← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 30179

معراج الدراية في شرح الهداية

الكاكي

Полный текст (7 597 стр.). Показаны 5811–5850 · переход к 5816.

стр. 5811

الغَاصِبُ ضَاعَ وَلَا يَضِيعُ إِذَا صَبَغَ المَعْصُوبَ، وَإِذَا صَارَ شَرِيكًا بِالصَّبْغِ انْتَظَمَهُ قَوْلُهُ: اعْمَلْ بِرَأْيِكَ انْتِظَامَهُ الخُلْطَةَ فَلَا يَضْمَنُهُ. فَصْلٌ آخَرُ قَالَ: (فَإِنْ كَانَ مَعَهُ أَلْفٌ بِالنِّصْفِ فَاشْتَرَى بِهَا بَرًّا فَبَاعَهُ بِأَلْفَيْنِ، ثُمَّ اشْتَرَى بِالأَلْفَيْنِ عَبْدًا، فَلَمْ يَنْقُدْهُمَا حَتَّى ضَاعَا: يَغْرَمُ رَبُّ المَالِ أَلْفًا وَخَمْسَمِائَةٍ، وَالمُضَارِبُ خَمْسَمِائَةٍ، وَيَكُونُ رُبْعُ العَبْدِ لِلْمُضَارِبِ، وَثَلَاثَةُ أَرْبَاعِهِ عَلَى المُضَارَبَةِ) قَالَ: هَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ حَاصِلُ الجَوَابِ، لِأَنَّ الثَّمَنَ كُلَّهُ عَلَى المُضَارِبِ إِذْ هُوَ العَاقِدُ، إِلَّا أَنَّ لَهُ حَقَّ الرُّجُوعِ عَلَى رَبِّ المَالِ بِأَلْفٍ وَخَمْسِمِائَةٍ عَلَى مَا نُبَيِّنُ فَيَكُونُ عَلَيْهِ فِي الأُجْرَةِ. وَوَجْهُهُ: أَنَّهُ لَمَّا نَضَّ المَالُ ظَهَرَ الرِّبْحُ وَلَهُ مِنهُ، وَهُوَ خَمْسُمِائَةٍ، فَإِذَا اشْتَرَى قوله: (ضاع)، يعني لو قصره الغاصب حتى ازدادت قيمته للمالك أن يأخذه مجانًا. قوله: (انتظمه قوله: اعمل برأيك)، فتكون الشركة والخلط بإذن رب المال فلم يضمن بالصبغ، وبه قال مالك، وأحمد، وقال الشافعي: يضمن وإن قال له: اعمل برأيك، وقد مر. أما إذا لم يقله: اعمل برأيك لرب المال أن يضمنه لأنه يصير غاصبا. (فَصْلٌ آخَرُ) مسائل هذا الفصل متفرقة ذكرها بفصل على حدة. قوله: «واشترى بها بَزا»، قال محمد في السير الكبير: البر عند أهل الكوفة ثياب الكتان والقطن لا ثياب الصوف والخز (١). (حتى ضاعا)، أي: الألفان يغرم رب المال. قوله: (لمَّا نَضَّ المال)، أي: نقص (ظهر الربح)، بقدر الألف يملك المضارب نصفه (وهو خمسمائة).

стр. 5812

بِالأَلْفَيْنِ عَبْدًا صَارَ مُشْتَرِيًا رُبْعَهُ لِنَفْسِهِ، وَثَلَاثَةَ أَرْبَاعِهِ لِلْمُضَارَبَةِ عَلَى حَسَبِ انْقِسَامِ الأَلْفَيْنِ، وَإِذَا ضَاعَتْ الأَلْفَانِ وَجَبَ عَلَيْهِ الثَّمَنُ لِمَا بَيَّنَّاهُ، وَلَهُ الرُّجُوعُ بِثَلَاثَةِ أَرْبَاعِ الثَّمَنِ عَلَى رَبِّ المَالِ، لِأَنَّهُ وَكِيلٌ مِنْ جِهَتِهِ فِيهِ، وَيَخْرُجُ نَصِيبُ المُضَارِبِ وَهُوَ الرُّبْعُ مِنْ المُضَارَبَةِ، لِأَنَّهُ مَضْمُونٌ عَلَيْهِ، وَمَالُ المُضَارَبَةِ أَمَانَةٌ وَبَيْنَهُمَا مُنَافَاةٌ، وَيَبْقَى ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ العَبْدِ عَلَى المُضَارَبَةِ، لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ مَا يُنَافِي المُضَارَبَةَ (وَيَكُونُ رَأْسُ المَالِ أَلْفَيْنِ وَخَمْسَمِائَةٍ) لِأَنَّهُ دَفَعَ مَرَّةً أَلْفًا وَمَرَّةً أَلْفًا وَخَمْسَمِائَةٍ (وَلَا يَبِيعُهُ مُرَابَحَةٌ وقوله: (لما بينا)، إشارة إلى قوله: (أن الثمن كله على المضارب) (١) إلى آخره. (لأنه)، أي: الربع صار مضمونًا على المضارب، (ومال المضاربة أمانة) فيكون بينهما. ثم اعلم أن هلاك رأس المال قبل التصرف يوجب بطلان المضاربة، ولا يعلم فيه خلاف؛ لأن محل العقد يتعين، فإذا هلك المحل بطل العقد. والقول للمضارب في هلاكه مع يمينه إذا لم يعلم ذلك؛ كالمودع، ولو استهلكه المضارب، أو أنفقه، أو أعطاه رجلًا فاستهلكه لم يكن له أن يشتري عليه شيئًا؛ لأنه صار مضمونًا عليه بالتعدي والمضارب أمين، فلو أخذه من الذي استهلكه كان له أن يشتري على المضاربة في رواية الحسن، عن أبي حنيفة؛ لأنه أخذ العوض فصار بمنزلة الثمن. وروى محمد: أن المضارب لو أقرضه، ثم رجعت الدراهم بعينها إليه رجعت على المضاربة؛ لأنه زال التعدي، وإن أخذ مثلها لم يرجع؛ لأن الضمان قد استقر، وحكم المضاربة لا يجتمع مع الضمان، كذا في الذخيرة. (لأنه ليس فيه ما ينافي الضمان (٢)، إذ ضمان رب المال الثمن لا ينافي المضاربة. وصار رأس المال ألفين وخمسمائة)، وبه قال بعض أصحاب

стр. 5813

إِلَّا عَلَى أَلْفَيْنِ) لِأَنَّهُ اشْتَرَاهُ بِأَلْفَيْنِ، وَيَظْهَرُ ذَلِكَ فِيمَا إِذَا بِيعَ العَبْدُ بِأَرْبَعَةِ آلَافٍ، فَحِصَّةُ المُضَارَبَةِ ثَلَاثَةُ آلَافٍ، يَرْفَعُ رَأْسَ المَالِ وَيَبْقَى خَمْسُمِائَةٍ رِبْحٌ بَيْنَهُمَا. قَالَ: (وَإِنْ كَانَ مَعَهُ أَلْفٌ، فَاشْتَرَى رَبُّ المَالِ عَبْدًا بِخَمْسِمِائَةٍ، وَبَاعَهُ إِيَّاهُ بِأَلْفٍ، فَإِنَّهُ يَبِيعُهُ مُرَابَحَةٌ عَلَى خَمْسِمِائَةٍ) لِأَنَّ هَذَا البَيْعَ مَقْضِيٌّ بِجَوَازِهِ لِتَغَايُرِ المَقَاصِدِ دَفْعًا لِلْحَاجَةِ، وَإِنْ كَانَ بِيعَ مِلْكُهُ بِمِلْكِهِ إِلَّا أَنَّ فِيهِ شُبْهَةَ العَدَمِ، وَمَبْنَى الشافعي (١)، وقال بعضهم (٢)، ومالك (٣)، وأحمد (٤): رأس المال ما دفعه ثانيًا وهو ألف وخمسمائة. وفي الحلية: اشترى عبدًا في الذمة للمضاربة وتلفت الألف قبل أن ينقدها انفسخ القراض، وفي الثمن وجهان: أحدهما: أنه على رب المال. والثاني: أنه على العامل، وبعض أصحابنا قال: إنما أراد الشافعي بذلك إذا كانت الألف قد تلفت قبل الشراء، فأما لو تلفت بعد الشراء فالسلعة لرب المال، وعليه ثمنها. واختلف هؤلاء في رأس مال القراض قبل الألف الأولى والثانية يكونان رأس المال، وقيل: الثانية رأس المال خاصة، وعن مالك: رب المال بالخيار بين أن يدفع ألفًا أخرى وهي رأس المال دون الأولى، وإن لم يدفع تكون السلعة للعامل، وقال بعض أصحابه: يجبر رب المال الثمن ويصير رأس المال الثانية دون الأولى؛ لأن التالف تلف قبل التصرف فيه فلم يكن من رأس المال كما لو تلف قبل الشراء (٥). وجه قول الشافعي أن القراض ينفسخ بهلاك محله. قوله: (ويظهر)، أي: جميع ما ذكر قبله. قوله: (فيه شبهة العدم)، أي: شبهة عدم جواز البيع، فصار كأنه لم يبع

стр. 5814

المُرَابَحَةِ عَلَى الأَمَانَةِ وَالاحْتِرَازِ عَنْ شُبْهَةِ الخِيَانَةِ فَاعْتُبِرَ أَقَلَّ الثَّمَنَيْنِ، وَلَوْ اشْتَرَى المُضَارِبُ عَبْدًا بِأَلْفٍ، وَبَاعَهُ مِنْ رَبِّ المَالِ بِأَلْفِ وَمِائَتَيْنِ: بَاعَهُ مُرَابَحَةٌ بِأَلْفِ وَمِائَةٍ، لِأَنَّهُ اعْتُبِرَ عَدَمًا فِي حَقِّ نِصْفِ الرِّبْحِ، وَهُوَ نَصِيبُ رَبِّ المَالِ وَقَدْ مَرَّ فِي البُيُوعِ. قَالَ: فَإِنْ كَانَ مَعَهُ أَلْفٌ بِالنِّصْفِ، فَاشْتَرَى بِهَا عَبْدًا قِيمَتُهُ أَلْفَانِ، فَقَتَلَ العَبْدُ رب المال من المضارب شيئًا، ولهذا لم يصح هذا البيع عند زفر. قوله: (وقد مر في البيوع)، أي: في باب المرابحة في قوله وإذا كان مع المضارب عشرة دراهم إلى آخره. قوله: (قيمته ألفان،) قيد بألفين لأن قيمته لو كان ألفًا فتدبير جنايته على رب المال بلا خلاف؛ لأن رقبته ملكه وإن اختار رب المال الدفع والمضارب الفداء مع ذلك فله ذلك، خلافًا للأئمة الثلاثة؛ لأنه يستبقي بالفداء مال المضاربة، وله ذلك لأن الربح يتوهم، ذكره في الإيضاح. وفي جامع المحبوبي: لا يدفع إلى الجناية حتى يحضر رب المال والعامل، سواء كان قيمته مثل رأس المال أو أقل [أو] (١) أكثر؛ لأن الملك مشترك بينهما، وكذا إن كانت قيمته مثل رأس المال؛ لما أن العامل صاحب الحق فصار كعبد الرهن جنى جناية خطأ لا يدفع إلا بحضرة الراهن والمرتهن. والحاصل أن حضورهما يشترط للفداء، فإن كل واحد يملك الفداء، أما لو فداه العامل لا يرجع على رب المال؛ لأنه أدى دين غيره بغير أمره وهو غير مضطر فيه فكان متبرعًا كالأجنبي، وقال مالك، والشافعي في قول، وأحمد في رواية: إن كانت قيمته أكثر من رأس المال فرب المال يدفعه بلا حضور العامل؛ لأنه لا ملك للعامل بعد ظهور الربح حتى يقتسمها في قول، والفداء أيضًا على رب المال لا العامل لعدم ملكه. وقال الشافعي في قول، وأحمد في رواية: يظهر ملك العامل بمجرد ظهور الربح، كقولنا، فيكون الفداء عليه على قياس هذا القول.

стр. 5815

رَجُلًا خَطَاً، فَثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ الفِدَاءِ عَلَى رَبِّ المَالِ، وَرُبْعُهُ عَلَى المُضَارِبِ لِأَنَّ الفِدَاءَ مُؤْنَةُ المِلْكِ، فَيُتَقَدَّرُ بِقَدْرِ المِلْكِ وَقَدْ كَانَ المِلْكُ بَيْنَهُمَا أَرْبَاعًا، لِأَنَّهُ لَمَّا صَارَ المَالُ عَيْنًا وَاحِدًا ظَهَرَ الرِّبْحُ، وَهُوَ أَلْفٌ بَيْنَهُمَا، وَأَلْفٌ لِرَبِّ المَالِ بِرَأْسِ مَالِهِ، لِأَنَّ قِيمَتَهُ أَلْفَانِ، وَإِذَا فَدَيَا خَرَجَ العَبْدُ عَنْ المُضَارَبَةِ، أَمَّا نَصِيبُ المُضَارِبِ فَلِمَا بَيَّنَّاهُ، وَأَمَّا نَصِيبُ رَبِّ المَالِ: فَلِقَضَاءِ القَاضِي بِانْقِسَامِ الفِدَاءِ عَلَيْهِمَا، لِمَا أَنَّهُ يَتَضَمَّنُ قِسْمَةَ العَبْدِ بَيْنَهُمَا، وَالمُضَارَبَةُ تَنْتَهِي بِالقِسْمَةِ، بِخِلَافِ مَا تَقَدَّمَ لِأَنَّ جَمِيعَ الثَّمَنِ فِيهِ عَلَى المُضَارِبِ، وَإِنْ كَانَ لَهُ حَقُّ الرُّجُوعِ فَلَا حَاجَةَ إِلَى القِسْمَةِ، وَلِأَنَّ العَبْدَ كَالزَّائِلِ عَنْ مِلْكِهِمَا بِالجِنَايَةِ، وَدَفْعُ الفِدَاءِ كَابْتِدَاءِ الشِّرَاءِ، فَيَكُونُ العَبْدُ بَيْنَهُمَا أَرْبَاعًا لَا عَلَى المُضَارَبَةِ يَخْدُمُ المُضَارِبَ يَوْمًا وَرَبَّ المَالِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، بِخِلَافِ مَا تَقَدَّمَ. قَالَ: (فَإِنْ كَانَ مَعَهُ أَلْفٌ، فَاشْتَرَى بِهَا عَبْدًا، فَلَمْ يَنْقُدْهَا حَتَّى هَلَكَتْ الألفُ، … يَدْفَعُ رَبُّ المَالِ ذَلِكَ الثَّمَنَ، وَرَأسُ المَالِ جَمِيعُ مَا يَدْفَعُ إِلَيْهِ رَبُّ المَالِ) لِأَنَّ المَالَ أَمَانَةٌ فِي يَدِهِ وَلَا يَصِيرُ مُسْتَوْفِيًا، وَالِاسْتِيفَاءُ إِنَّمَا يَكُونُ بِقَبْضِ مَضْمُونٍ، وَحُكْمُ وقوله: (فلما بيناه) إشارة إلى ما ذكر في المسألة المتقدمة بقوله: (ويخرج نصيب المضارب الربع) (١). وذكر المحبوبي، وقاضي خان ولا يكون الدفع والفداء إلى المضارب خاصة؛ لأن (٢) الدفع والفداء ليس من أحكام المضاربة؛ لأن المقصود من المضاربة الاسترباح وليس باسترباح فيهما، فلهذا كان ذلك إليهما فإن شاءا دفعاه، وإن شاءا فدياه، وأيهما فعل بطل عقد المضاربة، أما الدفع فظاهر لأن مال المضاربة صار هالكا، وأما الفداء فلأن العبد بالجناية كالزائل ودفع الفداء كالشراء. قوله: (بخلاف ما تقدم) إشارة إلى قوله: (ضاعا) (٣)، أي: الألفان في المسألة المتقدمة حيث لا تنتهي المضاربة. وفي الفوائد الظهيرية: فرق هذا وبين ما تقدم حيث لا يخرج هناك ما

