. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
للمدعي إلا شاهد واحد، وعجز عن إقامة شاهد آخر فإنه يرد اليمين عليه عند الشافعي ومالك وأحمد، فإن حلف يقضى له، وإن نكل لا؛ لما روي أنه ﵇ قضى بشاهد ويمين (١)، وعندنا يستحلف المدعى عليه فقط.
ولنا: قوله ﵇: «البَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي وَاليَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ» (٢)، ومطلق القسم يقتضي انتفاء المشاركة، فدل أن جنس الأيمان في جانب المدعي؛ إذ اللام لاستغراق الجنس، فمن جعل بعض الأيمان حجة للمدعي، فقد خالف النص، وحديث الشاهد واليمين غريب، وما رويناه مشهور تلقته الأمة بالقبول حتى صار في حيز التواتر، فلا يعارضه، حتى إن يحيى بن معين رده، مع أنه يحتمل أنه قضى بشاهد المدعي ويمين المدعى عليه؛ إذ ما روي أنه قضى بيمين المدعي، وهذا البحث بتمامه مذكور في بيان الوصول شرح الأصول.
واحتج الشافعي في رد اليمين بما روى الدارقطني عن ابن عمر «أنه ﵇ رد اليمين على طالب الحق» (٣)، ولأن الظاهر شاهد للمدعي بنكول المدعى عليه، فيعتضد بيمينه كالمدعى عليه، ولأن النكول محتمل يحتمل أن يكون تورعًا عن اليمين الكاذبة، ويحتمل الترفع عن الصادقة، كما فعله عثمان، فإنه نكل عن اليمين، وقال: أخاف أن يوافقه القدر، فيقال: إن عثمان حلف كاذبًا، ويحتمل أن يكون لاشتباه الحال، والمحتمل لا يكون حجة.
ولنا: ما روينا من قوله ﵇: «البَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي وَاليَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ»،
стр. 5532
فَإِذَا حَلَفَ يَقْضِي بِهِ، لِأَنَّ النُّكُولَ يَحْتَمِلُ التَّوَرُّعَ عَنْ اليَمِينِ الكَاذِبَةِ، وَالتَّرَفْعَ عَنْ الصَّادِقَةِ، وَاشْتِبَاهَ الحَالِ، فَلَا يَنْتَصِبُ حُجَّةً مَعَ الاِحْتِمَالِ، وَيَمِينُ المُدَّعِي دَلِيلُ الظُّهُورِ فَيُصَارُ إِلَيْهِ. وَلَنَا: أَنَّ النُّكُولَ دَلَّ عَلَى كَوْنِهِ بَاذِلًا أَوْ مُقِرًّا، إِذْ لَوْلَا ذَلِكَ لَأَقْدَمَ عَلَى اليَمِينِ إِقَامَةٌ لِلْوَاجِبِ وَدَفْعًا لِلضَّرَرِ عَنْ نَفْسِهِ فَتَرَبَّحَ هَذَا الجَانِبُ، وَلَا وَجْهَ لِرَدِّ اليَمِينِ عَلَى المُدَّعِي لِمَا قَدَّمْنَاهُ.
فدل أن جنس الأيمان على المنكر كما ذكرنا، وادعى زيد بن ثابت عند عثمان على ابن عمر أنه باعه عبدًا يعلم عيبه، فقال عثمان لابن عمر: احلف: ما بعته وبه عيب علمته، فأبى ابن عمر أن يحلف، فرد عليه العبد، ولم يرد اليمين.
وما روي غريب لا يعارض الحديث المشهور، مع أنه يحتمل أنه ﵇ رد اليمين عليه برضا المدعى عليه صلحًا، ولأن اليمين واجبة عليه بالحديث، وترك هذا الواجب دليل على أنه باذل حق المدعي عند أبي حنيفة، أو مقر بحقه عندهما؛ إذ لو لم يكن كذلك لأقدم عليها تَفَصِّيًا (١) عن عهدة الواجب، ودفعًا للضرر عن نفسه، والشرع ألزمه التورع عن اليمين الكاذبة دون الترفع عن اليمين الصادقة، فترجح جانب التورع في نكوله، فيكون النكول إما بذلا أو إقرارًا، ولا يجوز أن يكون لاشتباه الحال؛ إذ لو كان كذلك لاستمهل من القاضي؛ لينكشف عليه الحال.
(لما قدمنا) إشارة إلى قوله ﵇: «البَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي» الحديث.
وما روي أن عثمان ادعى مالا على المقداد عند عمر، فقال المقداد: ليحلف عثمان لي ويأخذ حقه (٢)، فقال عمر: لقد أنصف المقداد.
وما روي عن علي أنه حَلَّف المدعي بعد نكول المنكر ليس بحجة للخصم؛ لأن المقداد ادعى الإيفاء على عثمان، أو كان ذلك برضا المقداد، وما روي عن علي كان بناء على مذهبه أنه يُحَلِّف المدعي مع تمام حجة القضاء بالبينة، أنه كان يحتمل أنه كان ذلك برضا المدعى عليه صلحًا.
وفي المبسوط والأسرار: مذهبنا مؤيد بإجماع الصحابة، وروى عن علي
стр. 5533
قَالَ: (وَيَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَنْ يَقُولَ لَهُ: «إِنِّي أَعْرِضُ عَلَيْكَ اليَمِينَ - ثَلَاثًا - فَإِنْ حَلَفْت وَإِلَّا قَضَيْتُ عَلَيْكَ بِمَا ادَّعَاهُ» وَهَذَا الإِنْذَارُ لِإِعْلَامِهِ بِالحُكْمِ، إِذْ هُوَ مَوْضِعُ الخَفَاءِ. قَالَ: فَإِذَا كَرَّرَ العَرْضَ عَلَيْهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ: قُضِيَ عَلَيْهِ بِالنُّكُولِ وَهَذَا التَّكْرَارُ ذَكَرَهُ الخَصَّافُ ﵀ لِزِيَادَةِ الاحْتِيَاطِ وَالمُبَالَغَةِ فِي إِبْلَاءِ العُذْرِ، فَأَمَّا المَذْهَبُ: أَنَّهُ لَوْ قُضِيَ بِالنُّكُولِ بَعْدَ العَرْضِ مَرَّةً جَازَ لِمَا قَدَّمْنَاهُ هُوَ الصَّحِيحُ، وَالأَوَّلُ أَوْلَى، ثُمَّ النُّكُولُ قَدْ يَكُونُ حَقِيقِيًّا: كَقَوْلِهِ: لَا أَحْلِفُ، وَقَدْ يَكُونُ حُكْمِيًّا، بِأَنْ يَسْكُتَ، وَحُكْمُهُ حُكْمُ الأَوَّلِ، إِذَا عَلِمَ أَنَّهُ لَا آفَةَ بِهِ مِنْ طَرَشٍ أَوْ خَرَسٍ هُوَ الصَّحِيحُ.
موافقة الإجماع، فإنه روي عن شريح في المنكر طلب منه رد اليمين إلى المدعي، فقال: ليس لك إليه سبيل، وقضى بالنكول بين يدي علي، فقال له علي: (قالون) وهي بلغة الرومية: أصبت.
وعن عمر أن امرأة ادعت على زوجها أنه قال لها: حَبْلُكِ على غارِبِكِ، فحلف عمر الزوج بالله: ما أردت طلاقا، فنكل، فقضى عليه بالفرقة، وكذا روي عن ابن عباس، وهو مذهب أبي موسى الأشعري.
قوله: (لإعلامه بالحكم) أي: الحكم بالنكول (إذ هو موضع الخفاء) لأنه مجتهد فيه، فإن عند الشافعي لا يحكم بالنكول بل بِرَدّ اليمين كما ذكرنا، وكان مظنة الخفاء.
قوله: (لما قدمنا) (١) إشارة إلى قوله: (أن النكول بذل أو إقرار) (٢).
وقوله: (وهو الصحيح) احتراز عن قول بعض المشايخ، حيث قالوا: لو قضى بالنكول بعد العرض مرة لا ينفذ.
وفي الكافي: والتقدير بالثلث في عرض اليمين لازم في المروي عن أبي يوسف ومحمد، وبه قال أحمد والجمهور على أنه للاحتياط، وبه قال مالك والشافعي.
قوله: (وحكمه) أي: حكم السكوت (حكم الأول) وبه قالت الأئمة الثلاثة، والطَّرَسُ أهون من الصَّمَم.
стр. 5534
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وفي المجتبى: يشترط أن يكون القضاء على فور النكول عند البعض، وقال الخصاف: لا يشترط، حتى لو استمهله بعد العرض ثلثي يوم أو يومين أو ثلاثة فلا بأس به، وبه قالت الأئمة الثلاثة.
وفي الفصول: لو كان الاستحلاف عند غير القاضي كان المدعي على دعواه؛ لأن المعتبر يمين قاطعة للخصومة، ولو قال المدعي: إن حلف المدعى عليه فأنا بريء، أو قال: فدعواي باطلة - لا تبطل دعواه، حتى لو أقام بينة بعد يمين الخصم تُسمع بينته.
وفي المبسوط (١): بعض القضاة من السلف لا يسمع البينة بعد يمين الخصم، وكان يقول: كما يترجح جانب الصدق بالبينة في جانب المدعي، ويتعين ذلك، حتى لا يُنظر إلى يمين المنكر، فكذا يتعين جانب الصدق في جانب المدعى عليه بحلفه، فلا يلتفت إلى بينة المدعي بعد ذلك، ولسنا نأخذ بذلك، وإنما أخذ فيه بقول عمر، فإنه جوز قبول بينة المدعي بعد حلف المدعى عليه.
ويقول شريح: اليمين الفاجرة أحق بالرد من البينة العادلة، وبه قالت الأئمة الثلاثة، ونحن لا نقول بيقين الصدق في جانبه بحلفه، بل نقول بقطع الخصومة بحلفه، وبعد ظهور البينة هل يظهر كذب المدعى عليه؟ عن محمد لا يظهر، وعند أبي يوسف يظهر، والفتوى في دعوى الدين إذا ادعاه من غير سبب فحلف، ثم أقام بينة - يظهر كذبه.
ولو ادعى الدين بسبب وحلف، ثم أقام المدعي بينة على السبب لا يظهر كذبه؛ لجواز أنه وجد القرض ثم وجد الإبراء أو الإيفاء. كذا في الفصول.
وفي النوازل: لو ادعى دعاوى متفرقة لا يحلفه القاضي على كل شيء يمكن جمعها في يمين واحدة.
وفي التتمة: لو ادعى دينًا في التركة، وقال: كل التركة في يد هذا يحلف وحده بالله: ما وصل إليه شيء من التركة، ولا يعلم أن له دينا على أبيه.
стр. 5535
قَالَ: (وَإِنْ كَانَتْ الدَّعْوَى نِكَاحًا لَمْ يُسْتَحْلَفْ المُنْكِرُ) عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لَهُ وَلَا يُسْتَحْلَفُ عِنْدَهُ فِي النِّكَاحِ وَالرَّجْعَةِ وَالفَيْءِ فِي الإِيلَاءِ وَالرِّقِّ وَالِاسْتِيلَادِ وَالنَّسَبِ وَالوَلَاءِ وَالحُدُودِ وَاللِّعَانِ. وَقَالَا: يُسْتَحْلَفُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ (*)، إِلَّا فِي الحُدُودِ وَاللعَانِ.
وقيل: يحلف يمينين: على الوصول على البتات، وعلى الدين على العلم، وبه قال عامة المشايخ، وأجمعوا أن المدعي بعد إقامة البينة يحلف أنه ما استوفاه ولا أبرأه وإن لم يَدَّعِ الخصم، ولا يعلم فيه خلاف.
قوله: (واللعان) يعني إذا ادعت المرأة على زوجها القذف بالزنا، وأنكر الزوج، وأرادت الاستحلاف.
قوله: (يستحلف في ذلك كله إلا في الحدود واللعان) وبه قال الشافعي، لكن عنده يجري في حد القذف والقصاص، ولا يجري في الحدود الخالصة، وقال مالك وأحمد لا يجري التحالف فيما لا يثبت إلا بشاهدين ذكرين؛ إلحاقا له بالحدود، وعن أحمد في رواية: يجري في القصاص وحد القذف والطلاق والعتاق.
هذا كله إذا لم يكن المقصود مالا، فإن كان المقصود دعوى مال بأن ادعت أنه تزوجها وطلقها قبل الدخول بها، ولها عليه نصف المهر، وأنكر الزوج - يستحلف بالإجماع.
وفي جامع قاضي خان والواقعات والفصول: الفتوى على قولهما.
وقيل: ينبغي للقاضي أن ينظر في حال المدعي، فإن رآه متعنتا يأخذ بقولهما ويحلفه، وإن كان مظلومًا لا يحلفه أخذا بقوله، وعليه بعض المتأخرين من مشايخنا.
وكيفية الاستحلاف عندهما أن يحلف على الحاصل - إن كانت المرأة هي المدعية - بالله: ما هذه المرأة امرأتك بهذا النكاح الذي ادعته، ولو كان الزوج هو المدعي بالله: ما هذا زوجك على ما ادعى.
стр. 5536
وَصُورَةُ الاسْتِيلَادِ: أَنْ تَقُولَ الجَارِيَةُ أَنَا أُمُّ وَلَدٍ لِمَوْلَايَ، وَهَذَا ابْنِي مِنهُ، وَأَنْكَرَ المَوْلَى، لِأَنَّهُ لَوْ ادَّعَى المَوْلَى ثَبَتَ الاِسْتِيلَادُ بِإِقْرَارِهِ وَلَا يُلْتَفَتُ إِلَى إِنْكَارِهَا. لَهُمَا: أَنَّ النُّكُولَ إِقْرَارُ، لِأَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى كَوْنِهِ كَاذِبًا فِي الْإِنْكَارِ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ، إِذْ لَوْلَا ذَلِكَ لَأَقْدَمَ عَلَى اليَمِينِ الصَّادِقَةِ إِقَامَةً لِلْوَاجِبِ، فَكَانَ إِقْرَارًا أَوْ بَدَلًا عَنْهُ،
وفي أدب القاضي للصدر الشهيد: ولا يستحلف في الحدود بالإجماع إلا إذا تضمن حقا، بأن علق عتق عبده بالزنا، بأن قال: إن زنيت فأنت حر، فادعى العبد أنه قد زنا، ولا بينة له - يستحلف المولى على العلم، حتى إذا نكل يثبت العتق دون الزنا.
وقوله: (على ما قدمناه) إشارة إلى قوله: (إذ لولا ذلك لأقدم على اليمين إقامة للواجب) ودفعًا للضرر عن نفسه وهو إيفاء الحق لنفسه، ونفي تهمة الكذب.
