تِلْكَ المَسْأَلَةِ وَقَدْ وَقَعَ فِيهِ بَعْضُ الإِطْنَابِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الشافعي في وجه، وابن أبي ليلى وعند محمد يقرع بينهما، وقال الشافعي: يقسم بينهما في قول آخر.
ولو نكل قضى بألف بينهما وضُمِّنَ ألفٌ أخرى بينهما، وعند أحمد، والشافعي: لا يُضَمَّنُ ألف أخرى، بل يقرع بينهما عند أحمد، ويصطلحا عند الشافعي.
وإن حلف لأحدهما ونكل للآخر قضى بألف للذي نكل، ولا شيء للذي حلف، وكذا لو قال: عليَّ ألف لهذا أو هذا، وكل واحد يدعيها فهو على هذه الوجوه الأربعة، هذا وأمثاله كثيرة ذكره التمرتاشي في جامعه، وجاز أن يكون مراد صاحب الكتاب بقوله: (وقد كان فيه بعض الإطناب) ذلك.
стр. 5847
كِتَابُ العَارِيَّةِ
كتاب العارية
لما فرغ من بيان الوديعة شرع في العارية لأن فيها أمانة بتمليك المنفعة فيكون ترقيًا من الأدنى إلى الأعلى.
ثم محاسن العارية كثيرة، منها: إجابة مضطر في إزالة اضطراره فكان فيه نيابة عن الله تعالى، وفيه شرف عظيم إذ العارية لا تكون إلا عند محتاج كالقرض، ولهذا زيد ثواب القرض على الصدقة؛ إذ الصدقة قد تصادف غير محتاج، ولهذا ذم الله تعالى أقوامًا لا يُعيرون، قال تعالى: ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ [الماعون: ٧]، والماعون ما هو عون لأخيه في حوائجه نحو الفأس، والقدر، والميزان، والدلو.
ثم العارية لغةً، بالتشديد كأنها منسوبة إلى العار؛ لأن طلبها عار وعيب، والعَارَةُ مثل العَارِيَّة، كذا في الصحاح (١).
وفي المغرب: العارية، بالتشديد: فَعَلِيَّةُ منسوبة إلى العارة اسم من الإعارة، وأخذها من العار العيب أو العري خطأ (٢).
وما ذكر في المغرب هو المُعوَّلُ عليه؛ لأنه ﵊ باشر الاستعارة، فلو كان في طلبها عار لما باشرها، وفي الغريب: وقد تخفف العارية.
وفي المبسوط: قيل العارية مشتقة من التعاور وهو التناوب، فكأنه يجعل للغير نوبة في الانتفاع بملكه على أن تعود النوبة إليه بالاسترداد متى شاء، ولهذا
стр. 5848
قال: (العَارِيَّةُ جَائِزَةٌ)؛ لِأَنَّهَا نَوْعُ إِحْسَانٍ وَقَدْ «اسْتَعَارَ النَّبِيُّ ﵊ دُرُوعًا مِنْ صَفْوَانَ» (وَهِيَ: تُمْلِيك المَنَافِعِ بِغَيْرِ عِوَضٍ وَ) كَانَ الكَرْخِيُّ ﵀ يَقُولُ: هُوَ إِبَاحَةُ الانْتِفَاعِ بِمِلْكِ الغَيْرِ، لِأَنَّهَا تَنْعَقِدُ بِلَفْظَةِ الإِبَاحَةِ،
كانت الإعارة في المكيل والموزون قرضًا؛ لأنه لا ينتفع بها إلا باستهلاك العين فلا تعود النوبة إليه في ملك العين لتكون عارية حقيقة، وإنما تعود النوبة إليه في مثلها (١).
وتفسيرها شرعًا على ما قال في الكتاب: هي تمليك المنافع بغير عوض عند أكثر العلماء، وعند الكرخي: إباحة الانتفاع، وبه قال الشافعي (٢)، وأحمد (٣).
وهو مشروع بالكتاب وهو قوله تعالى: ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ ولما كان المنع مذموما كان الإعطاء محمودًا.