стр. 5816

الأَمَانَةِ يُنَافِيهِ، فَيَرْجِعُ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى، بِخِلَافِ الوَكِيلِ إِذَا كَانَ الثَّمَنُ مَدْفُوعًا إِلَيْهِ قَبْلَ الشِّرَاءِ وَهَلَكَ بَعْدَ الشَّرَاءِ حَيْثُ لَا يَرْجِعُ إِلَّا مَرَّةً، لِأَنَّهُ أَمْكَنَ جَعْلُهُ مُسْتَوْفِيًا، لِأَنَّ الوَكَالَةَ تُجَامِعُ الضَّمَانَ كَالغَاصِبِ إِذَا تَوَكَّلَ بِبَيْعِ المَغْصُوبِ، ثُمَّ فِي الوَكَالَةِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ يَرْجِعُ مَرَّةً، وَفِيمَا إِذَا اشْتَرَى ثُمَّ دَفَعَ المُوَكِّلُ إِلَيْهِ المَالَ فَهَلَكَ لَا يَرْجِعُ، لِأَنَّهُ ثَبَتَ لَهُ حَقُّ الرُّجُوعِ بِنَفْسِ الشِّرَاءِ فَجُعِلَ مُسْتَوْفِيًا بِالقَبْضِ بَعْدَهُ، أَمَّا المَدْفُوعُ إِلَيْهِ قَبْلَ الشِّرَاءِ أَمَانَةٌ فِي يَدِهِ وَهُوَ قَائِمٌ عَلَى الأَمَانَةِ بَعْدَهُ فَلَمْ يَصِرْ مُسْتَوْفِيًا، فَإِذَا هَلَكَ رَجَعَ عَلَيْهِ مَرَّةً ثُمَّ لَا يَرْجِعُ لِوُقُوعِ الِاسْتِيفَاءِ عَلَى مَا مَرَّ. يخص رب المال من المضاربة، وهاهنا يخرج، والفرق أن الواجب فيما تقدم ضمان تجارة، وضمان التجارة لا ينافي المضاربة، وهاهنا ضمان جناية وهو ليس من التجارة في شيء فلا يبقى على المضاربة، ورأس المال جميع ما يدفع قد بينا الخلاف فيه. قوله: (بخلاف الوكيل)، أي: الوكيل بشراء عبد بعينه والثمن مدفوع فاشترى فهلك الألف قبل أن ينقد له أن ير- يرجع مرة فقط. وذكر المحبوبي في الفرق ثلاثة أوجه: أحدها: ما ذكر في الكتاب. والثاني: أنا لو لم نحمل ما قبضه الوكيل على الاستيفاء لأبطلنا حق الموكل أصلا؛ لأنه إذا رجع عليه بألف أخرى ضاع ذلك أصلا، أما هاهنا فحق رب المال لا يضيع إذا حملنا على الأمانة؛ لأنه يلحق برأس المال ويستوفيه من الربح، ولو حمل على الاستيفاء يلحق المضارب ضرر فوجب اختيار أهون الأمرين. والثالث: أن الوكيل لما اشترى فقد انعزل عن الوكالة فلا يرجع على الموكل بعده، فأما المضارب فلا ينعزل بالشراء ويتصرف في كل أمره لرب المال فيرجع عليه في كل مرة على ما مر، وهو قوله (جعل مستوفيا بالقبض بعده).

стр. 5817

فَصْلٌ فِي الاخْتِلَافِ قَالَ: (وَإِنْ كَانَ مَعَ المُضَارِبِ أَلْفَانِ، فَقَالَ: دَفَعْتَ إِلَيَّ أَلْفًا، وَرَبِحْتُ أَلْفًا، وَقَالَ رَبُّ المَالِ: لَا، بَلْ دَفَعْت إِلَيْكَ أَلْفَيْنِ، فَالقَوْلُ قَوْلُ المُضَارِبِ) وَكَانَ أَبُو حَنِيفَةَ يَقُولُ أَوَّلًا: القَوْلُ قَوْلُ رَبِّ المَالِ وَهُوَ قَوْلُ زُفَرَ (*)، لِأَنَّ المُضَارِبَ يَدَّعِي عَلَيْهِ الشَّرِكَةَ فِي الرِّبْحِ وَهُوَ يُنْكِرُ، وَالقَوْلُ قَوْلُ المُنْكِرِ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى مَا ذَكَرَ فِي الكِتَابِ، لِأَنَّ الاِخْتِلَافَ فِي الحَقِيقَةِ فِي مِقْدَارِ المَقْبُوضِ، وَفِي مِثْلِهِ القَوْلُ قَوْلُ القَابِضِ ضَمِينًا كَانَ، أَوْ أَمِينًا، لِأَنَّهُ أَعْرَفُ بِمِقْدَارِ المَقْبُوضِ، وَلَوْ اخْتَلَفَا مَعَ ذَلِكَ فِي مِقْدَارِ الرِّبْحِ: فَالقَوْلُ فِيهِ لِرَبِّ المَالِ، لِأَنَّ الرِّبْحَ يُسْتَحَقُّ بِالشَّرْطِ وَهُوَ يُسْتَفَادُ مِنْ فَصْلٌ فِي الاخْتِلَافِ لما بين الاتفاق شرع في الاختلاف؛ لأن الاتفاق أصل، والاختلاف عارض، والعارض بعد وجود الأصل. قوله: (في مقدار المقبوض)، قيد به إذ لو كان الاختلاف في الصفة القول لرب المال على ما يجيء. في مثله، أي: مثل الاختلاف في مقدار المقبوض قول القابض إذا كان أمينًا، وبه قالت الأئمة الثلاثة، قال ابن المنذر: أجمع كل من يحفظ عنه من أهل العلم أن القول للعامل (١). وعن الشافعي في وجه: إذا كان في المال ربح حالفه، والأصح هو الأول؛ لأنه أمين قابض فهو أحق بمعرفة مقدار المقبوض، ولهذا لو كان غاصبا فهو أحق بمعرفة مقدار المقبوض فالأمين أولى ألا ترى أنه لو أنكر أصل القبض كان القول له، فكذا إذا أنكر قبض بعضه، ذكره في الإيضاح. قوله: (وإن اختلفا مع ذلك)، أي: مع الاختلاف في قدر رأس المال مقدار الربح بأن قال رب المال: رأس المال ألفان، وشرطت لك ثلث الربح، وقال العامل: رأس المال ألف، وشرطت لي نصف الربح. (فالقول فيه)، أي: في الربح لرب المال، وفي القدر للعامل، وعليه نص

стр. 5818

جِهَتِهِ، وَأَيُّهُمَا أَقَامَ البَيِّنَةَ عَلَى مَا ادَّعَى مِنْ فَضْلٍ قُبِلَتْ، لِأَنَّ البَيِّنَاتِ لِلْإِثْبَاتِ وَمَنْ كَانَ مَعَهُ أَلْفُ دِرْهَم فَقَالَ: هِيَ مُضَارَبَةٌ لِفُلَانٍ بِالنِّصْفِ، وَقَدْ رَبِحَ أَلْفًا، وَقَالَ فُلَانٌ: هِيَ بِضَاعَةٌ، فَالقَوْلُ قَوْلُ رَبِّ المَالِ لِأَنَّ المُضَارِبَ يَدَّعِي عَلَيْهِ تَقْوِيمَ عَمَلِهِ، أَوْ شَرْطًا مِنْ جِهَتِهِ، أَوْ يَدَّعِي الشَّرِكَةَ وَهُوَ يُنْكِرُ، (وَلَوْ قَالَ المُضَارِبُ: أَقْرَضْتَنِي، وَقَالَ رَبُّ المَالِ: هُوَ بِضَاعَةٌ، أَوْ وَدِيعَةٌ، فَالقَوْلُ لِرَبِّ المَالِ، وَالبَيِّنَةُ بَيِّنَةُ المُضَارِبِ)، لِأَنَّ المُضَارِبَ يَدَّعِي عَلَيْهِ التَّمَلُّكَ وَهُوَ يُنْكِرُ. (وَلَوْ ادَّعَى رَبُّ المَالِ المُضَارَبَةَ فِي نَوْعٍ، وَقَالَ الآخَرُ: مَا سَمَّيْتَ لِي تِجَارَةٌ بِعَيْنِهَا، فَالقَوْلُ لِلْمُضَارِبِ)، أحمد (١)، وهو قول مالك (٢)، وأبي ثور، وابن المنذر؛ لأن رب المال ينكر الشرط والربح الزائد وقال الشافعي: يتحالفان؛ لأنهما اختلفا في عوض عقد فيتخالفان كالمتبايعين. وقلنا: اليمين على المنكر بالحديث (٣)، والعامل ما يستحق يستحق بالشرط والربح ولا يكون منكرا لشيء، بخلاف المتبايعين إذ كل واحد مدع ومنكر، ويرجعان إلى رؤوس أموالهما بعد التحالف، بخلاف ما نحن فيه. قوله: (لأن المضارب يدعي عليه التمليك وهو ينكر)، بخلاف ما لو ادعى رب المال القرض، والعامل يدعي المضاربة حيث البينة بينه وبين رب المال، والقول للمضارب؛ لما أن رب المال والعامل اتفقا على أن الأخذ كان بإذنه ورب المال يدعي ضمانًا، والعامل منكر، فكان القول للمنكر، والبينة للمدعي، ذكره في الإيضاح. قوله: (فالقول للمضارب)، في دعوى العموم مع يمينه لما أن الأصل في

стр. 5819

لِأَنَّ الْأَصْلَ فِيهِ العُمُومُ وَالإِطْلَاقُ، وَالتَّخْصِيصُ يُعَارِضُ الشَّرْطَ بِخِلَافِ الوَكَالَةِ لِأَنَّ الأَصْلَ فِيهِ الخُصُوصُ. (وَلَوْ ادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نَوْعًا فَالقَوْلُ لِرَبِّ المَالِ)، لِأَنَّهُمَا اتَّفَقَا عَلَى التَّخْصِيصِ، وَالإِذْنُ يُسْتَفَادُ مِنْ جِهَتِهِ، وَالبَيِّنَةُ بَيِّنَةُ المُضَارِبِ لِحَاجَتِهِ المضاربة العموم، فكان القول لمن تمسك بالأصل، وبه قال الشافعي، ومالك، وأحمد، وقال زفر: القول لرب المال؛ لأن الإذن يستفاد من جهته فصارت كالوكالة. قلنا: الأصل في الوكالة الخصوص لا العموم، وفي المضاربة الأصل العموم، ولهذا لو قال: خذ هذا المال مضاربة بالنصف يصح، ويملك جميع أنواع التجارات، فلو لم يكن مقتضى العقد العموم لم يصح العقد إلا بالتنصيص كالوكالة. قوله: (لحاجته)، أي: لحاجة المضارب إلى نفي الضمان. وفي النهاية: هذا مما يتأمل في صحته وإن كانت رواية الإيضاح تساعده؛ لأن رب المال يحتاج أيضًا إلى إثبات ما ادعى، بل بينة رب المال أولى بالقبول لإثباتها أمرًا عارضًا وهو الضمان، وشرعية البينات لإثبات الأمر العارض غير الظاهر؛ كما في بيئة الخارج مع بينة ذي اليد. وأما صاحب الذخيرة جعل حكم بينتي المضارب ورب المال في دعوى الخصوص والعموم واحد وقال: لأن العمل بهما ممكن بأن يجعل كأنه أذن له بالعموم وإن لم تؤقت البينتان وقتًا، أو وقتا على السواء، أو وقت أحدهما دون الآخر قضى ببينة رب المال؛ لأنه تعذر العمل بهما لا معًا، ولا على الترتيب لأن الشهود لم يشهدوا به إذا تعذر العمل بهما يعمل ببينة رب المال؛ لأنه يثبت ما ليس بثابت، هكذا في الأصل. وفي القدوري: لو نص شهود العامل على أنه أعطاه مضاربة في كل تجارة فالبينة بينته وإلا فالبينة بينة رب المال، ولو اتفقا على الخصوص واختلفا في النوع فالقول لرب المال، ثم قال: وإن أقاما بينة فالجواب فيه على التفصيل الذي مر في الفصل الأول.

стр. 5820

إِلَى نَفْيِ الضَّمَانِ وَعَدَمِ حَاجَةِ الْآخَرِ إِلَى البَيِّنَةِ، وَلَوْ وَقَتَتْ البَيِّنَتَانِ وَقْتًا فَصَاحِبُ الوَقْتِ الأَخِيرِ أَوْلَى، لأَنَّ آخِرَ الشَّرْطَيْنِ يَنْقُضُ الأَوَّلَ. قوله: (ولو وقتت البينتان)، بأن قال رب المال: دفعته في البز في رمضان، وقال العامل: في الطعام في شوال، فبينة العامل أولى؛ لأن الثاني ناسخ للأول. فروع نفقة عبد المضاربة وجعله إذا أبق على رب المال ظهر ربح أو لا بلا خلاف؛ لأن ملك العامل في الربح قبل القسمة متردد، وملك رب المال متقرر، ويضم إلى رأس المال عند القسمة. ولو دفع إليه ألفين وقال: أضف من عندك ألفًا أخرى تكون ألفان منها شركة، والألف مضاربة بالنصف جاز، وقال بعض أصحاب مالك: لا يجوز إلى مال القراض شركة. ويجوز أن يكون الرجل عاملا في المضاربة لرجل ثم يضاربه آخر، وقال أحمد: لا يجوز إذا كان فيه ضرر على الأول. ولو دفع ألفا على أن له نصف ربحها يجوز بلا خلاف، ولو قال: على أن لي ربح نصفها يجوز عندنا، وأبي ثور، خلافًا للأئمة الثلاثة. ولو اشترى العامل بالألف أمَةً، أو غنمًا، أو بقرّا، أو مكيلا، أو موزونا يساوي ألفين زَكَى حظه لظهور الربح، وبه قال الشافعي في قول، وأحمد في رواية، وقال مالك والشافعي في قول، وأحمد في رواية: لا يزكي لعدم ملكه الربح قبل القسمة. ولو اشترى أَمَتَيْنِ، أو غنمًا، وبقرًا، أو شعيرا لا يزكى لاختلاف الجنس فلا يظهر الربح. ولا يكاتب المضارب قبل ظهور الربح؛ لأنها ليست بتجارة ولا خلاف فيه، وبعده ينفذ في حصته عندنا، ولرب المال فسخها دفعا للضرر عن نفسه، وعند الأئمة الثلاثة لا يجوز كما قبل ظهور الربح.

