إذا كان غير لازم يملك الوكيل في كل لحظة نقضه وفسخه، فلما لم يفسخ جعل امتناعه عند إمكانه بمنزلة ابتداء تصرف آخر من جنسه إبدالًا للمتمكن مكان المبتدئ والمنشئ، كما قال صاحب الكشاف في قوله: ﴿اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى﴾ [البقرة: ١٦] مع عدم هداهم كأنه جعل تمكنهم من الهدى فصار كأن الهدى في أيديهم، فإذا تركوه إلى الضلالة استبدلوها به.
وقد ذكر شمس الأئمة في أصول الفقه (٤) أنَّ ترك الفعل فعل عند أهل
стр. 5509
فَلَا بُدَّ مِنْ قِيَامِ الأَمْرِ، وَقَدْ بَطَلَ بِهَذِهِ العَوَارِضِ، وَشَرْطَ أَنْ يَكُونَ الجُنُونُ مُطْبقًا، لِأَنَّ قَلِيلَهُ بِمَنْزِلَةِ الإِغْمَاءِ، وَحَدُّ المُطْبِقِ: شَهْرٌ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ، اعْتِبَارًا بِمَا يَسْقُطُ بِهِ الصَّوْمُ. وَعَنْهُ: أَكْثَرُ مِنْ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، لِأَنَّهُ تَسْقُطُ بِهِ الصَّلَوَاتُ الخَمْسُ فَصَارَ كَالمَيِّتِ. وَقَالَ مُحَمَّدٌ: حَوْلٌ كَامِلٌ (*)، لِأَنَّهُ يَسْقُطُ بِهِ جَمِيعُ العِبَادَاتِ فَقَدَّرَ بِهِ احْتِيَاطًا … ... .
السنة؛ لما فيه من استعمال أحد الضدين، والانتهاء عن المنهي عنه يتحقق بالترك، وذلك لأن حقيقة الانتهاء الامتناع عن إيجاد المنهي عنه، ولهذا يثاب بالانتهاء، فلا بد أن يكون الانتهاء أمرًا وجوديًا حتى يكون مثابًا به، وليس تقدير الفعل في الانتهاء إلا بأن يجعل المتمكن كالمنشئ للفعل؛ لأنه في الحقيقة إبقاء العدم على العدم الأصلي، أما إذا كان التصرف لازمًا لا يأتي هذا المعنى؛ لأن المتصرف لا يتمكن من فسخه في كل لحظة، فلا يجعل امتناعه عن العزل بمنزلة الابتداء، أو الابتداء لذلك؛ لأن الشيء إنما يتصور تقديرًا أن لو تصور حقيقة، وإذا ثبت أن للتوكيل حكم الابتداء في كل لحظة، وابتداء التوكيل لا يتصور من هؤلاء، فكذا البقاء. كذا قرره في النهاية.
وهذا معنى قوله: (فلا بد من قيام الأمر) أي: أمر الموكل بالتوكيل في كل ساعة (وقد بطل) أي: أمر التوكيل (بهذه العوارض) أي: الموت والجنون والارتداد، ولا يشكل بالبيع بالخيار فإنه غير لازم، ومع ذلك لا يبطل بالموت بل يتقرر؛ لأن الأصل في البيع اللزوم، وعدم اللزوم بسبب العوارض، وهو الخيار، فإذا مات تقرر الأصل وبطل العارض؛ لعدم بقاء الخيار بموته.
وفي الذخيرة: إنما تبطل الوكالة بالجنون إذا كان في موضع يملك الموكل عزله، أما إذا كانت لازمة بحيث لا يقدر الموكل عزله، كما في الوكالة المشروطة في عقد الرهن - لا يبطل بجنونه وإن كان الجنون مطبقًا.
يقال: جنون مطبق بالباء المكسورة، أي: دائم، والحُمَّى المُطبقة: هي الدائمة، كذا بخط الزرنوجي، وقيل: مُطبقًا: مستوعبا، من أطبق الغيم السماء، أي: استوعبها.
стр. 5510
قَالُوا: الحُكْمُ المَذْكُورُ فِي اللَّحَاقِ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، لِأَنَّ تَصَرُّفَاتِ المُرْتَدٌ مَوْقُوفَةٌ عِنْدَهُ فَكَذَا وَكَالَتُهُ، فَإِنْ أَسْلَمَ نَفَذَ، وَإِنْ قُتِلَ أَوْ لَحِقَ بِدَارِ الحَرْبِ بَطَلَتْ الوَكَالَةُ، فَأَمَّا عِنْدَهُمَا تَصَرُّفَاتُهُ نَافِذَةٌ (*) فَلَا تَبْطُلُ وَكَالَتُهُ، إِلَّا أَنْ يَمُوتَ أَوْ يُقْتَلَ عَلَى رِدَّتِهِ أَوْ يُحْكَمَ بِلَحَاقِهِ وَقَدْ مَرَّ فِي السِّيَرِ، وَإِنْ كَانَ المُوَكِّلُ امْرَأَةً فَارْتَدَّتْ فَالوَكِيلُ عَلَى وَكَالَتِهِ حَتَّى تَمُوتَ، أَوْ تَلْحَقَ بِدَارِ الحَرْبِ، لِأَنَّ رِدَّتَهَا لَا تُؤَثَّرُ فِي عُقُودِهَا عَلَى مَا عُرِفَ.
قوله: (قالوا: الحكم المذكور) أي: بقوله قبل هذا: (ولحق بدار الحرب) وقيد بلحاقه؛ لأنه لو ارتد ثم أسلم قبل اللحاق فهو على وكالته؛ لأن ملكه لم يزل قبل اللحاق؛ بل توقف، وبإسلامه قبل اللحاق تقرر ملكه، ألا ترى أنه لو باع بنفسه ثم أسلم نفذ بيعه! فكذا تبقى وكالته في جميع التصرفات ما خلا النكاح، فإنه بالردة يخرج من كونه مالكًا للنكاح بنفسه، فتبطل وكالته به أيضًا، ثم لا يعود إلا بالتجديد. كذا في المبسوط (١).
وعندهما: بلحاقه، وبه قالت الأئمة الثلاثة.
قوله: (لأن ردتها لا تؤثر في عقودها) لأنها لا تقبل.
وفي المبسوط (٢): لو وكلت قبل الارتداد مثلها أو مسلما لا تبطل ولايتها، وكذا يصح توكيلها حال ردتها، إلا أن توكل بالتزويج وهي مرتدة، حيث لا يصح؛ لأنها لا تملك أن تزوج نفسها، فكذا لا تصح توكيلها به.
ولو زوجها الوكيل في حال ردتها لم يجز، ولو زوجها بعد إسلامها جاز، كالمعتدة أو المنكوحة إذا وكلت إنسانًا بأن يزوجها، فيكون التوكيل مضافًا إلى ما بعد العدة والنكاح، فكذا هاهنا مضافًا إلى ما بعد الإسلام، بخلاف ما إذا وكلت في إسلامها، ثم ارتدت ثم أسلمت فزوجها - لم يجز؛ لأنها بالارتداد خرجت من أهلية النكاح، فيكون ذلك عزلًا لوكيلها، وبعدما انعزل لا يكون وكيلا إلا بتجديد.
стр. 5511
قَالَ: (وَإِذَا وَكَّلَ المُكَاتَبُ ثُمَّ عَجَزَ، أَوْ المَأذُونُ لَهُ ثُمَّ حُجِرَ عَلَيْهِ، أَوْ الشَّرِيكَانِ فَافْتَرَقَا، فَهَذِهِ الوُجُوهُ تُبْطِلُ الوَكَالَةَ عَلَى الوَكِيلِ، عَلِمَ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ) لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ بَقَاءَ الوَكَالَةِ يَعْتَمِدُ قِيَامَ الأَمْرِ وَقَدْ بَطَلَ بِالحَجْرِ وَالْعَجْزِ وَالِافْتِرَاقِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ العِلْمِ وَعَدَمِهِ، لِأَنَّ هَذَا عَزْلٌ حُكْمِيٌّ فَلَا يَتَوَقَّفُ عَلَى العِلْمِ كَالوَكِيلِ بِالبَيْعِ إِذَا بَاعَهُ المُوَكِّلُ.
قَالَ: (وَإِذَا مَاتَ الوَكِيلُ أَوْ جُنَّ جُنُونًا مُطْبَقًا بَطَلَتْ الوَكَالَةُ) لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ أَمْرُهُ بَعْدَ جُنُونِهِ وَمَوْتِهِ (وَإِنْ لَحِقَ بِدَارِ الحَرْبِ مُرْتَدًّا لَمْ يَجُزْ لَهُ التَّصَرُّفُ إِلَّا أَنْ يَعُودَ
قوله: (أو الشريكان) أي: وكل واحد من الشريكين الثالث.
قوله: (فهذه الوجوه تبطل الوكالة).
في المبسوط (١): هذا إذا كانت الوكالة بالبيع والشراء، أما لو كان التوكيل بقضاء الدين أو التقاضي لا يبطل بعجز المكاتب وحجر المأذون؛ لأن في كل شيء وليه العبد لا تسقط المطالبة عنه بالحجر؛ بل يبقى مطالبا بإيفائه واستيفائه، ولهذا ليس لمولى العبد أن يتقاضى دينه إن كان عليه دين أو لا؛ لأنه إن كان عليه دين فكسبه حق غرمائه، والمولى فيه كالأجانب، وإن لم يكن عليه فوجوب المال بعقد العبد، ولا يكون هو في هذا دون الوكيل، وما وجب من الثمن بعقد الوكيل لا يملك الموكل المطالبة به، فهاهنا أولى.
قوله: (كالوكيل بالبيع إذا باعه) أي: المبيع (الموكل) حيث يصير الوكيل معزولا حكما؛ لفوات محل تصرف الوكيل.
(أو جن) أي: الوكيل (جنونًا مطبقًا) أما لو جن ساعة ثم أفاق فهو على وكالته، وجعل هذا كاليوم. ذكره في التتمة.
قوله: (لم يجز له) أي: للوكيل المرتد (التصرف).
