← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 30179

معراج الدراية في شرح الهداية

الكاكي

Полный текст (7 597 стр.). Показаны 5601–5640 · переход к 5606.

стр. 5601

المِلْكِ وَلَمْ يَتَعَرَّضَا لِجِهَةِ المِلْكِ، فَكَانَ التَّقَدُّمُ وَالتَّأَخُرُ سَوَاءً. وَلَهُمَا: أَنَّ البَيِّنَةَ مَعَ التَّارِيخِ مُتَضَمِّنَةٌ مَعْنَى الدَّفْعِ، فَإِنَّ المِلْكَ إِذَا ثَبَتَ لِشَخْصِ فِي وَقْتِ، فَثُبُوتُهُ لِغَيْرِهِ بَعْدَهُ لَا يَكُونُ إِلَّا بِالتَّلَقِّي مِنْ جِهَتِهِ، وَبَيِّنَةُ ذِي اليَدِ عَلَى الدَّفْعِ مَقْبُولَةٌ، وَعَلَى هَذَا الخِلَافِ، لَوْ كَانَتْ الدَّارُ فِي أَيْدِيهِمَا وَالمَعْنَى مَا بَيَّنَّا، وَلَوْ أَقَامَ الخَارِجُ وَذُو اليَدِ البَيِّنَةَ عَلَى مِلْكِ مُطْلَقٍ وَوُقِّتَتْ إِحْدَاهُمَا دُونَ الْأُخْرَى، فَعَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ الخَارِجُ أَوْلَى. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ: صَاحِبُ الوَقْتِ أَوْلَى (*)، لِأَنَّهُ أَقْدَمُ وَصَارَ كَمَا فِي دَعْوَى الشِّرَاءِ إِذَا أُرْخَتْ إِحْدَاهُمَا كَانَ صَاحِبُ التَّارِيخِ أَوْلَى. وقوله: (ولم يتعرضا لجهة الملك) احتراز عما لو قامتا على تاريخ في الشراء وأحدهما أسبق؛ فالأسبق أولى، سواء كان البائع واحدا أو اثنين عندنا، خلافًا للشافعي على قول كما ذكرنا. قوله: (متضمنة معنى الدفع) أي: دفع بينة الخارج على معنى أنها لا تصح إلا بعد إثبات تلقي الملك من قبله فيقبل، أو يقول: إن صاحب الأسبق أثبت الملك لنفسه في وقت لا ينازعه فيه غيره، فهو أولى خارجًا كان أو صاحب يد؛ وهذا لأن اليد دلت على الملك، ولكن لا يدل على سبق التاريخ، كما وجب قبولهما على النتاج؛ لكون تاريخ النتاج أسبق، فكذا هذا. إليه أشار في المبسوط، والإيضاح. قوله: (والمعنى ما بينا) وهو ما ذكرنا من الدليل في الطرفين. قوله: (ووقتت إحداهما دون الأخرى) قيد بالوقت؛ لأن الخارج وذا اليد لو أقاما على ملك مطلق بلا تاريخ لا تقبل بينة ذي اليد عندنا، خلافًا للأئمة الثلاثة، وإنما وقع الاختلاف بين علمائنا في دعوى الملك المطلق إذا ذكر التاريخ. قوله: (وصار كما في دعوى الشراء) يعني: إذا ادعيا من واحد وأرخ أحدهما يقضى للمؤرخ على ما مر، وأما على قولهما: لا عبرة للتاريخ؛ لأن

стр. 5602

وَلَهُمَا: أَنَّ بَيِّنَةَ ذِي اليَدِ إِنَّمَا تُقْبَلُ لِتَضَمُّنِهَا مَعْنَى الدَّفْعِ، وَلَا دَفْعَ هَاهُنَا حَيْثُ وَقَعَ الشَّرُّ فِي التَّلَقِّي مِنْ جِهَتِهِ، وَعَلَى هَذَا إِذَا كَانَتْ الدَّارُ فِي أَيْدِيهِمَا وَلَوْ كَانَتْ فِي يَدِ ثَالِثٍ، المَسْأَلَةُ بِحَالِهَا فَهُمَا سَوَاءٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: الَّذِي وَقَتَ أَوْلَى. وَقَالَ مُحَمَّدٌ: الَّذِي أَطْلَقَ أَوْلَى، لِأَنَّهُ ادَّعَى أَوَّلِيَّةَ المِلْكِ بِدَلِيلِ اسْتِحْقَاقِ الزَّوَائِدِ وَرُجُوعِ البَاعَةِ بَعْضِهِمْ عَلَى البَعْضِ. وَلِأَبِي يُوسُفَ: أَنَّ التَّارِيخَ يُوجِبُ المِلْكَ فِي ذَلِكَ الوَقْتِ بِيَقِينِ. وَالإِطْلَاقُ يَحْتَمِلُ غَيْرَ الأَوَّلِيَّةِ، وَالتَّرْجِيحُ بِالتَّيَقْنِ؛ كَمَا لَوْ ادَّعَيَا الشَّرَاءَ. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ: أَنَّ التَّارِيخَ يُضَامُّهُ احْتِمَالُ عَدَمِ التَّقَدُّمِ، فَسَقَطَ اعْتِبَارُهُ، فَصَارَ كَمَا لَوْ أَقَامَا البَيِّنَةَ عَلَى مِلْكِ مُطْلَقِ، بِخِلَافِ الشَّرَاءِ، لِأَنَّهُ أَمْرٌ حَادِثٌ فَيُضَافُ إِلَى أَقْرَبِ الْأَوْقَاتِ فَيَتَرَجَّحُ جَانِبُ صَاحِبِ التَّارِيخ. بينة ذي اليد إنما تقبل إذا كانت متضمنة للدفع، ولا دفع هاهنا؛ لوقوع الشك في تلقي الملك من جهته؛ أي من جهة ذي اليد؛ لجواز أن شهود الخارج لو وقتوا لكان أقدم، فإذا وقع الشك في تضمنه معنى الدفع فلا يقبل مع الشك. (وعلى هذا) أي: على هذا الخلاف لو كانت الدار في أيديهما، وأرخت إحداهما، فقط سقط التاريخ عند أبي حنيفة، وعند أبي يوسف: الذي وقت أولى، فالوجه ما بينا كذا في الإيضاح. قوله: (والمسألة بحالها) أي: أرخت إحداهما فقط (فهما) أي: الخارجان (سواء) وبه قال الشافعي في الأصح ومالك وأحمد. قوله: (بدليل استحقاق الزوائد) وهي الأولاد والأكساب (ورجوع الباعة بعضهم على بعض) فلو اقتصر الملك لما رجع، فكان مدعي الملك مدعيًا للملك من الأصل، وملك الأصل أولى من التاريخ. قوله: (كما لو ادعيا الشراء) أي: من بائع واحد، وأرخ أحدهما فقط - كان صاحب التاريخ أولى، كما مر. قوله: (يضامه) أي: يزاحمه يعني لما وقع احتمال عدم التقدم في التاريخ أنه متقدم أم لا - سقط اعتباره. وقوله: (بخلاف الشراء) جواب عن قول أبي يوسف.

стр. 5603

قَالَ: (وَإِنْ أَقَامَ الخَارِجُ وَصَاحِبُ اليَدِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنهُمَا بَيِّنَةً عَلَى النِّتَاجِ: فَصَاحِبُ اليَدِ) أَوْلَى لِأَنَّ البَيِّنَةَ قَامَتْ عَلَى مَا لَا تَدُلُّ عَلَيْهِ فَاسْتَوَيَا، وَتَرَجَّحَتْ بَيِّنَةُ قوله: (فصاحب اليد أولى) سواء أقامها قبل القضاء للخارج أو بعد القضاء له، وبه قالت الأئمة الثلاثة، وقال الشافعي في وجه: بينة الخارج أولى بعد القضاء له؛ لأن ملك اليد مقضي بزوالها، فلا ينقض القضاء. وقال في الأصح: بينة ذي اليد أولى بعد القضاء للخارج وقبله. وقال ابن أبي ليلى: بينة الخارج أولى؛ لأنها أكثر إثباتًا، فإنها تثبت أولية الملك بالنتاج، وتثبت استحقاق الملك الثابت لذي اليد بظاهر يده، وذو اليد لا يثبت بينة استحقاق الملك للخارج بوجه، وهو القياس. وفي الاستحسان: بينة ذي اليد أولى؛ لما رواه أبو حنيفة، عن الهيثم، عن رجل، عن جابر بن عبد الله: أن رجلًا ادعى ناقة نتجها، وأقام ذو اليد البينة أنها نتجها «فَقَضَى رَسُولُ اللهِ ﷺ بها للذي في يده» (١)، ولأنه يثبت ببينته ما ليس بثابت بظاهر يده، وهو أولية الملك، فوجب قبولها بترجح باليد، بخلاف الملك المطلق؛ لأنه ما يثبت ببينته إلا ما يثبت بظاهر يده. ومعنى هذا الكلام أن حاجة ذي اليد إلى دفع بينة الخارج، وفي الإقامة على النتاج ذلك؛ لأن النتاج لا يتكرر فيدفع بينة الخارج؛ لأن ملكه في الحال لا يبقى ملكًا كان للخارج فيه من قبل، وإنما تقبل بينته بعد القضاء للخارج؛ لأن الخارج بينته لم تستحق على ذي اليد شيئًا، فلم يصر ذو اليد مقضيا عليه، فتسمع بينته كما تسمع بينة أجنبي آخر. وفي دعوى الملك المطلق لو تفرد الخارج بإقامة البينة وقضى له ثم أقام صاحب اليد بينة أنه له لا تسمع؛ لأن الخارج ببينته استحق على ذي اليد الملك

стр. 5604

ذِي اليَدِ بِاليَدِ فَيُقْضَى لَهُ وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ، خِلَافًا لِمَا يَقُولُهُ عِيسَى بْنُ أَبَانَ: إِنَّهُ تَتَهَاتَرُ البَيِّنَتَانِ وَيُتْرَكُ فِي يَدِهِ لَا عَلَى طَرِيقِ القَضَاءِ، وَلَوْ تَلْقَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا المِلْكَ مِنْ رَجُلٍ أَقَامَ البَيِّنَةَ عَلَى النِّتَاجِ عِنْدَهُ، فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ إِقَامَتِهَا عَلَى النِّتَاجِ فِي يَدِ الثابت له بظاهر اليد، فصار ذو اليد مقضيا عليه، فلا تسمع بينته بعد ذلك، بخلاف النتاج إليه أشار في المبسوط، والذخيرة. فإن قيل: يشكل على هذا ما لو ادعى ذو اليد النتاج، والخارج أن ذا اليد غصبه منه أو أجره أو أعاره أو أودعه أو رهنه فبينة الخارج أولى. قلنا: إن بينة الخارج أكثر إثباتًا في هذه الصور؛ لأنها تثبت الفعل على ذي اليد، وهو الغصب أو الاستئجار ونحوهما، وأنه ليس بثابت أصلا، وذو اليد ادعى أولية الملك، واليد لا تدل عليها؛ بل تدل على أصل الملك، فكان ما ادعاه ذو اليد ثابتًا من وجه بظاهر يده، وما ادعاه الخارج من الفعل غير ثابت أصلا، فكانت بينته أكثر إثباتًا. قال شيخ الإسلام إليه أشار محمد. كذا في الذخيرة. قوله: (خلافًا لما يقوله عيسى بن أبان) قال عيسى: الطريق عندي في النتاج تهاتر البينتين؛ ليتيقن القاضي بكذب أحدهما؛ إذ لا تصور لنتاج دابة من دابتين، فصار كأنهما لم يقيما بينة، ولو لم يقيما بينة يقضى لصاحب اليد قضاء ترك حتى يحلف ذو اليد للخارج، كذا ههنا. وهذا ليس بصحيح، فإن محمدًا ذكر في خارجين أقاما بينة على النتاج أنه يقضى بينهما نصفين، ولو كان الطريق ما قاله لكان ترك في يد ذي اليد، فعلم أن القضاء لذي اليد قضاء استحقاق، حتى لا يحلف ذو اليد للخارج. كذا في الذخيرة، والمبسوط (١). قوله: (عنده) الضمير راجع إلى رجل. في الذخيرة: صورة المسألة: عبد في يد رجل ادعاه رجل أنه عبده اشتراه من فلان، وأنه قد ولد في ملك فلان الذي باعه، وأقام على ذلك بينة، وأقام صاحب اليد بينة أنه عبده اشتراه من فلان - يريد به رجلًا آخر وأنه قد ولد في ملك فلان الذي باعه - قضي به لذي اليد؛ لأن كل واحد خصم في إثبات نتاج

стр. 5605

نَفْسِهِ (وَلَوْ أَقَامَ أَحَدُهُمَا البَيِّنَةَ عَلَى المِلْكِ وَالآخَرُ عَلَى النِّتَاجِ، فَصَاحِبُ النِّتَاجِ أَوْلَى أَيُّهُمَا كَانَ) لِأَنَّ بَيِّنَتَهُ قَامَتْ عَلَى أَوَّلِيَّةِ المِلْكِ، فَلَا يَثْبُتُ لِلْآخَرِ إِلَّا بِالتَّلَقِّي مِنْ جِهَتِهِ، وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَتْ الدَّعْوَى بَيْنَ خَارِجَيْنِ، فَبَيِّنَةُ النِّتَاجِ أَوْلَى لِمَا ذَكَرْنَا (وَلَوْ قُضِيَ بِالنِّتَاجِ لِصَاحِبِ اليَدِ، ثُمَّ أَقَامَ ثَالِثُ البَيِّنَةَ عَلَى النِّتَاجِ، يُقْضَى لَهُ إِلَّا أَنْ يُعِيدَهَا ذُو اليَدِ) لِأَنَّ الثَّالِثَ لَمْ يَصِرْ مَقْضِيًّا عَلَيْهِ بِتِلْكَ القَضِيَّةِ، وَكَذَا المَقْضِيُّ عَلَيْهِ بِالمِلْكِ المُطْلَقِ إِذَا أَقَامَ البَيِّنَةَ عَلَى النِّتَاجِ تُقْبَلُ وَيُنْقَضُ القَضَاءُ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ النَّصُ. بائعه، كما هو خصم في إثبات بائعه، ولو حضر البائعان وأقاما البينة على النتاج كان ذو اليد أولى، فهذا مثله، ولا يعلم فيه خلاف. وفي المبسوط - بعد ذكر هذه المسألة -: وكذلك لو أقام بينة على وراثة أو وصية، أو هبة مقبوضة من رجل، وأنه ولد في ملك ذلك الرجل، لا يتلقى الملك من جهة مورثه أو موصيه، فيكون خصما في إثبات نتاجه (١). قوله: (فصاحب النتاج أولى) وبه قال الشافعي في القول الأصح ومالك وأحمد، وفي قول: بينة صاحب اليد أولى، وفي الخارجين بينة النتاج أولى بلا خلاف. وقوله: (لما ذكرنا) إشارة إلى قوله: (إن بينة صاحب النتاج تدل على أولية الملك). وقوله: (إلا أن يعيدها ذو اليد) أي: فحينئذ يقضى له، وإلا فلا؛ لأن القضاء بالبينة الأولى كان على خصمه خاصة، فجعل إقامتها في حق الثاني وجودها كعدمها، فلم يصر الثالث مقضيا بتلك القضية؛ لأن التملك بالنتاج لا يكون استحقاقًا على أحد؛ لأنه تبين أنه من الابتداء كان ملكا له، وهو لا يتكرر. قوله: (وكذا المقضي عليه بالملك المطلق) يعني ادعى الخارج وذو اليد الملك المطلق وبرهنا يقضى على ذي اليد بالملك عندنا، خلافًا للشافعي ومالك، ثم إن ذا اليد المقضي عليه بالملك المطلق لو أقام بينة على النتاج تقبل، وينتقض به القضاء الأول؛ لأنه بمنزلة (النص) أي: نص ترك بخلاف