والسنة: فإنه ﵊ استعار دروعًا من صفوان بن أمية يوم حنين فقال: أغصبًا يا رسول الله؟ فقال: «بَلْ عارية مضمونة»، رواه أبو داود (٤)، وقال ﵊ في خطبته عام حجة الوداع: «العارية مؤداة، والمنحة مردودة، والدِّينُ مَقْضِيٌّ، والزّعيم غارِمٌ»، أخرجه الترمذي وقال: حديث حسن غريب (٥).
واجتمعت الأمة على جوازها، ولكن الخلاف في كونها مستحبة أو واجبة، فقال أكثر أهل العلم: الإعارة مستحبة، وقال بعض العلماء: واجبة.
стр. 5849
وَلَا يُشْتَرَطُ فِيهَا ضَرْبُ المُدَّةِ، وَمَعَ الجَهَالَةِ لَا يَصِحُ التَّمْلِيكُ، وَلِذَلِكَ يَعْمَلُ فِيهَا النَّهْيُ، وَلَا يَمْلِكُ الإِجَارَةَ مِنْ غَيْرِهِ، وَنَحْنُ نَقُولُ: إِنَّهُ يُنْبِئُ عَنْ التَّمْلِيكِ، فَإِنَّ العَارِيَّةَ مِنْ العَرِيَّةِ وَهِيَ العَطِيَّةِ، وَلِهَذَا تَنْعَقِدُ بِلَفْظِ التَّمْلِيكِ، وَالمَنَافِعُ قَابِلَةٌ لِلْمِلْكِ كَالأَعْيَانِ. وَالتَّمْلِيكُ نَوْعَانِ: بِعِوَضٍ، وَبِغَيْرِ عِوَضٍ. ثُمَّ الأَعْيَانُ تَقْبَلُ النَّوْعَيْنِ، فَكَذَا المَنَافِعُ، وَالجَامِعُ دَفْعُ الحَاجَةِ، وَلَفْظَةُ الإِبَاحَةِ اسْتُعِيرَتْ لِلتَّمْلِيكِ، كَمَا فِي الإِجَارَةِ، فَإِنَّهَا تَنْعَقِدُ بِلَفْظَةِ الإِبَاحَةِ، وَهِيَ تَمْلِيكُ.
قوله: (ولا يشترط فيه)، أي: في عقد العارية (ضرب المدة)، أي: إعلام مقدار المنفعة ببيان المدة، والمنافع لا تصير معلومة إلا بذكر المدة، (ومع الجهالة) أي: مع جهالة المدة (لا يصح التمليك)، إذ تمليك المجهول لا يصح كما في الإجارة، ولا يمنعه صحة الإباحة.
قوله: (وكذلك يعمل فيه النهي)، أي: يبطل عقد الإجارة بالنهي، ولو كان تمليكا لما بطل بالنهي؛ كالهبة، والإجارة، ولا يملك المستعير الإجارة من غيره، ومن ملك شيئًا بغير عوض يملك تمليكه من غيره بعوض وبغير عوض؛ كالموهوب له ولأن الأصل في المنافع أن لا يرد العقد عليها لأنها كما توجد تتلاشى، إلا أنه في الإجارة ضرورة ولا ضرورة هاهنا إلى قلب الحقيقة.
قوله: (إنه) أي: عقد الإعارة ينبئ عن التمليك؛ لأن العارية مشتقة من العرية، وهي العطية في الثمار بالتمليك من غير عوض.
قوله: (ولهذا تنعقد بلفظ التمليك)، بأن يقول: ملكتك منافع هذه الدار شهرًا، أو: جعلت لك سكنى داري هذه شهرًا، ذكره في المبسوط (١).
قوله: (والمنافع قابلة للملك كالأعيان) جواب عما قال الخصم أن الأصل أن لا يرد العقد على المنفعة إلى آخره كالأعيان فإن تمليك الأعيان يجوز بعوض وبغير عوض، فكذا في المنافع.