قال شيخ الإسلام في مبسوطه: هذا إذا حكم القاضي بلحاقه، وإليه أشار في مبسوط شمس الأئمة؛ لأنه لما قضى بلحاقه فقد مَوَّتَه، أو جعله من أهل دار الحرب فتبطل الوكالة، أما قبل القضاء باللحاق لا يخرج عن الوكالة باتفاقهم.
стр. 5512
مُسْلِمًا) قَالَ: وَهَذَا عِنْدَ مُحَمَّدٍ، فَأَمَّا عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ: لَا تَعُودُ الوَكَالَةُ (*)، لِمُحَمَّدٍ: أَنَّ الوَكَالَةَ إِطْلَاقُ، لِأَنَّهُ رُفِعَ المَانِعُ. أَمَّا الوَكِيلُ يَتَصَرَّفُ بِمَعَانٍ قَائِمَةٍ بِهِ، وَإِنَّمَا عَجَزَ بِعَارِضِ اللَّحَاقِ لِتَبَايُنِ الدَّارَيْنِ، فَإِذَا زَالَ العَجْزُ وَالإِطْلَاقُ بَاقٍ عَادَ وَكِيلًا. وَلِأَبِي يُوسُفَ، أَنَّهُ إِثْبَاتُ وِلَايَةِ التَّنْفِيذِ، لِأَنَّ وِلَايَةَ أَصْلِ التَّصَرُّفِ بِأَهْلِيَّتِهِ، وَوِلَايَةُ التَّنْفِيذِ بِالمِلْكِ، وَبِاللَّحَاقِ لَحِقَ بِالأَمْوَاتِ، وَبَطَلَتْ الوِلَايَةُ فَلَا تَعُودُ كَمِلْكِهِ فِي أُمِّ الوَلَدِ وَالمُدَبَّر.
وَلَوْ عَادَ المُوَكَّلُ مُسْلِمًا وَقَدْ لَحِقَ بِدَارِ الحَرْبِ مُرْتَدًا لَا تَعُودُ الوَكَالَةُ فِي الظَّاهِرِ. وَعَنْ مُحَمَّدٍ: أَنَّهَا تَعُودُ كَمَا قَالَ فِي الوَكِيلِ. وَالفَرْقُ لَهُ عَلَى الظَّاهِرِ: أَنَّ
قوله: (وهذا) أي: جواز التصرف للوكيل عند عَوْدِهِ مسلمًا.
قوله: (لمعان قائمة به أي: بالوكيل من الحرية والعقل والبلوغ والقصد في ذلك التصرف، والكل قائم، وصحة التوكيل لحق الموكل، وحقه قائم أيضًا بعد لحاقه، ولكنه عجز عن التصرف بعارض على شرف الزوال، فإذا زال صار كأن لم يكن، فبقي الوكيل على وكالته، فصار بمنزلة ما لو أغمي على الوكيل.
(ولأبي يوسف أنه أي: التوكيل إثبات ولاية التنفيذ) لا ولاية أصل التصرف.
(وباللحاق) أي: القضاء باللحاق، صار ميتًا، وبذلك إبطال ولايته، فبطلت الوكالة (فلا تعود) أي: ملك التنفيذ كملكه في أم ولد والمدبر) يعني يعتق أم ولده ومدبره بالقضاء بلحاقه، وبِعَوْدِهِ مسلمًا لا يعود ملكه فيهما، فلا يرتفع العتق، فكذا الوكالة التي بطلت لا تعود.
قوله: (ولو عاد الموكل مسلمًا) إلى آخره، أي: عاد بعد القضاء بلحاقه، وبه صرح في المبسوط (١).
(وعن محمد أنها) أي: التوكيل (تعود) أو عقد الوكالة (والفرق له) أي: لمحمد (على الظاهر) أي: على ظاهر الرواية، والحاصل أن أبا يوسف سَوَّى
стр. 5513
مَبْنَى الوَكَالَةِ فِي حَقِّ المُوَكِّلِ عَلَى المِلْكِ وَقَدْ زَالَ وَفِي حَقِّ الوَكِيلِ عَلَى مَعْنَى قَائِمٍ بِهِ وَلَمْ يَزُلْ بِاللَّحَاقِ.
قَالَ: (وَمَنْ وَكَّلَ آخَرَ بِشَيْءٍ ثُمَّ تَصَرَّفَ بِنَفْسِهِ فِيمَا وَكَّلَ بِهِ، بَطَلَتْ الوَكَالَةُ) وَهَذَا اللَّفْظُ يَنْتَظِمُ وُجُوهَا: مِثْلَ، أَنْ يُوَكَّلَهُ بِإِعْتَاقِ عَبْدِهِ، أَوْ بِكِتَابَتِهِ فَأَعْتَقَهُ، أَوْ كَاتَبَهُ المُوَكِّلُ بِنَفْسِهِ، أَوْ يُوَكَّلَهُ بِتَزْوِيجِ امْرَأَةٍ، أَوْ بِشِرَاءِ شَيْءٍ … ... … ... … .
بين الفصلين، ومحمد فرق بينهما، فقال في عود الوكيل: تعود الوكالة في جميع الروايات، وفي عود الموكل: لا تعود في ظاهر الرواية.
والفرق أن الوكالة تعلقت بملك الوكيل، وقد بطل ملكه، فبطلت الوكالة على الثبات، فأما بِرَدِّهِ على الوكيل فلم يَزُلْ ملك الموكل، فكان محل تصرف الوكيل باقيًا، ولكنه عجز عن التصرف لعارض على شرف الزوال كما ذكر، فإذا زال العارض فصار كأن لم يكن.
وفي السير الكبير يقول محمد: يعود الوكيل على وكالته في هذا الفصل أيضًا؛ لأن الموكل إذا عاد عاد ماله على قديم ملكه، والوكالة تعلقت بقديم ملكه، فيعود بِعَوْدِ قديم ملكه، كما لو وكله ببيع عبده ثم باعه الموكل بنفسه، ورد عليه بعيب بقضاء - عاد الوكيل على وكالته، فهذا مثله. كذا في المبسوط (١).
قوله: (ومن وكل آخر بشيء ثم تصرف بنفسه) إلى آخره، ولا خلاف فيه.
وفي الذخيرة: الأصل في جنس هذه المسائل أن الموكل متى أحدث فيما وَكَّلَ ببيعه تصرفًا قبل بيع الوكيل، فإن كان تصرفًا يُعْجِز الوكيل عن البيع يخرج عن الوكالة، وإلا لا؛ لأنه إذا عجز عن البيع عجز عن الامتثال، فبالعجز يخرج عن الوكالة، فإذا باع أو وهب، أو تصدق وسلم، أو وطئ واستولد فيخرج الوكيل عن الوكالة، ولو وطئ ولم يستولد، أو أذن في التجارة، أو استخدم لا يخرج، ألا ترى أن الموكل بعد إحداث هذه التصرفات تعذر بيعه، فكذا وكيله، ولو رهن أو أجر لم يخرج في ظاهر الرواية، وعن أبي يوسف أنه يخرج؛ لعدم جواز بيعه المرهون والمستأجر.
قوله: (أو كاتبه الموكل (٢) بنفسه) يعني يخرج الوكيل عن الوكالة، أما لو
стр. 5514
فَفَعَلَهُ بِنَفْسِهِ، أَوْ يُوَكَّلَهُ بِطَلَاقِ امْرَأَتِهِ فَطَلَّقَهَا الزَّوْجُ ثَلَاثًا أَوْ وَاحِدَةٌ وَانْقَضَتْ عِدَّتُهَا،
أسره أهل الحرب، فأدخلوه في دارهم فاشتراه منهم - لم تعد الوكالة، ولو أخذه من المشتري منهم بالثمن، أو عمن وقع في سهمه بالقيمة - فهو على وكالته؛ لعوده إلى قديم ملكه، أما الشراء منهم يملكه بملك جديد.
ولو وكله بعتق أمته فأعتقها المولى، فارتدت ولحقت بدار الحرب واسترقت فملكها المولى - لم يجز عتق الوكيل؛ لأنه مأمور بإزالة الرق الذي كان فيها، وقد زال، وهذا الحادث رق متجدد لتجدد سببه، فلا يكون وكيلا بإزالته.
قوله: (ففعله بنفسه) أي: تزوجها الموكل بنفسه، أو اشتراه بنفسه - كان ذلك عزلا، حتى لو أبانها بعد التزوج لم يكن للوكيل أن يزوجها إياه.
قوله: (لبقاء الحاجة) (١) يعني مقصود الموكل لم يحصل بمباشرة الوكيل للعقد الأول مع نفسه، ولا منافاة بين حكم ذلك العقد وبين الوكالة، ألا ترى أن ابتداء التوكيل بعد تزويجه صحيح، حتى إذا فارقها زوجها منه، فبقاؤها أولى، وذلك لأنها لما لم تكن محلّا عند التوكيل لما أمر به صار التوكيل كالمضاف إلى ما بعد صيرورتها محلاً، والتوكيل يحتمل الإضافة، ويحصل مقصود الموكل في ذلك، ولو ارتدت تلك المرأة المعينة، ولحقت بدار الحرب ثم سبيت فأسلمت فزوجها الوكيل - جاز عند أبي حنيفة، خلافًا لهما؛ لأن من أصلهما أن تسمية المرأة مطلقًا في التوكيل ينصرف إلى الحرة، وعنده لا يتقيد بالحرة، ولو كان الموكل تزوج ذات رحم محرم منها، أو أربعًا سواها - بطلت الوكالة؛ لأن الموكل صار بحال لا يملك مباشرة العقد عليها.
قوله: (أو واحدة وانقضت عدتها) أي: في الواحدة، أما في الثلاث لا حاجة إلى انقضاء العدة؛ لأنه لم يبق مالكًا للطلاق بعد، فينعزل الوكيل، أما في الواحدة ما دامت في العدة يملك طلاقها، فبقي الوكيل على وكالته، وبعد الخلع ما دامت في العدة يملك الزوج إيقاع الطلاق عليها عندنا، خلافًا للشافعي، فبقي الوكيل على وكالته وبعد انقضاء العدة تبطل الوكالة؛ لأنه يملك الإيقاع عليها.