قوله: (أو بَدَلًا) بفتح الدال المهملة، أي: خَلَفًا عن الإقرار. وهذا في الحقيقة جواب عن شُبَةٍ ترد على كون النكول إقرارًا عندهما:
إحداها: ما لو اشترى نصف عبد، ثم اشترى النصف الثاني، ثم وجد به عيبًا، فخاصمه في النصف الأول فنكل، فلو كان النكول إقرارًا للزمه النصف بنكوله في المرة الأولى، كما لو أقر في تلك المرة.
قلنا: إن النكول ليس بإقرار في نفسه، ولكن يجعل مقام الإقرار خَلَفًا عنه؛ لقطع الخصومة، فيقوم النكول مقام الإقرار بقدر الحاجة إلى دفع الخصومة، فكان كالإقرار في المرة الأولى لا في الثانية.
وثانيها: الوكيل بالبيع إذا ادعى عليه عيب في المبيع فنكل، فإنه يلزم الموكل، ولو جعل إقرارًا للزم الوكيل، كما في الإقرار به.
قلنا: وإن كان كالإقرار فهو أمر لزمه بسبب البيع بحيث لا اختيار له، والموكل أدخله فعليه خلاصه، أما إذا أقر فهو شيء لزمه باختياره الإقرار، فإنه كان ينقضي عن عهدة الدعوى بالسكوت أو النكول فيلزمه الضمان، ولا يرجع به على الموكل.
стр. 5537
وَالإِقْرَارُ يَجْرِي فِي هَذِهِ الأَشْيَاءِ، لَكِنَّهُ إِقْرَارٌ فِيهِ شُبْهَةٌ، وَالحُدُودُ تَنْدَرِئُ بِالشُّبُهَاتِ، وَاللَّعَانُ فِي مَعْنَى الحَدِّ.
وَلِأَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّهُ بَذْلٌ، لِأَنَّ مَعَهُ لَا تَبْقَى اليَمِينُ وَاجِبَةٌ
وثالثها: ما لو كفل بما وهب على فلان، فادعى المكفول له مالا على فلان، فنكل فلان - لا يقضى بالمال على الكفيل، ولو كان النكول إقرارًا لقضى به على الكفيل كما لو أقر.
قلنا: إنهما يقولان: النكول بدل عن الإقرار في قطع الخصومة لا أن يكون إقرارًا حقيقةً، ولهذا لا يثبت المدعى بنفس النكول حيث يثبت المدعى بنفس الإقرار. كذا في الجامع والمبسوط والأسرار.
وفي الفوائد الظهيرية: ولأبي حنيفة أنه أي: النكول بذل وإباحة، وهذه الحقوق لا يجري فيها البذل والإباحة، فلا يقضى فيها بالنكول، كالقصاص في النفس، وعكسها الأموال.
وفي الفوائد الظهيرية: تفسير البذل عنده: ترك المنازعة والإعراض عنها، وغير مقر بالهبة والتمليك، ولهذا لو ادعى نصف دار فأنكر المدعى عليه، فحلف، فنكل يقضي بالنكول وهبة نصف الدار شائعا لا تصح؛ لأن هبة المشاع فيما يحتمل القسمة لا تصح.
قوله: (لأن معه) أي: مع البدل (لا تبقى اليمين).
فإن قيل: هذا المعنى مشترك، فاليمين لا يبقى مع الإقرار أيضًا، فما وجه ترجيح كونه بدلا؟
قلنا: لو جعلنا إقرارًا كان فيه تناقض؛ لأنه أنكر أول مرة، فلا يظن بالمسلم الكذب، فيجعل بدلًا.
فإن قيل: وجوب الحكم على القاضي بالنكول دليل على أنه إقرار لا بذل؛ لأن البذل ينتج الأخذ للمدعي، ولا يلزم القاضي أن يقضي به، كالصلح على الإنكار.
قلنا: إذا كان بذلا من العبد صريحًا لا يلزم القاضي، أما النكول بذل
стр. 5538
لِحُصُولِ المَقْصُودِ، وَإِنْزَالُهُ بَاذِلًا أَوْلَى كَيْ لَا يَصِيرَ كَاذِبًا فِي الْإِنْكَارِ، وَالبَذْلُ لَا يَجْرِي فِي هَذِهِ الأَشْيَاءِ. وَفَائِدَةُ الاسْتِحْلَافِ: القَضَاءُ بِالنُّكُولِ فَلَا يُسْتَحْلَفُ، إِلَّا أَنَّ هَذَا بَذْلٌ لِدَفْعِ الخُصُومَةِ فَيَمْلِكُهُ المُكَاتَبُ وَالعَبْدُ المَأْذُونُ بِمَنْزِلَةِ الضَّيَافَةِ اليَسِيرَةِ، وَصِحَّتُهُ فِي الدَّيْنِ بِنَاءً عَلَى زَعْمِ المُدَّعِي وَهُوَ مَا يَقْبِضُهُ حَقًّا لِنَفْسِهِ، وَالبَذْلُ مَعْنَاهُ
بحكم الشرع؛ لما أن المدعي يستحق ما ادعاه بنفس الدعوى لولا منازعة المنكر بيده أو بذمته، والشرع أبطله إلى اليمين، فلما منع المنكر اليمين عاد الأمر الأصلي بحكم الشرع؛ فيلزم القاضي قطع منازعته.
فإن قيل: يقضى بالقصاص في الأطراف بالنكول ولا يعمل فيها البذل، حتى لو قال: اقطع يدي لا يحل قطعه.
قلنا: البذل عامل إذا كان مفيدًا، كما لو قال لآخر: اقطع يدي وبها أكلة حل القطع ولم يأثم، وبغير إذنه يأثم، وفيما نحن فيه النكول مفيد؛ لأنه يحترز به عن اليمين الكاذبة، وله ولاية الاحتراز عن اليمين بخلاف ما لو قال جزافًا: اقطع يدي فلا يحل؛ لأنه لا فائدة فيه؛ بل فيه ضرر محض. إليه أشار في الأسرار.
فإن قيل: هذا التعليل مخالف للحديث المشهور، وهو قوله ﵇: «اليَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ».
قلنا: خص منه الحدود بالإجماع، فجاز تخصيص هذه الصور بالقياس.
وقوله: (إلا أن هذا بذل لدفع الخصومة) جواب سؤال مقدر، وهو ما ذكره في الأسرار أن النكول لو كان بذلا ينبغي ألا يملكه المكاتب والمأذون؛ لما أن في البذل معنى التبرع، وهما لا يملكان التبرع، فقال في جوابه: إنهما يملكان لما لا بدل له من التجارة، كما في الضيافة اليسيرة، وبذلهما بالنكول من جملة ذلك.
قوله: (وصحته في الدين) أي: صحة القضاء بالنكول، وهذا جواب سؤال، وهو أن يقال: لو كان بذلا لما جرى في الدين؛ لأن محله الأعيان لا الديون؛ إذ الديون أوصاف، والبذل والأعطاء لا تجري في الأوصاف، فقال في جوابه: وصحته في الدين بناء على زعم المدعي إلى آخره، يعني معنى البذل هنا ترك المنع، فكان المدعي يأخذ منه بناء على زعمه أنه يأخذ حق نفسه ولا
стр. 5539
هَاهُنَا. تَرْكُ المَنْعِ وَأَمْرُ المَالِ هَيِّنٌ. قَالَ: (وَيُسْتَحْلَفُ السَّارِقُ، فَإِنْ نَكَلَ ضَمِنَ وَلَمْ يُقْطَعْ) لِأَنَّ المَنُوطَ بِفِعْلِهِ شَيْئَانِ: الضَّمَانُ وَيَعْمَلُ فِيهِ النُّكُولُ. وَالقَطْعُ وَلَا يَثْبُتُ بِهِ، فَصَارَ كَمَا إِذَا شَهِدَ عَلَيْهَا رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ. قَالَ: (وَإِذَا ادَّعَتْ المَرْأَةُ طَلَاقًا قَبْلَ الدُّخُولِ اسْتُحْلِفَ الزَّوْجُ، فَإِنْ نَكَلَ ضَمِنَ نِصْفَ المَهْرِ فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا) لِأَنَّ الاسْتِحْلَافَ يَجْرِي فِي الطَّلَاقِ عِنْدَهُمْ، لَا سِيَّمَا إِذَا كَانَ المَقْصُودُ هُوَ المَالُ، وَكَذَا فِي النِّكَاحِ إِذَا ادَّعَتْ هِيَ الصَّدَاقَ، لِأَنَّ ذَلِكَ دَعْوَى المَالِ، ثُمَّ يَثْبُتُ المَالُ بِنُكُولِهِ وَلَا يَثْبُتُ النِّكَاحُ، وَكَذَا فِي النَّسَبِ إِذَا ادَّعَى حَقًّا كَالْإِرْثِ … ... … ..
مانع له، وترك المنع جائز في الأموال؛ لأن أمر المال هين، وأما أمر هذه الأشياء فليس بهين، فلا يجوز ترك المنع فيها.
قوله: (فإن نكل) أي: السارق (ضمن ولم يقطع) ولا خلاف فيه، أما عند الشافعي يرد اليمين على المالك؛ لما أن مذهبه أن بمجرد النكول لا يحكم.
قال المرغيناني والمحبوبي: إنما يستحلف السارق إذا أراد المالك أخذ المال دون القطع؛ لأن المال يثبت مع الشبهات، فيثبت بالنكول، أما الحد لا يثبت بالشبهات، فلا يثبت بالنكول بالإجماع، وعن محمد: ينبغي للقاضي أن يقول للمدعي: ماذا تريد؟ فإن قال: أريد القطع لا يستحلف، وإن قال: أريد المال فالقاضي يقول له: دع دعوى السرقة، وانبعث على دعوى المال.
[قوله: (فصار كما لو شهد عليها رجل وامرأتان) حيث لا يقطع ويقضى بالمال، وكما إذا أقر بالسرقة ثم رجع يسقط الحد، ويجب المال] (١).
قوله: (ادعت طلاقا قبل الدخول) وفائدة تعيين صورة المسألة في الطلاق قبل الدخول؛ هي تعليم أن دعوى المهر لا تتفاوت بين أن تكون الدعوى في كل المهر أو نصفه، وسواء كان دعوى المهر في ضمن الطلاق أو بدونه؛ لأنه ذكر بعد هذا صورة دعوى جميع المهر مع بقاء النكاح بقوله: (وكذا في النكاح إذا ادعت هي الطلاق) (٢).
قوله: (كالإرث) صورته: ادعى رجل على رجل أن المدعي أخو المدعى
стр. 5540
وَالحِجْرِ فِي اللَّقِيطِ، وَالنَّفَقَةِ وَامْتِنَاعِ الرُّجُوعِ فِي الهِبَةِ، لِأَنَّ المَقْصُودَ هَذِهِ الحُقُوقُ، وَإِنَّمَا يُسْتَحْلَفُ فِي النَّسَبِ المُجَرَّدِ عِنْدَهُمَا إِذَا كَانَ يَثْبُتُ بِإِقْرَارِهِ … ... … ... .
عليه مات أبوهما وترك مالا في يد المدعى عليه، أو طلب فرض النفقة على المدعى عليه بسبب الأخوة، فإنه يستحلف على النسب بالإجماع، فإن نكل يقضى بالمال لا بالنسب.
(والحِجر في اللقيط) صورته: أن اللقيط صبي لا يعبر عن نفسه، فادعت امرأة أنه أخوها، ولها الحضانة وتريد قصر يد الملتقط، فأنكر اللقيط الأخوة - يستحلف، فلو نكل يثبت لها حق نقل الصبي إلى حجرها، ولا يثبت النسب.
وكذا لو ادعى النفقة بسبب الأخوة، وهو زَمِن، فأنكر المدعى عليه الأخوة - يستحلف بالإجماع، فإن حلف برئ، وإن نكل يقضى بالنفقة ولا يقضى بالنسب.
وصورة امتناع الرجوع في الهبة أن الواهب أراد الرجوع، فقال الموهوب له: أنا أخوك فلا رجوع لك، فالواهب يستحلف، فإن نكل يثبت الامتناع من الرجوع ولا يثبت النسب. ذكره هذه الجملة في أدب القاضي للصدر الشهيد وغيره.
قوله: (وإنما يستحلف في النسب المجرد) قيد به احترازًا عما هو مقرون بدعوى المال كما ذكرنا إذا كان يثبت النسب (بإقراره) أي: بمجرد إقرار المدعى عليه، فإن النكول عندهما إقرار، فكل نسب لو أقر به المدعى عليه يثبت بالنكول أيضًا.
بانه: أن إقرار الرجل يصح بالأب والابن والزوجة والمولى، وإقرار المرأة يصح بالأب والزوج والمولى، ولا يصح في حق الابن؛ لأن فيه تحميل النسب على الغير، فكان إقرارًا على الغير، فلا يصح، فلو ادعى أنه أبوه أو ابنه ولم يدع مالا بسببه يستحلف عندهما؛ لأنه لو أقر به يثبت، فيستحلف؛ لرجاء النكول الذي هو إقرار، ولو ادعى أنه أخوه أو عمه أو ما أشبه ذلك لا يستحلف؛ لأنه لو أقر به لا يثبت؛ لأن فيه تحميل النسب على الغير.
стр. 5541
كَالأَبِ وَالِابْنِ فِي حَقِّ الرَّجُلِ، وَالأَبِ فِي حَقِّ المَرْأَةِ، لِأَنَّ فِي دَعْوَاهَا الإِبْنَ تَحْمِيلَ النَّسَبِ عَلَى الغَيْرِ وَالْمَوْلَى وَالزَّوْجِ فِي حَقِّهِمَا.
قَالَ: (وَمَنْ ادَّعَى قِصَاصًا عَلَى غَيْرِهِ فَجَحَدَهُ اسْتُحْلِفَ) بِالْإِجْمَاعِ (ثُمَّ إِنْ نَكَلَ عَنْ اليَمِينِ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ يَلْزَمُهُ القِصَاصُ، وَإِنْ نَكَلَ فِي النَّفْسِ حُبِسَ حَتَّى يَحْلِفَ أَوْ يُقِرَّ) وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀، وَقَالَا: لَزِمَهُ الأَرْشُ فِيهِمَا (*)، لِأَنَّ النُّكُولَ إِقْرَارُ فِيهِ شُبْهَةٌ عِنْدَهُمَا فَلَا يَثْبُتُ بِهِ القِصَاصُ وَيَجِبُ بِهِ المَالُ، خُصُوصًا إِذَا كَانَ امْتِنَاعُ القِصَاصِ لِمَعْنَى مِنْ جِهَةِ مَنْ عَلَيْهِ، كَمَا إِذَا أَقَرَّ بِالخَطَأَ وَالوَلِيُّ يَدَّعِي العَمْدَ.
قوله: (والمولى والزوج في حقهما) أي: في حق الرجل والمرأة، فإن الإقرار بالولاء والزوجية يصح من الرجل والمرأة، فيستحلف؛ لرجاء النكول فيهما، عندهما.