قوله: (ولفظ الإباحة استعيرت للتمليك) إلى آخره جواب عن قول الخصم أنه ينعقد بلفظة الإباحة، قال: (استعيرت للتمليك كما في الإجارة فإنها تنعقد بلفظة الإباحة)، مع أنها تمليك المنفعة، وإنما صحت مع جهالة المدة لأن هذه
стр. 5850
وَالجَهَالَةُ لَا تُفْضِي إِلَى المُنَازَعَةِ؛ لِعَدَمِ اللُّزُومِ فَلَا تَكُونُ ضَائِرَةٌ. وَلِأَنَّ المِلْكَ يَثْبُتُ بِالقَبْضِ وَهُوَ الِانْتِفَاعُ وَعِنْدَ ذَلِكَ لَا جَهَالَةَ، وَالنَّهْيُ مَنْعُ عَنْ التَّحْصِيلِ، فَلَا يَتَحَصَّلُ المَنَافِعَ عَلَى مِلْكِهِ. وَلَا يَمْلِكُ الإِجَارَةَ لِدَفْعِ زِيَادَةِ الضَّرَرِ عَلَى مَا نَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. قَالَ: (وَتَصِحٌ بِقَوْلِهِ: أَعَرْتُك)؛ لِأَنَّهُ صَرِيحٌ فِيهِ (وَأَطْعَمْتُكَ هَذِهِ الأَرْضَ)؛ لِأَنَّهُ مُسْتَعْمَلُ فِيهِ (وَمَنَحَتْكِ هَذَا الثَّوْبَ، وَحَمَلْتُكَ عَلَى هَذِهِ الدَّابَّةِ إِذَا لَمْ
الجهالة لا تفضي إلى المنازعة لانعدام اللزوم؛ إذ للمعير أن يفسخ العقد في كل ساعة لكونها غير لازمة.
(فلا تكون)، أي: الجهالة (ضائرة)، أي: مفضية الى المنازعة.
(ولأن الملك)، أي: ملك المنفعة يثبت بقبضها وهو الانتفاع، وعند القبض معلوم، فالجهالة قبله لا تفضي إلى المنازعة، ولهذا لو علمت المنفعة بالتسمية في الإجارة لا يشترط فيها ضرب المدة كما في الصبغ، والخياطة.
وقوله: (والنهي منع عن التحصيل)، جواب عن قول الخصم: ولهذا يعمل فيه النهي، فقال: النهي منع عن التمليك فلا يحصل المنافع على ملكه لكونه دليل الرجوع والاسترداد، لا إبطال الملك بعد ثبوته.
وقوله: (ولا يملك الإجارة)، جواب عن قوله: لا يملك الإجارة من غيره، يعني إنما لا يملك الإجارة لما فيه من إلحاق الضرر بالمعير فإنه ملكها على تمكن من الاسترداد متى شاء، فلو صحت الإجارة منه لم يتمكن من الاسترداد؛ لأنها لازمة حينئذ لكونها بتسليط الغير، وهو نظير ما لو استأجر دابةً أو ثوبا ليس له أن يؤجر من غيره لئلا يتضرر المؤجر.
قوله: (لأنه مستعمل فيه) أي: في تمليك المنفعة؛ لأن الطعام إذا أضيف إلى ما يُطْعَمُ عينه يراد به تمليك عينه، وإن أضيف إلى ما لا يُطعَمُ عَينُهُ كالأرض يراد به أكُلُ غَلَّتِها، إطلاقا لاسم المحل على الحال.
قوله: (ومنحتك هذا الثوب)، أي: أعطيتك المنحة، والمنيحة: الناقة، أو الشاة الممنوحة من المنح وهو: أن يعطي الرجلُ آخر ناقته ليشرب لبنها، ثم يردها إذا ذهب لبنها ثم كثر، حتى قيل في كل شيء (١) أعطى شيئًا: مَنَحَ.