стр. 5515
أَوْ بِالخُلْعِ فَخَالَعَهَا بِنَفْسِهِ، لِأَنَّهُ لَمَّا تَصَرَّفَ بِنَفْسِهِ تَعَذَّرَ عَلَى الوَكِيلِ التَّصَرُّفُ فَبَطَلَتْ الوَكَالَةُ، حَتَّى لَوْ تَزَوَّجَهَا بِنَفْسِهِ وَأَبَانَهَا لَمْ يَكُنْ لِلْوَكِيلِ أَنْ يُزَوِّجَهَا مِنْهُ، لِأَنَّ الحَاجَةَ قَدْ انْقَضَتْ بِخِلَافِ مَا إِذَا تَزَوَّجَهَا الوَكِيلُ وَأَبَانَهَا، لَهُ أَنْ يُزَوِّجَ المُوَكَّلَ لِبَقَاءِ الحَاجَةِ، وَكَذَا لَوْ وَكَّلَهُ بِبَيْعِ عَبْدِهِ فَبَاعَهُ بِنَفْسِهِ، فَلَوْ رُدَّ عَلَيْهِ بِعَيْبٍ بِقَضَاءِ قَاضٍ؛ فَعَنْ أَبِي يُوسُفَ ﵀: أَنَّهُ لَيْسَ لِلْوَكِيلِ أَنْ يَبِيعَهُ مَرَّةً أُخْرَى، لِأَنَّ بَيْعَهُ بِنَفْسِهِ مَنْعٌ لَهُ مِنْ التَّصَرُّفِ فَصَارَ كَالعَزْلِ.
ولو تزوجها بعد العدة لا تعود الوكالة؛ لأنه يمكن الزوج من الإيقاع بالسبب المتجدد، والوكالة لم تتناوله، فلا تعود باعتباره، وعلى هذا لو ارتد الزوج أو المرأة فطلاق الوكيل يقع عليها؛ لبقاء تمكن الزوج من الإيقاع، أما لو لحق الزوج بدار الحرب بطلت الوكالة؛ لأن ذلك بمنزلة الموت. كذا في المبسوط (١).
وفي الذخيرة: لو قال: اخلعها، ثم خلعها الأمر بنفسه خرج عن الوكالة؛ لأن الخلع بعد الخلع لا يصح، وما ذكر في شرح القدوري: (لو طلق بنفسه إذا وكله بطلاقها يخرج عن الوكالة) محمول على الطلاق الثلاث، أو بعد انقضاء العدة؛ لما ذكرنا.
قوله: (بقضاء قاض) قيد به؛ لأنه لو رده بالتراضي بغير قضاء فليس للوكيل أن يبيعه مرة أخرى بالإجماع.
وذكر المسألة في المبسوط (٢) في الرد بالقضاء من غير خلاف في جواز البيع للوكيل ثانيًا، ووضع المسألة في الأمة، ثم علل وقال: لأن الرد بالقضاء فسخ من الأصل، فعادت إلى قديم ملكه، وانتقاض الوكالة كان حكمًا؛ لزوال ملك الموكل، فإذا عاد ملكه عادت الوكالة، كما لو كان الرد بخيار الشرط للبائع أو المشتري، أو بفساد البيع، أو بخيار رؤية؛ لأن هذه الأسباب تفسخ العقد من الأصل، بخلاف ما لو رده بالعيب بالتراضي أو بالإقالة؛ لأن هذا السبب كالعقد المبتدأ في حق غير المتعاقدين، والوكيل غيرهما.
стр. 5516
وَقَالَ مُحَمَّدٌ ﵀: لَهُ أَنْ يَبِيعَهُ مَرَّةً أُخْرَى (*)، لِأَنَّ الوَكَالَةَ بَاقِيَةٌ، لِأَنَّهُ إِطْلَاقُ وَالعَجْزُ قَدْ زَالَ، بِخِلَافِ مَا إِذَا وَكَّلَهُ بِالهِبَةِ فَوَهَبَ بِنَفْسِهِ ثُمَّ رَجَعَ، لَمْ يَكُنْ لِلْوَكِيلِ أَنْ يَهَبَ، لِأَنَّهُ مُخْتَارُ فِي الرُّجُوعِ، فَكَانَ ذَلِكَ دَلِيلُ عَدَمِ الحَاجَةِ. أَمَّا الرَّدُّ بِقَضَاءِ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ فَلَمْ يَكُنْ دَلِيلُ زَوَالِ الحَاجَةِ، فَإِذَا عَادَ إِلَيْهِ قَدِيمُ مِلْكِهِ كَانَ لَهُ أَنْ يَبِيعَهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وفي الكافي: وهذا ظاهر الرواية، وعن أبي يوسف أنه ليس للوكيل أن يبيعه؛ لأن بيعه منع له عن التصرف، فصار كالعزل، فلا يعود وكيلا إلا بتجديد الوكالة.
وفي التتمة: ولو باعه الوكيل فرد عليه بعيب بالقضاء كان أن يبيعه ثانيًا، فكذا إذا رد على الوكيل، يعود قديم الملك فيهما.
قوله: (لأنه مختار) أي: الواهب مختار (في الرجوع فكان ذلك) أي: الرجوع (دليل زوال الحاجة) إلى الهبة؛ إذ لو كان محتاجًا لما رجع، وكان دليلا على نقض الوكالة.
وفي التتمة: قال محمد: لا يُشْبِهُ البيع الهبة؛ لأن الوكالة بالبيع لا تنقضي، ولهذا الوكيل بعدما باع يتولى حقوق العقد، ويتصرف فيها بحكم الوكالة، فإذا انفسخ والوكالة باقية جاز له البيع ثانيًا، أما الوكالة بالهبة تنقضي بمباشرة الهبة، حتى لا يملك الواهب الرجوع، ولا يصح تسليمه، فإذا رجع في هبته فقد عاد إليه العبد بملك جديد، ولا وكالة، فلا يتمكن الوكيل من الهبة ثانيًا.
стр. 5517
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
كِتَابُ الدَّعْوَى
قَالَ: (المُدَّعِي مَنْ لَا يُجْبَرُ عَلَى الخُصُومَةِ إِذَا تَرَكَهَا، وَالمُدَّعَى عَلَيْهِ مَنْ يُجْبَرُ عَلَى الخُصُومَةِ)
كِتَابُ الدَّعْوَى
أعقبها على كتاب الوكالة؛ لما أن الوكالة بالخصومة مُفْضٍ إلى المنازعة إلى الدعوى، فكان كالسبب، والمُسبب يعقب السبب.
فالدعوى لغةً: اسم للادعاء، الذي هو مصدر ادَّعَى زيد على عمرو مالا، وأَلِفُها للتأنيث، فلا تنون، وجمعها دَعَاوَى، بفتح الواو لا غير، كفتوى وفتاوى.
وقيل: الدعوى لغةً: قول يُقصد (١) به إيجاب حق على الغير.
وذكر شيخ الإسلام والمحبوبي: الدعوى لغةً: إضافة الشيء إلى نفسه بأن قال: (لي)، ومنه دعوة الرد (٢).
وشرعًا: إضافة الشيء إلى نفسه في حالة المنازعة.
وفي الكافي: المصدر: الادعاء، (افْتِعال) من دعا، والدَّعْوَى: اسم له، ومنه قوله تعالى: ﴿دَعْوَلَهُمْ فِيهَا سُبْحَنَكَ اللَّهُمَّ﴾ [يونس: ١٠] دعاؤهم، فمعناها الدعاء، والدعوة بالفتح: المَدْعاة، وهي المَأدبة، وبالكسر: في النسب.
والمدعي عرفًا: من يقصد إيجاب الحق على غيره ولا حجة له؛ إذ بعد إقامة الحجة فيسميه القاضي محقا لا مدعيًا، ولهذا يقال: مسيلمة الكذاب مدعي النبوة، ولا يقال لنبينا ﵊ مدعي النبوة؛ لأنه قد أثبتها بالمعجزات.
والمال المدعى، و (المُدَّعى به) خطأ.
فركنها: إضافة الشيء إلى نفسه.
стр. 5518
ومَعْرِفَةُ الفَرْقِ بَيْنَهُمَا مِنْ أَهَمِّ مَا يُبْتَنَى عَلَيْهِ مَسَائِلُ الدَّعْوَى، وَقَدْ اخْتَلَفَتْ عِبَارَاتُ المَشَايِخِ ﵏ فِيهِ، فَمِنهَا مَا قَالَ فِي الكِتَابِ: وَهُوَ حَدٌ عَامٌ صَحِيحٌ. وَقِيلَ: المُدَّعِي مَنْ لَا يَسْتَحِقُّ إِلَّا بِحُجَّةٍ كَالخَارِجِ، وَالمُدَّعَى عَلَيْهِ مَنْ يَكُونُ مُسْتَحِقًّا بِقَوْلِهِ مِنْ غَيْرِ حُجَّةٍ كَذِي اليَدِ، وَقِيلَ: المُدَّعِي مَنْ يَتَمَسَّكُ بِغَيْرِ الظَّاهِرِ، وَالمُدَّعَى عَلَيْهِ مَنْ يَتَمَسَّكُ بِالظَّاهِرِ.
وشرط جوازها: مجلس القضاء، فالدعوى في غير مجلس القضاء لا تصح، حتى لا تستحق على المدعى عليه الجواب.
وحكمها: وجوب الجواب على المدعى عليه.
وسببها: ما هو سبب للمعاملات من تعلق بقاء المقدور.
وفي المبسوط، والتحفة، وجامع المحبوبي: سبب فسادها شيئان: جهالة المدعى، وكونها لا تكون ملزما لجواب الخصم.
قوله: (ومعرفة الفرق بينهما) أي: بين المدعي والمدعى عليه (من أهم) إلى آخره، وذلك لأن الإنسان قد يكون مدعيًا صورةً، ومع ذلك القول قوله مع يمينه، كما في المودع إذا ادعى رد الوديعة، على ما ذكر في الكتاب.