стр. 5606

قال: (وكذلك النسج في الثياب التي لا تنسج إلا مرة كغزل القطن وكذلك كل الاجتهاد فينقض الاجتهاد به، فكذا هنا، وهذا لأنه ظهر أنه قضى للمدعي بمطلق الملك مع بينة ذي اليد على النتاج، والقضاء للمدعي في هذه الحالة باطل، فينقض، وهذا استحسان، والقياس: ألا تقبل؛ لأنه صار مقضيا عليه بالملك، فلا تقبل بينته إلا أن يدعي تلقي الملك من جهة المقضي له. وفي الاستحسان: لا يتصور استحقاق هذا الملك عليه، فلم يصر ذو اليد مقضيا عليه لظهور أولية الملك وبطلان القضاء له، بخلاف الملك المطلق؛ لأنه صار مقضيا عليه، وينبغي ألا ينقض القضاء ببينة ذي اليد على النتاج؛ لأن القضاء صادف موضع الاجتهاد. فعند ابن أبي ليلى: بينة الخارج أولى مع بينة ذي اليد على النتاج، ولكن ينقض؛ لأن بينة ذي اليد ما كانت ثابتة عند القضاء، فترجح باجتهاده بينة الخارج، فلم يكن قضاء عن اجتهاد، بل كان لعدم ما يدفع البينة من ذي اليد، فإذا أقام حجة الدفع انتقض القضاء الأول. كذا في المبسوط (١). قوله: (وكذلك النسج في الثياب) إلى آخره؛ أي: كالنتاج في أنه لا يتكرر. وفي المحيط: النتاج عبارة عن أولية الملك، فكل سبب يشعر بأولية الملك فهو كالنتاج، وكل ما يتكرر فيه سبب الملك ويصنع مرتين لم يكن في معنى النتاج. وإن كان مشكلا: هل يتكرر أم لا؟ في رواية أبي حفص: يلحق بما يتكرر، وفي رواية أبي سليمان: يلحق بما لا يتكرر، فالبناء وغرس الشجر والقطن النابت وزرع الحنطة والحبوب يتكرر، وتسوية اللحم وكتابة المصحف وانحطاط الدار وضرب اللبن والخياطة والقطع والجسور والصياغة تتكرر أيضا؛ لأن هذه الأشياء تفعل مرتين، واتخاذ الجبن والطحن والعصر وجز الصوف وغزل القطن لا يتكرر، فالنسج في الثوب المتخذ من غزل القطن والإبريسم لا يتكرر، وفي الثوب المنسوج من الصوف والشعر يتكرر.

стр. 5607

سَبَبٍ فِي المِلْكِ لَا يَتَكَرَّرُ) لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى النِّتَاجِ كَحَلْبِ اللَّبَنِ وَاتِّخَاذِ الجُبْنِ وَاللُّبَدِ فإن قيل: جز الصوف ليس بسبب الأولية الملك؛ لأن الصوف على ظهر الغنم ملك له قبل الجز، فكيف يكون في معنى البناء؟ قلنا: نعم ولكنه قبل الجز كوصف الشاة؛ ولهذا لا يجوز بيعه، فلم يكن مالا مقصودا، وبالجز يكون مالا مقصودًا. في المغرب (١): المِرْعِزَّى، بكسر الميم والعين، فإِذا شَدَّدْتَ الزاءَ قَصَرْتَ، وإذا خَفَفْتَ مَدَدْتَ، وقد يقال: مَرْعِزاء، بفتح الميم مُخَفَّفًا ممدودًا، وهي كالصوف تحت شعر العنز، والميم فيه زائدة. والخَز: اسم دابة (٢)، ثم سُمِّي الثوبُ المُتَّخَذُ من وَبَرِهِ خَزًّا، قيل: هو يُنسج، فإذا بَلِيَ يغزل مرة أخرى، ثم ينسج. قوله: (كحلب اللبن) إلى آخره. وذكر في المبسوط (٣) في حلب اللبن واتخاذ الجبن: هذه المسألة على خمسة أوجه: أحدها: ادعى كل أنه صنعه في ملكه، فهو لذي اليد. والثاني: أنهما برهنا أن اللبن الذي صنع منه هذا الجبن ملكه - يقضى به للخارج؛ لأن أصل المنازعة في اللبن، وكل واحد برهن على الملك المطلق. والثالث: لو برهنا أنه حلب اللبن الذي صنع منه هذا الجبن من شاته في ملكه، فيقضى به لذي اليد؛ لأن الحلب في اللبن لا يتكرر، فكان في معنى النتاج. والرابع: لو برهنا أن الشاة التي حلب منها هذا اللبن صنع منه هذا الجبن ملكه فيقضى به للخارج؛ لأن المنازعة في ملك الشاة، وبينة كل واحد قامت على الملك المطلق.

стр. 5608

وَالمِرْعِزَّى وَجَزِّ الصُّوفِ، وَإِنْ كَانَ يَتَكَرَّرُ قُضِيَ بِهِ لِلْخَارِجِ بِمَنْزِلَةِ المِلْكِ المُطْلَقِ، وَهُوَ مِثْلُ الخَنِّ وَالبِنَاءِ وَالغَرْسِ وَزِرَاعَةِ الحِنْطَةِ وَالحُبُوبِ، فَإِنْ أَشْكَلَ يَرْجِعُ إِلَى أَهْلِ الخِبْرَةِ، لِأَنَّهُمْ أَعْرَفُ بِهِ، فَإِنْ أَشْكَلَ عَلَيْهِمْ قُضِيَ بِهِ لِلْخَارِج، لِأَنَّ القَضَاءَ بِبَيِّنَتِهِ هُوَ الأَصْلُ وَالعُدُولُ عَنْهُ بِخَبَرِ النِّتَاجِ، فَإِذَا لَمْ يَعْلَمْ يَرْجِعُ إِلَى الْأَصْلِ. قَالَ: (وَإِنْ أَقَامَ الخَارِجُ البَيِّنَةَ عَلَى المِلْكِ المُطْلَقِ، وَصَاحِبُ اليَدِ البَيِّنَةَ عَلَى الشَّرَاءِ مِنهُ: كَانَ صَاحِبُ اليَدِ أَوْلَى) لِأَنَّ الأَوَّلَ إِنْ كَانَ يَدَّعِي أَوَّلِيَّةَ المِلْكِ فَهَذَا تَلَقَّى مِنْهُ، وَفِي هَذَا لَا تَنَافِي فَصَارَ كَمَا إِذَا أَقَرَّ بِالمِلْكِ لَهُ ثُمَّ ادَّعَى الشَّرَاءَ مِنْهُ. قَالَ: (وَإِنْ أَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنهُمَا البَيِّنَةَ عَلَى الشِّرَاءِ مِنْ الْآخَرِ، وَلَا تَارِيخَ والخامس: برهنا أن الشاة التي حلب منه هذا اللبن الذي صنع منه هذا الجبن شاته، ولدت في ملكه فيقضى لذي اليد. قوله: (وإن أشكل يرجع إلى أهل الخبرة؛ لأنهم أعرف به) والواحد منهم يكفي، والاثنان أحوط، قال تعالى: ﴿فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣] (وإن أشكل عليهم) أي: على أهل الخبرة (قضي به للخارج؛ لأن القضاء ببينة الخارج هو الأصل) عندنا، وإنما عدلنا عن الأصل بخبر النتاج، وهو ما روي أنه ﵊ «قَضَى فِي تَعَارُضِ بَيِّنَتِي النِّتَاجِ لِذِي اليَدِ» وقد مرَّ من حديث جابر. قوله: (كل واحد منهما على الشراء من الآخر). في المبسوط: أقام ذو اليد بينة أنه اشتراه من الخارج ونقد الثمن، والخارج أقام بينة أنه اشتراه من ذي اليد ونقد الثمن، فعلى قول أبي حنيفة تهاترت البينتان، سواء شهدوا بالقبض أو لا (١). وقال الشافعي في قول، ومالك وأحمد في رواية منهما: بينة ذي اليد أولى ووضع المسألة في المبسوط بين الخارج وذي اليد. وذكر في الذخيرة: سواء كان المبيع في يد أحدهما أو في يد ثالث،

стр. 5609

مَعَهُمَا، تَهَاتَرَتْ البَيِّنَتَانِ، وَتُتْرَكُ الدَّارُ فِي يَدِ ذِي اليَدِ) قَالَ: وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ، وَعَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ: يَقْضِي بِالبَيِّنَتَيْنِ وَيَكُونُ لِلْخَارِجِ (*)، لِأَنَّ العَمَلَ بِهِمَا مُمْكِنٌ، فَيَجْعَلُ كَأَنَّهُ اشْتَرَى ذُو اليَدِ مِنْ الآخَرِ وَقَبَضَ ثُمَّ بَاعَ الدَّارَ، لِأَنَّ القَبْضَ دَلَالَةُ السَّبْقِ عَلَى مَا مَرَّ، وَلَا يَعْكِسُ الأَمْرَ، لِأَنَّ البَيْعَ قَبْلَ القَبْضِ لَا يَجُوزُ وَإِنْ كَانَ فِي العَقَارِ عِنْدَهُ. وَلَهُمَا: أَنَّ الإِقْدَامَ عَلَى الشَّرَاءِ إِقْرَارُ مِنْهُ بِالمِلْكِ لِلْبَائِعِ، فَصَارَ كَأَنَّهُمَا قَامَتَا عَلَى الإِقْرَارَيْنِ وَفِيهِ التَّهَاتُرُ بِالإِجْمَاعِ، كَذَا هَاهُنَا، وَلِأَنَّ السَّبَبَ يُرَادُ لِحُكْمِهِ وَهُوَ المِلْكُ وَلَا يُمْكِنُ القَضَاءُ لِذِي اليَدِ إِلَّا بِمِلْكِ مُسْتَحَقِّ، فَبَقِيَ القَضَاءُ لَهُ بِمُجَرَّدِ السَّبَبِ وَأَنَّهُ لَا يُفِيدُهُ. والثالث يجحد، وسواء شهدوا بالقبض أو لا، وسواء كان الثمنان على السواء، أو أحدهما أنقص، فإن كان المبيع في يد أحدهما يترك في يده قضاء ترك على الروايات كلها، وإن كان في يد ثالث يقضى بين المدعيين نصفين إن كان لا يقضى بين العقدين في رواية الجامع، وذكر في الباب الطويل في الجامع: يترك في يد الثالث قضاء ترك. قوله: (ولا يعكس الأمر) أي: لا يجعل كأن الخارج اشتراه من ذي اليد أولا، ثم باعه من ذي اليد؛ لأن في ذلك يلزم بيع المبيع قبل القبض، وهذا لا يجوز، وإن كان في العقار عند محمد، ولئن [أتم] (١) القبض حتى يصح فيقول: ذا زيادة على ما كانت البينة، فلا يجوز هذا إذا لم يشهدوا بالقبض، فلو شهد الفريقان بالقبض تهاترا بالإجماع كما يجيء. قوله: (ولا يمكن القضاء لذي اليد إلا بملك مستحق) يعني: لو قضينا ببينة صاحب اليد كان هذا قضاء بالعقد ليزول ملكه إلى غيره، والسبب لا يراد لنفسه، وإنما يراد لحكمه، فإذا لم يقع الحكم له في المال لم يكن السبب معتبرًا. كذا في الإيضاح. ولأن البينتين لما تعارضتا، والتنافي يتحقق من موجبهما، فتعين التهاتر؛ إذْ

стр. 5610

ثُمَّ لَوْ شَهِدَتِ البَيِّنَتَانِ عَلَى نَقْدِ الثَّمَنِ: فَالأَلْفُ بِالأَلْفِ قِصَاصُ عِنْدَهُمَا إِذَا اسْتَوَيَا، لِوُجُودِ قَبْضٍ مَضْمُون مِنْ كُلِّ جَانِبِ، وَإِنْ لَمْ يَشْهَدُوا عَلَى نَقْدِ الثَّمَنِ فَالقِصَاصُ مَذْهَبُ مُحَمَّدٍ لِلْوُجُوبِ عِنْدَهُ. وَلَوْ شَهِدَ الفَرِيقَانِ بِالبَيْعِ وَالقَبْضِ تَهَاتَرَنَا بِالإِجْمَاعِ، لِأَنَّ الجَمْعَ غَيْرُ مُمْكِن عِنْدَ مُحَمَّدٍ لِجَوَازِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ البَيْعَيْنِ بِخِلَافِ الأَوَّلِ. وَإِنْ وُقِّتَتْ البَيِّنَتَانِ فِي العَقَارِ وَلَمْ تُثْبِتَا قَبْضًا وَوَقْتُ الخَارِجِ أَسْبَقُ يُقْضَى لِصَاحِبِ اليَدِ عِنْدَهُمَا، فَيُجْعَلُ كَأَنَّ الخَارِجَ اشْتَرَى أَوَّلًا ثُمَّ بَاعَ قَبْلَ القَبْضِ مِنْ صَاحِبِ اليَدِ، وَهُوَ جَائِزٌ فِي العَقَارِ عِنْدَهُمَا. لا يمكن أن يجعل كل واحد منهما بائعًا ومشتريًا في ساعة واحدة، ولا دليل على السبق، ولا رجحان لإحداهما على الأخرى. قوله: (للوجوب عنده) أي: لوجوب الثمن عند محمد، فإن البيعين لما ثبتا عنده كان كل واحد موجبًا للثمن عند مشتريه، فتقاص الوجوب بالوجوب عنده. قوله: (تهاترتا بالإجماع) لكن على اختلاف التخريج، فعندهما باعتبار أن دعواهما مثل هذا البيع إقرار من كل واحدٍ بملك صاحبه، وفي مثل هذا تهاتر، وعند محمد باعتبار أن يقع كل واحد منهما جائزا لوجود البيع بعد القبض، وليس في البيعين ذكر تاريخ حتى يجعل أحدهما سابقًا، ولا يمكن أن يجعل كل واحد منهما بائعًا ومشتريًا في ساعة واحدة، وهو معنى قوله: (لأن الجمع غير ممكن) إلى آخره. وفي الكافي: وهذا يخالف ما ذكر في المبسوط والجامع الكبير وغيرهما، فإنه ذكر فيها: لو شهدوا بالعقد والقبض يقضى بالبينتين عنده، فيقضى بها لذي اليد؛ إذ العمل بالبينتين ممكن، بأن يجعل كأنَّ ذا اليد باعها وسلمها، ثم الخارج باعها وسلمها، بخلاف ما إذا لم يذكروا القبض حتى يقضى بها للخارج؛ لأنهما ما أثبتا القبض بالشهادة، وقد ثبت القبض عيانًا، وهي دلالة السبق، فجعلنا ذا اليد مشتريا من الخارج أولاً، وقد قبضها ثم باعها من الخارج، فيؤمر بتسليمها إليه، وقد ذكرنا وجه ما ذكر في المتن. قوله: (وإن وقتت البينتان في العقار) قيد بالعقار؛ ليظهر ثمرة الخلاف كما ذكرنا. قوله: (وإن أثبتا قبضًا يقضى بها لصاحب اليد) أي: بالاتفاق؛ لأنه يجعل