стр. 5851
يُرِدْ بِهِ الهِبَةَ)؛ لِأَنَّهُمَا لِتَمْلِيكِ العَيْنِ، وَعِنْدَ عَدَمِ إِرَادَتِهِ الهِبَةَ تُحْمَلُ عَلَى تَمْلِيكِ المَنَافِعِ تَجَوُّزًا. قَالَ: (وَأَخْدَمْتُكَ هَذَا العَبْدَ)؛ لِأَنَّهُ أَذِنَ لَهُ فِي اسْتِخْدَامِهِ (وَدَارِي لَكَ سُكْنَى)؛ لِأَنَّ مَعْنَاهُ سُكْنَاهَا لَكَ (وَدَارِي لَكَ عُمْرَى سُكْنَى)؛ لِأَنَّهُ جَعَلَ سُكْنَاهَا لَهُ مُدَّةَ عُمُرِهِ. وَجَعَلَ قَوْلُهُ: «سُكْنَى» تَفْسِيرًا لِقَوْلِهِ: لَكَ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ تَمْلِيكَ المَنَافِعِ فَحُمِلَ عَلَيْهِ بِدَلَالَةٍ آخِرِهِ.
قَالَ: (وَلِلْمُعِيرِ أَنْ يَرْجِعَ فِي العَارِيَّةِ مَتَى شَاءَ) لِقَوْلِهِ ﵊
:
وفي الكافي: وقوله في الهداية: ومنحتك هذا، وحملتك على هذه الدابة، إذا لم يُرِدْ به الهبة لأنهما لتمليك العين، إلى قوله: تَجَوُّزًا، أي مجازا، مشكل من وجوه أحدها: أنه قال: إذا لم يُرِدْ به الهبة، وكان ينبغي أن يقول: إذا لم يُرِدْ بِهِما الهبة، بدليل التعليل.
وأجيب عنه بأن الضمير يرجع إلى المذكور.
وثانيها: أنه جعل هذين اللفظين حقيقة لتمليك العين، ومجاز التمليك المنفعة، ثم ذكر في كتاب الهبة في بيان ألفاظها وحملتك على هذه الدابة إذا نوى بالحملان الهبة، وعلّل بأن الحَمْلَ هو الإركاب حقيقة فتكون عارية، لكنه يحتمل الهبة، وهذا تناقض.
وثالثها: أنهما لما كانا لتمليك العين حقيقة فثبتت حقيقة اللفظ بلا نية، فعند عدم إرادة الهبة لا تحمل على تمليك المنفعة، بل على الهبة.
قيل في جوابه: نعم، إن لفظ حملتك يدل على الإركاب لغةً، ولكن يدل على التمليك عرفًا، يقال: حمل الأمير فلانًا، ويراد به التمليك، ويستعمل للعارية أيضًا، قال تعالى: ﴿إِذَا مَا أَتَوكَ لِتَحْمِلَهُمْ﴾ [التوبة: ٩٢]، أي: لِتُرْكِبَهُمْ، فإذا نوى العارية أو الهبة كان كما نوى، وإن لم ينو شيئًا كان عارية؛ لأنها المتيقن بها.
ومعنى قول الشيخ: يجوز أي: يجوز استعمالها فيه مجازا لغويًا، وإن كان حقيقة عرفية، فحينئذ لا يرد السؤال.
قوله: (وللمعير أن يرجع في العارية متى شاء)، وهذا في العارية المطلقة
стр. 5852
«المِنحَةُ مَرْدُودَةٌ وَالعَارِيَّةُ مُؤَدَّاةٌ» وَلِأَنَّ المَنَافِعَ تُمْلَكُ شَيْئًا فَشَيْئًا عَلَى حَسَبٍ حُدُوثِهَا، فَالتَّمْلِيكُ فِيمَا لَمْ يُوجَدْ لَمْ يَتَّصِلْ بِهِ القَبْضُ فَيَصِحُ الرُّجُوعُ عَنْهُ.
قَالَ: (وَالعَارِيَّةُ أَمَانَةٌ، إِنْ هَلَكَتْ مِنْ غَيْرِ تَعَدٌ: لَمْ يَضْمَنْ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ:
بلا خلاف، وفي المؤقتة خلاف مالك فإن عنده لا يجوز له الرجوع قبل مضي الوقت.
قوله: (إن هلكت بغير تعدّ)، قيد به لأن هلاكها بتعديه يوجب الضمان بلا خلاف، وضمان الرد على المستعير بلا خلاف فالعارية إذا هلكت بغير تعد لا تكون مضمونة عندنا، وبه قال مالك، وهو قول علي، وابن مسعود، والحسن، والنخعي، والشعبي، والثوري، وعمر بن عبد العزيز، وشريح، والأوزاعي، وابن شبرمة، وإبراهيم وقضى شريح بذلك ثمانين سنة بالكوفة.
