الاسْتِثْنَاءَ مَعَ الجُمْلَةِ عِبَارَةٌ عَنْ البَاقِي وَلَكِنْ لَا بُدَّ مِنْ الاتِّصَالِ، وَسَوَاءٌ اسْتَثْنَى الأَقَلَّ أَوْ الأَكْثَرَ، فَإِنْ اسْتَثْنَى الجَمِيعَ، لَزِمَهُ الإِقْرَارُ وَبَطَلَ الِاسْتِثْنَاءُ لِأَنَّهُ تَكَلَّمَ بِالحَاصِلِ بَعْدَ الثَّنِيَّا وَلَا حَاصِلَ بَعْدَهُ فَيَكُونُ رُجُوعًا، وَقَدْ مَرَّ الوَجْهُ فِي الطَّلَاقِ.
قوله: (لا بدَّ من الاتصال) وهو قول الأئمة الأربعة، وفيه خلاف بعض العلماء، وقد بين في الأصول مع دلائله.
وعن عبد الملك المالكي: لا يصح الاستثناء، وقد مر في الطلاق في فصل الاستثناء، ونقل عن مالك أنه لا يصح الاستثناء في الإقرار، ونقل عنه أنه لا يصحح استثناء الآحاد من العشرات، ولا المئين من الألوف؛ بل يصحح استثناء الآحاد والعشرات من المئين والألوف. هكذا نقله في تتمة أصحاب الشافعي.
واستثناء الأقل والأكثر يجوز. وقال الفراء: لا يجوز استثناء الأكثر من الأقل، وعن أحمد مثله.
وفي الكافي: وعن أبي يوسف ومالك مثله.
وفي الحلية: وبه قال ابن درستويه النحوي، وأحمد، ولكن ما ذكره في الكافي من قول مالك لم يكن مشهورًا عند أصحابه ولهم: أن العرب لم تتكلم به.
وقلنا: هو تكلم بالباقي أو إخراج، وذا لا يتفاوت بين الأقل والأكثر، وقد مر في الطلاق.
واستثناء الكل من الكل لا يجوز بلا خلاف، وذكر المصنف في زياداته: هذا إذا استثنى بعين ذلك اللفظ، بأن قال: نسائي طوالق إلا نسائي، أما لو قال: نسائي طوالق إلا عمرة وزينب وفاطمة، حتى لو أتى على الكل، وكذا إذا قال: نسائي طوالق إلا هو لا يصح الاستثناء ولم تطلق واحدة منهن، وذلك لأن الاستثناء تصرف في اللفظ، فينبني على صحة اللفظ لا على صحة الحكم؛ ألا ترى أنه إذا قال لامرأته: أنت طالق ست تطليقات إلا أربعا يصح الاستثناء حتى [تقع] (١) تطليقتان، وإن كان السبب لا صحة له من حيث الحكم، وهذا لأنه لما أخرج كل فرد فقد أخرج بعض ما يتناوله وإن أتى على الكل.
стр. 5672
(وَلوْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ مِائَةُ دِرْهَمٍ إِلَّا دِينَارًا أَوْ إِلَّا قَفِيزَ حِنْطَةٍ، لَزِمَهُ مِائَةُ دِرْهَمٍ إِلَّا قِيمَةَ الدِّينَارِ أَوِ القَفِيزِ) وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ (وَلوْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ مِائَةُ دِرْهَمٍ إِلَّا ثَوْبًا: لَمْ يَصِحَّ الِاسْتِثْنَاءُ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ: لَا يَصِحُّ فِيهِمَا) (*) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يَصِحُّ فِيهِمَا. وَلِمُحَمَّدٍ: أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مَا لَوْلَاهُ لَدَخَلَ تَحْتَ اللَّفْظِ، وَهَذَا لَا يَتَحَقَّقُ فِي خِلَافِ الجِنْسِ. وَلِلشَّافِعِيِّ: أَنَّهُمَا اتَّحَدَا جِنْسًا مِنْ حَيْثُ المَالِيَّةُ.
قوله: (إلا قيمة الدينار أو القفيز) وكذا لو قال: إلا فلسا أو شيئا، أو استثنى مكيلا أو موزونا أو معدودا فهو على هذا الخلاف.
(وقال محمد: لا يصح فيهما) أي: في المقدرات وغيره، وبه قال زفر وأحمد.
وقال الشافعي: يصح فيهما، وبه قال مالك، ويبين قيمة الثوب فإن استغرقت المائة بطل الاستثناء في قول، وبه قال مالك. وفي قول: يلغو تفسيره، ويجب أن يبين ثوبا لا تستغرق قيمته المائة.
قوله: (أن الاستثناء ما لولاه) إلى آخره، يعني الاستثناء تصرف في اللفظ، وهو إخراج بعض ما يتناوله صدر الكلام على معنى أنه لولا الاستثناء لكان داخلا تحت الصدر، وهذا لا يتصور في خلاف الجنس.
وإطلاق الاستثناء على المنقطع بطريق المجاز، والكلام مع الشافعي بناء على الاختلاف في كيفية عمل الاستثناء، فعنده عمله بطريق المعارضة، كدليل الخصوص في العام، كما بين في الأصول، والعمل بالدليل المعارض واجب بحسب الإمكان، وقد أمكن هاهنا المجانسة، وإذا كان كذلك لا يصح استثناء الثوب ونحوه؛ لأن صدر الكلام لم يتناوله، فلم يكن استثناء بل كلاما مبتدأ؛ لبيان أنه ليس عليه شيء من الثوب، وعدم وجوب الثوب عليه لا ينافي وجوب الألف عليه، والقياس كذلك فيما إذا استثنى مكيلا أو موزونا أو معدودا من خلاف جنسه؛ لأن الصدر لم يتناوله، ولكن استحسن أبو حنيفة وأبو يوسف وقالا: المقدرات جنس واحد معنى وإن كانت أجناسا صورة؛ لأنها
стр. 5673
وَلَهُمَا: أَنَّ المُجَانَسَةَ فِي الأَوَّلِ ثَابِتَةٌ مِنْ حَيْثُ الثَّمَنِيَّةُ، وَهَذَا فِي الدِّينَارِ ظَاهِرُ. وَالمَكِيلُ وَالمَوْزُونُ أَوْصَافُهَا أَثْمَانٌ؛ أَمَّا الثَّوْبُ فَلَيْسَ بِثَمَنٍ أَصْلًا، وَلِهَذَا لَا يَجِبُ بِمُطْلَقِ عَقْدِ المُعَاوَضَةِ، وَمَا يَكُونُ ثَمَنًا صَلَحَ مُقَدِّرًا بِالدَّرَاهِمِ فَصَارَ مُسْتَثْنَى مِنْ
تثبت في الذمة ثمنًا، أما الدينار فظاهر، وكذا غيره؛ لأن الكيلي والوزني مبيع بأعيانهما، ثمن بأوصافهما، حتى لو عينا تعلق العقد بأعيانهما، ولو وصفا ولم يعينا صار حكمهما حكم الدينار؛ ولهذا يستوي الجيد والرديء فيهما، فكانت في حكم الثبوت في الذمة كجنس واحد معنى.
والاستثناء استخراج وتكلم بالباقي معنى لا صورةً؛ لأنه تكلم بألف صورة، والعدديات المتقاربات كالمقدرات في ذلك، أما الثوب والشاة ونحوهما فليس من جنس المقدرات معنًى؛ لأنه لم يصلح ثمنًا، فلم يكن استثناؤه استخراجًا صورةً ولا معنى، فكان باطلا.
فإن قيل: إن قامت المماثلة من حيث الثمنية فقد بقيت من حيث المالية، فلم لا يصح الاستخراج باعتبارها؟
قلنا: الأثمان مقدرة لمالية الأشياء؛ لأنها مقدرة فيصلح أن تكون مقدرة للدراهم المستثناة، فكأنه ذكر المقدر وترك المقدر لدلالة المقدر على المقدر، فكان استثناء الدراهم من الدراهم معنى، وما لا يصلح ثمنا لا يكون من المقدرات، فلا يصلح مقدر الدراهم المستثناة؛ لافتقار المقدر إلى كونه مقدرًا، فبقي المستثنى من الدراهم مجهولا، فلا يصح الاستثناء؛ لأنه استخرج معنى، ولم يصح الاستخراج معنى، فبطل.
قوله: (أوصافهما أثمان) أي: كونهما أثمانًا وواجبا في الذمة إنما كان بسبب الوصف، كالحنطة الربيعية والخريفية لا بسبب الذات والعينية، حتى لو عينهما يتعلق العقد بعينهما، فيكون بيع مقابضة ولا يجب في الذمة، بخلاف الدراهم والدنانير، فإنهما أثمان وواجبة في الذمة عينت أو لا.
قوله: (ولهذا لا يجب بمطلق عقد المعاوضة) احترز به عن السلم، فإنه يجب في السلم.
стр. 5674
الدَّرَاهِمِ، وَمَا لَا يَكُونُ ثَمَنًا لَا يَصْلُحُ مُقَدِّرًا، فَبَقِيَ المُسْتَثْنَى مِنْ الدَّرَاهِمِ مَجْهُولًا فَلَا يَصِحُّ.
قَالَ: (وَمَنْ أَقَرَّ بِحَقِّ وَقَالَ: «إِنْ شَاءَ اللَّهُ» مُتَّصِلًا) بِإِقْرَارِهِ (لَمْ يَلْزَمُهُ الإِقْرَارُ)
قوله: (يصلح مُقدّرًا) بكسر الدال، على صيغة الفاعل.
قوله: (فبقي الاستثناء من الدراهم مجهولا) وفي بعض النسخ: (فبقي المستثنى من الدراهم مجهولا فلا يصح) أي: الاستثناء، فيجبر على البيان، ولا يمنع به صحة الإقرار؛ لصحته بجهالة المقر به، ولكن جهالة المستثنى تمنع صحة الاستثناء؛ لأن جهالة المستثنى تورث جهالة في المستثنى منه، فبقي المقر به مجهولا.
وفي الذخيرة: إذا صح الاستثناء يُطرح قدر قيمة المستثنى عن المقر، وإن كان قيمة المستثنى تستغرق ما أقر به لا يلزمه شيء، ثم ما ذكر أن جهالة المستثنى تلزم جهالة المقر به مخالف لما ذكر في الذخيرة محالًا إلى المنتقى، قال أبو حنيفة: لو قال: لفلان علي مائة درهم إلا قليلًا؛ فعليه أحد وخمسون درهما، وكذا في نظائرها، نحو قوله: إلا شيئًا؛ لأن استثناء الشيء استثناء الأقل عرفًا، فأوجبنا النصف وزيادة درهم، فقد استثنى الأقل.
وعن أبي يوسف: لو قال: علي عشرة إلا بعضها؛ فعليه أكثر من النصف، ولو قال: لفلان عليَّ ألف إلا مائة أو خمسين، فقال أبو سليمان: عليه تسعمائة وخمسون؛ لأنه ذكر كلمة الشك في الاستثناء، فيثبت أقلهما، كما لو ذكر كلمة الشك في الإقرار بين الشيئين فإنه يثبت أقلهما، فكذا هذا، وفي رواية أبي حفص تلزمه تسعمائة؛ لأن الشك في الاستثناء يوجب الشك في الإقرار، فكأنه قال: علي تسعمائة وخمسون فيثبت الأقل، قالوا: والأول أصح؛ لأن الشك حصل في الاستثناء ظاهرًا.
وعند الشافعي ومالك يصح استثناء المجهول كما يصح الإقرار بالمجهول، وبه قال أحمد في رواية، ويبين المجهول كما في الإقرار، وإذا بينه وقيمته أكثر من المستثنى منه لا يصح الاستثناء، كما في استثناء الثوب الذي قيمته أكبر من المستثنى منه.
قوله: (ومن أقر) بشيء إلى قوله: (إن شاء الله) إلى آخره.
стр. 5675
لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ: إِمَّا إِبْطَالُ أَوْ تَعْلِيقٌ؛ فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلَ: فَقَدْ بَطَلَ، وَإِنْ كَانَ الثَّانِيَ: فَكَذَلِكَ، إِمَّا لِأَنَّ الإِقْرَارَ لَا يَحْتَمِلُ التَّعْلِيقَ بِالشَّرْطِ، أَوْ لِأَنَّهُ شَرْطٌ لَا يُوقَفُ عَلَيْهِ كَمَا ذَكَرْنَا فِي الطَّلَاقِ، بِخِلَافِ مَا إِذَا قَالَ: لِفُلَانٍ عَلَيَّ مِائَةُ دِرْهَمٍ إِذَا
في المبسوط (١): هذا الاستثناء باطل في القياس؛ لأن ذكره بمنزلة ذكر الشرط، وذلك إنما يصح في الإنشاءات لا الإخبارات.
وفي الاستحسان: الاستثناء مخرج للكلام عن كونه عزيمة مثبتًا لشيء، لا أن يكون في معنى الشرط، قال تعالى: ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا﴾ [الكهف: ٦٩] ولم يصبر، ولم يعاقب على ذلك، والوعد من الأنبياء كالعهد من غيرهم، فدل أن الاستثناء مخرج للكلام عن كونه عزيمة، قال ﵇: «مَنْ اسْتَثْنَى فَلَهُ ثُنْيَاهُ» (٢) والإقرار لا يكون ملزمًا إلا بكلام هو عزيمة، فإذا كان مُغيّرًا بشرط وَصَلَه؛ إذ المفصول بمنزلة النسخ والتبديل، والمقر لا يملك ذلك في إقراره، وهذا بخلاف الرجوع عن الإقرار، حيث لا يصح وإن كان موصولا؛ لأن رجوعه نفي لما أثبته، فكان تناقضا منه والمتناقض لا يصح موصولًا ومفصولًا، أما هذا فبيان تعبير، فيصح موصولا لا مفصولاً، بمنزلة التعليق بالشرط.
قوله: (إما إبطال أو تعليق) وإنما ردد بين هذين اللفظين؛ لما أن في الاستثناء بمشيئة الله تعالى اختلافًا، فقال محمد: إبطال، وقال أبو يوسف: تعليق، وقيل: الاختلاف على العكس، وقد ذكرنا اختلاف العلماء فيه مع فروعه في فصل الاستثناء في الطلاق.
قوله: (لأن الإقرار لا يحتمل التعليق)؛ لأنه إخبار، والإخبار لا يحتمل التعليق؛ لأن الخبر إن كان صادقًا لا يصير كذبًا بفوات الشرط، وإن كان كذبًا لا يصير صدقًا بوجود الشرط، فلا يليق التعليق به أصلا، وإنما يليق التعليق بالإيجاب؛ ليتبين بالتعليق أنه ليس بإيقاع. كذا في المبسوط.
(كما ذكرنا في الطلاق) أي: في فصل الاستثناء.
стр. 5676
مِتُّ، أَوْ إِذَا جَاءَ رَأْسُ الشَّهْرِ أَوْ إِذَا أَفْطَرَ النَّاسُ، لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى بَيَانِ المُدَّةِ فَيَكُونُ تَأْجِيلًا لَا تَعْلِيمًا، حَتَّى لَوْ كَذَّبَهُ المُقَرُّ لَهُ فِي الأَجْلِ، يَكُونُ المَالُ حَالًا.
قَالَ: (وَمَنْ أَقَرَّ بِدَارٍ وَاسْتَثْنَى بِنَاءَهَا لِنَفْسِهِ، فَلِلْمُقَرِّ لَهُ الدَّارُ وَالبِنَاءُ) لِأَنَّ البِنَاءَ دَاخِلٌ فِي هَذَا الإِقْرَارِ مَعْنَى لَا لَفْظًا، وَالاسْتِثْنَاءُ تَصَرُّفٌ فِي المَلْفُوظِ، وَالفَصُّ فِي الخَاتَمِ، وَالنَّخْلَةُ فِي البُسْتَانِ نَظِيرُ البِنَاءِ فِي الدَّارِ، لِأَنَّهُ يَدْخُلُ فِيهِ تَبَعًا لَا لَفْظًا، بِخِلَافِ مَا إِذَا قَالَ: إِلَّا ثُلُثَهَا أَوْ إِلَّا بَيْتًا مِنهَا، لِأَنَّهُ دَاخِلٌ فِيهِ لَفْظًا وَلَوْ قَالَ: بِنَاءُ هَذَا الدَّارِ لِي، وَالعَرَصَةُ لِفُلَانٍ، فَهُوَ كَمَا قَالَ لِأَنَّ العَرْصَةَ عِبَارَةٌ عَنْ البُقْعَةِ دُونَ
قوله: (حتى لو كذبه يكون المال حالا)؛ لأن (إذا) للوقت، والوقت الذي ذكره آت لا محالة؛ إذ الموت ومجيء رأس الشهر ووقت الفطر آت لا محالة؛ ولهذا قالوا: المراد وقت الفطر لا حقيقة الفطر، ووقته آت لا محالة، حتى لو عت به حقيقة فعل الفطر ينبغي ألا يصح إقراره، وعند الشافعي يجب المال مؤجلا، وقد بيناه قبل.
