← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 30179

معراج الدراية في شرح الهداية

الكاكي

Полный текст (7 597 стр.). Показаны 5636–5675 · переход к 5641.

стр. 5636

البَائِعِ، وَهُنَا ثَبَتَ تَبَعًا لِحُرِّيَّتِهِ فِيهِ حُرِّيَّةُ الأَصْلِ فَافْتَرَقَا (وَلَوْ لَمْ يَكُنْ أَصْلُ العُلُوقِ فِي مِلْكِهِ ثَبَتَ نَسَبُ الوَلَدِ الَّذِي عِنْدَهُ، وَلَا يُنْقَضُ البَيْعُ فِيمَا بَاعَ) لِأَنَّ هَذِهِ دَعْوَةُ تَحْرِيرٍ لِانْعِدَامِ شَاهِدِ الاتِّصَالِ، فَيَقْتَصِرُ عَلَى مَحَلِّ وِلَايَتِهِ. قَالَ: (وَإِذَا كَانَ الصَّبِيُّ فِي يَدِ رَجُلٍ فَقَالَ: هُوَ ابْنُ عَبْدِي فُلَانٍ الغَائِبِ، ثُمَّ قَالَ: هُوَ ابْنِي لَمْ يَكُنْ ابْنَهُ أَبَدًا، وَإِنْ جَحَدَ العَبْدُ أَنْ يَكُونَ ابْنَهُ، وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَا: إِذَا جَحَدَ العَبْدُ فَهُوَ ابْنُ المَوْلَى) (*) وَعَلَى هَذَا الخِلَافِ، إِذَا قوله: (لأن هذه دعوة تحرير) لأنه لما لم يكن أصل علوقهما في ملك البائع كانت دعوته دعوة تحرير، وكان قوله: (هذا ابني) مجازا عن قوله: (هذا حر) وإعتاق أحد التوأمين ينفصل عن إعتاق الآخر، فيقتصر هذا العتق على محل ولايته، وصار كأن البائع أعتقهما، فيعتق من في ملكه فحسب، وهذا بخلاف ما لو اشترى أحد التوأمين واشترى أب المشتري الآخر، ثم ادعى أحدهما نسبه، حيث يعتق كلاهما، وهذا دعوة تحرير فينبغي أن يقتصر على محل ولايته؛ لما أن المدعي لأحدهما إما أن كان أب المشتري أو المشترى، فإن كان أب المشتري فالابن ملك أخيه، فيعتق عليه، وإن كان المدعي هو الابن فالأب ملك حافدته، فيعتق عليه. كذا ذكره التمرتاشي. قوله: (لم يكن ابنه أبدًا) يعني: سواء صدقه العبد الغائب أو كذبه، أو لم يُعرف منه تكذيب ولا تصديق؛ لأن إقراره ثبوت نسبه من الغير يمنع ثبوت النسب منه؛ إذ إقراره حجة في حقه. وفي جامع المحبوبي: فلو حضر العبد إما أن صدق المولى أو كذبه، أو لم يصدقه ولم يكذبه، ففي الوجه الأول والثالث لم تصح دعوة المولى بعد ذلك بالإجماع؛ لأنه لم يتصل بإقراره تكذيب من جهة المقر له، فبقي إقراره صحيحًا، وفي الوجه الثاني، وهو ما إذا أكذبه ثم ادعى المولى نسبه؛ لم تصح دعوته عنده خلافًا لهما، ولكن يعتق عليه وإن لم يثبت نسبه من المولى. ذكره في المبسوط.

стр. 5637

قَالَ: هُوَ ابْنُ فُلَانٍ وُلِدَ عَلَى فِرَاشِهِ ثُمَّ ادَّعَاهُ لِنَفْسِهِ. لَهُمَا: أَنَّ الإِقْرَارَ ارْتَدَّ بِرَدِّ العَبْدِ فَصَارَ كَأَنْ لَمْ يَكُنْ الإِقْرَارُ، وَالإِقْرَارُ بِالنَّسَبِ يَرْتَدُّ بِالرَّدِّ وَإِنْ كَانَ لَا يَحْتَمِلُ النَّقْضَ؛ أَلَا يَرَى أَنَّهُ يَعْمَلُ فِيهِ الإِكْرَاهُ وَالهَزْلُ، فَصَارَ كَمَا إِذَا أَقَرَّ المُشْتَرِي عَلَى البَائِعِ بِإِعْتَاقِ المُشْتَرَى فَكَذَّبَهُ البَائِعُ، ثُمَّ قَالَ: أَنَا أَعْتَقْتُهُ يَتَحَوَّلُ الوَلَاءُ إِلَيْهِ، بِخِلَافِ مَا إِذَا صَدَّقَهُ لِأَنَّهُ يَدَّعِي بَعْدَ ذَلِكَ نَسَبًا ثَابِتًا مِنْ الغَيْرِ، وَبِخِلَافِ مَا إِذَا لَمْ يُصَدِّقُهُ وَلَمْ يُكَذِّبُهُ، لِأَنَّهُ تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّ المُقَرِّ لَهُ عَلَى اعْتِبَارِ تَصْدِيقِهِ فَيَصِيرُ كَوَلَدِ المُلَاعَنَةِ، فَإِنَّهُ لَا يَثْبُتُ نَسَبُهُ مِنْ غَيْرِ المُلَاعِنِ؛ لِأَنَّ لَهُ أَنْ يُكَذِّبَ نَفْسَهُ. قوله: (وإن كان) أي: النسب (لا يحتمل النقض، ألا يرى أنه) أي: الإقرار بالنسب (يعمل فيه الإكراه) حتى لو أكره بالإقرار ببنوة عبده فأقر لا يجوز، وكذا لو أقر به هازلا، وإذا أريد بالرد صار كأنه لم يقر أصلا، أو نفى نسبه ثم ادعاه، وهناك تصح دعوته، كذا هنا؛ وذلك لأن بقوله: (ليس بابني) أنكر أن يكون للابن عليه حقوق مالية، وبقوله: (هو ابني) بعد ذلك أقر على نفسه بالحقوق المالية والإقرار بالحقوق المالية بعد إنكاره صحيح. ذكره في الذخيرة وجامع المحبوبي. (ثم قال) أي: المشتري (أنا أعتقته يتحول الولاء إليه) أي: إلى المشتري، فصار كأنه لم يقر أصلا. قوله: (والإقرار بمثله) أي: بمثل ما لا يحتمل النقض لا يبطل بالرد بعد ثبوته بالتكذيب، كمن أقر بحرية عبد إنسان، وكذبه المولى لا يبطل إقراره، حتى لو اشتراه بعد ذلك يعتق عليه، ولا خلاف فيه لأحدٍ، وكذا في دعوة النسب لم يبطل قوله في حقه. وفي المبسوط (١): أقر بشيئين: أحدهما: ثبوت النسب من الغير، والآخر: خروجه عن دعوى هذا النسب أصلا، وبتكذيب المقر له يبطل ما هو حقه، ولا يبطل ما لا حق له فيه، وهذا معنى قوله: (وهذا؛ لأنه تعلق به حق المقر له) إلى آخره.

стр. 5638

وَلِأَبِي حَنِيفَةَ: أَنَّ النَّسَبَ مِمَّا لَا يَحْتَمِلُ النَّقْضَ بَعْدَ ثُبُوتِهِ، وَالإِقْرَارُ بِمِثْلِهِ لَا يَرْتَدُّ بِالرَّدِّ فَبَقِيَ فَتَمْتَنِعُ دَعْوَتُهُ، كَمَنْ شَهِدَ عَلَى رَجُلٍ بِنَسَبِ صَغِيرٍ فَرُدَّتْ شَهَادَتُهُ لِتُهْمَةٍ ثُمَّ ادَّعَاهُ لِنَفْسِهِ، وَهَذَا لِأَنَّهُ تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّ المُقَرِّ لَهُ عَلَى اعْتِبَارِ تَصْدِيقِهِ، حَتَّى لَوْ صَدَّقَهُ بَعْدَ التَّكْذِيبِ يَثْبُتُ النَّسَبُ مِنهُ، وَكَذَا تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّ الوَلَدِ فَلَا يَرْتَدُّ بِرَدِّ المُقَرِّ لَهُ. وَمَسْأَلَةُ الوَلَاءِ عَلَى هَذَا الخِلَافِ، وَلَوْ سَلِمَ فَالوَلَاءُ قَدْ يَبْطُلُ بِاعْتِرَاضِ الْأَقْوَى كَجَرِّ الوَلَاءِ مِنْ جَانِبِ الأُمِّ إِلَى قَوْمِ الأَبِ. وَقَدْ اعْتَرَضَ عَلَى الوَلَاءِ المَوْقُوفِ مَا هُوَ أَقْوَى، وَهُوَ دَعْوَى المُشْتَرِي فَيَبْطُلُ بِهِ، بِخِلَافِ النَّسَبِ عَلَى مَا مَرَّ. وَهَذَا يَصْلُحُ مَخْرَجًا عَلَى أَصْلِهِ فِيمَنْ يَبِيعُ الوَلَدَ وَيَخَافُ عَلَيْهِ الدَّعْوَةَ بَعْدَ ذَلِكَ، فَيَقْطَعُ دَعْوَاهُ إِقْرَارُهُ بِالنَّسَبِ لِغَيْرِهِ. قوله: (ردت شهادته لتهمة) كالفسق والقرابة (ثم ادعاه) أي: الشاهد (لنفسه) لم تصح دعوته. قوله: (كَجَرِّ الولاء من جانب الأم) صورته معتقة تزوجت بعبد، وولدت منه أولادًا، فجنى الأولاد كان عقل جنايتهم على موالي الأم؛ لأن الأب ليس من أهل الولاء، فكان ملحقا بقوم الأم، فإذا أعتق العبد جر ولاء الأولاد إلى نفسه. هكذا روي عن عمر، ذكره قاضي خان. (وقد اعترض على الولاء الموقوف) وهو الولاء من جانب البائع، وسماه موقوفا؛ لأنه على عرضية التصديق بعد التكذيب (ما هو أقوى، وهو دعوى المشتري) ودعواه أقوى؛ لقيام ملكه في الحال، فكان دعواه الولاء إلى نفسه بسبب الإعتاق مصادفًا محله لوجود شرطه، وهو قيام الملك (بخلاف النسب على ما مر) وهو قوله: (إن النسب لا يحتمل النقض) ولأن المعتقة إذا ارتدت ولحقت، ثم سبيت وأعتقت فولاؤها لمن أعتقها ثانيًا، وبطل ولاء الأول، والنسب إذا ثبت حقيقة لا يحتمل الانتقاض. قوله: (وهذا) أي: ما قاله (يصلح مخرجًا) أي: حيلة (على أصل أبي حنيفة فيمن يبيع الولد).

стр. 5639

قَالَ: (وَإِذَا كَانَ الصَّبِيُّ فِي يَدِ مُسْلِمٍ وَنَصْرَانِي، فَقَالَ النَّصْرَانِيُّ: هُوَ ابْنِي، وَقَالَ المُسْلِمُ: هُوَ عَبْدِي، فَهُوَ ابْنُ النَّصْرَانِي، وَهُوَ حُرٌّ) لِأَنَّ الإِسْلَامَ مُرَبِّحٌ فَيَسْتَدْعِي تَعَارُضًا، وَلَا تَعَارُضَ، لِأَنَّ نَظَرَ الصَّبِيِّ فِي هَذَا أَوْفَرُ، لِأَنَّهُ يَنَالُ شَرَفَ الحُرِّيَّةِ حَالًا وَشَرَفَ الإِسْلَامِ مَالًا، إِذْ دَلَائِلُ الوَحْدَانِيَّةِ ظَاهِرَةٌ، وَفِي عَكْسِهِ الحُكْمُ بِالإِسْلَامِ تَبَعًا وَحِرْمَانُهُ عَنْ الحُرِّيَّةِ، لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي وُسْعِهِ اكْتِسَابُهَا (وَلَوْ كَانَتْ دَعْوَتُهُمَا دَعْوَةَ البُنُوَّةِ فَالمُسْلِمُ أَوْلَى) تَرْجِيحًا لِلْإِسْلَامِ وَهُوَ أَوْفَرُ النَّظَرَيْنِ. تفسيره: رجل في يده صبي ولد على ملكه ويبيعه، ولا يأمن المشتري أن يدعيه فينقض البيع، فحيلة الأمن من انتقاض البيع أن يقر البائع أنه ابن عبده الغائب، فإن بعد هذا الإقرار لا تصح دعوته عنده فيأمن المشتري من انتقاض البيع. وفي الفوائد الظهيرية: الحيلة في هذه المسألة على قول الكل أن يقر البائع أن هذا ابن عبده الميت حتى لا يتأتى فيه تكذيب، فيكون مخرجًا على قول الكل. قوله: (هو ابن النصراني) يعني: إذا ادعيا معًا، وبه صرح في الفوائد الظهيرية، وفيه: إلا أنَّ دعوة المسلم لو سبقت يكون عبدًا للمسلم. (لأن الإسلام مرجح) بكسر الجيم على صيغة الفاعل (فيستدعي تعارضًا، ولا تعارض) يعني الإسلام إنما يكون مرجحًا عند وجود المعارضة، ولا معارضة هاهنا؛ لأن المعارضة إنما تكون عند وجود المساواة، ولا مساواة بين الرّقيَّة والحرية فيما يرجع إلى منفعة الصبي؛ لأن منفعة الحرية له أكثر (لأنه ينال شرف الحرية حالا، وشرف الإسلام مالا) لأنه يمكنه اكتساب الإسلام بنفسه؛ لوضوح دلائل الوحدانية، وسطوع براهين الألوهية. فَفِي كُلِّ شيء له آية … تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ واحد وفي عكسه الحكم بالإسلام تبعًا إما لأبيه أو لمولاه؛ لأنه ليس في وسعه اكتساب الحرية بنفسه، وقد مرت المسألة بتفاصيلها في اللقيط. قوله: (ترجيحا للإسلام)، فإن قيل: يشكل هذا بما لو ادعى غلام نصراني قد احتلم على رجل نصراني وامرأة نصرانية أنه ابنهما، وادعاه مسلم ومسلمة أنه