وقال الشافعي، وأحمد مضمونة، وهو قول ابن عباس، وأبي هريرة، وعطاء، وإسحاق.
وقال قتادة، وعبيد الله بن الحسين العنبري: إن شرط ضمانها ضمنت وإلا فلا، وقال ربيعة: كل العواري مضمونة، وبقوله ﵊ لصفوان: «بَلْ عارِيةٌ مضمونَةٌ مُؤدَّاةٌ» (١)، وكتب في عهد بني نجران: وما يعارُ رُسلي فهلكت فضمانها على رسلي.
وقال ﵊: «علَى اليَدِ ما أخَذَتْ حتى تَرُدَّ» (٢)، والأخذ يطلق في موضع يأخذه لنفع نفسه، وذا موجود في العارية، ولأنه قبض مال غيره لنفع نفسه لا عن استحقاق تقدم فكان مضمونًا عليه؛ كالمقبوض على سوم الشراء.
стр. 5853
يَضْمَنُ؛ لِأَنَّهُ قَبَضَ مَالَ غَيْرِهِ لِنَفْسِهِ لَا عَنْ اسْتِحْقَاقِ فَيَضْمَنُهُ،
والمستقرض بخلاف المودع؛ لأنه ما قبضه لنفسه بل لمنفعة المالك وهو الحفظ، ولهذا لا يلزمه مؤنة الرد، وفي المستعير يلزمه، وبخلاف المستأجر؛ لأنه قبضه باستحقاق تقدم على القبض، ولهذا يجبر على تسليم الدار، ولو سلمه لا يملك الاسترداد حتى تمضي المدة.
والموصى له بخدمة العبد فإن العبد لا يصير مضمونًا عليه وإن قبضه لنفسه؛ لأن قبضه مستحق، ولهذا يجبر الورثة على تسليم العبد إليه، ولا يلزم أنه مأذون بالقبض؛ لأنه إنما ثبت الإذن ضرورة الانتفاع، فبقي القبض في غير حالة الانتفاع غير مأذون فيه؛ لأن الثابت بالضرورة يتقدر بقدرها، ولهذا لا يضمن إذا هلك حالة الانتفاع بلا خلاف، ولأن قبض العارية يوجب ضمان الرد بالإجماع حال قيام العين، فيوجب ضمان القيمة حال هلاك العين؛ كقبض الغصب.
ولنا: ما روى القاضي الإمام أبو جعفر محمد بن عمرو، عن القاضي الخليل ابن أحمد بإسناده عن أبي الزبير المكي، عن جابر بن عبد الله، عن النبي ﷺ أنه قال: «ليس على المستعير غيرِ المُغِلِّ ضمان»، والمُغِلُّ: هو الخائن.
فإن قيل: هذا حديث ضعيف؛ لأنه يرويه عمرو بن عبد الجبار، عن عبيدة بن حسان (١)، عن عمرو بن شعيب، وعمرو وعبيدة ضعيفان، قاله الدارقطني (٢).
ولئن ثبت يحمل على الهلاك حال الانتفاع ليكون توفيقا بين الحديثين، ودفعًا للتعارض.
قلنا: قد روي برواية أخرى غير ضعيفة، مع أنه عمل به أكثر العلماء، مع أن الجرح لا يقبل ما لم يبين سببه، ولأن ما رويتم محمول على ضمان الرد بدليل ما روي من حديث صحيح أنه ﵊ قال: «العاريةُ مُؤدَّاةٌ، والمنحة مردودة» الحديث، فوصف النبي ﵊ جميع العواري
стр. 5854
وَالإِذْنُ ثَبَتَ ضَرُورَةَ الِانْتِفَاعِ فَلَا يَظْهَرُ فِيمَا وَرَاءَهُ، وَلِهَذَا كَانَ وَاجِبَ الرَّدِّ وَصَارَ
بكونها مؤداة، وقد روي هذا الحديث بطريق آخر فلم يذكر «مضمونة» فيه، وفي بعض طرقها: «ومضمونة» بالواو، وهذه الرواية تدل على أن الضمان وصف زائد على العارية.