قوله: (فللمقر له الدار والبناء)، وقالت الأئمة الثلاثة: يصح استثناء البناء والفص والنخلة من الدار والخاتم والبستان؛ لأنه أخرج ما تناوله اللفظ معنى، كما لو قال: إلا ثلثها أو ربعها أو بيتًا منها.
وفي شرح الوجيز في وجه لا يصح استثناء البناء والفص والنخلة من الدار والخاتم والبستان؛ لأن الاستثناء المعاد هو الاستثناء عن الأعداد المطلقة، فأما المعينات فالاستثناء منها غير معهود؛ لأنه إذا أقرَّ بالعين فقد نص على ثبوت الملك، فيكون الاستثناء بعده رجوعًا، فلا يصح، والأول ظاهر المذهب، وقد نص عليه في بعض الصور.
وقلنا: البناء والفص والنخلة يدخل تبعًا، والاستثناء إنما يكون مما تناوله الكلام نصا؛ لأنه إخراج ما لولاه لكان الكلام متناولا له، واستثناء التوابع لا يصح؛ لأنه يثبت الحكم فيه بالتبعية، والتبعية قائمة بعد الاستثناء، بخلاف ما لو قال: إلا ثلثها أو ربعها أو بيتا منها؛ لأنه دخل فيه لفظًا؛ إذ الدار تشمل البيت وغيره، وكذا ثلثها وربعها؛ ولهذا لو استحق البيت في بيع الدار تسقط حصته من الثمن. ذكره في الذخيرة، فهو كما قال، ولا خلاف فيه.
стр. 5677
البِنَاءِ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: بَيَاضُ هَذِهِ الأَرْضِ دُونَ البِنَاءِ لِفُلَانِ، بِخِلَافِ مَا إِذَا قَالَ: مَكَانُ العَرْصَةِ أَرْضًا، حَيْثُ يَكُونُ البِنَاءُ لِلْمُقَرِّ لَهُ: لِأَنَّ الإِقْرَارَ بِالْأَرْضِ إِقْرَارُ بِالبِنَاءِ كَالإِقْرَارِ بِالدَّارِ.
(وَلَوْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ أَلْفُ دِرْهَم مِنْ ثَمَنِ عَبْدِ اشْتَرَيْته مِنْهُ وَلَمْ أَقْبِضْهُ، فَإِنْ ذَكَرَ عَبْدًا بِعَيْنِهِ، قِيلَ لِلْمُقَرِّ لَهُ إِنْ شِئْتَ فَسَلِّمُ العَبْدَ وَخُذْ الأَلْفَ وَإِلَّا فَلَا شَيْءَ لَكَ) قَالَ: وَهَذَا عَلَى وُجُوهِ: أَحَدُهَا: هَذَا، وَهُوَ أَنْ يُصَدِّقَهُ وَيُسَلِّمَ العَبْدَ، وَجَوَابُهُ مَا ذُكِرَ، لِأَنَّ الثَّابِتَ بِتَصَادُقِهِمَا كَالثَّابِتِ مُعَايَنَةٌ.
وَالثَّانِي: أَنْ يَقُولَ المُقَرُّ لَهُ: العَبْدُ عَبْدُكَ مَا بِعْتُكَهُ، وَإِنَّمَا بِعْتُكَ عَبْدًا غَيْرَ هَذَا،
قوله: (مكان العرصة أرضًا) بأن قال: الأرض لفلان والبناء لي، حيث يكون البناء للمقر له مع الأرض، خلافًا للأئمة الثلاثة، أما لو قال: البناء لفلان والأرض لآخر؛ فهو كما قال.
والفرق أن الإقرار بالأرض إقرار بالبناء، فكان قوله: (البناء لآخر) رجوعًا، فلا يصح، أما لو قدم البناء بأن قال: البناء لفلان؛ فإقراره بالبناء وقع معتبرًا، واستحقه فلان، فإقراره بالأرض بعد ذلك، فهب أنه إقرار بالبناء أيضًا أن البناء بعدما صار مستحقًا لغيره لا يصح رجوعه، فوضح الفرق. كذا في المبسوط (١).
قوله: (كالثابت معاينة) فلو عينا أنه اشترى منه هذا العبد، والعبد في يده؛ كان عليه ألف درهم، كذا هاهنا.
قوله: (لإقراره به) (٢) أي: بالمال، ولا يبالي باختلاف السبب؛ لأن الأسباب مطلوبة بأحكامها لا أعيانها، فلا يعتبر التكاذب في السبب بعد اتفاقهما على وجوب أصل المال.
قوله: (وحكمه ألا يلزم المقر) (٣) أي: حكم الوجه الثالث ألا يلزم المقر (شيء) لأنه أقر بالمال إذا سلم له العبد، ولم يسلم له العبد.
стр. 5678
وَفِيهِ المَالُ لَازِمٌ عَلَى المُقِرِّ لِإِقْرَارِهِ بِهِ عِنْدَ سَلَامَةِ العَبْدِ لَهُ، وَقَدْ سَلَّمَ فَلَا يُبَالَى بِاخْتِلَافِ السَّبَبِ بَعْدَ حُصُولِ المَقْصُودِ. وَالثَّالِثُ: أَنْ يَقُولَ العَبْدُ عَبْدِي مَا بِعْتُكَ. وَحُكْمُهُ: أَنْ لَا يَلْزَمَ المُقِرَّ شَيْءٌ، لِأَنَّهُ مَا أَقَرَّ بِالمَالِ إِلَّا عِوَضًا عَنْ العَبْدِ فَلَا يَلْزَمُهُ دُونَهُ، وَلَوْ قَالَ مَعَ ذَلِكَ: إِنَّمَا بِعْتُكَ غَيْرَهُ يَتَحَالَفَانِ، لِأَنَّ المُقِرَّ يَدَّعِي تَسْلِيمَ مَنْ عَيَّنَهُ، وَالآخَرَ يُنْكِرُ، وَالمُقَرَّ لَهُ يَدَّعِي عَلَيْهِ الأَلْفَ بِبَيْعِ غَيْرِهِ وَالآخَرَ يُنْكِرُهُ، وَإِذَا تَحَالَفَا بَطَلَ المَالُ، هَذَا إِذَا ذَكَرَ عَبْدًا بِعَيْنِهِ وَإِنْ قَالَ: مِنْ ثَمَنِ عَبْدِ اشْتَرَيْتُهُ، وَلَمْ يُعَيِّنْهُ، لَزِمَهُ الأَلْفُ، وَلَا يُصَدَّقُ فِي قَوْلِهِ: مَا قَبَضْتُ، عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَصَلَ أَمْ فَصَلَ لِأَنَّهُ رُجُوعٌ، فَإِنَّهُ أَقَرَّ بِوُجُوبِ المَالِ رُجُوعًا إِلَى كَلِمَةِ عَلَيَّ، وَإِنْكَارُهُ القَبْضَ فِي غَيْرِ المُعَيَّنِ يُنَافِي الوُجُوبَ أَصْلًا، لِأَنَّ الجَهَالَةَ مُقَارِنَةٌ كَانَتْ أَوْ طَارِئَةٌ بِأَنْ اشْتَرَى عَبْدًا ثُمَّ نَسِيَاهُ عِنْدَ الاخْتِلَاطِ بِأَمْثَالِهِ تُوجِبُ هَلَاكَ المَبِيعِ، فَيَمْتَنِعُ وُجُوبُ نَقْدِ الثَّمَنِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ كَانَ رُجُوعًا فَلَا يَصِحُ وَإِنْ كَانَ مَوْصُولًا.
قوله: (ولو قال) أي: المقر له (مع ذلك) أي: مع إنكاره العبد المقر به: (ما بِعْتُكَهُ) (إنما بعتك غيره) فحكمه أن يتحالفا؛ لأن كل واحدٍ مدعٍ ومنكر.
(فإذا تحالفا بطل المال) أي: من المقر والعبد سالم لمن في يده.
قوله: (لأنه رجوع) أي قوله: (ما قبضت) رجوع عن الإقرار، والرجوع عنه باطل، موصولا كان أو مفصولًا.
وفي المبسوط: وضع المسألة في المتاع، فقال: علي ألف من ثمن مبتاع لم أقبضه، وهذا لأنه أقر بوجوب المال عليه نظرًا إلى قوله على أنها للإلزام حقيقة، وبعد ذلك إنكاره القبض في المجهول ينافي الالوجوب؛ لأن ثمن عبد غير معين لا يكون واجبًا على المشتري إلا بعد القبض، وما لا يكون بعينه - في حكم المستهلك؛ لأنه لا طريق للوصول إليه، فإنه ما من عبد يحضره إلا وللمشتري أن يقول: المبيع غيره، وتسليم الثمن لا يجب إلا بإحضار المبيع، فعلم أنه في حكم المستهلك، وكأنه أقر بالقبض ثم رجع عنه (١).
стр. 5679
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ: إِنْ وَصَلَ، صُدِّقَ وَلَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ، وَإِنْ فَصَلَ، لَمْ يُصَدَّقْ إِذَا أَنْكَرَ المُقَرُّ لَهُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِنْ ثَمَنِ عَبْدِ (*)، وَإِنْ أَقَرَّ أَنَّهُ بَاعَهُ مَتَاعًا فَالقَوْلُ قَوْلُ المُقِرِّ. وَوَجْهُ ذَلِكَ: أَنَّهُ أَقَرَّ بِوُجُوبِ المَالِ عَلَيْهِ وَبَيَّنَ سَبَبًا وَهُوَ البَيْعُ،
وفي الذخيرة: قوله: (لم أقبضه) (١) تأخير المطالبة إلى الأبد؛ لما أن المطالبة بإحضار المبيع، وفي المجهول لم يتصور كما ذكرنا، فكان كإقراره
بألف من ثمن مبيع إلى شهر، فلم يصدق، فكذا هذا.
بخلاف ما إذا عيّن المتاع، فإنه أقر بالوجوب، ولم يدع ما يوجب تأخير المطالبة؛ لأن المبيع إذا كان حاضرًا يطالب المشتري بأداء الثمن أولا ثم يقبض المبيع، فلم يكن قوله: (ولم أقبضه) دعوى تأخير المطالبة، فيصدق وصل أم فصل.
قوله: (وقال أبو يوسف ومحمد: إن وصل صُدِّقَ ولم يلزمه شيء) كما في المعين، وبه قالت الأئمة الثلاثة، أما لو قال: أقرضني ألفًا، ثم قال: لم أقبضها؛ لا يقبل قوله عندنا، خلافا للأئمة الثلاثة.
قوله: (وإن أقر أنه باعه متاعًا) يعني بعد إنكاره من ثمن عبد، فأقر بأنه باعه متاعًا؛ فالقول للمقر وصل أم فصل، وبه قالت الأئمة الثلاثة.
وفي الذخيرة: ولو صدقه المقر له في الجهة، بأن قال: لي عليك ألف من ثمن متاع بعته وقبضت مني، وقال المقر: لم أقبضه مفصولًا، كان أبو يوسف أولًا (٢): لا يصدق، كما لو كذبه في الجهة، ثم رجع وقال: يصدق وصل أم فصل، وبه قال محمد؛ لأن قوله: (لم أقبض منى) (٣) صدق المقر له في الجهة بيان مجمل فيصدق، كما لو قال: عليَّ ألف من ثمن هذا المتاع الذي في يدك إلا أني لم أقبض.
وإنما قلنا: إنه بيان مجمل؛ لأن البيع يثبت بتصادقهما، ونفى أمر القبض مجملا، إلا أنه لم يقر بالقبض لا نصا ولا دلالة، وهو ظاهر، ولا اقتضاء
стр. 5680
فَإِنْ وَافَقَهُ الطَّالِبُ فِي السَّبَبِ وَبِهِ لَا يَتَأَكَّدُ الوُجُوبُ إِلَّا بِالقَبْضِ، وَالمُقِرُّ يُنْكِرُهُ فَيَكُونُ القَوْلُ لَهُ، وَإِنْ كَذَّبَهُ فِي السَّبَبِ كَانَ هَذَا مِنْ المُقِرِّ بَيَانًا مُغَيِّرًا، لِأَنَّ صَدْرَ كَلَامِهِ لِلْوُجُوبِ مُطْلَقًا وَآخِرُهُ يَحْتَمِلُ انْتِفَاءَهُ عَلَى اعْتِبَارِ عَدَمِ القَبْضِ وَالمُغَيِّرُ يَصِحُ مَوْصُولًا لَا مَفْصُولًا.
(وَلَوْ قَالَ ابْتَعْتُ مِنْهُ بَيْعًا، إِلَّا أَنِّي لَمْ أَقْبِضْهُ: فَالقَوْلُ قَوْلُهُ) بِالإِجْمَاعِ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ ضَرُورَةِ البَيْعِ القَبْضُ، بِخِلَافِ الإِقْرَارِ بِوُجُوبِ الثَّمَنِ. قَالَ: (وَكَذَا لَوْ قَالَ: مِنْ ثَمَنِ خَمْرٍ أَوْ خِنْزِيرٍ) وَمَعْنَى المَسْأَلَةِ: إِذَا قَالَ لِفُلَانٍ
أيضًا؛ لأن وجوب الألف ليس من ضرورته القبض؛ إذ الثمن يجب بنفس العقد بلا قبض، فلما لم يكن قابضًا لا نصًا ولا اقتضاء بقي أمر [القبض] (١) مجملًا، فيصدق في بيانه وصل أم فصل.
قوله: (فإن وافقه الطالب) أي: صدق المقر له المقر في الجهة، وهو البيع. (وبه) أي: بالبيع المجرد (لا يتأكد الوجوب) أي: وجوب الثمن على المشتري؛ إذ وجوب الثمن عليه قبل قبض المبيع متزلزل؛ لأنه عسى يهلك المبيع فيسقط الثمن، ثم المقر له يدعي قبض الثمن، (والمقر ينكره)؛ فكان القول للمنكر مع اليمين للوجوب مطلقًا؛ لأن مقتضى أول الكلام أن يكون مطالبًا بالمال في الحال رجوعًا إلى كلمة (علي).
(وآخره) أي: آخر الكلام (يحتمل انتفاءه) أي: انتفاء الوجوب يعني يحتمل ألا يكون مطالبًا به حتى يحضر العبد، فكان بيانه مغيرا بظاهر الكلام إلى الاحتمال، فيصح موصولا لا مفصولًا.
(فالقول قوله بالإجماع) وبه قالت الأئمة الثلاثة؛ لأنه لم يقر على نفسه بالوجوب لا نصَّا، وهو ظاهر، فإنه لم يقل: (علي) ولا بمقتضى إقراره بالشراء؛ إذ ليس من ضرورة الشراء وجوب الثمن، فإن الشراء بشرط الخيار للمشتري لا يوجب الثمن عليه في الحال.
قوله: (من ثمن خمر أو خنزير) وكذا لو قال: من ثمن حر أو دم، فلو
стр. 5681
عَلَيَّ أَلْفٌ مِنْ ثَمَنِ خَمْرٍ أَوْ خِنْزِيرٍ لَزِمَهُ الأَلْفُ وَلَمْ يُقْبَلْ تَفْسِيرُهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَصَلَ أَمْ فَصَلَ لِأَنَّهُ رُجُوعٌ، لِأَنَّ ثَمَنَ الخَمْرِ وَالخِنْزِيرِ لَا يَكُونُ وَاجِبًا وَأَوَّلُ كَلَامِهِ لِلْوُجُوبِ (وَقَالَا: إِذَا وَصَلَ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ) لِأَنَّهُ بَيَّنَ بِآخِرِ كَلَامِهِ أَنَّهُ مَا أَرَادَ بِهِ الإِيجَابَ وَصَارَ كَمَا إِذَا قَالَ فِي آخِرِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ.