قوله: (استحلف بالإجماع) ولا خلاف، فإن نكل عن اليمين فيما دون النفس يلزمه القصاص عند أبي حنيفة، وبه قال الشافعي ومالك بعد حلف المدعي، وأحمد في رواية ولو نكل في النفس لا يقتص منه عند أبي حنيفة، وبه قال أحمد، بل يحبس حتى يحلف أو يقر، وعند الشافعي ومالك وأحمد في رواية: يقتص أيضًا بعد حلف المدعي.
قوله: (لمعنى من جهة مَنْ عليه) وقيد امتناع القصاص لمعنى من جهة من عليه؛ لأنه لو كان امتناعه من جهة من له القصاص - لا يجب القصاص ولا المال أيضًا، كما إذا أقام مدعي القصاص رجلًا وامرأتين والشهادة على الشهادة، حيث لا يقضى بشيء، فامتنع القصاص من جهة من له، فلا يجب المال؛ لأن الأصل أن المال مشروع فيه إذا أضيف العذر إلى من عليه اعتبارًا بالخطأ، أما إذا أضيف العذر إلى من له القصاص لا يجب المال؛ لأن الطالب يدعي القصاص، ويتبرأ من المال، فكيف يقضى بالمال؟ وفيما نحن فيه أضيف العذر إلى من عليه، حيث لم يصرح بالإقرار، فأشبه الخطأ.
وثم أضيف إلى الولي الذي أقام تلك البينة فلم يجب المال، ونظيره إذا أقر بالخطأ والولي يدعي العمد - يجب المال، وبعكسه لا يجب المال.
стр. 5542
وَلِأَبِي حَنِيفَةَ ﵀: أَنَّ الأَطْرَافَ يُسْلَكُ بِهَا مَسْلَكَ الأَمْوَالِ فَيَجْرِي فِيهَا البَذْلُ، بِخِلَافِ الْأَنْفُسِ، فَإِنَّهُ لَوْ قَالَ: اقْطَعْ يَدِي فَقَطَعَهَا لَا يَجِبُ الضَّمَانُ، وَهَذَا إِعْمَالُ لِلْبَذْلِ إِلَّا أَنَّهُ لَا يُبَاحُ لِعَدَمِ الفَائِدَةِ، وَهَذَا البَذْلُ مُفِيدٌ لِانْدِفَاعِ الخُصُومَةِ بِهِ فَصَارَ
ولأبي حنيفة: أنما يستحلف في النفس وإن كان لا يقضى بالنكول؛ لأن اليمين حق مقصود لتعظيم أمر الدم، واليمين مهلكة معنى، صالحة للتعظيم، ولهذا شرعت مكررة في القسامة، فإذا نكل فقد امتنع من إيفاء حق مقصود، فيحبس إلى أن يحلف أو يقر، كما إذا التعن الزوج ونكلت المرأة عن اللعان.
وفي سائر ما تقدم اليمين ليس بحق مقصود، وإنما المطلوب منه القضاء بالنكول، فما لا يجوز القضاء فيه بالنكول لا يشتغل بالاستحلاف فيه. كذا في جامعي شمس الأئمة وفخر الإسلام.
(أما الأطراف يسلك بها مسلك الأموال) من حيث إن الأطراف خلقت وقاية للأنفس كالأموال، فلما كان كذلك جرى البدل في الأطراف كما في الأموال، ولهذا لو قال: اقطع يدي فقطعه لا يضمن شيئًا، وهذا إعمال للبذل، بخلاف الأنفس حيث لا يجري البذل فيها، ولهذا لو قال لآخر: اقتلني فقتله يؤخذ بالقصاص في رواية.
وفي التتمة: تجب الدية في قول علمائنا الثلاثة. ذكره التمرتاشي.
وقوله: (هذا إعمال للبذل) إشارة إلى عدم الضمان.
وقوله: (إلا أنه لا يباح القطع)، جواب إشكال، وهو أن يقال: لو كان الأطراف كالأموال ينبغي أن يباح القطع بالبذل كما يباح المال بالبذل، فقال في جوابه: (إنما لا يباح القطع لعدم الفائدة) كما هو في المال كذلك بأن قال: ألق مالي في البحر، أو أحرقه، حيث لا يباح إليه أشار فخر الإسلام.
ولهذا لو كان القطع مفيدًا بأن وقع في يده أكلة، فقال لآخر: اقطع يدي حل له قطعه، ولو قطعه لا يجب عليه شيء، والبذل هاهنا مفيد؛ لأنه يصير متورعًا عن اليمين الصادقة، وتندفع خصومته عنه، فصار كقطع السن للوجع، وبخلاف القطع في السرقة، فإن القطع فيها خالص حق الله تعالى فلا يثبت مع
стр. 5543
كَقَطْعِ اليَدِ لِلْآكِلَةِ وَقَلْعِ السِّنِّ لِلْوَجَعِ، وَإِذَا امْتَنَعَ القِصَاصُ فِي النَّفْسِ، وَاليَمِينُ حَقٌّ مُسْتَحَقُّ، يُحْبَسُ بِهِ كَمَا فِي القَسَامَةِ. قَالَ: (وَإِذَا قَالَ المُدَّعِي: لِي بَيِّنَةٌ حَاضِرَةٌ، قِيلَ لِخَصْمِهِ: أَعْطِهِ كَفِيلًا بِنَفْسِكَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ) كَيْ لَا يَغِيبَ نَفْسُهُ فَيَضِيعَ حَقَّهُ، وَالكَفَالَةُ بِالنَّفْسِ جَائِزَةٌ عِنْدَنَا وَقَدْ مَرَّ مِنْ قَبْلُ، وَأَخْذُ الكَفِيلِ بِمُجَرَّدِ الدَّعْوَى اسْتِحْسَانُ عِنْدَنَا، لِأَنَّ فِيهِ نَظَرًا لِلْمُدَّعِي وَلَيْسَ فِيهِ كَثِيرُ ضَرَرٍ بِالمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَهَذَا لِأَنَّ الحُضُورَ مُسْتَحَقُّ عَلَيْهِ بِمُجَرَّدِ الدَّعْوَى حَتَّى يُعَدَّى عَلَيْهِ، وَيُحَالُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَشْغَالِهِ، فَصَحَ التَّكْفِيلُ بِإِحْضَارِهِ، وَالتَّقْدِيرُ بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مَرْوِيٌّ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀
الشبهة، أما القصاص فحق العبد الذي سلك مسلك الأموال، فيثبت مع الشبهة كالأموال.
قوله: (يحبس به) أي: بحق اليمين (كما في القسامة) فإنهم إذا نكلوا عن اليمين يحبسون حتى يقروا أو يحلفوا.
قوله: (استحسان عندنا) قيد به؛ لأن في القياس ألا يؤخذ كفيلا قبل إقامة البينة؛ لعدم تعلق حقه بمجرد الدعوى، وهو مذهب الشافعي.
وفي شرح الوجيز والقضاة اعتادوا خلاف هذا، وعن بعض المتأخرين من أصحابه أن الأمر فيه إلى رأي الحاكم.
أما بعد إقامة البينة قبل التعديل طولب بالتكفيل (١) إلى أن يُعَدَّلا، وأَخْذ الكفيل بعد إقامة البينة قياس واستحسان عندنا.
قوله: (حتى يُعدَّى عليه) من الإعداء، على لفظ المجهول، يقال: اسْتَعْدَى فلان الأمير على من ظلمه، أي: استعان به، فأعداه الأمير، أي: أعانه عليه ونصره.
وفي المبسوط (٢): الإشخاص إلى بابه يثبت بمجرد الدعوى؛ لما فيه من النظر للمدعي، فكذا إذا أخذ الكفيل؛ لما فيه من النظر له.
(وليس فيه كثير كبير ضرر (٣) بالمدعى عليه) لأنه إن لم يكن من قصده الاختفاء لا يتضرر به، وإن كان قصده الاختفاء يكون ظالمًا، فلا ينظر له.
стр. 5544
وَهُوَ الصَّحِيحُ، وَلَا فَرْقَ فِي الظَّاهِرِ بَيْنَ الخَامِلِ وَالوَجِيهِ وَالحَقِيرِ مِنْ المَالِ وَالخَطِيرِ، ثُمَّ لَا بُدَّ مِنْ قَوْلِهِ: لِي بَيِّنَةٌ حَاضِرَةٌ لِلتَّكْفِيلِ وَمَعْنَاهُ فِي المِصْرِ، حَتَّى لَوْ قَالَ المُدَّعِي: لَا بَيِّنَةَ لِي، أَوْ شُهُودِي غُيَّبٌ، لَا يُكْفَلُ لِعَدَمِ الفَائِدَةِ. قَالَ: (فَإِنْ فَعَلَ وَإِلَّا أُمِرَ بِمُلَازَمَتِهِ كَيْ لَا يَذْهَبَ حَقَّهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ غَرِيبًا فَيُلَازِمَ مِقْدَارَ مَجْلِسِ القَاضِي) وَكَذَا لَا يُكْفَلُ إِلَّا إِلَى آخِرِ المَجْلِسِ، فَالِاسْتِثْنَاءُ مُنْصَرِفٌ إِلَيْهِمَا، لِأَنَّ فِي أَخْذِ الكَفِيلِ وَالمُلَازَمَةِ زِيَادَةً عَلَى ذَلِكَ إِضْرَارًا بِهِ بِمَنْعِهِ عَنْ السَّفَرِ، وَلَا ضَرَرَ فِي هَذَا المِقْدَارِ ظَاهِرًا، وَكَيْفِيَّةُ المُلَازَمَةِ نَذْكُرُهَا فِي كِتَابِ الحَجْرِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وقوله: (هو الصحيح) احتراز عما روي عن أبي يوسف أنه يقدر بما بين مجلس القاضي.
قوله: (ولا فرق في الظاهر) أي: في ظاهر الرواية، وعن محمد: أنه إن كان معروفًا، والظاهر من حاله أنه لا يخفي نفسه بذلك القدر لا يجبر على إعطاء الكفيل، أما لو أعطى يؤخذ، وكذا إذا كان المُدَّعَى حقيرًا، والظاهر أن المرء لا يخفي نفسه بذلك [القدر] (١) لا يجبر على إعطاء الكفيل.
قوله: (شهودي غيب) بفتحتين على التخفيف، أو بضم الغين على التثقيل، وغيب: مثل خادم وخَدَم، وأما غُيَّب فقياس. كذا في المغرب (٢).
قوله: (فإن فعل) أي: أعطى الكفيل (وإلا أُمِر) أي: إن أبى ولم يُعْطِ أُمر (بملازمته) أي: دار معه حيث سار حتى لا يغيب.
قوله: (والاستثناء) أي: استثناء المذكور بقوله: (إلا أن يكون غريبًا) (منصرف إليهما) أي: إلى الملازمة والتكفيل، وهذا التفسير إنما يحتاج إليه على رواية القدوري؛ لأنه لم يذكر هناك مقدار مجلس القاضي في تقدير الملازمة، ولا التكفيل ومدته، وإنما قال: فإن فعل وإلا أمر بملازمته إلا أن يكون غريبا على الطريق، وأما هاهنا فقد ذكر الملازمة ومدتها ومدة التكفيل فلا يحتاج إلى قوله: والاستثناء منصرف؛ لأنه ذكر مدة كل واحد باستثناء واحد.
قوله: (زيادة على ذلك) أي: على مقدار مجلس القاضي.
стр. 5545
فَصْلٌ فِي كَيْفِيَّةِ اليَمِينِ وَالِاسْتِحْلَافِ
قَالَ: (وَاليَمِينُ بِاللَّهِ دُونَ غَيْرِهِ) لِقَوْلِهِ ﵊: «مَنْ كَانَ مِنْكُمْ
وذكر الصدر الشهيد في أدب القاضي: هذا إذا علم أنه مسافر، أما إذا أشكل على الحاكم أمره، فإنه يسأل عنه أهل محلته أو أصحابه أو يحلفه عليه أو ينظر في زيه، وله أن يطالبه بالوكيل بخصومته، حتى لو غاب الأصيل يقيم البينة على الوكيل فيقضى عليه، وإن أعطاه وكيلا له أن يطالبه بالكفيل بنفس الوكيل، وإذا أعطاه كفيلاً بنفس الوكيل له أن يطالبه كفيلاً بنفس الأصيل لو كان المُدَّعَى ديناً؛ لأن الدين يستوفى من ذمة الأصيل دون الوكيل، فلو أخذ كفيلا بالمال له أن يطلب كفيلا بنفس الأصيل؛ لأن الاستيفاء من الأصيل قد يكون أيسر، ولو كان المُدَّعَى منقولا له أن يطالبه مع ذلك كفيلا بالعين ليحضرها بغيبة المدعى عليه.
ولو كان المُدَّعَى عقاراً لا يحتاج إلى ذلك؛ لأنه لا يقبل التغييب، وصح أن يكون الواحد كفيلا بالنفس ووكيلا بالخصومة؛ لأن الواحد يقوم بهما، ولو أقر وغاب قضى؛ لأن ذلك قضى إعانة، ولو أقيمت البينة فلم تزل، فغاب المشهود عليه فزكيت لا يقضى عليه حال غيبته في ظاهر الرواية؛ لأن له حق الجرح في الشهود، وعن أبي يوسف أنه يقضى به، وبه أخذ الخصاف والأئمة الثلاثة، والله أعلم.
فَصْلٌ فِي كَيْفِيَّةِ الْيَمِينِ وَالِاسْتِحْلَافِ
لما ذكر نفس اليمين، أي: في أي موضع يحلف؟ ذكر في هذا الفصل صفتها؛ لما أن الصفة تقتضي سبق الموصوف، وكيفية الشيء صفته.
قوله: (لقوله ﵇) أول الحديث: «لا تَحْلِفُوا بآبائكم ولا بالطواغيت، مَنْ كَانَ مِنكُمْ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاللَّهِ أَوْ لِيَذَرْ» (١).
وفي المبسوط (٢): الحر والمملوك، والرجل والمرأة، والفاسق والصالح،
стр. 5546
حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاللَّهِ أَوْ لِيَذَرْ وَقَالَ ﵊: «مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ اللَّهِ فَقَدْ أَشْرَكَ» (وَقَدْ تُؤَكَّدُ بِذِكْرِ أَوْصَافِهِ) وَهُوَ التَّغْلِيظُ، وَذَلِكَ مِثْلُ قَوْلِهِ: قُلْ: وَاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالَمِ الغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ، الَّذِي يَعْلَمُ مِنْ السِّرِّ مَا يَعْلَمُ مِنْ العَلَانِيَةِ، مَا لِفُلَانٍ هَذَا عَلَيْكَ وَلَا قِبَلَك هَذَا المَالُ الَّذِي ادَّعَاهُ وَهُوَ كَذَا وَكَذَا وَلَا شَيْءَ مِنهُ. وَلَهُ أَنْ يَزِيدَ فِي التَّغْلِيظِ عَلَى هَذَا وَلَهُ أَنْ يَنْقُصَ مِنهُ، إِلَّا أَنَّهُ يَحْتَاطُ
والكافر والمسلم في اليمين سواء؛ لأن المقصود هو القضاء بالنكول، وهؤلاء في اعتقاد الحرمة في اليمين الكاذبة سواء.