стр. 5821

كِتَابُ الْوَدِيعَةِ وجه مناسبة الوديعة للأبواب المتقدمة أن في الأبواب المتقدمة بيان حصول المال وما حصل له، إما أن يكون محفوظا بنفسه، أو بغيره ولم يذكر الحفظ بنفسه؛ لأنه لم يتعلق به حكم المعاملات فبقي حفظه لغيره، وهو الوديعة. ثم محاسن الوديعة ظاهرة إذ فيه إعانة أخيه في الحفظ، ووفاء الأمانة وهو من أشرف الخصال عقلا، قال ﵇: «الأمانَةُ تَجُرُّ الغِنَى، والخِيانَةُ تَجُرُّ الفَقْرَ»، والله تعالى موصوف بأنه أمين، وفي المثل: الأمانة أقامت المملوك مقام الملوك والخيانة أقامت الملوك مقام المملوك. ثم الوديعة لغة مشتقة من الوَدْعِ وهو الترك، قال ﵇: ﴿لَينْتَهِيَنَّ أقوامٌ عَنْ وَدْعِهِمُ الجُمُعاتِ﴾ (١) أي تركهم. قال شمر: زعمت النحوية أن العرب أماتوا مصدر (يدع)، والنبي ﵊ أفصح العرب، وقد تكلم به وسميت الوديعة وديعة لأنها تترك عند الأمين يقال: أودعت زيدًا مالا، استودعته إياه إذا دفعته إليه ليكون عنده وهو مودع ومستودع بفتح الدال فيهما والمال مودع ووديعة. وشرعًا: هي تسليط الغير على حفظ المال، أي مال كان. وركنها: الإيجاب والقبول. وشرطها: كون المال قابلا لإثبات اليد عليه ليتمكن من حفظه، حتى لو [أودع] (٢) الآبق، أو المال الساقط في البحر، أو الطير الذي يطير في الهواء لا يصح، وكون المودع مكلفا شرط أيضًا ليجب عليه الحفظ.

стр. 5822

قَالَ: (الوَدِيعَةُ أَمَانَةٌ فِي يَدِ المُودَعِ إِذَا هَلَكَتْ لَمْ يَضْمَنْهَا) لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وحكمها وجوب الحفظ، وصيرورة المال أمانة عنده، والأداء عند الطلب، وفي صورة وضع المال عند آخر وذهابه وتركه، أو ألقى الريح في بيته كان قابلا للوديعة عرفًا بالسكوت، وكذا فيما لو قال لصاحب الحمام: أين أضع ثيابي؟ فقال الحمامي: ثمَّةَ، فوضعه فسُرِقَ ثيابه يضمن الحمامي لتقصيره في الحفظ؛ لأنه يصير بقوله قابلا للوديعة، إليه أشار في المبسوطين (١)، والمغني (٢)، وفتاوى قاضي خان (٣). وهي مشروعة بالكتاب لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨]، وأداء الأمانة لا يكون إلا بعدها، وقال تعالى: ﴿فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَنَتَهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣]. وبالسنة؛ فإنه ﵊ كان يودع ويستودع، وقال ﵊: «أدّ الأمانةَ إِلَى مَنِ ائْتَمَنَكَ … وَلَا تَخُنْ مَنْ خَانَكَ» (٤)، وروي أنه ﵊ كانت عنده ودائع، فلما أراد الهجرة أودعها عند أم أيمن، وأمر عليا أن يردها على أهلها (٥). وأجمعت الأمة من لدن رسول الله ﷺ إلى يومنا عليها فإنهم يودعون ويستودعون، ولأن قبول الوديعة من باب الإعانة وهي مندوبة بقوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٢]، وبقوله ﵊: «إِنَّ الله تعالى في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه» (٦). قوله: (الوديعة أمانة في يد المودع)، قيل: الأمانة والوديعة مترادفان فكيف

стр. 5823

وَالسَّلَامُ: لَيْسَ عَلَى المُسْتَعِيرِ غَيْرِ المُغِلِّ ضَمَانٌ، وَلَا عَلَى المُسْتَوْدَعِ غَيْرِ المُغِلِّ ضَمَانٌ وَلِأَنَّ بِالنَّاسِ حَاجَةً إِلَى الاسْتِيدَاعِ، فَلَوْ ضَمِنَاهُ يَمْتَنِعُ النَّاسُ عَنْ قَبُولِ الوَدَائِعِ فَتَتَعَطَّلُ مَصَالِحُهُمْ. قَالَ: (وَلِلْمُودَعِ أَنْ يَحْفَظَهَا بِنَفْسِهِ وَبِمَنْ فِي عِيَالِهِ) لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ يَلْتَزِمُ حِفْظُ جوز بينهما المبتدأ والخبر إذ لا يجوز إيقاع اللفظين مترادفين مبتدأ وخبرا إلا بطريق التفسير؟ كما يقال: الليث أسد، ومراد المصنف هنا ليس تفسير الوديعة بالأمانة، قيل في جوابه: جاز ذلك هاهنا إما لأن الأمانة أعم من الوديعة، أو المراد من الأمانة ما هو غير مضمون وصار علمًا لما هو غير مضمون، فكان معنى قوله (أمانة) غير مضمون عليه، ولهذا قال في شرح الطحاوي في تعداد ما هو غير مضمون، فقال: الوديعة أمانة، والعارية أمانة (١). قوله: (غير المُغِلّ)، أي: الخائن إذ الإغلال والغلول الخيانة، إلا أن الغلول تستعمل في المغنم خاصة، والإغلال عام، كذا في المغرب (٢). والمعنى فيه أن المودع متبرع في حفظها لصاحبها، والتبرع لا يوجب ضمانًا وإلا لامتنع الناس عنه، ولأن هلاكها في يده كهلاكها في يد صاحبها، ولو هلكت في يد صاحبها لا يجب الضمان، فكذا في يد المودع، ولهذا لو سرقت الوديعة عند المودع ولم يسرق معه مال له لم يضمن عند أكثر أهل العلم إلا عند مالك فإنه يضمن للتهمة إذا لم يسرق معه مال له. قوله: (وللمودع أن يحفظها بنفسه وبمن في عياله) من زوجته، أو ولده، أو والديه، أو أجيره الخاص، وهو الأجير مشاهرة أو مُسانَهَةً، فأما الأجير للعمل من الأعمال كالأجانب يضمن بالدفع إليه، وكذا لو دفعه إلى عبده، أو أمته، وبه قال أحمد (٣)، ومالك (٤)، والشافعي (٥)، وأشهب المالكي يضمن بالدفع.

стр. 5824

مَالِ غَيْرِهِ عَلَى الوَجْهِ الَّذِي يَحْفَظُ مَالَ نَفْسِهِ، وَلِأَنَّهُ لَا يَجِدُ بُدًّا مِنْ الدَّفْعِ إِلَى عِيَالِهِ، لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ مُلَازَمَةُ بَيْتِهِ وَلَا اسْتِصْحَابُ الوَدِيعَةِ فِي خُرُوجِهِ، فَكَانَ المَالِكُ رَاضِيًا بِهِ (فَإِنْ حَفِظَهَا بِغَيْرِهِمْ، أَوْ أَوْدَعَهَا غَيْرَهُمْ: ضَمِنَ) ثم العبرة في هذا الباب للمساكنة لا للنفقة، حتى لو سكن مع المودع ولم يلزمه نفقته فخرج وترك المنزل على الابن لم يضمن الوديعة والمرأة لو دفعتها إلى زوجها لم يضمن مع عدم وجوب نفقة الزوج عليها، والابن الكبير إذا سكن مع الأب يجوز الدفع إليه مع عدم وجوب النفقة. وفي الذخيرة: الدفع إلى العيال إنما يجوز إذا كان من في عياله أمينا وإلا فلا يجوز، وعن هذا قالوا في (تيم بان تنم رانغلام جونس كدا سب) (١) فذهب الغلام بالودائع يضمن إن علم أن غلامه سارق، وكذا إذا لم ينه عن الدفع إليه، ولهذا لو دفعها إلى أمين من أمنائه وليس في عياله يجوز وعليه الفتوى. ولهذا لم يشترط في التحفة الحفظ بالعيال، بل قال: يحفظه على الوجه الذي يحفظ مال نفسه بحرزه، وبيد من كان ماله في يده، ثم قال: يعني به الأجير مشاهرة بنفقته وكسوته، والعبد المأذون الذي في يده ماله، والشريك المفاوض والعنان وإن لم يكونوا في عياله، وبهذا يعلم أن العيال ليس بشرط، وبه قال مالك. وقال الشافعي: ليس له أن يدفعها إلى زوجته ومن في عياله؛ لأنه رضي بحفظه لا بحفظ غيره؛ إذ الأيدي مختلفة في الأمانة. قلنا: يجب حفظها عليه كحفظ مال نفسه، والإنسان تارة يحفظ ماله بنفسه، وتارة بمن في عياله، ولأنه لا يجد منه بدا فإنه كلما خرج من داره لحاجته لا يمكنه أن يحملها مع نفسه فيضطر إلى أن يحفظها في بيته، وإذا خلفها في بيته صارت في يد زوجته وعياله حكمًا، فكان هذا مما لابد منه فصار مأذونا فيه دلالة. قوله: (وإن حفظها بغيرهم)، صورته أن يخرج من بيته ويترك الوديعة فيه، وفي بيته غيره، والإيداع: أن ينقل الوديعة من بيته ويدفعها إلى أجنبي.

стр. 5825

لِأَنَّ المَالِكَ رَضِيَ بِيَدِهِ لَا بِيَدِ غَيْرِهِ، وَالأَيْدِي تَخْتَلِفُ فِي الْأَمَانَةِ، وَلِأَنَّ الشَّيْءَ لَا يَتَضَمَّنُ مِثْلَهُ كَالوَكِيلِ لَا يُوَكِّلُ غَيْرَهُ، وَالوَضْعُ فِي حِرْزِ غَيْرِهِ إِيدَاعٌ، إِلَّا إِذَا اسْتَأْجَرَ الحِرْزَ فَيَكُونُ حَافِظًا بِحِرْزِ نَفْسِهِ. قَالَ: (إِلَّا أَنْ يَقَعَ فِي دَارِهِ حَرِيقٌ فَيُسَلِّمَهَا إِلَى جَارِهِ، أَوْ يَكُونَ فِي سَفِينَةٍ فَخَافَ الغَرَقَ فَيُلْقِيَهَا إِلَى سَفِينَةٍ أُخْرَى) لِأَنَّهُ تَعَيَّنَ طَرِيقًا لِلْحِفْظِ فِي هَذِهِ الحَالَةِ فَيَرْتَضِيهِ المَالِكُ، (وَلَا يُصَدَّقُ عَلَى ذَلِكَ إِلَّا بِبَيِّنَةٍ)، لِأَنَّهُ فإن قيل: ينبغي أن لا يضمن بالإيداع لما ذكر قبله أن الظاهر أنه يلزمه حفظ مال غيره على الوجه الذي يحفظ مال نفسه ومال نفسه يحفظه بالإيداع، فينبغي أن يملكه. قلنا: قوله: (أن المالك رضي بيده وحفظه لا بيد غيره) جواب عنه، والمراد بقوله (على الوجه الذي يحفظ مال نفسه) (١)، أي: بنفسه غالبا فإن الغالب أن يحفظ مال نفسه بنفسه. قوله:: (ولأن الشيء لا يتضمن مثله)، أي لا يستتبع مثله، قال ابن أبي ليلى: له أن يودع غيره كالمستعير له أن يعير، والمأذون له أن يأذن لعبده، والمكاتب أن يكاتب عبده. قلنا: المستعير مالك للمنفعة، والمأذون والمكاتب أيضًا فيتصرف هؤلاء بحكم الملك، وكلامنا في غيره. قوله: (والوضع في حرز غيره إيداعه)، فيضمن، وذلك لأن الحزر في يد ذلك فصار بالوضع في الحرز مسلما إليه. وقوله: (إلا أن يقع في داره حريق)، استثناء من قوله: (فإن حفظها بغيرهم ضمنه)، قال الحلواني: هذا إذا أحاط الحريق منزله بحيث لا يمكنه أن يدفعها إلى بعض من عياله، فلو أمكنه تناولها إلى بعض من في عياله يضمن بالدفع إلى الأجنبي، ذكره في الذخيرة. قوله: (لا يصدق إلا ببينة)، وفي المنتقى: هذا إذا لم يعلم أن بيت المودع احترق، فإذا علم قبل قوله بلا بينة، ذكره في الذخيرة (٢).