قُلْنَا: ذَاكَ تَعْلِيقُ وَهَذَا إِبْطَالُ.
صدقه الطالب في ذلك؛ لم يلزمه شيء بإجماع الفقهاء. وقال أبو يوسف ومحمد والشافعي في قول، واختاره المزني وأبو إسحاق ومالك: لا يلزمه شيء؛ لأن الكل كلام واحد فيعتبر آخره، وبين بآخره أنه ما أراد به الإيجاب؛ بل أراد به الإبطال، فصار كما لو قال في آخر كلامه: إن شاء الله، وذلك لأنه يحتمل أنه بنى إقراره على عادة الفسقة، فإنهم يعتادون شراء الخمر وأداء ثمنها، فكان آخر كلامه بيانًا مغيرا فيصح موصولًا.
وقلنا: أول كلامه يدل على الوجوب رجوعا إلى كلمة (علي). وقوله: (من ثمن خمر أو خنزير) رجوع عنه؛ إذ ثمن الخمر والخنزير لا يجب على المسلم، فكان رجوعًا عن الإقرار، فلا يصح وصل أم فَصَل؛ بخلاف قوله: إن شاء الله، فإنه تعليق بشرط لا يوقف عليه، والتعليق بالشرط من باب التغيير، فيصح موصولا، وعند مالك والشافعي في قول.
قوله: (إن شاء الله لا يغير أول كلامه؛ لعدم صحته عندهما. وفي المبسوط والذخيرة: لو قال له: عليَّ ألف حرام أو ربا يلزمه الألف؛ لأن الحرام عنده لعل يكون حلالا عند غيره، ولعل الربا عنده ليس بربا عند غيره، ولو قال: عليَّ ألف زور أو باطل؛ إن صدقه فلان فلا شيء عليه، وإن كذبه فعليه الألف، والإقرار بالبيع يلحقه على هذا التفصيل.
قوله: (وهذا) أي: قوله: إن شاء الله إبطال ورجوع) والرجوع بعد الإقرار لا يصح. وفي أصول شمس الأئمة: قوله: (إن شاء الله) صيغة التعليق، والإرسال والتعليق متعارف بين أهل اللسان، فكان ذلك من باب البيان لا الرجوع، ووجوب المال عليه من حكم إرسال الكلام، فمنع صيغة التعليق لا يلزم حكم الإرسال.
(وقالا) أي: أبو يوسف ومحمد (يصدق إن وصل)، وإن فصل لا يصدق،
стр. 5682
(وَلَوْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ أَلْفٌ مِنْ ثَمَنِ مَتَاعٍ، أَوْ قَالَ: أَقْرَضَنِي أَلْفَ دِرْهَمٍ، ثُمَّ قَالَ: هِيَ زُيُوفٌ، أَوْ نَبَهْرَجَةٌ، وَقَالَ المُقَرُّ لَهُ: جِيَادٌ، لَزِمَهُ الجِيَادُ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَا: إِنْ قَالَ مَوْصُولًا يُصَدَّقُ، وَإِنْ قَالَ مَفْصُولًا لَا يُصَدَّقُ) (*) وَعَلَى هَذَا الخِلَافِ إِذَا قَالَ: هِيَ سَتُّوقَةٌ أَوْ رَصَاصٌ، وَعَلَى هَذَا إِذَا قَالَ: إِلَّا أَنَّهَا زُيُوفٌ، وَعَلَى هَذَا إِذَا قَالَ: لِفُلَانٍ عَلَيَّ أَلْفُ دِرْهَمٍ زُيُوفٍ مِنْ ثَمَنِ مَتَاعٍ لَهُمَا: أَنَّهُ بَيَانٌ مُغَيِّرٌ فَيَصِحُ بِشَرْطِ الوَصْلِ كَالشَّرْطِ وَالِاسْتِثْنَاءِ. وَهَذَا لِأَنَّ اسْمَ الدَّرَاهِمِ يَحْتَمِلُ الزُّيُوفَ بِحَقِيقَتِهِ، وَالسَّتُّوقَةُ بِمَجَازِهِ، إِلَّا أَنَّ مُطْلَقَهُ يَنْصَرِفُ إِلَى الجِيَادِ، فَكَانَ بَيَانًا مُغَيِّرًا مِنْ هَذَا الوَجْهِ، وَصَارَ كَمَا إِذَا قَالَ: إِلَّا أَنَّهَا وَزْنُ خَمْسَةٍ.
وبه قال الشافعي وأحمد.
قوله: (وعلى هذا الخلاف إذا قال: هي ستوقة أو رصاص) يعني: لا يصدق وصل أم فصل عند أبي حنيفة، وعندهما يصدق إن وصل.
وفي جامع قاضي خان عن أبي يوسف فيه روايتان في رواية مع أبي حنيفة، وفي رواية مع محمد.
قوله: (ألف درهم زيوف) بالجر، وتجري الصفة على المعدود دون العدد، كقوله تعالى: ﴿سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ﴾ [يوسف: ٤٣].
قوله: (يحتمل الزيوف بحقيقته)؛ لأنها من جنس الدراهم، حتى يحصل بها الاستيفاء في الصرف والسلم ولا يصير استبدالًا (والستوقة بمجازه) إذ الستوقة تسمى دراهم مجازا، والنقل من الحقيقة إلى المجاز بيان تغيير، فيصح موصولًا لا مفصولاً.
قوله: (إلا أن مطلقه) أي: مطلق اسم الدرهم (ينصرف إلى الجياد) بالعرف؛ لأن بياعات الناس تكون بالجياد عادة فكان بيانًا مغيرًا من هذا الوجه، فصار كما إذا قال: إلا أنها وزن خمسة أو ستة، ونقد بلدهم وزن سبعة - يصدق إن وصل.
стр. 5683
وَلِأَبِي حَنِيفَةَ: أَنَّ هَذَا رُجُوعٌ، لِأَنَّ مُطْلَقَ العَقْدِ يَقْتَضِي وَصْفَ السَّلَامَةِ عَنِ العَيْبِ، وَالزِّيَافَةُ عَيْبٌ وَدَعْوَى العَيْبِ رُجُوعٌ عَنْ بَعْضِ مُوجِبِهِ، وَصَارَ كَمَا إِذَا قَالَ: بِعْتُكَهُ مَعِيبًا، وَقَالَ المُشْتَرِي: بِعْتَنِيهِ سَلِيمًا، فَالقَوْلُ لِلْمُشْتَرِي لِمَا بَيَّنَّا، وَالسَّتُّوقَةُ لَيْسَتْ مِنْ الأَثْمَانِ، وَالبَيْعُ يُرَدُّ عَلَى الثَّمَنِ فَكَانَ رُجُوعًا. وَقَوْلُهُ: إِلَّا أَنَّهَا وَزْنُ خَمْسَةٍ يَصِحُّ اسْتِثْنَاء، لِأَنَّهُ مِقْدَارٌ بِخِلَافِ الجَوْدَةِ، لِأَنَّ اسْتِثْنَاءَ الوَصْفِ لَا يَجُوزُ كَاسْتِثْنَاءِ
فإن قيل: استثناء الوصف لا يصح بالإجماع، فكيف صححا استثناء الزيافة ها هنا؟
قلنا: صححا ذلك من حيث المعنى، ومن حيث المعنى: الزيافة عين لا وصف، فإن قوله: (عليَّ ألف من ثمن متاع إلا أنها زيوف) بمنزلة قوله: (إلا إنها نقد بلد كذا ونقد ذلك البلد زيوف) وهناك صح هذا البيان موصولا بالإجماع، وهذا في معناه فينبغي أن يصح، فصار ذلك نوعًا للدراهم لا وصفًا، بمنزلة قوله في الحنطة: (إلا أنها رديئة) (١). إليه أشار في الأسرار والفوائد الظهيرية.
قوله: (ودعوى العيب رجوع عن بعض موجبه) إذ مطلق العقد يقتضي السلامة عن العيب، فتكون السلامة عن العيب مستحقًا بالعقد، فإذا قال: إنها زيوف، فقد أراد إبطال بعض ما هو مستحق بالعقد، فلا يصدق وإن وصل.
وفي الأسرار وغيره وحاصل الاختلاف راجع إلى أن الزيوف تدخل في مطلق اسم الدراهم أم لا؟
فأبو حنيفة رجح جانب العيب، فلم يدخله تحت مطلق اسم الدراهم، حتى كان دعوى الزيافة رجوعًا، وهما أدخلاها على سبيل التوقف حتى [كان] (٢) دعوى الزيافة [بعد ذكر اسم] (٣) مطلق الدراهم بيان تغيير، كالشرط والاستثناء.
وقوله: (لما بينا) إشارة إلى قوله: (إن مطلق العقد يقتضي السلامة عن العيب).
قوله: (بخلاف الجودة) أي: بخلاف ما إذا قال: إلا أنها زيوف، فإن فيه استثناء الدراهم الجيدة عن الوجوب في الذمة، والجودة صفة، ولا يصح استثناء.
стр. 5684
البِنَاءِ فِي الدَّارِ، بِخِلَافِ مَا إِذَا قَالَ: عَلَيَّ كُرُّ حِنْطَةٍ مِنْ ثَمَنِ عَبْدٍ إِلَّا أَنَّهَا رَدِينَةٌ، لِأَنَّ الرَّدَاءَةَ نَوْعٌ لَا عَيْبٌ، فَمُطْلَقُ العَقْدِ لَا يَقْتَضِي السَّلَامَةَ عَنْهَا.
وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ فِي غَيْرِ رِوَايَةِ الأُصُولِ فِي القَرْضِ: أَنَّهُ يُصَدَّقُ فِي الزُّيُوفِ إِذَا وَصَلَ، لِأَنَّ القَرْضَ يُوجِبُ رَدَّ مِثْلِ المَقْبُوضِ، وَقَدْ يَكُونُ زَيْفًا كَمَا فِي الغَصْبِ.
وَوَجْهُ الظَّاهِرِ: أَنَّ التَّعَامُلَ بِالجِيَادِ فَانْصَرَفَ مُطْلَقُهُ إِلَيْهَا. وَلَوْ قَالَ: لِفُلَانٍ عَلَيَّ أَلْفُ دِرْهَم زُيُوفٍ، وَلَمْ يَذْكُرُ البَيْعَ وَالقَرْضَ، قِيلَ: يُصَدَّقُ بِالإِجْمَاعِ لِأَنَّ اسْمَ الدَّرَاهِم يَتَنَاوَلُهَا وَقِيلَ: لَا يُصَدَّقُ لِأَنَّ مُطْلَقَ الإِقْرَارِ يَنْصَرِفُ إِلَى العُقُودِ لِتَعَيُّنِهَا مَشْرُوعَةً لَا إِلَى الاسْتِهْلَاكِ المُحَرَّمِ.
الوصف؛ لأن الصفة مما لم يتناوله اسم الدراهم حتى يستثنى، وإنما ثبت صفة الجودة في مطلق العقد بالعرف والعادة.
قوله: (لأن الرداءة نوع لا عيب) لأن العيب ما تخلو عنه الفطرة السليمة، والحنطة قد تكون رديئة في أصل الخلقة؛ ولهذا لا يصح شراء الحنطة ما لم يبين أنها جيدة أو وسط أو رديئة، فليس في بيانه بغير موجب أول كلامه، فيصح وصل أم فصل؛ إذ مطلق العقد لا يقتضي نوعًا دون نوع، فلا يستحق نوع بمطلق العقد، بخلاف الزيافة فإنها عيب ومطلق العقد يقتضي السلامة عنها.
قوله: (لأن القرض يوجب ردّ مثل المقبوض) فإنه يتم بالقبض، فأشبه الغصب؛ إذ كل منهما يوجب الضمان بالقبض.
قوله: (أن التعامل بالجياد) والاستقراض متعامل بين الناس كالبيع، وذلك يكون بالجياد.
قوله: (يصدق بالإجماع) يعني: إذا وصل؛ لأن صفة الجودة إنما تصير
مستحقة بمقتضى عقد التجارة، فإذا لم يصرح به لم تصر صفة الجودة مستحقة عليه.
قوله: (وقيل: لا يصدق) أي: عند أبي حنيفة وصل أم فصل؛ لأن مطلق الإقرار بالدين ينصرف إلى الإلزام بطريق التجارة؛ لكونها مشروعة [لا] (١) إلى الاستهلاك والغصب المحرَّم، فصار كما لو بين سبب التجارة، وعند زفر يبطل
стр. 5685
(وَلَوْ قَالَ: اغْتَصَبْتُ مِنْهُ أَلْفًا، أَوْ قَالَ: أَوْدَعَنِي، ثُمَّ قَالَ: هِيَ زُيُوفٌ، أَوْ نَبَهْرَجَةٌ، صُدِّقَ وَصَلَ أَمْ فَصَلَ) لِأَنَّ الإِنْسَانَ يَغْصِبُ مَا يَجِدُ وَيُودِعُ مَا يَمْلِكُ، فَلَا مُقْتَضَى لَهُ فِي الجِيَادِ وَلَا تَعَامُلَ، فَيَكُونُ بَيَانَ النَّوْعِ فَيَصِحُ وَإِنْ فَصَلَ، وَلِهَذَا لَوْ جَاءَ رَادُّ المَغْصُوبِ الوَدِيعَةِ بِالمَعِيبِ كَانَ القَوْلُ قَوْلَهُ.
وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ: أَنَّهُ لَا يُصَدَّقُ فِيهِ مَفْصُولًا، اعْتِبَارًا بِالقَرْضِ، إِذْ القَبْضُ فِيهِمَا هُوَ المُوجِبُ لِلضَّمَانِ. وَلَوْ قَالَ: هِيَ سَتُّوقَةٌ أَوْ رَصَاصٌ بَعْدَمَا أَقَرَّ بِالغَصْبِ الوَدِيعَةِ وَوَصَلَ صُدِّقَ، وَإِنْ فَصَلَ لَمْ يُصَدَّقْ، لِأَنَّ السَّتُّوقَةُ لَيْسَتْ مِنْ جِنْسِ الدَّرَاهِمِ، لَكِنَّ الاِسْمَ يَتَنَاوَلُهَا مَجَازًا، فَكَانَ بَيَانًا مُغَيِّرًا، فَلَا بُدَّ مِنْ الوَصْلِ (وَإِنْ قَالَ فِي هَذَا كُلِّهِ: أَلْفًا، ثُمَّ قَالَ: إِلَّا أَنَّهُ يَنْقُصُ كَذَا: لَمْ يُصَدَّقْ، وَإِنْ وَصَلَ صُدِّقَ) لِأَنَّ هَذَا اسْتِثْنَاءُ المِقْدَارِ وَالاسْتِثْنَاءُ يَصِحُ مَوْصُولًا، بِخِلَافِ الزِّيَافَةِ، لِأَنَّهَا وَصْفٌ وَاسْتِثْنَاءُ الأَوْصَافِ لَا يَصِحُ، وَاللَّفْظُ يَتَنَاوَلُ المِقْدَارَ دُونَ الوَصْفِ وَهُوَ تَصَرُّفٌ
إقراره إذا قال المقر له: هي جياد؛ لأنه ردَّ إقراره بالزيوف، وادعى عليه الجياد وهو ينكر.
ولنا: أنهما تصادقا على الأصل.
قوله: (ولو قال: اغتصبت) إلى قوله: (وصل أم فصل) وقال الشافعي وأحمد: إذا أقر بمال غصبًا أو وديعة ثم قال مفصولاً: هي زيوف أو نبهرجة؛ لم يصدق، وهو رواية عن أبي يوسف في الغصب.
قوله: (كان القول له) أي: لراد المغصوب؛ لأن الاختلاف متى وقع في صفة المقبوض فالقول للقابض ضمينا كان أو أمينًا.