قوله: (وتؤكد بذكر أوصافه) أي: أوصاف الله تعالى (وهو التغليظ) بأن يقول: والله الذي لا إله إلا هو إلى آخره، وله أن يزيد على هذا بأن يقول: الطالب الغالب المدرك المهلك، الذي يعلم السر وأخفى، إلى غير ذلك من أسمائه وصفاته، ويذكر صفاته بدون حرف العطف، حتى لو قال: والله والرحمن والرحيم صارت أيمانًا.
وإنما جاز ذلك؛ لأن المقصود من الاستحلاف النكول، وأحوال الناس فيه مختلفة، فمنهم من يمتنع إذا غُلِّظَ عليه اليمين، ويتجاسر إذا حلف بالله.
والأصل فيه حديث أبي هريرة في الذي حلفه بين يدي رسول الله ﷺ فقال: «والله الذي لا إله إلا هو الرحمن الرحيم الذي أنزل عليك الكتاب»، ولم ينكر عليه رسول الله ﷺ ، فالرأي في ذلك إلى القاضي.
وفي شرح الوجيز واستحب الشافعي أن يقرأ على الحالف قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [آل عمران: ٧٧]، وأن يحضر المصحف ويوضع في حجر الحالف، وذكر بعض أصحابه: يحلف قائما زيادةً في باب التغليظ (١).
إلا أنه يحتاط والمراد من الاحتياط ما ذكرنا أنه يذكر الأسماء
стр. 5547
فِيهِ كَيْ لَا يَتَكَبَّرَ عَلَيْهِ اليَمِينُ، لِأَنَّ المُسْتَحَقَّ يَمِينٌ وَاحِدَةٌ، وَالقَاضِي بِالخِيَارِ إِنْ شَاءَ غَلَّظَ وَإِنْ شَاءَ لَمْ يُغَلِّظُ، فَيَقُولُ: قُلْ بِاللَّهِ أَوْ وَاللَّهِ، وَقِيلَ: لَا يُغَلِّظُ عَلَى المَعْرُوفِ بِالصَّلَاحِ وَيُغَلِّظُ عَلَى غَيْرِهِ، وَقِيلَ: يُغَلِّظُ فِي الخَطِيرِ مِنْ المَالِ دُونَ الحَقِيرِ.
قَالَ: (وَلَا يُسْتَحْلَفُ بِالطَّلَاقِ وَلَا بِالعِتَاقِ) لِمَا رَوَيْنَا، وَقِيلَ: فِي زَمَانِنَا إِذَا أَلَحٌ الخَصْمُ سَاغَ لِلْقَاضِي أَنْ يَحْلِفَ بِذَلِكَ لِقِلَّةِ المُبَالَاةِ بِاليَمِينِ بِاللَّهِ، وَكَثْرَةِ الامْتِنَاعِ بِسَبَبِ الحَلِفِ بِالطَّلَاقِ.
والأوصاف بدون حرف العطف؛ لأنه إذا ذكر بالواو صارت أيمانا (والمستحق يمين واحدة).
قوله: (لما روينا)، وهو قوله ﵇: «مَنْ كَانَ مِنْكُمْ حَالِفًا» الحديث (١)، ولقوله ﵇: «مَلْعُونٌ من حَلَفَ بِالطَّلاقِ وحَلَفَ بِهِ» (٢). ذكره في المحيط.
قوله: (لقلة المبالاة باليمين بالله تعالى، وكثرة الامتناع عن الحلف بالطلاق).
وفي الذخيرة: التحليف بالطلاق والعتاق والأيمان المغلظة لم يُجوّزه أكثر مشايخنا، وأجازه البعض، فيعني بأنه يجوز إن مَسَّت الضرورة، وإذا بالغ المستفتي في الفتوى يفتي بأن الرأي إلى القاضي.
وفي الفصول للأَسْتَرَوْشَنِيّ: ولو حَلَّف القاضي بالطلاق فنكل لا يقضي عليه بالنكول؛ لأنه نكل عما هو منهي شرعًا، وكذا لو حَلَّفَه به وحَلَف، ثم حَلَّفَه بالله: إنك حلفت صادقًا، فنكل عن هذا اليمين - لا يقضي عليه بالنكول؛ لأن حقه في اليمين مرة.
وفيه: لو أنكر الشاهد الشهادة لا يحلفه القاضي، ولو قال المنكر: الشاهد كاذب، وأراد تحليف المدعي ما يعلم أنه كاذب - لا يحلفه، ولو قال المنكر: هذا الشاهد أقر قبل هذه الشهادة أن المحدود ملكي، وأراد تحليف الشاهد أو المدعي - لا يحلف.
стр. 5548
قَالَ: (وَيُسْتَحْلَفُ اليَهُودِيُّ بِاللَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ التَّوْرَاةَ عَلَى مُوسَى ﵇، وَالنَّصْرَانِيُّ بِاللَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ الإِنْجِيلَ عَلَى عِيسَى ﵇) لِقَوْلِهِ ﵊ لِابْنِ صُورِيَّا الأَعْوَرِ: «أَنْشُدُكَ بِاللَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ التَّوْرَاةَ عَلَى مُوسَى أَنَّ حُكْمَ الزِّنَا فِي كِتَابِكُمْ هَذَا»، وَلِأَنَّ اليَهُودِي يَعْتَقِدُ نُبُوَّةَ مُوسَى وَالنَّصْرَانِيَّ نُبُوَّةَ عِيسَى ﵉ فَيُغَلَّظُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنهُمَا بِذِكْرِ المُنَزَّلِ عَلَى نَبِيِّهِ (وَ) يَسْتَحْلِفُ (والمَجوُسِيُّ بِاللَّهِ الَّذِي خَلَقَ النَّارَ) وَهَكَذَا ذَكَرَ مُحَمَّدٌ ﵀ فِي الْأَصْلِ. يُرْوَى عَنْ
وفي المبسوط: أمرنا بإكرام الشهود (١)، وليس من الإكرام استحلافهم؛ لأن الاستحلاف ينبني على الخصومة، ولا خصم للشاهد.
وفي فتاوى قاضي خان أراد المدعي تحليفه بالطلاق والعتاق، في ظاهر الرواية: لا يجيبه القاضي؛ لأن ذلك حرام شرعًا، وبعضهم جوزوا ذلك في زماننا، والصحيح في ظاهر الرواية (٢).
وفي الخلاصة: ولو حلف بالطلاق فنكل، وقضى عليه بالمال لا ينفذ قضاؤه.
قوله: (ابن صُورِيَّا) هو اسم اعجمي، بالقصر. ذكره في المغرب (٣). والنشد: التحليف، من حَدٌ (نَصَرَ).
وفي المغرب: نشد الضالة: طلبها، ومنه قولهم في الاستعطاف: نَشَدْتُكَ ونا شَدْتُكَ الله وبالله، أي: سألتك بالله، وطلبتُ إليك بِحَقِّهِ (٤).
قوله: (وهكذا ذكر محمد في الأصل).
وفي المبسوط: وكأنه وقع عند محمد أن المجوس يعظمون النار تعظيم العبادة، فَلِمَقصودِ النكول قال: يذكر ذلك في اليمين (٥)، وبه قال الشافعي في وجه، وهو اختيار بعض مشايخنا، وقول أبي حنيفة وأبي يوسف والأئمة الثلاثة؛ لأن النار كسائر المخلوقات، فلما لم يستحلف المسلم بالله الذي خلق الشمس،
стр. 5549
أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ فِي النَّوَادِرِ: أَنَّهُ لَا يَسْتَحْلِفُ أَحَدًا إِلَّا بِاللَّهِ خَالِصًا. وَذَكَرَ الخَصَّافُ ﵀: أَنَّهُ لَا يَسْتَحْلِفُ غَيْرَ اليَهُودِي وَالنَّصْرَانِي إِلَّا بِاللَّهِ، وَهُوَ اخْتِيَارُ بَعْضِ مَشَايِخِنَا (*)، لِأَنَّ فِي ذِكْرِ النَّارِ مَعَ اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى تَعْظِيمًا، وَمَا يَنْبَغِي أَنْ تُعَظَّمَ، بِخِلَافِ الكِتَابَيْنِ، لِأَنَّ كُتُبَ اللَّهِ مُعَظَّمَةٌ (والوثَنِيُّ لَا يَحْلِفُ إِلَّا بِاللَّهِ) لِأَنَّ الكَفَرَةَ بِأَسْرِهِمْ يَعْتَقِدُونَ باللَّهِ تَعَالَى، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان: ٢٥] قَالَ: (وَلَا يَحْلِفُونَ فِي بُيُوتِ عِبَادَتِهِمْ) لِأَنَّ القَاضِيَ لَا يَحْضُرُهَا، بَلْ هُوَ مَمْنُوعٌ عَنْ ذَلِكَ.
قَالَ: (وَلَا يَجِبُ تَغْلِيظُ اليَمِينِ عَلَى المُسْلِمِ بِزَمَانٍ وَلَا مَكَان)
فكذا لا يستحلف المجوسي بالله الذي خلق النار، وكذا سائر أهل الشرك لا يستحلفون بالله الذي خلق الصنم أو الوثن وإن كانوا يعتقدون تعظيم ذلك، والفرق لمحمد أنه جوز في المجوسي تغليظ اليمين ذكر النار، ولم يجوز في سائر المشركين أنا أمرنا بإهانة الصنم والوثن؛ لأنه اتخذ إلها، وما أمرنا بإهانة النار؛ لأنها لم يوجد إلها. كذا في الفوائد الشاهية.
قوله: (ولا يحلفون في بيوت عباداتهم) إلى آخره.
وعن أبي الخطاب الحنبلي: إن كان لهم مواضع يُعظمونها، ويَتَوَفَّوْنَ أن يحلفوا فيها كاذبين - حلفوا فيها، وبه قال مالك في رواية، وروى ابن القاسم أن الكتابي يُحَلَّف بالله، ولا يزاد: الذي أنزل التوراة والإنجيل.
ولنا: ما روى أبو هريرة أنه ﵇ قال - يعني لليهود -: «وَنَشَدْتُكُمْ بالله الذي أَنْزَلَ التَّوْرَاةَ عَلَى مُوسَى: مَا تَجِدُونَ فِي التَّوْرَاةِ عَلَى مَنْ زَنَا» رواه أبو داود (١).
قوله: (ولا يجب تغليظ اليمين على المسلم بزمان ومكان) وبه قال أحمد، وقال الشافعي في قول: يستحب التغليظ بمكان وزمان، وفي قول: يجب التغليظ بمكان وزمان، وبه قال مالك في دعوى دم ونكاح وطلاق ورجعة وإيلاء
стр. 5550
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ولعان وعتق وحد ووكالة وولاء وجناية وكلّ ما ليس بمال، ولأن القصد منه المال، حتى يجري في الولادة والرضاع وعيوب النساء، ومال كثير، وهو النصاب من الذهب عشرون مثقالاً، ومن الفضة مائتا درهم، وفيما دون ذلك لا يغلظ فيما تقطع فيه يد السارق، وهو ربع دينار.
وعن ابن جرير الطبري أنه قال: يغلظ في كل قليل وكثير. كذا في شرح الوجيز والحلية (١).
ويختص المكان؛ إن كان بمكة بين الركن والمقام، وإن كان بالمدينة فعند قبر النبي ﷺ ، وفي بيت المقدس عند الصخرة، وفي سائر البلاد في الجوامع، وكذلك يشترط يوم الجمعة وبعد العصر، ومن به مرض أو زمانة لا يغلظ عليه بالمكان، وكذا على الحائض والمُخَدَّرَة [على وجه لا يجب عليها حضور مجلس القاضي، وتُحلَّف الحائض والمخدرة] (٢) على باب الجامع، كذا في كتبهم.
للشافعي: ما روي في بعض الآثار، وروي أن عبد الرحمن بن عوف رأى قوما يحلفون بين المقام والبيت، فقال: أَعَلَى دم؟ قالوا: لا، قال: أَفَعَلَى عظيم من المال؟ قالوا: لا، قال: خشيت أن يتهاون الناس بهذا البيت، ويروى: أن يهاب الناسُ، يقال: يهاب بالشيء (٣): إذا أَنِسْتَ حتى سقط هيبته.
ولنا: إطلاق قوله ﵇: «اليَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ» (٤)، والتخصيص بالمكان والزمان زيادة عليه فلا يجوز بخبر غريب.
стр. 5551
لِأَنَّ المَقْصُودَ تَعْظِيمُ المُقْسَمِ بِهِ وَهُوَ حَاصِلٌ بِدُونِ ذَلِكَ، وَفِي إِيجَابِ ذَلِكَ حَرَجٌ عَلَى القَاضِي حَيْثُ يُكَلِّفُ حُضُورَهَا وَهُوَ مَدْفُوعٌ.
قَالَ: (وَمَنْ ادَّعَى أَنَّهُ ابْتَاعَ مِنْ هَذَا عَبْدَهُ بِأَلْفِ فَجَحَدَ، اسْتُحْلِفَ بِاللَّهِ مَا بَيْنَكُمَا بَيْعٌ قَائِمٌ فِيهِ، وَلَا يُسْتَحْلَفُ بِاللَّهِ مَا بِعْتُ لِأَنَّهُ قَدْ يُبَاعُ العَيْنُ، ثُمَّ يُقَالُ فِيهِ (وَيُسْتَحْلَفُ فِي الغَصْبِ بِاللَّهِ مَا يَسْتَحِقُّ عَلَيْكَ رَدَّهُ، وَلَا يَحْلِفُ بِاللَّهِ مَا غَصَبْتُ) لِأَنَّهُ قَدْ يَغْصِبُ ثُمَّ يَفْسَخُ بِالهِبَةِ وَالبَيْعِ وَفِي النِّكَاحِ: بِاللَّهِ مَا بَيْنَكُمَا نِكَاحٌ قَائِمٌ فِي الحَالِ) لِأَنَّهُ قَدْ يَطْرَأُ عَلَيْهِ الخُلْعُ وَفِي دَعْوَى الطَّلَاقِ بِاللَّهِ: مَا هِيَ بَائِنُ مِنْكَ السَّاعَةَ بِمَا ذَكَرْت، وَلَا يُسْتَحْلَفُ: بِاللَّهِ مَا طَلَّقَهَا لِأَنَّ النِّكَاحَ قَدْ يُجَدَّدُ بَعْدَ الإِبَانَةِ فَيَحْلِفُ عَلَى الحَاصِلِ فِي هَذِهِ الوُجُوهِ، لِأَنَّهُ لَوْ حَلَفَ عَلَى السَّبَبِ يَتَضَرَّرُ المُدَّعَى عَلَيْهِ، وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ أَمَّا عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ ﵀: يَحْلِفُ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ عَلَى السَّبَبِ (*)،
(ولأن المقصود تعظيم المقسم به، وهو حاصل بدون ذلك) إلى آخره، ولأن اليمين سبب لقطع الخصومة، فلا تختص بمكان وزمان كالبينة، ولأن في التغليظ بالزمان تأخر حق المدعي. كذا في المبسوط، وشرح الأقطع.