стр. 5611

وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ: يَقْضِي لِلْخَارِجِ (*)، لِأَنَّهُ لَا يَصِحُ لَهُ بَيْعُهُ قَبْلَ القَبْضِ فَبَقِيَ عَلَى مِلْكِهِ، وَإِنْ أَثْبَتَا قَبْضًا يَقْضِي لِصَاحِبِ اليَدِ، لِأَنَّ البَيْعَيْنِ جَائِزَانِ عَلَى القَوْلَيْنِ، وَإِنْ كَانَ وَقْتُ صَاحِبِ اليَدِ أَسْبَقَ يُقْضَى لِلْخَارِجِ فِي الوَجْهَيْنِ، فَيُجْعَلُ كَأَنَّهُ اشْتَرَاهَا ذُو اليَدِ وَقَبَضَ ثُمَّ بَاعَ وَلَمْ يُسَلِّمْ أَوْ سَلَّمَ ثُمَّ وَصَلَ إِلَيْهِ بِسَبَبٍ آخَرَ. قَالَ: (وَإِنْ أَقَامَ أَحَدُ المُدَّعِيَيْنِ شَاهِدَيْنِ وَالآخَرُ أَرْبَعَةً: فَهُمَا سَوَاءٌ) لِأَنَّ شَهَادَةَ كُلِّ الشَّاهِدِينَ عِلَّةٌ تَامَّةٌ كَمَا فِي حَالَةِ الاِنْفِرَادِ، وَالتَّرْجِيحُ لَا يَقَعُ بِكَثْرَةِ العِلَلِ، بَلْ بِقُوَّةٍ فِيهَا عَلَى مَا عُرِفَ. قَالَ: (وَإِذَا كَانَتْ دَارٌ فِي يَدِ رَجُلٍ ادَّعَاهَا اثْنَانِ، أَحَدُهُمَا جَمِيعَهَا، وَالْآخَرُ نِصْفَهَا، وَأَقَامَا البَيِّنَةَ، فَلِصَاحِبِ الجَمِيعِ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِهَا، وَلِصَاحِبِ النِّصْفِ رُبْعُهَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ) اعْتِبَارًا بِطَرِيقِ المُنَازَعَةِ، فَإِنَّ صَاحِبَ النِّصْفِ لَا يُنَازِعُ الْآخَرَ فِي النِّصْفِ فَسَلَّمَ لَهُ بِلَا مُنَازِعِ وَاسْتَوَتْ مُنَازَعَتُهُمَا فِي النِّصْفِ الْآخَرِ فَيُنَصَّفُ بَيْنَهُمَا (وَقَالَا: هِيَ بَيْنَهُمَا أَثْلَاثًا) (**) فَاعْتَبَرَا طَرِيقَ العَوْلِ وَالمُضَارَبَةِ، فَصَاحِبُ الجَمِيعِ أن الخارج باعها من بائعه بعدما قبضها، فكان بيع المبيع بعد القبض، وذلك جائز بالاتفاق. قوله: (في الوجهين) أي: سواء شهدوا بالقبض أو لم يشهدوا به. قوله: (فهما سواء) ولا ترجيح بكثرة العدد، وبه قال الشافعي في الجديد، ومالك في المشهور منه وأحمد. وقال الأوزاعي والشافعي في القديم، ومالك في رواية: يرجح بزيادة العدد؛ لأن القلب إلى قولهم أميل، وعند مالك يرجح بزيادة العدالة، فيقضى بأعدل البينتين، وقد مر على ما عرف في أصول الفقه. قوله: (فَيُنَصَّفُ بينهما) وقال الشافعي في قول: استعمال البينتين في النصف. وقال مالك، وأحمد في رواية، وعن مالك في رواية: يقسم الدار بينهما أثلاثا كما قالا، وفي قول التهاتر: يحلف صاحب اليد لهما في النصف الذي تعارضت البينتان.

стр. 5612

يَضْرِبُ بِكُلِّ حَقِّهِ سَهْمَيْنِ وَصَاحِبُ النِّصْفِ بِسَهْمٍ وَاحِدٍ فَتُقَسَّمُ أَثْلَاثًا، وَلِهَذِهِ المَسْأَلَةِ نَظَائِرُ وَأَضْدَادٌ لَا يَحْتَمِلُهَا هَذَا المُخْتَصَرُ وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي الزِّيَادَاتِ. قَالَ: قوله: (يضرب بكل حقه) أي: يأخذ بحسب كل حقه سهمين. وفي المغرب: وقال الفقهاء: فلان يضرب فيه بالثلث؛ أي: يأخذ منه شيئًا بحكم ماله من الثلث (١). قوله: (ولهذه المسألة نظائر) ومن نظائرها: الموصى له بجميع المال وبنصفه عند إجازة الورثة، أو الموصى له بعين مع الموصى له بنصف تلك العين إذا لم يكن له مال سواه. ومن أضدادها: العبد المأذون المشترك إذا ادَّانَهُ أحد الموليين مائة درهم، وأجنبي مائة درهم، ثم بيع بمائة؛ فالقسمة بين مولى المدين والأجنبي عند أبي حنيفة بطريق العول أثلاثا، وعندهما بطريق المنازعة أرباعًا، وكذلك المدبر إذا قتل رجلًا خطأ، وآخر عمدًا، وللمقتول عمدًا، ابنان، فعفا أحدهما ثم دفع العبد بالجنايتين، ومما اتفقوا على أن القسمة فيها بطريق العول: التركة بين الورثة والغرماء إذا ضاقت التركة عن إيفاء حقوقهم، والموصى له بالثلث مع الوصى له بالسدس إذا لم يجز الورثة. ومما اتفقوا على أن القسمة بطريق المنازعة: فضولي باع عبد رجل بغير أمره، وباع فضولي آخر نصفه، وأجاز المولى البيعين؛ فالقسمة بين المشتريين بطريق المنازعة [أرباعًا. ثم المعنى الواجب للقسمة على طريق المنازعة] (٢) عند أبي حنيفة شيئان: أحدهما: أن القسمة متى وجبت ابتداء في العين بحق ثبت لكل واحد على وجه التمييز والتعيين بطريق النزاع، كما إذا تنازعا في خاتم؛ أحدهما يدعي كله، والآخر نصفه؛ فالحلقة للأول والفص بينهما. والثاني: أن يكون حق أحدهما في كل العين، وحق الآخر في البعض

стр. 5613

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . الشائع؛ فالقسمة بطريق النزاع؛ لأنه ليس في معنى المواريث؛ إذ ليس في المواريث من يستحق كل التركة ويستحق الآخر بعضه، أو ثبت حق بعض الورثة على وجه التعيين والتمييز بحال، والعول ثبت بخلاف القياس بإجماع الصحابة؛ إذ يستحيل أن يكون في المال نصفان وثلث، أو ثلثان ونصف، فيقتصر عليه إلا إذا كان غيره بمعناه، ويخرج على هذا الأصل أربع مسائل؛ ثلاث مختلف فيها: أحدها: إذا تنازعا في الدار أحدهما يدعي كلها والآخر نصفها. والثانية: إذا أوصى بجميع ماله لرجل ولآخر بنصفه، وأجازت الورثة. الثالثة: أوصى بعين لرجل وبنصفها لآخر؛ فالقسمة فيها نزاعية عنده، عولية عندهما. والرابعة: فضولي باع إلى آخر ما ذكرنا؛ فالقسمة نزاعية، والمعنى الموجب للقسمة بطريق النزاع عندهما شيئان: أحدهما: ما ذكره أبو حنيفة، أو لأن الحقين متى ثبتا على وجه التمييز والتعيين فالقسمة نزاعية. والثاني: أن الحقين متى وجبا في وقتين مختلفين، سواء كانا شائعين، أو أحدهما والآخر معين؛ فالقسمة نزاعية اعتبارًا لتمييز الوقت المختلف على التمييز في حق المختلف. بيانه في المسائل الخمس المختلفة: أن ثبوت الحق في وقتين مختلفين؛ لأن العفو يتعاقب، وكذا الإدانة في وقتين مختلفين، وفي بيع الفضولي وقت ثبوت الحق يختلف؛ لأن الكل عند الإجازة يستند إلى وقت البيع، وهو مختلف. ثم اعلم أن المعنى الموجب للعول والمضاربة شيئان: أحدهما: ثبوت الحق في الذمة، وقسمة العين من ثمراته، كما في المواريث والوصايا والديون المجتمعة في التركة.

стр. 5614

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . والثاني: ثبوت كلا الحقين في العين ابتداء؛ لكن على سبيل الشيوع كما في المواريث ونحوها، فإن حق كل واحد من الورثة يثبت على وجه الشيوع دون التعيين، فأينما وجد أحد هذين المعنيين يقسم بطريق العول والمضاربة عنده، ويخرج على هذا الأصل خمس مسائل، منها ثلاث عفوية: إحداها: قتل عبد رجلًا خطأ وآخر عمدًا، وللمقتول عمدًا وليان إلى آخر ما ذكرنا؛ لأن القسمة إنما وجبت بحق يثبت في ذمة المولى؛ إذ الأصل في جناية الخطأ أن يباعد الواجب عن الجاني فيجب في ذمة المولى، ويخير بين الدفع والفداء. والثانية: إذا كان الجاني مدبرًا تقسم القيمة أثلاثًا لهذا المعنى. والثالثة: أم ولد قتلت مولاها عمدًا وأجنبيا عمدًا، ولكل واحد وليان، فعفا أحد وَلِيَّيْ كلّ واحد على التعاقب سعت في ثلاثة أرباع قيمتها، وللساكت من ولي الأجنبي ربع القيمة منها، ويقسم نصف القيمة أثلاثا لهذا المعنى. والرابعة: عبد مأذون مشترك ادَّانَهُ أحد الموليين إلى آخر ما ذكرنا يقسم ثمنه بينهما أثلاثا؛ لأن الدين وجب في الذمة أيضًا. والخامسة: ادانَهُ أجنبي مائة، وأجنبي آخر خمسين يقسم أثلاثًا لهذا المعنى. هذه المسائل المختلفة على المعنى الأول، وأما على المعنى الثاني يخرج ست مسائل: إحداها: الميراث. والثانية: الديون في التركة. والثالثة: إذا أوصى بثلث ماله، والآخر بربعه، والآخر بسدسه، ولم يجز الورثة يقسم الثلث بينهم على طريق العول. والرابعة: الوصية بالمحاباة، بأن أوصى بأن يباع عبد قيمته ثلاثة آلاف من هذا الرجل بألف، وأوصى لآخر أن يباع منه هذا العبد الذي يساوي ألفي درهم بألف درهم؛ كان الثلث بينهما بطريق العول.

стр. 5615

(وَلَوْ كَانَتْ فِي أَيْدِيهِمَا، سَلِمَ لِصَاحِبِ الجَمِيعِ، نِصْفُهَا عَلَى وَجْهِ القَضَاءِ)، وَنِصْفُهَا لَا عَلَى وَجْهِ القَضَاءِ لِأَنَّهُ خَارِجٌ فِي النِّصْفِ فَيَقْضِي بِبَيِّنَتِهِ، وَالنِّصْفُ الَّذِي فِي يَدَيْهِ صَاحِبُهُ لَا يَدَّعِيهِ، لِأَنَّ مُدَّعَاهُ النِّصْفُ وَهُوَ فِي يَدِهِ سَالِمٌ لَهُ، وَلَوْ لَمْ يَنْصَرِفْ إِلَيْهِ دَعْوَاهُ كَانَ ظَالِمًا بِإِمْسَاكِهِ وَلَا قَضَاءَ بِدُونِ الدَّعْوَى فَيُتْرَكُ فِي يَدِهِ. قَالَ: (وَإِذَا تَنَازَعَا فِي دَابَّةٍ وَأَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنهُمَا بَيِّنَةً أَنَّهَا نَتَجَتْ عِنْدَهُ، وَذَكَرَا تَارِيخًا، وَسِنُّ الدَّابَّةِ يُوَافِقُ أَحَدَ التَّارِيخَيْنِ: فَهُوَ أَوْلَى) لِأَنَّ الحَالَ يَشْهَدُ لَهُ فَيَتَرَبَّحُ والخامسة: الوصية بالعتق، بأن أوصى أن يعتق من هذا العبد نصفه، ومن العبد الآخر ثلثه، وذلك لا يخرج من الثلث، يقسم الثلث بينهما على طريق العول. والسادسة: الوصية بألف مرسلة، ولآخر بألفين كان الثلث بطريق العول. والسابعة: عبد فقأ عين رجل، وقتل آخر خطأ، فدفع بهما يقسم الجاني أثلاثا، وذكر شمس الأئمة السرخسي هذه المسألة مختلف فيها. والثامنة: إذا كان الجاني مدبرًا تقسم القيمة أثلاثًا، وهاتان المسألتان تخرجان على المعنى الأول، والمعنى الموجب للعول عندهما شيء واحد، وهو أن الحقوق متى ثبتت على الشيوع وفي وقت واحد كانت القسمة عولية، سواء كان الشيوع في الحقوق كلها أو بعضها اعتبارًا بالمواريث وأخواتها؛ لأن الحقوق تثبت ثمة على وجه الشيوع في وقت واحد، وهو حالة الموت، فاستوت الحقوق في القوة، فيلحق بها ما كان في معناه، وهو الديون المتفاوتة إذا اجتمعت في التركة، والعبد المدبر إذا فقأ عين رجل وقتل آخر خطأ؛ لأن الحقين ثبتا في وقت الدفع، وفي مسألة دعوى الدار الحق إنما ثبت بقضاء القاضي. كذا في الكتب. قوله: (ولو كانت في أيديهما) أي: الدار في أيديهما وبرهنا؛ فالدار كلها لصاحب الجميع كما ذكر في الكتاب، وبه قال أحمد في رواية. وقال الشافعي ومالك وأحمد في رواية: بقيت الدار في يديهما كما كانت؛ لترجح بينة صاحب اليد باليد.

стр. 5616

(وَإِنْ أَشْكَلَ ذَلِكَ كَانَتْ بَيْنَهُمَا) لِأَنَّهُ سَقَطَ التَّوْقِيتُ فَصَارَ كَأَنَّهُمَا لَمْ يَذْكُرَا تَارِيضًا. وَإِنْ خَالَفَ سِنُّ الدَّابَّةِ الوَقْتَيْنِ بَطَلَتْ البَيِّنَتَانِ، كَذَا ذَكَرَهُ الحَاكِمُ الشهيد الله، لِأَنَّهُ ظَهَرَ كَذِبُ الفَرِيقَيْنِ فَيُتْرَكُ فِي يَدِ مَنْ كَانَتْ فِي يَدِهِ. قَالَ: (وَإِذَا كَانَ عَبْدٌ فِي يَدِ رَجُلٍ أَقَامَ رَجُلَانِ عَلَيْهِ البَيِّنَةَ، أَحَدُهُمَا بِغَصْبٍ، وَالآخَرُ بِوَدِيعَةٍ: فَهُوَ بَيْنَهُمَا) لِاسْتِوَائِهِمَا فِي الاسْتِحْقَاقِ. قوله: (وإن أشكل كانت بينهما) هذا الجواب في الخارجين، وإن كان أحدهما صاحب اليد، ودعواهما في النتاج ووقت البينتان؛ فإن كانت الدابة على وقت بينة الخارج قضيت بها له؛ لظهور علامة الصدق في بينته وعلامة الكذب في بينة ذي اليد، ولو كانت الدابة على وقت بينة ذي اليد أو كانت مشكلة قضيت بها لذي اليد؛ إما لظهور علامة الصدق في بينته، أو سقوط اعتبار التوقيت إذا كانت مشكلة. كذا في المبسوط (١)، ولم يذكر فيه ما إذا كانت سن الدابة بين الوقتين. وذكر في الذخيرة في ذلك: تهاترت البينتان عند عامة المشايخ، وتترك الدابة في يد صاحب اليد. قوله: (وإن خالف سن الدابة الوقتين) أي: في دعوى الخارجين (تبطل البينتان). كذا ذكره الحاكم، وكذا ذكر في الإيضاح. وفي المبسوط (٢): من مشايخنا قال (٣): تبطل البينتان، والأصح ما قاله محمد، وهو الدابة بينهما في الفصلين؛ يعني: فيما إذا كان من الدابة مشكلة، وفيما إذا كانت غير الوقتين في دعوى الخارجين، أما إذا كانت مشكلة فلا شك فيه، وكذا إن كانت غير الوقتين؛ لأن اعتبار ذكر الوقت لحقهما، وفي هذا الموضع في اعتباره إبطال حقهما، فسقط اعتبار ذكر الوقت أصلا، وينظر إلى مقصودهما، وهو إثبات الملك، وقد استويا في ذلك، فوجب القضاء بينهما نصفين ولا يترك في يد ذي اليد؛ لأنه اتفق الفريقان على استحقاقها على ذي اليد، فكيف يترك في يده مع قيام يد الاستحقاق؟ وبه قالت الأئمة الثلاثة.