قوله: (واختلفت عبارات المشايخ فيه) أي: في الفرق بينهما.
قيل: المدعي من يشتمل كلامه على الإثبات، ولا يصير خصمًا بالتكلم في النفي، فإن الخارج لو قال لذي اليد: (هذا الشيء ليس لك) لا يكون خصمًا ومدعيًا ما لم يقل: (هو لي) والمدعى عليه من يشتمل كلامه على النفي، فيكتفى به منه، فإن ذا اليد لو قال: (ليس هذا لك) كان خصمًا بهذا القدر، وقوله: (وهو لي) فضل من الكلام غير محتاج [إليه] (١).
وقيل: من ادعى باطنًا ليزيل [به] (٢) ظاهرًا [فهو المدعي، ومن ادعى ظاهرًا] (٣) وقرار الشيء على هيئته فهو المدعى عليه.
وقيل: المدعي من شهد في يد غيره لنفسه، والمدعى عليه [من شهد] (٤)
стр. 5519
وَقَالَ مُحَمَّدٌ ﵀ فِي الأَصْلِ: المُدَّعَى عَلَيْهِ هُوَ المُنْكِرُ، وَهَذَا صَحِيحٌ، لَكِنَّ الشَّأْنَ فِي مَعْرِفَتِهِ وَالتَّرْجِيحِ بِالفِقْهِ عِنْدَ الحُذَّاقِ مِنْ أَصْحَابِنَا ﵏: لِأَنَّ الاعْتِبَارَ لِلْمَعَانِي دُونَ الصُّوَرِ، فَإِنَّ المُودَعَ إِذَا قَالَ: رَدَدْتِ الوَدِيعَةَ فَالقَوْلُ لَهُ مَعَ اليَمِينِ، وَإِنْ كَانَ مُدَّعِيًا لِلرَّدِّ صُورَةٌ، لِأَنَّهُ يُنْكِرُ الضَّمَانَ.
بما في يده لنفسه، [ولو شهد بما في يد غيره لغيره فهو شاهد] (١) ولو شهد بما في يده لغيره فهو مقر. كذا في المبسوط، وشرح الطحاوي.
وقيل: المدعي من يلتمس غير الظاهر؛ إذ الظاهر أن الأملاك في يد الملاك، والمدعى عليه من يتمسك بالظاهر، كما إذا ادعى دينا بوجه من الوجوه على آخر، فأنكره، فالمدعي [يدعي] (٢) شَغْلَ ذمتِهِ بحقه، والمدعى عليه هو المنكر يتمسك بالأصل، وهو براءة ذمته، فلو أقر بالدين وقال: قضيته إياه كان هو المدعي؛ لأن القضاء يعترض على الوجوب، فكان أمرًا عارضًا، وكذا لو ادعى الإبراء أو التأجيل فهو المدعي؛ لدعواه العارض بعد الاشتغال.
(وقال محمد في الأصل: المدعى عليه هو المنكر) والآخر هو المدعي (وهذا صحيح، ولكن الشأن في معرفتِهِ) أي: في معرفة المنكر (والترجيح بالفقه) أي: بالمعنى دون الظاهر.
قوله: (لأنه ينكر) أي: المودع بدعوى الرد ينكر (الضمان) أي: لوجوب الضمان (معنى) لأنه يتمسك بالأصل؛ إذ الأصل في الذمم البراءة، ويحلفه القاضي أنه لا يلزمه رد ولا ضمان، ولا يحلفه على أنه رده؛ لأن اليمين أبدًا تكون على النفي.
فإن قيل: المودع بدعوى الرد يتمسك بما ليس بثابت، وهو الرد؛ إذ الرد لم يكن ثابتًا، والمودع يتمسك بما هو ثابت، وهو عدم الرد، فإنه كان ثابتًا، فينبغي أن يكون الأمر على العكس.
قلنا: المودع يدعي براءة ذمته عن الضمان معنى، وهو أصل، والمودع يدعي الشغل، ولم يكن ثابتًا، ولهذا تقبل بينته [إذا أقامها] (٣)، اعتبارًا للصورة، ويجبر على الخصومة، ويحلف؛ اعتبارا للمعنى.
стр. 5520
قَالَ: (وَلَا تُقْبَلُ الدَّعْوَى حَتَّى يَذْكُرَ شَيْئًا مَعْلُومًا فِي جِنْسِهِ وَقَدْرِهِ) لِأَنَّ فَائِدَةَ الدَّعْوَى الإِلْزَامُ بِوَاسِطَةِ إِقَامَةِ الحُجَّةِ، وَالإِلْزَامُ فِي المَجْهُولِ لَا يَتَحَقَّقُ فَإِنْ كَانَ عَيْنًا فِي يَدِ المُدَّعَى عَلَيْهِ كُلِّفَ إِحْضَارَهَا لِيُشِيرَ إِلَيْهَا بِالدَّعْوَى، وَكَذَا فِي الشَّهَادَةِ
فإن قيل: يشكل هذا بما إذا ادعى المديون دفع الدين إلى وكيل رب الدين، ثم حضر رب الدين وأنكر الوكالة - فالقول له، على ما مر في باب الوكالة، مع أن المديون يدعي البراءة.
قلنا: المديون يدعي البراءة هاهنا بعد الشغل، فكان الشغل أصلا، والبراءة عارضًا، أما في رد الوديعة فالبراءة أصل والشغل عارض، كما ذكرنا، فكان القول له.
قوله: (حتى يذكر شيئًا معلومًا)، اعلم أن الدعوى نوعان: صحيحة وفاسدة، والفاسد ما لا تتعلق به الأحكام ببيانها، وفساد الدعوى إما ألا تكون ملزمة شيئًا على الخصم، أو يكون المدعى مجهولا في نفسه، ولا نعلم فيه خلافا إلا في الوصية، فإن الأئمة الثلاثة يُجَوِّزون دعوى المجهول في الوصية، فإن ادعى حقا من وصية أو إقرار، فإنهما يصحان بالمجهول، وتصح دعوى الإبراء بالمجهول بلا خلاف، ولا يُشترط لسماع الدعوى المخالطة والمعاملة، ولا فرق فيه بين طبقات الناس.
وعن مالك: لا تُسمع دعوى الدنيء على الشريف إذا لم يُعرف بينهما سبب.
وفي الذخيرة: فإن كان المدعى مكيلًا لا بد من ذكر جنسه بأنه حنطة أو شعير، ويذكر مع ذلك نوعه: أنها سَقِيَّة أو برية أو ربيعية، ويذكر مع ذلك صفتها، كالحنطة البيضاء والحمراء، ويذكر أنها جيدة أو رديئة، ويذكر قدرها بالكيل بأنها كذا قفيزا، بقفيز كذا؛ لأن القُفْزان تتفاوت في ذاتها، ويذكر سبب الوجوب؛ لأن أحكام الدين تختلف باختلاف أسبابها، فإنه إذا كان بسبب السلم يحتاج إلى بيان مكان الإيفاء؛ ليقع التحرز عن الاختلاف، ولا يجوز الاستبدال به قبل القبض، وإن كان من ثمن بيع يجوز الاستبدال به قبل القبض، ولا يشترط بيان مكان الإيفاء.
قوله: (وكذا في الشهادة) أي: يكلف المدعى عليه بإحضار المدعي ليشير إليه
стр. 5521
وَالِاسْتِحْلَافِ، لِأَنَّ الإِعْلَامَ بِأَقْصَى مَا يُمْكِنُ شَرْطٌ، وَذَلِكَ بِالإِشَارَةِ فِي المَنْقُولِ، لِأَنَّ النَّقْلَ مُمْكِنٌ وَالإِشَارَةُ أَبْلَغُ فِي التَّعْرِيفِ، وَيَتَعَلَّقُ بِالدَّعْوَى وُجُوبُ الحُضُورِ، وَعَلَى هَذَا القُضَاةُ مِنْ آخِرِهِمْ فِي كُلِّ عَصْرٍ، وَوُجُوبُ الجَوَابِ إِذَا حَضَرَ لِيُفِيدَ حُضُورُهُ وَلُزُومُ إِحْضَارِ العَيْنِ المُدَّعَاةِ لِمَا قُلْنَا وَاليَمِينِ إِذَا أَنْكَرَهُ، وَسَنَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. قَالَ: (وَإِنْ لَمْ تَكُنْ حَاضِرَةً ذَكَرَ قِيمَتَهَا لِيَصِيرَ المُدَّعَى مَعْلُومًا) لِأَنَّ العَيْنَ لَا تُعْرَفُ بِالوَصْفِ، وَالْقِيمَةُ تُعْرَفُ بِهِ.
عند أداء الشهادة، والإشارة أبلغ في التعريف لعدم بقاء الاحتمال، حتى قالوا في المنقولات التي يتعذر نقلها، كالرحى ونحوه: حضر الحاكم عندها أو بعث أمينًا.
وفي المجتبى: قال الإسبيجابي في مسألة سرقة البقرة: لو اختلفا في لونها تقبل الشهادة عنده خلافًا لهما، وهذه المسألة تدل على أن إحضار المنقول ليس بشرط لصحة الدعوى؛ إذ لو شرط لأحضرت ولما وقع الاختلاف عند المشاهدة، ثم قال: والناس عنها غافلون.
(ويتعلق بالدعوى) أي: بالدعوى الصحيحة بمجردها (وجوب الحضور) أي: حضور المدعى عليه، والمطالبة بالجواب (وعلى هذا القضاة) أي: على وجوب الحضور بمجرد الدعوى الصحيحة (من آخرهم) أي: بأجمعهم، يعني الفقهاء والمجتهدين، وذلك ثابت أيضًا بالنص، قال تعالى: ﴿وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُم مُعْرِضُونَ﴾ [النور: ٤٨] ألحق الوعيد بمن امتنع عن الحضور بعد ما طولب، فدل أن الحضور يستحق عليه.
وقوله: (لما قلنا) إشارة إلى قوله: (كُلِّفَ إحضارها ليشير إليها) (١).