قوله: (اعتبارًا بالقرض) إذ المستقرض والمغصوب مضمونان بالغصب.
قوله: (لأن الستوقة ليست من جنس الدراهم) ولهذا لا يجوز التجوز بها في الصرف والسلم، ولكن اسم الدراهم يتناولها مجازا، فكان تغييرا، فصح موصولا لا مفصولًا.
قوله: (في هذا كله) أي: في البيع والقرض والغصب، ثم قال: (إلا أنه ينقص كذا) بأن قال: عليَّ ألف درهم إلا أنها وزن خمسة أو ستة؛ فإنه يصح إذا وصل؛ لأنه استثنى المقدار فيصح موصولا؛ إذ اللفظ يتناول المقدار دون
стр. 5686
لَفْظِيٌّ كَمَا بَيَّنَّا، وَلَوْ كَانَ الفَصْلُ ضَرُورَةَ انْقِطَاعِ الكَلَامِ فَهُوَ وَاصِلٌ لِعَدَمِ إِمْكَانِ الاحْتِرَازِ عَنْهُ.
(وَمَنْ أَقَرَّ بِغَصْبٍ ثَوْبٍ، ثُمَّ جَاءَ بِثَوْبِ مَعِيبٍ: فَالقَوْلُ قَوْلَهُ) لِأَنَّ الغَصْبَ لَا يَخْتَصُّ بِالسَّلِيم.
(وَمَنْ قَالَ لِآخَرَ: أَخَذْتُ مِنْكَ أَلْفَ دِرْهَمٍ وَدِيعَةً فَهَلَكَتْ، فَقَالَ: لَا، بَلْ أَخَذْتَهَا غَصْبًا، فَهُوَ ضَامِنٌ، وَإِنْ قَالَ: أَعْطَيْتَنِيهَا وَدِيعَةً، فَقَالَ: لَا، بَلْ غَصَبْتَنِيهَا لَمْ يَضْمَنْ) وَالفَرْقُ: أَنَّ فِي الفَصْلِ الأَوَّلِ أَقَرَّ بِسَبَبِ الضَّمَانِ، وَهُوَ الْأَخْذُ ثُمَّ ادَّعَى مَا
الزيافة؛ لأنه وصف، فلا يتناوله اللفظ، والاستثناء يصرف في الملفوظ لا في غيره.
قوله: (ضرورة انقطاع الكلام) بسبب انقطاع النفس أو أخذ السعال، وما أشبه ذلك، فعن أبي يوسف: أنه يصح وصله بعد ذلك، وعليه الفتوى، وبه قالت الأئمة الثلاثة؛ لأن الإنسان قد يحتاج أن يتكلم بكلام كثير، ويذكر الاستثناء في آخره، ولا يمكنه أن يتكلم بجميع ذلك في نفس واحد، فكان عفوا. ذكره قاضي خان وغيره.
قوله: (فهو ضامن) أي: المقر ضامن، والقول للمقر له مع يمينه؛ لأن المقر أقر بالأخذ الموجب للضمان، ثم ادعى ما يوجب البراءة منه، وهو الإذن بالأخذ، والمقر له ينكر الأخذ بالإذن، فكان القول له مع يمينه إلا أن ينكل المقر له عن يمينه فحينئذ لا ضمان على المقر، وبه قال القفال من أصحاب الشافعي. وقال الشافعي: القول قول المقر مع يمينه؛ لعدم تبعيض الإقرار، وهو ظاهر مذهب أحمد ومالك.
وفي شرح الوجيز: وهو ظاهر المذهب لا يخفى، وفيما قاله القفال قولًا تبعيض الإقرار (١).
قوله: (أقر بسبب الضمان) لقول ﵇: على اليد ما أخذت حتى ترد (٢)،
стр. 5687
يُبْرِثُهُ وَهُوَ الإِذْنُ، وَالآخَرُ يُنْكِرُهُ، فَيَكُونُ القَوْلُ لَهُ مَعَ اليَمِينِ. وَفِي الثَّانِي: أَضَافَ الفِعْلَ إِلَى غَيْرِهِ، وَذَاكَ يَدَّعِي عَلَيْهِ سَبَبَ الضَّمَانِ، وَهُوَ الغَصْبُ، فَكَانَ القَوْلُ لِمُنْكِرِهِ مَعَ اليَمِينِ وَالقَبْضُ فِي هَذَا كَالأَخْذِ وَالدَّفْعُ كَالإِعْطَاءِ، فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: إِعْطَاؤُهُ وَالدَّفْعُ إِلَيْهِ لَا يَكُونُ إِلَّا بِقَبْضِهِ، فَنَقُولُ: قَدْ يَكُونُ بِالتَّخْلِيَةِ وَالوَضْعِ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَلَوْ اقْتَضَى ذَلِكَ فَالمُقْتَضَى ثَابِتٌ ضَرُورَةً فَلَا يَظْهَرُ فِي انْعِقَادِهِ سَبَبُ الضَّمَانِ، وَهَذَا بِخِلَافِ مَا إِذَا قَالَ: أَخَذْتُهَا مِنْكَ وَدِيعَةً، وَقَالَ الآخَرُ: لَا بَلْ قَرْضًا حَيْثُ يَكُونُ القَوْلُ لِلْمُقِرِّ وَإِنْ أَقَرَّ بِالأَخْذِ، لِأَنَّهُمَا تَوَافَقَا هُنَالِكَ عَلَى أَنَّ الْأَخْذَ كَانَ بِالإِذْنِ، إِلَّا أَنَّ المُقَرَّ لَهُ يَدَّعِي سَبَبَ الضَّمَانِ وَهُوَ القَرْضُ وَالْآخَرُ يُنْكِرُ فَافْتَرَقَا.
وهذا تناول رد العين حال بقائها، ورد المثل حال زوالها؛ لكون المثل قائما مقام الأصل.
وقوله: (وديعة) (١) رجوع عما أقر به؛ لأنه دعوى الإبراء، فلا يصدق بلا بينة، كدعوى المشتري بأجل الثمن بعد ما أقر به.
فإن قيل: ينبغي أن يصدق ويجعل قوله: (وديعة) بيان تغيير، كما لو قال: لفلان علي ألف وديعة.
قلنا: صدر الكلام هنا يوجب الغصب على ما ذكرنا فلا يحتمل الوديعة، فكان قوله: (وديعة) دعوى مبتدأة لا بيان ما احتمله صدر الكلام، فأما قوله: الفلان عليَّ (ألف) يحتمل الوديعة؛ يعني على حنطة فكان قوله: (وديعة) بيان تغيير، فيصدق موصولاً. كذا قيل، وفيه نوع تأمل.
قوله: (والقبض في هذا) أي: في الإقرار (كالأخذ) بأن قال: قبضت منك ألفًا وديعة (والدفع كالإعطاء) يعني: لو قال: دفعتني بمنزلة قوله: أعطيتني.
قوله: (فلا يظهر في انعقاده سبب الضمان لأن الثابت بالضرورة عدم في غير موضعها، وقال الآخر: لا بل قرضًا، وهكذا أيضًا في البيع مكان القرض .. يكون القول للمقر) أي: مع يمينه بلا خلاف.
قوله: (لأنه) أي: المقر أقرَّ باليد لفلان، وأقر بالأخذ منه، والسبيل في
стр. 5688
(وَإِنْ قَالَ: هَذِهِ الْأَلْفُ كَانَتْ وَدِيعَةً لِي عِنْدَ فُلَانٍ فَأَخَذْتَهَا، فَقَالَ فُلَانٌ: هِيَ لِي، فَإِنَّهُ يَأْخُذُهَا) لِأَنَّهُ أَقَرَّ بِاليَدِ لَهُ وَادَّعَى اسْتِحْقَاقَهَا عَلَيْهِ وَهُوَ يُنْكِرُ، وَالقَوْلُ لِلْمُنْكِرِ.
(وَلَوْ قَالَ: أَجَرْتُ دَابَّتِي هَذِهِ فُلَانًا فَرَكِبَهَا وَرَدَّهَا، أَوْ قَالَ: آجَرْتُ ثَوْبِي هَذَا فُلَانًا فَلَبِسَهُ وَرَدَّهُ، وَقَالَ فُلَانٌ، كَذَبْتَ وَهُمَا لِي: فَالقَوْلُ قَوْلُهُ وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ: القَوْلُ قَوْلُ الَّذِي أُخِذَ مِنهُ الدَّابَّةُ وَالثَّوْبُ) (*) وَهُوَ القِيَاسُ، وَعَلَى هَذَا الخِلَافِ الإِعَارَةُ وَالإِسْكَانُ.
(وَلَوْ قَالَ: خَاطَ فُلَانٌ ثَوْبِي هَذَا بِنِصْفِ دِرْهَمٍ ثُمَّ قَبَضْتُهُ، وَقَالَ فُلَانٌ: الثَّوْبُ ثَوْبِي، فَهُوَ عَلَى هَذَا الخِلَافِ فِي الصَّحِيحِ) وَجْهُ القِيَاسِ مَا بَيَّنَّاهُ فِي الوَدِيعَةِ.
وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ وَهُوَ الفَرْقُ: أَنَّ اليَدَ فِي الإِجَارَةِ وَالْإِعَارَةِ ضَرُورِيَّةٌ، تَثْبُتُ ضَرُورَةَ اسْتِيفَاءِ المَعْقُودِ عَلَيْهِ وَهُوَ المَنَافِعُ، فَيَكُونُ عَدَمًا فِيمَا وَرَاءَ الضَّرُورَةِ فَلَا يَكُونُ إِقْرَارًا لَهُ بِاليَدِ مُطْلَقًا، بِخِلَافِ الوَدِيعَةِ، لِأَنَّ اليَدَ فِيهَا مَقْصُودَةٌ، وَالإِيدَاعُ إِثْبَاتُ اليَدِ قَصْدًا، فَيَكُونُ الإِقْرَارُ بِهِ اعْتِرَافًا بِاليَدِ لِلْمُودِعِ.
الأخذ الرد على المأخوذ منه.
وقوله: (وديعة لي دعوى الاستحقاق عليه، وهو ينكر؛ فالقول للمنكر بلا خلاف.
قوله: (فالقول له) أي: قول المقر، يعني إذا كذبه فلان، وقال: هو لي. (وقالا) أي: أبو يوسف ومحمد القول للذي أخذ منه الدابة والثوب) والدار للمقر، فقال: أعرته فلانا وقبضته؛ فالقول للمقر بالإجماع.
قوله: (هو على هذا الاختلاف في الصحيح) واحترز به عن قول بعضهم، فإنهم قالوا: القول في هذا قول المقر بالإجماع، فيكون ذلك دليلا لأبي حنيفة، ولكن مشايخنا قالوا: هو على الاختلاف أيضًا. إليه أشار في المبسوط.
قوله: (ما بيناه في الوديعة) وهو قوله: إن المقر أقر باليد لفلان، ثم ادعى الاستحقاق عليه، فوجب عليه الرد كما في الوديعة.
стр. 5689
وَوَجْهُ آخَرُ: أَنَّ فِي الإِجَارَةِ وَالإِعَارَةِ وَالإِسْكَانِ أَقَرَّ بِيَدٍ ثَابِتَةٍ مِنْ جِهَتِهِ، فَيَكُونُ القَوْلُ قَوْلَهُ فِي كَيْفِيَّتِهِ. وَلَا كَذَلِكَ فِي مَسْأَلَةِ الوَدِيعَةِ، لِأَنَّهُ قَالَ فِيهَا كَانَتْ وَدِيعَةً، وَقَدْ تَكُونُ مِنْ غَيْرِ صُنْعِهِ، حَتَّى لَوْ قَالَ: أَوْدَعْتِهَا، كَانَ عَلَى هَذَا الخِلَافِ، وَلَيْسَ مَدَارُ الفَرْقِ عَلَى ذِكْرِ الأَخْذِ فِي طَرَفِ الوَدِيعَةِ وَعَدَمِهِ فِي الطَّرَفِ الْآخَرِ وَهُوَ الإِجَارَةُ وَأُخْتَاهُ؛ لِأَنَّهُ ذَكَرَ الأَخْذَ فِي وَضْعِ الطَّرَفِ الْآخَرِ فِي كِتَابِ الإِقْرَارِ أَيْضًا، وَهَذَا بِخِلَافِ مَا إِذَا قَالَ: اقْتَضَيْت مِنْ فُلَانٍ أَلْفَ دِرْهَمٍ كَانَتْ لِي عَلَيْهِ، أَوْ أَقْرَضْتَه أَلْفًا ثُمَّ أَخَذْتُهَا مِنْهُ، وَأَنْكَرَ المُقَرُّ لَهُ حَيْثُ يَكُونُ القَوْلُ قَوْلَهُ، لِأَنَّ الدُّيُونَ
قوله: (في كيفيته) لأنه أقر فيما في يده بإيجاب اليد لغيره فيقبل قوله، كما لو كان في يده عبد فقال: هذا عبدي، بعته من فلان ولم أسلمه إليه بعد، فقال المقر له: بل عبدي؛ لم أشتره.
قوله: (وقد تكون من غير صنعه) بأن هبت الريح وألقته في داره، وكاللقطة أمانة ووديعة في يده وإن لم يدفعها إليه صاحبها، وكذا المودع إذا مات تصير الوديعة في يد وارثه وديعة وإن لم يدفع إليه صاحبها.
وقوله: (وليس مدار الفرق على ذكر الأخذ) هذا احتراز عن قول الإمام علي القمي، فإنه ذكر في الفرق أنه في مسألة الوديعة قال: أخذتها منه، فلزمه جزاؤه، وجزاء الأخذ الرد، وهنا قال: فردها علي فافترقا؛ لافتراقهما في الوضع. كذا في جامع المحبوبي.
وهذا ليس بشيء؛ لأنه ذكر الأخذ في موضع الآخر.
(وهو الإجارة وأختاه)، وهما الإسكان والإعارة.
وذكر الإمام قاضي خان وجهًا آخر ما ذكره في الكتاب، وهو أن في الإجارة والإعارة لو أخذنا المؤجر والمعير بإقرارهما يمتنع الناس عن الإجارة والإعارة، فلا يؤاخذ بإقرارهما استحسانًا؛ كيلا تنقطع الإجارة والإعارة، وأما في الوديعة فمنفعة الإيداع تعود إلى المالك، فلو أخذنا المالك بإقراره لا ينقطع الإيداع.
قوله: (حيث يكون القول قوله) أي: قول المقر له مع يمينه (لأن الديون
стр. 5690
تُقْضَى بِأَمْثَالِهَا، وَذَلِكَ إِنَّمَا يَكُونُ بِقَبْضِ مَضْمُونٍ، فَإِذَا أَقَرَّ بِالِاقْتِضَاءِ فَقَدْ أَقَرَّ بِسَبَبٍ الضَّمَانِ، ثُمَّ ادَّعَى تَمَلُّكَهُ عَلَيْهِ بِمَا يَدَّعِيهِ مِنْ الدَّيْنِ مُقَاصَّةً وَالآخَرُ يُنْكِرُهُ، أَمَّا هَاهُنَا المَقْبُوضُ عَيْنُ مَا ادَّعَى فِيهِ الإِجَارَةَ وَمَا أَشْبَهَهَا فَافْتَرَقَا، لَوْ أَقَرَّ أَنَّ فُلَانًا زَرَعَ هَذِهِ الأَرْضَ أَوْ بَنَى هَذِهِ الدَّارَ أَوْ غَرَسَ هَذَا الكَرْمَ، وَذَلِكَ كُلُّهُ فِي يَدِ المُقِرِّ فَادَّعَاهَا فُلَانٌ وَقَالَ المُقِرُّ: لَا، بَلْ ذَلِكَ كُلُّهُ لِي اسْتَعَنْتُ بِكَ فَفَعَلْتَ، أَوْ فَعَلْتَهُ بِأَجْرٍ، فَالقَوْلُ لِلْمُقِرِّ، لِأَنَّهُ مَا أَقَرَّ لَهُ بِاليَدِ وَإِنَّمَا أَقَرَّ بِمُجَرَّدِ فِعْلٍ مِنهُ، وَقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ فِي مِلْكِ فِي يَدِ المُقِرِّ وَصَارَ كَمَا إِذَا قَالَ: خَاطَ لِي الخَيَّاطُ قَمِيصِي هَذَا بِنِصْفِ دِرْهَمٍ وَلَمْ يَقُلْ: قَبَضْتَه مِنهُ، لَمْ يَكُنْ إِقْرَارًا بِاليَدِ وَيَكُونُ القَوْلُ لِلْمُقِرِّ: لَمَا أَنَّهُ أَقَرَّ بِفِعْلٍ مِنهُ وَقَدْ يَخِيطُ ثَوْبًا فِي يَدِ المُقِرِّ كَذَا هَذَا.