стр. 5617

فَصْلٌ فِي التَّنَازُعِ بِالْأَيْدِي قَالَ: (وَإِذَا تَنَازَعَا فِي دَابَّةٍ، أَحَدُهُمَا رَاكِبُهَا، وَالآخَرُ مُتَعَلِّقٌ بِلِجَامِهَا: فَالرَّاكِبُ أَوْلَى) لِأَنَّ تَصَرُّفَهُ أَظْهَرُ، فَإِنَّهُ يَخْتَصُّ بِالمِلْكِ وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ أَحَدُهُمَا رَاكِبًا فِي السَّرْجِ وَالآخَرُ رَدِيفُهُ: فَالرَّاكِبُ أَوْلَى بِخِلَافِ مَا إِذَا كَانَا رَاكِبَيْنِ، حَيْثُ تَكُونُ بَيْنَهُمَا لِاسْتِوَائِهِمَا فِي التَّصَرُّفِ وَكَذَا إِذَا تَنَازَعَا فِي بَعِيرٍ وَعَلَيْهِ حِمْلٌ لِأَحَدِهِمَا، وللآخر كوزٌ مُعلقٌ فَصَاحِبُ الحِمْلِ أَوْلَى لِأَنَّهُ هُوَ المُتَصَرِّفُ (وَكَذَا إِذَا تَنَازَعَا فِي قَمِيصِ أَحَدُهُمَا لَا بِسُهُ وَالآخَرُ مُتَعَلِّقٌ بِكُمِّهِ، فَاللَّابِسُ أَوْلَى) لِأَنَّهُ أَظْهَرُهُمَا تَصَرُّفًا (وَلَوْ تَنَازَعَا فِي بِسَاطِ: أَحَدُهُمَا جَالِسٌ عَلَيْهِ، وَالآخَرُ مُتَعَلِّقٌ بِهِ: فَهُوَ بَيْنَهُمَا) مَعْنَاهُ: لَا عَلَى طَرِيقِ القَضَاءِ، لِأَنَّ القُعُودَ لَيْسَ بِيَدٍ عَلَيْهِ فَاسْتَوَيَا. فَصْلٌ فِي التَّنَازُعِ بِالْأَيْدِي لما ذكر إثبات الملك بالبينة شرع في إثباته باليد والتصرف، وهذا أضعف دليل الملك، فأخره؛ ولهذا لو تعارض اليد والبينة ترجح البينة بالإجماع. قوله: (فالراكب) أولى ولا خلاف فيه للأئمة الأربعة. وفي الذخيرة: لو تعلق أحدهما بلجامها والآخر بذنبها؛ فالمتعلق باللجام أولى؛ لأنه لا يتعلق باللجام غالبًا إلا المالك، أما الذنب قد يتعلق به غيره. قوله: (فالراكب) أي: في السرج (أولى) لأن العادة جرت بأن الملاك يركبون في السرج، وغيرهم يكون رديفا. قوله: (فصاحب الحمل أولى) ولا يعلم فيه خلاف، وكذا اللابس أولى من المتعلق بالكم، ولا يعلم فيه خلاف أيضًا (لأنه) أي: اللابس (أظهرهما تصرفًا) ولهذا يصير به غاصبا. قوله: (فهو بينهما) أي: لا على طريق القضاء؛ بل يترك في يديهما، وكذا لو كانا جالسين عليه وادعياه فهو بينهما؛ لأن العقود ليس بيد عليه؛ إذ اليد على البساط لا يثبت إلا بالنقل والتحويل، أو بكونه في يده، ولم يوجد شيء من ذلك؛ ولهذا لا يصير غاصبا بمجرد القعود عليه بخلاف الركوب على الدابة، فإنه يصير غاصبا بمجرد الركوب عليه بغير الإذن.

стр. 5618

قَالَ: (وَإِذَا كَانَ ثَوْبٌ فِي يَدِ رَجُلٍ، وَطَرَفٌ مِنهُ فِي يَدِ آخَرَ، فَهُوَ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ) فإن قيل: فلما لم تثبت اليد عليه بالقعود، ينبغي ألا يقضى بينهما نصفين، كما في الدار لو كانا قاعدين فيها؛ فإنه لا يقضى بها بينهما؛ لأن بالقعود في الدار لا تثبت اليد عليها كالجلوس على البساط، فما وجه الفرق؟ قلنا: القضاء في البساط باعتبار علم القاضي حسا وعيانًا أنه ليس في يد غيرهما، فقضى بينهما لانعدام مدع غيرهما عيانًا باليد أو بالملك، أما في الدار إن علم القاضي أنها ليست في أيديهما يخلو بينها فيها، ولكن لما لم يعلم أنها ليست في يد غيرهما؛ لأن اليد على الدار إنما تثبت بالسكنى فيها أو بالاحتطاط له، والقاضي إن علم أنه ليس أحد يسكن فيها لكن لم يعلم زوال يد الاحتطاط عنها؛ لأن الدار إن ثبتت يد المحيط عليها في مكان لم يتحول عن ذلك إلى مكان آخر، فكان يد المحيط له ثابتة على الدار حكمًا، إلا أنه جهل صاحب اليد، وجهالة صاحب اليد لا يجوز القضاء لغيره لم يثبت عدم كونها في يد غيرها، ويثبت في المنقول، فجوزنا الحكم في المنقول دون العقار. إليه أشار في الذخيرة. قوله: (وطرف منه في يد آخر فهو بينهما) وهذا يدل على أن جميع الثوب لو كان في يد رجل وادعى أنه له؛ كان القول له، لكن هذا إذا عرف مثل هذا الثوب كان له في العادة، وإلا فلا، فإنه ذكر في المحيط والذخيرة: خرج رجل من دار رجل وعلى عاتقه متاع، فإن كان هذا المتاع يعرف الرجل ببيعه وحمله؛ فهو له، وإن لم يعرف بذلك؛ فهو لرب الدار. وفي القدوري: لو أن خيَّاطًا يخيط ثوبًا في دار رجل وتنازعا في الثوب؛ فالقول لصاحب الدار. وفي نوادر ابن سماعة عن أبي يوسف: رجل دخل دارا فوجد معه مال، فقال رب الدار: هذا مالي أخذته من منزلي، فقال أبو حنيفة: القول لرب الدار ولا يصدق الداخل في شيء ما خلا ثيابه التي عليه إن كانت الثياب مما يلبسه. وقال أبو يوسف: إن كان الداخل رجلا يعرف بصناعة شيء، بأن كان مثلا حمالًا يحمل الزيت فدخل وعلى رقبته زق زيت، أو كان ممن يبيع ويطوف

стр. 5619

لِأَنَّ الزِّيَادَةَ مِنْ جِنْسِ الحُجَّةِ، فَلَا تُوجِبُ زِيَادَةً فِي الاسْتِحْقَاقِ. قَالَ: (وَإِذَا كَانَ صَبِيٌّ فِي يَدِ رَجُلٍ وَهُوَ يُعَبِّرُ عَنْ نَفْسِهِ فَقَالَ: أَنَا حُرٌّ، فَالقَوْلُ بالمتاع في الأسواق؛ فالقول له، وإلا فلا، فأثبت في هذه المسائل أن اليد في المنقول إنما تعتبر عند دلالة الدليل على أن ذلك الشيء له عادة، وإلا فلا. قوله: (لأن الزيادة من جنس الحجة) فإن كل واحد مستمسك باليد، إلا أن أحدهما أكثر استمساكًا، فلا يوجب ذلك رجحانا، كما لو تنازعا في دابة ولواحدٍ عليها مائة منّ، ولآخر خمسون منا؛ كانت بينهما نصفين، وكما لو أقام أحدهما اثنين من الشهود والآخر أربعة، وهذا احتراز عما ذكر قبله، لو تنازعا في قميص، وأحدهما لابسه والآخر متعلق بكمه؛ فاللابس أولى؛ لأن اللبس تصرف آخر سوى التصرف باليد. فإن قيل: يشكل على هذا ما لو ذكر بعده، وإن كان جذوع أحدهما أقل من ثلاثة، وللآخر ثلاثة؛ فهو لصاحب الثلاثة، حيث جعل الزيادة من جنس الحجة موجبة للترجيح؛ إذ الشاهد من الطرفين وضع الجذع. قلنا: جوابه يجيء في تلك المسألة. قوله: (وهو يعبر عن نفسه) أي: يتكلم ويعقل ما يقول. وفي الذخيرة: ادعيا عبدًا وهو في أيديهما، فإن كان العبد لا يعبر عن نفسه؛ فالقاضي لا يقضي لهما بالملك ما لم تقم البينة، ولكن يجعله في يديهما إذا لم يعبر عن نفسه، فهو والبهيمة سواء، وعرف القاضي يدهما ولا يعرف الملك لهما فيحكم باليد دون الملك، وعند الأئمة الثلاثة يحكم بالملك أيضًا؛ لأن اليد فيه دليل الملك. وإن كان العبد يعبر عن نفسه، وقال: أنا حر؛ فالقول له، ولا يقضى لهما بشيء، وبه قال الشافعي في وجه، وأحمد في رواية. وقال في وجه: هو كالذي يعبر عن نفسه، وبه قال أحمد في رواية. ولو قال: أنا عبد أحدهما؛ لم يصدق، وهو عبدهما؛ لأنه لما أقر بالرق فقد ثبتت يدهما عليه حقيقة وحكمًا؛ لأن يد الحر تثبت على الرقيق، ثم هو

стр. 5620

قوله) لأنه في يد نفسه (ولو قال: أنا عبد لفلان: فهو عبد للذي هو في يده) لأنه بقوله: أنا عبد أحدهما، يريد إبطال اليد الثابتة عليه لأحدهما حقيقة وحكما، فلا يقدر عليه بخلاف ما لو قال: أنا حر الأصل؛ لأنه أنكر ثبوت اليد على نفسه، واليد لا تثبت للحر على الحر، فكان القول قوله، وكذا لو كان عبد في يد رجل فأقر أنه لآخر لم يصدق، والقول لصاحب اليد. فإن قيل: إقراره بالرق من المضار المحض، فينبغي ألا يصح، كإقراره بالدين والطلاق والعتاق. قلنا: الرق هاهنا لا يثبت بإقراره؛ بل بدعوى ذي اليد؛ لأن عند معارضته إياه بدعوى الحرية لا تتقرر يده عليه، وعند عدم المعارضة تتقرر يده عليه، كما في الصبي الذي لا يعقل؛ لأن الإقرار بالرق مما يمكن تداركه؛ إذ التناقض في معنى الحرية لا يمنع صحة الدعوى، بخلاف الإقرار بالدين؛ لأنه مما لا يمكن تداركه؛ لأن التناقض فيه يمنع صحة الدعوى، وكذا في الطلاق والعتاق. قوله: وإن كان لا يعبر عن نفسه (فهو عبد للذي في يده). فإن قيل: يشكل باللقيط، فإن الملتقط لو ادعى أنه عبد لا يصدق، وبه قال الشافعي وأحمد، وهذا يصدق. قلنا: يد الملتقط نائب من وجه دون وجه؛ لأنها نائبة حقيقة لا حكما، فإن الملتقط أمين في اللقيط، ويد الأمين في الحكم يد غيره، فلم تصح الدعوى منه مع الشك، بخلاف غيره؛ لأن يده عليه ليست يد غيره، فتكون اليد عليه ثابتة حقيقة وحكما، فتصح الدعوى منه. فإن قيل: وجب ألا يصدق في دعوى الرق؛ لأن الحرية ثابتة الأصل؛ إذ الأصل في بني آدم الحرية؛ لأنهم أولاد آدم وحواء، وهما كانا حرين، فكان ما يدعيه من الرق أمرا عارضا، فلا يقبل قوله إلا بحجة. قلنا: اعترض على الأصل ما يدل على خلافه فيبطل الأصل؛ إذ اليد على من هذا شأنه دليل على خلاف ذلك الأصل؛ لأنها دليل الملك، فيبطل ذلك الأصل. كذا في الفوائد الظهيرية، وفيه نوع تأمل.

стр. 5621

أَقَرَّ بِأَنَّهُ لَا يَدَ لَهُ حَيْثُ أَقَرَّ بِالرِّقِّ (وَإِنْ كَانَ لَا يُعَبِّرُ عَنْ نَفْسِهِ فَهُوَ عَبْدٌ لِلَّذِي هُوَ فِي يَدِهِ) لِأَنَّهُ لَا يَدَ لَهُ عَلَى نَفْسِهِ لَمَّا كَانَ لَا يُعَبِّرُ عَنْهَا وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْمَتَاعِ، بِخِلَافِ مَا إِذَا كَانَ يُعَبِّرُ، فَلَوْ كَبِرَ وَادَّعَى الحُرِّيَّةَ لَا يَكُونُ القَوْلُ قَوْلَهُ لِأَنَّهُ ظَهَرَ الرِّقُ عَلَيْهِ فِي حَالِ صِغَرِهِ. قَالَ: (وَإِذَا كَانَ الحَائِطُ لِرَجُلٍ عَلَيْهِ جُذُوعٌ، أَوْ مُتَّصِلٌ بِبِنَائِهِ، وَلَآخَرَ عَلَيْهِ هَرَادِيٌّ: فَهُوَ لِصَاحِبِ الجُذُوعِ وَالاتِّصَالِ، وَالهَرَادِيُّ لَيْسَتْ بِشَيْءٍ) لِأَنَّ صَاحِبَ الجُذُوعِ صَاحِبُ اسْتِعْمَالٍ، وَالآخَرُ صَاحِبُ تَعَلُّقِ، فَصَارَ كَدَابَّةٍ تَنَازَعَا فِيهَا وَلِأَحَدِهِمَا حِمْلٌ عَلَيْهَا، وَلِلْآخَرِ كُوزٌ مُعَلَّقٌ بِهَا، وَالمُرَادُ بِالاتِّصَالِ مُدَاخَلَةُ لَبِنِ جِدَارِهِ فِيهِ، وَلَبِنُ هَذَا فِي جِدَارِهِ، وَقَدْ يُسَمَّى اتِّصَالُ تَرْبِيعٍ، وَهَذَا شَاهِدٌ ظَاهِرٌ لِصَاحِبِهِ، لِأَنَّ بَعْضَ بِنَائِهِ عَلَى بَعْضٍ بِنَاءِ هَذَا الحَائِطِ. واليد على البالغ لا تدل على الملك باتفاق الأئمة الأربعة. قوله: (فهو لصاحب الجذوع) وقال الشافعي وأحمد: لا ترجيح بوضع الجذوع؛ لأن الوضع قد يكون عن ملك، وقد يكون عن استعارة أو غصب، فلا ترجيح بالمحتمل. وقلنا: واضع الجذوع مستعمل للحائط بالوضع، والاستعمال يد، وعند التعارض القول لصاحب اليد. قوله: (والمراد بالاتصال)؛ أي: الاتصال المذكور في قوله: (أو متصل ببنائه) يعني: الاتصال ضربان اتصال تربيع واتصال ملاصقة، والأول هو المراد (وقد يسمى اتصال تربيع). في الذخيرة: تفسيره: إذا كان الحائط من مَدَرٍ أو أجر أن يكون أنصاف لبن الحائط المتنازع فيه داخله في أنصاف لبن غير المتنازع فيه، وأنصاف لبن غير المتنازع فيه داخلة في المتنازع فيه، ولو كان الجدار من خشب؛ فالتربيع أن يكون ساجة، بالجيم، إحداهما مركبة في الأخرى، وأما إذا نقب فأدخل لا يكون تربيعا، وهذا ظاهر الرواية، وهو شاهد ظاهر لصاحبه؛ لأن الظاهر هو الذي بناه مع حائطه؛ إذ داخله أنصاف اللبن لا يتصور إلا عند بناء الحائطين معًا، فهو أولى، وبه قال الشافعي وأحمد.