стр. 5640

قَالَ: (وَإِذَا ادَّعَتْ امْرَأَةٌ صَبِيًّا أَنَّهُ ابْنُهَا: لَمْ تَجُزْ دَعْوَاهَا حَتَّى تَشْهَدَ امْرَأَةٌ عَلَى الوِلَادَةِ) وَمَعْنَى المَسْأَلَةِ: أَنْ تَكُونَ المَرْأَةُ ذَاتَ زَوْجِ، لِأَنَّهَا تَدَّعِي تَحْمِيلَ النَّسَبِ عَلَى الغَيْرِ، فَلَا تُصَدَّقُ إِلَّا بِحُجَّةٍ، بِخِلَافِ الرَّجُلِ لِأَنَّهُ يُحَمِّلُ نَفْسَهُ النَّسَبَ، ثُمَّ شَهَادَةُ القَابِلَةِ كَافِيَةٌ فِيهَا، لِأَنَّ الحَاجَةَ إِلَى تَعْيِينِ الوَلَدِ. ابنهما، وأقام كل واحدٍ بينة؛ فبينة الغلام أولى، ولم تترجح بينة المسلمين بإسلامهما بعد وجود المساواة بين الدعوتين في دعوى النسب. ذكر المسألة المحبوبي في جامعه. قلنا: ترجحت بينة الغلام لأنه أشبه بالمدعيين، وقال ﵇: «البَينَةُ عَلى المدّعِي» (١)، فمن كان به أشبه أولى (٢) كانت بينته أولى؛ وذلك لأن معظم المنفعة في النسب للوالدين؛ لأن الولد يُعيَّر إذا لم يكن له أب معروف، والوالد لا يعير إذا لم يكن له ولد فكان بينته تثبت الحق لنفسه، فصار أشبه بالمدعيين. كذا ذكره في الذخيرة. وفي الإيضاح: بينة الغلام أولى؛ لأنه صاحب يد، فصار كما لو ادعيا عينًا بالشراء من واحد، وأقاما بينة، وأحدهما صاحب اليد فهو أولى، كذا هنا. قوله: (ومعنى المسألة) إلى آخره، قيد به؛ لأنه إذا لم يكن لها زوج؛ فالقول لها من غير بينة كما في الرجل، فعلى ما ذكر في الكتاب بعد هذا، ومن المشايخ من أجرى المسألة على إطلاقها ورد قولها وإن لم تكن ذات زوج؛ عملًا بإطلاق ما ذكر محمد، وفرق بين الرجل والمرأة، حيث يجوز دعوى الرجل النسب بلا بينة، ولا يجوز من المرأة. ووجه فرقه: أن الأصل أن كل من ادعى معنى لا يمكنه إثباته بالبينة - كان

стр. 5641

أما النسب فيثبت بالفراش القائم، وقد صح «أن النبي ﵊ قبل شهادة القابلة على الولادة» (ولو كانت معتدة فلا بد من حجة تامة) عند أبي حنيفة وقد مر في الطلاق، وإن لم تكن منكوحة ولا معتدة قالوا: يثبت النسب منها بقولها، لأن فيه إلزاما على نفسها دون غيرها. (وإن كان لها زوج، وزعمت أنه ابنهما منه، وصدقها: فهو ابنهما وإن لم تشهد امرأة) لأنه التزم نسبه فأغنى ذلك عن الحجة. (وإن كان الصبي في أيديهما، وزعم الزوج أنه ابنه من غيرها، وزعمت أنه ابنها من غيره، فهو ابنهما) لأن الظاهر أن الولد منهما لقيام أيديهما، أو لقيام الفراش بينهما، ثم كل واحد منهما يريد إبطال حق صاحبه فلا يصدق عليه، وهو نظير ثوب في يد رجلين يقول كل واحد منهما: هو بيني وبين رجل آخر غير صاحبه، يكون الثوب بينهما، إلا أن هناك يدخل المقر له في نصيب المقر، لأن المحل يحتمل الشركة، وهاهنا لا يدخل لأن النسب لا يحتملها. القول له فيه، وكل من يدعي معنى يمكن إثباته بالبينة لا يقبل قوله إلا بالبينة. وبيان هذا: أن من قال لامرأته: إن دخلت الدار فأنت طالق، فادعت الدخول وكذبها الزوج لا يصدق إلا ببينة؛ لإمكان إثباته بالبينة، وبمثله لو علق طلاقها بحيضها فقال: حضت؛ يقبل قولها بلا بينة؛ للعجز عن الإثبات بالبينة، وفي مسألتنا يمكن لها إثبات النسب بالبينة؛ لأن انفصال الولد منها مما يشاهد ويعاين، ولا كذلك الرجل؛ لأنه لا يمكنه إقامة البينة على الإعلاق والإحبال؛ لمكان الخفاء والتغيب عن عيون الناظرين، فيصدق بلا شهادة قابلة، ولأن دعوى الرجل إقرار على نفسه بوجوب النفقة والحفظ والتربية، أما دعوى المرأة فإقرار على الزوج؛ إذ لا يلزمها شيء من ذلك، والدعوى لا تقبل إلا بحجة. كذا ذكره المرغيناني وقاضي خان. قوله: (ولو كان الصبي في أيديهما) إلى أن قال: (فهو ابنهما) هذا إذا كان الصبي لا يعبر عن نفسه، فإن كان يعبر؛ فالقول له أيهما صدق ثبت نسبه بتصديقه، وعند الأئمة الثلاثة لا يعتبر تصديقه.

стр. 5642

قَالَ: (وَمَنْ اشْتَرَى جَارِيَةً فَوَلَدَتْ وَلَدًا عِنْدَهُ، فَاسْتَحَقَّهَا رَجُلٌ، غَرِمَ الأَبُ قِيمَةَ الوَلَدِ يَوْمَ يُخَاصِمُ) لِأَنَّهُ وَلَدُ المَغْرُورِ، فَإِنَّ المَغْرُورَ مَنْ يَطَأُ امْرَأَةٌ مُعْتَمِدًا عَلَى مِلْكِ يَمِينِ، أَوْ نِكَاحٍ فَتَلِدُ مِنهُ ثُمَّ تُسْتَحَقُّ، وَوَلَدُ المَغْرُورِ حُرٌّ بِالقِيمَةِ بِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ ﵃، وَلِأَنَّ النَّظَرَ مِنْ الجَانِبَيْنِ وَاجِبٌ فَيُجْعَلُ الوَلَدُ حُرَّ الأَصْلِ فِي حَقِّ قال التمرتاشي: التناقض لا يمنع صحة دعوى النسب، حتى لو قال رجل: هو ابني منك من زنا وقالت: من نكاح، ثم قال الرجل: من نكاح، وقالت: ابنك مني من زنا؛ لم يثبت النسب منهما؛ لعدم اتفاقهما في النكاح، فلو قالت بعد ذلك: ابني منك من نكاح - يثبت؛ لما قلنا. وفي الإيضاح: دعوى النسب لا تبطل بالتناقض؛ لأن التناقض بين المتساويين، ولا مساواة، فإن دعوى النسب أقوى من النفي، وفيه: لو تصادقا على أن الولد من الزنا من فلان يثبت النسب من الزوج؛ لأن سبب ثبوته قائم، وهو الفراش، وهو حق الصبي، فلا يقبل تصادقهما على إبطال النسب، وكذا لو كانت المنكوحة أمةً، أو كان النكاح فاسدًا؛ لأن الفراش قد وجد. قوله: (معتمدًا على ملك يمين) بأي سبب كان، مثل الشراء والهبة والصدقة والوصية (أو نكاح) يعني تزوج امرأة على أنها حرة ثم ظهرت البينة أنها أمة؛ فالولد في هذه المسائل حر بالقيمة، روي ذلك عن عمر في النكاح، وعن علي في الشراء، وذا بمحضر من الصحابة، فحل محل الإجماع. قوله: (ولأن النظر من الجانبين واجب) إذ المغرور بنى الأمر على سبب صحيح في الشرع، فاستوجب النظر، والأمة ملك المستحق، والولد يتفرع من ملكه، فاستوجب النظر أيضًا، فوجب الجمع بين حقيهما بقدر الإمكان، وذا بأن يحيي حق المستحق في معنى المملوك، وحق المغرور في صورته، فيجعل حر الأصل في حقه، وعبدًا في حق المستحق؛ ولهذا قال محمد: لو تزوج عبد امرأة غره رجل أنها حرة فولدت، ثم ظهرت أنها أمة؛ فالولد حر بالقيمة عنده؛ لأن الصحابة حكموا بذلك، فلا فصل بين أب وأب. وقال أبو حنيفة: متولد من رقيقين فكيف يكون حرًا! والمنقول عنهم في حق الأب الحر.

стр. 5643

أَبِيهِ رَقِيقًا فِي حَقِّ مُدَّعِيهِ نَظَرًا لَهُمَا، ثُمَّ الوَلَدُ حَاصِلٌ فِي يَدِهِ مِنْ غَيْرِ صُنْعِهِ فَلَا يَضْمَنُهُ إِلَّا بِالمَنْعِ، كَمَا فِي وَلَدِ المَغْصُوبَةِ، فَلِهَذَا تُعْتَبَرُ قِيمَةُ الوَلَدِ يَوْمَ الخُصُومَةِ، لِأَنَّهُ يَوْمُ المَنْعِ (وَلَوْ مَاتَ الوَلَدُ لَا شَيْءَ عَلَى الأَبِ) لِانْعِدَامِ المَنْعِ، وَكَذَا لَوْ تَرَكَ مَالًا، لِأَنَّ الإِرْثَ لَيْسَ بِبَدَلٍ عَنْهُ، وَالمَالُ لِأَبِيهِ، لِأَنَّهُ حُرُّ الأَصْلِ فِي حَقِّهِ فَيَرِثُهُ (وَلَوْ قَتَلَهُ الأَبُ يَغْرَمُ قِيمَتَهُ) لِوُجُودِ المَنْعِ (وَكَذَا لَوْ قَتَلَهُ غَيْرُهُ فَأَخَذَ دِيَتَهُ)، لِأَنَّ سَلَامَةَ بَدَلِهِ (لأنه) أي: يوم الخصومة (يوم المنع). وفي شرح الطحاوي: تعتبر قيمته يوم القضاء بالقيمة؛ لأنه انغلق في حق المستحق رقيقا، فلا يتحول حقه في العين إلى البدل إلا بالقضاء، فتعتبر قيمته يوم القضاء. (ولو مات الولد) أي: مات قبل الخصومة (لا شيء على الأب) لأن الولد لو كان مملوكًا حقيقةً، كما في ولد الغصب، لم يكن مضمونًا قبل الطلب عندنا، فكذا إذا كان مملوكًا بجهة. قوله: (وكذا لو ترك مالا) أي: مات ولد المغرور، وترك مالا ميرانا لأبيه - لا يضمن الأب شيئًا من قيمته؛ وهذا لدفع شبهة، وهي أن يقال: لما أخذ ديته قامت الدية مقام الولد في المنع، فينبغي أن يجعل منع تركته كمنع ديته، فقال في جوابه: (الإرث ليس ببدل عنه) أي: عن الولد بخلاف الدية، فلم يصر الولد سالمًا بسلامة الإرث، فلم يغرم شيئًا، والمال لأبيه؛ لأن الولد حر الأصل في حقه، فما ترك يكون ميرانا لأبيه. فإن قيل: ينبغي أن يكون الإرث مشتركًا؛ لأنه رقيق في حق المستحق، وإن كان حر الأصل في حق المستولد [فيكون مشتركًا نظرًا للجانبين. قلنا: هو حر الأصل في حق المستحق] (١) أيضًا، وإنما قدرنا الرق في حقه الضرورة القضاء بالقيمة، والثابت بالضرورة يتقدر بقدر الضرورة، ولأن الولد لو كان حيا فهو أحق بماله؛ لعدم استحقاق المستحق في ماله بالشك، فكذا بعد وفاة الولد هو أحق به، فيخلفه وارثه.

стр. 5644

لَهُ كَسَلَامَتِهِ، وَمَنْعَ بَدَلِهِ كَمَنْعِهِ فَيَغْرَمُ قِيمَتَهُ كَمَا إِذَا كَانَ حَيًّا (وَيَرْجِعُ بِقِيمَةِ الوَلَدِ عَلَى بَائِعِهِ) لِأَنَّهُ ضَمِنَ لَهُ سَلَامَتَهُ كَمَا يَرْجِعُ بِثَمَنِهِ، بِخِلَافِ العُقْرِ، لِأَنَّهُ لَزِمَهُ لِاسْتِيفَاءِ مَنَافِعِهَا فَلَا يَرْجِعُ بِهِ عَلَى البَائِعِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. (وكذا لو قتله غيره) أي: غير الأب (وأخذ) الأب (ديته). وفي المبسوط: لو قضى له بديته ولم يقبضها لم يوجد بالقيمة؛ لأن المنع لا يتحقق فيما لم يصل إلى يده من البدل، ولو كان للولد ولد تحرر ديته وميراثه مع الأب، فخرج للأب من الدية مثل القيمة أو دونها قضى على الأب بمثل ذلك؛ لتحقق المنع في البدل ولا يقضى في التركة ولا في الدية؛ لأن هذا الضمان مستحق على الأب [لمنعه الولد بالحرية، وإنما يقضى في تركة الابن ما يكون على الابن، فإن كان الأب] (١) ميتًا قضى [له] (٢) في تركة الأب؛ لأنه دين عليه فيستوفي من تركته (٣). قوله: (ويرجع) أي: المشتري المغرور على بائعه (بقيمة الولد؛ لأنه) أي: بائعه (ضمن له) أي: للمشتري (سلامته) أي: سلامة المبيع عن العيب، ولا عيب فوق الاستحقاق. قوله: (بخلاف العُقْر) أي: لا يرجع بالعقر الذي أخذ منه المستحق، فإنه يجب عليه العقر بالإجماع لوطئه أمة الغير، وسقط الحد للشبهة، فيجب العقر. وقال الشافعي: يرجع بالعقر كما يرجع بقيمة الولد وثمن الأمة، وبه قال مالك وأحمد؛ لأنه ضمان لزمه بسبب فوت سلامة مستحقة بالعقد، ولأن المنافع مال عنده، فصار كاستحقاق جزء منه. وقلنا: العقر عوض عما استوفى من منافع البضع، فلا يستوجب الرجوع على غيره؛ لأنه لو رجع به سلم المستوفى له مجانا، والوطء في ملك الغير لا يجوز أن يسلم للواطئ مجانًا، بخلاف ما ذكر؛ لأن البائع ضمن سلامة المبيع، والأولى للمشتري، فيرجع إذا لم يسلما له.

стр. 5645

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وفي المبسوط: ولا يرجع على الواهب والمتصدق والموصي بشيء من قيمة الولد عندنا (١)، وقال الشافعي: يرجع به؛ لأن الغرور قد تحقق منه بإيجابه الملك له في المحل وإخباره أنها مملوكته، سواء كان بعوض أو بغير عوض. وقلنا: مجرد الغرور لا يكفي لإثبات حق الرجوع، فإن من أخبر آخر بأن هذا الطريق آمن فسلك فيه، فأخذ اللصوص متاعه؛ لم يرجع على المخبر بشيء، وإنما ثبوت حق الرجوع باعتبار عقد المعاوضة؛ لاستحقاق صفة السلامة مستحقة (٢)؛ ولهذا لا يثبت له فيه حق الرد بالعيب، فلا يرجع المتبرع بقيمة الأولاد، ولأن عقد التبرع لا يكون سببًا لوجوب الضمان على المتبرع؛ ولهذا لو وهب شيئًا لا يجب عليه تسليمه، والملك لا يحصل له قبل التسليم؛ كيلا يلزمه ضمان التسليم. ولو باعها المشتري من آخر واستولها المشتري الثاني، ثم استحقها رجل، وجعل القاضي الولد حرًا بالقيمة - يرجع المشتري الثاني على البائع الثاني بالثمن وبقيمة الولد، ويرجع المشتري الأول على البائع الأول بالثمن، ولا يرجع بقيمة الولد التي رجع عليه المشتري بها عند أبي حنيفة؛ لأن البائع الأول ضمن للمشتري الأول سلامة أولاده دون سلامة أولاد المشتري الثاني؛ لأن ضمان السلامة إنما يثبت بالبيع، والبيع الثاني يضاف إلى البائع الثاني لا الأول، وعندهما يرجع بقيمة الولد أيضًا؛ لأن المشتري الثاني إنما يرجع على بائعه بقيمة الولد؛ لأنه ضمن له سلامة الولد في ضمن البيع، وهذا المعنى يقتضي رجوعه على البائع الأول؛ لأن البائع الأول ضمن سلامة الولد له، ولم يسلم؛ لما أنه أخذ منه قيمة الولد، والله أعلم.