تقضى بأمثالها) بقبض مضمون، فكان مقرا بقبض مال الغير، وهو سبب الضمان، ثم ادعى ما يبرئه، وهو المقاصة، والآخر ينكر، فكان القول للمنكر، وهنا المقبوض عين ما ادعى فيه الإجارة ونحوها، فوضح الفرق.
وروى أبو يوسف عن ابن أبي ليلى أنه قال: لا ينبني على المقر؛ لأنه ما أقر بشيء على نفسه؛ بل أقر بوصول حقه إليه، وذلك غير ملزم عليه شيئًا.
وقلنا: الاقتضاء عبارة عن قبض مال مضمون من ملك الغير؛ لأن الديون تقضى بأمثالها، فكان مقرا بقبض مال الغير، وهو سبب الضمان، ثم ادعى ما يبرئه عنه، وهو المقاصة، والآخر ينكر كما ذكرنا. ذكره في المبسوط (١).
قوله: (فادعاها فلان) وهو المقر له، وقال: إنها لي؛ فالقول للمقر؛ لظهور يده في الحال، ولم يقر بأنه كان في يد الغير من قبل، وإنما أقر بمجرد فعله فيه، وذا لا يدل على اليد؛ لأن العمل قد يكون من المعين، والأجير والعين في يد صاحبها.
واحترز بقوله: وإنما الرد بمجرد الفعل، كما لو أقر أن فلانا ساكن في هذا البيت، وادعى فلان البيت؛ فإنه يقضى به للساكن على المقر؛ لأن السكنى تثبت اليد للساكن على المسكن، فكان إقرار اليد للغير مع الفعل، وإقراره حجة عليه، وما يثبت بإقراره كالمعاين في حقه. ذكره في المبسوط.
стр. 5691
بَابُ إِقْرَارِ المَرِيضِ
قَالَ: (وَإِذَا أَقَرَّ الرَّجُلُ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ بِدُيُون، وَعَلَيْهِ دُيُونٌ فِي صِحَّتِهِ، وَدُيُونٌ لَزِمَتْهُ فِي مَرَضِهِ بِأَسْبَابِ مَعْلُومَةٍ: فَدَيْنُ الصِّحَّةِ وَالدَّيْنُ المَعْرُوفُ الأَسْبَابِ مُقَدَّمٌ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: دَيْنُ المَرَضِ وَدَيْنُ الصِّحَّةِ يَسْتَوِيَانِ لِاسْتِوَاءِ سَبَبِهِمَا، وَهُوَ الإِقْرَارُ الصَّادِرُ عَنْ عَقْلٍ وَدِينِ، وَمَحَلُّ الوُجُوبِ الذِّمَّةُ القَابِلَةُ لِلْحُقُوقِ، فَصَارَ
بَابُ إِقْرَارِ الْمَرِيضِ
بَابُ إِقْرَارِ لما فرغ من إقرار الصحيح شرع في إقرار المريض؛ لأن المرض عارض، وأفرده بباب؛ لاختصاصه بأحكام، وقد مرَّ في الطلاق تفسير مرض الموت.
اتفق أكثر أهل العلم أن إقرار المريض مَرَضَ الموت بالدين لغير الوارث صحيح، وعن أصحاب أحمد في رواية لا يصح؛ لأن إقراره في مرضه أشبه الإقرار لوارث، وفي رواية لا يصح بالزيادة على الثلث؛ لأنه ممنوع من عطية ذلك للأجنبي، كما هو ممنوع من عطية الوارث، وللعامة أنه غير متهم في إقراره فيقبل منه كالإقرار في الصحة؛ بل أولى؛ لأن حالة المرض أقرب إلى الاحتياط لنفسه، وإبراء ذمته وتحري الصدق، فكان أولى بالقبول.
قوله: (فدين الصحة) إلى آخره، قال القاضي الحنبلي: قياس مذهب أحمد أن دين الصحة أولى إذا ضاق ماله عنهما، وهو قولنا، وبه قال النخعي والثوري. وقال الشافعي: كلاهما سواء، وبه قال مالك والحربي والتميمي من أصحاب أحمد وأبو ثور وأبو عبيد، وذكر أبو عبيد أنه مذهب أهل المدينة.
قوله: (والديون معلومة الأسباب) (١).
صورته: استقرض مالا في مرضه، أو اشترى أو استأجر بمعاينة الشهود، أو تزوج بمعاينة الشهود.
قوله: (الصادر عن عقل ودين) وإنما يعرض هذين الوصفين؛ لأنهما يمنعان عن الكذب في الإخبار، وهذا المعنى لا يختلف في المرض والصحة؛ بل المرض يزداد جهة الصدق؛ لأن المرض سبب التورع عن المعاصي، والإنابة
стр. 5692
كَإِنْشَاءِ التَّصَرُّفِ مُبَايَعَةً وَمُنَاكَحَةً. وَلَنَا: أَنَّ الإِقْرَارَ لَا يُعْتَبَرُ دَلِيلًا إِذَا كَانَ فِيهِ إِبْطَالُ حَقِّ الغَيْرِ، وَفِي إِقْرَارِ المَرِيضِ ذَلِكَ، لِأَنَّ حَقَّ غُرَمَاءِ الصِّحَّةِ تَعَلَّقَ بِهَذَا المَالِ اسْتِيفَاءٌ، وَلِهَذَا: مُنِعَ مِنْ التَّبَرُّعِ وَالمُحَابَاةِ إِلَّا بِقَدْرِ الثُّلُثِ.
بِخِلَافِ النِّكَاحِ، لِأَنَّهُ مِنْ الحَوَائِجِ الأَصْلِيَّةِ، وَهُوَ بِمَهْرِ المِثْلِ، وَبِخِلَافِ
عما جرى في الماضي، فالاحتراز عن الكذب في هذه الحالة أكثر، فكان جهة قبول الإقرار أوفر، وإذا استويا وجوبًا استويا استيفاء، كما لو اشترى أو تزوج بمهر المثل أو استأجر أو استقرض بمعاينة الشهود.
قوله: (إذا كان فيه) أي: في الإقرار (إبطال حق الغير) كما لو رهن أو أجر شيئًا ثم أقر أنه لغيره لا ينفذ إقراره في حق المرتهن والمستأجر؛ لتعلق حقهما به، وفي إقرار المريض ذلك لتعلق دين الصحة بماله، وصار بمنزلة المحجور في حق غرماء الصحة، فلا ينفذ تصرفه في حقهم، فلا يستوي السببان.
وقوله: (ولهذا يمنع من التبرع جواب عما قال الشافعي باستواء حالة المرض والصحة؛ يعني: لو كان كذلك ينبغي ألا يمنع من التبرع بالزيادة على الثلث، كما في حالة الصحة، فيما لم تستغرق الديون جميع ماله، أو لم يكن عليه دين، وفي حق الثلث يمنع أيضًا إذا استغرق الدين جميع ماله.
فإن قيل: إقرار المريض بالوارث صحيح مع أنه يبطل به حق سائر الورثة.
قلنا: استحقاق الوارث بالمال بالنسب والموت جميعًا، والاستحقاق يضاف إلى آخرهما وجودًا فيضاف إلى الموت؛ ولهذا لو رجع شهود النسب بعد الموت، والمشهود له المال؛ لم يضمنوا شيئًا، فأما الدين فلا يجب بالموت بل بالإقرار. إليه أشار في الأسرار والمبسوط.
قوله: (لأنه) أي: النكاح من الحوائج الأصلية) لأن بقاء النفس بالتناسل، ولا طريق للتناسل إلا النكاح، والمرءُ غير ممنوع عن صرف ماله إلى الحوائج الأصلية وإن كان ثم دين كالصرف إلى ثمن الأدوية والأغذية.
فإن قيل: لو تزوج وهو لا يحتاج إليه بسبب أن له نساء وجواري، أو هو شيخ كبير لا يولد له عادة، أو المرأة آيسة؛ فينبغي ألا يشارك؛ لأن هذا النكاح لم يكن من الحوائج الأصلية.
стр. 5693
المُبَايَعَةِ بِمِثْلِ القِيمَةِ، لِأَنَّ حَقَّ الغُرَمَاءِ تَعَلَّقَ بِالمَالِيَّةِ لَا بِالصُّورَةِ، وَفِي حَالَةِ الصِّحَّةِ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِالمَالِ لِقُدْرَتِهِ عَلَى الاكْتِسَابِ فَيَتَحَقَّقُ التَّثْمِيرُ، وَهَذِهِ حَالَةُ العَجْزِ وَحَالَنَا المَرَضِ حَالَةٌ وَاحِدَةٌ، لِأَنَّهُ حَالَةُ الحَجْرِ، بِخِلَافِ حَالَتَيْ الصِّحَّةِ وَالمَرَضِ؛ لِأَنَّ الأُولَى حَالَةُ إِخْلَاقٍ وَهَذِهِ حَالَةُ عَجْزِ فَافْتَرَقَا، وَإِنَّمَا تُقَدَّمُ الدُّيُونُ المَعْرُوفَةُ الأَسْبَابِ، لِأَنَّهُ لَا تُهْمَةَ فِي ثُبُوتِهَا، إِذْ المُعَايَنُ لَا مَرَدَّ لَهُ، وَذَلِكَ مِثْلُ: بَدَلِ مَالٍ
قلنا: النكاح في أصل الوضع من الحوائج، والعبرة للأصل لا للعارض، وهذه العوارض مما لا يوقف عليها ليُبنى الأمر عليها. إليه أشار في الأسرار.
قوله: (لا بالصورة) إذ ما وصل إليه بمقابلته مال تعلق به حق الغرماء، فلم يكن في تصرفه إبطال حقهم، بل فيه تحويل حقهم من محل إلى محل يعدله.
قوله: (وفي حال الصحة) إلى آخره، جواب عن سؤال، وهو أن يقال: ينبغي ألا يصح إقراره في الصحة بالدين إذا كان عليه دين؛ لما أن الدين تعلق بماله، فقال: (يتعلق في حال الصحة بالمال)؛ لقدرته على الاكتساب، فيتحقق (التثمير)، فلم تقع الحاجة إلى تعليق حق الغرماء بماله.
(وهذه) أي: حالة المرض (حالة العجز) عن الاكتساب؛ إذ المريض عاجز عن الكسب، فتعين ما في يده لحق الغرماء.
وقوله: (وحالتا المرض) إلى آخره، جواب سؤال، وهو أن يقال: ينبغي إذا أقر في حالة المرض ثانيًا ألا يصح؛ لتعلق حق المقر له الأول، كما لا يصح إقراره في المرض في حق غرماء الصحة؛ لتعلق حقهم بماله.
فأجاب عنه بقوله: (وحالتا) أي: حالة أول المرض، وحالة آخر المرض بعد أن يتصل بها الموت (حالة واحدة في حق الحجر) فكانا بمنزلة إقرار واحد، كما أن حالة الصحة حالة واحدة، ويعتبر الإقراران جميعًا.
قوله: (لما بينا) (١) إشارة إلى قوله: (أنه من الحوائج الأصلية) (٢).
وقوله: (لأنه لا تهمة في ثبوتها) وأما قوله: فإن ترجح جهة الصدق، فقلنا: هذا في حق من لم يرجح أمر دينه على هواه، وهاهنا ليس كذلك؛ لأنه بإقراره آثر من يهوى على من هو المستحق لماله، تعلقت التهمة بالسبب الداعي
стр. 5694
مَلَكَهُ أَوْ اسْتَهْلَكَهُ وَعُلِمَ وُجُوبُهُ بِغَيْرِ إِقْرَارِهِ، أَوْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً بِمَهْرِ مِثْلِهَا، وَهَذَا الدَّيْنُ مِثْلُ دَيْنِ الصِّحَّةِ لَا يُقَدَّمُ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ لِمَا بَيَّنَّا، وَلَوْ أَقَرَّ بِعَيْنِ فِي يَدِهِ لِآخَرَ: لَمْ يَصِحٌ فِي حَقِّ غُرَمَاءِ الصِّحَّةِ لِتَعَلُّقِ حَقِّهِمْ بِهِ، وَلَا يَجُوزُ لِلْمَرِيضِ أَنْ يَقْضِيَ دَيْنَ بَعْضِ الغُرَمَاءِ دُونَ البَعْضِ؛ لِأَنَّ فِي إِيثَارِ البَعْضِ إِبْطَالَ حَقِّ البَاقِينَ، وَغُرَمَاءُ الصِّحَّةِ وَالمَرَضِ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ، إِلَّا إِذَا قَضَى مَا اسْتَقْرَضَ فِي مَرَضِهِ أَوْ نَقَدَ ثَمَنَ مَا اشْتَرَى فِي مَرَضِهِ وَقَدْ عُلِمَ بِالبَيِّنَةِ.
قَالَ: (فَإِذَا قُضِيَتْ يَعْنِي الدُّيُونَ المُقَدَّمَةَ وَفَضَلَ شَيْءٌ يُصْرَفُ إِلَى مَا أَقَرَّ بِهِ فِي حَالَةِ المَرَضِ) لِأَنَّ الإِقْرَارَ فِي ذَاتِهِ صَحِيحٌ، وَإِنَّمَا رُدَّ فِي حَقِّ غُرَمَاءِ الصِّحَّةِ،
إلى الوصية وصلة الناس بماله، وهو مرض الموت.
ولو أقرَّ بعين لآخر في يده؛ لم يصح في حق غرماء الصحة، وعند الشافعي ومالك وأحمد في رواية يصح كما في الدين، وكذا يجوز عندهم له أن يقضي دين بعض الغرماء دون البعض هنا، على أصلهم أن سبب المرض لا يلحقه الحجر في فكاك رقبته، فكان المرض والصحة سواء.
وقوله: (إلا ما استقرض) إلى آخره استثناء من قوله: (لا يجوز أن يقضي دين بعض الغرماء) إلى آخره، وذلك أن هذا ليس بإيثار ولا إبطال حق الغرماء؛ لأنه حصل له مثل ما نفذ، وحق الغرماء بمعنى التركة بالصورة، فإذا حصل له مثله معنى لم يعد ذلك تفويتا. ذكره في الإيضاح.
وفي المبسوط: أرأيت لو رد ما استقرض بعينه أو فسخ البيع ورد المبيع بعيب لا يمتنع ذلك، فكذا إذا رد بدله؛ لأن حكم البدل حكم المبدل (١)، فكان في ذلك تحويل حقهم من محل إلى محل، وله ولاية النقل. هكذا ذكره في الذخيرة.
قوله: (لأن الإقرار صحيح في ذاته) لصدوره عن أهله في محله؛ إذ كلام العاقل البالغ محمول على الصحة، ولكن لم يقبل في حق غرماء الصحة؛ لتعلق حقهم به، فإذا لم يبقَ حقهم زال المانع، فيقبل؛ ولهذا إذا لم يكن عليه ديون في صحته جاز إقراره بكل ماله؛ لأنه لا يؤدي إلى إبطال حق الغير، والمقر له أولى من الورثة؛ لتأخر الإرث والوصية عن الدين، والقياس ألا يجوز إلا في
стр. 5695
فَإِذَا لَمْ يَبْقَ حَقُّهُمْ ظَهَرَتْ صِحْتُهُ. قَالَ: (وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ دُيُونٌ فِي صِحَّتِهِ جَازَ إِقْرَارُهُ) لِأَنَّهُ لَمْ يَتَضَمَّنْ إِبْطَالَ حَقِّ الغَيْرِ، وَكَانَ المُقَرُّ لَهُ أَوْلَى مِنْ الوَرَثَةِ لِقَوْلِ عُمَرَ ﵁: «إِذَا أَقَرَّ المَرِيضُ بِدَيْنِ جَازَ ذَلِكَ عَلَيْهِ فِي جَمِيعِ تَرِكَتِهِ»، وَلِأَنَّ قَضَاءَ الدَّيْنِ مِنْ الحَوَائِجِ الأَصْلِيَّةِ، وَحَقُّ الوَرَثَةِ يَتَعَلَّقُ بِالتَّرِكَةِ بِشَرْطِ الفَرَاغِ، وَلِهَذَا تُقَدَّمُ حَاجَتُهُ فِي التَّكْفِينِ.