стр. 5826

يَدَّعِي ضَرُورَةٌ مُسْقِطَةٌ لِلضَّمَانِ بَعْدَ تَحَقَّقِ السَّبَبِ، فَصَارَ كَمَا إِذَا ادَّعَى الْإِذْنَ فِي الإيداع. قَالَ: (فَإِنْ طَلَبَهَا صَاحِبُهَا فَحَبَسَهَا وَهُوَ يَقْدِرُ عَلَى تَسْلِيمِهَا ضَمِنَهَا) لِأَنَّهُ مُتَعَدِّ بِالمَنْعِ، وَهَذَا لِأَنَّهُ لَمَّا طَالَبَهُ لَمْ يَكُنْ رَاضِيًا بِإِمْسَاكِهِ بَعْدَهُ فَيَضْمَنُهُ بِحَبْسِهِ عَنْهُ. قَالَ: (وَإِنْ خَلَطَهَا المُودَعُ بِمَالِهِ حَتَّى لَا تَتَمَيَّزُ، ضَمِنَهَا، ثُمَّ لَا سَبِيلَ لِلْمُوَدَعِ عَلَيْهَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَا: إِذَا خَلَطَهَا بِجِنْسِهَا شَرِكَهُ إِنْ شَاءَ) (*) مِثْلُ أَنْ يَخْلِطَ الدَّرَاهِمَ البِيضَ بِالبِيضِ، وَالسُّودَ بِالسُّودِ، وَالحِنْطَةَ بِالحِنْطَةِ، وَالشَّعِيرَ بِالشَّعِيرِ. لَهُمَا: أَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ الوُصُولُ إِلَى عَيْنِ حَقِّهِ صُورَةٌ، قوله: (وإن خلطها المودع بماله ضمنها، وبه قال الشافعي (١)، وأحمد (٢)، ومالك (٣) في غير خلط الجنس بالجنس. ثم الخلط على أربعة أوجه: خلط بطريق المجاورة مع تيسير التمييز؛ كخلط الدراهم البيض بالسود، والدراهم بالدنانير، والجوز باللوز فإنه لا يقطع حق المالك بلا خلاف لتمكن المالك من الوصول إلى عين ملكه بلا حرج. وخلط بطريق المجاورة مع تعسر التمييز؛ كخلط الحنطة مع الشعير فذلك يقطع حق المالك، ويوجب الضمان بلا خلاف؛ لأنه لا يصل المالك إلى عين حقه إلا بحرج، والمتعذر كالمتعسر، ولأن الخلط لا يخلو عن حبات الشعير، والشعير لا يخلو عن حبات الحنطة فتعذر التمييز حقيقةً، وتعذر التمييز حكما أيضًا بالقسمة لاختلاف الجنس؛ فإن القسمة عند اختلاف الجنس غير مشروع، وقيل: لا ينقطع حق المالك، وبقوله في الصحيح) يحترز عن هذا. وخلط الجنس مع خلاف الجنس ممازجة؛ كخلط الخل بالزيت، وكل مائع بغير جنسه فيضمن فيه بلا خلاف؛ لأنه استهلاك حقيقة وحكما.

стр. 5827

وَأَمْكَنَهُ مَعْنَى بِالقِسْمَةِ، فَكَانَ اسْتِهْلاكًا مِنْ وَجْهِ دُونَ وَجْهِ فَيَمِيلُ إِلَى أَيْهِمَا شَاءَ. وَلَهُ: أَنَّهُ اسْتِهْلَاكُ مِنْ كُلِّ وَجْهِ، لِأَنَّهُ فِعْلٌ يَتَعَذَّرُ مَعَهُ الوُصُولُ إِلَى عَيْنِ حَقِّهِ، وَلَا مُعْتَبَرَ بِالقِسْمَةِ، لِأَنَّهَا مِنْ مُوجِبَاتِ الشَّرِكَةِ فَلَا تَصْلُحُ مُوجِبَةٌ لَهَا، وَلَوْ أَبْرَأَ الخَالِطَ لَا سَبِيلَ لَهُ عَلَى المَخْلُوطِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، لِأَنَّهُ لَا حَقَّ لَهُ إِلَّا فِي الدَّيْنِ وَقَدْ سَقَطَ، وَعِنْدَهُمَا بِالإِبْرَاءِ تَسْقُطُ خِيرَةُ الضَّمَانِ فَيَتَعَيَّنُ الشَّرِكَةُ فِي المَخْلُوطِ، وَخَلْطُ الخَلِّ بِالزَّيْتِ وَكُلِّ مَائِعِ بِغَيْرِ جِنْسِهِ يُوجِبُ انْقِطَاعَ حَقِّ المَالِكِ إِلَى الضَّمَانِ، وَهَذَا بِالإِجْمَاعِ، لِأَنَّهُ اسْتِهْلَاكَ صُورَةٌ وَكَذَا مَعْنَى لِتَعَذُّرِ القِسْمَةِ بِاعْتِبَارِ اخْتِلَافِ الجِنْسِ، وخلط الجنس مع الجنس؛ كخلط دهن اللوز مع دهن اللوز، ودهن الجوز مع دهن الجوز، وخلط اللبن مع اللبن والحنطة بالحنطة، والدراهم البيض بالدراهم البيض والسود بالسود، فعند أبي حنيفة يضمن، وبه قال الشافعي، وأحمد، وعندهما لا ينقطع ملك المالك، بل له الخيار إن شاء ضمن، وإن شاء شركه، وقال مالك: شاركه بلا خيار تضمين. قوله: (وأمكنه)، أي: الوصول إلى عين حقه (معنى) أي: حكما بالقسمة فإن القسمة فيما لا يتقارب أحاده إفراز وتعيين، حتى ملك كل واحد من الشريكين أن يأخذ حصته عينًا من غير قضاء ولا رضا، فكان إمكان الوصول إلى عين حقه قائما معنى فخيرناه كذا في جامع البزدوي. (وله)، أي: لأبي حنيفة (أنه) أي: هذا الخلط استهلاك من كل وجه فينقطع حق المالك فيضمن؛ لأن الاستهلاك من العباد التغييب، فأما انعدام المحل فبتخليق الله، والتغييب قد وجد فكان متعديًا ضامنا لا شريكا، فلا يباح له التناول قبل أداء الضمان، كذا في البدرية. (لأنها) أي: القسمة، من (موجبات الشركة) أي: أحكامها، (فلا تصلح) ٦ أي: القسمة (موجبة لها) أي: للشركة لأنه تنقلب العلة حكمًا، والحكم علةً، وفائدة الخلاف تظهر فيما إذا أبرأ الخالط إلى آخر ما ذكر في المتن، و (الحل) بالحاء المهملة: دهن السمسم. قوله: (لتعذر معنى القسمة باعتبار اختلاف الجنس) فإن جهة المبادلة

стр. 5828

ومِن هَذَا القَبِيلِ خَلْطُ الحِنْطَةِ بِالشَّعِيرِ فِي الصَّحِيحِ، لِأَنَّ أَحَدَهُمَا لَا يَخْلُو عَنْ حَبَّاتِ الْآخَرِ، فَتَعَذَّرَ التَّمْيِيرُ وَالقِسْمَةُ. وَلَوْ خَلَطَ المَائِعَ بِجِنْسِهِ فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ: يَنْقَطِعُ حَقُّ المَالِكِ إِلَى ضَمَانٍ لِمَا ذَكَرْنَا، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ: يُجْعَلُ الْأَقَلُّ تَابِعًا … لِلْأَكْثَرِ اعْتِبَارًا لِلْغَالِبِ أَجْزَاءً، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ: شَرِكَهُ بِكُلِّ حَالِ، لِأَنَّ الجِنْسَ لَا يَغْلِبُ الجِنْسَ عِنْدَهُ عَلَى مَا مَرَّ فِي الرَّضَاعِ، وَنَظِيرُهُ خَلْطُ الدَّرَاهِمِ بِمِثْلِهَا إِذَابَةٌ، لِأَنَّهُ يَصِيرُ مَائِعًا بِالإِذَابَةِ. قَالَ: (وَإِنْ اخْتَلَطَتْ بِمَالِهِ مِنْ غَيْرِ فِعْلِهِ، فَهُوَ شَرِيكٌ لِصَاحِبِهَا) كَمَا إِذَا انْشَقَّ راجحة، وليس فيها معنى الإبراء. (ومن هذا القبيل) أي: من قبيل انقطاع حق المالك بالإجماع. وقوله: (في الصحيح)، احتراز عما قال البعض أنه على الاختلاف كما خلط الجنس مع الجنس؛ لأن تمييز الحنطة ممكن بأن يصب في ماء فترسب الحنطة ويطفو الشعير، والصحيح أن حق المالك ينقطع بالإجماع لما ذكرنا أن التمييز متعسر، أو متعذر لما في الحنطة حبات الشعير، وكذا في الشعير حبات الحنطة فلا يصل المالك إلى عين حقه بالقسمة. وفيما قالوا بأن يصب في الماء إفساد المخلوط في الحال، مع أن الراسب يمكن أن يكون حبات حنطة صاحب الشعير، والطافي حبات شعير صاحب الحنطة، فعرف أن التمييز متعذر، كذا في المبسوط، وجامع المحبوبي (١). قوله: (يجعل الأقل تابعًا للأكثر) فيضمن صاحب الكثير القليل، والفرق لأبي يوسف بين خلط المائع بالمائع من خلاف جنسه فإن في خلاف جنسه ينقطع حق المالك بالإجماع أن التداخل والشيوع في المائعات أكثر، فالخاصية تبطل بالخلط عند اختلاف الجنس فيتحقق معنى الاستهلاك، أما في الجنس يعتبر الأكثر إذ أقلهما تابع لما أن الخاصية باقية، كذا في الفوائد الظهيرية.

стр. 5829

الكِيسَانِ فَاخْتَلَطَا، لِأَنَّهُ لَا يَضْمَنُهَا لِعَدَمِ الصُّنْعِ مِنْهُ فَيَشْتَرِكَانِ، وَهَذَا بِالاتِّفَاقِ. قَالَ: (فَإِنْ أَنْفَقَ المُودَعُ بَعْضَهَا، ثُمَّ رَدَّ مِثْلَهُ فَخَلَطَهَا بِالبَاقِي ضَمِنَ الجَمِيعَ) لِأَنَّهُ خَلَطَ مَالَ غَيْرِهِ بِمَالِهِ، فَيَكُونُ اسْتِهْلاكًا عَلَى الوَجْهِ الَّذِي تَقَدَّمَ. قوله: (لعدم الصنع منه) أي: من المودع أي عدم الصنع الموجب للضمان، ولو يمكن تقصيره (١) فذلك من المودع بأن جعل الوديعة في كيس بال، ولكن المختلط مشترك بينهما بقدر ملكيهما. قوله: (فإن أنفق المودع بعضها)، قيد بالإنفاق لأنه لو أخذها لأجل الإنفاق ثم ردها قبل الإنفاق لم يضمن؛ لأنه خالف عاد إلى الوفاق، ذكره في المبسوط (٢). وقال الشافعي في قول، ومالك: يضمن الكل، وكذا لو أنفق البعض ولم يرد شيئًا يضمن الكل عندهما، وعندنا يضمن ما أنفق؛ لأن بالخيانة ترفع الأمانة فتجب الغرامة. وقلنا: الغرامة تجب بقدر الخيانة، وقد خان في البعض دون الكل، وفيما إذا رفع ولم ينفق لم تتحقق الخيانة؛ لأن بمجرد النية لا يصير ضامنا؛ كما لو نوى أن يغصب مال إنسان، يؤيده قوله ﵊: ﴿إنّ الله تعالى تجاوز عن أمتي ما وَسْوَسَتْ بِهِ … ﴾، الحديث (٣). وإن صار ضامنا بالرفع فقد عاد إلى الوفاق برد العين إلى موضعه، وهذا أحوط الوجهين عندي؛ فإنه لو باعها بعد الرفع ضمن قيمتها بعد البيع ينفذ بيعه، فعلم أن الرفع للبيع موجب للضمان، ولو لم يضمن بالرفع ينبغي أن لا ينفذ بيعه، والرواية محفوظة أن البيع نافذ، وفيما إذا أنفق بعضها لم يضمن الباقي؛ لأنه حافظ في الباقي للمالك، وبما أنفق لم يتعيب الباقي حتى لو تعيب بأن يضره التبعيض يضمن الكل، كذا في المبسوط. قوله: (يضمن الجميع)، قالوا: هذا إذا لم يجعل علامة على ماله حين

стр. 5830

قال: (وَإِذَا تَعَدَّى المُودَعُ فِي الوَدِيعَةِ، بِأَنْ كَانَتْ دَابَّةٌ فَرَكِبَهَا، أَوْ ثَوْبًا فَلَبِسَهُ، أَوْ عَبْدًا فَاسْتَخْدَمَهُ، أَوْ أَوْدَعَهَا غَيْرَهُ، ثُمَّ أَزَالَ التَّعَدِّيَ فَرَدَّهَا إِلَى يَدِهِ، زَالَ الضَّمَانُ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يَبْرَأُ عَنْ الضَّمَانِ، لِأَنَّ عَقْدَ الوَدِيعَةِ ارْتَفَعَ حِينَ صَارَ ضَامِنًا … لِلْمُنَافَاةِ فَلَا يَبْرَأُ إِلَّا بِالرَّدِّ عَلَى المَالِكِ، خلطه بمال الوديعة، أما لو جعل بحيث يتأتى التمييز لا يضمن إلا ما أنفق، ذكره في الذخيرة. وقال الشافعي: لا يضمن إلا ما أنفق في الوجهين، وبه قال ابن القاسم المالكي، وأحمد، وحكي عن مالك أن ذلك يقوم مقامها ويصير أمانة، وقال الربيع: يضمن الجميع إذا لم يميز، والمنصوص من الشافعي الأول، كذا في الحلية (١). لعدم التعدي في الباقي، والخلط هنا لا يصير استهلاكا؛ لأن الدرهم المخلوط حقه؛ إذ الديون تقضى بأمثالها لا بأعيانها، ويد مودعه (٢) كَيَدِهِ. وقلنا: خلط مال غيره بماله؛ لأن ما أنفق صار دينًا في ذمته، وهو لا ينفرد بقضاء الدين من غير محضر صاحبه فكان خلطًا لما بقي بملك نفسه، وهو موجب للضمان عليه، ثم يد المودع كيده لكن فيما فوض إليه وهو الحفظ، لا في الخلط. قوله: (زال الضمان)، وإنما قال زال لأن الضمان وجب عليه بنفس الركوب، حتى لو هلك في حالة الاستعمال يضمن بلا خلاف، وقال الشافعي: لا يبرأ، وبه قال مالك في رواية، وأحمد، وفي رواية ابن القاسم وأشهب: يبرأ، كقولنا. قوله: (للمنافاة) أي: بين كونه ضامنًا، وبين كونه أمينا إذ الأمين غير خائن، وإذا ثبت كونه ضامنا انتفى كونه أمينا وهو موجب العقد، فارتفع العقد فلا يعود إلا بسبب جديد ولم يوجد فلا يبرأ إلا بالرد على المالك فيضمن.