стр. 5646

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ كِتَابُ الإِقْرَارِ قَالَ: (وَإِذَا أَقَرَّ الحُرُّ البَالِغُ العَاقِلُ بِحَقِّ لَزِمَهُ إقْرَارُهُ، مَجْهُولًا كَانَ مَا أَقَرَّ بِهِ أَوْ مَعْلُومًا). كِتَابُ الْإِقْرَارِ لما فرغ من الدعوى شرع في الإقرار؛ لأن جواب الدعوى إما أن يكون إقرارًا أو إنكارًا، فشرع في الإقرار، ثم بالصلح؛ لأنه يكون في الأغلب بعد الإنكار. ومحاسن الإقرار كثيرة، منها: انتفاء الواجب عن ذمته، ومنها إيصال الحق إلى صاحبه، واتباع صاحب الحق، وإرضاء خالق الخلق، فكم من صاحب ملك لا يعرف ملكه، أو لا يعرف مقدار حقه أو ملكه! ومنها: إحماد الناس المُقِرَّ بصدق القول ووفاء العهد. ثم الكلام في الإقرار لغةً وشرعًا، وفي ركنه وشرطه وحكمه، ودليل كونه حجة. أمَّا لغةً: (إِفْعال) من قَرَّ الشيء، إذا ثبت، فالإقرار إثبات لما كان متزلزلا بين الإقرار والجحود. وأما شرعًا: فإخبار عن ثبوت الحق للغير على نفسه. وسببه: إرادة إسقاط الواجب عن ذمته. وركنه: الألفاظ فيما يجب به موجب الإقرار. وشرطه: العقل والبلوغ بلا خلاف، وفي كون المقر غير مبذر وغير سفيه وغير سكران اختلاف. وحكمه ظهور ما أقر به ولزومه لا إثباته ابتداء؛ ألا ترى أنه لا يصح الإقرار بالطلاق والعتاق مع الإكراه، والإنشاء يصح مع الإكراه عندنا؛ ولهذا

стр. 5647

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . قالوا: لو أقرَّ بمال لغيره كاذبًا، والمقر له يعلم أنه كاذب لا يحل له أخذه عن كره منه ديانةً، إلا أن يسلمه بطيب نفسه، فيكون كتمليك مبتدأ. وقيل: حكمه لزوم ما أقر به على المقر، وعمله إظهار ما أقر به لا التمليك به ابتداء. ويدل عليه مسائل: منها: أنه لو أقر بعين لا يملكه يصح إقراره وإن لم يملك تمليكه، حتى لو ملكه المقر يومًا من الدهر يؤمر بتسليمه إلى المقر له. منها: أن إقرار المسلم بالخمر يصح وإن لم يملك تمليكا مبتدأ. ومنها: أن المريض الذي لا دين عليه إذا أقر بجميع ماله لأجنبي صح إقراره، ولا يتوقف على إجازة الورثة، ولو كان تمليكا لا ينفذ إلا بقدر الثلث عند عدم الإجازة. منها: أن العبد المأذون لو أقرَّ بما في يده صح، ولو تبرع به ابتداء لا يجوز. وهو مشروع بالكتاب، قال تعالى: ﴿بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ﴾ [النساء: ١٣٥] قال المفسرون: شهادة المرء على نفسه إقرار، وقال تعالى: ﴿بَلِ الْإِنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾ [القيامة: ١٤] أي شاهدة، وقال تعالى: ﴿وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ﴾ [البقرة: ٢٨٢] والإملال: الإقرار، وقال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ﴾ إلى قوله ﴿ءَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِى قَالُوا أَقْرَرْنَا﴾ [آل عمران: ٨١]، وقال تعالى: ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ﴾ [التوبة: ١٠٢]، وقال تعالى: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ [الأعراف: ١٧٢]. وبالسنة، فما روي أنه ﵇ رجم ماعزا بإقراره على نفسه بالزنا، والغامدية بإقرارها (١)، وفي حديث العسيف «فاغْدُ يا أُنَيْسُ بِامْرَأَةِ هذا، فَإِنِ اعْتَرَفَتْ

стр. 5648

اعْلَمْ أَنَّ الإِقْرَارَ إِخْبَارٌ عَنْ ثُبُوتِ الحَقِّ، وَأَنَّهُ مُلْزِمٌ لِوُقُوعِهِ دَلَالَةٌ؛ أَلَا تَرَى كَيْفَ أَلْزَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَاعِزًا ﵁ الرَّحْمَ بِإِقْرَارِهِ وَتِلْكَ المَرْأَةَ بِاعْتِرَافِهَا. وَهُوَ حُجَّةٌ قَاصِرَةٌ لِقُصُورِ وِلَايَةِ الْمُقِرِّ عَنْ غَيْرِهِ فَيَقْتَصِرُ عَلَيْهِ. وَشَرَطُ الحُرِّيَةَ لِيَصِحَ إِقْرَارُهُ مُطْلَقًا، فَإِنَّ العَبْدَ المَأذُونَ لَهُ وَإِنْ كَانَ مُلْحَقًا بِالحُرِّ فِي حَقِّ الإِقْرَارِ، لَكِنَّ المَحْجُورَ عَلَيْهِ لَا يَصِحُ إِقْرَارُهُ بِالمَالِ وَيَصِحُ بِالحُدُودِ وَالقِصَاصِ، لِأَنَّ إِقْرَارَهُ عُهِدَ مُوجِبًا لِتَعَلَّقِ الدَّيْنِ بِرَقَبَتِهِ وَهِيَ مَالُ المَوْلَى، فَلَا يُصَدَّقُ فَارْجُمُها» (١) فلما جعل الإقرار حجة في الحدود التي تدرأ بالشبهات؛ فَلَأَنْ يكون حجة في غيرها أولى، وعليه إجماع الأمة. والدليل المعقول: أن الإقرار خبر محتمل للصدق والكذب فيرجح جانب الصدق؛ لأنه غير متهم فيه، فإن المال محبوب المرء طبعًا، فلا يقر لغيره كاذبًا مع كمال عقله ودينه وطبعه والزواجر شرعًا عن الكذب. قوله: (إخبار عن ثبوت الحق لا إثبات كما بينا. وفي المحيط: ولهذا لو أقرَّ بخمر للمسلم يصح ويؤمر بتسليمها إذا طلب استرداده، ولو أقر بخمر مستهلكة له لا يصح؛ لأنه لا يجب للمسلم يد الخمر. (لوقوعه دلالة) أي: لوقوع الإقرار دلالة على وجود المخبر به. قوله: (وتلك المرأة) وهي الغامدية، امرأة من غامِدٍ، حَيٌّ من الأَزْدِ. قوله: (وهو حجة قاصرة) بخلاف البينة، فإنها تصير حجة بالقضاء، وله ولاية نفسه دون غيره فيقتصر عليه، حتى لو أقرَّ بمجهول الأصل بالرق جاز ذلك على نفسه وماله، ولم يصدق على أولاده وأمهاتهم ومدبريه ومكاتبيه؛ لأنه قد ثبت حق الحرية أو استحقاق الحرية، فلا يصدق عليهم. وقوله: (لأن إقراره) أي: إقرار العبد المحجور (عهد) أي: عرف (موجبا تعلق الدين) متصل بقوله: (لا يصح إقراره بالمال). (وهي مال المولى) يعني: ضعفت ذمته بالرق، فانضمت إليها مالية الرقبة، وهي ملك المولى، فلا يصح إقراره عليه.

стр. 5649

عَلَيْهِ، بِخِلَافِ المَأْذُونِ، لِأَنَّهُ مُسَلَّطٌ عَلَيْهِ مِنْ جِهَتِهِ، وَبِخِلَافِ الحَدِّ وَالدَّمِ، لِأَنَّهُ مُبْقَى عَلَى أَصْلِ الحُرِّيَّةِ فِي ذَلِكَ، حَتَّى لَا يَصِحَ إِقْرَارُ المَوْلَى عَلَى العَبْدِ فِيهِ، وَلَا بُدَّ مِنْ البُلُوغِ وَالعَقْلِ، لِأَنَّ إِقْرَارَ الصَّبِيِّ وَالمَجْنُونِ غَيْرُ لَازِمٍ لِانْعِدَامِ أَهْلِيَّةِ الالتِزامِ، إِلَّا إِذَا كَانَ الصَّبِيُّ مَأْذُونَا لَهُ، لِأَنَّهُ مُلْحَقِّ بِالبَالِغِ بِحُكْمِ الإِذْنِ، قوله: (بخلاف المأذون؛ لأنه) أي: المأذون (مسلط عليه) أي: على الإقرار (من جهته) أي: من جهة سيده؛ لأنه لما سلطه على التجارة، والتجارة لا تكون إلا بصحة الإقرار؛ إذ لو لم يصح إقراره انحسم عليه باب التجارة، فإن الناس لا يبايعونه إذا علموا أن إقراره لا يصح؛ إذ لا يتهيأ لهم الإشهاد في كل تجارة. كذا في مبسوط شيخ الإسلام والذخيرة، ولا خلاف فيه. بخلاف الحدود والقصاص؛ لأنه مبقى على أصل الحرية؛ ولهذا لا يصح إقرار المولى عليه بالحد والقصاص، وبه قال الشافعي ومالك وأبو الخطاب الحنبلي. وعن أحمد: أن إقرار العبد بالحد والقصاص في ما دون النفس يصح، وإقراره بما يوجب القصاص في النفس لا يقبل، ويبيع به بعد العتق، وبه قال زفر والمزني وداود بن جرير الطبري؛ لأن به يسقط حق سيده، فأشبه الإقرار بقتل الخطأ. قوله: (ولا بد من البلوغ والعقل) ولا نعلم فيه خلافًا. قوله: (إلا إذا كان الصبي) العاقل (مأذونا) فيصح إقراره في قدر ما أذن له فيه، وبه قال أحمد في رواية. وقال الشافعي: لا يصح إقراره مطلقا، نعم لو ادعى البلوغ بالاحتلام في وقت إمكان صدق فيه، وبالسن لا يصدق إلا ببينته، وبه قال مالك وأحمد في رواية؛ لظاهر قوله ﵊: «رُفِعَ القَلَمُ عَنْ ثَلَاثٍ: عَنْ الصبي حَتَّى يَبْلُغَ، وَعَنْ المَجْنُونِ حَتَّى يُفِيقَ، وَعَنْ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ» (١). وقلنا: إنه عامل مختار يصح تصرفه بإذن الولي، وكذا إقراره كالبالغ، وكما

стр. 5650

وَجَهَالَةُ المُقَرِّ بِهِ لَا تَمْنَعُ صِحَّةَ الإِقْرَارِ؛ لِأَنَّ الحَقَّ قَدْ يَلْزَمُ مَجْهُولًا بِأَنْ أَتْلَفَ مَالًا لَا يَدْرِي قِيمَتَهُ، أَوْ يَجْرَحَ جِرَاحَةً لَا يَعْلَمُ أَرْشَهَا، أَوْ تَبْقَى عَلَيْهِ بَاقِيَةُ حِسَابٍ لَا يُحِيطُ بِهِ عِلْمُهُ، وَالإِقْرَارُ إِخْبَارٌ عَنْ ثُبُوتِ الحَقِّ فَيَصِحُ بِهِ، بِخِلَافِ الجَهَالَةِ فِي المُقَرِّ لو أقر ببلوغه أو دبر أو أوصى، فإنه يصح تدبيره ووصيته في قول عند الشافعي، والخبر يدل على رفع التكليف، والإثم على عدم صحة تصرفه، ولما أذن للصبي في التجارة صح إقراره بدين لرجل أو وديعة أو عارية أو مضاربة أو غصب؛ لأنه التحق بالإذن؛ لدلالة الإذن على عقله، ولا يصح إقراره بالمهر والجناية والكفالة؛ لأنها غير داخلة تحت الإذن في التجارة؛ إذ التجارة مبادلة المال بالمال، والنكاح مبادلة مال بغير مال، والكفالة تبرع من وجه، فلم تكن تجارة، والنائم والمغمى عليه كالمجنون؛ لعدم معرفتهما وتمييزهما، ولا يعلم فيه خلاف. وإقرار السكران يصح بالحقوق كلها إلا بالحدود الخالصة والردة، وينفذ سائر التصرفات من السكران كما ينفذ من الصاحي، وقد مر تمامه في الطلاق. قوله: (وجهالة المقر به لا تمنع صحة الإقرار) ولا نعلم فيه خلافًا. قوله: (لا يعلم أرشها)؛ لأن الواجب في الجراحات أن نسياني حولا، فلا نعلم في الحال موجبه. قوله: (فيصح به) أي: بكون المقر به مجهولا، بخلاف الشهادة، حيث لا تصح مع كون المشهود به مجهولا، مع أنها إخبار عن ثبوت الحق أيضًا؛ لأن الشرع لم يجعل الشهادة حجة إلا بعدم العلم بالمشهود به، قال تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف: ٨٦]، وقال ﵊: «إِذا عَلِمْتَ مِثْلَ الشمس فاشْهَدْ، وإلا فَدَعْ» (١)، ولأن الشهادة لا توجب حقا إلا بانضمام القضاء والقضاء بالمجهول لا يتصور.