قوله: (وفي النكاح ما بينكما نكاح قائم)، وهذا على قولهما؛ لما أن الاستحلاف في النكاح قولهما.
قوله: (يتضرر المدعى عليه)؛ لأنه لو حلف على نفي أصل السبب، كالبيع ونحوه، يكون كاذبًا، ولو لم يحلف يجب تسليم العبد العائد إلى ملكه بالإقالة؛ لأنه لو ادعى المعنى الطارئ لم يقبل قوله، وإذا حلف على الحاصل فقد وَفَّى المدعي والمدعى عليه حَقَّهما؛ لعلمنا أن مقصود المدعي من دعوى المبيع ونحوه ثبوت الحكم، ومتى أمكن إيقاع حقهما كان أولى من إيفاء حق أحدهما، وأبو يوسف يقول: اليمين حق المدعي، فوجب أن يكون مطابقا لدعواه، والمُدَّعَى هو السبب.
стр. 5552
إِلَّا إِذَا عَرَضَ للمُدَّعَى عَلَيْهِ بِمَا ذَكَرْنَا، فَحِينَئِذٍ يَحْلِفُ عَلَى الحَاصِلِ. وَقِيلَ: يَنْظُرُ إِلَى إِنْكَارِ المُدَّعَى عَلَيْهِ، إِنْ أَنْكَرَ السَّبَبَ يَحْلِفُ عَلَيْهِ، وَإِنْ أَنْكَرَ الحُكْمَ يَحْلِفُ عَلَى الحَاصِلِ. فَالحَاصِلُ هُوَ الأَصْلُ عِنْدَهُمَا إِذَا كَانَ سَبَبًا يَرْتَفِعُ، إِلَّا إِذَا كَانَ فِيهِ تَرْكُ النَّظَرِ فِي جَانِبِ المُدَّعِي، فَحِينَئِذٍ يَحْلِفُ عَلَى السَّبَبِ، بِالإِجْمَاعِ، … ... … ... … ..
قوله: (إلا إذا عَرَضَ) وصفة التعريض أن يقول المدعى عليه إذا عَرَضَ القاضي اليمين عليه: بالله ما بعتُ أيها القاضي، إن الإنسان قد يبيع شيئًا ثم يُقابل (١) فيه فحينئذ يحلف على الحاصل وصار العدول عن اليمين على مقتضى الدعوى حقًا للمنكر حين طالب به. كذا في شرح الأقطع.
وفي فتاوى قاضي خان: التعريض أن يقول المنكر حين عرض اليمين للقاضي: ما يحلفني على هذا الوجه (٢)، فإن الإنسان، إلى آخره ما ذكرنا.
ثم قال فيه: وبه أخذ بعض مشايخنا، وقال الحلواني: ينظر إلى جواب المنكر دعوى المدعي إذا أنكر السبب بأن قال: ما استقرضت ولا غصبت يُحلف على السبب، وإن قال: ليس له عليَّ هذا المالُ الذي يَدَّعِي، ولا شيء منه - يحلف على الحاصل.
قال ﵀: هذا هو الأحسن، وهكذا أيضًا في الذخيرة، وهذا هو الذي ذكرنا في المتن بقوله: (وقيل: ينظر إن أنكر السبب) إلى آخره، وعليه عمل أكثر القضاة.
وقال فخر الإسلام: يفوض إلى رأي القاضي، وبقول الحلواني قال مالك وأحمد والشافعي في وجه، وفي وجه كقول أبي يوسف.
قوله: (والحاصل هو الأصل) أي: التحليف على الحاصل أصل (عندهما) وهو أن يقول: بالله ما له حق الرد بهذا العيب الذي يدعيه.
قوله: (فحينئذ يحلف على السبب بالإجماع)، فإن قيل: في التحليف على السبب ضرر بالمنكر أيضًا؛ لجواز أنه اشترى ولا شفعة، بأن سلم أو سكت عن الطلب.
стр. 5553
وَذَلِكَ أَنْ تَدَّعِيَ مَبْتُوتَةٌ نَفَقَةَ العِدَّةِ وَالزَّوْجُ مِمَّنْ لَا يَرَاهَا، أَوْ ادَّعَى شُفْعَةً بِالجِوَارِ وَالمُشْتَرِي لَا يَرَاهَا، لِأَنَّهُ لَوْ حَلَفَ عَلَى الحَاصِلِ يَصْدُقُ فِي يَمِينِهِ فِي مُعْتَقَدِهِ فَيَفُوتُ النَّظَرُ فِي حَقِّ المُدَّعِي، وَإِنْ كَانَ سَبَبًا لَا يَرْتَفِعُ بِرَافِعِ فَالتَّحْلِيفُ عَلَى السَّبَبِ بِالإِجْمَاعِ كَالعَبْدِ المُسْلِمِ إِذَا ادَّعَى العِتْقَ عَلَى مَوْلَاهُ، بِخِلَافِ الْأَمَةِ وَالْعَبْدِ الكَافِرِ لِأَنَّهُ يُكَرِّرُ الرِّقَّ عَلَيْهَا بِالرِّدَّةِ وَاللِّحَاقِ وَعَلَيْهِ بِنَقْضِ العَهْدِ وَاللِّحَاقِ، وَلَا يُكَرِّرُ عَلَى العَبْدِ المُسْلِمِ.
قَالَ: (وَمَنْ وَرِثَ عَبْدًا وَادَّعَاهُ آخَرُ يُسْتَحْلَفُ عَلَى عِلْمِهِ لِأَنَّهُ لَا عِلْمَ لَهُ بِمَا صَنَعَ المُوَرِّثُ، فَلَا يَحْلِفُ عَلَى البَتَاتِ وَإِنْ وَهَبَ لَهُ أَوْ اشْتَرَاهُ يَحْلِفُ عَلَى البَنَاتِ)
قلنا: القاضي لا يجد بدا من إلحاق الضرر بأحدهما، فكان مراعاة جانب المدعي أولى؛ لأن السبب الموجب للحق هو الشراء، وإذا ثبت ثبت له الحق، وسقوطه إنما يكون بأسباب عارضة، فيجب التمسك بالأصل حتى يقوم الدليل على العارض. كذا ذكره الصدر الشهيد في أدب القاضي.
وقوله: (وذلك أن تَدَّعِي) إشارة إلى ما كان من التحليف على السبب ترك النظر في جانب المدعي.
قوله: (فالتحليف على السبب بالإجماع) بأن قال: والله ما أعتقت.
(وعليه) أي: على العبد الكافر (بنقض العهد واللحاق) والسبي بعد ذلك، والعبد المسلم إذا ارتد قتل، فلا يمكن تكرر الرق عليه، وفي بعض النسخ: (وعليها) مكان (وعليه) وهو بعيد.
قوله: (يحلف على البتات) وأصله أي التحليف في الشرع على نوعين:
على البتات وعلى العلم، وكلاهما مشروع، فإنه ﵇ «حلّفَ اليَهُودِي فِي القَسَامَةِ بِاللهِ مَا قَتَلْتُمْ وَلَا عَلِمْتُمْ له قَاتِلًا» (١) فالتحليف على فعل المدعى عليه بالبتات، وعلى فعل غيره [بالعلم، وبه قالت الأئمة الثلاثة وأكثر أهل العلم،
стр. 5554
لِوُجُودِ المُطْلَقِ لِلْيَمِينِ، إِذْ الشِّرَاءُ سَبَبٌ لِثُبُوتِ المِلْكِ وَضْعًا وَكَذَا الهِبَةُ.
وقال ابن أبي ليلى: كلها على البتات، وبه] (١) قال شريح، وقال النخعي والشعبي والبصري: كلها على العلم.
قال الحلواني: هذا أصل مستقيم أن التحليف على فعل الغير في المسائل لا في الرد بالعيب، فإن المشتري إذا ادعى أن العبد سارق أو أبق، وأثبت إباقه وسرقته في يد نفسه، وادعى أنه سرق أو أبق في يد البائع، وأراد تحليف البائع يحلف على البتات مع أنهما فعل الغير؛ لما أن البائع ضمن تسليم المبيع سليما عن العيب، فالتحليف يرجع إلى ما ضمن بنفسه، فيكون على البتات.
وقيل: إن التحليف على فعل إنما يكون على العلم إذا قال الحالف: لا علم لي بذلك، أما لو قال: لي علم بذلك يحلف على البتات، ألا ترى أن المودع إذا قال: قبض صاحب الوديعة مني، فإنه يحلف المودع على البتات، وكذا الوكيل بالبيع إذا باع وسلم إلى المشتري، ثم أقر البائع أن الموكل قبض الثمن، وجحد الموكل؛ فالقول قول الوكيل مع يمينه، ويحلف على البتات، وهذا تحليف على فعل الغير، ولكن الوكيل يدعي أن له علما بذلك، فإنه قال: قبض الموكل الثمن، فكان له علم بذلك، فيحلف على البتات. كذا في الفصول.
وأجيب عنه: أن هذا تحليف على فعل نفسه، وهو التسليم والرد من حيث المعنى.
قوله: (والشراء سبب ثبوت الملك وضعًا) إلى آخره.
فإن قيل: الإرث سبب موضوع للملك شرعًا كالهبة، فكيف يستحلف في الإرث علم العلم؟
قلنا: معنى قوله: (الشراء سبب لثبوت الملك وضعًا) أي: سبب يثبت الملك باختياره، ولو لم يعلم المشتري أن العين الذي اشتراه ملك البائع لما باشر الشراء اختيارًا، وكذا الموهوب له في قبول الهبة، بخلاف الإرث، فإنه يثبت الملك للوارث جبرًا ولا علم له بحالِ ملكِ المورث، فلذلك يستحلف بالعلم. إليه أشار فخر الإسلام في جامعه.
стр. 5555
قَالَ: (وَمَنْ ادَّعَى عَلَى آخَرَ مَالًا فَافْتَدَى يَمِينَهُ، أَوْ صَالَحَهُ مِنهَا عَلَى عَشَرَةٍ: فَهُوَ جَائِزٌ) وَهُوَ مَأْثُورٌ عَنْ عُثْمَانَ ﵁.
وفي المحيط: والفقه فيه أن الوارث حلف عن الميت، والنيابة لا تجري في اليمين حتى يُحَلَّفَ على البتات كالمورث، ولا كذلك المشتري؛ لأنه أصل بنفسه لا نائب عن غيره.
وذكر اللامشي: في كل موضع وجبت اليمين على العلم فحلف على البتات سقط عنه الحلف على العلم، فإذا نكل يقضى عليه، وفي كل موضع وجبت على البتات فحلف على العلم لا يكون معتبرًا، وإذا نكل عن اليمين لا يعتبر ذلك النكول. كذا في الفصول.
قوله: (فافتدى يمينه أو صالحه) فالافتداء قد يكون بمال هو مثل المدعى، وقد يكون أقل من المدعى، والصلح إنما يكون على أقل من المدعى في الغالب؛ لأن الصلح ينبني عن الحطيطة، وكلاهما مشروع، وهي مسألة الصلح على الإنكار، فيجوز عندنا ومالك وأحمد، ولا يجوز عند الشافعي، ويجيء في الصلح إن شاء الله.
(وهو) أي: افتداء اليمين مروي عن عثمان اختلفت روايات الكتب أن عثمان كان مُدَّعَى عليه من ذلك أو مُدَّعِيًا.
في الفوائد الظهيرية: كان مُدَّعَى عليه فافتدى يمينه، فقيل: ألا تحلف وأنت صادق؟ فقال: أخاف أن يوافق قدر يميني فيقال: هذا بسبب يمينه.
وفي المبسوط: ذكر أنه كان مدعيًا، فادعى مالا على مقداد (١)، وقد مر في مسألة رد اليمين على المدعي.
وعن حذيفة أنه افتدى يمينه بمال، ولأنه لو حلف يقع في القيل والقال، فإن الناس من مصدق ومكذب، فإذا افتدى يمينه فقد صان عرضه، وهو حسن، قال ﵇: «ذُبُّوا عَنْ أَعْراضِكُمْ بِأَمْوالِكُمْ» (٢)، وعن علي: إياك وما يقع عند
стр. 5556
(وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَسْتَحْلِفَهُ عَلَى تِلْكَ اليَمِينِ أَبَدًا) لِأَنَّهُ أَسْقَطَ حَقَّهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
بَابُ التَّحَالُفِ
قَالَ: (وَإِذَا اخْتَلَفَ المُتَبَايِعَانِ فِي البَيْعِ، فَادَّعَى أَحَدُهُمَا ثَمَنًا وَادَّعَى البَائِعُ أَكْثَرَ مِنْهُ، أَوْ اعْتَرَفَ البَائِعُ بِقَدْرِ مِنْ المَبِيعِ، وَادَّعَى الْمُشْتَرِي أَكْثَرَ مِنْهُ فَأَقَامَ أَحَدُهُمَا البَيِّنَةَ: قُضِيَ لَهُ بِهَا) لِأَنَّ فِي الجَانِبِ الآخَرِ مُجَرَّدَ الدَّعْوَى، وَالبَيِّنَةُ أَقْوَى مِنهَا (وَإِنْ أَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنهُمَا بَيِّنَةً كَانَتْ البَيِّنَةُ المُثْبِتَةُ لِلزِّيَادَةِ أَوْلَى) لِأَنَّ البَيِّنَاتِ لِلْإِثْبَاتِ، وَلَا تَعَارُضَ فِي الزِّيَادَةِ (وَلَوْ كَانَ الاخْتِلَافُ فِي الثَّمَنِ وَالمَبِيعِ جَمِيعًا، فَبَيِّنَةُ البَائِعِ أَوْلَى فِي الثَّمَنِ، وَبَيِّنَةُ المُشْتَرِي أَوْلَى فِي المَبِيعِ) نَظَرًا إِلَى زِيَادَةِ الإِثْبَاتِ.
الناس إنكاره، وإن كان عندك اعتذاره، فليس كل سامع نكرًا، يستطيع أن يُوسِعَه عذرا.