والوجه في ذلك أنه ﵊ تلفظ بها تسكينا له، وتألفًا له؛ فإنه كان يومئذ مشركا (١)، وقد أخذ بمجامع قلبه حَمِيَّةَ الجاهلية، ولأن اللفظ لا ينبئ عن التزام الضمان كما ذكر في المتن، وقبض العين للانتفاع بإذن صحيح من مالكها لا يوجب ضمانًا كما في المستأجر، ووجوب الضمان للجبران وذلك لا يتحقق إلا بتفويت شيء على المالك جبرًا، وبالإذن الصحيح ينعدم التفويت.
والعقد عقد تبرع فلا يكون عقد ضمان كالهبة فلا يتحقق موجب الضمان، ألا ترى أن القبض لا يكون أقوى من حقيقة الإتلاف، ولو أتلفها بإذن مالكه لا يجب عليه الضمان، فكذا إذا قبضها.
وقوله: (الإذن للانتفاع ضرورة)، قلنا: هو ما قبضه إلا للانتفاع فيزول عنه صفة التعدي، فإذا قبضه للانتفاع بقي في يده بإذن مالكها فلم يكن تعديًا، ولأن الإذن بالقبض وجد مطلقًا فلا يقيده بحال الانتفاع؛ لأن الضرورة كما دعت إلى إظهار الإذن في غير حال الانتفاع أيضًا؛ لأنه إنما ينتفع بمال الغير حسب انتفاعه بمال نفسه ساعة دون ساعة؛ إذ لو انتفع بها دائما لهلك، فكان إمساك العين في ثاني الحال للانتفاع مأذونا ضرورة فلا يضمن.
أما الجواب عن قوله ﵊: «العارية مضمونة»، أي: ضمان الرد؛ لأنه جعل الضمان صفة العين على وجه الخبر، وحقيقة ذلك في ضمان الرد؛ لأنه يبقى ببقاء العين، وحديث صفوان فقد قيل إنه ﵊ أخذ دروعه بغير رضاه بدليل قول صفوان: "أغصبًا يا رسول الله؟ " إلّا أنه ﵊ كان محتاجًا إلى السلاح فكان الأخذ له حلالا ولكن بشرط الضمان؛ كتناول مال الغير في حال المخمصة بشرط الضمان.
стр. 5855
كَالمَقْبُوضِ عَلَى سَوْمِ الشِّرَاءِ. وَلَنَا: أَنَّ اللَّفْظَ لَا يُنْبِئُ عَنْ التِزَامِ الضَّمَانِ؛ لِأَنَّهُ لِتَمْلِيكِ المَنَافِعِ بِغَيْرِ عِوَضٍ، أَوْ لِإِبَاحَتِهَا، وَالقَبْضُ لَمْ يَقَعْ تَعَدِّيَا لِكَوْنِهِ مَأْذُونَا فِيهِ، وَالإِذْنُ وَإِنْ ثَبَتَ لِأَجْلِ الانْتِفَاعِ فَهُوَ مَا قَبَضَهُ إِلَّا لِلِانْتِفَاعِ فَلَمْ يَقَعْ تَعَدِّيَا، وَإِنَّمَا
وقيل: المراد ضمان الرد، وقوله: «مؤداة» تفسير لذلك، كما يقال: فلان عالم فقيه، فسر العلم بالفقه.
وقيل: كان هذا اشتراط الضمان على نفسه، وبه أخذ قتادة، والعنبري.
وعندنا المستعير لا يضمن بالشرط أيضًا، ولكن صفوان يومئذ كان حربيا، ويجوز بين المسلم والحربي من الشرائط ما لا يجوز بين المسلمين.
وأما قوله ﵊: «مَا يُعارُ رُسُلِي فَهَلَكَتْ عَلَى أَيْدِيهِمْ» أي: استهلكوها؛ لأنه يقال: هلك في يده، إذا كان بغير صنعه، وهلكت على يده، إذا استهلكه.