стр. 5651

لَهُ، لِأَنَّ المَجْهُولَ لَا يَصْلُحُ مُسْتَحِقًّا، (وَيُقَالُ لَهُ: بَيِّنْ المَجْهُولَ) لِأَنَّ التَّجْهِيلَ مِنْ جِهَتِهِ، فَصَارَ كَمَا إِذَا أَعْتَقَ أَحَدَ عَبْدَيْهِ (فَإِنْ لَمْ يُبَيِّنْ أَجْبَرَهُ القَاضِي عَلَى البَيَانِ) لِأَنَّهُ لَزِمَهُ الخُرُوجُ عَمَّا لَزِمَهُ بِصَحِيحِ إِقْرَارِهِ وَذَلِكَ بِالبَيَانِ. (فَإِنْ قَالَ: لِفُلَانِ عَلَيَّ شَيْءٌ، لَزِمَهُ أَنْ يُبَيِّنَ مَا لَهُ قِيمَةٌ) أما الإقرار فموجب بنفسه قبل اتصال القضاء، وقد أمكن إزالة الجهالة بالإخبار على البيان، فيصح بالمجهول؛ ولهذا لا يصح الرجوع عن الإقرار، ويصح عن الشهادة قبل القضاء بها. كذا في المبسوط (١). قوله: (بخلاف الجهالة في المقر له) (٢) فإنها تمنع صحة الإقرار بلا خلاف. وفي الذخيرة: جهالة المقر له إنما تمنع صحة الإقرار إذا كانت متفاحشة، بأن قال: هذا العبد لواحد من الناس، أما إذا لم تكن متفاحشة لا يمنع، بأن قال: هذا العبد لأحد هذين الرجلين. وقال شمس الأئمة السرخسي: لا يصح أيضًا في هذه الصورة؛ لأنه إقرار للمجهول، وأنه لا يفيد؛ لأن فائدته الخبر على البيان، ولا يخبر على البيان هاهنا، والأصح أنه يصح؛ لأنه يفيد؛ إذ فائدته وصول الحق إلى المستحق، وطريق الوصول ثابت؛ لأنهما إذا اتفقا على أخذه فلهما حق الأخذ. قوله: (فَإِنْ لَمْ يُبَيِّنْ أَجْبَرَهُ على البيان)، وبه قال الشافعي ومالك وأحمد. وقال الشافعي في قول: إن وقع الإقرار المبهم في جواب دعوى، وامتنع عن التفسير - جعل ذلك إنكارًا منه، وتعرض اليمين عليه، فإن أصر جعل ناكلا عن اليمين، وحلف المدعي، وإن أقر ابتداء قلنا للمقر له: ادَّعِ عليه حقك، فإذا ادعى وأقر أو انكر أجرينا عليه حكمه. قوله: (بصحيح إقراره) بالباء الجارة. قوله: (لفلان علي شيء) وكذا لو قال: حق - لزمه أن يبين ماله قيمة قل أو كثر، نحو حبة أو فلس أو جوزة أو ما أشبه ذلك، ولا نعلم فيه خلافًا.

стр. 5652

لِأَنَّهُ أَخْبَرَ عَنْ الوُجُوبِ فِي ذِمَّتِهِ، وَمَا لَا قِيمَةَ لَهُ لَا يَجِبُ فِيهَا، فَإِذَا بَيَّنَ غَيْرَ ذَلِكَ يَكُونُ رُجُوعًا. قَالَ: (وَالقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ إِنْ ادَّعَى المُقَرُّ لَهُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ) لِأَنَّهُ هُوَ المُنْكِرُ فِيهِ (وَكَذَا إِذَا قَالَ لِفُلَانٍ، عَلَيَّ حَقٌّ) لِمَا بَيَّنَا، وَكَذَا لَوْ قَالَ: غَصَبْت مِنهُ شَيْئًا وَيَجِبُ أَنْ يُبَيِّنَ مَا هُوَ مَالٌ يَجْرِي فِيهِ التَّمَانُعُ تَعْوِيلًا عَلَى العَادَةِ. وفي الإيضاح: ولا بد أن يبين شيئًا مما يتمانعه الناس، ويقصد بالغصب؛ لأن ما لا يقصد به كالتراب لا يسمى غصبًا، ولو تبين مما يقصده الناس ولا قيمة له - قبل قوله فيه عند مشايخ العراق، نحو أن يقر أنه غصب صبيا حرا أو جلد ميتة. وقال مشايخ ما وراء النهر: لا بد أن يبين ما له قيمة؛ لأن الإقرار بالغصب إقرار بموجبه، وموجبه الرد، وإنما يتكامل الرد بإيجاب القيمة عند تعذر رد العين. وكذا الخلاف إذا فسر بما لا يضمن بالغصب كغصب العقار وخمر مسلم، ولو فسره بحبة حنطة أو شعير أو سمسم وما أشبه ذلك لا يقبل، وبه قال الشافعي في وجه، ومالك وأحمد. وقال الشافعي في وجه: يقبل؛ لأنه شيء يحرم أخذه، وعلى مَنْ أَخَذَه رَدُّه. وقلنا: هذا لا يتمول عادة على انفراده، فلا يتحقق فيه التمانع، ويقبل تفسيره بالكلب، وبه قال مالك والشافعي في وجه، وأحمد في رواية، ولو فسره بجلد ميتة أو خنزير أو خمر مسلم - قبل قوله في قول مشايخ العراق، وبه قال الشافعي وأحمد في رواية، وعند مشايخ ما وراء النهر لا يقبل قوله؛ لأنه لا قيمة لهذه الأشياء، وبه قال مالك والشافعي في وجه، وأحمد في رواية. قوله: (لما بينا) إشارة إلى قوله: (أخبر عن الوجوب في ذمته). وفي المحيط: لو قال: لفلان عليَّ حق، ثم قال: عنيت به حق الإسلام لا يُصدَّق، وإن قال موصولًا صُدِّق؛ لأنه بيان يعتبر باعتبار العرف. وقال الشافعي ومالك وأحمد: لا يصدق في الوجهين؛ لأن كلمة (عليَّ) توجب الوجوب في الذمة، ولا وجوب هنا. والحاصل أن كل تصرف لا يشترط لصحته وتحققه إعلام ما صادفه ذلك

стр. 5653

(وَلَوْ قَالَ: لِفُلَانِ عَلَيَّ مَالٌ، فَالمَرْجِعُ إِلَيْهِ فِي بَيَانِهِ)، لِأَنَّهُ المُجْمِلُ، وَيُقْبَلُ (قَوْلُهُ فِي القَلِيلِ وَالكَثِيرِ) لِأَنَّ كُلَّ ذَلِكَ مَالٌ فَإِنَّهُ اسْمٌ لِمَا يُتَمَوَّلُ بِهِ إِلَّا أَنَّهُ لَا يُصَدَّقُ (فِي أَقَلَّ مِنْ دِرْهَمٍ) لِأَنَّهُ لَا يُعَدُّ مَالًا عُرْفًا (وَلَوْ قَالَ: مَالٌ عَظِيمٌ، لَمْ يُصَدَّقْ فِي أَقَلَّ التصرف، فالإقرار به مع الجهالة صحيح، وذلك كالغصب والوديعة، وكل تصرف يشترط لصحة تحققه إعلام ما صادفه ذلك التصرف، فالإقرار به مع الجهالة لا يصح، وذلك كالبيع والإجارة، فإن من أقر أنه باع من فلان أو اشترى منه شيئًا لا يصح إقراره، ولا يجبر المقر على تسليم شيء؛ لأن الثابت بالإقرار كالثابت معاينة. ولو عاينا أنه باع شيئًا مجهولاً لا يجب تسليمه بحكم البيع؛ لكونه فاسدًا، فكذا إذا ثبت بالإقرار. ولو عاينا أنه غصب منه شيئًا مجهولاً في كيس يجبر على الرد، فكذا إذا ثبت بالإقرار. قوله: (ويقبل قوله في القليل والكثير)، وبه قال الشافعي وأحمد؛ لإطلاق اسم المال عليه، ومالك في وجه. وحكي عن مالك ثلاثة أوجه: أحدها: كقولنا. وثانيها: لا تقبل إلا أول نصب من نصاب الزكاة من نوع من أموالها. وثالثها: لا يقبل إلا فيما يستباح به البضع والقطع في السرقة، إلا أنه لا يقبل في أقل من عشرة دراهم عندنا؛ لأن الكسور لا تعد مالا عادة. ذكره في المبسوط. قوله: (ولو قال: مال عظيم) إلى آخره. وفي المبسوط: عندهما لا يصدق في أقل من مائتي درهم، وهو رواية عن أبي حنيفة، وعن أبي حنيفة: لا يصدق في أقل من عشرة دراهم، والأصح على قول أبي حنيفة أن ينبني على حال المقر في الفقر والغنى، فإن القليل عند الفقير عظيم، وأضعاف ذلك عند الغني ليست بعظيمة، وكما أن المائتين عظيم في

стр. 5654

مِنْ مِائَتَيْ دِرْهَم) لِأَنَّهُ أَقَرَّ بِمَالٍ مَوْصُوفٍ فَلَا يَجُوزُ إِلْغَاءُ الوَصْفِ وَالنِّصَابُ عَظِيمٌ حَتَّى اعْتُبِرَ صَاحِبُهُ غَنِيًّا بِهِ، وَالغَنِيُّ عَظِيمٌ عِنْدَ النَّاسِ. وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ: أَنَّهُ لَا يُصَدَّقُ فِي أَقَلَّ مِنْ عَشَرَةِ دَرَاهِمَ وَهِيَ نِصَابُ السَّرِقَةِ، لِأَنَّهُ عَظِيمٌ حَيْثُ تُقْطَعُ بِهِ اليَدُ المُحْتَرَمَةُ، وَعَنْهُ: مِثْلُ جَوَابِ الكِتَابِ، وَهَذَا إِذَا قَالَ: مِنْ الدَّرَاهِمِ، أَمَّا إِذَا قَالَ: مِنْ الدَّنَانِيرِ، فَالتَّقْدِيرُ فِيهَا بِالعِشْرِينِ، وَفِي الإِبِلِ بِخَمْسٍ وَعِشْرِينَ، لِأَنَّهُ أَدْنَى نِصَابٍ يَجِبُ فِيهِ مِنْ جِنْسِهِ وَفِي غَيْرِ مَالِ الزَّكَاةِ بِقِيمَةِ حكم الزكاة، فالعشرة مال عظيم في قطع السرقة، فيتعارض، فيرجع إلى حال المقر، وعلى حاله ينبني (١). وقال الشافعي وأحمد يقبل تفسيره في قوله: مال عظيم أو كثير أو جليل أو خطير بالقليل والكثير؛ لأن العظيم والكثير لا حد له في الشرع واللغة والعرف، ويختلفُ الناس فيه، فمنهم من يستعظم القليل، ومنهم من يستعظم الكثير، فاحتمل الوجوه، فيرجع إلى بيانه. وقلنا: في هذا إلغاء قوله: (عظيم)؛ لأنه حينئذ لا فائدة في تنصيص وصف العظيم. وعن بعض أصحاب مالك: فيه ثلاثة أوجه كما في المال، وقال بعض أصحابه: يريد على ذلك أقل زيادة، وقال بعض أصحابه: قدر الدية. وقال الليث الكبير: اثنان وسبعون؛ لأنه قال: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ﴾ [التوبة: ٢٥] وغزواته اثنتان وسبعون. وفيه بعد؛ لأن الآية تدل على أن الاثنتين وسبعين كثيرة، ولا تنفي الكثرة عن غيره. قوله: (وعنه) أي: أبي حنيفة (مثل جواب الكتاب)، وهو أنه لا يصدق في أقل من مائتي درهم، كما بينا من رواية المبسوط. قوله: (وهذا) أي: ما ذكرنا أنه لا يصدق في أقل من مائتي درهم (إذا قال: من الدراهم) يعني: بين وقال: مرادي من المال العظيم الدراهم. قوله: (فيه من جنسه)، وإنما اشترط أن يجب فيه من جنسه حتى يكون

стр. 5655

النِّصَابِ (وَلَوْ قَالَ: أَمْوَالٌ عِظَامٌ، فَالتَّقْدِيرُ بِثَلَاثَةِ نُصُبٍ مِنْ أَيِّ فَنِّ سَمَّاهُ) اعْتِبَارًا لِأَدْنَى الجَمْعِ (وَلَوْ قَالَ: دَرَاهِمُ كَثِيرَةٌ، لَمْ يُصَدَّقْ فِي أَقَلَّ مِنْ عَشَرَةٍ، وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَعِنْدَهُمَا: لَمْ يُصَدَّقْ فِي أَقَلَّ مِنْ مِائَتَيْنِ) (*) لِأَنَّ صَاحِبَ النِّصَابِ مُكْثِرُ حَتَّى وَجَبَ عَلَيْهِ مُوَاسَاةُ غَيْرِهِ، بِخِلَافِ مَا دُونَهُ. وَلَهُ: أَنَّ العَشَرَةَ أَقْصَى مَا يَنْتَهِي إِلَيْهِ اسْمُ الجَمْع، يُقَالُ: عَشَرَةُ دَرَاهِمَ، ثُمَّ يُقَالُ: أَحَدَ عَشَرَ دِرْهَمًا، فَيَكُونُ هُوَ الأَكْثَرُ مِنْ حَيْثُ اللَّفْظُ فَيَنْصَرِفُ إِلَيْهِ (وَلَوْ قَالَ: دَرَاهِمُ فَهِيَ ثَلَاثَةٌ) لِأَنَّهَا أَقَلُّ الجَمْعِ الصَّحِيحِ (إِلَّا أَنْ يُبَيِّنَ أَكْثَرَ مِنهَا) لِأَنَّ اللَّفْظَ يَحْتَمِلُهُ وَيَنْصَرِفُ إِلَى الوَزْنِ المُعْتَادِ (وَلَوْ قَالَ: كَذَا كَذَا دِرْهَمًا لَمْ يُصَدَّقْ فِي أَقَلَّ مِنْ أَحَدَ عَشَرَ دِرْهَمًا) لِأَنَّهُ ذَكَرَ عَدَدَيْنِ مُبْهَمَيْنِ لَيْسَ بَيْنَهُمَا حَرْفُ العَطْفِ، وَأَقَلُّ ذَلِكَ عظيما؛ لأن إيجاب خلاف جنسه كإيجاب شاة في خمس من الإبل دليل حقارته وقصوره وقلته. وفي الذخيرة والإيضاح: لو قال: عليَّ مال نفيس أو كريم أو جليل أو خطير، قال الناطفي: لم أجده منصوصًا، وذكره الجرحاني: يلزمه مائتان، وعند الأئمة الثلاثة: العظيم والكبير والنفيس والجليل والخطير والكريم سواء كما ذكرنا، ولو قال: دُرَيْهم أو دُنَيْنير يلزم در هم تام و دنار تام؛ لأن الصغير قد يذكر لصغر حجمه بالتصغير، وقد يذكر على طريق الاستقلال ولا ينقص عن الوزن، وعند الأئمة الثلاثة يصدق فيما فسره، كما في قوله: حقير أو حضيض. ولو قال: عليَّ حنطة كثيرة؛ فهذا على خمسة أوسق عندهما، وعند أبي حنيفة لا نصاب للحنطة، فيرجع إلى بيان المقر، وعند الأئمة الثلاثة: الحكم فيها كالحكم في مال كثير، ولو قال: غصبته إبلا كثيرة، فهذا على خمسة وعشرين؛ لأنه أدنى ما يجب فيه الزكاة من جنسه. قوله: (من فن سماه) (١) أي: نوع حتى لو قال: من الدراهم كان ستمائة درهم. قوله: (ولو قال كذا كذا درهما؛ لم يصدق في أقل من أحد وعشر) وكذا