قوله: (لأنه) أي: المدعي أسقط حقه بالفداء والصلح؛ لأنه أخذ بدله، أما لو اشترى يمينه بعشرة دراهم لم يجز، وله أن يستحلفه؛ لأن الشراء عقد تمليك المال واليمين ليست بمال. ذكره قاضي خان والمرغيناني والمحبوبي.
بَابُ التَّحَالُفِ
لما ذكر حكم يمين الواحد ذكر حكم يمين الاثنين؛ إذ الاثنين بعد الواحد.
قوله: (ولو كان الاختلاف في الثمن والمبيع جميعًا) أي: في قدرهما.
وفي المبسوط: صورته: قال البائع: بعتك هذه الجارية بمائة دينار، وقال المشتري: بعتني معها هذا الوصيف بخمسين دينارًا، وأقاما البينة، فهما جميعًا للمشتري بمائة دينار، أو يقضى بالعقدين؛ لأن كل واحد منهما يثبت زيادة في حقه، فيثبته كل واحد على ما يثبت من الزيادة في حقه مقبولة (١).
وقيل: هذا قول أبي حنيفة الآخر، أما قال أولا: يقضى بهما للمشتري بمائة وخمسة وعشرين دينارًا، وهو قول زفر، ونظير هذه المسألة في الإجارات.
стр. 5557
(وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةٌ، قِيلَ لِلْمُشْتَرِي: إِمَّا أَنْ تَرْضَى بِالثَّمَنِ الَّذِي ادَّعَاهُ البَائِعُ وَإِلَّا فَسَخْنَا البَيْعَ، وَقِيلَ لِلْبَائِعِ: إِمَّا أَنْ تُسَلَّمَ مَا ادَّعَاهُ المُشْتَرِي مِنْ المَبِيعِ وَإِلَّا فَسَخْنَا البَيْعَ لِأَنَّ المَقْصُودَ قَطْعُ المُنَازَعَةِ، وَهَذِهِ جِهَةٌ فِيهِ، لِأَنَّهُ رُبَّمَا لَا يَرْضَيَانِ بِالفَسْخِ، فَإِذَا عَلِمَا بِهِ يَتَرَاضَيَانِ بِهِ فَإِنْ لَمْ يَتَرَاضَيَا اسْتَحْلَفَ الحَاكِمُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى دَعْوَى الآخَرِ) وَهَذَا التَّحَالُفُ قَبْلَ القَبْضِ عَلَى وِفَاقِ القِيَاسِ، لِأَنَّ
أما لو اختلفا في جنس الثمن بأن قال البائع: بعتك هذه الجارية بعبدك، وقال: اشتريتها بمائة دينار، وأقاما البينة لزم المشتري البيع بالعبد، وتقبل بينة البائع دون المشتري؛ لأن حق المشتري في الجارية ثابت باتفاقهما، وإنما الاختلاف في حق البائع، وبينته تثبت الحق لنفسه في العبد، وبينة المشتري تبقي ذلك، والبينات للإثبات.
قوله: (فإذا علما به) أي: بالفسخ (يتراضيان) أي: بما ادعى كل واحد منهما.
(وهذا التحالف قبل القبض) أي: قبض المشتري السلعة (موافق القياس) هذا الذي ذكره اختيار أبي حازم القاضي.
أما في أصل رواية المبسوط لم يَشْتَرِط - في [أن] (١) التحالف مخالف للقياس - هذا الشرط، حيث قال: إذا اختلفا في الثمن، والسلعة قائمة، يتحالفان استحسانًا، والقياس: القول للمشتري؛ لأنهما اتفقا على أصل البيع، وادعى البائع الزيادة في الثمن، والمشتري منكر، فالقول له مع يمينه؛ لقوله ﵇: «البَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي، وَاليَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ» (٢) لكن تُرِكَ القياس بالسنة، والمروي حديثان:
стр. 5558
البَائِعَ يَدَّعِي زِيَادَةَ الثَّمَنِ، وَالمُشْتَرِي يُنْكِرُهُ، وَالمُشْتَرِيَ يَدَّعِي وُجُوبَ تَسْلِيمِ المَبِيعِ بِمَا نَقَدَ، وَالبَائِعَ يُنْكِرُهُ، فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُنْكِرٌ فَيَحْلِفُ؛ فَأَمَّا بَعْدَ القَبْضِ فَمُخَالِفٌ لِلْقِيَاسِ، لِأَنَّ المُشْتَرِيَ لَا يَدَّعِي شَيْئًا، لِأَنَّ المَبِيعَ سَالِمٌ لَهُ فَبَقِيَ دَعْوَى البَائِعِ فِي زِيَادَةِ الثَّمَنِ، وَالمُشْتَرِي يُنْكِرُهَا، فَيُكْتَفَى بِحَلِفِهِ، لَكِنَّا عَرَفْنَاهُ بِالنَّصِّ وَهُوَ قَوْلُهُ ﵊: «إِذَا اخْتَلَفَ المُتَبَايِعَانِ وَالسِّلْعَةُ قَائِمَةٌ بِعَيْنِهَا تَحَالَنَا وَتَرَادَّا». (وَيَبْتَدِئُ بِيَمِينِ المُشْتَرِي) وَهَذَا قَوْلُ مُحَمَّدٍ وَأَبِي يُوسُفَ آخِرًا، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ لَهُ وَهُوَ الصَّحِيحُ، لِأَنَّ المُشْتَرِيَ أَشَدُّهُمَا إِنْكَارًا، لِأَنَّهُ يُطَالِبُ أَوَّلًا بِالثَّمَنِ،
أحدهما: ما روى ابن مسعود أنه ﵇ قال: «إِذَا اخْتَلَفَ المُتَبَايِعَانِ وَالسِّلْعَةُ قَائِمَةٌ بِعَيْنِهَا، فَالقَوْلُ مَا يَقُولُهُ البَائِعِ، وَيَتَرادَّانِ» (١).
والثاني: ما روى أبو هريرة أنه ﵇ قال: «إذا اختلفا تحالفا وترادًا» (٢) والحديث مشهور صحيح يُترك القياس به.
فإن قيل: مخصوص في الأجل وشرط الخيار، حيث لا تحالف ثمة إذا اختلفا فيهما.
قلنا: ليس بمخصوص؛ لأن المراد من الاختلاف في البيع (٣): الاختلاف في المبيع أو الثمن؛ إذ قيام البيع (٤) بهما، كذا قيل، وفيه نوع تأمل.
وقوله: (وهو الصحيح) احتراز عن قول أبي يوسف الأول، كما يجيء، وبالصحيح قال زفر والشافعي في وجه.
قوله: (لأنه يطالب بالثمن أولا) فيكون بادئًا بالإنكار، والبادئ أظلم، فيكون إنكاره في أزمنة ما يتحقق فيه إنكار البائع فيها، ولأن إنكار البائع مبني
стр. 5559
وَلِأَنَّهُ يَتَعَجَّلُ فَائِدَةَ النُّكُولِ وَهُوَ إِلْزَامُ الثَّمَنِ، وَلَوْ بُدِئَ بِيَمِينِ البَائِعِ تَتَأَخَّرُ المُطَالَبَةُ بِتَسْلِيمِ المَبِيعِ إِلَى زَمَانِ اسْتِيفَاءِ الثَّمَنِ. وَكَانَ أَبُو يُوسُفَ ﵀ يَقُولُ أَوَّلًا: يَبْدَأُ بِيَمِينِ البَائِعِ لِقَوْلِهِ ﵊: «إِذَا اخْتَلَفَ المُتَبَايِعَانِ فَالقَوْلُ مَا قَالَهُ البَائِعُ» خَصَّهُ بِالذِّكْرِ، وَأَقَلُّ فَائِدَتِهِ التَّقْدِيمُ.
(وَإِنْ كَانَ بَيْعَ عَيْنٍ بِعَيْنٍ، أَوْ ثَمَنٍ بِثَمَنٍ، بَدَأَ القَاضِي بِيَمِينِ أَيْهِمَا شَاءَ) لِاسْتِوَائِهِمَا (وَصِفَةُ اليَمِينِ: أَنْ يَحْلِفَ البَائِعُ بِاللَّهِ مَا بَاعَهُ بِأَلْفٍ، وَيَحْلِفَ المُشْتَرِي
على إنكار المشتري، ولأنه أنكر شيئين: أصل الوجوب والأداء في الحال. كذا ذكره قاضي خان.
(ولأنه يتعجل فائدة النكول)، واليمين شرعت لفائدة النكول، حتى لا يُستحلَفُ فيما لا يستوفى بالنكول، ونكول المشتري بتعجيل فائدته، وهو تسليم الثمن، فبنكول البائع تتأخر فائدته؛ لأن تسليم المبيع يؤخر إلى زمان استيفاء الثمن؛ لأنه يقال له: أمسك المبيع حتى تستوفي الثمن، فكان تقديم ما تعجل فائدته بالنكول أولى.
قوله: (أولا يبدأ بيمين البائع) وبه قال الشافعي في الأصح ومالك وأحمد.
قوله: (فخصه) أي: النبي ﵇ خص البائع (بالذكر) وجعل القول قوله، وهذا يقتضي الاكتفاء بمينيه، فإن (١) لا يُكتفى بيمينه فلا [أقل من] (٢) أن يُبدأ بيمينه. كذا في المبسوط (٣).
ولأن المقصود من اليمين النكول، وبنكوله يقطع المنازعة بنفسه، وبنكول المشتري لا يقطع، ولكن يجبر على ما إذا ادعى البائع من الألفين، واليمين لقطع المنازعة، وقيل: يقرع بينهما، وقيل: هذا يمين الزوج في النكاح عند أبي حنيفة ومحمد؛ تعجيلا لفائدة النكول، كما في المشتري، وبه قالت الأئمة الثلاثة، وقد ذكر في النكاح أنه يقرع بينهما في النداء.
قوله: (بدأ القاضي بأيهما شاء) وبه قال الشافعي في كل البيوع في وجه (لاستوائهما) أي: [في] (٤) فائدة النكول.
стр. 5560
(بِاللَّهِ مَا اشْتَرَاهُ بِأَلْفَيْنِ) وَقَالَ فِي الزِّيَادَاتِ: يَحْلِفُ بِاللَّهِ مَا بَاعَهُ بِأَلْفٍ وَلَقَدْ بَاعَهُ بِأَلْفَيْنِ، يَحْلِفُ المُشْتَرِي بِاللَّهِ مَا اشْتَرَاهُ بِأَلْفَيْنِ وَلَقَدْ اشْتَرَاهُ بِأَلْفِ يُضَمُّ الإِثْبَاتُ إِلَى النَّفْيِ تَأكِيدًا، وَالأَصَحُ: الاقْتِصَارُ عَلَى النَّفْيِ لِأَنَّ الْأَيْمَانَ عَلَى ذَلِكَ وُضِعَتْ، دَلَّ عَلَيْهِ حَدِيثُ القَسَامَةِ «بِاللَّهِ مَا قَتَلْتُمْ وَلَا عَلِمْتُمْ لَهُ قَائِلًا». قَالَ: (فَإِنْ حَلَفَا فَسَخَ القَاضِي البَيْعَ بَيْنَهُمَا) وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَنْفَسِخُ بِنَفْسِ التَّحَالُفِ، لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ مَا ادَّعَاهُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، فَيَبْقَى بَيْعَ مَجْهُولٍ فَيَفْسَخُهُ القَاضِي قَطْعًا لِلْمُنَازَعَةِ. أَوْ يُقَالُ. إِذَا لَمْ يَثْبُتْ الْبَدَلُ يَبْقَى بَيْعًا بِلَا بَدَلٍ وَهُوَ فَاسِدٌ وَلَا بُدَّ مِنْ الفَسْخِ فِي البَيْعِ الفَاسِدِ.
قوله: (يضم الإثبات إلى النفي بيانه أنه لو حلف المشتري بالله ما اشتراه بألفين، ربما يحلف ويكون بارا في يمينه، فلعله اشتراه بألف وتسعمائة فيبطل حق البائع في الزيادة، وكذا البائع لو حلف بالله ما باعه بألف، ربما يحلف ويكون صادقًا لجواز أنه باعه بألف ودرهم، فيبطل حق المشتري.
لأن الأيمان على ذلك وُضِعَتْ) أي: على النفي لا على الإثبات؛ لأنه لم يثبت ما ادعاه كل واحد منهما، حتى [إذا] (١) اصطلحا على شيء تُرِكا على ذلك، ولا عبرة بذلك الوهم؛ لأن البائع لو كان باعه بألف وتسعمائة لا يدعي البيع بألفين؛ لأنه يعلم أن المشتري متى حلف على دعواه لا يبالي من الحلف؛ لأنه لا يحنث في يمينه، وكذا المشتري لو اشتراه بألف ودرهم لا يدعي الشراء بألف؛ لأنه يعلم أن البائع لا يبالي من الحلف على ألف؛ لأنه لا يحنث في يمينه.
قوله: (فسخ القاضي البيع) إن طلبا أو طلب أحدهما، حتى لو رضيا بترك الدعوى لم ينفسخ، وقيل: ينفسخ بنفس التحالف، وبه قال الشافعي في وجه، والصحيح أنه لا ينفسخ، وبه قال الشافعي في الأصح، والقاضي يفسخه، وهو المشهور عنه، وفي وجه يفسخه أحد العاقدين.
قوله: (ولا بد من الفسخ في فاسد البيع) وفيما لم يفسخاه فلا بد أن يقوم القاضي مقامهما في الفسخ.
وفي المبسوط (٢): إنما يفسخ القاضي البيع عند طلب أحدهما، فما لم
стр. 5561
قَالَ: (وَإِنْ نَكَلَ أَحَدُهُمَا عَنْ اليَمِينِ لَزِمَهُ دَعْوَى الآخَرِ) لِأَنَّهُ جُعِلَ بَاذِلًا فَلَمْ يَبْقَ دَعْوَاهُ مُعَارِضًا لِدَعْوَى الْآخَرِ فَلَزِمَ القَوْلُ بِثُبُوتِهِ.
قَالَ: (وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي الأَجَلِ، أَوْ فِي شَرْطِ الخِيَارِ،
يفسخ حل للمشتري وطء المشتراة، ولو فسد البيع بالتحالف لما حل ولما تأخر حكم الفسخ إلى طلب أحدهما، ولا يفسخ النكاح؛ لأن أثر التحالف في بطلان التسمية، وذا لا يحل بصحة النكاح؛ إذ المهر تابع فيه، وفي البيع عدم التسمية ثَم إذا لم يفسخ النكاح بحكم مهر المثل، وقد مرَّ في النكاح، فيجيء بعد أيضًا.
قوله: (وإن اختلفا في الأجل) إلى آخره، وكذا لو اختلفا في قدر الأجل، أو قدر شرط الخيار، أو شرط الرهن، أو شرط الضمان، أو العهدة بالمال - فلا تحالف عندنا، وبه قال أحمد. وقال زفر والشافعي ومالك: تحالفا، ولو اختلفا في أصل البيع لم يتحالفا بالإجماع. لزفر إطلاق النص.