стр. 5622

وَقَوْلُهُ: «الهَرَادِيُّ لَيْسَتْ بِشَيْءٍ»: يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا اعْتِبَارَ لِلْهَرَادِيِّ أَصْلًا، وَكَذَا البَوَارِي، لِأَنَّ الحَائِطَ لَا تُبْنَى لَهَا أَصْلًا، حَتَّى لَوْ تَنَازَعَا فِي حَائِطٍ وَلِأَحَدِهِمَا عَلَيْهِ هَرَادِيٌّ، وَلَيْسَ لِلْآخَرِ عَلَيْهِ شَيْءٌ: فَهُوَ بَيْنَهُمَا (وَلَوْ كَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَيْهِ جُذُوعٌ ثَلَاثَةٌ فَهُوَ بَيْنَهُمَا) لِاسْتِوَائِهِمَا، وَلَا مُعْتَبَرَ بِالأَكْثَرِ مِنهَا بَعْدَ الثَّلَاثَةِ (وَإِنْ كَانَ جُذُوعُ أَحَدِهِمَا أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةٍ فَهُوَ لِصَاحِبِ الثَّلَاثَةِ وَلِلْآخَرِ مَوْضِعُ جِذْعِهِ) وفي الذخيرة الاتصال بالتربيع أولى، وكان الكرخي يقول: صفة هذا الاتصال أن يكون الحائط المتنازع فيه من الجانبين جميعًا متصلا بحائطين لأحدهما، والحائطان متصلان بمقابلة الحائط المتنازع، حتى يصير متربعًا شبه القبة، فحينئذ يكون الكل في حكم شيء واحد، فصاحب الاتصال أولى، والمروي عن أبي يوسف أن المعتبر اتصال جانبي الحائط. قوله: (والهرادي ليس بشيء) وفي دستور اللغة: هرادي السقف: خشباته، وبالفارسية (شه). قوله: (فهو بينهما باتفاق الأئمة الأربعة؛ لأن وضع الهرادي والبواري لا تثبت لصاحبها على الحائط يد استعمال؛ لأن الحائط للتسقيف، وذلك بوضع الجذوع عليه لا بوضع الهرادي والبواري، وإنما توضع البواري والهرادي للاستظلال، والحائط لا يُبتنى إلا للاستظلال، فصار كما لو كان لأحدهما على الحائط ثوبٌ مبسوط ولا شيء للآخر، وهناك يقضى بينهما، فكذا هاهنا. قوله: (ولا معتبر بالأكثر منها) أي: من الثلاثة، حتى لو كان لأحدهما عشر خشبات ولآخر ثلاثة؛ فهو بينهما، ولا يعتبر التفاوت بعد تمام النصاب؛ إذ الثلاث أقل الجمع، كما في البينات، وكما لو كان لأحدهما على الدابة مائة من، ولآخر خمسون منا. قوله: (وللآخر) أي: لصاحب الجذع أو الاثنين موضع جذعه) وهو رواية كتاب الإقرار. وفي الإيضاح: يريد به له حق وضع الجذع حتى لا يمنع منه، وهذا إذا ثبت ملكه بسبب العلامة، أما لو ثبت بالبينة كان لصاحب الجذوع أن يمنع

стр. 5623

فِي رِوَايَةٍ، وَفِي رِوَايَةٍ: لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَا تَحْتَ خَشَبَتِهِ، ثُمَّ قِيلَ: مَا بَيْنَ الخَشَبِ بَيْنَهُمَا، وَقِيلَ: عَلَى قَدْرِ خَشَبِهِمَا، وَالقِيَاسُ: أَنْ يَكُونَ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ، لِأَنَّهُ لَا مُعْتَبَرَ بِالكَثْرَةِ فِي نَفْسِ الحُجَّةِ. وَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ الِاسْتِعْمَالَ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ بِقَدْرِ خَشَبَتِهِ. وَوَجْهُ الأَوَّلِ: أَنَّ صاحب الجذع الواحد أو الاثنين من وضع جذعه على جداره، وهكذا ذكر في المبسوط وغيره. (وفي رواية: لكل واحد ما تحت خشبته) وهو رواية كتاب الدعوى، حيث قال: إن الحائط بينهما على قدر الأجذاع، ثم قيل: ما بين الخشب بينهما؛ أي: نصفان. (وقيل: على قدر خشبهما) أي: على رواية كتاب الدعوى. وفي الذخيرة: يقضى ما بين الحشبات على رواية كتاب الدعوى عند البعض على أحد عشر سهما، وعند البعض بينهما نصفين؛ لاستوائهما في ذلك، كما لو اختلفا في ساحة المنزل يقضى بينهما نصفان، والقياس أن يكون بينهما نصفين، وهو رواية عن أبي حنيفة، وقياس قول الشافعي وأحمد؛ لأنه لا اعتبار للجذوع عندهما، فلا تجيء هذه التفاصيل عندهما. ووجهه: أن وضع الخشبة حجة في هذا الباب؛ لأن به يثبت الاستعمال، كما كان لأحدهما خشبة واحدة ولا شيء للآخر، وإذا كان كذلك لا يترجح بزيادة الخشبات؛ لأن الحجة لا تترجح بزيادة من جنسها. قوله: (ووجه الثاني) وهو رواية كتاب الدعوى؛ (لأن الاستعمال من كل واحد بقدر خشبته)؛ إذ ذلك الموضع مشغول بجذعه. قوله: (وجه الأول) وهو رواية كتاب الإقرار، وهو الاستحسان، أن الحائط يبنى للتسقيف والتسقيف لا يحصل بالخشبة الواحدة، ووضع الخشبة وإن كان حجة لكن ناقصة، فلا تعتبر، ولو كان لأحدهما خشبتان وللآخر ثلاثة اختلف فيه. قيل: كالثلاثة؛ لأنه لا يمكن التسقيف بهما، وقيل: بمنزلة الواحدة؛ إذ لا

стр. 5624

الحَائِط يُبْنَى لِوَضْعِ كَثِيرِ الجُذُوعِ دُونَ الوَاحِدِ وَالمُثَنَّى، فَكَانَ الظَّاهِرُ شَاهِدًا لِصَاحِبِ الكَثِيرِ، إِلَّا أَنَّهُ يَبْقَى لَهُ حَقُّ الوَضْعِ، لِأَنَّ الظَّاهِرَ لَيْسَ بِحُجَّةٍ فِي اسْتِحْقَاقِ يَدِهِ وَلَوْ كَانَ لِأَحَدِهِمَا جُذُوعٌ، وَلِلْآخَرِ اتِّصَالُ: فَالأَوَّلُ أَوْلَى وَيُرْوَى: الثَّانِي أَوْلَى وَجْهُ الأَوَّلِ: أَنَّ لِصَاحِبِ الجُذُوعِ التَّصَرُّفَ وَلِصَاحِبِ الاتِّصَالِ اليَدَ، وَالتَّصَرُّفُ أَقْوَى. وَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ الحَائِطَيْنِ بِالاتِّصَالِ يَصِيرَانِ كَبِنَاءٍ وَاحِدٍ مِنْ ضَرُورَةِ القَضَاءِ لَهُ بِبَعْضِهِ القَضَاءُ بِكُلِّهِ، ثُمَّ يَبْقَى لِلْآخَرِ حَقٌّ وَضْعِ جُذُوعِهِ لِمَا قُلْنَا، وَهَذِهِ رِوَايَةُ الطَّحَاوِيِّ وَصَحَّحَهَا الجُرْجَانِيُّ. يمكن التسقيف بهما إلا على الندرة باعتبار الظاهر، وهو ليس بحجة في استحقاق يده، ويعلم منه الجواب الموعود، وهذا احتراز عما لو ثبت بالبينة، فإن فيه له أن يمنع عن الوضع؛ لأن البينة حجة صالحة للاستحقاق. قوله: (ولو كان لأحدهما اتصال وللآخر جذوع) وهو الصحيح من النسخ؛ ليوافق الدليل المدعى، وفي بعض النسخ: (ولو كان لأحدهما جذوع وللآخر اتصال). وفي الذخيرة: لو كان الاتصال في طرف واحد، فقال شيخ الإسلام والطحاوي وأبو عبد الله المرشد: إن صاحب الاتصال أولى، وذكر شمس الأئمة السرخسي: صاحب الجذوع أولى (١). ولو كان الاتصال في طرفي الحائط المتنازع فيه فصاحب الاتصال أولى، وعليه عامة المشايخ، وهكذا روي عن أبي يوسف في الأمالي، ومن ضرورة القضاء ببعضه القضاء بكله، أو يرد المختلف فيه إلى المتفق عليه. قوله: (لما قلنا) إشارة إلى قوله: (لأن الظاهر ليس بحجة). فإن قيل: لما قضي بالحائط لصاحب الاتصال ينبغي أن يؤمر الآخر برفع جذوعه لا وضعها على ملك الغير بغير سبب ظاهر، كما لو تنازعا في دابة لأحدهما عليها حمل، وللآخر عليها مخلاة - يقضى بها لصاحب الحمل، ويؤمر برفع المخلاة.

стр. 5625

قَالَ: (وَإِذَا كَانَتْ دَارٌ مِنهَا فِي يَدِ رَجُلٍ عَشَرَةُ أَبْيَاتٍ وَفِي يَدِ آخَرَ بَيْتٌ فَالسَّاحَةُ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ) لِاسْتِوَائِهِمَا فِي اسْتِعْمَالِهَا وَهُوَ الْمُرُورُ فِيهَا. قلنا: وضع المخلاة لا يكون مستحقا له على دابة الغير بسبب في الأصل، وكان من ضرورة القضاء بالدابة لصاحب العمل أمر الآخر برفع المخلاة، أما هاهنا حق وضع الجذع يثبت له على حائط بأن كان ذلك مشروطًا في أصل القسمة، فليس من ضرورة الحكم لصاحب الاتصال استحقاق رفع الجذع على الآخر، وهذا بخلاف ما لو أقام أحدهما البينة وقضى له؛ حيث يؤمر برفع جذوعه عن ملكه؛ لما ذكرنا. قوله: (فالساحة) بالحاء المهملة، وهو عرصة في الدار وبين يديها. (لاستوائهما في استعمالها) أي: استعمال الساحة؛ لأن استعمال الساحة للمرور، ووضع الأمتعة أيضًا، وصب الوضوء وكسر الحطب، وهما في ذلك سواء، ولعل مرور صاحب القليل أكثر لزمانة صاحب الكثير، وكون صاحب القليل وَلاجًا وخرَّاجًا، على أن الترجيح لا يقع بكثرة ما هو من جنس العلة، وصار كالطريق يستوي فيه صاحب المنزل والدار والبيت؛ وهذا لأن الاستحقاق باعتبار أصل اليد؛ ألا ترى أنهما لو تنازعا في ثوب وعامته في يد أحدهما وفي يد الآخر طرف منه؛ يقضى بينهما؛ لما أن أصل اليد حجة للاستحقاق، فالقليل فيه يساوي الكثير، وكما لو أقام أحدهما شاهدين والآخر أربعة، فهما سواء، وبقولنا: قال الشافعي وأحمد. فإن قيل: لو أقام أحدهما شاهدًا والآخر شاهدين يقضى بالكثرة، وكذا لو كان في يد أحدهما [ثوب] (١) وفي يد الآخر هُدْبُهُ؛ يقضى للذي في يده، فهذا ترجيح بالكثرة، وكذا لو أخبر عدلان بطهارة الماء، وعدل واحد بنجاسته؛ يحكم بطهارته، وهذا ترجيح بالكثرة، وكذا لو تنازعا في حائط، ولأحدهما عليه جذوع ولآخر جذع؛ فهو لصاحب الجذوع وهذا ترجيح بالكثرة، وكذا لو تنازعا في الشرب يقسم بينهما على قدر الأراضي، بخلاف مسألة الكتاب ففي الكل ترجيح بالكثرة.

стр. 5626

قَالَ: (وَإِذَا ادَّعَى رَجُلَانِ أَرْضًا) يَعْنِي يَدَّعِي كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنَّهَا فِي يَدِهِ (لَمْ يُقْضَ أَنَّهَا فِي يَدِ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حَتَّى يُقِيمَا البَيِّنَةَ أَنَّهَا فِي أَيْدِيهِمَا) لِأَنَّ اليَدَ فِيهَا غَيْرُ مُشَاهَدَةٍ لِتَعَذَّرِ إِحْضَارِهَا وَمَا غَابَ عَنْ عِلْمِ القَاضِي فَالبَيِّنَةُ تُثْبِتُهُ. قلنا: أما مسألة الشهادة لا تلزمنا؛ لأن الشاهد الواحد غير معتبر بالنص، فلا يصلح حجة للقضاء والاستحقاق، وأما في مسألة الثوب الاستحقاق باعتبار اليد، ويد صاحب الهدب على الهُذب لا الثوب، فلا يثبت الاستحقاق به، أما هاهنا يثبت سبب الاستحقاق، وهو المرور. وأما في الإخبار بنجاسة الماء وطهارته، فخبر العدل يترجح في أمور الدين باعتبار ترجيح الصدق، وفي العدد يفيد زيادة الصدق أيضًا، وفيما نحن فيه استويا في سبب الاستحقاق. وأما مسألة الجذوع، فلما بينا أن الحائط لا يبتنى لوضع خشبة واحدة لعدم التسقيف فيه، وأما مسألة الشرب، فإن الشرب شيء تحتاج إليه الأراضي دون الأرباب، فبكثرة الأراضي كثر الاحتياج إليه، فيستدل به على كثرة حق له في الشرب، أما الساحة فيحتاج إليه الأرباب بنفسه، وهما سواء في الاحتياج كما ذكرنا. إليه أشار الإمام التمرتاشي والمحبوبي. قوله: (وإذا ادعى الرجلان أرضًا) إلى آخره. في الفوائد الظهيرية: هاهنا مسألة غفل عنها القضاة، وهي أنه لو ادعى أرضًا، والمدعى عليه يزعم أنها في يده، وأقام المدعي بينة على الملك؛ فالقاضي لا يقضي ببينته؛ لجواز أن تكون الأرض في يد ثالث، والمدعي والمدعى عليه تواضعا على ذلك، وهذه حيلة ليجعلها القاضي في يد أحدهما ما لم يثبت كون الأرض في يد المدعى عليه بالبينة لا يقضي، إلا أنه يمنع المقر من أن يزاحم المقر له؛ لأن إقراره حجة في حقه، وإن أقام أحدهما البينة جعلت في يده. فإن قيل: البينة حجة على الخصم، ولا خصم هاهنا؛ لأنه لم يثبت كونها