قَالَ: (وَلَوْ أَقَرَّ المَرِيضُ لِوَارِثِهِ لَا يَصِحُ إِلَّا أَنْ يُصَدِّقَهُ فِيهِ بَقِيَّةُ الوَرَثَةِ) وَقَالَ
الثلث كما نقل عن أصحاب أحمد؛ لأن الشرع قصر بصرفه في الثلث، وإنما ترك القياس بأثر عن عمر، فإنه قال: إذا أقر المريض جاز ذلك عليه في جميع تركته، ولأن حق الورثة متعلق بالتركة بشرط الفراغ عن حاجته الأصلية، وقضاء الدين من الحوائج الأصلية؛ لأن رفع الحائل بينه وبين الجنة، قال ﵊: «الدين حائل بينه وبين الجنة» (١) ألا ترى أنه تقدم التجهيز والتكفين على الإرث.
قوله: (ولو أقر لوارثه) إلى آخره، وبقولنا قال أحمد وشريح والنخعي ويحيى الأنصاري والقاسم وسالم وأبو هشام والشافعي في قول. وقال الشافعي في الأصح: يقبل إقراره، وبه قال أبو ثور وعطاء والحسن. وقال مالك: يصح إذا لم يتهم، ويبطل إن اتهم، كمن له بيت وابن عم فأقر لابنته؛ لم يقبل، ولو أقر لابن عمه؛ قبل إذ لا يتهم أن يزيد في نصيبه، ويتهم أن يزيد في نصيبها، واختاره الروياني من أصحاب الشافعي؛ لفساد الزمان. وقال مالك: لو أقر لأجنبي لا يصح في رواية إذا كان متهما، بأن كان الأجنبي صديقا له ملاطفا، والمقر يورث كلالة.
стр. 5696
الشَّافِعِيُّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ: يَصِحُ، لِأَنَّهُ إِظْهَارُ حَقٌّ ثَابِتٍ لِتَرَجُحِ جَانِبِ الصِّدْقِ فِيهِ، وَصَارَ كَالإِقْرَارِ لِأَجْنَبِي وَبِوَارِثٍ آخَرَ وَبِوَدِيعَةٍ مُسْتَهْلَكَةٍ لِلْوَارِثِ.
وَلَنَا: قَوْلُهُ ﵊: «لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثِ وَلَا إِقْرَارَ لَهُ بِالدَّيْنِ» وَلِأَنَّهُ تَعَلَّقَ حَقُّ الوَرَثَةِ بِمَالِهِ فِي مَرَضِهِ، وَلِهَذَا يُمْنَعُ مِنْ التَّبَرُّعِ عَلَى الْوَارِثِ أَصْلًا، فَفِي
قوله: (لأنه) أي: الإقرار (إظهار حق ثابت) يعني إخبار عن حق لازم عليه، وحال المريض أدل على الصدق؛ لأنه حال تدارك الحقوق، فصار كحال الصحة بل أدل، فلا يثبت الحجر عن الإقرار به.
قوله: (بوارث آخر) فإن كل واحدٍ من الإقرارين يضر بالوارث المعروف (وبوديعة مستهلكة) أي: باستهلاك وديعة معروفة (للوارث) فإنه صحيح.
قوله: (والإقرار بالدين)، وفي المبسوط: هذه الزيادة شاذة، والمشهور «لا وصية لوارث» والمشهور عن ابن عمر أنه قال: إذا أقرّ المريض لغير وارث؛ جاز ذلك وإن أحاط بماله، وإن أقر لوارث؛ فهو باطل إلا أن يصدقه بقية الورثة، وبه أخذ علماؤنا؛ لأن قول واحد من فقهاء الصحابة مقدم على القياس عندنا، ولأنه أثر بعض ورثته بشيءٍ من ماله بعد تعلق حق الكل بماله فيرد، كما لو أوصى أوْ وَهَبَه، وهذا معنى قول الشيخ: (ولأنه تعلق حق الورثة) إلى آخره.
فإن قيل: حق الورثة إنما يظهر بعد الفراغ من حاجته، فإذا أقر لبعض الورثة ظهر حاجته؛ لأن العاقل لا يكذب على نفسه جزافًا، وبالمرض تزداد جهة الصدق؛ لأن الباعث الشرعية (١) ينضم إلى العقل، فيبعثه على الصدق.
قلنا: الإقرار للوارث إيصال النفع به من حيث الظاهر، وبه إبطال حق الباقين، ووجوب الدين لم يعرف إلا بقوله، وهو متهم فيه؛ لجواز أنه أراد به الإيثار بهذا الطريق حيث عجز عنه بطريق الوصية، فتوقف صحته على رضا الباقين؛ دفعًا للوحشة والعداوة، بخلاف الأجنبي؛ لأنه غير متهم فيه؛ لأنه يملك إيصال النفع إليه بطريق الوصية، ولأن تعلق حق الورثة بماله في المرض
стр. 5697
تَخْصِيصِ البَعْضِ بِهِ إِبْطَالُ حَقِّ البَاقِينَ، وَلِأَنَّ حَالَةَ المَرَضِ حَالَةَ الِاسْتِغْنَاءِ وَالقَرَابَةِ سَبَبُ التَّعَلُّقِ، إِلَّا أَنَّ هَذَا التَّعَلُّقَ لَمْ يَظْهَرْ فِي حَقِّ الأَجْنَبِيِّ لِحَاجَتِهِ إِلَى المُعَامَلَةِ فِي الصِّحَّةِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ انْحَجَرَ عَنْ الإِقْرَارِ بِالمَرَضِ يَمْتَنِعُ النَّاسُ عَنْ المُعَامَلَةِ مَعَهُ، وَقَلَّمَا تَقَعُ المُعَامَلَةُ مَعَ الوَارِثِ، وَلَمْ يَظْهَرْ فِي حَقِّ الإِقْرَارِ بِوَارِثٍ آخَرَ لِحَاجَتِهِ أَيْضًا، ثُمَّ هَذَا التَّعَلُّقُ حَقُّ بَقِيَّةِ الوَرَثَةِ، فَإِذَا صَدَّقُوهُ فَقَدْ أَبْطَلُوهُ فَيَصِحُ إِقْرَارُهُ.
لا يظهر في حق الأجنبي؛ لكثرة حاجته إلى المعاملة معه في الصحة، فلو انحجر عن الإقرار بالمرض يمتنع الناس عن المعاملة معه، بخلاف الوارث؛ لأن المبايعة معه نادرة بالنسبة إلى الأجانب، وبخلاف الإقرار لوارث آخر؛ لحاجته إلى إبقاء نسله، فلا ينحجر عنه لحق الورثة كما لا ينحجر عن الإنفاق؛ لبقاء نفسه.
وهذا معنى قول الشيخ: (ولأن حالة المرض حالة الاستغناء) إلى آخره، وإنما قال: حالة المرض حالة استغنائه؛ لظهور آثار الموت، والظاهر أن الإنسان لا يحتاج إلى ماله لظهور انتهاء آماله.
فإن قيل: لو أقرَّ لامرأته بمهرها صدق فيما بينه وبين مهر مثلها، وتحاص غرماء الصحة.
قلنا: لا تهمة في إقراره؛ لوجوب قدر المثل بالنكاح لا بإقراره؛ ولهذا يجعل عند المنازعة القول قولها إلى قدر مهر مثلها، أما لو أقر بالزيادة على قدر مهر المثل؛ بطلت الزيادة للتهمة فيها؛ ولهذا لو أقرت المرأة في مرضها بقبض مهرها من زوجها لا تصدق؛ لأنه إقرار باستيفاء الدين من وارثها، وإقرار المريض باستيفاء الدين من وارثه باطل.
وأما الجواب عن الإقرار باستهلاك وديعة معروفة أنه لو لم يعتبر إقراره يصير أنه مات مجهلًا فيجب الضمان، فلا يفيد رد إقراره، ولأن الوديعة بكونها معينة للوارث تندفع التهمة؛ لأنه لا تهمة في المعاينة. ذكره في الجامع الكبير، وأما ما ذكره مالك لا يصح؛ لأن التهمة لا يمكن اعتبار نفسها؛ لأنها مخفية فوجب اعتبار مظنتها، وهو الإرث؛ ولذلك اعتبر في الوصية والتبرع وغيرهما.
стр. 5698
قَالَ: (وَإِذَا أَقَرَّ لِأَجْنَبِيّ جَازَ وَإِنْ أَحَاطَ بِمَالِهِ) لِمَا بَيَّنَّا، وَالْقِيَاسُ: أَنْ لَا يَجُوزَ إِلَّا فِي الثُّلُثِ لِأَنَّ الشَّرْعَ قَصَرَ تَصَرُّفَهُ عَلَيْهِ إِلَّا أَنَّا نَقُولُ: لَمَّا صَحَ إِقْرَارُهُ فِي الثُّلُثِ كَانَ لَهُ التَّصَرُّفُ فِي ثُلُثِ البَاقِي، لِأَنَّهُ الثُّلُثُ بَعْدَ الدَّيْنِ، ثُمَّ وَثُمَّ حَتَّى يَأْتِيَ عَلَى الكل.
قَالَ: (وَمَنْ أَقَرَّ لِأَجْنَبِيّ ثُمَّ قَالَ: هُوَ ابْنِي ثَبَتَ نَسَبُهُ مِنْهُ وَبَطَلَ إِقْرَارُهُ، فَإِنْ أَقَرَّ لِأَجْنَبِيَّةٍ ثُمَّ تَزَوَّجَهَا، لَمْ يَبْطُلْ إقْرَارُهُ لَهَا) وَوَجْهُ الفَرْقِ: أَنَّ دَعْوَةَ النَّسَبِ تَسْتَنِدُ إِلَى
قوله: (لما بينا) وهو أن قضاء الدين من الحوائج الأصلية.
قوله: (لما صح إقراره في الثلث لانتفاء التهمة عن إيثاره في ذلك القدر؛ لأن ذلك القدر لم يتعلق به حق الورثة، فيصح في ثلث ما بقي؛ لأن الثلث بعد الدين ثم وثم حتى يأتي على الكل). هكذا ذكره في الإيضاح.
فإن قيل: فعلى هذا التعليل ينبغي أن تجوز وصيته بجميع المال إذا لم يكن عليه دين بهذا الطريق؛ لأن المريض له حق التصرف في الثلث بدون إجازة الورثة، فلما صح تصرفه في الثلث كان له التصرف في الثلث الباقي؛ لما أن جميع المال بعد إخراج الثلث كأنه من الابتداء، فيجب أن تنفذ وصيته في ثلثه هم، ثم إلى أن يأتي على الكل.
قلنا: الوصية تبرع محض ابتداء، وتبرعه مقصور على الثلث، أما الإقرار إخبار عن دين لازم في نفسه، وإنما جعل تبرعًا في حق غرماء الصحة؛ لئلا يبطل حقهم، ولما كان إخبارًا فظاهر حال العاقل أنه لا يكذب على نفسه، خصوصًا في حال المرض، فيثبت الدين، والثلث يعتبر بعد الدين، ولا كذلك في الوصية. إليه أشار في الأسرار.
قوله: (ثبت نسبه وبطل إقراره) وبه قال أحمد والشافعي في قول لا يصح إقراره للوارث.
قوله: (ثم تزوجها) أي: الأجنبية (لم يبطل إقراره) وبه قال أحمد في الأصح والشافعي في القديم ومالك واختاره الروياني وأبو إسحاق من أصحابه.
وقال في الجديد، وهو أظهر من مذهبه، وأحمد في رواية: يبطل إقراره؛ لأن اعتبار كونه وارثًا حال الموت لا حال الإقرار، كالوصية.
стр. 5699
وَقْتِ العُلُوقِ، فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ أَقَرَّ لِابْنِهِ فَلَا يَصِحُ، وَلَا كَذَلِكَ الزَّوْجِيَّةُ، لِأَنَّهَا تَقْتَصِرُ عَلَى زَمَانِ التَّزَوُّحِ فَبَقِيَ إِقْرَارُهُ لِأَجْنَبِيَّةِ.
ولنا: الفرق المذكور في الكتاب.
وحاصل جنس هذه المسائل على خمسة أوجه: إما أن كان المقرّ له وارثاً بطريق الاستمرار، أو كان وارثا وقت الإقرار دون الموت، أو على العكس، أو كان وارثا وقت الإقرار والموت لا فيما بينهما. ففي الوجه الأول يبطل الإقرار بلا خلاف، وفي الوجه الثاني لا يبطل بلا خلاف.
وفي الوجه الثالث، وهو ما إذا كان وارثًا وقت الإقرار، بأن أقر لأخيه، ثم ولد للمريض ابن، أو كان ابنه رقيقًا أو كافرًا، ثم أسلم أو أعتق عند الموت فصار الابن هو الوارث لا الأخ جاز إقراره؛ لأن المانع من صحته كون المقر له وارثاً، والوراثة تثبت عند الموت، فكان هو كالأجنبي وقت الإرث.
وفي الوجه الرابع، وهو ألا يكون وارثا وقت الإقرار، ثم صار وارثا عند الموت، بأن أقر لأخيه وله ابن، فمات ابنه قبل أخيه، حتى صار الأخ وارثا بطل إقراره عندنا، وبه قال أحمد والشافعي في الأصح. وقال زفر: إقراره له، وبه قال مالك والشافعي في القديم؛ لأن إقراره بغير تهمة موجب الحق، وقد حصل لمن له غير وارث، فيصح ولا يبطل؛ لصيرورته وارثا بعد ذلك، كما لو أقر في صحته ثم مرض، وكما لو أقر لأجنبية ثم تزوجها.
وقلنا: إنه وارث وقت الإقرار؛ لوجود القرابة عنده، إلا أنه لم يستحق المال لوجوب الأقرب منه، بخلاف الأجنبية إذا تزوجها؛ لأنها صارت وارثة بسبب حادث بعد الإقرار، والحكم لا يسبق سببه. وبخلاف ما لو أقر في الصحة ثم مرض؛ لأن المرض حادث بعد الإقرار، فالحجر بسببه لا يستند إلى وقت الإقرار.
وفي الوجه الخامس، وهو أن يكون وارثا وقت الإقرار والموت فيما
стр. 5700
قَالَ: (وَمَنْ طَلَّقَ زَوْجَتَهُ فِي مَرَضِهِ ثَلَاثًا، ثُمَّ أَقَرَّ لَهَا بِدَيْنٍ ومات، فَلَهَا الأَقَلُّ مِنْ الدَّيْنِ وَمِنْ مِيرَاثِهَا مِنهُ) لِأَنَّهُمَا مُتَهَمَانِ فِيهِ لِقِيَامِ العِدَّةِ، وَبَابُ الإِقْرَارِ مَسْدُودٌ لِلْوَارِثِ فَلَعَلَّهُ أَقْدَمَ عَلَى هَذَا الطَّلَاقِ لِيَصِحَّ إِقْرَارُهُ لَهَا زِيَادَةٌ عَلَى مِيرَاثِهَا وَلَا تُهْمَةَ فِي أَقَلُّ الْأَمْرَيْنِ فَيَثْبُتُ.