стр. 5656

مِنْ المُفَسَّرِ أَحَدَ عَشَرَ (وَلَوْ قَالَ: كَذَا وَكَذَا دِرْهَمًا، لَمْ يُصَدَّقْ فِي أَقَلَّ مِنْ أَحَدٍ وَعِشْرِينَ) لِأَنَّهُ ذَكَرَ عَدَدَيْنِ مُبْهَمَيْنِ بَيْنَهُمَا حَرْفُ العَطْفِ، وَأَقَلُّ ذَلِكَ مِنْ المُفَسَّرِ، أَحَدٌ وَعِشْرُونَ فَيُحْمَلُ كُلُّ وَجْهِ عَلَى نَظِيرِهِ وَلَوْ قَالَ: كَذَا دِرْهَمًا فَهُوَ دِرْهَمٌ لِأَنَّهُ تَفْسِيرٌ لِلْمُبْهَمِ (وَلَوْ ثَلَّثَ، كَذَا، بِغَيْرِ وَاوِ فَأَحَدَ عَشَرَ) لِأَنَّهُ لَا نَظِيرَ لَهُ سِوَاهُ (وَإِنْ ثُلَّثَ بِالوَاوِ فَمِائَةٌ وَأَحَدٌ وَعِشْرُونَ، وَإِنْ رَبَّعَ يُزَادُ عَلَيْهَا أَلْفٌ) لِأَنَّ ذَلِكَ نَظِيرُهُ. لو قال: دينارًا أو كيليا أو وزنيًا لم يصدق في أقل من أحد عشر، حتى لو قال: كذا كذا مختومًا من حنطة لزمه أحد عشر مختومًا، وبه قال ابن عبد الحكم المالكي، نقله عن مالك، وكذا لو قال: كذا كذا درهما ودينارًا؛ لزمه أحد عشر منهما عنده ومالك، ولو قال: كذا درهما بدون التكرير يلزمه درهم. وذكر في الذخيرة والتتمة محالاً إلى الجامع الصغير: يلزمه درهمان؛ لأن (كذا) كناية عن العدد وأقل العدد درهمان، والواحد لا يكون عددًا. وقال الشافعي وأحمد في قوله: كذا درهما وكذا وكذا؛ ففيه أربعة أقوال: أحدها: أن يقول: درهم، بالرفع، يلزمه درهم، وتقديره: شيء هو درهم، فجعل الدرهم بدلا من (كذا). وثانيها: أن يقول: درهم، بالجر، يلزمه جزء درهم، و (كذا) تكون كناية عن جزء درهم. وثالثها: أن يقول: درهما، بالنصب، ونصبه على التفسير، وهو التمييز، فيلزمه درهم. ورابعها: أن يذكره بالوقف فيقبل تفسيره نحو درهم أيضًا؛ لأنه يجوز أن يكون أسقط حركة الجر للوقف. وقال القاضي الحنبلي وبعض أصحاب الشافعي: يلزمه درهم في الحالات؛ لأن (كذا) كناية عن الدرهم عادة، ولكن قال الشافعي وأحمد: إن (كذا) اسم مبهم يصح تفسيره بجزء درهم، ولو قال: كذا وكذا درهم، بالرفع، يلزمه درهم واحد؛ لأنه ذكر شيئين ثم أبدل منهما درهما، فصار كأنه قال هما درهم.

стр. 5657

قَالَ: (وَإِنْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ أَوْ قِبَلِي، فَقَدْ أَقَرَّ بِالدَّيْنِ) لِأَنَّ «عَلَيَّ» صِيغَةُ إِيجَابٍ: «وَقِبَلِي» يُنْبِئُ عَنْ الضَّمَانِ عَلَى مَا مَرَّ فِي الكَفَالَةِ. ولو قال: درهما، بالنصب، فيه ثلاثة أوجه: أحدها: يلزمه درهم واحد، وهو قول بعض أصحاب أحمد، والشافعي في قول؛ لأن (كذا) يحتمل أقل من درهم، فإذا عطف عليه مثله ثم فسرها بدرهم واحد جاز وكان كلامًا صحيحًا. وثانيها: يلزمه درهمان، وهو قول بعض أصحاب الشافعي في قول؛ لأنه ذكر جملتين وفسرهما بدرهم، فعاد التفسير إلى كل منهما. وثالثها: يلزمه أكثر من درهم، وبه قال بعض أصحاب أحمد، ولعله ذهب أن الدرهم تفسير للجملة، وبقيت الأولى على إبهامها، فيرجع في تفسيرها إليه. كذا ذكره ابن قدامه في المغني (١)، ثم قال: واللفظ يحتمل ما ذكرنا، ويحتمل ما ذكره أصحاب أبي حنيفة، فوجب المصير إلى ما قلنا؛ لأنه يقين، والزيادة مشكوك. وقلنا: إن (كذا) كناية عن العدد والدرهم، وما دونه لا يكون عددًا، فلا يكون كناية عنهما، فتعين ما قلنا، ولهذا لو قال: لفلان علي كذا درهما يلزمه درهمان على ما نقلناه من الذخيرة، وما قال في الهداية يلزمه درهم؛ لأنه يقع كذا كناية عن الدرهم في العرف والعادة، فيكون درهما تفسيره، وما نقله ابن قدامة في المغني وصاحب الحلية عن محمد أنه ذكر إذا قال: كذا درهما لزمه عشرون درهما عنده؛ لأنه أقل عدد يفسر بالواحد المنصوب، خلاف ما ذكره في الهداية والذخيرة والتتمة وفتاوى قاضي خان كما ذكرنا، ولم أجده في الكتب المشهورة لأصحابنا، وعند ابن الحكم المالكي يلزمه عشرون. قوله: (و (قبلي) ينبئ عن الضمان) يقال: قبل فلان عن فلان؛ أي: ضمن، وسمي الكفيل قبيلا؛ لأنه ضامن للمال، وسمى الصك الذي هو حجة الدين قبالة، وهو ظاهر قول الأئمة الثلاثة.

стр. 5658

(وَلَوْ قَالَ المُقِرُّ: هُوَ وَدِيعَةٌ، وَوَصَلَ صُدِّقَ) لِأَنَّ اللَّفْظَ يَحْتَمِلُهُ مَجَازًا حَيْثُ يَكُونُ المَضْمُونُ عَلَيْهِ حِفْظُهُ، وَالمَالُ مَحَلَّهُ، فَيُصَدَّقُ مَوْصُولًا لَا مَفْصُولًا. قَالَ ﵀: وَفِي نُسَخِ المُخْتَصَرِ فِي قَوْلِهِ: «قِبَلِي» إِنَّهُ إِقْرَارُ بِالأَمَانَةِ لِأَنَّ اللَّفْظَ يَنْتَظِمُهُمَا حَتَّى صَارَ قَوْلُهُ: لَا حَقَّ لِي قِبَلَ فُلَانٍ، إِبْرَاءٌ عَنْ الدَّيْنِ وَالأَمَانَةِ جَمِيعًا، وَالأَمَانَةُ أَقَلُّهُمَا وَالأَوَّلُ أَصَحٌ. (وَلَوْ قَالَ: عِنْدِي أَوْ مَعِي أَوْ فِي بَيْتِي أَوْ فِي كِيسِي أَوْ فِي صُنْدُوقِي، فَهُوَ إِقْرَارُ بِأَمَانَةٍ فِي يَدِهِ) لِأَنَّ كُلَّ ذَلِكَ إِقْرَارٌ بِكَوْنِ الشَّيْءِ فِي يَدِهِ، وَذَلِكَ يَتَنَوَّعُ إِلَى مَضْمُونٍ وَأَمَانَةٍ فَيَثْبُتُ، وَأَقَلُّهَا وَهُوَ الْأَمَانَةُ. (ولو قال: هو وديعة) أي: في قول (علي) أو (قبلي). قوله: (والأول) وهو أنه إقرار بالدين (أصح) ذكره في المبسوط، وعلل بأن استعماله في الديون أغلب وأكثر، فكان الحمل عليه أولى. قوله: (أو صندوقي) وكذا لو قال: في كيسي فهو أمانة؛ لما ذكره في المتن، أو لأن هذه المواضع إنما تكون محلا للعين لا للدين، فإن الدين محله الذمة؛ ولهذا قلنا: (عليَّ) كلمة إيجاب فيكون في الذمة، وكذا (قبلي) كلمة ضمان، والضمان في الذمة. قوله: (فيثبت أقلها وهو الأمانة)، وهو ظاهر مذهب الأئمة الثلاثة، بخلاف ما لو قال: عليَّ مائة درهم دين ووديعة، أو وديعة ودين؛ فإنه لا يثبت الأمانة، ويكون دينًا مع التصريح بلفظ الأمانة؛ لأن تنوع اللفظ إلى الأمانة والدين إنما نشأ من لفظ واحد، وفي تلك المسألة بالصريح من لفظين، والأصل أن أحد اللفظين إذا كان للأمانة والآخر للدين، فإذا جمع بينهما في الإقرار يترجح الدين. كذا في المبسوط (١). وهذا لاستعارة لفظ الدين لما يوجب الأمانة ممكن لا على العكس؛ لأنه يمكن أن يستعار لفظ الوجوب لوجوب الحفظ في الأمانة، أما لفظ الأمانة ينبئ عن عدم الوجوب في الذمة، فلا تصلح استعارته للوجوب.

стр. 5659

(وَلَوْ قَالَ لَهُ رَجُلٌ: لِي عَلَيْكَ أَلْفٌ، فَقَالَ: اتَّزِنْهَا أَوْ انْتَقِدْهَا، أَوْ أَجِلْنِي بِهَا، أَوْ قَدْ قَضَيْتُكَهَا: فَهُوَ إِقْرَارُ) لِأَنَّ الهَاءَ فِي الأَوَّلِ وَالثَّانِي كِنَايَةٌ عَنْ المَذْكُورِ فِي الدَّعْوَى، فَكَأَنَّهُ قَالَ: اتَّزِنْ الأَلْفَ الَّتِي لَك عَلَيَّ، حَتَّى لَوْ لَمْ يَذْكُرْ حَرْفَ الْكِنَايَةِ لَا يَكُونُ إِقْرَارًا لِعَدَمِ انْصِرَافِهِ إِلَى المَذْكُورِ، وَالتَّأْجِيلُ إِنَّمَا يَكُونُ فِي حَقٌّ وَاجِبٍ، وَالقَضَاءُ يَتْلُو الوُجُوبَ وَدَعْوَى الإِبْرَاءِ كَالقَضَاءِ لِمَا بَيَّنَّا، قوله: (ولو لم يذكر حرف الكناية) وهو الهاء (لا يكون إقرارًا) وقال الشافعي وأحمد في قوله: اتزن وانتقد لا يكون إقرارًا بالهاء وغيره، وبه قال بعض أصحاب مالك؛ لأنه لم يؤخذ منه حقيقة التزام، وقد يوجد مثل ذلك ممن يستهزئ ويبالغ في الجحود، فلا يكون إقرارًا بالشك. وعن بعض أصحاب الشافعي: إذا كان بحرف الكناية يكون إقرارًا كقولنا، وقال: ابن سحنون المالكي (١): يكون إقرارًا في الوجهين، إلا إذا قال: اتزن أو زنها ما أبعدك من ذلك، أو قال: من أي ضرب يأخذها ما أبعدك من ذلك؛ فليس بإقرار. وفي قوله: قضيتكما أو قضيت أو أبرأتني إقرار عند الأئمة الثلاثة، وعن بعض أصحاب الشافعي أن قوله: أبرأتني عنه ليس بإقرار؛ لقوله تعالى: ﴿فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا﴾ [الأحزاب: ٦٩] وتبرئته عن عيب الأدرة لا يقتضي إثباته له. قلنا: هذا هكذا فيما اتهموه، أما لا يصح ذلك في دعوى الدين. قوله: ودعوى الإبراء كالقضاء بأن قال: أبرأتني (كالقضاء لما بينا) وهو أنه يقتضي سابقة الوجوب. وفي المحيط: لو قال: لي عليك ألف فقال: اتزنها أو انتقدها أو اقعد فاقبضها أو حدها، أو لم تحل بعد هذا، أو قال: غدًا أو أرسل من يتزنها أو يقبضها، أو قال: ليست بمتهيأة أو متيسرة اليوم أو أخرها عني أو أؤديها، أو قال: ما أكثر ما يتقاضى أو عميتني بها أو حتى يدخل غلامي أو يقدم، أو أجل بها على غرمائك، أو قال: قضيتكها أو أبرأتني أو أحللتني فكلها إقرار؛ لأنها تقتضي سابقة الوجوب.

стр. 5660

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ولو قال: اتزن أو انتقد أو أخر أو سوف أعطيك، ولم يذكر مع حرف الكناية - لا يكون إقرارًا، وهكذا لو تكلما بالفارسية، إلا أن كلمة (الشين) في الفارسية مقام الكناية، حتى لو قال الآخر: (هرار درم مر ابرست) فقال: (سننجس) أو (بركشش) أو قال: (كيسه دوزس) أو قال: (بدهمش) أو قال: (بزد اند همش) يكون إقرارًا، ولو قال: بغير كلمة (السين) بأن قال: (بسنج) أو (بركس) أو (كبسة دون) لا يكون إقرارًا، ولو قال: (كيسه دوزشن) بكسر الزاي، أو قال: (بركشش) بكسر الشين، قيل: لا يكون إقرارًا، والأصح أنه يكون إقرارًا. وفي المبسوط والمحيط: ولو قال: لي عليك ألف ألف، فقال: نعم، يكون إقرارًا؛ لأن (نعم) لا يستقل بنفسه، أما لو قال: هل عليك ألف؟ فأومأ برأسه بنعم لا يكون إقرارًا؛ لأن الإشارة لا تقوم مقام الكلام من غير الأخرس، وكذلك إذا قال: سأعطيكها أو غدًا أعطيكها، أو اتزنها أو خذها بالهاء فلا بد من حمل كلامه على الجواب؛ لأن الكناية راجعة إليها (١). بخلاف ما لو قال بغير هاء الكناية بأن قال: اتزن إلى آخر ما ذكرنا، حيث لا يكون إقرارًا؛ لأن الكلام مستقل بنفسه، فيحمل على الابتداء؛ لأنه حقيقته، ومعنى قوله: اقعد واتزن؛ أي: اقعد وراءنا للناس واكتسب به فلا يؤدي بالدعوى الباطلة، وكذا لو قال: والله لا أقضيكها اليوم، ولا أزنها لك اليوم يكون إقرارًا؛ لأن نفي القضاء والوزن في وقت بعينه لا يكون إلا بعد وجوب أصل المال؛ لأنه لو لم يكن أصل المال واجبًا فالقضاء لا يكون منتفيًا أبدًا، فلا يحتاج إلى تأكيد نفي القضاء باليمين؛ لأنه في نفسه منتف. وقيل: هذا من صوره كان نفي الشيء وإثباته يكون تصديقا لكلام المدعي، فإنه لو قال: قضيتكها يكون إقرارًا أيضًا كما ذكرنا، ولو قال: أعطني ثوب عبدي هذا، فقال: نعم، فقد أقر بالثوب والعبد له، وكذا لو قال: افتح باب