стр. 5627

(وَإِنْ أَقَامَ أَحَدُهُمَا البَيِّنَةَ جُعِلَتْ فِي يَدِهِ) لِقِيَامِ الحُجَّةِ، لِأَنَّ اليَدَ حَقٌّ مَقْصُودٌ (وَإِنْ أَقَامَا البَيِّنَةَ جُعِلَتْ فِي أَيْدِيهِمَا) لِمَا بَيَّنَّا فَلَا يَسْتَحِقُّ لِأَحَدِهِمَا مِنْ غَيْرِ حُجَّةٍ (وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا قَدْ لَبَّنَ فِي الْأَرْضِ أَوْ بَنَى أَوْ حَفَرَ فَهِيَ فِي يَدِهِ) لِوُجُودِ التَّصَرُّفِ وَالاسْتِعْمَالِ فِيهَا. في يد الآخر، فكيف يقضى باليد؟ قلنا: هو خصم باعتبار منازعته في اليد، ومن كان خصمًا لغيره باعتبار منازعته في شيء شرعًا كانت بينته مقبولة. وذكر التمرتاشي: لو طلب كل واحدٍ يمين صاحبه ما هي في يده؛ حلف كل واحد ما في يد صاحبه على البتات، ولو حلفا ولم يقض باليد لهما، وبرئ كل واحد [عن] (١) دعوى صاحبه، وتوقف الدار إلى أن تظهر حقيقة الحال، ولو نكلا قضي لكل واحد بالنصف الذي في يد صاحبه، ولو نكل أحدهما قضي عليه لكلها للحالف نصفها كان في يده، ونصفها الذي كان في يد صاحبه لنكوله، ولو كانت الدار في يد ثالث لم تنزع من يده؛ لأن نكوله ليس بحجة في حق الثالث. قوله: (وإن أقاما البينة جعلت في أيديهما؛ لما بينا) وهو قيام الحجة، كما لو ادعى الملك وأقاما بينة، أما لو طلبا القسمة؛ فالقاضي لا يقسم بينهما ما لم يقيما البينة على الملك. وفي الفوائد الظهيرية: قال بعض مشايخنا: هذا قول أبي حنيفة، وأما على قولهما يقسم بناء على مسألة أخرى، وهي أن الدار في يد ورثة كبار أقروا عند القاضي أنها ميراث عن أبيهم، والتمسوا منه القسمة - لا يقسمها بينهم حتى يقيموا البينة أن أباهم مات وخلَّفَها ميرانا لهم عند أبي حنيفة، وعندهما يقسمها بإقرارهم. قوله: (لوجود التصرف والاستعمال فيها) أي: في الدار، ومن ضرورته إثبات اليد، كالركوب في الدابة واللبس في الثوب. ذكره البزدوي.

стр. 5628

بَابُ دَعْوَى النَّسَبِ قَالَ: (وَإِذَا بَاعَ جَارِيَةً فَجَاءَتْ بِوَلَدٍ فَادَّعَاهُ البَائِعُ، فَإِنْ جَاءَتْ بِهِ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ يَوْمِ بَاعَ فَهُوَ ابْنُ للبَائِعِ، وَأُمُّهُ أُمُّ وَلَدٍ لَهُ) وَفِي القِيَاسِ هُوَ قَوْلُ زُفَرٍ (*) وَالشَّافِعِيُّ رَحِمَهُمَا اللَّهُ: دَعْوَتُهُ بَاطِلَةٌ، لِأَنَّ البَيْعَ اعْتِرَافٌ مِنهُ بِأَنَّهُ عَبْدٌ، فَكَانَ فِي دَعْوَاهُ مُنَاقِضًا وَلَا نَسَبَ بِدُونِ الدَّعْوَى. وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ: أَنَّ اتِّصَالَ العُلُوقِ بِمِلْكِهِ شَهَادَةٌ ظَاهِرَةٌ عَلَى كَوْنِهِ مِنْهُ، لِأَنَّ الظَّاهِرَ عَدَمُ الزِّنَا. وَمَبْنَى النَّسَبِ عَلَى الخَفَاءِ فَيُعْفَى فِيهِ التَّنَاقُضُ، وَإِذَا صَحَّتْ بَابُ دَعْوَى النَّسَبِ لما ذكر حكم دعوى المال شرع في دعوى النسب، وقدم دعوى المال؛ لكثرة وقوعها، فكانت أهم. في الصحاح: الدعوة، بالكسر: في النسب، وبالفتح: في الطعام. وقيل: على العكس (١). قوله: (فكان في دعواه) أي: البائع في دعواه (مناقضا) وكذا سعيا في نقض ما تم من جهته، وهو البيع، فصار كما لو ادعى اليد بتراء، والإعتاق قبل البيع، أو ادعى أب البائع الولد، وكذَّبه المشتري، فإنه لم يثبت النسب، كذا هذا. وفي الاستحسان: أمكن إثبات النسب منه فيثبت؛ وهذا لأنا تيقنا بحصول العلوق في ملكه لما ولدت لأقل من ستة أشهر، وذا ينزل منزلة البينة العادلة في إثبات النسب منه، وهذا معنى قوله: (اتصال العلوق بملكه شهادة ظاهرة). قوله: (فيعفى فيه التناقض) أي: لا يمنع صحة الدعوى؛ لأن مبنى النسب على الإخفاء؛ إذ قد يظن المرء أن العلوق ليس منه ثم يظهر له أنه منه، حتى لو كان صبي في يد امرأة فقال زوجها هذا الولد من زنا، وقالت: من نكاح منك، ثم قال الزوج: هو من نكاح - يثبت النسب منه، بخلاف الإعتاق

стр. 5629

الدَّعْوَى اسْتَنَدَتْ إِلَى وَقْتِ العُلُوقِ، فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ بَاعَ أُمَّ وَلَدِهِ فَيُفْسَخُ البَيْعُ لِأَنَّ بَيْعَ أُمِّ الوَلَدِ لَا يَجُوزُ (وَيُرَدُّ الثَّمَنُ) لِأَنَّهُ قَبَضَهُ بِغَيْرِ حَقٌّ وَإِنْ ادَّعَاهُ المُشْتَرِي مَعَ دَعْوَةِ البَائِعِ أَوْ بَعْدَهُ فَدَعْوَةُ البَائِعِ أَوْلَى لِأَنَّهَا أَسْبَقُ لِاسْتِنَادِهَا إِلَى وَقْتِ العُلُوقِ وَهَذِهِ دَعْوَةُ اسْتِيلَادٍ (وَإِنْ جَاءَتْ بِهِ لِأَكْثَرَ مِنْ سَنَتَيْنِ مِنْ وَقْتِ البَيْعِ: لَمْ تَصِحَ دَعْوَةُ البَائِعِ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدُ اتِّصَالُ العُلُوقِ بِمِلْكِهِ تَيَقَّنَا وَهُوَ الشَّاهِدُ وَالحُجَّةُ إِلَّا إِذَا صَدَّقَهُ المُشْتَرِي) فَيَثْبُتُ النَّسَبُ وَيُحْمَلُ عَلَى الاسْتِيلَادِ بِالنِّكَاحِ، وَلَا يَبْطُلُ البَيْعُ، لِأَنَّا تَيَقَّنَّا أَنَّ العُلُوقَ والتدبير؛ لأن إعتاقه وتدبيره لا يخفى عليه، وبخلاف دعوة الحد؛ لأن العلوق ما حصل في ملكه، وله حق التملك على ولده، وقد زال ذلك بالبيع. قوله: (مع دعوة البائع أو بعده) قيد به؛ لأنه لو ادعاه المشتري أولا يثبت النسب منه، ولا يثبت نسب البائع بعد ذلك؛ لاستغناء الولد عن النسب. قوله: (وهذه دعوة استيلاد) أي: دعوة البائع دعوة استيلاد، ودعوة المشتري دعوة تحرير؛ إذ أصل العلوق لم يكن في ملكه، ودعوة الاستيلاد أولى؛ لاستنادها إلى وقت العلوق، واقتصار دعوة التحرير على الحال، فدعوة البائع سابقة معنى، فكانت أولى، ودعوة الاستيلاد لا تفتقر إلى حقيقة الملك، ودعوة التحرير تفتقر، وفي الحقيقة هذا جواب عن قول إبراهيم النخعي حيث قال فيها: يثبت النسب من المشتري؛ لأن له حقيقة الملك فيها وفي ولدها، وللبائع حق، والحق لا يعارض الحقيقة، كما لو جاءت جارية بولد فادعاه مولاه وأبو المولى؛ فالمولى أولى؛ لأن له حقيقة الملك، ولأبيه حق التمليك. فقلنا: هذه دعوة استيلاد إلى آخره، بخلاف دعوة المولى مع أبيه، فإن شرط صحة دعوة الأب تملك الجارية من وقت العلوق؛ إذ ليس له في مال ولده حق ملك ولا حقيقته؛ بل له حق التملك، واقتران دعوة الابن بدعوة الأب يمنع تحصيل هذا الشرط؛ فلهذا أثبتناه من المولى دون أبيه. كذا في المبسوط (١)، وجامع قاضي خان. قوله: (ويحمل على الاستيلاد بالنكاح) حملا لأمره على الصلاح، وقول المشتري على الصدق كذا ذكره قاضي خان.

стр. 5630

لَمْ يَكُنْ فِي مِلْكِهِ، فَلَا يُثْبِتُ حَقِيقَةَ العِتْقِ وَلَا حَقَّهُ، وَهَذِهِ دَعْوَةُ تَحْرِيرِ وَغَيْرُ المَالِكِ لَيْسَ مِنْ أَهْلِهِ. (وَإِنْ جَاءَتْ بِهِ لِأَكْثَرَ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ وَقْتِ البَيْعِ، وَلِأَقَلَّ مِنْ سَنَتَيْنِ: لَمْ تُقْبَلْ دَعْوَةُ البَائِعِ فِيهِ، إِلَّا أَنْ يُصَدِّقَهُ المُشْتَرِي) لِأَنَّهُ احْتَمَلَ أَنْ لَا يَكُونَ العُلُوقُ فِي مِلْكِهِ، فَلَمْ تُوجَدْ الحُجَّةُ فَلَا بُدَّ مِنْ تَصْدِيقِهِ، وَإِذَا صَدَّقَهُ، يَثْبُتُ النَّسَبُ، وَيَبْطُلُ البَيْعُ، وَالوَلَدُ حُرٌّ وَالأُمُّ أُمُّ وَلَدٍ لَهُ كَمَا فِي المَسْأَلَةِ الأُولَى لِتَصَادُقِهِمَا وَاحْتِمَالِ العُلُوقِ فِي المِلْكِ فَإِنْ مَاتَ الوَلَدُ، فَادَّعَاهُ البَائِعُ، وَقَدْ جَاءَتْ بِهِ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ: لَمْ يَثْبُتْ الاسْتِيلَادُ فِي الأُمِّ لِأَنَّهَا تَابِعَةٌ لِلْوَلَدِ، وَلَمْ يَثْبُتْ نَسَبُهُ بَعْدَ الْمَوْتِ لِعَدَمِ حَاجَتِهِ إِلَى ذَلِكَ فَلَا يَتْبَعُهُ اسْتِيلَادُ الأُمّ (وَإِنْ مَاتَتْ الأُمُّ فَادَّعَاهُ البَائِعُ، وَقَدْ جَاءَتْ بِهِ لِأَقَلَّ مِنْ قوله: (فلا تثبت حقيقة (العتق) أي: في الولد ولا حقه) أي: حق العتق، وهو أمومية الولد في أمه، كما لو ادعاه أجنبي آخر؛ لأن بتصادقهما أن الولد من البائع لا يثبت كون العلوق في ملكه؛ لأن البائع يدعي ذلك، وكيف يدعي والولد لا يبقى في البطن أكثر من سنتين؟ فكان حادثا بعد زوال ملك البائع، وإذا لم يثبت العلوق في ملك البائع، فكان دعوة البائع هنا دعوة تحرير (وغير المالك ليس بأهله) أي: بأهل التحرير، فلا يصح دعوى التحرير منه، فلم يعتق الولد، ولا تصير أمه أم ولد. قوله: (ويبطل البيع) ٩ لأنهما تصادقا على النسب، واحتمل أن يكون العلوق في ملك البائع، فيثبت النسب ويبطل البيع. قوله: (لأنها) أي: الأم (تابعة للولد) في ثبوت أموميتها؛ لأنها تستفيد الحرية من الولد، قال ﵇: «أَعْتَقَهَا وَلَدُهَا» (١) فكان الاستيلاد فرع النسب.

стр. 5631

سِتَّةُ أَشْهُرٍ: يَثْبُتُ النَّسَبُ فِي الوَلَدِ وَأَخَذَهُ البَائِعُ)؛ لِأَنَّ الوَلَدَ هُوَ الْأَصْلُ فِي النَّسَبِ، فَلَا يَضُرُّهُ فَوَاتُ التَّبَعِ، وَإِنَّمَا كَانَ الوَلَدُ أَصْلًا، لِأَنَّهَا تُضَافُ إِلَيْهِ يُقَالُ أُمُّ الوَلَدِ، وَتَسْتَفِيدُ الحُرِّيَّةَ مِنْ جِهَتِهِ لِقَوْلِهِ ﵊: «أَعْتَقَهَا وَلَدُهَا» وَالثَّابِتُ لَهَا حَقُّ الحُرِّيَّةِ وَلَهُ حَقِيقَتُهَا، وَالأَدْنَى يَتْبَعُ الأَعْلَى (وَيَرُدُّ الثَّمَنَ كُلَّهُ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَا: يَرُدُّ حِصَّةَ الوَلَدِ وَلَا يَرُدُّ حِصَّةَ الْأُمِّ) (*) لِأَنَّهُ تَبَيَّنَ أَنَّهُ بَاعَ أُمَّ وَلَدِهِ، وَمَالِيَّتُهَا غَيْرُ مُتَقَوِّمَةٍ عِنْدَهُ فِي العَقْدِ وَالغَصْبِ فَلَا يَضْمَنُهَا المُشْتَرِي، وَعِنْدَهُمَا: مُتَقَوِّمَةٌ فَيَضْمَنُهَا. وَفِي الجَامِعِ الصَّغِيرِ: وَإِذَا حَمَلَتْ الجَارِيَةُ فِي مِلْكِ رَجُلٍ فَبَاعَهَا فَوَلَدَتْ فِي يَدِ المُشْتَرِي، فَادَّعَى البَائِعُ الوَلَدَ وَقَدْ أَعْتَقَ المُشْتَرِي الأُمَّ فَهُوَ ابْنُهُ يُرَدُّ عَلَيْهِ بِحِيَّتِهِ مِنْ الثَّمَنِ. وَلَوْ كَانَ المُشْتَرِي إِنَّمَا أَعْتَقَ الوَلَدَ فَدَعْوَاهُ بَاطِلَةٌ. وَوَجْهُ الفَرْقِ: أَنَّ الأَصْلَ فِي هَذَا البَابِ الوَلَدُ، وَالأُمُّ، تَابِعَةٌ لَهُ عَلَى مَا مَرَّ. وَفِي الفَصْلِ الأَوَّلِ: قَامَ المَانِعُ مِنْ الدَّعْوَةِ وَالِاسْتِيلَادِ. قوله: (إذ هو الأصل) أي: الولد أصل (في النسب) والاستيلاد فرع النسب كما ذكرناه (فلا يضره) أي: النسب أو الولد (فوات التبع) وهو الأم أو أمومية الولد. قوله: (فهو ابنه) أي: ابن البائع، فيقسم الثمن على قيمة الولد وقيمة أمها، فما أصاب الأم يلزم المشتري، وما أصاب الولد سقط عنه، ولا تصير الجارية أم ولد للبائع؛ لأنه ثبت فيها للمشتري ما لا يحتمل الإبطال، وهو الولاء، وكذا الحكم فيما إذا دبرها أو استولدها. ذكره التمرتاشي. قوله: (فدعواه) أي: دعوى البائع (باطلة) أي: إذا لم يصدقه المشتري. (أن الأصل في هذا الباب) أي: في باب ثبوت حق العتق للأم بطريق الاستيلاد (الولد). وقوله: (على ما مر) إشارة إلى قوله: (لأنها يضاف إليها). (ففي الوجه الأول) وهو ما إذا أعتق المشتري الأم، والبائع ادعى الولد، وفي بعض النسخ: (ففي الفصل الأول).