стр. 5831

وَلَنَا: أَنَّ الأَمْرَ بَاقِ لِإِطْلَاقِهِ، وَارْتِفَاعُ حُكْمِ العَقْدِ ضَرُورَةَ ثُبُوتِ نَقِيضِهِ، فَإِذَا ارْتَفَعَ عَادَ حُكْمُ العَقْدِ، كَمَا إِذَا اسْتَأْجَرَهُ لِلْحِفْظِ شَهْرًا فَتَرَكَ الحِفْظُ فِي بَعْضِهِ ثُمَّ حَفِظَ فِي البَاقِي فَحَصَلَ الرَّدُّ إِلَى نَائِبِ المَالِكِ. قَالَ: (فَإِنْ طَلَبَهَا صَاحِبُهَا فَجَحَدَهَا ضَمِنَهَا) لِأَنَّهُ لَمَّا طَالَبَهُ بِالرَّدِّ فَقَدْ عَزَلَهُ عَنْ الحِفْظِ، فَبَعْدَ ذَلِكَ هُوَ بِالْإِمْسَاكِ غَاصِبٌ مَانِعُ فَيَضْمَنُهَا، فَإِنْ عَادَ إِلَى الاعْتِرَافِ: لَمْ يَبْرَأَ عَنْ الضَّمَانِ لِارْتِفَاعِ العَقْدِ، إِذْ المُطَالَبَةُ بِالرَّدِّ رَفْعُ مِنْ جِهَتِهِ، وَالجُحُودُ فَسْخٌ مِنْ جِهَةِ المُودَعِ، كَجُحُودِ الوَكِيلِ (ولنا: أن الأمر)، أي: بالحفظ وهو الإيداع باق لإطلاق الأمر لأنه قال: احفظ هذا المال والأمر يتناول جميع الأوقات بعد الخلاف وقبله، ولم يبطل الإيداع بالخلاف؛ لأن بطلان الشيء بما وضع لإبطاله، أو بما ينافيه، والاستعمال ليس بموضوع لإبطال الإيداع ولا ينافيه أيضًا، ولهذا صح الأمر بالحفظ مع استعمال ابتداء بأن يقول للغاصب: أودعتك وهو مستعمل له، وإذا كان الأمر بالحفظ باقيًا فقد ردَّه بترك التعدي إلى ثابت الملك أعني نفسه، فلا يضمن بالهلاك. وقوله: (العقد قد ارتفع)، قلنا: ارتفاع العقد ما كان باعتبار معنى صادف العقد، بل ضرورة فوات موجب العقد وهو الحفظ للمالك، وإذا كان الفوات ضروريا يتقدر بقدر الضرورة، فيظهر أثر الارتفاع في قدر ما وجب الخلاف فيه، وفيما وراءه بقي على ما كان، فكذلك هاهنا. فأما المستأجر والمستعير إذا تعدى، ثم أزال التعدي لم يبرأ عن الضمان، خلافًا لزفر، له الاعتبار بالوديعة. وقلنا: البراءة إنما تكون بالإعادة إلى يد المالك أو نائبه، ويد المستأجر والمعير يد نفسه فإنه يستوفي المنافع المملوكة له من المحل، والمالك فيما يتصرف في المحل يكون عاملا لنفسه لا لغيره فلا يبرأ عن الضمان، ذكره في الأسرار. قوله: (فجحدها ضمنها)، ولا يعلم فيه خلاف. رفع من جهته، أي: من جهة المالك.

стр. 5832

الوَكَالَةَ وَجُحُودِ أَحَدِ المُتَعَاقِدَيْنِ البَيْعَ فَتَمَّ الرَّفْعُ، أَوْ لِأَنَّ المُودَعَ يَنْفَرِدُ بِعَزْلِ نَفْسِهِ بِمَحْضَرٍ مِنْ المُسْتَوْدِعِ، كَالوَكِيلِ يَمْلِكُ عَزْلَ نَفْسِهِ بِحَضْرَةِ المُوَكِّلِ، وَإِذَا ارْتَفَعَ لَا يَعُودُ إِلَّا بِالتَّجْدِيدِ، فَلَمْ يُوجَدُ الرَّدُّ إِلَى نَائِبِ المَالِكِ، بِخِلَافِ الخِلَافِ ثُمَّ العَوْدِ إِلَى الوِفَاقِ، وَلَوْ جَحَدَهَا عِنْدَ غَيْرِ صَاحِبِهَا لَا يَضْمَنُهَا عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ، خِلَافًا لِزُفَرَ، قوله: (بخلاف الخلاف) أي: بالفعل لأن العقد باق كما ذكرنا، والدليل عليه أوامر الشرع، والجحود فيها رد حتى لو أنكر أمر الله يكفر، والخلاف لا يكون ردا، حتى لو ترك صومًا أو صلاة لا يكفر، وفي الزاد: هذا كله إذا جحد الوديعة في العقار. قال شمس الأئمة السرخسي: لا ضمان عليه في قول أبي حنيفة وأبي يوسف في جميع الوجوه (١). ومن المشايخ من قال: العقار يضمن بالجحود بلا خلاف، وإن كان الغصب لا يتحقق فيه عندهما، وقال الحلواني: في ضمان الجحود في العقار عن أبي حنيفة روايتان. قوله: (ولو جحدها عند غير صاحبها)، بأن قال أجنبي: ما حال وديعة فلان عندك؟ أو قال: أعندك وديعة فلان؟ فقال: ليس لفلان عندي وديعة، لم يضمن عند أبي يوسف، خلافًا لزفر، له أن الجحود سبب الضمان سواء كان عند المالك أو غيره؛ كالإتلاف حقيقة. وقلنا: الجحود عند غير المالك من باب الحفظ؛ لأنه يقطع طمع الطامعين عنها فلا يضمن به، ولأن المالك ما عزله عن الحفظ وهو لا يملك عزل نفسه بغير محضر منه أو طلبه؛ لأن العقد ما قام به وحده، بل قام بهما فلا يرتفع إلا بهما، فبقي العقد، وباعتبار بقائه يدُهُ كَيْدِ المالك فلا يضمن. وخص قول أبي يوسف بقوله: (لا يضمنها عند أبي يوسف)، وإن كان الحكم كذلك عند علماء الثلاثة (٢)، وكذا عند أئمة الثلاثة؛ لما أن هذا الفصل لم يكن مذكورًا في مبسوط محمد، وإنما ذكر في اختلاف زفر ويعقوب فأورده كذلك.

стр. 5833

لِأَنَّ الجُحُودَ عِنْدَ غَيْرِهِ مِنْ بَابِ الحِفْظِ، لِأَنَّ فِيهِ قَطْعَ طَمَعِ الطَّامِعِينَ، وَلِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ عَزْلَ نَفْسِهِ بِغَيْرِ مَحْضَرٍ مِنْهُ، أَوْ طَلَبِهِ، فَبَقِيَ الأَمْرُ بِخِلَافِ مَا إِذَا كَانَ بِحَضْرَتِهِ. قَالَ: (وَلِلْمُودَعِ أَنْ يُسَافِرَ بالوَدِيعَةِ وَإِنْ كَانَ لَهَا حِمْلٌ وَمُؤْنَةٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَا: لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ إِذَا كَانَ لَهَا حِمْلٌ وَمُؤْنَةٌ) (*) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ فِي قوله: (إذا كان له)، أي: لمال الوديعة (حمل ومؤنة)، والحمل بالفتح مصدر حمل الشيء، ومنه ما له حمل ومؤنة، يعنون ما له ثقل يحتاج في حمله إلى ظهر، أو أجرة حمال وبيانه في لفظ الأصل: ما له مؤنة، كذا في المغرب (١). (وقال الشافعي: ليس له) أي: للمودع المسافرة بها في الوجهين فيما له حمل ومؤنة أم لا، وبه قال مالك إذا قدر أن يردها على صاحبها، أو وكيله، أو الحاكم، أو أمين، فإذا لم يقدر على أحد منهم لا يضمن للضرورة. وللشافعي في نقل الوديعة من قرية إلى قرية فيما دون مدة السفر إذا كانت المسافة آمنة وجهان، وهذا الخلاف إذا كان الطريق آمنًا بأن لا يقصده أحد غالبا، ولو قصده يمكنه دفعه، وبرفقة السفر ولم ينهه المودع عنها، أما إذا لم يكن الطريق آمنًا، أو نهاه عن السفر فبالسفر يضمن بلا خلاف بين العلماء وفي النهاية: هذا الإطلاق في قولهما بالصفة التي وضعت في الكتاب لا وضع الجامع، ولا وضع المبسوط، فإنه قال في الجامع: عند أبي حنيفة لا يضمن بالخروج قصر الخروج أو طال، وعند أبي يوسف إن قصر الخروج لم يضمن بكل حال، وإن طال لم يضمن فيما له حمل ومؤنة، وعند محمد لا يملك الخروج فيما له مؤنة طال به أو قصر، كذا ذكره في جامع فخر الإسلام. وفي المبسوط بعد ذكر قول أبي حنيفة: إذا قربت المسافة له أن يسافر بها له حمل ومؤنة أو لا وإذا بعدت ليس له ذلك لأنه يعظم الضرر والمؤنة على صاحبها عند بعد المسافة إذا أراد ردّها (٢).

стр. 5834

إطلاقُ الأَمْرِ، وَالمَفَازَة مَحَلُّ لِلْحِفْظِ إِذَا كَانَ الطَّرِيقُ آمِنًا وَلِهَذَا يَمْلِكُ الْأَبُ وَالوَصِيُّ فِي مَالِ الصَّبِيِّ. وَلَهُمَا: أَنَّهُ تَلْزَمُهُ مُؤْنَةُ الرَّدِّ فِيمَا قوله: (لأبي حنيفة)، إلى آخره إطلاق الأمر يعني أمره بالحفظ مطلقا من غير تقييد بمكان دون مكان فلا يتقيد بمكان، كما لا يتقيد بزمان دون زمان، والمفازة محل للحفظ إذا كان الطريق آمنا، والكلام فيه حتى لو لم يكن آمنا، أو بحرًا يَضْمَنُ، ولو كان الطريق مخوفًا ولا بد له من السفر لا يضمن أيضًا، ولهذا يملك الأب والوصي في مال الصبي مع أن ولايتهما نظرية، ولا يقال الأب والوصي يملكان التجارة في مال الصبي، والتجارة تدل على جواز المسافرة لا الحفظ. أما المودع يملك الحفظ لا التجارة فكيف يصح الاستدلال بهما والحفظ في الأسفار لا يتحقق عرفا وكذا شرعًا؟ قال ﵊: «المُسافِرُ وما في يَدِهِ عَلَى قَلَةٍ إِلَّا ما وَقَى الله» (١)، أي هلاك، فلا يلزم من الإذن بالحفظ جواز المسافرة؛ لأنا نقول لا يجوز لهما قربان مال اليتيم إلا بالوجه الأحسن، قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الأنعام: ١٥٢]، وأولى وجوه الحسن رعايته عن مواضع التلف، فكان ولايتهما مقيدة بشرط النظر. فلو كان في السفر وهم التلف لما جاز لهما السفر بماله، ونحن لا نمنع زيادة ثبوت الولاية لهما ولكن مع ذلك تصرفهما مقيد بشرط النظر، فلما جاز لهما المسافرة مع تنصيص الشرع على القربان بالوجه الأحسن ينبغي أن يجوز بمال الوديعة بالطريق الأولى؛ لأنه مأمور بالحفظ مطلقا. وما قال من العرف مشترك فقد يكون قصد المودع أن يحمل إليه خصوصا إذا سافر إلى بلد صاحب الوديعة، والعرف المشترك لا يصلح حجة. وأما الحديث كان ذلك في بدء الإسلام لقلة المسلمين في الأسفار، ولهذا أخبر ﵇ من الأمر بعده: «يوشِكُ أن تَخرُجَ الظَّعِينَةُ مِنَ القَادِسِيَّةِ إِلَى مَكَّةَ

стр. 5835

لَهُ حِمْلٌ وَمُؤْنَةٌ، وَالظَّاهِرُ: أَنَّهُ لَا يَرْضَى بِهِ فَيَتَقَيَّدُ، وَالشَّافِعِيُّ يُقَيِّدُهُ بِالحِفْظِ المُتَعَارَفِ وَهُوَ الحِفْظُ فِي الأَمْصَارِ، وَصَارَ كَالِاسْتِحْفَاظِ بِأَجْرٍ. قُلْنَا: مُؤْنَةُ الرَّدِّ تَلْزَمُهُ فِي مِلْكِهِ ضَرُورَةَ امْتِثَالِ أَمْرِهِ فَلَا يُبَالِي بِهِ، وَالمُعْتَادُ كَوْنُهُمْ فِي المِصْرِ لَا حِفْظُهُمْ، وَمَنْ يَكُونُ فِي المَفَازَةِ يَحْفَظُ مَالَهُ فِيهَا، لا تخاف إلا الله تعالى والذئب على غَنَمِها» (١)، وكلامنا فيما إذا كان الطريق آمنا ولا يقال: المأمور بالبيع مأمور بالحفظ مع أنه لو سافر بالوديعة يضمن لأنا نقول مأمور بالحفظ ضرورة البيع فيثبت الحفظ اقتضاء فلا عموم له ذكره في الأسرار ولهما أنه يلزمه أي المالك مؤنة الرد ولا ولاية له في إلزام المؤنة عليه لأن فيه إضرارًا عليه. قوله: (بالحفظ المتعارف)، وذا بالأَكِنَّةِ والبيوت دون المفاوز؛ لأن أسباب الصيانة تتهيأ في الأمصار من كل وجه وفي غيرها تتهيأ من وجه دون وجه، بل فيها تعريض لها على التوي، قال ﵊: «المُسافِرُ ومالُهُ علَى قَلَةٍ» الحديث (٢)، ولهذا لو استأجر ليحفظ متاعه شهرًا بدرهم فسافر بالمال يضمن. وقوله: (قلنا مؤنة الرد)، جواب عن قولهما يعني ما يلحق المالك من مؤنة فمن ضرورة امتثال أمره فلا يعد ذلك إضرارًا به. وقوله: (والمعتاد كونهم في المصر)، جواب عن قول الشافعي. (كونهم)، أي: كون أهل الأمصار في المصر لا حفظهم. (ومن كان في المفازة يحفظ ماله فيها)، أي في المفازة؛ كأهل الخيام، والأخبية، وهذا الخلاف فيما إذا لم يعين المالك المصر للحفظ فيه بل أطلق،

стр. 5836

بِخِلَافِ الاسْتِحْفَاظِ بِأَجْرٍ، لِأَنَّهُ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ فَيَقْتَضِي التَّسْلِيمَ فِي مَكَانِ العَقْدِ (وَإِذَا نَهَاهُ المُودِعُ أَنْ يُخْرِجَ الوَدِيعَةِ فَخَرَجَ بِهَا ضَمِنَ) لِأَنَّ التَّقْيِيدَ مُفِيدٌ، إِذْ الحِفْظُ فِي المِصْرِ أَبْلَغُ فَكَانَ صَحِيحًا. قَالَ: (وَإِذَا أَوْدَعَ رَجُلَانِ عِنْدَ رَجُلٍ وَدِيعَةٌ، فَحَضَرَ أَحَدُهُمَا وَطَلَبَ نَصِيبَهُ مِنهَا، لَمْ يَدْفَعْ إِلَيْهِ حَتَّى يَحْضُرَ الآخَرُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَا: يَدْفَعُ إِلَيْهِ نَصِيبَهُ) (*) وَفِي الجَامِعِ الصَّغِيرِ: ثَلَاثَةٌ اسْتَوْدَعُوا رَجُلًا أَلْفًا فَغَابَ اثْنَانِ، فَلَيْسَ لِلْحَاضِرِ أَنْ يَأْخُذَ فإن عين في المصر فسافر إن كان سفرًا له منه بد يضمن، وإن كان سفرًا لا بد له منه فإن أمكنه الحفظ فيه مع السفر بأن أمكنه أن يترك واحدًا من عياله مع الوديعة في المصر ضمن، وإلا لا، وكذا لو سافر مع إمكان ردها إلى صاحبه، أو وكيله يضمن، وإلا لا. قوله: (لم يدفع إليه) بطلبه نصيبه، (حتى يحضر الآخر) عند أبي حنيفة حتى لو فعل ضمن نصفه، وقالا: يدفع إليه نصيبه ولا يضمن. قوله: (وفي الجامع الصغير) إلى آخره، قال أبو جعفر في الكشف: في هذه الرواية من الفائدة ما ليس في كتاب الوديعة، وذلك أن رواية كتاب الوديعة: القاضي لا يأمر المودع بالدفع، وكان يجوز أن يقول قائل: إن كان القاضي لا يأمر للمودع أن يأخذ ديانة، فلما قال في الجامع: ليس له أن يأخذه، زالت هذه الشبهة. وفائدة أخرى: أن رواية كتاب الوديعة: " في اثنين "، ورواية الجامع: " في الثلاثة"، فلولا رواية الجامع لقائل أن يقول: نصيب الواحد الحاضر من الثلاثة أقل من نصيب الغائبين فيصير مستهلكا، ويجعل تبعا للأكثر فلا يؤخذ من المودع، فأما نصيب (١) الحاضر من الرجلين لا يكون مستهلكا ولا تابعًا فله أخذه، فبين أن كليهما سواء، وتلقب هذه المسألة بمسألة الحمامي وهي مشهورة (٢).