فَصْلٌ: [الإِقْرَار بالنَّسَبِ]
(وَمَنْ أَقَرَّ بِغُلَامٍ يُولَدُ مِثْلُهُ لِمِثْلِهِ، وَلَيْسَ لَهُ نَسَبٌ مَعْرُوفٌ، أَنَّهُ ابْنُهُ وَصَدَّقَهُ الغُلَامُ، ثَبَتَ نَسَبُهُ مِنْهُ وَإِنْ كَانَ مَرِيضًا)
بينهما، بأن أقر لامرأته ثم أبانها، وانقضت عدتها ثم تزوجها ثم مات من مرضه - يبطل إقراره في قول أبي يوسف، وبه قال الشافعي في الأظهر ومالك وأحمد، ولا يبطل إقراره عند محمد، وهو القياس؛ لأنها إنما ورثت بسبب حادث بعد الإقرار، فلا يؤثر ذلك في إبطال الإقرار، كما لو أقر المريض ثم صح ثم مرض ثم مات.
ولأبي يوسف: أن الإقرار حصل للوارث، وتثبت له هذه الصفة عند الموت، فكان باطلا، كما لو لم يطلقها؛ وهذا لأن إقراره له إنما لا يصح لَيُمَكِّن تهمة الإيثار بسبب الوراثة، وهو موجود وقت الإقرار ووقت الموت، والعقد المتجدد قائم مقام الأول في تقرير صفة الوراثة عند الإقرار؛ لأن تهمة الإقرار غير متقررة ثم، فصح الإقرار مطلقًا له. كذا في المبسوط (١).
فَصْلٌ: [الْإِقْرَارِ بِالنَّسَبِ]
قدم الإقرار بالمال؛ لكثرة وجوده، وعقبه بالإقرار بالنسب لقلة وجوده.
قوله: (وصدقه الغلام) أي: فيما إذا كان الغلام يعبر عن نفسه، أما إذا لم يكن يعبر عن نفسه ثبت نسبه بدون تصديقه، وعند الشافعي وأحمد لا يعتبر تصديقه وتكذيبه إذا لم يكن مكلفا، كالصغير والمجنون، عبر عن نفسه أو لا، في الكبير يشترط تصديقه.
وقال مالك: لا يشترط تصديقه إذا لم يكذبه الحس أو الشرع، سواء كان
стр. 5701
لِأَنَّ النَّسَبَ مِمَّا يَلْزَمُهُ خَاصَّةٌ فَيَصِحٌ إِقْرَارُهُ بِهِ، وَشَرْطُ أَنْ يُولَدَ مِثْلُهُ لِمِثْلِهِ كَيْ لَا يَكُونَ مُكَذَّبًا فِي الظَّاهِرِ، وَشَرْطُ أَنْ لَا يَكُونَ لَهُ نَسَبٌ مَعْرُوفٌ، لِأَنَّهُ يَمْنَعُ ثُبُوتَهُ مِنْ غَيْرِهِ، وَإِنَّمَا شَرَطَ تَصْدِيقَهُ، لِأَنَّهُ فِي يَدِ نَفْسِهِ إِذْ المَسْأَلَةُ فِي غُلَامٍ يُعَبِّرُ عَنْ نَفْسِهِ، بِخِلَافِ الصَّغِيرِ عَلَى مَا مَرَّ مِنْ قَبْلُ، وَلَا يَمْتَنِعُ بِالمَرَضِ، لِأَنَّ النَّسَبَ مِنْ الحَوَائِجِ الأَصْلِيَّةِ وَيُشَارِكُ الوَرَثَةَ فِي المِيرَاثِ لِأَنَّهُ لَمَّا ثَبَتَ نَسَبُهُ مِنهُ صَارَ كَالْوَارِثِ المَعْرُوفِ فَيُشَارِكُ وَرَثَتَهُ.
قَالَ: (وَيَجُوزُ إِقْرَارُ الرَّجُلِ بِالْوَالِدَيْنِ وَالوَلَدِ
كبيرًا أو صغيرًا، ولو كذبه الحس بأن يكون لا يولد مثله لمثله؛ لا يثبت نسبه بلا خلاف.
وقال مالك: لو كذبه العرف بأن يستيقن الناس أنه ليس بولده، كما إذا كان الغلام سندي والرجل فارسي لا يثبت نسبه، ولا يكون الغلام حرا. ذكره في الجواهر.
وقلنا: إذا لم يكن نسبه معروفًا، ويولد مثله لمثله يثبت نسبه وإن كذبه العرف؛ لأن النسب فيما يحتاط في إثباته، ففي كل صورة يمكن إثباته يثبت، وفي هذه الصورة ممكن فيثبت، ولو أقر بنسب صغير ميت لا يثبت نسبه عندنا ومالك. وقال الشافعي وأحمد يثبت، ولو كان معروف النسب من غيره لا يثبت نسبه منه أيضًا بلا خلاف؛ لأنه ﵇ «لَعَنَ مَنِ انْتَسَبَ إلى غَيْرِ أَبِيهِ» (١).
قوله: (لأنَّ النسب مما يلزمه خاصة) أي: ليس فيه حمل النسب على الغير؛ بل هو حق يلزمه خاصة، فيقبل إقراره. كذا في شرح الأقطع.
قوله: (وقد مر من قبل) في باب دعوى النسب من كتاب الدعوى في قوله: (وإن كان الصبي في أيديهما) فإن المراد إن كان صبيا لا يعبر عن نفسه، أما إذا كان فالتعيين إليه؛ لأنه حينئذ كان في يد نفسه، فلا يقبل إقرار غيره عليه.
قوله: (ويجوز إقرار الرجل بالوالدين والولد) بالشرائط التي قلنا، فإنه ذكر في شرح فرائض السراجي لمصنفه: الإقرار على ضربين:
أحدهما: يجوز ويثبت النسب كالإقرار بمجهول نسب يولد مثله لمثله،
стр. 5702
وَالزَّوْجَةِ وَالمَوْلَى) لِأَنَّهُ أَقَرَّ بِمَا يَلْزَمُهُ وَلَيْسَ فِيهِ تَحْمِيلُ النَّسَبِ عَلَى الغَيْرِ.
(وَيُقْبَلُ إِقْرَارُ المَرْأَةِ بِالوَالِدَيْنِ وَالزَّوْجِ وَالمَوْلَى) لِمَا بَيَّنَّا (وَلَا يُقْبَلُ بِالوَلَدِ) لِأَنَّ فِيهِ تَحْمِيلَ النَّسَبِ عَلَى الغَيْرِ، وَهُوَ الزَّوْجُ، لِأَنَّ النَّسَبَ مِنْهُ (إِلَّا أَنْ يُصَدِّقَهَا الزَّوْجُ) لِأَنَّ الحَقَّ لَهُ (أَوْ تَشْهَدَ بِوِلَادَتِهِ قَابِلَةٌ) لِأَنَّ قَوْلَ القَابِلَةِ فِي هَذَا مَقْبُولٌ، وَقَدْ مَرَّ فِي الطَّلَاقِ، وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي إِقْرَارِ المَرْأَةِ تَفْصِيلًا فِي كِتَابِ الدَّعْوَى،
ويصدقه إذا كان بالغا، وإذا لم يكن كذلك لا يصح إقراره، وكذا لو أقر بالوالدين يصح بشرط أن يولد المقر منهما، بشرط ألا يكون للمقر نسب معروف من غيرهما، وبشرط أن يصدقه الأب والأم إذا كانا غافلين، وفي هذا إجماع لا خلاف فيه، وكذلك المرأة إذا أقرت بالوالدين يصح بهذا الشرط.
وفي النهاية: ما ذكر هاهنا من صحة إقرار المقر بالأم، حيث قال: بالوالدين موافق لرواية التحفة، ورواية شرح فرائض السراجي لمصنفه، ومخالف لعامة النسخ من المبسوط والإيضاح والجامع وغيرها، والله أعلم بصحته.
قوله: (والزوجة والمولى) أي: إقراره بالمرأة يصح إذا صدقته المرأة، وكانت خالية من الزوج وعدته، ولم يكن تحت المقر أختها أو أربع سواها، وأراد المولى العتاقة، سواء أراد المعتق على صيغة الفاعل، أو المعتق على صيغة المفعول، فإنَّ الإقرار لكل واحد صحيح إذا صدقه المقر له، ولا يكون ولاؤه ثابتا من غيره؛ لأن الولاء كالنسب، وثبوت النسب من الغير يمنع صحة الإقرار به، فكذا الولاء. إليه أشار في الذخيرة.
(لما بينا)؛ وهو أن موجب الإقرار يثبت فيما بينهما بتصادقهما وليس فيه تحميل النسب على الغير، وبشرط أن تكون خالية عن الزوج وعدته، ولا يكون تحت المقر له بالزوجية أختها وأربع سواها.
قوله: (تفصيلا في كتاب الدعوى) فقد ذكر فيه إقرارها بالولد إنما لا يصح إذا كانت المرأة ذات زوج، أما إذا لم تكن منكوحة أو معتدة قالوا: يثبت النسب منها بقولها؛ لأن فيه إلزامًا على نفسها دون غيرها.
تفصل آخر: وهو أن شهادة القابلة إنما تشترط إذا ادعت نسب الولد من
стр. 5703
وَلَا بُدَّ مِنْ تَصْدِيقِ هَؤُلَاءِ، وَيَصِحُ التَّصْدِيقُ فِي النَّسَبِ بَعْدَ مَوْتِ المُقِرِّ، لِأَنَّ النَّسَبَ يَبْقَى بَعْدَ المَوْتِ، وَكَذَا تَصْدِيقُ الزَّوْجَةِ، لِأَنَّ حُكْمَ النِّكَاحِ بَاقٍ، وَكَذَا تَصْدِيقُ الزَّوْجِ بَعْدَ مَوْتِهَا، لِأَنَّ الإِرْثَ مِنْ أَحْكَامِهِ. وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ: لَا يَصِحُ لِأَنَّ النِّكَاحَ انْقَطَعَ بِالمَوْتِ، وَلِهَذَا لَا يَحِلُّ لَهُ غُسْلُهَا عِنْدَنَا، وَلَا يَصِحُ التَّصْدِيقُ عَلَى اعْتِبَارِ الإِرْثِ، لِأَنَّهُ مَعْدُومٌ حَالَةَ الإِقْرَارِ، وَإِنَّمَا يَثْبُتُ بَعْدَ المَوْتِ وَالتَّصْدِيقُ يَسْتَنِدُ إِلَى أَوَّلِ الإِقْرَارِ.
زوجها، وزوجها ينكر، أما لو ادعت وصدقها الزوج فهو ابنها وإن لم تشهد القابلة بذلك.
قوله: (ولا بد من تصديق هؤلاء) بلا خلاف؛ لأنهم في أيدي أنفسهم، فيتوقف نفاذ الإقرار على تصديقهم.
قوله: (وكذا تصديق الزوجة) يعني: أقر الرجل بأنها زوجته، ثم مات، فصدقته المرأة بعد موته - جاز تصديقها بالاتفاق حتى يكون لها المهر والإرث؛ لأن حكم النكاح، وهو العدة، باقٍ بعد الموت؛ ولهذا يغسله بعد الموت، أما في العكس، وهو إن أقرت بنكاح رجل وماتت فصدقها الزوج فلم يصح في قول أبي حنيفة. وقال أبو يوسف: يصح تصديقه بعد موتها وعليه مهرها وله الميراث منها؛ لأن الإقرار بالنكاح لا يبطل بالموت بدليل جانبه، وذلك أن النكاح ينتهي بالموت، ولا يبطل كالنسب والمنتهي متقرر في نفسه؛ ولهذا ترث المرأة منه فيصح التصديق.
ولأبي حنيفة: أن النكاح انقطع بالموت، وأما الإرث فحكم يثبت بعد الموت، والنكاح إنما ينتهي في حق حكم كان قبل الموت، فأما في المستقبل فالنكاح معدوم بعلائقه، فمتى صححنا الإقرار صححناه؛ لإثبات الإرث ابتداء، فيكون التصديق واقعًا في شيء هو في الحال معدوم من كل وجه، وهو النكاح، وهذا لا يجوز.
فإن قيل: لو أقر بعبد لرجل ومات العبد، وترك كسبا اكتسبه بعد الإقرار ثم صدقه المقر له - يستحق الكسب والإرث في مسألتنا كذلك.
قلنا: الكسب في حكم المنفعة، فيصير الإقرار بالعبد إقرارًا بكسبه، فيصير
стр. 5704
قَالَ: (وَمَنْ أَقَرَّ بِنَسَبٍ مِنْ غَيْرِ الوَالِدَيْنِ وَالوَلَدِ نَحْوَ الْأَخِ وَالعَمِّ، لَا يُقْبَلُ إِقْرَارُهُ فِي النَّسَبِ لِأَنَّ فِيهِ حَمْلَ النَّسَبِ عَلَى الغَيْرِ فَإِنْ كَانَ لَهُ وَارِثٌ مَعْرُوفٌ قَرِيبٌ أَوْ بَعِيدٌ فَهُوَ أَوْلَى بِالمِيرَاثِ مِنْ المُقَرِّ لَهُ) لِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَثْبُتْ نَسَبُهُ مِنهُ لَا يُزَاحِمُ الوَارِثَ المَعْرُوفَ (وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَارِثُ اسْتَحَقَّ المُقَرُّ لَهُ مِيرَاثَهُ) لِأَنَّ لَهُ وِلَايَةَ التَّصَرُّفِ فِي مَالِ نَفْسِهِ عِنْدَ عَدَمِ الوَارِثِ؛ أَلَا يُرَى أَنَّ لَهُ أَنْ يُوصِيَ بِجَمِيعِهِ فَيَسْتَحِقَّ جَمِيعَ المَالِ، وَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ نَسَبُهُ مِنْهُ لِمَا فِيهِ مِنْ حَمْلِ النَّسَبِ عَلَى الغَيْرِ، وَلَيْسَتْ هَذِهِ وَصِيَّةٌ حَقِيقَةٌ، حَتَّى أَنَّ مَنْ أَقَرَّ بِأَخِ ثُمَّ أَوْصَى لِآخَرَ بِجَمِيعِ مَالِهِ، كَانَ لِلْمُوصَى لَهُ ثُلُثُ جَمِيعِ المَالِ خَاصَّةٌ، وَلَوْ كَانَ الأَوَّلُ وَصِيَّةٌ لَاشْتَرَكَا نِصْفَيْنِ لَكِنَّهُ بِمَنْزِلَتِهِ، حَتَّى لَوْ أَقَرَّ فِي مَرَضِهِ بِأَخِ وَصَدَّقَهُ المُقَرُّ لَهُ ثُمَّ أَنْكَرَ المُقِرُّ وِرَاثَتَهُ ثُمَّ أَوْصَى بِمَالِهِ كُلِّهِ لِإِنْسَانٍ، كَانَ مَالُهُ لِلْمُوصَى لَهُ؛ وَلَوْ لَمْ يُوصِ لِأَحَدٍ كَانَ لِبَيْتِ المَالِ، لِأَنَّ رُجُوعَهُ صَحِيحٌ لِأَنَّ النَّسَبَ لَمْ يَثْبُتْ فَبَطَلَ إِقْرَارُهُ.
قَالَ: (وَمَنْ مَاتَ أَبُوهُ فَأَقَرَّ بِأَخْ: لَمْ يَثْبُتْ نَسَبُ أَخِيهِ) لِمَا بَيَّنَّا (وَيُشَارِكُهُ فِي الْإِرْثِ)
قيامه بمنزلة قيام العبد، وأما الإرث يثبت بعد الموت على سبيل الخلافة بسبب الزوجية لا بحق الإقرار، فالمستحق عليها بالنكاح يفوت بموتها، فبقي تصديقه بعده دعوى إرث مبتدأ. كذا في الأسرار والإيضاح وغيرهما.
قوله: (ومن أقر بنسب من غير الوالدين إلى قوله: (لا يقبل إقراره).
وفي التحفة: لا بد فيه من البينة (١).
قوله: فإن كان ألفا للنتيجة؛ لأنه بين صورة ذلك الإقرار، فإن كان لذلك المقر وارث معروف من نسب أو موالاة؛ فالإرث للعمة أو الخالة أو مولى العتاقة أو مولى الموالاة لا للأخ المقر له؛ لأنه لم يثبت نسبه، فلا يزاحم الوارث المعروف، ولا خلاف فيه، وإن لم يكن له وارث استحق المقر له ميراثه، وبه قال مالك.