стр. 5661

وَكَذَا دَعْوَى الصَّدَقَةِ وَالهِبَةِ، لِأَنَّ التَّمْلِيكَ يَقْتَضِي سَابِقَةَ الوُجُوبِ، وَكَذَا لَوْ قَالَ: أَحَلْتُكَ بِهَا عَلَى فُلَانٍ لِأَنَّهُ تَحْوِيلُ الدَّيْنِ. قَالَ: (وَمَنْ أَقَرَّ بِدَيْنٍ مُؤَجَّلٍ، فَصَدَّقَهُ المُقَرُّ لَهُ فِي الدَّيْنِ، وَكَذَّبَهُ فِي التَّأْجِيلِ، لَزِمَهُ الدَّيْنُ حَالًا) لِأَنَّهُ أَقَرَّ عَلَى نَفْسِهِ، بِمَالٍ وَادَّعَى حَقًّا لِنَفْسِهِ فِيهِ، فَصَارَ كَمَا إِذَا أَقَرَّ بِعَبْدِ فِي يَدِهِ وَادَّعَى الإِجَارَةَ، بِخِلَافِ الإِقْرَارِ بِالدَّرَاهِمِ السُّودِ، لِأَنَّهُ صِفَةٌ فِيهِ وَقَدْ مَرَّتْ المَسْأَلَةُ فِي الكَفَالَةِ. قَالَ: (وَيُسْتَحْلَفُ المُقَرُّ لَهُ عَلَى الْأَجَلِ) لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ حَقًّا عَلَيْهِ وَاليَمِينُ عَلَى الْمُنْكِرِ. (وَإِنْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ مِائَةٌ وَدِرْهَمٌ: لَزِمَهُ كُلُّهَا دَرَاهِمُ، وَلَوْ قَالَ: مِائَةٌ وَثَوْبٌ، داري هذا، أو خصص داري هذه، أو اسرج دابتي هذه، أو أعطني سرج بغلي، أو لجام بغلي هذا، فقال: نعم يكون إقرارًا، ولو قال: (لا) في جميع ذلك يكون إقرارًا أيضًا، وفي بعض نسخ كتاب الإقرار لا يكون إقرارًا بذكر (لا)، أما لو قال: لا أعطيكها اليوم أو أبدًا فهو إقرار؛ لأنه ذكره بالكناية فكأنه قال: لا أعطيك سرج بغلك اليوم أو أبدًا، ولو صرح بهذا كان إقرارًا، فكذا في الكناية. قوله: (وكذا دعوى الصدقة والهبة) بأن قال: تصدقت به علي أو وهبته لي؛ لأن هذا دعوى التمليك منه، وذا لا يكون إلا بعد وجوب المال في ذمته؛ لأنهما يردان على الدين الثابت. قوله: (لزمه الدين حالا) وبه قال أبو الخطاب وبعض أصحاب الشافعي. وقال الشافعي وأحمد لزمه مؤجلا؛ لأنه أقر بمال بصفة فيلزمه بالوصف الذي أقر، كما لو أقر بدراهم زيوف أو جياد أو سود، وقلنا: أقر بدين وادعى حقًا لنفسه، فلا يصدق، كما لو أقر بعبد وادعى الإجارة، بخلاف السود؛ لأن السواد نوع فيها؛ إذ الدراهم لا تنطبع إلا بغش، والأجل في الدين عارض لا يثبت بلا شرط، والقول لمنكر العارض. قوله: (وقد مرت المسألة في الكفالة) أي: في باب الضمان ببيان الفرق. قوله: (عليَّ مائة ودرهم)، وفي جامع قاضي خان: وكذا لو قال:

стр. 5662

لَزِمَهُ ثَوْبٌ وَاحِدٌ، وَالمَرْجِعُ فِي تَفْسِيرِ المِائَةِ إِلَيْهِ) وَهُوَ القِيَاسُ فِي الْأَوَّلِ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ، لِأَنَّ المِائَةَ مُبْهَمَةٌ وَالدَّرْهَمَ مَعْطُوفٌ عَلَيْهَا بِالوَاوِ العَاطِفَةِ لَا تَفْسِيرًا لَهَا، فَبَقِيَتْ المِائَةُ عَلَى إِبْهَامِهَا كَمَا فِي الفَصْلِ الثَّانِي. وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ، وَهُوَ الفَرْقُ: أَنَّهُمْ اسْتَثْقَلُوا تَكْرَارَ الدِّرْهَم فِي كُلِّ عَدَدٍ وَاكْتَفَوْا بِذِكْرِهِ عَقِيبَ العَدَدَيْنِ. وَهَذَا فِيمَا يَكْثُرُ اسْتِعْمَالُهُ، وَذَلِكَ عِنْدَ كَثْرَةِ الوُجُوبِ بِكَثْرَةِ أَسْبَابِهِ، وَذَلِكَ فِي الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ وَالمَكِيلِ وَالمَوْزُونِ، أَمَّا الثَّيَابُ وَمَا لَا يُكَالُ وَلَا يُوزَنُ فَلَا: يَكْثُرُ وُجُوبُهَا فَبَقِيَ عَلَى الحَقِيقَةِ. (وَكَذَا إِذَا قَالَ: مِائَةٌ وَثَوْبَانِ) لِمَا بَيَّنَّا (بِخِلَافِ مَا إِذَا قَالَ: مِائَةٌ وَثَلَاثَةُ أَنْوَابٍ) لِأَنَّهُ ذَكَرَ عَدَدَيْنِ مُبْهَمَيْنِ وَأَعْقَبَهَا تَفْسِيرًا، إذ الأَثْوَابُ لَمْ تُذْكَرُ بِحَرْفِ العَطْفِ، ودرهمان كلها دراهم، وبه قال أحمد في رواية في المقدر وغيره؛ لأن العرب تكتفي بتفسير إحدى الجملتين عن الأخرى، قال تعالى: ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا﴾ [الكهف: ٢٥]، وقال تعالى: ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ فَعِيدُ﴾ [ق: ١٧]. (وبه قال الشافعي) أي: بالقياس، وبه قال مالك وأحمد في رواية. قوله: (وهذا) أي: كون العطف للبيان (فيما يكثر استعماله، وذلك) أي: كثرة الوجوب بكثرة المعاملة في المقدرات كالموزونات والمكيلات لا تثبت دينا في الذمة سلمًا وقرضًا وثمنا، وكذا في جميع المعاملات، بخلاف الثياب وما لا يكال ولا يوزن، فإنها لا يكثر وجوبها في الذمة، فإن الثياب لا تثبت إلا في السلم والنكاح، وذا لا يكثر، فبقي على الحقيقة. وروى ابن سماعة عن أبي يوسف في قوله: لفلان علي مائة وثوب أو شاة أن الكل ثياب وشياه؛ لما أن الغنم والثياب تقسم قسمة واحدة، بخلاف العبيد؛ لأنها لا تقسم قسمة واحدة، وما يقسم قسمة واحدة يتحقق في أعدادها المجانسة من وجه، فيمكن جعله تفسيرًا للمبهم. (وكذا إذا قال: مائة وثوبان) يعني كقوله: (مائة وثوب)، بلا خلاف. وقوله: (لما بينا) إشارة إلى قوله: (الثياب) إلى آخره.

стр. 5663

فانصَرَفَ إِلَيْهِمَا لاِسْتِوَائِهِمَا فِي الْحَاجَةِ إِلَى التَّفْسِيرِ فَكَانَتْ كُلُّهَا ثِيَابًا. قَالَ: (وَمَنْ أَقَرَّ بِتَمْرٍ فِي قُوصرَةٍ لَزِمَهُ التَّمْرُ وَالْقُوصرَةُ) وَفَسَّرَهُ فِي الأَصْلِ بِقَوْلِهِ: غَصَبْتُ تَمْراً فِي قُوصرَةٍ. وَوَجْهُهُ: أَنَّ الْقُوصرَةَ وِعَاءٌ لَهُ وَظَرْفٌ لَهُ، وَغَصَبَ قَوْلُهُ: (فانصرف إِلَيْهِمَا) أَي: إِلَى العددين، ولا يقال الأثواب جمع لا يصلح مميزاً للمائة؛ لأنها اقترنت بالثلاثة صار كعدد واحد كما في قوله تعالى: ﴿ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ﴾ [الكهف: ٢٥] وقيل: يجوز أن يوضع الجمع موضع المفرد، كما ميز بالجمع في قوله: ﴿بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً﴾ [الكهف: ١٠٣]. قوله: (ومن أقر بتمر في قوصره) إلى آخره. في المغرب: القُوْصَرَةُ، بالتشديد والتخفيف وعاء التمر يتخذ من قصب، وقولهم: إنما يسمى ذلك ما دام فيها التمر وإلا فهي زنبل، مبني على عرفهم (١). والجوالق، بالفتح جمع جُوَالِق، بالضم، والجواليق، بزيادة الياء تسامح. في المبسوط: الأصل في جنس هذه المسائل أن ما كان الثاني ظرفاً للأول ووعاء له لزماه، نحو ثوب في منديل، وطعام في سفينة، وحنطة في جوالق، وتمر في قوصرة، وإن كان الثاني مما لا يكون وعاء للأول، نحو غصبتك درهماً في درهم؛ لم يلزم الثاني؛ لأنه غير صالح للظرفية، بخلاف قوله: من قوصَرَةٍ لأن كلمة (من) للانتزاع؛ أي لابتداء الغاية، فيكون إقراراً بأن مبدأ الغصب من قوصرة، وأما كلمة (على) نحو أن يقول غصبت إكافاً على حمار، وسرجاً على فرس كان إقراراً بغصب الإكاف خاصة، وبه قالت الأئمة الثلاثة، والحمار لبيان محل الغصب حين أخذه، وغصب الشيء لا يكون مقتضياً غصب المحل (٢). قوله: (وفسره في الأصل) أي: المبسوط (بقوله: غصبت تمراً في قوصرة) وبقولنا قال أحمد في رواية. وقال الشافعي ومالك وأحمد في رواية: يكون

стр. 5664

الشَّيْءِ وَهُوَ مَظْرُوفٌ لَا يَتَحَقَّقُ بِدُونِ الظَّرْفِ فَيَلْزَمَانِهِ، وَكَذَا الطَّعَامُ فِي السَّفِينَةِ وَالحِنْطَةُ فِي الجَوَالِقِ، بِخِلَافِ مَا إِذَا قَالَ: غَصَبْت تَمْرًا مِنْ قَوْصَرَّةٍ، لِأَنَّ كَلِمَةَ مِنْ لِلانْتِزَاعِ فَيَكُونُ الإِقْرَارُ بِغَصْبِ المَنْزُوعِ. قَالَ: (وَمَنْ أَقَرَّ بِدَابَّةٍ فِي إِصْطَبْلٍ، لَزِمَهُ الدَّابَّةُ خَاصَّةً) لِأَنَّ الإِصْطَبْلَ غَيْرُ مَضْمُونٍ بِالغَصْبِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ، وَعَلَى قِيَاسِ قَوْلِ مُحَمَّدٍ يَضْمَنُهُمَا (*)، وَمِثْلُهُ الطَّعَامُ فِي البَيْتِ. إقرارًا بالمظروف لا بالظرف؛ لأن إقراره لم يتناول الظرف، فيحتمل أن يكون ظرفًا للمقر، فلم يلزمه. وعن بعض فقهاء المدينة: إن كان المقر به ذائبًا لا يستغني عن ظرف دخل الظرف في الإقرار، وإن كان جامدًا لم يدخل. وقلنا: إنه أقر بغصب التمر بوصف كونه مظروفًا، وغصب الشيء بوصف كونه مظروفًا لا يتحقق بدون غصب الظرف؛ لأن الإقرار إخبار، والإقرار بالغصب إخبار عن نقله؛ إذ الغصب نقل ونقل المظروف لا يتصور حال كونه مظروفًا إلا بنقل الظرف، فصار إقرارًا بغصبهما ضرورةً كذا في كتب أصحابنا، وفيه نوع تأمل. قوله: (لزمه الدابة خاصة) وبه قالت الأئمة الثلاثة، وإنما قال: لزمته الدابة، ولم يقل: كان إقرارًا بالدابة خاصة؛ لما أن هذا الكلام إقرار بهما جميعًا، إلا أن اللزوم على قول أبي حنيفة وأبي يوسف في الدابة خاصة، فإنه ذكر في المبسوط: ولو قال: غصبتك طعامًا في بيت؛ كان هذا بمنزلة قوله: طعامي سفينة؛ لأن البيت قد يكون وعاء للطعام فيكون إقرارًا بغصب البيت والطعام، إلا أن الطعام يدخل في ضمانه بالغصب لا البيت في قولهما؛ إذ غصب العقار لا يوجب الضمان عندهما (١).

стр. 5665

قَالَ: (وَمَنْ أَقَرَّ لِغَيْرِهِ بِخَاتَمٍ: لَزِمَهُ الحَلَقَةُ وَالفَصُّ) لِأَنَّ اسْمَ الخَاتَمِ يَشْمَلُ الكُلَّ (وَمَنْ أَقَرَّ لَهُ بِسَيْفٍ فَلَهُ النَّصْلُ وَالجَفْنُ وَالحَمَائِلُ) لِأَنَّ الإِسْمَ يَنْطَوِي عَلَى الكُلِّ (وَمَنْ أَقَرَّ بِحَجَلَةٍ فَلَهُ العِيدَانُ وَالكِسْوَةُ) لِانْطِلَاقِ الإِسْمِ عَلَى الكُلِّ عُرْفًا. (وَإِنْ قَالَ غَصَبْتُ ثَوْبًا فِي مِندِيلٍ، لَزِمَاهُ جَمِيعًا) لِأَنَّهُ ظَرْفٌ، لِأَنَّ الثَّوْبَ يُلَفُّ فِيهِ. وَكَذَا لَوْ قَالَ: عَلَيَّ ثَوْبٌ فِي ثَوْبٍ لِأَنَّهُ ظَرْفٌ. بِخِلَافِ قَوْلِهِ: دِرْهَمٌ فِي دِرْهَمٍ، حَيْثُ يَلْزَمُهُ وَاحِدٌ، لِأَنَّهُ ضَرْبٌ لَا ظَرْفٌ (وَإِنْ قَالَ: ثَوْبٌ فِي عَشَرَةِ أَثْوَابِ، لَمْ يَلْزَمْهُ إِلَّا ثَوْبٌ وَاحِدٌ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ. وَقَالَ مُحَمَّدٌ: لَزِمَهُ أَحَدَ عَشَرَ ثَوْبًا) (*) قوله: (لزمه الحلقة والفص) ولا نعلم فيه خلافًا، وكذا لو أقر بدار أو أرض لرجل يدخل البناء والأشجار إذا كانا فيهما، حتى لو أقام المقر بينة بعد ذلك أن البناء والأشجار لي، وكذا لو قال: الفص لي؛ لم يُصدق، ولم تقبل بينته، ولو قال: هذا الخاتم لي وفصه لك، هذا السيف لي وحليته لك، وهذه الجبة لي وبطانتها لك، وقال المقر له: الكل لي؛ فالقول للمقر، وبعد ذلك ينظر، إن لم يكن في نزع المقر به ضرر يؤمر المقر بالنزع والدفع إلى المقر له، وإن كان في النزع ضرر فواجب على المقر أن يعطيه قيمة ما أقر به. كذا في الذخيرة. النصل: حديدة السيف. الجفن: غمد السيف. والحمائل: جمع الحمالة، بكسر الحاء، وهي علاقة السيف. الحَجَلَة: بيت يزين بالثياب والأسرة. و (العيدان)، برفع النون: جمع عود، وهو الخشب كالديدان، في جمع دود، ولا نعلم خلافًا في هذه المسائل. قوله: (لزماه جميعًا) والخلاف فيه كالخلاف في الإقرار بالتمر في قوصرة. قوله: (لأن النفيس من الثياب) إلى آخره. في المبسوط: فإذا صلح ظرفًا كان بمنزلة قوله: حنطة في جوالق، أو