قلنا: علق وجوب التحالف باختلافهما فيما يثبت به البيع، والبيع يثبت بالمبيع والثمن لا بالأجل، فكأنه قال: إذا اختلف المتبايعان في المبيع أو الثمن تحالفا، وفيما وراءهما يؤخذ بالقياس، والقياس: القول للمنكر.
فإن قيل: الأجل يوجب نقصًا في الثمن، فكان ذلك اختلافًا في وصف الثمن.
قلنا: الأجل ليس بوصف للثمن، بدليل أن الأجل يمضي والثمن موجود مستحق، ولو كان وصفًا له لتبعه، كذا قيل، وفيه نوع تأمل.
ولأن أصل الثمن حق البائع، والأجل حق المشتري، ولو كان وصفًا للثمن لكان تابعًا للأصل وحقا للبائع.
وفي المبسوط: فرق أبو حنيفة بين هذا وبين الأجل في باب السلم، حيث جعل هناك القول قول مدعي الأجل، وهنا القول لمنكره، والفرق أنه جعل هناك الأجل من شرائط صحة العقد، فإقراره بالعقد إقرار بما هو شرط، فإذا أنكر فقد رجع عن الإقرار، فلا يصدق، ولو اختلفا في مُضِيّ الأجل فالقول للمشتري؛ لأن الأجل حقه، وهو منكر استيفاء حقه. ذكره في المبسوط (١).
стр. 5562
أَوْ فِي اسْتِيفَاءِ بَعْضِ الثَّمَنِ، فَلَا تَحَالُفَ بَيْنَهُمَا) لِأَنَّ هَذَا اخْتِلَافٌ فِي غَيْرِ المَعْقُودِ عَلَيْهِ وَالمَعْقُودِ بِهِ، فَأَشْبَهَ الاخْتِلَافَ فِي الحَطِّ وَالإِبْرَاءِ، وَهَذَا لِأَنَّ بِانْعِدَامِهِ لَا يَخْتَلُّ مَا بِهِ قِوَامُ العَقْدِ، بِخِلَافِ الاخْتِلَافِ فِي وَصْفِ الثَّمَنِ وَجِنْسِهِ، حَيْثُ يَكُونُ بِمَنْزِلَةِ الاخْتِلَافِ فِي القَدْرِ فِي جَرَيَانِ التَّحَالُفِ، لِأَنَّ ذَلِكَ يَرْجِعُ إِلَى نَفْسِ الثَّمَنِ، فَإِنَّ الثَّمَنَ دَيْنٌ وَهُوَ يُعْرَفُ بِالوَصْفِ، وَلَا كَذَلِكَ الأَجَلُ، لِأَنَّهُ لَيْسَ بِوَصْفٍ؛ أَلَا تَرَى أَنَّ
قوله: (في استيفاء بعض الثمن) وكذا لو اختلفا في استيفاء كل الثمن فالحكم كذلك، حيث يكون اليمين على البائع لا غير، وإنما لم يذكره؛ لأن ذلك مفروغ منه باعتبار أنه صار ذلك بمنزلة سائر الدعاوى.
قوله: (فأشبه الاختلاف في الحط) يعني إذا اختلفا في حط بعض الثمن، أو إبراء كل الثمن لم يتحالفا، فكذا إذا اختلفا في الأجل وشرط الخيار (وهذا لأن بانعدامه) أي: بانعدام ما ذكرنا من الأجل أو شرط [الخيار] (١) أو استيفاء بعض الثمن (لا يختل ما به قوام العقد) وهو المبيع والثمن؛ إذ العقد بلا أجل وشرط جائز، فبعد التحالف يبقى عقدا بلا أجل وشرط، ولأنه لا يوجب الفساد.
وفي جامع قاضي خان: الاختلاف في الثمن والمبيع يوجب اختلاف العقد، ولهذا لو شهد أحدهما بالبيع بألف درهم، والآخر بالبيع بالدنانير لا يقبل؛ لاختلاف العقد، ولو شهد أحدهما بالبيع بألف إلى أجل، والآخر بالبيع بألف يقضى بالبيع بألف حالة، وكذا لو شهد أحدهما بالشرط، والآخر بالبيع بلا ذكر شرط جازت الشهادة في وصف الثمن.
(يرجع إلى نفس الثمن؛ لأن الثمن دين، وهو يعرف بالوصف) فلما اختلفا في وصف هو معرف صار كالاختلاف في المعرف، وهو الثمن.
(لأنه) أي: الأجل (ليس بوصف) بل هو أصل بنفسه، لكنه يثبت بواسطة الشرط، وقد بينا أنه ليس بوصف الثمن.
стр. 5563
الثَّمَنَ مَوْجُودٌ بَعْدَ مُضِيِّهِ (وَالقَوْلُ قَوْلُ مَنْ يُنْكِرُ الخِيَارَ وَالأَجَلَ مَعَ يَمِينِهِ) لِأَنَّهُمَا يَثْبُتَانِ بِعَارِضِ الشَّرْطِ وَالقَوْلُ لِمُنْكِرِ العَوَارِضِ.
قَالَ: (فَإِنْ هَلَكَ المَبِيعُ ثُمَّ اخْتَلَفَا، لَمْ يَتَحَالَفَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ، وَالقَوْلُ قَوْلُ المُشْتَرِي، وَقَالَ مُحَمَّدٌ: يَتَحَالَفَانِ وَيُفْسَخُ البَيْعُ (*) عَلَى قِيمَةِ الهَالِكِ) وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ: ﵀، وَعَلَى هَذَا إِذَا خَرَجَ المَبِيعُ عَنْ مِلْكِهِ، أَوْ صَارَ بِحَالٍ لَا يَقْدِرُ عَلَى رَدِّهِ بِالعَيْبِ. لَهُمَا: أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنهُمَا يَدَّعِي غَيْرَ العَقْدِ الَّذِي يَدَّعِيهِ صَاحِبُهُ وَالآخَرُ يُنْكِرُهُ، وَأَنَّهُ يُفِيدُ دَفْعَ زِيَادَةِ الثَّمَنِ فَيَتَحَالَفَانِ؛ …
قوله: (فإن هلك المبيع) بعد قبض المشتري لا قبل قبضه ينفسخ العقد بهلاكه (ثم اختلفا) أي: في مقدار الثمن. هكذا ذكر في المبسوط.
قوله: (والقول قول المشتري) وبه قال مالك في رواية، وأحمد في رواية.
قوله: (وهو قول الشافعي) وبه قال مالك في رواية، واختاره صاحب الجواهر، وأحمد في رواية، ولمالك أربع روايات إذا اختلفا في مقدار الثمن: اثنتان ما ذكرنا، والثالثة: يتحالفان قبل قبض المشتري السلعة، والرابعة: يتحالفان بعد القبض ما لم يبن بها.
قوله: [لهما] (١) أي: لمحمد والشافعي قوله ﵇: «إِذَا اخْتَلَفَ المُتَبَايِعَانَ تحالفًا وتَرادًا» وما ذكر في بعض رواية الحديث: «والسلعة قائمة» فذلك مذكور على سبيل التنبيه، أي: تحالفا وإن كانت قائمة، ولا يقال: قوله «وتَرَادًا» قرينة أنه حال قيام السلعة؛ لأن المراد من التَّرادُّ تَرادُّ العوضين لا تراد العقد، ولأن النص معلول بعلة أن كل واحد منهما يدعي عقدًا غير الذي يدعيه الآخر، والآخر ينكر؛ إذ البيع يختلف باختلاف الثمن، فعدينا إلى حال الهلاك، ويكون التَّرادُّ بالقيمة؛ لأن قيمة الشيء تقوم مقامه، وتندفع الزيادة عن المشتري لو نكل البائع، فكان التحالف مقيدًا.
وقوله: (وأنه يفيد دفع زيادة الثمن) جواب سؤال مقدر، وهو أن يقال: ما
стр. 5564
كَمَا إِذَا اخْتَلَفَا فِي جِنْسِ الثَّمَنِ بَعْدَ هَلَاكِ السِّلْعَةِ، وَلِأَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ: أَنَّ التَّحَالُفَ بَعْدَ القَبْضِ عَلَى خِلَافِ القِيَاسِ، لِأَنَّهُ سَلَّمَ لِلْمُشْتَرِي مَا يَدَّعِيهِ وَقَدْ وَرَدَ الشَّرْعُ بِهِ فِي حَالِ قِيَامِ السِّلْعَةِ، وَالتَّحَالُفُ فِيهِ يُفْضِي إِلَى الفَسْخِ، وَلَا كَذَلِكَ بَعْدَ هَلَاكِهَا لِارْتِفَاعِ العَقْدِ، فَلَمْ يَكُنْ فِي مَعْنَاهُ، وَلِأَنَّهُ لَا يُبَالِي
فائدة التحليف عندك، فإن فائدته التراد، وامتنع التراد بالهلاك؟ فقال: بل فيه فائدة دفع الزيادة التي يدعيها البائع على تقدير نكول المشتري.
فإن قيل: هذا يحصل بتحليف المشتري حينئذ، فما فائدة تحليف البائع؟
قلنا: لم يحصل تمام الفائدة بتحليف المشتري، فإن المشتري إذا نكل يلزمه ما ادعاه للبائع، [والبائع] (١) إذا نكل يندفع عن المشتري ما ادعاه البائع من الزيادة، فيتحالفان.
قوله: (كما إذا اختلفا في جنس الثمن) بأن قال أحدهما: دراهم، وقال الآخر: دنانير، بعد هلاكه - تحالفا، ولزم المشتري رد القيمة. ذكره في الأسرار.
قوله: (ولأبي حنيفة وأبي يوسف) قوله ﵇: «إِذَا اخْتَلَفَ المُتَبَايِعَانِ، وَالسِّلْعَةُ قَائِمَةٌ بِعَيْنِهَا، تَحالَفا وتَرَادًا» (٢).
وقوله: «والسلعة قائمة» مذكور على وجه الشرط؛ لأن الواو للحال، والأحوال شروط، والمطلق يحمل على المقيد إذا ورد في حادثة واحدة في حكم واحد، والتحالف بعد القبض على خلاف القياس كما ذكرنا، فلا يتعدى إلى حال هلاك السلعة؛ لأن حال هلاكها ليس كحال قيامها؛ لأن عند قيامها يندفع الضرر عن كل واحد منهما، فإنه يفسخ العقد، فيعود كل واحد منهما إلى رأس ماله بعينه، وبعد الهلاك لا يحصل ذلك؛ إذ العقد لا يحتمل الفسخ بالإقالة، وبالرد بالعيب بعد الهلاك، فكذا بالتحالف؛ إذ الفسخ لا يرد على ما ورد عليه العقد.
قوله: (ولأنه لا يبالي) إلى آخره، جواب عن قول محمد: إن كل واحد يدعي عقدًا غير العقد الذي يدعيه صاحبه، فيختلف السبب، فقلنا: (لا يبالي
стр. 5565
بِالِاخْتِلَافِ فِي السَّبَبِ بَعْدَ حُصُولِ المَقْصُودِ، وَإِنَّمَا يُرَاعَى مِنْ الفَائِدَةِ مَا يُوجِبُهُ العَقْدُ، وَفَائِدَةُ دَفْعِ زِيَادَةِ الثَّمَنِ لَيْسَتْ مِنْ مُوجِبَاتِهِ … ... … ... … ... … .
باختلاف السبب بعد حصول المقصود) وهو سلامة المبيع للمشتري، حيث سلم له وهلك على ملكه، سواء كان الأمر على ما زعم هو أو البائع، فَلَغا ذِكْرُ السبب، كمن أقر لغيره بألف من ثمن عبد، فقال المقر له: لا بل غصبته مني ألفًا - تجب الألف على المقر وكما لو اختلفا في ألف وألفين بلا سبب، فيكون اليمين على منكر ألف الزائد.
وهذا بخلاف ما لو اختلفا في جنس الثمن؛ لأن البائع يدعي الدنانير والمشتري ينكر، والمشتري يدعي الشراء بالدراهم والبائع ينكر، وإنكاره صحيح؛ لأن المبيع لا يسلم للمشتري إلا بثمن، ولم يتفقا على ثمن، وهنا اتفقا على الألف، وهو يكفي للصحة.
قوله: (وإنما يراعى) جواب عن قول محمد من فائدة التحالف بعد هلاك المبيع، فقال: الفائدة التي قلت ليست من موجبات العقد، والفائدة المَرْعِيَّة ما يوجبه العقد، وفائدة دفع زيادة الثمن من موجبات نكول البائع لا من موجبات العقد.
وقيل: قوله: (وإنما يراعى) إلى آخره يصلح جوابًا لشبهة ترد على قول محمد، وأنه لا يبالي باختلاف السبب.
فإن قيل: هذا يشكل بما إذا ادعى أحدهما البيع والآخر الهبة - يتحالفان، ذكره في المبسوط في تعليل قول محمد.
فأجاب عنه بقوله: (وإنما يراعى من الفائدة ما يوجبه العقد) وليس التحالف هناك من موجب العقد؛ بل موجب العقد ثبوت الملك له أو للمشتري.
فإن قيل: لو اعتبرنا حصول المقصود من غير اعتبار اختلاف السبب كان ينبغي ألا يتحالفا عند قيام السلعة؛ لحصول المقصود، وهو ملك المعقود للمشتري، حتى لو كان جاريةً حل للمشتري وطؤها.
قلنا: نعم لكن يثبت ذلك بالنص على خلاف القياس.
стр. 5566
وَهَذَا إِذَا كَانَ الثَّمَنُ دَيْنًا، فَإِنْ كَانَ عَيْنًا يَتَحَالَفَانِ، لِأَنَّ المَبِيعَ فِي أَحَدِ الجَانِبَيْنِ قَائِمٌ فَتُوَفَّرُ فَائِدَةُ الفَسْخِ ثُمَّ يَرُدُّ مِثْلَ الهَالِكِ إِنْ كَانَ لَهُ مِثْلٌ، أَوْ قِيمَتَهُ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مِثْلُ.
قَالَ: (وَإِنْ هَلَكَ أَحَدُ العَبْدَيْنِ، ثُمَّ اخْتَلَفَا فِي الثَّمَنِ، لَمْ يَتَحَالَفَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ إِلَّا أَنْ يَرْضَى البَائِعُ أَنْ يَتْرُكَ حِصَّةَ الهَالِكِ مِنْ الثَّمَنِ. وَفِي الجَامِعِ الصَّغِيرِ: القَوْلُ قَوْلُ المُشْتَرِي مَعَ يَمِينِهِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، إِلَّا أَنْ يَشَاءَ البَائِعُ أَنْ يَأْخُذَ العَبْدَ الحَيَّ … ... … ... … ... … ... … ...