стр. 5632

وَهُوَ العِتْقُ فِي التَّبَعِ وَهُوَ الأُمُّ، فَلَا يَمْتَنِعُ ثُبُوتُهُ فِي الأَصْلِ وَهُوَ الوَلَدُ، وَلَيْسَ مِنْ ضَرُورَاتِهِ. كَمَا فِي وَلَدِ المَغْرُورِ، فَإِنَّهُ حُرٌّ وَأُمُّهُ أَمَةٌ لِمَوْلَاهَا، وَكَمَا فِي المُسْتَوْلَدَةِ بِالنِّكَاحِ. وَفِي الفَصْلِ الثَّانِي: قَامَ المَانِعُ بِالأَصْلِ وَهُوَ الوَلَدُ، فَيَمْتَنِعُ ثُبُوتُهُ فِيهِ وَفِي التَّبَعِ، وَإِنَّمَا كَانَ الإِعْتَاقُ مَانِعًا، لِأَنَّهُ لَا يَحْتَمِلُ النَّقْضَ كَحَقِّ اسْتِلْحَاقِ النَّسَبِ وَحَقٌّ الاسْتِيلَادِ فَاسْتَوَيَا مِنْ هَذَا الوَجْهِ، ثُمَّ الثَّابِتُ مِنْ المُشْتَرِي حَقِيقَةُ الإِعْتَاقِ، وَالثَّابِتُ قوله: (وهو) أي: المانع (العتق) وقوله: (من الدعوة) (١) في في قوله: (قام المانع من الدعوة) (٢) صلة للمانع؛ أي: العتق الذي هو مانع من الدعوة والاستيلاد إنما قام في البيع، وهو الأم في الوجه الأول، فلم يؤثر منعه في الأصل. قوله: (وليس من ضروراته إلى آخره، جواب سؤال وهو أن يقال: ينبغي أن يثبت الاستيلاد في الأم؛ إذ بثبوت نسب الولد يثبت الاستيلاد في الأم، فقال: (ليس من ضروراته كما في الولد المغرور فإنه حر) الأصل، ثابت النسب من المستولد وأمه لا تكون أم ولد؛ بل تكون رقيقة حتى تُباع في السوق، فإذا لم يكن كونها أم ولد للمدعي من ضرورات ثبوت النسب لا تصير أم ولد، سواء ادعاه قبل عتق المشتري أو بعده. (وفي الفصل الثاني) وهو فيما إذا أعتق المشتري الولد ثم ادعاه البائع. (فيتمنع ثبوته) أي: ثبوت ما ذكرنا من الدعوة والاستيلاد (فيه) أي: في الأصل (وفي التبع وهو الأم وإنما كان الإعتاق) أي: إعتاق المشتري الولد (مانعًا) لدعوة البائع (لأنه) أي: الإعتاق (لَا يحتمل النقض، كحق استلحاق النسب) أي: من البائع في حق الولد وحق الاستيلاد) أي: حق استيلاد البائع في حق الأم (فاستويا) أي: استوى إعتاق المشتري وحق استلحاق البائع (من هذا الوجه) أي: من حيث إنهما لا يحتملان النقض، لكن ترجح إعتاق المشتري بوجه آخر، وهو أن الذي من المشتري حقيقة الإعتاق، وما وجد من البائع حق استلحاق النسب، والحقيقة أقوى من الحق؛ فلذلك لم نقل بصحة دعوة البائع فيما إذا أعتق المشتري الولد. وذكر قاضي خان: إنما لا تصح دعوة البائع بعد إعتاق

стр. 5633

فِي الأُمِّ حَقُّ الحُرِّيَّةِ، وَفِي الوَلَدِ لِلْبَائِعِ حَقُّ الدَّعْوَةِ، وَالحَقُّ لَا يُعَارِضُ الحَقِيقَةَ، وَالتَّدْبِيرُ بِمَنْزِلَةِ الإِعْتَاقِ، لِأَنَّهُ لَا يَحْتَمِلُ النَّقْضَ وَقَدْ ثَبَتَ بِهِ بَعْضُ آثَارِ الحُرِّيَّةِ. وَقَوْلُهُ فِي الفَصْلِ الأَوَّلِ: يُرَدُّ عَلَيْهِ بِحِيَّتِهِ مِنْ الثَّمَنِ، قَوْلُهُمَا، وَعِنْدَهُ: يُرَدُّ بِكُلِّ الثَّمَنِ، هُوَ الصَّحِيحُ كَمَا ذَكَرْنَا فِي فَصْلِ الْمَوْتِ. المشتري؛ لأن المشتري استحق الولاء عليه بالإعتاق، وهو بمنزلة النسب، فلا يمكن إبطاله، ولو ثبت نسبه من المشتري لا تصح دعوة البائع فكذا هذا. وقال: هذا كله فيما إذا علم أن العلوق كان في ملك البائع، وإن كان مشكلا، بأن جاءت لستة أشهر فصاعدًا، أو لأقل من سنتين من وقت البيع، فلا تصح دعوته إلا بتصديق المشتري. (وقوله: في الفصل الأول) وهو ما إذا ادعى البائع الولد، وقد أعتق المشتري الأم. وقوله: (هو الصحيح) احتراز عما ذكر شمس الأئمة وقاضي خان والمحبوبي بأن البائع يرد ما يخص الولد من الثمن لا كل الثمن؛ لأن أم الولد لا قيمة لها عنده، وهذا قول يخالف الرواية؛ لما ذكرنا أن البيع لم يبطل في حق الجارية. وفي المبسوط (١): يرد في الموت كل الثمن عند أبي حنيفة، وفي الإعتاق حصة الولد فقط، وفرق أبو حنيفة بين الموت والعتق. ووجهه: أن القاضي كذب البائع فيما زعم في الإعتاق، حيث جعلها معتقة للمشتري أو مدبرة أو أم ولد له، فلم يبق لزعم البائع أنها أم ولده عبرة، ولم يوجد التكذيب في فصل الموت؛ إذْ بموتها لم يَجْرِ الحكم، بخلاف ما لو زعم فبقي زعمه معتبرًا، فيؤاخذ بزعمه، فيرد حصتها أيضًا. فإن قيل: ينبغي ألا يكون للولد حصة من الثمن؛ لأنه حادث بعد قبض المشتري، ولا حصة الحادث منه. وقلنا: الولد حَدَثَ صورةً بعد القبض، ومعنى حَدَثَ قبلَهُ؛ لثبوت علوقه في

стр. 5634

قَالَ: (وَمَنْ بَاعَ عَبْدًا، وُلِدَ عِنْدَهُ وَبَاعَهُ المُشْتَرِي مِنْ آخَرَ، ثُمَّ ادَّعَاهُ البَائِعُ الأَوَّلُ، فَهُوَ ابْنُهُ وَيَبْطُلُ البَيْعُ) لِأَنَّ البَيْعَ يَحْتَمِلُ النَّقْضَ، وَمَا لَهُ مِنْ حَقِّ الدَّعْوَةِ لَا يَحْتَمِلُهُ، فَيُنْقَضُ البَيْعُ لِأَجْلِهِ، وَكَذَا إِذَا كَاتَبَ الوَلَدَ أَوْ رَهَنَهُ، أَوْ أَجَّرَهُ، أَوْ كَاتَبَ الأُمَّ أَوْ رَهَنَهَا، أَوْ زَوَّجَهَا، ثُمَّ كَانَتْ الدَّعْوَةُ، لِأَنَّ هَذِهِ العَوَارِضَ تَحْتَمِلُ النَّقْضَ فَيُنْقَضُ ذَلِكَ كُلُّهُ وَتَصِحُ الدَّعْوَةُ، بِخِلَافِ الإِعْتَاقِ وَالتَّدْبِيرِ عَلَى مَا مَرَّ، وَبِخِلَافِ مَا إِذَا ادَّعَاهُ المُشْتَرِي أَوَّلًا ثُمَّ ادَّعَاهُ البَائِعُ، حَيْثُ لَا يَثْبُتُ النَّسَبُ مِنْ البَائِعِ، لِأَنَّ النَّسَبَ الثَّابِتَ مِنْ المُشْتَرِي لَا يَحْتَمِلُ النَّقْضَ فَصَارَ كَإِعْتَاقِهِ. قَالَ: (وَمَنْ ادَّعَى نَسَبَ أَحَدِ التَّوْأَمَيْنِ ثَبَتَ نَسَبُهُمَا مِنهُ) لِأَنَّهُمَا مِنْ مَاءِ وَاحِدٍ، فَمِنْ ضَرُورَةِ ثُبُوتِ نَسَبِ أَحَدِهِمَا ثُبُوتُ نَسَبِ الآخَرِ، وَهَذَا لِأَنَّ التَّوْأَمَيْنِ وَلَدَانِ بَيْنَ ملك البائع، ولهذا للبائع سبيل من فسخ هذا البيع بالدعوة وإن قبضه المشتري، كما له سبيل من الفسخ قبل القبض قبل الاستهلاك، وإذا كان كذلك كان له حصة من الثمن، كما لو استهلكه قبل القبض، وهاهنا استهلكه بالدعوة. قوله: (ولد عنده) أي: كان أصل العلوق في ملكه. وقوله: (لأن البيع يحتمل النقض) وخصص البيع؛ للاحتراز عن الإعتاق والتدبير، فإنهما لا يحتملان النقض. وقوله: (على ما مر) إشارة إلى قوله: (لأنه لا يحتمل النقض). قوله: (نسب أحد التوأمين) يعني: باع أحد التوأمين وادعى نسب الآخر، والتوأم اسم للولد إذا كان معه آخر في بطن واحد. وفي المغرب (١): ويقال: هما توأمان، ويقال: هما توأم خطأ، كما لو قال: هما زوج، ويقال للأنثى: توأمة. وفي مبسوط شمس الأئمة (٢): إن ذكر التوأم مكان التوأمين صحيح في اللغة، حتى لو قال: غلامان توأم أو توأمان كلاهما صحيح عند أهل اللغة.

стр. 5635

وِلَادَتِهِمَا أَقَلُّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ فَلَا يُتَصَوَّرُ عُلُوقُ الثَّانِي حَادِثًا، لِأَنَّهُ لَا حَبَلَ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ. وَفِي الجَامِعِ الصَّغِيرِ: إِذَا كَانَ فِي يَدِهِ غُلَامَانِ تَوْأَمَانِ وُلِدَا عِنْدَهُ، فَبَاعَ أَحَدَهُمَا وَأَعْتَقَهُ المُشْتَرِي ثُمَّ ادَّعَى البَائِعُ الَّذِي فِي يَدِهِ، فَهُمَا ابْنَاهُ وَبَطَلَ عِتْقُ المُشْتَرِي؛ لِأَنَّهُ لَمَّا ثَبَتَ نَسَبُ الوَلَدِ الَّذِي عِنْدَهُ لِمُصَادَفَةِ العُلُوقِ وَالدَّعْوَةِ مِلْكَهُ، إِذْ المَسْأَلَةُ مَفْرُوضَةٌ فِيهِ ثَبَتَ بِهِ حُرِّيَّةُ الأَصْلِ فِيهِ فَيَثْبُتُ نَسَبُ الآخَرِ، وَحُرِّيَّةُ الأَصْلِ فِيهِ ضَرُورَةٌ لِأَنَّهُمَا تَوْأَمَانِ، فَتَبَيَّنَ أَنَّ عِتْقَ المُشْتَرِي وَشِرَاءَهُ لَاقَى حُرِّيَّةَ الأَصْلِ فَبَطَلَ، بِخِلَافِ مَا إِذَا كَانَ الوَلَدُ وَاحِدًا، لِأَنَّ هُنَاكَ يَبْطُلُ العِتْقُ فِيهِ مَقْصُودًا لِحَقِّ دَعْوَةِ قوله: (غلامان توأمان) إلى آخره، وتأويل المسألة: إذا كان علوقهما جميعًا في ملك المدعي؛ لأن دعوة البائع صحت في الذي عنده لمكان الملك والعلوق فيه، وإنما أعاد لفظ الجامع لما فيه زيادة، وهي قوله: ولد عنده، وفيه إشارة إلى ما ذكرنا. قوله: (لاقى حُرّ (١) الأصل فبطل) أي: عتق المشتري، وفي بعض النسخ: (عتق المشتري وشراءه لاقى) إلى آخره، فحينئذ يكون الضمير المستكن في (بطل) راجعًا إلى كل واحدٍ منهما؛ لأن تحرير الحر باطل؛ إذ فيه إثبات الثابت. قوله: (لأن هناك يبطل العتق فيه مقصودًا) يعني لو بطل عتق المشتري في تلك الصورة إنما يبطل العتق الثابت مقصودًا بسبب حق دعوة البائع، وأنه لا يجوز؛ لأن عتق المشتري عتق حقيقي، ومن البائع حق الدعوة، والحق أدنى من الحقيقة فلا يعارضها، فكيف يرفعها! فلذلك لا يبطل عتق المشتري. أما في مسألتنا لو بطل عتق المشتري إنما يبطل بطريق التبعية لمن هو حر الأصل الذي ثبت مقصودًا من المدعي، وهو دعوة البائع للذي في يده، فتصح، ومن ضرورة ثبوت حرية الأصل فيه ثبوت حرية الأصل للآخر ضمنا وتبعا؛ لأنهما توأمان، فيستغنى عن قيام الولاء، فيبطل إعتاق المشتري ضرورة؛ لأنه تبين أنه لاقي غير محله؛ لما ذكرنا أن حر الأصل لا يعتق. إليه أشار قاضي خان والمرغيناني في فوائده والسرخسي في جامعه.