قوله: (لما بينا) وهو أن فيه حمل النسب على الغير، ويشاركه في الإرث)، وبه قال مالك وأحمد وأكثر أهل العلم. وقال الشافعي: لا يشاركه في
стр. 5705
لِأَنَّ إِقْرَارَهُ تَضَمَّنَ شَيْئَيْنِ: حَمْلَ النَّسَبِ عَلَى الغَيْرِ، وَلَا وِلَايَةَ لَهُ عَلَيْهِ، وَالِاشْتِرَاكَ فِي المَالِ، وَلَهُ فِيهِ وِلَايَةٌ، فَيَثْبُتُ كَالمُشْتَرِي، وَإِذَا أَقَرَّ عَلَى البَائِعِ بِالعِتْقِ: لَمْ يُقْبَلْ إِقْرَارُهُ حَتَّى لَا يَرْجِعَ عَلَيْهِ بِالثَّمَنِ وَلَكِنَّهُ يُقْبَلُ فِي حَقِّ العِتْقِ. قَالَ: (وَمَنْ مَاتَ وَتَرَكَ ابْنَيْنِ، وَلَهُ عَلَى آخَرَ مَائَةُ دِرْهَم فَأَقَرَّ أَحَدُهُمَا أَنَّ أَبَاهُ قَبَضَ مِنهَا خَمْسِينَ: لَا شَيْءَ لِلْمُقِرِّ، وَلِلْآخَرِ خَمْسُونَ) لِأَنَّ هَذَا إِقْرَارٌ بِالدَّيْنِ عَلَى المَيِّتِ، لِأَنَّ الِاسْتِيفَاءَ إِنَّمَا
الإرث؛ لعدم ثبوت النسب، وحكي ذلك عن ابن سيرين.
أما لو كان الوارث واحدًا يجوز جميع الميراث، فأقر بأخ أو عم، أو أقر جميع الورثة - يشاركهم في الميراث بلا خلاف ويثبت نسبه عند الشافعي وأحمد وأبي يوسف ومحمد، وحكاه عن أبي حنيفة، وعند أبي حنيفة: إن كان الوارث واحدًا لم يثبت النسب بإقراره، وإن كان اثنين يثبت في المشهور عنه، وهو قول مالك.
واختلفوا في كيفية المشاركة، فلو أقر بأخ وجحده أخوه؛ أعطى نصف ما أخذه، وعند مالك وأحمد ثلث ما أخذه، وبه قال ابن أبي ليلى والثوري والحسن بن صالح وأبو عبيدة وأبو ثور، ولو أقر بأخت وأنكره أخوه أعطى ثلث ما أخذه عندنا، وعند مالك وأحمد خمس ما أخذه، ولو أقر ابن وبنت بأخ، وكذبه ابن وبنت يقسم نصيب المقرين بينهم أخماسًا عندنا، وعند مالك وأحمد أرباعًا، فالأصل عندنا أن يقسم نصيب المقر له على قدر نصيبه، وعلى ما يصيب المقر له من نصيب المقر خاصة؛ لأن من زعم المقر أن حق المقر له بعضه في نصيبي، وبعضه في نصيب شركائي، فيقسم كذلك، كما هو المذهب عندنا، وبه قال الشافعي.
وقال الشافعي في قول وأحمد يلزمه نصف الدين، وهو قياس مذهب مالك، وبه قال النخعي والحسن والحكم وإسحاق وأبو عبيد وأبو ثور؛ لأنه لا يستحق أكثر من نصف الميراث، فلا يلزمه أكثر من نصف الدين، كما لو أقر أخوه، ولأنه إقرار تعلق بحصته وحصة أخيه، فلا يجب عليه إلا ما يخصه، كالإقرار بالوصية، وإقرار أحد الشريكين على مال الشركة.
وقلنا: الدين يتعلق بتركة الميت، فيكون مقدمًا على الإرث، فما لم يقبض
стр. 5706
يَكُونُ بِقَبْضِ مَضْمُونٍ، فَإِذَا كَذَّبَهُ أَخُوهُ اسْتَغْرَقَ الدَّيْنُ نَصِيبَهُ كَمَا هُوَ المَذْهَبُ عِنْدَنَا، غَايَةَ الْأَمْرِ أَنَّهُمَا تَصَادَقَا عَلَى كَوْنِ المَقْبُوضِ مُشْتَرَكًا بَيْنَهُمَا، لَكِنَّ الْمُقِرَّ لَوْ رَجَعَ عَلَى القَابِضِ بِشَيْءٍ لَرَجَعَ القَابِضُ عَلَى الغَرِيمِ وَرَجَعَ الغَرِيمُ عَلَى الْمُقِرِّ فَيُؤَدِّي إِلَى الدَّوْرِ.
جميع الدين لا يكون له من الميراث شيء، ولا يرجع المقر على أخيه بنصف ما قبض، وإن تصادقا على أن المقبوض مشترك بينهما؛ فإن الابن المقر يزعم أن الأب قبض النصف شائعًا، والابن المنكر يزعم أن الأب ما قبض شيئًا، والخمسون الباقية على الغريم التي يقبضها الأخ المنكر مشترك بين المنكر والمقر؛ وذلك لأن جميع الدين كان مشتركا بينهما، فكذا بعضه يكون مشتركًا بينهما، فما هلك يهلك مشتركًا، وما بقي يبقى مشتركًا؛ لكن الأخ الجاحد لما أنكر الهلاك حتى لم يؤثر الهلاك في نصيبه، فلو رجع المقر على أخيه لرجع أخوه على الغريم، فيرجع الغريم على المقر بقدر ذلك؛ لانتقاض المقاصة في ذلك القدر، وبقائه دينا على الميت؛ فإن الدين مقدَّم على الإرث، فيؤدي إلى الدور.
ولو أقر أحدهما أن الأب قبض الكل وكذَّبه الآخر، وترك الميت مائة أخرى واقتسماه - رجع المكذب على الغريم بنصفه بعد أن يُحلّف المكذب: بالله ما يعلم أن الميت قبض الكل، فإن نكل برئ الغريم عن كل الدين.
بخلاف الأول؛ لأن الغريم هناك يدعي البراءة عن الخمسين، وقد حصل له البراءة عن الخمسين بإقرار المصدق، فلا يحلف المكذب لحق الغريم، وهنا يدعي الغريم البراءة عن الكل، وقد برئ عن النصف، ويرجع الغريم على المقر بنصف المائة الذي أخذه من تركة أبيه؛ لأن من زعمه أن الميت قبض كل المائة، وصار ذلك دينا عليه، وبطلت المقاصة فيما قبض الابن المكذب، وبقيت الخمسون دينًا على الميت للغريم، والدين مقدم على الإرث، والله أعلم.
стр. 5707
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
كِتَابُ الصُّلْحِ
قَالَ: (الصُّلْحُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ: صُلْحٌ مَعَ إِقْرَارِ، وَصُلْحُ مَعَ سُكُوتِ: وَهُوَ أَنْ لَا يُقِرَّ المُدَّعَى عَلَيْهِ وَلَا يُنْكِرَ، وَصُلْحٌ مَعَ إِنْكَارٍ، وَكُلُّ ذَلِكَ جَائِزٌ) لِإِطْلَاقِ قَوْله
كِتَابُ الصُّلْحِ
وقد بينا وجه مناسبة الصلح بالإقرار والدعوى في أول الإقرار، ثم لا حاجة إلى بيان محاسن الصلح إذ الصلح اسم للمصالحة وهو حسن بذاته؛ لأنها خلاف المخاصمة، والمخاصمة قبيح لذاته، ثم يحتاج إلى بيان الصلح لغةً، وشريعة، وركنه، وسببه، وحكمه.
فالصلح: اسم لغة للمصالحة التي هي المسالمة، وأصله من الصلاح وهو استقامة الحال.
وشرعًا: عبارة عن عقد يرفع النزاع.
وركنه: الإيجاب والقبول.
وسببه: ما هو سبب في سائر المعاملات وهو تعلق بقاء المقدور بتعاطيه.
وشرطه: كون المُصالح عنه حقًا يجوز الاعتياض عنه كالقصاص، بخلاف ما إذا كان حقًا لا يجوز الاعتياض عنه؛ كحق الشفعة، والكفالة بالنفس، فلا يجوز الصلح عنه.
وكون بدل الصلح مالا معلومًا إن احتيج إلى قبضه، وإلا لا يشترط معلوميته؛ فإن من ادعى حقًا في دار، وادعى المدعي عليه حقا في حانوته فتصالحا على أن يترك كل واحد منهما دعواه قِبَلَ صاحبه صح وإن لم يبين كل واحد حقه؛ لأن جهالة الساقط لا تفضي إلى المنازعة.
стр. 5708
تَعَالَى: ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ [النساء: ١٢٨] وَلِقَوْلِهِ ﵊: «كُلُّ صُلْحِ جَائِزٌ
وحكمه: وقوع البراءة عن دعوى المدعي.
وأنواعه: مذكورة في الكتاب.
وجوازه بقوله تعالى: ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ [النساء: ١٢٨]، وقال تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ [الحجرات: ٩]، والحديث المذكور في المتن رواه أبو هريرة، والترمذي وقال: هذا حديث حسن صحيح.
وما روي: "أن النبي ﷺ صالح أهل مكة عام الحديبية" (١)، وانعقد الإجماع على جوازه.
فإن قيل: قوله تعالى: ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ لا يدل على تعميم الصلح؛ لأن الآية سبقت في الصلح بين الزوجين بدليل سياق الآية ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا﴾ [النساء: ١٢٨] الآية، ثم قال ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾، فيكون الألف واللام للمعهود المذكور، كما في قوله: ﴿فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ﴾ [المزمل: ١٦]؛ لأن المنكر إذا أعيدت معرفة كان الثاني عين الأول.
قلنا: قيل في جوابه في الأسرار: إن قوله ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ كلام مستقل بذاته فلا يربط بسببه، ولأنه تعالى أخرجه مخرج التعليل من الصلح المشروع قبله، أي: صالحوا لأن الصلح خير، والعلة لا تتقيد بمحل الحكم الذي علل فيه، بل متى وجدت ثبت حكمها.
يؤيده قوله: «الصُّلْحُ جائز بينَ المُسلمين»، الحديث، ولأنه لو حمل على الجنس يدخل المعهود وغيره، ولو حمل على المعهود يقتصر عليه فكان حمله على الجنس أولى بدليل عموم الحديث.
ثم الصلح عن الإقرار والإنكار والسكوت جائز عندنا، وبه قال مالك (٢)، وأحمد (٣)، وقال الشافعي: لا يجوز إلا مع الإقرار لما روينا (٤)، وهو قوله عليه
стр. 5709
فِيمَا بَيْنَ المُسْلِمِينَ إِلَّا صُلْحًا أَحَلَّ حَرَامًا أَوْ حَرَّمَ حَلَالًا وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يَجُوزُ مَعَ إِنْكَارٍ أَوْ سُكُوتٍ لِمَا رَوَيْنَا، وَهَذَا بِهَذِهِ الصِّفَةِ، لِأَنَّ البَدَلَ كَانَ حَلَالًا عَلَى الدَّافِعِ حَرَامًا عَلَى الْآخِذِ فَيَنْقَلِبُ الأَمْرُ، وَلِأَنَّ المُدَّعَى عَلَيْهِ يَدْفَعُ المَالَ لِقَطْعِ الخُصُومَةِ وَهَذَا رِشْوَةٌ. وَلَنَا: مَا تَلَوْنَا، وَأَوَّلُ مَا رَوَيْنَا، وَتَأْوِيلُ آخِرِهِ، أَحَلَّ حَرَامًا
السلام: «إلا صُلحًا أحلَّ حرامًا، أو حرَّمَ حلالا (١).
(وهذا)، أي: الصلح على الإنكار بهذه الصفة؛ لأن المدعي إن كان محقًا كأن أخذ المدعى به حلالا قبل الصلح، وحراما بعده. وإن كان مبطلا كأن أخذ المال على الدعوى الباطلة حرامًا عليه قبل الصلح، وحل بالصلح، فكان هذا صلحًا أحل حرامًا.
ولأن الصلح بهذه الصفة دفع رشوة؛ لأن المدعى عليه يدفعه المال لشره وخصومته ويكون رشوة، وقد لعن الشارع الراشي والمرتشي (٢)؛ بخلاف الصلح عن الإقرار فإنه لا يكون فيه ذلك.
ولنا ما تلونا من الآية والحديث؛ فإن كل واحد بإطلاقه يتناول الصلح على الإنكار والسكوت، فالتقييد بحالة الإقرار يكون زيادة على النص.
(وتأويل آخره)، أي: آخر الحديث: «أحلَّ حرامًا» لعينه؛ كالخمر، أو حلالا بعينه كالصلح مع امرأته ألا يطأ، ضرتها، أو أمته، وهذا النوع من الصلح باطل عندنا، وذلك لأن الحرام المطلق ما هو حرام لعينه، وكذا الحلال المطلق، فحمله على هذا أولى.
وما ذكره غير محتمل إذ الصلح مع الإقرار لا يخلو عن ذلك؛ لأن الصلح في العادة يقع على بعض الحق، فما زاد على المأخوذ إلى تمام الحق كان
стр. 5710
لِعَيْنِهِ كَالخَمْرِ، أَوْ حَرَّمَ حَلَالًا لِعَيْنِهِ، كَالصُّلْحِ عَلَى أَنْ لَا يَطَأَ الضَّرَّةَ، وَلِأَنَّ هَذَا صُلْحٌ بَعْدَ دَعْوَى صَحِيحَةٍ فَيُقْضَى بِجَوَازِهِ، لِأَنَّ المُدَّعِيَ يَأْخُذُهُ عِوَضًا عَنْ حَقِّهِ فِي زَعْمِهِ وَهَذَا مَشْرُوعٌ، وَالمُدَّعَى عَلَيْهِ يَدْفَعُهُ لِدَفْعِ الخُصُومَةِ عَنْ نَفْسِهِ، وَهَذَا مَشْرُوعٌ أَيْضًا، إذ المَالُ وِقَايَةُ الأَنْفُسِ وَدَفْعُ الرِّشْوَةِ لِدَفْعِ الظُّلْمِ أَمْرٌ جَائِزٌ.
حلالا للمدعي أخذه قبل الصلح وحرم بالصلح، وكان حرامًا على المدعى عليه منعه قبل الصلح وحل بالصلح، فعرف أن المراد به غير هذا، إليه أشار في المبسوط (١)، وفيه نوع تأمل.
قوله: (ولأن هذا)، أي: الصلح على الإنكار صلح بعد دعوى صحيحة ولهذا يستحلف المدعى عليه فيجوز؛ لأن المدعي يأخذه عوضا عن حقه الثابت في زعمه وهو مشروع، والمدعى عليه يعطيه قطعًا للمنازعة صيانة لعرضه، وبذل المال لمثل هذا الغرض مشروع؛ لأن المال خلق لصيانة الأنفس عن المهالك والمفاسد.
وإذا جاز الإعطاء والأخذ بناءً على غرضهما والصلح ليس إلا هذا، ولهذا قال أبو حنيفة: أجوز ما يكون الصلح الصلح عن الإنكار؛ لأن معنى الصلح يتحقق فيه، وهو قطع الخصومة، ودفع أذى الشغب والمشاجرة، فكان معنى الصلح فيه أبلغ وأتم، فكان أحق بالجواز، والحاجة إلى هذا الصلح أمس أيضًا؛ لأن الناس يحتاجون إلى الصلح على الإنكار لقطع المنازعة، ولهذا قال الشيخ أبو منصور الماتريدي ﵀: لم يعمل الشيطان في إيقاع العداوة والبغضاء بين الناس مثل من عمل في إبطال الصلح على الإنكار؛ لما فيه من امتداد المنازعات بين الناس، كذا في المحيط (٢).
قوله: (ودفع الرشوة لدفع الظلم جائز)، جواب عن قوله: (وهذا رشوة)، على أنا نقول: إنما يكون رشوة إذا أخذه بالجهة التي يدفعه الدافع، بل يأخذه بجهة الاعتياض عن حقه فلا يكون، ومن أبطل ذلك فإنما يبطله احتياطا للتحرز عن الحرام والرشوة، والأعمال بالنيات، كذا في