стр. 5837

نَصِيبَهُ عِنْدَهُ، وَقَالَا: لَهُ ذَلِكَ، وَالخِلافُ فِي المَكِيلِ وَالمَوْزُونِ، وَهُوَ المُرَادُ بِالمَذْكُورِ فِي المُخْتَصَرِ. لَهُمَا: أَنَّهُ طَالَبَهُ بِدَفْعِ نَصِيبِهِ فَيُؤْمَرُ بِالدَّفْعِ إِلَيْهِ كَمَا فِي الدَّيْنِ المُشْتَرَكِ، وَلِهَذَا لِأَنَّهُ يُطَالِبُهُ بِتَسْلِيمِ مَا سَلَّمَ إِلَيْهِ وَهُوَ النِّصْفُ، وَهَذَا كَانَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ، فَكَذَا يُؤْمَرُ هُوَ بِالدَّفْعِ إِلَيْهِ. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ: أَنَّهُ طَالَبَهُ بِدَفْعِ نَصِيبِ الغَائِبِ، لِأَنَّهُ يُطَالِبُهُ بِالمُفْرَزِ وَحَقِّهِ فِي المُشَاعِ، وَالمُفْرَزُ المُعَيَّنُ يَشْتَمِلُ عَلَى الحَقَّيْنِ، وَلَا قوله: (والخلاف في المكيل والموزون)، إلى قوله: (وهو المراد بالمذكور في المختصر)، أي: القدوري، وذكر هذا احترازًا في ذوات الأمثال؛ لأن في القسمة في غيرهما معنى المبادلة، فلو كانت الوديعة من غير ذوات الأمثال كالثياب، والدواب، والعبيد ليس للحاضر أن يأخذه بالإجماع. (لهما أنه)، أي: الحاضر طالبه بدفع نصيبه، وكل واحد من المودعين مالك لنصيبه حقيقة فلا يتعذر عليه قبض نصيبه بغيبة الآخر؛ كالشريك في الدين بأن باعا عبدًا مشتركًا إذا حضر أحدهما كان له أن يطالب المديون، فكذا هذا، وهذا لأنه يجب دفع الضرر عن الحاضر كما يجب عن الغائب، وإنما يندفع الضرر عنهما بما قلنا بأن يقسم فيدفع إلى الحاضر نصيبه. ثم لا تنفذ قسمته على الغائب، حتى إذا هلك الباقي ثم حضر الغائب كان له أن يشارك الحاضر فيما أخذ دفعًا للضرر عنه، وهذا في المثليات ظاهر، (ولهذا كان له) أي: للمودع الحاضر أخذ نصيبه إذا ظفر به. قوله: (لأنه)، أي: للحاضر يطالب المودع (بالمفرز)، أي: المقسوم، يعني لو دفعه لبيَّنَّاهُ، إما أن يكون المدفوع من نصيبهما، أو من نصيب الآخر خاصة لا وجه إلى الثاني؛ لأنه لا يكون إلا بعد القسمة المعتبرة، وليس للمودع ولاية على الغائب في القسمة، ولهذا لا تصح قسمته، ولا يقع دفعه قسمة عليه

стр. 5838

يَتَمَيَّزُ حَقَّهُ إِلَّا بِالقِسْمَةِ، وَلَيْسَ لِلْمُودَعِ وِلَايَةُ القِسْمَةِ، وَلِهَذَا لَا يَقَعُ دَفْعُهُ قِسْمَةٌ بِالإِجْمَاعِ، بِخِلَافِ الدَّيْنِ المُشْتَرَكِ، لِأَنَّهُ يُطَالِبُهُ بِتَسْلِيمِ حَقِّهِ، لِأَنَّ الدُّيُونَ تُقْضَى بِأَمْثَالِهَا. قَوْلُهُ: لَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ. قُلْنَا: لَيْسَ مِنْ ضَرُورَتِهِ أَنْ يُجْبَرَ المُودَعُ عَلَى الدَّفْعِ، كَمَا إِذَا كَانَ لَهُ أَلْفُ دِرْهَمٍ وَدِيعَةٌ عِنْدَ إِنْسَانٍ، وَعَلَيْهِ أَلْفٌ لِغَيْرِهِ، فَلِغَرِيمِهِ أَنْ يَأْخُذَهُ إِذَا ظَفِرَ بِهِ، وَلَيْسَ لِلْمُودَعِ أَنْ يَدْفَعَهُ إِلَيْهِ. قَالَ: (وَإِنْ أَوْدَعَ رَجُلٌ عِنْدَ رَجُلَيْنِ شَيْئًا مِمَّا يُقْسَمُ: لَمْ يَجُزْ أَنْ يَدْفَعَهُ أَحَدُهُمَا إِلَى الْآخَرِ، وَلَكِنَّهُمَا يَقْتَسِمَانِهِ، فَيَحْفَظُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنهُمَا نِصْفَهُ، وَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يُقْسَمُ: بالإجماع، حتى لو هلك الباقي في يد المودع ثم حضر الغائب له أن يشاركه في المأخوذ بالإجماع، فثبت أن القسمة ليست بنافذة، ولا وجه إلى الأول؛ لأن المودع يصير دافعًا مال الغير بغير إذنه، وأنه لا يجوز وبأن كان للحاضر أن يأخذ نصيبه لا يكون للمودع أن يدفع حصته، ألا ترى أن رب الدين إذا طلب من مودع المديون دينه من الوديعة لا يؤمر المودع بذلك، وإن كان رب الدين أن يأخذه إذا ظفر به. قوله: (لأن الديون تُقضى بأمثالها) لا بأعيانها، فدفعه نصيب الحاضر تصرف في ملك نفسه، وليس فيه قسمة على الغائب، أما المودع يدفع مال الغير، ألا ترى إذا غاب واحد وله عند آخر دين ووديعة، فجاء رجل وادعى الوكالة منه بقبض الدين والوديعة فصدقه أُمر بتسليم الدين دون الوديعة. قوله: (فلغريمه)، أي: لرب الدين (أن يأخذه إذا ظفر به)، والأصل فيه حديث هند أنه ﵊ قال لها: «خُذِي مِنْ مالِ أَبِي سُفيان ما يَكْفِيكِ» (١) الحديث، وقيل: في تأويل قوله: لصاحب الحق يد ولسان، أن المراد أخذ حقه إذا ظفر به. قوله: (مما لا يقسم)، كالعبد، والثوب والحيوان، وكل ما يهلك أو

стр. 5839

جَازَ أَنْ يَحْفَظَ أَحَدُهُمَا بِإِذْنِ الآخَرِ) وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَكَذَلِكَ الجَوَابُ عِنْدَهُ فِي المُرْتَهِنَيْنِ وَالوَكِيلَيْنِ بِالشِّرَاءِ إِذَا سَلَّمَ أَحَدُهُمَا إِلَى الآخَرِ. وَقَالَا: لِأَحَدِهِمَا أَنْ يَحْفَظَ بِإِذْنِ الآخَرِ فِي الوَجْهَيْنِ (*) لَهُمَا: أَنَّهُ رَضِيَ بِأَمَانَتِهِمَا فَكَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنهُمَا أَنْ يُسَلِّمَ إِلَى الْآخَرِ وَلَا يَضْمَنُهُ كَمَا فِيمَا لَا يُقْسَمُ. وَلَهُ: أَنَّهُ رَضِيَ بِحِفْظِهِما وَلَمْ يَرْضَ بِحِفْظِ أَحَدِهِمَا كُلِّهِ، لِأَنَّ الفِعْلَ مَتَى أُضِيفَ إِلَى مَا يَقْبَلُ الوَصْفَ بِالتَّجَنِّي تَنَاوَلَ البَعْضَ دُونَ الكُلَّ، فَوَقَعَ التَّسْلِيمُ إِلَى الْآخَرِ مِنْ غَيْرِ رِضَا المَالِكِ، فَيَضْمَنُ الدَّافِعُ، وَلَا يَضْمَنُ القَابِضُ، لِأَنَّ مُودِعَ المُودَعَ عِنْدَهُ لا يَضْمَنُ، وَهَذَا بِخِلَافِ مَا لَا يُقْسَمُ، لِأَنَّهُ لَمَّا أَوْدَعَهُمَا وَلَا يُمْكِنُهُمَا الاجْتِمَاعُ عَلَيْهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَأَمْكَنَهُمَا المُهَايَأَةُ كَانَ المَالِكُ رَاضِيًا بِدَفْعِ الكُلِّ إِلَى أَحَدِهِمَا فِي بَعْضِ الأَحْوَالِ. قَالَ: (وَإِذَا قَالَ صَاحِبُ الوَدِيعَةِ لِلْمُودَعِ: لَا تُسَلِّمُهُ إِلَى زَوْجَتِكَ، فَسَلَّمَهَا إِلَيْهَا، لَا يَضْمَنُ. وَفِي الجَامِعِ الصَّغِيرِ: إِذَا نَهَاهُ أَنْ يَدْفَعَهَا إِلَى أَحَدٍ مِنْ عِيَالِهِ فَدَفَعَهَا إِلَى مَنْ لَا بُدَّ لَهُ مِنهُ: لَا يَضْمَنُ) كَمَا إِذَا كَانَتْ الوَدِيعَةُ دَابَّةٌ فَنَهَاهُ عَنْ الدَّفْعِ إِلَى يتعيب بالتقسيم الحسي، ثم فيما يقسم لو أبيا القسمة وأودعاه عند رجل فهلك ضمناه؛ لِتَرْكِهِما ما التزماه من الحفظ، وكذلك الجواب في المرتهنين، وكذا في المُستَبضِعَينِ، والوَصِيَّيْنِ، والعَدْلَيْنِ في الرهن إذا أسلم أحدهما إلى الآخر ما يمكن قسمته ضمن عند أبي حنيفة، وعندهما لا يضمن، ذكره في المبسوط (١). (أنه)، أي: المالك رضي بأمانتهما، فهذا الذي دفعه إليه كان المالك راضيًا بثبوت يده عليه وحفظه له، كما فيما يحتمل القسمة. (وله)، أي: لأبي حنيفة (أنه) أي المالك رضي (بحفظهما) إلى آخره، وفي المبسوط: قول أبي حنيفة أقيس؛ لأن رضاه بأمانة اثنين لا يكون رضًا بأمانة أحدهما، فإذا كان الحفظ يتأتى منهما لا يكون راضيًا بحفظ أحدهما للكل وحده (٢).

стр. 5840

غُلَامِهِ، وَكَمَا إِذَا كَانَتْ شَيْئًا يُحْفَظُ فِي يَدِ النِّسَاءِ فَنَهَاهُ عَنْ الدَّفْعِ إِلَى امْرَأَتِهِ وَهُوَ مَحْمَلُ الأَوَّلِ، لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ إقَامَةُ العَمَلِ مَعَ مُرَاعَاةِ هَذَا الشَّرْطِ، وَإِنْ كَانَ مُفِيدًا فَيَلْغُو (وَإِنْ كَانَ لَهُ مِنهُ بُدُّ ضَمِنَ) لِأَنَّ الشَّرْطَ مُفِيدٌ، لِأَنَّ مِنْ العِيَالِ مَنْ لَا يُؤْتَمَنُ عَلَى المَالِ، وَقَدْ أَمْكَنَ العَمَلُ بِهِ مَعَ مُرَاعَاةِ هَذَا الشَّرْطِ فَاعْتُبِرَ (وَإِنْ قَالَ: احْفَظْهَا فِي هَذَا البَيْتِ فَحَفِظَهَا فِي بَيْتِ آخَرَ مِنْ الدَّارِ: لَمْ يَضْمَنْ) لِأَنَّ الشَّرْطَ غَيْرُ مُفِيدٍ، فَإِنَّ البَيْتَيْنِ فِي دَارٍ وَاحِدَةٍ لَا يَتَفَاوَتَانِ فِي الحِرْزِ (وَإِنْ حَفِظَهَا فِي دَارٍ أُخْرَى ضَمِنَ) قوله: (وهو مَحْمَل للأول)، أي: المذكور في الجامع الصغير محمل لرواية القدوري التي ذكرها مطلقًا بأنه لا يضمن، حتى إذا كان له منه بد بأن كانت الوديعة شيئًا حقيقيًا يمكنه استصحابه بنفسه كالخاتم ونحوه فدفعه إلى عياله ضمن. وفي المعنى: لو قال لا تدفعها لامرأتك فإني أتهمها، أو إلى عبدك، أو إلى ابنك وما أشبه ذلك، فدفعها إليه، فإن كان لا يجد بدا من الدفع إليه بأن لم يكن له عيال غيره لم يضمن أو كان ولكن لا يثق إليه لأنه لا يمكن الحفظ دونه، وصار النهي عن الدفع إليه كالنهي عن الحفظ فصار مناقضا لأصله فيبطل، ولو كان يجد بدا فهو ضامن. قوله: (في بيت آخر من الدار)، وقال الشافعي (١)، وأحمد (٢)، ومالك (٣): إن نقلها إلى مثل الأول لم يضمن، وإن نقلها إلى بيت دونه يضمن؛ لأنه خالف أمر صاحبها كما في الدارين. قلنا: إن البيتين في دار واحدة لا يتفاوتان في الحرز غالبًا حتى لو تفاوتا يضمن، أما لو نهاه عن الحفظ في غير هذا البيت فعندهم يضمن في الحفظ في بيت آخر سواء كان مثله أو دونه لمخالفته أمر صاحبها، وعندنا في الأمر والنهي لا يضمن إذا لم يتفاوت البيتان.