(فإن لم تكن حاضرة) بأن كانت هالكة (ذكر) أي: المدعي (قيمتها) أي: قيمة العين (لأن العين لا تعرف بالوصف) إذ ربما توجد أعيان كثيرة بذلك الوصف، فلا يكون المدعى معلوما به.
والقيمة تعرف به أي: بالوصف، فإنه إذا قال مثلا: قيمته عشرة دراهم من الفضة الجديدة، أو كذا دينارًا من الذهب الركني تصير قيمته معلومة بهذا الوصف، كذا قيل.
стр. 5522
وَقَدْ تَعَذَّرَ مُشَاهَدَةُ العَيْنِ.
وَقَالَ الفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ: يُشْتَرَطُ مَعَ بَيَانِ القِيمَةِ ذِكْرُ الذُّكُورَةِ وَالْأُنُوثَةِ.
قَالَ: (وَإِنْ ادَّعَى عَقَارًا حَدَّدَهُ، وَذَكَرَ أَنَّهُ فِي يَدِ المُدَّعَى عَلَيْهِ، وَأَنَّهُ يُطَالِبُهُ بِهِ) لِأَنَّهُ تَعَذَّرَ التَّعْرِيفُ بِالإِشَارَةِ لِتَعَذُّرِ النَّقْلِ فَيُصَارُ إِلَى التَّجْدِيدِ، فَإِنَّ العَقَارَ يُعْرَفُ بِهِ،
وفي النهاية: والقيمة شيء، يُعرف العين بذلك الشيء.
وقال قاضي خان وصاحب الذخيرة: لو كان العين غائبا، وادعى أنه في يد المدعى عليه فأنكر، إن بين المدعي قيمته وصفته تسمع دعواه وتقبل بينته، وإن لم يبين القيمة وقال: غصب مني عين كذا، ولا أدري أنه هالك أو قائم، ولا أدري كم كانت قيمته؟ ذكر في عامة الكتب أنه تسمع دعواه؛ لأن الإنسان ربما لا يعرف قيمة ماله، فلو كلف بيان القيمة لتضرر به، وقيل: لا بد من بيان قيمته.
وقال فخر الإسلام: إذا كانت المسألة مختلفًا فيها ينبغي للقاضي أن يكلف المدعي بيان القيمة، فإذا كلفه ولم يبين سمع دعواه، وعند الأئمة الثلاثة ذكر [المثل] (١) أو القيمة في التالفة آكد.
قوله: (وقد تعذر مشاهدة العين) يعني لما تعذر المشاهدة أقيم الوصف والقيمة في الغائب مقام المشاهدة. إليه أشار في المبسوط (٢).
قوله: (حدده) أي: ذكر حده يقول: تحددت الدار أحده حدًا، والتحديد مثله والعقار بالفتح الأرض والضياع والنخل، ومنه قولهم: ماله دار ولا عقار.
كذا في الصحاح (٣).
(وذكر) أي: المدعي (أنه) أي: العقار.
(وأنه) أي: المدعي (يطالبه) المدعى عليه بالمدعى.
(التعذر النقل) أي: نقل العقار، ولا يمكن أن يحضر القاضي على العقار؛ لأنه حينئذ يعجز عن إقامة حقوق الناس؛ لكثرة الدعاوى في العقار (أو العقار يعرف به) أي: بالتحديد.
стр. 5523
وَيَذْكُرُ الحُدُودَ الأَرْبَعَةَ، وَيَذْكُرُ أَسْمَاءَ أَصْحَابِ الحُدُودِ وَأَنْسَابَهُمْ، وَلَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ الجَدِّ، لِأَنَّ تَمَامَ التَّعْرِيفِ بِهِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ عَلَى مَا عُرِفَ هُوَ الصَّحِيحُ، وَلَوْ كَانَ الرَّجُلُ مَشْهُورًا يَكْتَفِي بِذِكْرِهِ، فَإِنْ ذَكَرَ ثَلَاثَةٌ مِنْ الحُدُودِ يُكْتَفَى بِهَا عِنْدَنَا خِلَافًا لِزُفَرَ لِوُجُودِ الأَكْثَرِ، بِخِلَافِ مَا إِذَا غَلِطَ فِي الرَّابِعَةِ، لِأَنَّهُ يُخْتَلَفُ بِهِ المُدَّعَى، وَلَا كَذَلِكَ بِتَرْكِهَا، وَكَمَا يُشْتَرَطُ التَّحْدِيدُ فِي الدَّعْوَى يُشْتَرَطُ فِي الشَّهَادَةِ.
وَقَوْلُهُ فِي الكِتَابِ: وَذَكَرَ أَنَّهُ فِي يَدِ المُدَّعَى عَلَيْهِ: لَا بُدَّ مِنْهُ، لِأَنَّهُ إِنَّمَا يَنْتَصِبُ خَصْمًا إِذَا كَانَ فِي يَدِهِ، وَفِي العَقَارِ لَا يُكْتَفَى بِذِكْرِ المُدَّعِي وَتَصْدِيقِ المُدَّعَى عَلَيْهِ أَنَّهُ فِي يَدِهِ، بَلْ لَا تَثْبُتُ اليَدُ فِيهِ إِلَّا بِالبَيِّنَةِ، أَوْ عِلْمِ القَاضِي، هُوَ الصَّحِيحُ، … ... .
قوله: (ولو كان الرجل مشهورًا) كأبي حنيفة ومحمد بن الحسن وابن أبي ليلى وأبي حفص الكبير البخاري (يكتفي بذكره) أي: بذكر الرجل بدون نسبته.
قوله: (خلافًا لزفر) فإنه يقول: التعريف لم يتم بدون ذكره.
وقوله: (لوجود الأكثر) دليلنا؛ إذ إقامة الأكثر مقام الكل أصل في الشرع.
ثم مقدار الطول يعرف بالحدين، ومقدار العرض بذكر أحد الحدين، وقد تكون الأرض مثلثة، كذا قيل، وفيه نوع تأمل.
قوله: (لأنه يختلف به أي: بالغلط المدعى، ولا كذلك بتركها) ونظيرها إذا ادعى شراء شيء بثمن منقود، فإن الشهادة تقبل عليه، وإن سكتوا عن جنس الثمن، ولو ذكروا ذلك واختلفوا لم تقبل كذا قيل، وفيه نوع تأمل.
قوله: (يشترط في الشهادة) حتى لو ذكروا ثلاثة من الحدود في الشهادة قبلت شهادتهم عندنا، خلافًا لزفر؛ لما مر.
قوله: (لا تثبت اليد فيه) أي: في العقار (إلا بالبينة أو علم القاضي) أما في المنقول يثبت بالإقرار.
ذكر في الفتاوى الصغرى: لو ادعى المنقول فأقر المدعى عليه أنه في يده يقبل إقراره، وفي العقار لا يقبل حتى يقيم البينة، ولو أنكر اليد ولا بينة للمدعي على اليد يحلفه، وبإحداث اليد لا يكون صاحب اليد، حتى لو غصب أرضًا وزرع فيها فادعى رجل أنها أرضي وغصبها مني وزرعها، فلو أثبت
стр. 5524
نَفْيًا لِتُهْمَةِ المُوَاضَعَةِ، إِذْ العَقَارُ عَسَاهُ فِي يَدِ غَيْرِهِمَا، بِخِلَافِ المَنْقُولِ، لِأَنَّ اليَدَ فِيهِ مُشَاهَدَةٌ.
وَقَوْلُهُ: «وَأَنَّهُ يُطَالِبُهُ بِهِ» لِأَنَّ المُطَالَبَةَ حَقَّهُ فَلَا بُدَّ مِنْ طَلَبِهِ، وَلِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَرْهُونَا فِي يَدِهِ أَوْ مَحْبُوسًا بِالثَّمَنِ فِي يَدِهِ، وَبِالمُطَالَبَةِ يَزُولُ هَذَا الاحْتِمَالُ، وَعَنْ هَذَا قَالُوا فِي المَنْقُولِ: يَجِبُّ أَنْ يَقُولَ فِي يَدِهِ بِغَيْرِ حَقٌّ.
قَالَ: (وَإِنْ كَانَ حَقًّا فِي الذِّمَّةِ ذُكِرَ أَنَّهُ يُطَالِبُهُ بِهِ) لِمَا قُلْنَا، وَهَذَا لِأَنَّ صَاحِبَ الذِّمَّةِ قَدْ حَضَرَ، فَلْمْ يَبْقَ إِلَّا المُطَالَبَةُ، لَكِنْ لَا بُدَّ مِنْ تَعْرِيفِهِ بِالوَصْفِ لِأَنَّهُ يُعْرَفُ
الغصب وإحداث يده يكون هو ذا اليد، والذي زرعه خارج، والحكم بينهما معلوم. ذكره في عامة الفتاوى.
ولأصحاب الشافعي في إثبات اليد بالبينة قولان الأصح ألا يثبت بالبينة.
قوله: (نفيًا لِتُهَمَة المواضعة) أي: يحتمل أنهما تواضعا على أن يصدق المدعى عليه المدعي بأن العقار في يد المدعي؛ ليحكم القاضي باليد للمدعي؛ حتى يتصرف المدعي فيه، وهو في الواقع في يد الثالث - كان ذلك قضاء بالتصرف في مال الغير، ويؤدي ذلك إلى نقض القضاء عند ظهوره أنه في يد الثالث.
(لأن المطالبة حقه) أي: حق المدعي (فلا بد من طلبه) حتى يجب على القاضي إعانته.
وقوله: (وعن هذا قالوا) إلى آخره، إشارة إلى قوله: (يحتمل أن يكون مرهونا أو محبوسًا).
وقوله: (لما قلنا) إشارة إلى أن المطالبة حقه، فلا بد من طلبه.
(لا بد من تعريفه بالوصف) أي: من تعريف ما في الذمة بالوصف، مثل أن يقول: كذا درهما أو دينارًا، فبعد ذلك إن كان مضروبا يذكر نوعه كبخاري (١) الضرب، أو النيسابوري الضرب وينبغي أن يذكر صفته أنه جيد أو وسط أو رديء، وإنما يحتاج إلى ذكر الصفة إذا كان في البلد نقود مختلفة، أما إذا كان نقدًا واحدا فلا يحتاج.