стр. 5666

لأن النفيس من الثياب قد يلف في عشرة أثواب، فأمكن حمله على الظرف. ولأبي يوسف: أن حرف «في» يستعمل في البين والوسط أيضا، قال الله تعالى: ﴿فَادْخُلِي فِي عِبَدِي﴾ [الفجر: ٢٩] أي بين عبادي، فوقع الشك، والأصل براءة الذمم، على أن كل ثوب موعى وليس بوعاء فتعذر حمله على الظرف فتعين الأول محملا. (ولو قال: لفلان علي خمسة في خمسة، يريد الضرب والحساب، لزمه خمسة) لأن الضرب لا يكثر المال. وقال الحسن: يلزمه خمسة وعشرون وقد ذكرناه في الطلاق (ولو قال: أردت خمسة مع خمسة، لزمه عشرة) لأن اللفظ يحتمله. يحمل كلامه على التقديم والتأخير، فيصير كأنه قال: عشرة أثواب في ثوب. وقال أبو يوسف: العشرة لا يكون وعاء (١). معناه: أن الوعاء غير الموعي، فكان كل ثوب يكون موعيا في حق ما وراءه، فلا يكون وعاء إلا الثوب الذي هو ظاهر، فإذا لم يتحقق كون العشرة وعاء لواحد كان آخر كلامه لغوا، وحمله على التقديم والتأخير اشتغال بإيجاب المال في الذمة بالمحتمل، وذا لا يجوز. وأما قوله: (إن النفيس من الثياب قد يلف في عشرة أثواب) منقوض على أصله، فإنه لو قال: غصبته كرباسا في عشرة أثواب حرير أنه يلزمه الكل عند محمد، مع أن عشرة أثواب حرير لا يجعل وعاء للكرباس عادة. قوله: (يريد الضرب والحساب لزمه خمسة)، وبه قال الشافعي، وكذا إذا لم تكن له نية يلزمه عشرة عندنا والشافعي ومالك في رواية. وقال الحسن بن زياد: يلزمه خمسة وعشرون إن أراد الضرب، وبه قال أحمد ومالك في رواية. وقال زفر: يلزمه عشرون إذا أطلق؛ لأن حرف (في) بمعنى حرف (مع) قال تعالى: ﴿فَادْخُلِي فِي عِبَدِي﴾ [الفجر: ٢٩] أي: مع عبادي، فتحمل على هذا تصحيحا لكلامه.

стр. 5667

(وَلَوْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ مِنْ دِرْهَمٍ إِلَى عَشَرَةٍ، أَوْ قَالَ: مَا بَيْنَ دِرْهَمٍ إِلَى عَشَرَةٍ، لَزِمَهُ تِسْعَةٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، فَيَلْزَمُهُ الِابْتِدَاءُ وَمَا بَعْدَهُ، وَتَسْقُطُ الغَايَةُ، وَقَالَا: يَلْزَمُهُ العَشَرَةُ كُلُّهَا) (*) فَتَدْخُلُ الغَايَتَانِ. وَقَالَ زُفَرٌ: يَلْزَمُهُ ثَمَانِيَةٌ وَلَا تَدْخُلُ الغَايَتَانِ. (وَلَوْ قَالَ: لَهُ مِنْ دَارِي مَا بَيْنَ هَذَا الحَائِطِ إِلَى هَذَا الحَائِطِ، فَلَهُ مَا بَيْنَهُمَا، وَلَيْسَ لَهُ مِنْ الحَائِطَيْنِ شَيْءٌ) وَقَدْ مَرَّتْ الدَّلَائِلُ فِي الطَّلَاقِ. فَصْلٌ: [وَمَنْ قَالَ لِحَمْلِ فُلَانَةَ عَلَيَّ أَلْفُ دِرْهَمٍ] قَالَ: (وَمَنْ قَالَ: لِحَمْلِ فُلَانَةٍ عَلَيَّ أَلْفُ دِرْهَمٍ، فَإِنْ قَالَ: أَوْصَى لَهُ فُلَانٌ، أَوْ وقلنا: (في) للظرف حقيقة، والدراهم لا تكون ظرفًا، واستعماله في غير الظرف مجاز، والمجاز قد يكون بمعنى (مع) كما ذكر، وقد يكون بمعنى (على) قال تعالى: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه: ٧١] أي: على جذوع النخل، وليس أحدهما من الآخر، فيلزمه خمسة، فتأول كلامه ولغي آخره، وهو قوله: في خمسة، أما إذا قال: أردت مع خمسة تلزمه العشرة بلا خلاف؛ لتعين أحد المجازين بالنية، وبه قال الشافعي وأحمد، ولم يذكر في الكتاب ولا في المبسوط أنه لو أراد نفي معنى على ما حكمه عندنا، ولكن ذكر في الذخيرة: يلزمه عشرة، كما لو نوى الضرب، وبه قال الشافعي ومالك. قوله: (لزمه تسعة عند أبي حنيفة) وبه قال الشافعي في قول، ومالك في رواية، وأحمد في وجه. وقال أبو يوسف ومحمد: يلزمه العشرة، وبه قال الشافعي في قول، ومالك في رواية، وأحمد في وجه. وقال زفر: يلزمه ثمانية، وبه قال الشافعي في قول، وأحمد في وجه، ومالك في رواية. في قوله: مائتين درهم إلى عشرة، وقد مرَّت المسائل والدلائل في الطلاق. فَصْلٌ: [وَمَنْ قَالَ لِحَمْلِ فُلَانَةَ عَلَيَّ أَلْفُ دِرْهَمٍ] لما تغيرت مسائل الحمل ذكرها بفصل على حدة، إلا أنه ألحق مسائل الخيار بها اتباعًا للمبسوط، ولو أقر لحمل بمال وبين سببًا صالحًا صح الإقرار،

стр. 5668

مَاتَ أَبُوهُ فَوَرِثَهُ، فَالإِقْرَارُ صَحِيحٌ) لِأَنَّهُ أَقَرَّ بِسَبَبٍ صَالِحٍ لِثُبُوتِ المِلْكِ لَهُ ثُمَّ إِذَا جَاءَتْ حَيًّا بِهِ فِي مُدَّةٍ يُعْلَمُ أَنَّهُ كَانَ قَائِمًا وَقْتَ الإِقْرَارِ لَزِمَهُ، فَإِنْ جَاءَتْ بِهِ مَيِّتًا فَالمَالُ لِلْمُوصِي وَالمُوَرِّثِ حَتَّى يُقْسَمُ بَيْنَ وَرَثَتِهِ لِأَنَّهُ إِقْرَارُ فِي الحَقِيقَةِ لَهُمَا، وَإِنَّمَا يَنْتَقِلُ إِلَى الجَنِينِ بَعْدَ الوِلَادَةِ وَلَمْ يَنْتَقِلْ (وَلَوْ جَاءَتْ بِوَلَدَيْنِ حَيَّيْنِ: فَالْمَالُ بَيْنَهُمَا، وَلَوْ قَالَ المُقِرُّ: بَاعَنِي، أَوْ أَقْرَضَنِي: لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ) لِأَنَّهُ بَيَّنَ مُسْتَحِيلًا. قَالَ: (وَإِنْ أُبْهِمَ الإِقْرَارُ، لَمْ يَصِحَ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ: يَصِحُ) (*) وإلا لا، ولا نعلم فيه خلافًا. ثم إذا جاء من وقت الإقرار في مدة نعلم أنه كان قائما وقت الإقرار؛ كان المقر به له وذلك بطريقين: أحدهما حقيقي، بأن وضعته لأقل من ستة أشهر من وقت الإقرار، والثاني حكمي، بأن وضعته لأكثر من ستة أشهر؛ لكن المرأة تعتد فتثبت نسبته لأقل من سنتين، ولو لم تكن معتدة وجاءت به لأكثر من ستة أشهر لم تستحق شيئًا. قوله: (فالمال بينهما) أي: إن كانا ذكرين أو أنثيين، وإن كان أحدهما ذكرًا والآخر أنثى ففي الوصية بينهما نصفين، وفي الميراث ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١١] وإن كان الولد ميتًا فالمال للموصي وللمورث يقسم بين ورثته، وبه قال الشافعي وأحمد. وقال مالك: يبطل إقراره لعدم مستحقه. قوله: (لأنه بين مستحيلا) إذ البيع والإقراض لا يتصور حقيقة من الجنين، وهو ظاهر، وكذا حكمًا؛ لأنه لا ولاية لأحدٍ على الجنين، حتى يصير تصرفه كتصرفه، فصار كلامه لغوا، فلا يلزمه شيء. فإن قيل: بيان السبب يكون رجوعًا عن الإقرار حينئذ، والرجوع عن الإقرار لا يصح وإن كان موصولًا. قلنا: بل هو بيان سبب محتمل، ولا رجوع؛ إذ قد يشتبه على الجاهل فيظن أن الولاية تثبت على الجنين، كالولد المنفصل ويبين سببه على ظنه، فكان كلامه بيانًا لا رجوعًا، فيقبل. كذا في المبسوط (١).

стр. 5669

لِأَنَّ الإِقْرَارَ مِنْ الحُجَجِ، فَيَجِبُ إِعْمَالُهُ وَقَدْ أَمْكَنَ بِالحَمْلِ عَلَى السَّبَبِ الصَّالِحِ. وَلِأَبِي يُوسُفَ: أَنَّ الإِقْرَارَ مُطْلَقُهُ يَنْصَرِفُ إِلَى الإِقْرَارِ بِسَبَبِ التِّجَارَةِ، وَلِهَذَا: حُمِلَ إقْرَارُ العَبْدِ المَأْذُونِ لَهُ وَأَحَدِ المُتَفَاوِضِينَ عَلَيْهِ، فَيَصِيرُ كَمَا إِذَا صَرَّحَ بِهِ. قَالَ: (وَمَنْ أَقَرَّ بِحَمْلِ جَارِيَةٍ، أَوْ حَمْلِ شَاةٍ لِرَجُلٍ، صَحَّ إِقْرَارُهُ وَلَزِمَهُ) لِأَنَّ لَهُ وَجْهَا صَحِيحًا، وَهُوَ الوَصِيَّةُ بِهِ مِنْ جِهَةِ غَيْرِهِ فَحُمِلَ عَلَيْهِ. قوله: (وإن أبهم الإقرار) أي: لم يبين السبب (لم يصح عند أبي يوسف) وقيل: أبو حنيفة معه، وبه قال الشافعي في قول. وقال محمد: يصح، وبه قال الشافعي في الأصح وأحمد ومالك؛ لأن هذا إقرار صدر من أهله، فيجب إعماله فيحمل على السبب الصالح؛ تصحيحًا لكلام العاقل، وإعمالا للإقرار الذي هو من الحجج. ولأبي يوسف وجهان: أحدهما: أن الإقرار المطلق ينصرف إلى الإقرار بسبب التجارة، فصار كأنه فسره به، كما (حمل إقرار العبد المأذون وأحد المتفاوضين عليه) أي: على الإقرار بسبب التجارة، ولا يحمل إقرارهما على دين المهر وأرش الجناية حتى لا يؤاخذ العبد في حال رقه، ولا يؤاخذ الشريك الآخر أبدًا. كذا في المبسوط. والثاني: ما ذكره في الذخيرة، وهو أن إقراره احتمل الجواز والفساد كما قاله محمد، إلا أن حمله على الجواز متعذر؛ لأن الجواز له وجهان: الوصية والميراث، والجمع بينهما متعذر، وليس أحدهما أولى من الآخر فيحكم بالفساد؛ كمن اشترى عبدًا بألف درهم وقبضه قبل نقد الثمن، ثم باعه المشتري بعبد آخر من البائع بألف وخمسمائة وقيمتهما على السواء؛ كان البيع في المشترى فاسدًا، وإن احتمل الجواز؛ لأن للجواز جهتين بأن يصرف إليه مثل الثمن أو أكثر، والجمع بينهما متعذر، وليس أحدهما أولى من الآخر، فتعذر الحمل على الجواز، فحكم بالفساد. قوله: (لأن له) أي: لهذا الإقرار (وجهًا صحيحًا) بأن أوصى رجل بالحمل لآخر ومات، فأقر وارثه بأن هذا الحمل لفلان، ولا وجه لتصحيح غيره، فتعين طريق التصحيح فيصح. وقال الشافعي: إن أطلق لا يصح في قول. نقله المزني

стр. 5670

قَالَ: (وَمَنْ أَقَرَّ بِشَرْطِ الخِيَارِ بَطَلَ الشَّرْطُ) لِأَنَّ الخِيَارَ لِلْفَسْحِ، وَالإِخْبَارُ لَا يَحْتَمِلُهُ (وَلَزِمَهُ المَالُ) لِوُجُودِ الصِّيغَةِ المُلْزِمَةِ، وَلَمْ تَنْعَدِمْ بِهَذَا الشَّرْطِ البَاطِلِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. بَابُ الْاسْتِثْنَاءِ وَمَا فِي مَعْنَاهُ قَالَ: (وَمَنْ اسْتَثْنَى مُتَّصِلًا بِإِقْرَارِهِ: صَلَّ الِاسْتِثْنَاءُ، وَلَزِمَهُ البَاقِي) لِأَنَّ عنه، وفي قول: يصح، وهو الأصح، وبه قال أحمد ومالك إن تيقن بوجوده عند الإقرار. قوله: (ومن أقر بشرط الخيار)، صورته: إن أقر لرجل بدين من قرض أو غصب أو وديعة أو عارية قائمة أو مستهلكة على أنه بالخيار ثلاثة أيام - فالإقرار جائز؛ لوجود الصيغة الملزمة وبطل الخيار؛ لأن الإقرار إخبار، لا مدخل للخيار في الإخبار؛ لأن الخبر إن كان صادقًا فهو واجب العمل به اختاره أو لم يختره، وإن كان كذبًا فهو واجب الرد فلا يتغير باختياره وعدمه، وإنما تأثير اشتراط الخيار في العقود ليتخير من له الخيار بين فسخه وإمضائه، ولا نعلم فيه خلافًا؛ لأن الخيار في معنى التعليق بالشرط فيما دخل عليه، وهو حكم العقد، والإقرار لا يحتمل التعليق بالشرط، فكذا لا يحتمل الخيار. أما لو أقر بدين من ثمن بيع على أن فيه بالخيار؛ فإن هناك ثبت الخيار إذا صدقه صاحبه؛ لأن سببه يقبل الخيار، وإن كذبه صاحبه لم يثبت الخيار؛ لأن مطلق البيع اللزوم، والخيار أمر عارض، فلا يثبت إلا بحجة. ولو أقرّ بدين من كفالة على شرط الخيار مدة معلومة طويلة أو قصيرة، فإن صدقه المقر فهو كما قال، والخيار ثابت له إلى آخر المدة؛ لأن الكفالة عقد يصح اشتراط الخيار فيه، فيجعل ما تصادقا كالمعاين في حقهما. كذا في المبسوط (١). بَابُ الِاسْتِثْنَاءِ وَمَا فِي مَعْنَاهُ لما ذكر حكم الإقرار شرع في بيان ما تغير به موجبه، وهو الاستثناء.