وأما قوله ﵇: «عَلَى اليَدِ مَا أَخَذَتْ حَتَّى تَرُدَّ» (١)، يقتضي وجوب رد العين ولا كلام فيه.
وأما المقبوض على سوم الشراء إنما كان مضمونًا بالعقد، والإذن يقرر ضمان العقد، ولأن المالك هناك ما رضي بقبضه إلا بجهة العقد، ففيما وراء العقد كان مقبوضًا بغير إذنه، وإنما وجب ضمان الرد على المستعير؛ لأن منفعة النقل حصلت له، والرد فسخ لذلك النقل فكانت المؤنة على من حصلت له منفعة النقل فإن الخراج بالضمان، ولهذا كانت النفقة عليه أيضًا، ولهذا أوجبنا مؤنة الرد على الموصى له بالخدمة أيضًا.
فأما ضمان العين فإنما يجب على من فَوَّت شيئًا على المالك بقبضه؛ كالغاصب، ولم يوجد ذلك إذا كان القبض بإذنه، كذا في المبسوط،
стр. 5856
وَجَبَ الرَّدُّ مُؤْنَةٌ، كَنَفَقَةِ المُسْتَعَارِ فَإِنَّهَا عَلَى المُسْتَعِيرِ لَا لِنَقْضِ القَبْضِ.
وَالمَقْبُوضُ عَلَى سَوْمِ الشِّرَاءِ مَضْمُونٌ بِالعَقْدِ؛ لِأَنَّ الأَخْذَ فِي العَقْدِ لَهُ حُكْمُ العَقْدِ عَلَى مَا عُرِفَ فِي مَوْضِعِهِ. قَالَ: (وَلَيْسَ لِلْمُسْتَعِيرِ أَنْ يُؤَاجِرَ مَا اسْتَعَارَهُ؛ فَإِنْ اجَرَهُ فَعَطِبَ ضَمِنَ)؛ لِأَنَّ الإِعَارَةَ دُونَ الإِجَارَةِ، وَالشَّيْءُ لَا يَتَضَمَّنُ مَا هُوَ فَوْقَهُ، وَلِأَنَّا لَوْ صَحْحْنَاهُ لَا يَصِحُ إِلَّا لَازِمًا؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَكُونُ بِتَسْلِيطٍ مِنْ المُعِيرِ، وَفِي
والأسرار (١).
قوله: (كنفقة المستعار فإنها) أي: النفقة (على المستعير)، وفي الذخيرة والمغني: قال أبو علي النسفي حاكيًا عن أستاذه: أن المستعير لا يجبر على النفقة، بل يقال له: إن شئت فأنفق عليه ليحصل لك منفعته، وإن شئت فَخَلَّ يَدَك عنه.
وقال أبو نصر: لو استعار عبدًا فطعامه على المستعير، ولو أن مولاه أعاره فطعامه على المعير
قال أبو الليث: يعني إذا قال مولى العبد: خذ عبدي واسْتَخْدِمُهُ، من غير أن يستعيره المستعير فإن هذا بمنزلة الوديعة، فطعامه على مولاه، وأما الكسوة فعلى المعير في الأحوال كلها (٢).
قوله: (لا لنقض القبض)، بخلاف الغصب فإن ثمة وجب الرد لنقض القبض، فإذا لم يوجد الرد يجب الضمان عليه، وهاهنا القبض بالإذن فلا يكون مضمونا عليه.
قوله: (ولأنا لو صححناه) إلى قوله: (بتسليط من المعير) جواب لشبهة ذكرت في المبسوط.
فإن قيل: ينبغي أن يملك المستعير الإجارة؛ لأنه مالك للمنفعة، ولا ينقطع حق المعير في الاسترداد، بل يصير قيام حق المعير في الاسترداد عذرا في نقض الإجارة. قلنا: لو ملك المستعير الإجارة كان ذلك من مقتضيات عقد المعير، فكان العقد بتسليطه فلا يمكنه من نقضه بعد.