стр. 5525
به. قال: (وَإِذَا صَحَّتِ الدَّعْوَى، سَأَلَ القَاضِي الْمُدَّعَى عَلَيْهِ عَنْهَا) لِيَنْكَشِفَ لَهُ وَجْهُ الْحُكْمِ (فَإِنِ اعْتَرَفَ قُضِيَ عَلَيْهِ بِهَا) لِأَنَّ الإِقْرَارَ مُوجِبُ بِنَفْسِهِ فَيَأْمُرُهُ بِالْخُرُوجِ عَنْهُ.
ولو كان في البلد نقود مختلفة والكل في الرواج سواء، ولا فضل للبعض على البعض يجوز البيع، ويعطي المشتري البائع أي نقد شاء، إلا أن في الدعوى لا بد من تعيين أحدهما، وإن كان أزوج يصير ذلك كالملفوظ في البيع والدعوى، فلا حاجة إلى البيان.
وإن كانت الدعوى بسبب القرض أو الاستهلاك فلا بد من بيان الصفة على كل حال، وإن [كان] (١) المدعى دراهم مضروبة، والغش فيها غالب؛ إن كان يتعامل بها وزنًا يذكر [نوعها، ومقدار] (٢) وزنا، وصفتها، وإن كان يتعامل عددًا يذكر عددها.
ولو ادعى الحنطة أو الشعير بالأمناء، وبين أوصافها قيل: لا تصح هذه الدعوى، وقيل: تصح، وفي الذرة والماش يعتبر العرف.
ولو ادعى الدقيق بالقفيز لا يصح لانكباسه بالكيس، ولا بد لصحة الدعوى من ذكر الوزن، ولا بد أيضًا أن يذكر دقيق حنطة يابسة أو مغسولة، ويذكر مع ذلك أنه جيد أو وسط أو رديء الكل من الذخيرة.
قوله: (قَضِيَ عَلَيْهِ) أي: على المدعى عليه (بها) أي: بالدعوى، ولفظ القضاء هاهنا مجاز؛ للزومه بإقراره، ولا حاجة إلى القضاء.
وقد ذكر في الإيضاح في هذه الصورة: وإطلاق لفظ الحكم على الإقرار توسع في الكلام؛ لأن الإقرار حجة بنفسه؛ لأن الحجة ما يلزم الإنسان موجبهَا، وللإنسان ولاية كاملة على نفسه، فكان إقراره حجة لا تتوقف على القضاء، فكان الحكم من القاضي إلزامًا للخروج عن موجب إقراره، بخلاف البينة، فإن الشهادة خبر يحتمل الصدق والكذب، وبالقضاء يصير حجة ويسقط احتمال الكذب، فتبين أن عمل القضاء في حق البينة أن يُصيِّرها حجة، والإقرار حجة بنفسه، فيلزمه الخروج عن موجبه.
стр. 5526
(وَإِنْ أَنْكَرَ سَأَلَ المُدَّعِي البَيِّنَةَ) لِقَوْلِهِ ﵊: «أَلَكَ بَيِّنَةٌ»؟ فَقَالَ لَا، فَقَالَ: «لَكَ يَمِينُهُ» سَأَلَ وَرَتَّبَ اليَمِينَ عَلَى فَقْدِ البَيِّنَةِ فَلَا بُدَّ مِنْ السُّؤَالِ لِيُمْكِنَهُ الاسْتِحْلَافُ. قَالَ: (فَإِنْ أَحْضَرَهَا قُضِيَ بِهَا) لِانْتِفَاءِ التَّهْمَةِ عَنْهَا وَإِنْ عَجَزَ عَنْ ذَلِكَ وَطَلَبَ يَمِينَ خَصْمِهِ اسْتَحْلَفَهُ عَلَيْهَا لِمَا رَوَيْنَا، وَلَا بُدَّ مِنْ طَلَبِهِ لِأَنَّ اليَمِينَ حَقَّهُ؛ أَلَا يَرَى أَنَّهُ كَيْفَ أُضِيفَ إِلَيْهِ بِحَرْفِ اللَّامِ فَلَا بُدَّ مِنْ طَلَبِهِ.
الخطاب في قوله ﵇: «ألك بينة؟» (١) للمدعي من الحضرمي والكندي في حديثهما.
(فلا بد من السؤال) على البينة (ليمكنه الاستحلاف).
(فإن أحضرها) أي: البينة (قضي بها) أي: بالبينة (لانتفاء التهمة عنها) أي: عن الدعوى؛ لرجحان جانب الصدق فيها؛ لأن خبر المدعي لما عارضه خبر المدعى عليه ظهر رجحان جانب الصدق في خبر المدعي بالبينة، ويترجح جانب الصدق في خبر المدعي لا في خبر المدعى عليه بالنص المذكور، على خلاف القياس.
(لما روينا) وهو قوله ﵊: «أَلَك بَيِّنَةٌ».
قوله: (لا بد من طلبه أي: طلب الاستحلاف.
كيف أضيف إليه) أي: إلى المدعي (بحرف اللام) في قوله ﵇: «لَكَ يَمِينُه»، واللام مقتضية للاختصاص.
والفقه فيه: أن المدعي يزعم أنه أَتْوَى حقه بإنكاره، فشرع الاستحلاف، حتى لو كان الأمر كما زعم يكون إتواءً بمقابلة إتواء، فاليمين الفاجرة تَدَعُ الديار بَلاقِع (٢)، وإلا ينال المدعى عليه الثواب بذكر اسم الله تعالى على سبيل التعظيم صادقًا، ولا يتضرر بوجه، وكان في شرعية اليمين إظهار صدق المدعى عليه بوجه، فكان فيها حقه أيضًا. إليه أشار في المبسوط.
стр. 5527
بَابُ اليَمِينِ
(وَإِذَا قَالَ المُدَّعِي: لِي بَيِّنَةٌ حَاضِرَةٌ، وَطَلَبَ اليَمِينَ لَمْ يُسْتَحْلَفْ) عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ مَعْنَاهُ: حَاضِرَةٌ فِي المِصْرِ: وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: يُسْتَحْلَفُ (*)، لِأَنَّ اليَمِينَ حَقَّهُ بِالحَدِيثِ المَعْرُوفِ، فَإِذَا طَالَبَهُ بِهِ يُجِيبُهُ. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ ﵀: أَنَّ ثُبُوتَ الحَقِّ فِي
بَابُ الْيَمِينِ
لما كانت اليمين مشروعة بعد فقد البينة ذكرها بعد ذكر البينة وأحكامها وشرائطها.
قوله: (بينة حاضرة) البينة: الحجة، وهي (فَيْعِلة) من البيان؛ لأنها تظهر الصادق من الكاذب، أو من التبين؛ لأنها تفصل بين الصادق والكاذب، أو تفصل الحق من الباطل.
قوله: (معناه) أي: معنى قوله: حاضرة (حاضرة في المصر) واحترز به عن البينة الحاضرة في مجلس الحكم، فحينئذ لا يجوز الحكم باليمين بالإجماع وإن طلب الخصم.
(لأن اليمين حقه) أي: حق المدعي (بالحديث المعروف) وهو قوله ﵇: «لَكَ يَمِينُه».
وفي المبسوط: للمدعي غرض صحيح في الاستحلاف إذا لم تكن حاضرة في مجلس الحكم، وهو أن يقصر المسافة والمؤنة بإقرار المنكر أو نكوله عن اليمين، فيتوصل إلى حقه في الحال، فكان له أن يطلب يمينه بما روينا، وهو قوله ﵇ للمدعي: «أَلَكَ بَيِّنَةٌ»، قال: لا، فقال: «لَكَ يَمِينُه» (١)، فجعل له يمين الخصم عند عدم الشهود، فلا يكون له عند وجودها.
في المبسوط: إنما يكون المنكر متلفًا حق المدعي إذا لم يكن له شهود حضور، ولو استحلف القاضي الخصم مع حضور الشهود لكان في ذلك افتضاح المسلم إذا أقام المدعي بينة بعد ذلك (٢).
стр. 5528
العَيْنِ مُرَتَّبٌ عَلَى العَجْزِ عَنْ إِقَامَةِ البَيِّنَةِ لِمَا رَوَيْنَا فَلَا يَكُونُ حَقَّهُ دُونَهُ، كَمَا إِذَا كَانَتْ البَيِّنَةُ حَاضِرَةٌ فِي المَجْلِسِ.
وَمُحَمَّدٌ مَعَ أَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ فِيمَا ذَكَرَهُ الخَصَّافُ، وَمَعَ أَبِي حَنِيفَةَ فِيمَا ذَكَرَهُ الطَّحَاوِيُّ. قَالَ: (وَلَا تُرَدُّ اليَمِينُ عَلَى المُدَّعِي) لِقَوْلِهِ ﵊: «البَيِّنَةُ عَلَى المُدَّعِي، وَاليَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ» قَسَمَ، وَالقِسْمَةُ تُنَافِي الشَّرِكَةَ، وَجَعَلَ جِنْسَ الأَيْمَانِ عَلَى المُنْكِرِينَ وَلَيْسَ وَرَاءَ الجِنْسِ شَيْءٌ، وَفِيهِ خِلَافُ الشَّافِعِيِّ ﵀ قَالَ: (وَلَا تُقْبَلُ بَيِّنَةُ صَاحِبِ اليَدِ فِي المِلْكِ المُطْلَقِ، وَبَيِّنَةُ الخَارِجِ أَوْلَى).
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يُقْضَى بِبَيِّنَةِ ذِي اليَدِ لِاعْتِضَادِهَا بِاليَدِ، فَيَتَقَوَّى الظُّهُورُ، وَصَارَ
قوله: (فلا يكون) أي: اليمين (حَقَّه) أي: حق المدعي (دونه) أي: دون العجز عن البينة، أي: بغير العجز عن إقامة البينة، فلا تكون له ولاية الاستحلاف.