стр. 5841

لِأَنَّ الدَّارَيْنِ يَتَفَاوَتَانِ فِي الحِرْزِ، فَكَانَ مُفِيدًا، فَيَصِحُ التَّقْبِيدُ، وَلَوْ كَانَ التَّفَاوُتُ بَيْنَ البَيْتَيْنِ ظَاهِرًا بِأَنْ كَانَتْ الدَّارُ الَّتِي فِيهَا البَيْتَانِ عَظِيمَةٌ، وَالبَيْتُ الَّذِي نَهَاهُ عَنْ الحِفْظِ فِيهِ عَوْرَةً ظَاهِرَةً: صَحَ الشَّرْطُ. قَالَ: (وَمَنْ أَوْدَعَ رَجُلًا وَدِيعَةٌ، فَأَوْدَعَهَا آخَرَ فَهَلَكَتْ، فَلَهُ أَنْ يُضَمِّنَ الأَوَّلَ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُضَمِّنَ الثَّانِيَ، وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَا: لَهُ أَنْ يُضَمِّنَ أَيَّهِمَا شَاءَ (*)، فإن ضمَّنَ الأول لا يَرجعُ على الآخرِ، فَإِنْ ضَمَّنَ الآخَرَ رَجَعَ عَلَى الْأَوَّلِ) قوله: (فله أن يُضَمِّنَ الأول)، فإن المودع بالوديعة إلى غيره يضمن بغير خلاف عند أكثر الفقهاء، وعند ابن أبي ليلى لا يضمن؛ لأن عليه حفظها كحفظ مال نفسه ومال نفسه يحفظه بالإيداع إلى غيره فكذلك وللأكثر أنه خالف بالإيداع إلى غيره؛ لأن المالك رضي بحفظه لا بحفظ غيره؛ إذ الأيدي مختلفة. ثم عند أبي حنيفة وأحمد في ظاهر مذهبه يضمن المودع الأول لا الآخر، وعندهما يضمن أيهما شاء، وبه قال الشافعي، ومالك، وأحمد في وجه. وفي الذخيرة: إنما يضمن المودع الأول بالإيداع إذا هلكت الوديعة بعد أن يفارق الأول الثاني، أما لو هلكت قبل المفارقة لا ضمان على أحد بلا خلاف؛ لأن الضمان لا يجب بمجرد الدفع إليه، وإنما يضمن بالتضييع بترك الحفظ الملتزم وذلك بالمفارقة. قوله: (رجع على الأول)، لأنه مغرور من جهته فإنه أودعه على أنه ملكه، وأنه لا يلحقه ضمان بالهلاك في يده، فإذا لحقه الضمان رجع عليه، كذا في المبسوط (١). وهذا التعليل يؤيد ما ذكر التمرتاشي ناقلا عن أبي اليسر في مودع الغاصب: إن علم أن المودع غاصب لم يرجع عليه، وإن لم يعلم [أنه] (٢) غاصب رجع عليه لأنه مغرور، أما إذا علم أنه غصب في يده فيه شبهة اختلاف الرواية.

стр. 5842

لَهُمَا: أَنَّهُ قَبَضَ المَالَ مِنْ يَدِ ضَمِينِ، فَيُضَمِّتُهُ كَمُودَعِ الغَاصِبِ، وَهَذَا لِأَنَّ المَالِكَ لَمْ يَرْضَ بِأَمَانَةِ غَيْرِهِ، فَيَكُونُ الأَوَّلُ مُتَعَدِّيَا بِالتَّسْلِيمِ، وَالثَّانِي بِالقَبْضِ، فَيُخَيَّرُ بَيْنَهُمَا، غَيْرَ أَنَّهُ إِنْ ضَمَّنَ الأَوَّلَ لَمْ يَرْجِعْ عَلَى الثَّانِي، لِأَنَّهُ مَلَكَهُ بِالضَّمَانِ فَظَهَرَ أَنَّهُ أَوْدَعَ مِلْكَ نَفْسِهِ، وَإِنْ ضَمَّنَ الثَّانِيَ، رَجَعَ عَلَى الأَوَّلِ، لِأَنَّهُ عَامِلٌ لَهُ فَيَرْجِعُ عَلَيْهِ بِمَا لَحِقَهُ مِنْ العُهْدَةِ، وَلَهُ: أَنَّهُ قَبَضَ المَالَ مِنْ يَدِ أَمِينِ، لِأَنَّهُ بِالدَّفْعِ لَا يَضْمَنُ مَا لَمْ يُفَارِقْهُ لِحُضُورِ رَأيِهِ فَلَا تَعَدِّيَ مِنْهُمَا، فَإِذَا فَارَقَهُ فَقَدْ تَرَكَ الحِفْظَ الْمُلْتَزَمَ فَيَضْمَنُهُ بِذَلِكَ، وَأَمَّا الثَّانِي: فَمُسْتَمِرٌّ عَلَى الحَالَةِ الأُولَى، وَلَمْ يُوجَدْ مِنهُ صُنْعٌ فَلَا يَضْمَنُهُ، كَالرِّيحِ إِذَا أَلْقَتْ فِي حِجْرِهِ ثَوْبَ غَيْرِهِ. قَالَ: (وَمَنْ كَانَ فِي يَدِهِ أَلْفٌ، فَادَّعَاهُ رَجُلَانِ، كُلُّ وَاحِدٍ مِنهُمَا أَنَّهَا لَهُ، أَوْدَعَهَا إِيَّاهُ وَأَبَى أَنْ يَحْلِفَ لَهُمَا: فَالأَلْفُ بَيْنَهُمَا وَعَلَيْهِ أَلْفٌ أُخْرَى بَيْنَهُمَا) وَشَرْحُ قوله: (فَمُسْتَمِرٌّ على الحالة الأولى)، لأنه لم يفوت الحفظ الملتزم، ولم يوجد منه صنع يجب به الضمان بعده فلا يضمن فصار هذا في حقه كثوب هبت به الريح وألقته [في] (١) حجره، فإذا هلكت من غَيْرِ صُنْعِهِ لم يضمن، بخلاف مودع الغاصب؛ لأن الأول بِمُجَرَّدِ الدفع مُتعدِّ، والثاني بالأخذ، وهاهنا إن لم يضمن الأول يتركه عند الثاني، ذكره قاضي خان (٢). فإن قيل: الأول إنما يصير مُضَيّعًا بالمفارقة؛ لأن الثاني لا يصلح أمينا وحافظا وإلا لا يضمن، كما لو أودعه عند عياله وفارقه، فإذا ضمن الأول بالترك عند الثاني كان من ضرورته أن يضمن الثاني. قلنا: رب المال لو قال: أذنت لك أن تدفعه إلى فلان لكن بشرط أن لا تفارقه، ففارَقَهُ ضَمِنَ الأول دون الثاني، وهذا تقدير مسألتنا فصار الثاني مودعا منفردًا في حق نفسه؛ لأنه لما لم يصر نفس الإيداع خيانة بل صار داخلا في ولايته حال حضرته، وجعلت الوديعة في يد الثاني أمانة فلا يضمن بالإمساك، كذا في الكافي.

стр. 5843

ذَلِكَ: أَنَّ دَعْوَى كُلِّ وَاحِدٍ صَحِيحَةٌ لِاحْتِمَالِهَا الصِّدْقَ، فَيَسْتَحِقُّ الحَلِفَ عَلَى المُنْكِرِ بِالحَدِيثِ وَيَحْلِفُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى الانْفِرَادِ لِتَغَايُرِ الحَقَّيْنِ، وَبِأَيِّهِمَا بَدَأَ القَاضِي جَازَ لِتَعَدُّرِ الجَمْعِ بَيْنَهُمَا وَعَدَمِ الأَوْلَوِيَّةِ. وَلَوْ تَشَاحًا: أَقْرَعَ بَيْنَهُمَا تَطْبِيبًا لِقَلْبِهِمَا وَنَفْيًا لِتُهْمَةِ المَيْلِ، ثُمَّ إِنْ حَلَفَ: لِأَحَدِهِمَا يَحْلِفُ لِلثَّانِي، فَإِنْ حَلَفَ فَلَا شَيْءَ لَهُمَا لِعَدَمِ الحُجَّةِ، وَإِنْ نَكَلَ: أَعْنِي لِلثَّانِي: يَقْضِي لَهُ لِوُجُودِ الحُجَّةِ، وَإِنْ نَكَلَ لِلْأَوَّلِ: يَحْلِفُ لِلثَّانِي، وَلَا يَقْضِي بِالنُّكُولِ، بِخِلَافِ مَا إِذَا أَقَرَّ لِأَحَدِهِمَا، لِأَنَّ الإِقْرَارَ حُجَّةٌ مُوجِبَةٌ بِنَفْسِهِ فَيَقْضِي بِهِ، أَمَّا النُّكُولُ إِنَّمَا يَصِيرُ حُجَّةً عِنْدَ القَضَاءِ، فَجَازَ أَنْ يُؤَخِّرَهُ لِيَحْلِفَ لِلثَّانِي فَيَنْكَشِفَ وَجْهُ القَضَاءِ، وَلَوْ نَكَلَ لِلثَّانِي أَيْضًا، يَقْضِي بِهَا بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ عَلَى مَا ذُكِرَ فِي الكِتَابِ لِاسْتِوَائِهِمَا فِي الحُجَّةِ، كَمَا إِذَا أَقَامَا البَيِّنَةَ، وَيَغْرَمُ أَلْفًا أُخْرَى بَيْنَهُمَا، لِأَنَّهُ قوله: (لِتَغايُرِ الحَقَّين) إذ كل واحد منهما يدعي ألفًا، (وإن نكل أعني الثاني) بعدما حلف الأول. قوله: (ولا يقضي بالنكول)؛ لأن من حجة الأول أن يقول: لو بدأت بي بالاستحلاف كان ينكل أيضًا، قاله قاضي خان. (أي كان للثاني أن يقول) على تقدير الحلف للثاني: لي نصيب في تلك الألف التي نكل فيها لك؛ لأنه إنما نكل لك لأنك بدأت بالاستحلاف فلا تنقطع الخصومة بينهما. قوله: (إنما يصير) أي: النكول حجة عند القضاء، فلهذا لو نكل ثم حلف لا يلزمه شيء فينكشف وجه القضاء بأن يقضي بالألف لهما أو لأحدهما؛ لأنه لو حلف للثاني لا شيء له، والألف كله للثاني، ولو نكل للثاني أيضًا كان الألف بينهما، فلهذا يتوقف في القضاء حتى يظهر وجهه. وهذا بخلاف الإقرار لأحدهما فإنه يقضي بالألف للمُقَرِّ له؛ لأن الإقرار حجة موجبة بنفسه ولا يتوقف على القضاء. (لأنه) أي: المودع المنكر أوجب الحق لهما ببذله لأن النكول بذل عند أبي حنيفة.

стр. 5844

أَوْجَبَ الحَقَّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِبَذْلِهِ، أَوْ بِإِقْرَارِهِ، وَذَلِكَ حُجَّةٌ فِي حَقِّهِ، وَبِالصَّرْفِ إلَيْهِمَا صَارَ قَاضِيًا نِصْفَ حَقِّ كُلِّ وَاحِدٍ بِنِصْفِ حَقِّ الْآخَرِ فَيَغْرَمُهُ، فَلَوْ قَضَى القَاضِي لِلْأَوَّلِ حِينَ نَكَلَ: ذَكَرَ الإِمَامُ عَلِيٌّ البَزْدَوِيُّ فِي شَرْحِ الجَامِعِ الصَّغِيرِ: أَنَّهُ يَحْلِفُ لِلثَّانِي، وَإِذَا نَكَلَ يَقْضِي بِهَا بَيْنَهُمَا، لِأَنَّ القَضَاءَ لِلْأَوَّلِ لَا يُبْطِلُ حَقَّ الثَّانِي، لِأَنَّهُ يُقَدِّمُهُ إِمَّا بِنَفْسِهِ، أَوْ بِالقُرْعَةِ، وَكُلُّ ذَلِكَ لَا يُبْطِلُ حَقَّ الثَّانِي. وَذَكَرَ الخَصَّافُ: أَنَّهُ يَنْفُذُ قَضَاؤُهُ لِلْأَوَّلِ، وَوَضَعَ المَسْأَلَةَ فِي العَبْدِ، وَإِنَّمَا نَفَذَ لِمُصَادَفَتِهِ مَحَلَّ الاجْتِهَادِ، لِأَنَّ مِنْ العُلَمَاءِ مَنْ قَالَ: يَقْضِي لِلْأَوَّلِ وَلَا يَنْتَظِرُ، لِكَوْنِهِ إِقْرَارَ دَلَالَةٍ، ثُمَّ لَا يَحْلِفُ لِلثَّانِي مَا هَذَا العَبْدُ لِي، لِأَنَّ نُكُولَهُ لَا يُفِيدُ بَعْدَمَا صَارَ لِلْأَوَّلِ، وَهَلْ يُحَلِّفُهُ بِاللَّهِ مَا لِهَذَا عَلَيْكَ هَذَا العَبْدُ وَلَا قِيمَتُهُ وَهُوَ كَذَا وَكَذَا وَلَا أَقَلَّ مِنْهُ. قَالَ: يَنْبَغِي أَنْ يُحَلِّفَهُ عِنْدَ مُحَمَّدٍ ﵀ خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ، بِنَاءً عَلَى أَنَّ المُودَعَ إِذَا أَقَرَّ الوَدِيعَةِ وَدَفَعَ بِالقَضَاءِ إِلَى غَيْرِهِ: يَضْمَنُهُ عِنْدَ مُحَمَّدٍ، خِلَافًا لَهُ، وَهَذِهِ فُرَيْعَةُ (أو بإقراره)، أي: عندهما؛ لأن النكول إقرار عندهما. (وذلك) أي: الإقرار أو البدل (حجة في حقه) أي: في حق المودع المنكر، فلو قضى للأول حين نكل مع أنه ليس له ذلك، قال علي البزدوي في جامعه، لا ينفذ قضاؤه حتى لو حلف للثاني بعده فَنَكَل يكون الألف بينهما ويغرم ألفًا أخرى بينهما؛ لأن تقديم اليمين لأحدهما إما باختيار القاضي، أو بالقرعة لتعذر الجمع بينهما. (وكل ذلك) أي: من اختيار القاضي، والقرعة لا تبطل حق الثاني. (ولا ينتظر) أي: القضاء، لكونه أي: لكون النكول، (ثم لا يحلف للثاني)، أي: لمدعي الثاني: ما هذا العبد لي يعني لا يحلفه بالاقتصار على لفظ العبد لي، بل يضم إليه: (ولا قيمة؛ لأنه لما أقر به للأول وثبت به حق الأول فلا يفيد إقراره به للثاني؛ لأنه لا يمكنه دفعه إلى الثاني بعد ذلك. (قال) أي: الخصاف: وينبغي أن يحلفه إذا أقر بالوديعة) أي: لإنسان، ثم قال: أخطأت ثم قال: بل هي لهذا، كان عليه أن يدفعها إلى الأول؛ لأن