стр. 5671

الاسْتِثْنَاءَ مَعَ الجُمْلَةِ عِبَارَةٌ عَنْ البَاقِي وَلَكِنْ لَا بُدَّ مِنْ الاتِّصَالِ، وَسَوَاءٌ اسْتَثْنَى الأَقَلَّ أَوْ الأَكْثَرَ، فَإِنْ اسْتَثْنَى الجَمِيعَ، لَزِمَهُ الإِقْرَارُ وَبَطَلَ الِاسْتِثْنَاءُ لِأَنَّهُ تَكَلَّمَ بِالحَاصِلِ بَعْدَ الثَّنِيَّا وَلَا حَاصِلَ بَعْدَهُ فَيَكُونُ رُجُوعًا، وَقَدْ مَرَّ الوَجْهُ فِي الطَّلَاقِ. قوله: (لا بدَّ من الاتصال) وهو قول الأئمة الأربعة، وفيه خلاف بعض العلماء، وقد بين في الأصول مع دلائله. وعن عبد الملك المالكي: لا يصح الاستثناء، وقد مر في الطلاق في فصل الاستثناء، ونقل عن مالك أنه لا يصح الاستثناء في الإقرار، ونقل عنه أنه لا يصحح استثناء الآحاد من العشرات، ولا المئين من الألوف؛ بل يصحح استثناء الآحاد والعشرات من المئين والألوف. هكذا نقله في تتمة أصحاب الشافعي. واستثناء الأقل والأكثر يجوز. وقال الفراء: لا يجوز استثناء الأكثر من الأقل، وعن أحمد مثله. وفي الكافي: وعن أبي يوسف ومالك مثله. وفي الحلية: وبه قال ابن درستويه النحوي، وأحمد، ولكن ما ذكره في الكافي من قول مالك لم يكن مشهورًا عند أصحابه ولهم: أن العرب لم تتكلم به. وقلنا: هو تكلم بالباقي أو إخراج، وذا لا يتفاوت بين الأقل والأكثر، وقد مر في الطلاق. واستثناء الكل من الكل لا يجوز بلا خلاف، وذكر المصنف في زياداته: هذا إذا استثنى بعين ذلك اللفظ، بأن قال: نسائي طوالق إلا نسائي، أما لو قال: نسائي طوالق إلا عمرة وزينب وفاطمة، حتى لو أتى على الكل، وكذا إذا قال: نسائي طوالق إلا هو لا يصح الاستثناء ولم تطلق واحدة منهن، وذلك لأن الاستثناء تصرف في اللفظ، فينبني على صحة اللفظ لا على صحة الحكم؛ ألا ترى أنه إذا قال لامرأته: أنت طالق ست تطليقات إلا أربعا يصح الاستثناء حتى [تقع] (١) تطليقتان، وإن كان السبب لا صحة له من حيث الحكم، وهذا لأنه لما أخرج كل فرد فقد أخرج بعض ما يتناوله وإن أتى على الكل.

стр. 5672

(وَلوْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ مِائَةُ دِرْهَمٍ إِلَّا دِينَارًا أَوْ إِلَّا قَفِيزَ حِنْطَةٍ، لَزِمَهُ مِائَةُ دِرْهَمٍ إِلَّا قِيمَةَ الدِّينَارِ أَوِ القَفِيزِ) وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ (وَلوْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ مِائَةُ دِرْهَمٍ إِلَّا ثَوْبًا: لَمْ يَصِحَّ الِاسْتِثْنَاءُ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ: لَا يَصِحُّ فِيهِمَا) (*) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يَصِحُّ فِيهِمَا. وَلِمُحَمَّدٍ: أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مَا لَوْلَاهُ لَدَخَلَ تَحْتَ اللَّفْظِ، وَهَذَا لَا يَتَحَقَّقُ فِي خِلَافِ الجِنْسِ. وَلِلشَّافِعِيِّ: أَنَّهُمَا اتَّحَدَا جِنْسًا مِنْ حَيْثُ المَالِيَّةُ. قوله: (إلا قيمة الدينار أو القفيز) وكذا لو قال: إلا فلسا أو شيئا، أو استثنى مكيلا أو موزونا أو معدودا فهو على هذا الخلاف. (وقال محمد: لا يصح فيهما) أي: في المقدرات وغيره، وبه قال زفر وأحمد. وقال الشافعي: يصح فيهما، وبه قال مالك، ويبين قيمة الثوب فإن استغرقت المائة بطل الاستثناء في قول، وبه قال مالك. وفي قول: يلغو تفسيره، ويجب أن يبين ثوبا لا تستغرق قيمته المائة. قوله: (أن الاستثناء ما لولاه) إلى آخره، يعني الاستثناء تصرف في اللفظ، وهو إخراج بعض ما يتناوله صدر الكلام على معنى أنه لولا الاستثناء لكان داخلا تحت الصدر، وهذا لا يتصور في خلاف الجنس. وإطلاق الاستثناء على المنقطع بطريق المجاز، والكلام مع الشافعي بناء على الاختلاف في كيفية عمل الاستثناء، فعنده عمله بطريق المعارضة، كدليل الخصوص في العام، كما بين في الأصول، والعمل بالدليل المعارض واجب بحسب الإمكان، وقد أمكن هاهنا المجانسة، وإذا كان كذلك لا يصح استثناء الثوب ونحوه؛ لأن صدر الكلام لم يتناوله، فلم يكن استثناء بل كلاما مبتدأ؛ لبيان أنه ليس عليه شيء من الثوب، وعدم وجوب الثوب عليه لا ينافي وجوب الألف عليه، والقياس كذلك فيما إذا استثنى مكيلا أو موزونا أو معدودا من خلاف جنسه؛ لأن الصدر لم يتناوله، ولكن استحسن أبو حنيفة وأبو يوسف وقالا: المقدرات جنس واحد معنى وإن كانت أجناسا صورة؛ لأنها

стр. 5673

وَلَهُمَا: أَنَّ المُجَانَسَةَ فِي الأَوَّلِ ثَابِتَةٌ مِنْ حَيْثُ الثَّمَنِيَّةُ، وَهَذَا فِي الدِّينَارِ ظَاهِرُ. وَالمَكِيلُ وَالمَوْزُونُ أَوْصَافُهَا أَثْمَانٌ؛ أَمَّا الثَّوْبُ فَلَيْسَ بِثَمَنٍ أَصْلًا، وَلِهَذَا لَا يَجِبُ بِمُطْلَقِ عَقْدِ المُعَاوَضَةِ، وَمَا يَكُونُ ثَمَنًا صَلَحَ مُقَدِّرًا بِالدَّرَاهِمِ فَصَارَ مُسْتَثْنَى مِنْ تثبت في الذمة ثمنًا، أما الدينار فظاهر، وكذا غيره؛ لأن الكيلي والوزني مبيع بأعيانهما، ثمن بأوصافهما، حتى لو عينا تعلق العقد بأعيانهما، ولو وصفا ولم يعينا صار حكمهما حكم الدينار؛ ولهذا يستوي الجيد والرديء فيهما، فكانت في حكم الثبوت في الذمة كجنس واحد معنى. والاستثناء استخراج وتكلم بالباقي معنى لا صورةً؛ لأنه تكلم بألف صورة، والعدديات المتقاربات كالمقدرات في ذلك، أما الثوب والشاة ونحوهما فليس من جنس المقدرات معنًى؛ لأنه لم يصلح ثمنًا، فلم يكن استثناؤه استخراجًا صورةً ولا معنى، فكان باطلا. فإن قيل: إن قامت المماثلة من حيث الثمنية فقد بقيت من حيث المالية، فلم لا يصح الاستخراج باعتبارها؟ قلنا: الأثمان مقدرة لمالية الأشياء؛ لأنها مقدرة فيصلح أن تكون مقدرة للدراهم المستثناة، فكأنه ذكر المقدر وترك المقدر لدلالة المقدر على المقدر، فكان استثناء الدراهم من الدراهم معنى، وما لا يصلح ثمنا لا يكون من المقدرات، فلا يصلح مقدر الدراهم المستثناة؛ لافتقار المقدر إلى كونه مقدرًا، فبقي المستثنى من الدراهم مجهولا، فلا يصح الاستثناء؛ لأنه استخرج معنى، ولم يصح الاستخراج معنى، فبطل. قوله: (أوصافهما أثمان) أي: كونهما أثمانًا وواجبا في الذمة إنما كان بسبب الوصف، كالحنطة الربيعية والخريفية لا بسبب الذات والعينية، حتى لو عينهما يتعلق العقد بعينهما، فيكون بيع مقابضة ولا يجب في الذمة، بخلاف الدراهم والدنانير، فإنهما أثمان وواجبة في الذمة عينت أو لا. قوله: (ولهذا لا يجب بمطلق عقد المعاوضة) احترز به عن السلم، فإنه يجب في السلم.

стр. 5674

الدَّرَاهِمِ، وَمَا لَا يَكُونُ ثَمَنًا لَا يَصْلُحُ مُقَدِّرًا، فَبَقِيَ المُسْتَثْنَى مِنْ الدَّرَاهِمِ مَجْهُولًا فَلَا يَصِحُّ. قَالَ: (وَمَنْ أَقَرَّ بِحَقِّ وَقَالَ: «إِنْ شَاءَ اللَّهُ» مُتَّصِلًا) بِإِقْرَارِهِ (لَمْ يَلْزَمُهُ الإِقْرَارُ) قوله: (يصلح مُقدّرًا) بكسر الدال، على صيغة الفاعل. قوله: (فبقي الاستثناء من الدراهم مجهولا) وفي بعض النسخ: (فبقي المستثنى من الدراهم مجهولا فلا يصح) أي: الاستثناء، فيجبر على البيان، ولا يمنع به صحة الإقرار؛ لصحته بجهالة المقر به، ولكن جهالة المستثنى تمنع صحة الاستثناء؛ لأن جهالة المستثنى تورث جهالة في المستثنى منه، فبقي المقر به مجهولا. وفي الذخيرة: إذا صح الاستثناء يُطرح قدر قيمة المستثنى عن المقر، وإن كان قيمة المستثنى تستغرق ما أقر به لا يلزمه شيء، ثم ما ذكر أن جهالة المستثنى تلزم جهالة المقر به مخالف لما ذكر في الذخيرة محالًا إلى المنتقى، قال أبو حنيفة: لو قال: لفلان علي مائة درهم إلا قليلًا؛ فعليه أحد وخمسون درهما، وكذا في نظائرها، نحو قوله: إلا شيئًا؛ لأن استثناء الشيء استثناء الأقل عرفًا، فأوجبنا النصف وزيادة درهم، فقد استثنى الأقل. وعن أبي يوسف: لو قال: علي عشرة إلا بعضها؛ فعليه أكثر من النصف، ولو قال: لفلان عليَّ ألف إلا مائة أو خمسين، فقال أبو سليمان: عليه تسعمائة وخمسون؛ لأنه ذكر كلمة الشك في الاستثناء، فيثبت أقلهما، كما لو ذكر كلمة الشك في الإقرار بين الشيئين فإنه يثبت أقلهما، فكذا هذا، وفي رواية أبي حفص تلزمه تسعمائة؛ لأن الشك في الاستثناء يوجب الشك في الإقرار، فكأنه قال: علي تسعمائة وخمسون فيثبت الأقل، قالوا: والأول أصح؛ لأن الشك حصل في الاستثناء ظاهرًا. وعند الشافعي ومالك يصح استثناء المجهول كما يصح الإقرار بالمجهول، وبه قال أحمد في رواية، ويبين المجهول كما في الإقرار، وإذا بينه وقيمته أكثر من المستثنى منه لا يصح الاستثناء، كما في استثناء الثوب الذي قيمته أكبر من المستثنى منه. قوله: (ومن أقر) بشيء إلى قوله: (إن شاء الله) إلى آخره.

стр. 5675

لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ: إِمَّا إِبْطَالُ أَوْ تَعْلِيقٌ؛ فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلَ: فَقَدْ بَطَلَ، وَإِنْ كَانَ الثَّانِيَ: فَكَذَلِكَ، إِمَّا لِأَنَّ الإِقْرَارَ لَا يَحْتَمِلُ التَّعْلِيقَ بِالشَّرْطِ، أَوْ لِأَنَّهُ شَرْطٌ لَا يُوقَفُ عَلَيْهِ كَمَا ذَكَرْنَا فِي الطَّلَاقِ، بِخِلَافِ مَا إِذَا قَالَ: لِفُلَانٍ عَلَيَّ مِائَةُ دِرْهَمٍ إِذَا في المبسوط (١): هذا الاستثناء باطل في القياس؛ لأن ذكره بمنزلة ذكر الشرط، وذلك إنما يصح في الإنشاءات لا الإخبارات. وفي الاستحسان: الاستثناء مخرج للكلام عن كونه عزيمة مثبتًا لشيء، لا أن يكون في معنى الشرط، قال تعالى: ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا﴾ [الكهف: ٦٩] ولم يصبر، ولم يعاقب على ذلك، والوعد من الأنبياء كالعهد من غيرهم، فدل أن الاستثناء مخرج للكلام عن كونه عزيمة، قال ﵇: «مَنْ اسْتَثْنَى فَلَهُ ثُنْيَاهُ» (٢) والإقرار لا يكون ملزمًا إلا بكلام هو عزيمة، فإذا كان مُغيّرًا بشرط وَصَلَه؛ إذ المفصول بمنزلة النسخ والتبديل، والمقر لا يملك ذلك في إقراره، وهذا بخلاف الرجوع عن الإقرار، حيث لا يصح وإن كان موصولا؛ لأن رجوعه نفي لما أثبته، فكان تناقضا منه والمتناقض لا يصح موصولًا ومفصولًا، أما هذا فبيان تعبير، فيصح موصولا لا مفصولاً، بمنزلة التعليق بالشرط. قوله: (إما إبطال أو تعليق) وإنما ردد بين هذين اللفظين؛ لما أن في الاستثناء بمشيئة الله تعالى اختلافًا، فقال محمد: إبطال، وقال أبو يوسف: تعليق، وقيل: الاختلاف على العكس، وقد ذكرنا اختلاف العلماء فيه مع فروعه في فصل الاستثناء في الطلاق. قوله: (لأن الإقرار لا يحتمل التعليق)؛ لأنه إخبار، والإخبار لا يحتمل التعليق؛ لأن الخبر إن كان صادقًا لا يصير كذبًا بفوات الشرط، وإن كان كذبًا لا يصير صدقًا بوجود الشرط، فلا يليق التعليق به أصلا، وإنما يليق التعليق بالإيجاب؛ ليتبين بالتعليق أنه ليس بإيقاع. كذا في المبسوط. (كما ذكرنا في الطلاق) أي: في فصل الاستثناء.
следующие страницы →