قوله: (وفيه) أي: في رد اليمين على المدعي بعد نكول المدعى عليه (خلاف الشافعي) فإنه يقول برد اليمين على المدعي، وبه قال مالك فيما يثبت بشاهد ويمين يحبس المدعى عليه حتى يحلف أو يقر كما قلنا في القصاص، وقال أحمد في الظاهر: لا يرد، كقولنا، وتجيء المسألة بعد هذه بقوله: (وإذا نكل المدعى عليه) (١) إلى آخره.
قوله: (في الملك المطلق) قيد به احترازًا عن الملك المقيد بدعوى النتاج أو سبب لا يتكرر، أو بتاريخ أسبق بالشراء من واحدة، فإنها تقبل بينة ذي اليد بالإجماع.
قوله: ([وقال] (٢) الشافعي: يقضي بينة ذي اليد) وبه قال مالك والقاضي من أصحاب أحمد، وقال أحمد كقولنا، ومن أصحاب الشافعي من قال: يقضي ببينة صاحب اليد مع يمينه والمنصوص عنه أنه يقضي لذي اليد بلا يمينه لتعاضد بينتها باليد؛ إذ اليد دليل الملك.
стр. 5529
كَالنِّتَاجِ وَالنِّكَاحِ وَدَعْوَى المِلْكِ مَعَ الإِعْتَاقِ وَالاسْتِيلَادِ وَالتَّدْبِيرِ. وَلَنَا: أَنَّ بَيِّنَةَ الخَارِجِ أَكْثَرُ إِثْبَاتًا أَوْ إِظْهَارًا، لِأَنَّ قَدْرَ مَا أَثْبَتَهُ اليَدُ لَا يُثْبِتُهُ بَيِّنَةُ ذِي اليَدِ، إِذْ اليَدُ دَلِيلُ مُطْلَقِ المِلْكِ، بِخِلَافِ النِّتَاجِ، لِأَنَّ اليَدَ لَا تَدُلُّ عَلَيْهِ، وَكَذَا عَلَى الْإِعْتَاقِ وَأُخْتَيْهِ وَعَلَى الوَلَاءِ الثَّابِتِ بِهَا. قَالَ: (وَإِذَا نَكَلَ المُدَّعَى عَلَيْهِ عَنْ اليَمِينِ، قُضِيَ
قوله: (والنكاح) بأن ادعيا نكاح امرأة وهي في يد أحدهما يقضى لصاحب اليد بالإجماع ودعوى الملك مع الإعتاق بأن ادعى عبدًا في يد رجل، وأقام بينة أنه عبده أعتقه، وأقام ذو اليد بينة أنه أعتقه وهو يملكه، فبينة ذي اليد أولى (والاستيلاد) بأن ادعيا أنها أمته استولدها أو دبرها، وهي في يد أحدهما، وبرهنا، فبينة ذي اليد أولى.
قوله: (أكثر إثباتًا أو إظهارًا) يعني البينات شرعت للإثبات؛ لأنها وإن كانت مبينة في التحقيق ومظهرة، ولكن لما لم يكن لنا علم بذلك - والأحكام في حقنا تثبت بأسبابها - أحدث البيئة حكم الإثبات، ولهذا وجب الضمان على الشهود عند الرجوع؛ لأن الحكم مضاف إلى شهادتهم إيجابًا، فكانت أكثر إثباتًا في حقنا، وأكثر إظهارًا في الواقع، وبينة الخارج أكثر إثباتًا؛ لأنه يستحق ببينته شيئًا؛ لأنه لا ملك للخارج بوجه، فكانت أولى بالقبول؛ لأن البينات للإثبات، فيطلب الترجيح أولاً من حيث الثبوت، فإن استويا فحينئذ باليد، كما في النتاج، فإنهما استويا في الإثبات؛ لأن لكل واحد من البينتين يثبت أولية الملك لصاحبه.
(وكذا اليد لا تدل على الإعتاق وأُخْتَيْه) أي: التدبير والاستيلاد، فإن استوت البينات في الإثبات فترجح بينة ذي اليد ليده، ولأن الخارج هو المدعي والبينة بينة المدعي بالحديث، فإنه يدل على أن جنس البينات في جانب المدعيين قضية؛ لحرف الاستغراق، فلا تبقى بينة في جانب المدعى عليه؛ إذ ليس وراء الجنس شيء.
فإن قيل: ينبغي أن تكون في النتاج بينة الخارج أولى؛ لأنها أكثر إثباتًا؛ لأنها تثبت اليد والنتاج، وبينة صاحب اليد تثبت النتاج فقط.
قلنا: إنما رجحنا بينة الخارج؛ لأنه أكثر إثباتًا؛ لأنها تثبت الملك على
стр. 5530
عَلَيْهِ بِالنُّكُولِ، وَأَلْزَمَهُ مَا ادَّعَى عَلَيْهِ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يُقْضَى بِهِ، بَلْ يَرُدُّ اليَمِينَ عَلَى المُدَّعِي،
خصم هو مالك، وبينة ذي اليد لا تثبت الملك على خصم هو مالك؛ إذ لم يثبت الاستحقاق للخارج بمجرد إقامة البينة بغير القضاء، فلا يصير هو مقضيًّا [عليه] (١) لو قضى ببينة ذي اليد، وإذا قضى بينة الخارج صار ذو اليد مقضيا [عليه] (٢)، فلزيادة الإثبات رجحناها.
بخلاف دعوى النتاج، فإن كل واحد من البينتين يثبت أولية الملك لصاحبه، وذلك لا يكون استحقاقًا على غيره، ولهذا لا يصير ذو اليد مقضيا عليه إذا أقام البينة على النتاج حتى لو أقام البينة على النتاج بعد القضاء للخارج وجب قبول بينته، فلما استويا في الإثبات رجحنا بينة ذي اليد. كذا في المبسوط (٣).
وفي الإيضاح: بينة الخارج تثبت على ذي اليد ملكا لم يكن ثابتًا، فأما ذو اليد فلا يثبت على الخارج ملكًا لم يكن ثابتًا، فلا تقبل بينته إلا على سبيل الدفع لبينة الخارج (٤)، ففي النتاج بينة صاحب اليد متضمنة دفع بينة الخارج، بخلاف الملك المطلق؛ لأنه يتصور ثبوته لهما على التعاقب، فلم يكن في بينة ذي اليد ما يدفع بينة الخارج، فلا تقبل.
فإن قيل: لما تعارضت البينات ينبغي أن يبقى الملك في يد ذي اليد، كما في الأدلة الشرعية إذا تعارضت يبقى الحكم على الأصل.
قلنا: الأدلة الشرعية حجة في النفي والإثبات فيتحقق التعارض، وهاهنا البينات للإثبتات لا للنفي، وحاجة ذي اليد إلى نفي استحقاق الخارج، فلم يتحقق التعارض، فلما لم تعارض بينة ذي اليد بينة الخارج صار وجودها كعدمها، وعند عدمها نحكم ببينة الخارج، فكذا عند وجودها، إليه أشار في المبسوط، وفيه نوع تأمل.
قوله: (بل يرد اليمين على المدعي) وقد بينا الخلاف فيه، وكذا إذا لم يكن
стр. 5531
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
للمدعي إلا شاهد واحد، وعجز عن إقامة شاهد آخر فإنه يرد اليمين عليه عند الشافعي ومالك وأحمد، فإن حلف يقضى له، وإن نكل لا؛ لما روي أنه ﵇ قضى بشاهد ويمين (١)، وعندنا يستحلف المدعى عليه فقط.
ولنا: قوله ﵇: «البَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي وَاليَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ» (٢)، ومطلق القسم يقتضي انتفاء المشاركة، فدل أن جنس الأيمان في جانب المدعي؛ إذ اللام لاستغراق الجنس، فمن جعل بعض الأيمان حجة للمدعي، فقد خالف النص، وحديث الشاهد واليمين غريب، وما رويناه مشهور تلقته الأمة بالقبول حتى صار في حيز التواتر، فلا يعارضه، حتى إن يحيى بن معين رده، مع أنه يحتمل أنه قضى بشاهد المدعي ويمين المدعى عليه؛ إذ ما روي أنه قضى بيمين المدعي، وهذا البحث بتمامه مذكور في بيان الوصول شرح الأصول.
واحتج الشافعي في رد اليمين بما روى الدارقطني عن ابن عمر «أنه ﵇ رد اليمين على طالب الحق» (٣)، ولأن الظاهر شاهد للمدعي بنكول المدعى عليه، فيعتضد بيمينه كالمدعى عليه، ولأن النكول محتمل يحتمل أن يكون تورعًا عن اليمين الكاذبة، ويحتمل الترفع عن الصادقة، كما فعله عثمان، فإنه نكل عن اليمين، وقال: أخاف أن يوافقه القدر، فيقال: إن عثمان حلف كاذبًا، ويحتمل أن يكون لاشتباه الحال، والمحتمل لا يكون حجة.
ولنا: ما روينا من قوله ﵇: «البَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي وَاليَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ»،
стр. 5532
فَإِذَا حَلَفَ يَقْضِي بِهِ، لِأَنَّ النُّكُولَ يَحْتَمِلُ التَّوَرُّعَ عَنْ اليَمِينِ الكَاذِبَةِ، وَالتَّرَفْعَ عَنْ الصَّادِقَةِ، وَاشْتِبَاهَ الحَالِ، فَلَا يَنْتَصِبُ حُجَّةً مَعَ الاِحْتِمَالِ، وَيَمِينُ المُدَّعِي دَلِيلُ الظُّهُورِ فَيُصَارُ إِلَيْهِ. وَلَنَا: أَنَّ النُّكُولَ دَلَّ عَلَى كَوْنِهِ بَاذِلًا أَوْ مُقِرًّا، إِذْ لَوْلَا ذَلِكَ لَأَقْدَمَ عَلَى اليَمِينِ إِقَامَةٌ لِلْوَاجِبِ وَدَفْعًا لِلضَّرَرِ عَنْ نَفْسِهِ فَتَرَبَّحَ هَذَا الجَانِبُ، وَلَا وَجْهَ لِرَدِّ اليَمِينِ عَلَى المُدَّعِي لِمَا قَدَّمْنَاهُ.