стр. 5845

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . إقراره صحيح ورجوعه باطل، ويضمن للآخر قيمتها؛ لأنه أقر بها له وأنه صار مستهلكا على الثاني لإقراره بها للأول فيكون ضامنًا له قيمتها، هذا إذا دفعها للأول بغير قضاء. وكذا لو دفعها بالقضاء يضمن عند محمد، وعند أبي يوسف لا يضمن. وجه قول محمد: أنه أقر بالتزام الحفظ، فمتى أقر به لإنسان فقد سلطه على الأخذ فصار تاركًا للحفظ الواجب عليه بالعقد فيضمن، كما لو دل سارقًا على السرقة. ولأبي يوسف أن بمجرد الإقرار لم يفت على الثاني شيء، وإنما الفوات بالدفع بإكراه القاضي فلا يكون موجبًا للضمان عليه، إليه أشار في المبسوط (١). ووجه البناء على هذه المسألة أن الإقرار بالوديعة للثاني بعدما استحقه الأول لما كان مفيدًا للضمان عند محمد للثاني فينبغي أن يحلفه الثاني؛ لأن فائدة الحلف النكول وهو إقرار، والإقرار للثاني مفيد للضمان له. وعند أبي يوسف لا يحلف؛ لأنه لا يضمن بالإقرار عنده، فكذا بالنكول فلا فائدة في التحليف، ولو قال المودع: أودعنيها أحدكما ولا أدري أيكما هو، فالمدعيان إذا اصطلحا على أخذها فلهما ذلك، والألف بينهما، وليس للمودع الامتناع عن تسليم الألف إليهما، وإن لم يصطلحا ويدعي كُلِّ عِلمَهُ فإنه يحلف لكل واحد. وقال الشافعي وأحمد تكفي يمين واحدة؛ لأن الذي يدعى عليه أمر واحد وهو العلم بعين المالك فكفاه يمين واحدة، كما لو ادعياها فأقر لأحدهما بها. وقلنا: لما ادعى كل واحد أنها له وهي تعرف فكان كل واحد مُدَّعى عليه الحفظ وهو ينكر، ثم إن حلف لهما قطع دعواهما في قول أبي يوسف، وفي قول محمد لهما أن يصطلحا بعد الاستحلاف على أخذ الألف بينهما، وبه قال

стр. 5846

تِلْكَ المَسْأَلَةِ وَقَدْ وَقَعَ فِيهِ بَعْضُ الإِطْنَابِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. الشافعي في وجه، وابن أبي ليلى وعند محمد يقرع بينهما، وقال الشافعي: يقسم بينهما في قول آخر. ولو نكل قضى بألف بينهما وضُمِّنَ ألفٌ أخرى بينهما، وعند أحمد، والشافعي: لا يُضَمَّنُ ألف أخرى، بل يقرع بينهما عند أحمد، ويصطلحا عند الشافعي. وإن حلف لأحدهما ونكل للآخر قضى بألف للذي نكل، ولا شيء للذي حلف، وكذا لو قال: عليَّ ألف لهذا أو هذا، وكل واحد يدعيها فهو على هذه الوجوه الأربعة، هذا وأمثاله كثيرة ذكره التمرتاشي في جامعه، وجاز أن يكون مراد صاحب الكتاب بقوله: (وقد كان فيه بعض الإطناب) ذلك.

стр. 5847

كِتَابُ العَارِيَّةِ كتاب العارية لما فرغ من بيان الوديعة شرع في العارية لأن فيها أمانة بتمليك المنفعة فيكون ترقيًا من الأدنى إلى الأعلى. ثم محاسن العارية كثيرة، منها: إجابة مضطر في إزالة اضطراره فكان فيه نيابة عن الله تعالى، وفيه شرف عظيم إذ العارية لا تكون إلا عند محتاج كالقرض، ولهذا زيد ثواب القرض على الصدقة؛ إذ الصدقة قد تصادف غير محتاج، ولهذا ذم الله تعالى أقوامًا لا يُعيرون، قال تعالى: ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ [الماعون: ٧]، والماعون ما هو عون لأخيه في حوائجه نحو الفأس، والقدر، والميزان، والدلو. ثم العارية لغةً، بالتشديد كأنها منسوبة إلى العار؛ لأن طلبها عار وعيب، والعَارَةُ مثل العَارِيَّة، كذا في الصحاح (١). وفي المغرب: العارية، بالتشديد: فَعَلِيَّةُ منسوبة إلى العارة اسم من الإعارة، وأخذها من العار العيب أو العري خطأ (٢). وما ذكر في المغرب هو المُعوَّلُ عليه؛ لأنه ﵊ باشر الاستعارة، فلو كان في طلبها عار لما باشرها، وفي الغريب: وقد تخفف العارية. وفي المبسوط: قيل العارية مشتقة من التعاور وهو التناوب، فكأنه يجعل للغير نوبة في الانتفاع بملكه على أن تعود النوبة إليه بالاسترداد متى شاء، ولهذا

стр. 5848

قال: (العَارِيَّةُ جَائِزَةٌ)؛ لِأَنَّهَا نَوْعُ إِحْسَانٍ وَقَدْ «اسْتَعَارَ النَّبِيُّ ﵊ دُرُوعًا مِنْ صَفْوَانَ» (وَهِيَ: تُمْلِيك المَنَافِعِ بِغَيْرِ عِوَضٍ وَ) كَانَ الكَرْخِيُّ ﵀ يَقُولُ: هُوَ إِبَاحَةُ الانْتِفَاعِ بِمِلْكِ الغَيْرِ، لِأَنَّهَا تَنْعَقِدُ بِلَفْظَةِ الإِبَاحَةِ، كانت الإعارة في المكيل والموزون قرضًا؛ لأنه لا ينتفع بها إلا باستهلاك العين فلا تعود النوبة إليه في ملك العين لتكون عارية حقيقة، وإنما تعود النوبة إليه في مثلها (١). وتفسيرها شرعًا على ما قال في الكتاب: هي تمليك المنافع بغير عوض عند أكثر العلماء، وعند الكرخي: إباحة الانتفاع، وبه قال الشافعي (٢)، وأحمد (٣). وهو مشروع بالكتاب وهو قوله تعالى: ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ ولما كان المنع مذموما كان الإعطاء محمودًا. والسنة: فإنه ﵊ استعار دروعًا من صفوان بن أمية يوم حنين فقال: أغصبًا يا رسول الله؟ فقال: «بَلْ عارية مضمونة»، رواه أبو داود (٤)، وقال ﵊ في خطبته عام حجة الوداع: «العارية مؤداة، والمنحة مردودة، والدِّينُ مَقْضِيٌّ، والزّعيم غارِمٌ»، أخرجه الترمذي وقال: حديث حسن غريب (٥). واجتمعت الأمة على جوازها، ولكن الخلاف في كونها مستحبة أو واجبة، فقال أكثر أهل العلم: الإعارة مستحبة، وقال بعض العلماء: واجبة.

стр. 5849

وَلَا يُشْتَرَطُ فِيهَا ضَرْبُ المُدَّةِ، وَمَعَ الجَهَالَةِ لَا يَصِحُ التَّمْلِيكُ، وَلِذَلِكَ يَعْمَلُ فِيهَا النَّهْيُ، وَلَا يَمْلِكُ الإِجَارَةَ مِنْ غَيْرِهِ، وَنَحْنُ نَقُولُ: إِنَّهُ يُنْبِئُ عَنْ التَّمْلِيكِ، فَإِنَّ العَارِيَّةَ مِنْ العَرِيَّةِ وَهِيَ العَطِيَّةِ، وَلِهَذَا تَنْعَقِدُ بِلَفْظِ التَّمْلِيكِ، وَالمَنَافِعُ قَابِلَةٌ لِلْمِلْكِ كَالأَعْيَانِ. وَالتَّمْلِيكُ نَوْعَانِ: بِعِوَضٍ، وَبِغَيْرِ عِوَضٍ. ثُمَّ الأَعْيَانُ تَقْبَلُ النَّوْعَيْنِ، فَكَذَا المَنَافِعُ، وَالجَامِعُ دَفْعُ الحَاجَةِ، وَلَفْظَةُ الإِبَاحَةِ اسْتُعِيرَتْ لِلتَّمْلِيكِ، كَمَا فِي الإِجَارَةِ، فَإِنَّهَا تَنْعَقِدُ بِلَفْظَةِ الإِبَاحَةِ، وَهِيَ تَمْلِيكُ. قوله: (ولا يشترط فيه)، أي: في عقد العارية (ضرب المدة)، أي: إعلام مقدار المنفعة ببيان المدة، والمنافع لا تصير معلومة إلا بذكر المدة، (ومع الجهالة) أي: مع جهالة المدة (لا يصح التمليك)، إذ تمليك المجهول لا يصح كما في الإجارة، ولا يمنعه صحة الإباحة. قوله: (وكذلك يعمل فيه النهي)، أي: يبطل عقد الإجارة بالنهي، ولو كان تمليكا لما بطل بالنهي؛ كالهبة، والإجارة، ولا يملك المستعير الإجارة من غيره، ومن ملك شيئًا بغير عوض يملك تمليكه من غيره بعوض وبغير عوض؛ كالموهوب له ولأن الأصل في المنافع أن لا يرد العقد عليها لأنها كما توجد تتلاشى، إلا أنه في الإجارة ضرورة ولا ضرورة هاهنا إلى قلب الحقيقة. قوله: (إنه) أي: عقد الإعارة ينبئ عن التمليك؛ لأن العارية مشتقة من العرية، وهي العطية في الثمار بالتمليك من غير عوض. قوله: (ولهذا تنعقد بلفظ التمليك)، بأن يقول: ملكتك منافع هذه الدار شهرًا، أو: جعلت لك سكنى داري هذه شهرًا، ذكره في المبسوط (١). قوله: (والمنافع قابلة للملك كالأعيان) جواب عما قال الخصم أن الأصل أن لا يرد العقد على المنفعة إلى آخره كالأعيان فإن تمليك الأعيان يجوز بعوض وبغير عوض، فكذا في المنافع. قوله: (ولفظ الإباحة استعيرت للتمليك) إلى آخره جواب عن قول الخصم أنه ينعقد بلفظة الإباحة، قال: (استعيرت للتمليك كما في الإجارة فإنها تنعقد بلفظة الإباحة)، مع أنها تمليك المنفعة، وإنما صحت مع جهالة المدة لأن هذه

стр. 5850

وَالجَهَالَةُ لَا تُفْضِي إِلَى المُنَازَعَةِ؛ لِعَدَمِ اللُّزُومِ فَلَا تَكُونُ ضَائِرَةٌ. وَلِأَنَّ المِلْكَ يَثْبُتُ بِالقَبْضِ وَهُوَ الِانْتِفَاعُ وَعِنْدَ ذَلِكَ لَا جَهَالَةَ، وَالنَّهْيُ مَنْعُ عَنْ التَّحْصِيلِ، فَلَا يَتَحَصَّلُ المَنَافِعَ عَلَى مِلْكِهِ. وَلَا يَمْلِكُ الإِجَارَةَ لِدَفْعِ زِيَادَةِ الضَّرَرِ عَلَى مَا نَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. قَالَ: (وَتَصِحٌ بِقَوْلِهِ: أَعَرْتُك)؛ لِأَنَّهُ صَرِيحٌ فِيهِ (وَأَطْعَمْتُكَ هَذِهِ الأَرْضَ)؛ لِأَنَّهُ مُسْتَعْمَلُ فِيهِ (وَمَنَحَتْكِ هَذَا الثَّوْبَ، وَحَمَلْتُكَ عَلَى هَذِهِ الدَّابَّةِ إِذَا لَمْ الجهالة لا تفضي إلى المنازعة لانعدام اللزوم؛ إذ للمعير أن يفسخ العقد في كل ساعة لكونها غير لازمة. (فلا تكون)، أي: الجهالة (ضائرة)، أي: مفضية الى المنازعة. (ولأن الملك)، أي: ملك المنفعة يثبت بقبضها وهو الانتفاع، وعند القبض معلوم، فالجهالة قبله لا تفضي إلى المنازعة، ولهذا لو علمت المنفعة بالتسمية في الإجارة لا يشترط فيها ضرب المدة كما في الصبغ، والخياطة. وقوله: (والنهي منع عن التحصيل)، جواب عن قول الخصم: ولهذا يعمل فيه النهي، فقال: النهي منع عن التمليك فلا يحصل المنافع على ملكه لكونه دليل الرجوع والاسترداد، لا إبطال الملك بعد ثبوته. وقوله: (ولا يملك الإجارة)، جواب عن قوله: لا يملك الإجارة من غيره، يعني إنما لا يملك الإجارة لما فيه من إلحاق الضرر بالمعير فإنه ملكها على تمكن من الاسترداد متى شاء، فلو صحت الإجارة منه لم يتمكن من الاسترداد؛ لأنها لازمة حينئذ لكونها بتسليط الغير، وهو نظير ما لو استأجر دابةً أو ثوبا ليس له أن يؤجر من غيره لئلا يتضرر المؤجر. قوله: (لأنه مستعمل فيه) أي: في تمليك المنفعة؛ لأن الطعام إذا أضيف إلى ما يُطْعَمُ عينه يراد به تمليك عينه، وإن أضيف إلى ما لا يُطعَمُ عَينُهُ كالأرض يراد به أكُلُ غَلَّتِها، إطلاقا لاسم المحل على الحال. قوله: (ومنحتك هذا الثوب)، أي: أعطيتك المنحة، والمنيحة: الناقة، أو الشاة الممنوحة من المنح وهو: أن يعطي الرجلُ آخر ناقته ليشرب لبنها، ثم يردها إذا ذهب لبنها ثم كثر، حتى قيل في كل شيء (١) أعطى شيئًا: مَنَحَ.
следующие страницы →