قوله: (هذا إذا كان الثمن دينًا) بأن كان دراهم أو دنانير أو مكيلا أو موزونا موصوفًا في الذمة (فإن كان) أي: عينًا، يعني غير ما ذكرنا، أي: بيع مقابضة (١) فهلك المبيع، أي: أحد العوضين؛ لما أن المبيع غير متعين لكونه مبيعًا، ولهذا قال بعده: (لأن المبيع في أحد الجانبين قائم) حيث سمى القائم مبيعًا، ودخول الباقي أحد العوضين لا يعين جهة الثمنية في العينين المتعينين؛ لما ذكرنا في البيوع، وإذا كان كل واحد مبيعًا وثمنا من وجه كان البيع قائما ببقاء البدل الآخر، فيمكن فسخه، كما هو كاف لصحة الإقالة.
قوله: (وإن هلك أحد العبدين) أي: هلك بعد قبضهما، وبه صرح في جامع قاضي خان.
وفي الجامع: القول قول المشتري، أي: فيهما مع يمينه. كذا ذكره الكشاني.
وإنما أعاد لفظ الجامع؛ لأن لفظه يقتضي أن يكون المستثنى منه يمين المشتري، ولفظ المبسوط يقتضي أن يكون المستثنى منه عدم التحالف؛ بل المذكور هناك قبل الاستثناء: لم يتحالفا.
وفي الفوائد الظهيرية: تكلم المشايخ في قوله: (إلا أن يشاء البائع أن يأخذ الحي) إلى آخره، وتكلموا أيضًا أن هذا الاستثناء: إلى ماذا ينصرف؟
قال مشايخ بلخ: ينصرف إلى يمين المشتري، معناه أن البائع يأخذ الحي صلحًا عما يدعيه من الزيادة قبل المشتري، فيجعل صلحهما على هذا العبد
стр. 5567
وَلَا شَيْءَ لَهُ مِنْ قيمةِ الهَالِكِ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: يَتَحَالَفَانِ فِي الحَيِّ وَيُفْسَخُ العَقْدُ في الحَيِّ، وَالقَوْلُ قَوْلُ المُشْتَرِي فِي قِيمَةِ الهَالِكِ. وَقَالَ مُحَمَّدٌ: يَتَحَالَفَانِ عَلَيْهِمَا وَيَرُدُّ الحَيَّ وَقِيمَةَ الهَالِكِ) (*) لِأَنَّ هَلَاكَ كُلِّ السِّلْعَةِ لَا يَمْنَعُ التَّحَالُفَ عِنْدَهُ فَهَلَاكُ البَعْضِ أَوْلَى. وَلِأَبِي يُوسُفَ: أَنَّ امْتِنَاعَ التَّحَالُفِ لِلْهَلَاكِ فَيَتَقَدَّرُ بِقَدْرِهِ.
كصلحهما على عبد آخر، فصار تقديره على قولهم: إلا أن يأخذ البائع الحي ولا يأخذ شيئًا آخر، فحينئذ لا يحلف المشتري.
قال شيخ الإسلام: هذا [لا] (١) يقوى؛ لأن الأخذ معلق بمشيئة البائع، ولو كان كذلك لكان معلقًا بمشيئتهما، وعامة مشايخنا أن الاستثناء ينصرف إلى التحالف معناه: لا يتحالفان عند أبي حنيفة إلا أن يشاء البائع أن يأخذ الحي ولا يأخذ شيئًا من ثمن الميت، وهذا لأن المذكور التحالف دون يمين المشتري، فكان صرف الاستثناء إليه أولى.
وبعضهم قالوا: ينصرف إلى يمين المشتري على معنى أن البائع إذا رضي أن يأخذ الحي ولا يأخذ من ثمن الميت، فحينئذ لا يحلف المشتري؛ لأنه إنما يحلف إذا أنكر ما يدعيه البائع، فإذا أعرض عن دعواه لا معنى لتحليفه.
قال الكشاني: يأخذ البائع في حق الهلاك من المشتري ما يقر به المشتري، فحينئذ لا يحلف؛ لأن الاستحلاف في حق المشتري إذا كان منكرًا ما يدعيه البائع من الزيادة، فإذا ترك دعوى الزيادة وأخذ الحي، ورضي به المشتري، فلا حاجة إلى استحلافه، والصحيح ترك دعوى الزيادة لا ترك ثمن الميت؛ لأن البائع لا يترك من ثمن الميت ما أقر به المشتري، إنما يترك دعوى الزيادة.
ومعنى قوله: لا يأخذ شيئًا أي: من الزيادة، ومن أصحابنا، فعلى هذا يكون الاستثناء منصرفًا إلى يمين المشتري، وبعض أصحابنا قال: الاستثناء ينصرف إلى التحالف، وهو ليس بصحيح؛ لما بينا أن المذكور استحلاف المشتري لا ترك التحالف، والاستثناء ينصرف إلى المذكور.
стр. 5568
وَلِأَبِي حَنِيفَةَ: أَنَّ التَّحَالُفَ عَلَى خِلَافِ القِيَاسِ فِي حَالِ قِيَامِ السِّلْعَةِ، وَهِيَ اسْمٌ لِجَمِيعِ أَجْزَائِهَا، فَلَا تَبْقَى السِّلْعَةُ بِفَوَاتِ بَعْضِهَا، وَلِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ التَّحَالُفُ فِي القَائِمِ إِلَّا عَلَى اعْتِبَارِ حِصَّتِهِ مِنْ الثَّمَنِ فَلَا بُدَّ مِنْ القِسْمَةِ، وَهِيَ تُعْرَفُ بِالحَذَرِ وَالظَّنِّ فَيُؤَدِّي إِلَى التَّحَالُفِ مَعَ الجَهْلِ وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ، إِلَّا أَنْ يَرْضَى البَائِعُ أَنْ يَتْرُكَ حِصَّةَ الهَالِكِ أَصْلًا، لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَكُونُ الثَّمَنُ كُلُّهُ بِمُقَابَلَةِ القَائِمِ، وَيَخْرُجُ الهَالِكُ عَنْ العَقْدِ فَيَتَحَالَفَانِ. هَذَا تَخْرِيجُ بَعْضِ المَشَايِخِ، وَيُصْرَفُ الاسْتِثْنَاءُ عِنْدَهُمْ إِلَى التَّحَالُفِ كَمَا ذَكَرْنَا. وَقَالُوا: إِنَّ المُرَادَ مِنْ قَوْلِهِ فِي الجَامِعِ الصَّغِيرِ: «يَأْخُذُ الحَيَّ وَلَا شَيْءَ لَهُ»، مَعْنَاهُ: لَا يَأْخُذُ مِنْ ثَمَنِ الهَالِكِ شَيْئًا أَصْلًا. وَقَالَ بَعْضُ المَشَايِخِ: يَأْخُذُ مِنْ ثَمَنِ الهَالِكِ بِقَدْرِ مَا أَقَرَّ بِهِ المُشْتَرِي، وَإِنَّمَا لَا يَأْخُذُ الزِّيَادَةَ.
وَعَلَى قَوْلِ هَؤُلَاءِ يَنْصَرِفُ الاسْتِثْنَاءُ إِلَى يَمِينِ المُشْتَرِي لَا إِلَى التَّحَالُفِ، لِأَنَّهُ لَمَّا أَخَذَ البَائِعُ بِقَوْلِ المُشْتَرِي فَقَدْ صَدَّقَهُ فَلَا يَحْلِفُ المُشْتَرِي، ثُمَّ تَفْسِيرُ التَّحَالُفِ عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ مَا بَيَّنَّاهُ فِي القَائِمِ.
قوله: (ولأنه لا يمكن) هذا جواب عن قول أبي يوسف.
فإن قيل: يشكل على أبي حنيفة ما لو أقام القصار بعض العمل، ثم اختلفا في مقدار الأجرة، ففي حصة ما أقام العمل القول لرب الثوب مع يمينه، وفي حصة ما بقي يتحالفان بالإجماع؛ اعتبارًا للبعض بالكل، واستيفاء بعض المنفعة بمنزلة هلاك بعض المبيع، فينبغي أن يبقى التحالف عنده.
قلنا: عقد الإجارة في حكم عقود مختلفة يتجدد العقد بحسب ما يقم من العمل، فإن تعذر فسخه في البعض لا يتعذر فسخه في الباقي (١)، أما عقد البيع في العبدين عقد واحد، فإذا تعذر فسخه في البعض تعذر في الباقي. كذا في المبسوط (٢).
قوله: (معناه) إلى آخره، وعلى هذا التقدير ينصرف الاستثناء إلى التحالف.
قوله: (ما بينا في القائم) أي: في بقاء المبيع كله.
стр. 5569
وَإِذَا حَلَفَا وَلَمْ يَتَّفِقَا عَلَى شَيْءٍ فَادَّعَى أَحَدُهُمَا الفَسْخَ، أَوْ كِلَاهُمَا، يُفْسَخُ العَقْدُ بَيْنَهُمَا، وَيَأْمُرُ القَاضِي المُشْتَرِيَ بِرَدِّ البَاقِي وَقِيمَةِ الهَالِكِ.
وَاخْتَلَفُوا فِي تَفْسِيرِهِ عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَالصَّحِيحُ: أَنَّهُ يَحْلِفُ المُشْتَرِي بِاللَّهِ مَا اشْتَرَيْتُهُمَا بِمَا يَدَّعِيهِ البَائِعُ، فَإِنْ نَكَلَ لَزِمَهُ دَعْوَى البَائِعِ، وَإِنْ حَلَفَ يَحْلِفُ البَائِعُ بِاللَّهِ مَا بِعْتُهُمَا بِالثَّمَنِ الَّذِي يَدَّعِيهِ المُشْتَرِي، فَإِنْ نَكَلَ لَزِمَهُ دَعْوَى المُشْتَرِي، وَإِنْ حَلَفَ يَفْسَخَانِ العَقْدَ فِي القَائِمِ، وَتَسْقُطُ حِصَّتُهُ مِنْ الثَّمَنِ، وَيَلْزَمُ المُشْتَرِي حِصَّةَ الهَالِكِ وَيُعْتَبَرُ قِيمَتُهُمَا فِي الانْقِسَامِ يَوْمَ القَبْضِ (وَإِنْ
وهو قوله: (وصفة اليمين أن يحلف البائع) (١) إلى آخره، وإنما لم تختلف صفة التحالف عند محمد؛ لأن قيام السلعة ليس بشرط للتحالف، فيتحالفان في الصورتين بصفة واحدة. (وقيمة الهالك) أي: بِرَدِّ قيمته والقول في قيمته للمشتري؛ لأن البائع يدعي زيادة قيمته، وهو ينكر، فيكون القول له، كما في قيمة المغصوب أو المقبوض بعقد فاسد.
(واختلفوا في تفسيره) أي: تفسير التحالف، على قوله.
وقوله: (والصحيح أن يحلف إلى آخره، احتراز عما ذكر بعض المشايخ أنهما يتحالفان على القائم لا غير على مذهبه؛ لأن العقد ينفسخ في القائم لا في الهالك، وهذا ليس بصحيح؛ لأن المشتري لو حلف بالله: ما اشتريت القائم بحصته من الثمن الذي يدعيه البائع يحلف ويكون صادقًا؛ لأن من اشترى ستين بألف إذا حلف أنه ما اشترى أحدهما بألف كان صادقًا، وكذا البائع لو حلف بالله العظيم ما بعت القائم بحصته من الثمن الذي يدعي المشتري يحلف ويكون صادقًا فيه، فلا يقيد التحالف، فيحلف على الوجه المذكور في الكتاب كذا في جامع قاضي خان.
ولم يذكر تفسير التحالف على قول أبي حنيفة؛ لأن عنده هلاك البعض يمنع التحالف بهلاك الكل؛ لأن التحالف عرف نصا، والنص ورد في حال قيام السلعة، والسلعة اسم للكل، فبهلاك السلعة يفوت الشرط.
قوله: (ويعتبر قيمتهما في الانقسام يوم القبض) وبه قال الشافعي في وجه،
стр. 5570
اخْتَلَفَا فِي قِيمَةِ الهَالِكِ يَوْمَ القَبْضِ، فَالقَوْلُ قَوْلُ البَائِعِ، وَأَيُّهُمَا أَقَامَ البَيِّنَةَ تُقْبَلُ بَيْنَتُهُ. وَإِنْ أَقَامَاهَا: فَبَيِّنَةُ البَائِعِ أَوْلَى) وَهُوَ قِيَاسُ مَا ذُكِرَ فِي بُيُوعِ الأَصْلِ (وإذا اشْتَرَى
فإن استويا يجب على المشتري نصف الذي أقر به ويسقط نصفه، فإن اتفقا على أن قيمتهما على التفاوت، فإن كانت قيمة الهالك على نصف قيمة القائم يجب على المشتري ثلث الثمن الذي أقر به، وإن اختلفا في ذلك فقال المشتري: قيمة القائم يوم القبض كانت ألفًا وقيمة الهالك خمسمائة، وقال البائع على العكس - فالقول للبائع؛ لأن البائع ينكر سقوط الزيادة من الثمن، والمشتري يدعي السقوط بعد اتفاقهما على وجوب اليمين، فكان البائع متمسكا بالأصل. كذا في جامع قاضي خان.
فإن قيل: مسائل الزيادات تدل على اعتبار قيمتهما يوم العقد، حتى قال محمد: قيمة الأم تعتبر يوم العقد، وقيمة الزيادة يوم الزيادة، وقيمة الولد يوم القبض؛ لأن الأم صارت مقصودة بالعقد، والزيادة بالزيادة، والولد بالقبض، وكل واحد من العبدين هنا صار مقصودًا بالعقد، فوجب اعتبار قيمتهما يوم العقد لا يوم القبض.
وفي الفوائد الظهيرية: فهذا إشكال هائل أَوْرَدْتُهُ على كل قَرْمٍ نِحْريرٍ (١) فلم يَهْتَدِ أحد إلى جوابه، ثم قال: والذي تخايل لي بعد طول التَّجَشم أن فيما ذكر من المسائل لم يتحقق ما يوجب الفسخ فيما صار مقصودًا بالعقد، وفيما نحن فيه تحقق ما يوجب الفسخ فيما صار مقصودًا بالعقد، وهو التحالف، أما في الحي فظاهر، وكذا في الميت؛ لأنه إن تعذر الفسخ في الهالك لم يتعذر اعتبار ما هو من لوازم الفسخ في الهالك، وهو اعتبار قيمته يوم القبض؛ لأن الهالك مضمون بالقيمة يوم القبض على تقدير الفسخ، كما هو مذهب محمد حتى قال: يضمن المشتري قيمة الهالك على تقدير التحالف، فيجب إعمال التحالف في اعتبار قيمة الهالك يوم القبض، فلهذا يعتبر قيمتها يوم القبض.
(تقبل بينته) لأنه يورد دعواه بالحجة.