فدل أن جنس الأيمان على المنكر كما ذكرنا، وادعى زيد بن ثابت عند عثمان على ابن عمر أنه باعه عبدًا يعلم عيبه، فقال عثمان لابن عمر: احلف: ما بعته وبه عيب علمته، فأبى ابن عمر أن يحلف، فرد عليه العبد، ولم يرد اليمين.
وما روي غريب لا يعارض الحديث المشهور، مع أنه يحتمل أنه ﵇ رد اليمين عليه برضا المدعى عليه صلحًا، ولأن اليمين واجبة عليه بالحديث، وترك هذا الواجب دليل على أنه باذل حق المدعي عند أبي حنيفة، أو مقر بحقه عندهما؛ إذ لو لم يكن كذلك لأقدم عليها تَفَصِّيًا (١) عن عهدة الواجب، ودفعًا للضرر عن نفسه، والشرع ألزمه التورع عن اليمين الكاذبة دون الترفع عن اليمين الصادقة، فترجح جانب التورع في نكوله، فيكون النكول إما بذلا أو إقرارًا، ولا يجوز أن يكون لاشتباه الحال؛ إذ لو كان كذلك لاستمهل من القاضي؛ لينكشف عليه الحال.
(لما قدمنا) إشارة إلى قوله ﵇: «البَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي» الحديث.
وما روي أن عثمان ادعى مالا على المقداد عند عمر، فقال المقداد: ليحلف عثمان لي ويأخذ حقه (٢)، فقال عمر: لقد أنصف المقداد.
وما روي عن علي أنه حَلَّف المدعي بعد نكول المنكر ليس بحجة للخصم؛ لأن المقداد ادعى الإيفاء على عثمان، أو كان ذلك برضا المقداد، وما روي عن علي كان بناء على مذهبه أنه يُحَلِّف المدعي مع تمام حجة القضاء بالبينة، أنه كان يحتمل أنه كان ذلك برضا المدعى عليه صلحًا.
وفي المبسوط والأسرار: مذهبنا مؤيد بإجماع الصحابة، وروى عن علي
стр. 5533
قَالَ: (وَيَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَنْ يَقُولَ لَهُ: «إِنِّي أَعْرِضُ عَلَيْكَ اليَمِينَ - ثَلَاثًا - فَإِنْ حَلَفْت وَإِلَّا قَضَيْتُ عَلَيْكَ بِمَا ادَّعَاهُ» وَهَذَا الإِنْذَارُ لِإِعْلَامِهِ بِالحُكْمِ، إِذْ هُوَ مَوْضِعُ الخَفَاءِ. قَالَ: فَإِذَا كَرَّرَ العَرْضَ عَلَيْهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ: قُضِيَ عَلَيْهِ بِالنُّكُولِ وَهَذَا التَّكْرَارُ ذَكَرَهُ الخَصَّافُ ﵀ لِزِيَادَةِ الاحْتِيَاطِ وَالمُبَالَغَةِ فِي إِبْلَاءِ العُذْرِ، فَأَمَّا المَذْهَبُ: أَنَّهُ لَوْ قُضِيَ بِالنُّكُولِ بَعْدَ العَرْضِ مَرَّةً جَازَ لِمَا قَدَّمْنَاهُ هُوَ الصَّحِيحُ، وَالأَوَّلُ أَوْلَى، ثُمَّ النُّكُولُ قَدْ يَكُونُ حَقِيقِيًّا: كَقَوْلِهِ: لَا أَحْلِفُ، وَقَدْ يَكُونُ حُكْمِيًّا، بِأَنْ يَسْكُتَ، وَحُكْمُهُ حُكْمُ الأَوَّلِ، إِذَا عَلِمَ أَنَّهُ لَا آفَةَ بِهِ مِنْ طَرَشٍ أَوْ خَرَسٍ هُوَ الصَّحِيحُ.
موافقة الإجماع، فإنه روي عن شريح في المنكر طلب منه رد اليمين إلى المدعي، فقال: ليس لك إليه سبيل، وقضى بالنكول بين يدي علي، فقال له علي: (قالون) وهي بلغة الرومية: أصبت.
وعن عمر أن امرأة ادعت على زوجها أنه قال لها: حَبْلُكِ على غارِبِكِ، فحلف عمر الزوج بالله: ما أردت طلاقا، فنكل، فقضى عليه بالفرقة، وكذا روي عن ابن عباس، وهو مذهب أبي موسى الأشعري.
قوله: (لإعلامه بالحكم) أي: الحكم بالنكول (إذ هو موضع الخفاء) لأنه مجتهد فيه، فإن عند الشافعي لا يحكم بالنكول بل بِرَدّ اليمين كما ذكرنا، وكان مظنة الخفاء.
قوله: (لما قدمنا) (١) إشارة إلى قوله: (أن النكول بذل أو إقرار) (٢).
وقوله: (وهو الصحيح) احتراز عن قول بعض المشايخ، حيث قالوا: لو قضى بالنكول بعد العرض مرة لا ينفذ.
وفي الكافي: والتقدير بالثلث في عرض اليمين لازم في المروي عن أبي يوسف ومحمد، وبه قال أحمد والجمهور على أنه للاحتياط، وبه قال مالك والشافعي.
قوله: (وحكمه) أي: حكم السكوت (حكم الأول) وبه قالت الأئمة الثلاثة، والطَّرَسُ أهون من الصَّمَم.
стр. 5534
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وفي المجتبى: يشترط أن يكون القضاء على فور النكول عند البعض، وقال الخصاف: لا يشترط، حتى لو استمهله بعد العرض ثلثي يوم أو يومين أو ثلاثة فلا بأس به، وبه قالت الأئمة الثلاثة.
وفي الفصول: لو كان الاستحلاف عند غير القاضي كان المدعي على دعواه؛ لأن المعتبر يمين قاطعة للخصومة، ولو قال المدعي: إن حلف المدعى عليه فأنا بريء، أو قال: فدعواي باطلة - لا تبطل دعواه، حتى لو أقام بينة بعد يمين الخصم تُسمع بينته.
وفي المبسوط (١): بعض القضاة من السلف لا يسمع البينة بعد يمين الخصم، وكان يقول: كما يترجح جانب الصدق بالبينة في جانب المدعي، ويتعين ذلك، حتى لا يُنظر إلى يمين المنكر، فكذا يتعين جانب الصدق في جانب المدعى عليه بحلفه، فلا يلتفت إلى بينة المدعي بعد ذلك، ولسنا نأخذ بذلك، وإنما أخذ فيه بقول عمر، فإنه جوز قبول بينة المدعي بعد حلف المدعى عليه.
ويقول شريح: اليمين الفاجرة أحق بالرد من البينة العادلة، وبه قالت الأئمة الثلاثة، ونحن لا نقول بيقين الصدق في جانبه بحلفه، بل نقول بقطع الخصومة بحلفه، وبعد ظهور البينة هل يظهر كذب المدعى عليه؟ عن محمد لا يظهر، وعند أبي يوسف يظهر، والفتوى في دعوى الدين إذا ادعاه من غير سبب فحلف، ثم أقام بينة - يظهر كذبه.
ولو ادعى الدين بسبب وحلف، ثم أقام المدعي بينة على السبب لا يظهر كذبه؛ لجواز أنه وجد القرض ثم وجد الإبراء أو الإيفاء. كذا في الفصول.
وفي النوازل: لو ادعى دعاوى متفرقة لا يحلفه القاضي على كل شيء يمكن جمعها في يمين واحدة.
وفي التتمة: لو ادعى دينًا في التركة، وقال: كل التركة في يد هذا يحلف وحده بالله: ما وصل إليه شيء من التركة، ولا يعلم أن له دينا على أبيه.
стр. 5535
قَالَ: (وَإِنْ كَانَتْ الدَّعْوَى نِكَاحًا لَمْ يُسْتَحْلَفْ المُنْكِرُ) عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لَهُ وَلَا يُسْتَحْلَفُ عِنْدَهُ فِي النِّكَاحِ وَالرَّجْعَةِ وَالفَيْءِ فِي الإِيلَاءِ وَالرِّقِّ وَالِاسْتِيلَادِ وَالنَّسَبِ وَالوَلَاءِ وَالحُدُودِ وَاللِّعَانِ. وَقَالَا: يُسْتَحْلَفُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ (*)، إِلَّا فِي الحُدُودِ وَاللعَانِ.
وقيل: يحلف يمينين: على الوصول على البتات، وعلى الدين على العلم، وبه قال عامة المشايخ، وأجمعوا أن المدعي بعد إقامة البينة يحلف أنه ما استوفاه ولا أبرأه وإن لم يَدَّعِ الخصم، ولا يعلم فيه خلاف.
قوله: (واللعان) يعني إذا ادعت المرأة على زوجها القذف بالزنا، وأنكر الزوج، وأرادت الاستحلاف.
قوله: (يستحلف في ذلك كله إلا في الحدود واللعان) وبه قال الشافعي، لكن عنده يجري في حد القذف والقصاص، ولا يجري في الحدود الخالصة، وقال مالك وأحمد لا يجري التحالف فيما لا يثبت إلا بشاهدين ذكرين؛ إلحاقا له بالحدود، وعن أحمد في رواية: يجري في القصاص وحد القذف والطلاق والعتاق.
هذا كله إذا لم يكن المقصود مالا، فإن كان المقصود دعوى مال بأن ادعت أنه تزوجها وطلقها قبل الدخول بها، ولها عليه نصف المهر، وأنكر الزوج - يستحلف بالإجماع.
وفي جامع قاضي خان والواقعات والفصول: الفتوى على قولهما.
وقيل: ينبغي للقاضي أن ينظر في حال المدعي، فإن رآه متعنتا يأخذ بقولهما ويحلفه، وإن كان مظلومًا لا يحلفه أخذا بقوله، وعليه بعض المتأخرين من مشايخنا.
وكيفية الاستحلاف عندهما أن يحلف على الحاصل - إن كانت المرأة هي المدعية - بالله: ما هذه المرأة امرأتك بهذا النكاح الذي ادعته، ولو كان الزوج هو المدعي بالله: ما هذا زوجك على ما ادعى.