стр. 5636

البَائِعِ، وَهُنَا ثَبَتَ تَبَعًا لِحُرِّيَّتِهِ فِيهِ حُرِّيَّةُ الأَصْلِ فَافْتَرَقَا (وَلَوْ لَمْ يَكُنْ أَصْلُ العُلُوقِ فِي مِلْكِهِ ثَبَتَ نَسَبُ الوَلَدِ الَّذِي عِنْدَهُ، وَلَا يُنْقَضُ البَيْعُ فِيمَا بَاعَ) لِأَنَّ هَذِهِ دَعْوَةُ تَحْرِيرٍ لِانْعِدَامِ شَاهِدِ الاتِّصَالِ، فَيَقْتَصِرُ عَلَى مَحَلِّ وِلَايَتِهِ. قَالَ: (وَإِذَا كَانَ الصَّبِيُّ فِي يَدِ رَجُلٍ فَقَالَ: هُوَ ابْنُ عَبْدِي فُلَانٍ الغَائِبِ، ثُمَّ قَالَ: هُوَ ابْنِي لَمْ يَكُنْ ابْنَهُ أَبَدًا، وَإِنْ جَحَدَ العَبْدُ أَنْ يَكُونَ ابْنَهُ، وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَا: إِذَا جَحَدَ العَبْدُ فَهُوَ ابْنُ المَوْلَى) (*) وَعَلَى هَذَا الخِلَافِ، إِذَا قوله: (لأن هذه دعوة تحرير) لأنه لما لم يكن أصل علوقهما في ملك البائع كانت دعوته دعوة تحرير، وكان قوله: (هذا ابني) مجازا عن قوله: (هذا حر) وإعتاق أحد التوأمين ينفصل عن إعتاق الآخر، فيقتصر هذا العتق على محل ولايته، وصار كأن البائع أعتقهما، فيعتق من في ملكه فحسب، وهذا بخلاف ما لو اشترى أحد التوأمين واشترى أب المشتري الآخر، ثم ادعى أحدهما نسبه، حيث يعتق كلاهما، وهذا دعوة تحرير فينبغي أن يقتصر على محل ولايته؛ لما أن المدعي لأحدهما إما أن كان أب المشتري أو المشترى، فإن كان أب المشتري فالابن ملك أخيه، فيعتق عليه، وإن كان المدعي هو الابن فالأب ملك حافدته، فيعتق عليه. كذا ذكره التمرتاشي. قوله: (لم يكن ابنه أبدًا) يعني: سواء صدقه العبد الغائب أو كذبه، أو لم يُعرف منه تكذيب ولا تصديق؛ لأن إقراره ثبوت نسبه من الغير يمنع ثبوت النسب منه؛ إذ إقراره حجة في حقه. وفي جامع المحبوبي: فلو حضر العبد إما أن صدق المولى أو كذبه، أو لم يصدقه ولم يكذبه، ففي الوجه الأول والثالث لم تصح دعوة المولى بعد ذلك بالإجماع؛ لأنه لم يتصل بإقراره تكذيب من جهة المقر له، فبقي إقراره صحيحًا، وفي الوجه الثاني، وهو ما إذا أكذبه ثم ادعى المولى نسبه؛ لم تصح دعوته عنده خلافًا لهما، ولكن يعتق عليه وإن لم يثبت نسبه من المولى. ذكره في المبسوط.

стр. 5637

قَالَ: هُوَ ابْنُ فُلَانٍ وُلِدَ عَلَى فِرَاشِهِ ثُمَّ ادَّعَاهُ لِنَفْسِهِ. لَهُمَا: أَنَّ الإِقْرَارَ ارْتَدَّ بِرَدِّ العَبْدِ فَصَارَ كَأَنْ لَمْ يَكُنْ الإِقْرَارُ، وَالإِقْرَارُ بِالنَّسَبِ يَرْتَدُّ بِالرَّدِّ وَإِنْ كَانَ لَا يَحْتَمِلُ النَّقْضَ؛ أَلَا يَرَى أَنَّهُ يَعْمَلُ فِيهِ الإِكْرَاهُ وَالهَزْلُ، فَصَارَ كَمَا إِذَا أَقَرَّ المُشْتَرِي عَلَى البَائِعِ بِإِعْتَاقِ المُشْتَرَى فَكَذَّبَهُ البَائِعُ، ثُمَّ قَالَ: أَنَا أَعْتَقْتُهُ يَتَحَوَّلُ الوَلَاءُ إِلَيْهِ، بِخِلَافِ مَا إِذَا صَدَّقَهُ لِأَنَّهُ يَدَّعِي بَعْدَ ذَلِكَ نَسَبًا ثَابِتًا مِنْ الغَيْرِ، وَبِخِلَافِ مَا إِذَا لَمْ يُصَدِّقُهُ وَلَمْ يُكَذِّبُهُ، لِأَنَّهُ تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّ المُقَرِّ لَهُ عَلَى اعْتِبَارِ تَصْدِيقِهِ فَيَصِيرُ كَوَلَدِ المُلَاعَنَةِ، فَإِنَّهُ لَا يَثْبُتُ نَسَبُهُ مِنْ غَيْرِ المُلَاعِنِ؛ لِأَنَّ لَهُ أَنْ يُكَذِّبَ نَفْسَهُ. قوله: (وإن كان) أي: النسب (لا يحتمل النقض، ألا يرى أنه) أي: الإقرار بالنسب (يعمل فيه الإكراه) حتى لو أكره بالإقرار ببنوة عبده فأقر لا يجوز، وكذا لو أقر به هازلا، وإذا أريد بالرد صار كأنه لم يقر أصلا، أو نفى نسبه ثم ادعاه، وهناك تصح دعوته، كذا هنا؛ وذلك لأن بقوله: (ليس بابني) أنكر أن يكون للابن عليه حقوق مالية، وبقوله: (هو ابني) بعد ذلك أقر على نفسه بالحقوق المالية والإقرار بالحقوق المالية بعد إنكاره صحيح. ذكره في الذخيرة وجامع المحبوبي. (ثم قال) أي: المشتري (أنا أعتقته يتحول الولاء إليه) أي: إلى المشتري، فصار كأنه لم يقر أصلا. قوله: (والإقرار بمثله) أي: بمثل ما لا يحتمل النقض لا يبطل بالرد بعد ثبوته بالتكذيب، كمن أقر بحرية عبد إنسان، وكذبه المولى لا يبطل إقراره، حتى لو اشتراه بعد ذلك يعتق عليه، ولا خلاف فيه لأحدٍ، وكذا في دعوة النسب لم يبطل قوله في حقه. وفي المبسوط (١): أقر بشيئين: أحدهما: ثبوت النسب من الغير، والآخر: خروجه عن دعوى هذا النسب أصلا، وبتكذيب المقر له يبطل ما هو حقه، ولا يبطل ما لا حق له فيه، وهذا معنى قوله: (وهذا؛ لأنه تعلق به حق المقر له) إلى آخره.

стр. 5638

وَلِأَبِي حَنِيفَةَ: أَنَّ النَّسَبَ مِمَّا لَا يَحْتَمِلُ النَّقْضَ بَعْدَ ثُبُوتِهِ، وَالإِقْرَارُ بِمِثْلِهِ لَا يَرْتَدُّ بِالرَّدِّ فَبَقِيَ فَتَمْتَنِعُ دَعْوَتُهُ، كَمَنْ شَهِدَ عَلَى رَجُلٍ بِنَسَبِ صَغِيرٍ فَرُدَّتْ شَهَادَتُهُ لِتُهْمَةٍ ثُمَّ ادَّعَاهُ لِنَفْسِهِ، وَهَذَا لِأَنَّهُ تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّ المُقَرِّ لَهُ عَلَى اعْتِبَارِ تَصْدِيقِهِ، حَتَّى لَوْ صَدَّقَهُ بَعْدَ التَّكْذِيبِ يَثْبُتُ النَّسَبُ مِنهُ، وَكَذَا تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّ الوَلَدِ فَلَا يَرْتَدُّ بِرَدِّ المُقَرِّ لَهُ. وَمَسْأَلَةُ الوَلَاءِ عَلَى هَذَا الخِلَافِ، وَلَوْ سَلِمَ فَالوَلَاءُ قَدْ يَبْطُلُ بِاعْتِرَاضِ الْأَقْوَى كَجَرِّ الوَلَاءِ مِنْ جَانِبِ الأُمِّ إِلَى قَوْمِ الأَبِ. وَقَدْ اعْتَرَضَ عَلَى الوَلَاءِ المَوْقُوفِ مَا هُوَ أَقْوَى، وَهُوَ دَعْوَى المُشْتَرِي فَيَبْطُلُ بِهِ، بِخِلَافِ النَّسَبِ عَلَى مَا مَرَّ. وَهَذَا يَصْلُحُ مَخْرَجًا عَلَى أَصْلِهِ فِيمَنْ يَبِيعُ الوَلَدَ وَيَخَافُ عَلَيْهِ الدَّعْوَةَ بَعْدَ ذَلِكَ، فَيَقْطَعُ دَعْوَاهُ إِقْرَارُهُ بِالنَّسَبِ لِغَيْرِهِ. قوله: (ردت شهادته لتهمة) كالفسق والقرابة (ثم ادعاه) أي: الشاهد (لنفسه) لم تصح دعوته. قوله: (كَجَرِّ الولاء من جانب الأم) صورته معتقة تزوجت بعبد، وولدت منه أولادًا، فجنى الأولاد كان عقل جنايتهم على موالي الأم؛ لأن الأب ليس من أهل الولاء، فكان ملحقا بقوم الأم، فإذا أعتق العبد جر ولاء الأولاد إلى نفسه. هكذا روي عن عمر، ذكره قاضي خان. (وقد اعترض على الولاء الموقوف) وهو الولاء من جانب البائع، وسماه موقوفا؛ لأنه على عرضية التصديق بعد التكذيب (ما هو أقوى، وهو دعوى المشتري) ودعواه أقوى؛ لقيام ملكه في الحال، فكان دعواه الولاء إلى نفسه بسبب الإعتاق مصادفًا محله لوجود شرطه، وهو قيام الملك (بخلاف النسب على ما مر) وهو قوله: (إن النسب لا يحتمل النقض) ولأن المعتقة إذا ارتدت ولحقت، ثم سبيت وأعتقت فولاؤها لمن أعتقها ثانيًا، وبطل ولاء الأول، والنسب إذا ثبت حقيقة لا يحتمل الانتقاض. قوله: (وهذا) أي: ما قاله (يصلح مخرجًا) أي: حيلة (على أصل أبي حنيفة فيمن يبيع الولد).

стр. 5639

قَالَ: (وَإِذَا كَانَ الصَّبِيُّ فِي يَدِ مُسْلِمٍ وَنَصْرَانِي، فَقَالَ النَّصْرَانِيُّ: هُوَ ابْنِي، وَقَالَ المُسْلِمُ: هُوَ عَبْدِي، فَهُوَ ابْنُ النَّصْرَانِي، وَهُوَ حُرٌّ) لِأَنَّ الإِسْلَامَ مُرَبِّحٌ فَيَسْتَدْعِي تَعَارُضًا، وَلَا تَعَارُضَ، لِأَنَّ نَظَرَ الصَّبِيِّ فِي هَذَا أَوْفَرُ، لِأَنَّهُ يَنَالُ شَرَفَ الحُرِّيَّةِ حَالًا وَشَرَفَ الإِسْلَامِ مَالًا، إِذْ دَلَائِلُ الوَحْدَانِيَّةِ ظَاهِرَةٌ، وَفِي عَكْسِهِ الحُكْمُ بِالإِسْلَامِ تَبَعًا وَحِرْمَانُهُ عَنْ الحُرِّيَّةِ، لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي وُسْعِهِ اكْتِسَابُهَا (وَلَوْ كَانَتْ دَعْوَتُهُمَا دَعْوَةَ البُنُوَّةِ فَالمُسْلِمُ أَوْلَى) تَرْجِيحًا لِلْإِسْلَامِ وَهُوَ أَوْفَرُ النَّظَرَيْنِ. تفسيره: رجل في يده صبي ولد على ملكه ويبيعه، ولا يأمن المشتري أن يدعيه فينقض البيع، فحيلة الأمن من انتقاض البيع أن يقر البائع أنه ابن عبده الغائب، فإن بعد هذا الإقرار لا تصح دعوته عنده فيأمن المشتري من انتقاض البيع. وفي الفوائد الظهيرية: الحيلة في هذه المسألة على قول الكل أن يقر البائع أن هذا ابن عبده الميت حتى لا يتأتى فيه تكذيب، فيكون مخرجًا على قول الكل. قوله: (هو ابن النصراني) يعني: إذا ادعيا معًا، وبه صرح في الفوائد الظهيرية، وفيه: إلا أنَّ دعوة المسلم لو سبقت يكون عبدًا للمسلم. (لأن الإسلام مرجح) بكسر الجيم على صيغة الفاعل (فيستدعي تعارضًا، ولا تعارض) يعني الإسلام إنما يكون مرجحًا عند وجود المعارضة، ولا معارضة هاهنا؛ لأن المعارضة إنما تكون عند وجود المساواة، ولا مساواة بين الرّقيَّة والحرية فيما يرجع إلى منفعة الصبي؛ لأن منفعة الحرية له أكثر (لأنه ينال شرف الحرية حالا، وشرف الإسلام مالا) لأنه يمكنه اكتساب الإسلام بنفسه؛ لوضوح دلائل الوحدانية، وسطوع براهين الألوهية. فَفِي كُلِّ شيء له آية … تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ واحد وفي عكسه الحكم بالإسلام تبعًا إما لأبيه أو لمولاه؛ لأنه ليس في وسعه اكتساب الحرية بنفسه، وقد مرت المسألة بتفاصيلها في اللقيط. قوله: (ترجيحا للإسلام)، فإن قيل: يشكل هذا بما لو ادعى غلام نصراني قد احتلم على رجل نصراني وامرأة نصرانية أنه ابنهما، وادعاه مسلم ومسلمة أنه

стр. 5640

قَالَ: (وَإِذَا ادَّعَتْ امْرَأَةٌ صَبِيًّا أَنَّهُ ابْنُهَا: لَمْ تَجُزْ دَعْوَاهَا حَتَّى تَشْهَدَ امْرَأَةٌ عَلَى الوِلَادَةِ) وَمَعْنَى المَسْأَلَةِ: أَنْ تَكُونَ المَرْأَةُ ذَاتَ زَوْجِ، لِأَنَّهَا تَدَّعِي تَحْمِيلَ النَّسَبِ عَلَى الغَيْرِ، فَلَا تُصَدَّقُ إِلَّا بِحُجَّةٍ، بِخِلَافِ الرَّجُلِ لِأَنَّهُ يُحَمِّلُ نَفْسَهُ النَّسَبَ، ثُمَّ شَهَادَةُ القَابِلَةِ كَافِيَةٌ فِيهَا، لِأَنَّ الحَاجَةَ إِلَى تَعْيِينِ الوَلَدِ. ابنهما، وأقام كل واحدٍ بينة؛ فبينة الغلام أولى، ولم تترجح بينة المسلمين بإسلامهما بعد وجود المساواة بين الدعوتين في دعوى النسب. ذكر المسألة المحبوبي في جامعه. قلنا: ترجحت بينة الغلام لأنه أشبه بالمدعيين، وقال ﵇: «البَينَةُ عَلى المدّعِي» (١)، فمن كان به أشبه أولى (٢) كانت بينته أولى؛ وذلك لأن معظم المنفعة في النسب للوالدين؛ لأن الولد يُعيَّر إذا لم يكن له أب معروف، والوالد لا يعير إذا لم يكن له ولد فكان بينته تثبت الحق لنفسه، فصار أشبه بالمدعيين. كذا ذكره في الذخيرة. وفي الإيضاح: بينة الغلام أولى؛ لأنه صاحب يد، فصار كما لو ادعيا عينًا بالشراء من واحد، وأقاما بينة، وأحدهما صاحب اليد فهو أولى، كذا هنا. قوله: (ومعنى المسألة) إلى آخره، قيد به؛ لأنه إذا لم يكن لها زوج؛ فالقول لها من غير بينة كما في الرجل، فعلى ما ذكر في الكتاب بعد هذا، ومن المشايخ من أجرى المسألة على إطلاقها ورد قولها وإن لم تكن ذات زوج؛ عملًا بإطلاق ما ذكر محمد، وفرق بين الرجل والمرأة، حيث يجوز دعوى الرجل النسب بلا بينة، ولا يجوز من المرأة. ووجه فرقه: أن الأصل أن كل من ادعى معنى لا يمكنه إثباته بالبينة - كان
следующие страницы →