стр. 5857
وُقُوعِهِ لَازِمًا زِيَادَةُ ضَرَرٍ بِالمُعِيرِ لِسَدِّ بَابِ الاِسْتِرْدَادِ إِلَى انْقِضَاءِ مُدَّةِ الإِجَارَةِ فَأَبْطَلْنَاهُ، وَضَمِنَهُ حِينَ سَلَّمَهُ؛ لِأَنَّهُ إِذَا لَمْ تَتَنَاوَلْهُ العَارِيَّةُ كَانَ غَصْبًا، وَإِنْ شَاءَ المُعِيرُ ضَمَّنَ المُسْتَأْجِرَ؛ لِأَنَّهُ قَبَضَهُ بِغَيْرِ إِذْنِ المَالِكِ لِنَفْسِهِ، ثُمَّ إِنْ ضَمِنَ الْمُسْتَعِيرُ لَا يَرْجِعُ عَلَى المُسْتَأْجِرِ؛ لِأَنَّهُ ظَهَرَ أَنَّهُ آجَرَ مِلْكَ نَفْسِهِ، وَإِنْ ضَمِنَ الْمُسْتَأْجِرُ يَرْجِعُ عَلَى المُؤَاجِرِ إِذَا لَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ كَانَ عَارِيَّةٌ فِي يَدِهِ دَفْعًا لِضَرَرِ الغُرُورِ، بِخِلَافِ مَا إِذَا عَلِمَ. قَالَ: (وَلَهُ أَنْ يُعِيرَهُ إِذَا كَانَ مِمَّا لَا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ المُسْتَعْمِلِ) وَقَالَ
وقيل في تجويز إجارته: يلزم لزوم ما لا يلزم، وهذا لأن الإعارة غير لازمة في الأصل، والإجارة لازمة في الأصل، فلو ملك المستعير الإجارة إما أن تقع هذه الإجارة لازمة أو غير لازمة، فإن وقعت غير لازمة يلزم عدم لزوم ما يلزم، وهو خلاف موضوع الإجارة فكان باطلا، وإن وقعت لازمة يلزم لزوم ما لا يلزم؛ لأنها إذا لزمت الإجارة تصير العارية لازمة ضرورة لعدم إمكان الاسترداد فيكون خلاف موضوع العارية وهو باطل، ولهذا لا يرهن لما بينا كالوديعة لا تؤجر ولا ترهن. •
قوله: (دفعًا لضرر الغرور)، فإن غرره في ضمن العقد بخلاف ما علم بكونها عارية في يده حيث لم يرجع عليه؛ لأنه لم يؤخذ منه الغرور، وقالت الأئمة الثلاثة: لا يرجع لأنه غاصب الثاني، ويضمن بفعله.
قوله: (إذا كان لا يختلف باختلاف المستعمل) كالحمل، والاستخدام، والسكني، والزراعة، كذا ذكر النظائر التمرتاشي، فللمستعير أن يعيره، وبه قال مالك (١)، والشافعي في وجه (٢)، وقال الشافعي في الأصح (٣)، وأحمد (٤): ليس
стр. 5858
الشَّافِعِيُّ: لَيْسَ لَهُ أَنْ يُعِيرَهُ؛ لِأَنَّهُ إِبَاحَةُ المَنَافِعِ عَلَى مَا بَيَّنَّا مِنْ قَبْلُ، وَالمُبَاحُ لَهُ لَا يَمْلِكُ الإِبَاحَةَ، وَهَذَا؛ لِأَنَّ المَنَافِعَ غَيْرُ قَابِلَةٍ لِلْمِلْكِ لِكَوْنِهَا مَعْدُومَةً، وَإِنَّمَا جَعَلْنَاهَا مَوْجُودَةً فِي الإِجَارَةِ لِلضَّرُورَةِ. وَقَدْ انْدَفَعَتْ بِالإِبَاحَةِ هَاهُنَا.
وَنَحْنُ نَقُولُ: هُوَ تَمْلِيكُ المَنَافِعِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا فَيَمْلِكُ الْإِعَارَةَ كَالمُوصَى لَهُ بِالخِدْمَةِ، وَالمَنَافِعُ اعْتُبِرَتْ قَابِلَةٌ لِلْمِلْكِ فِي الإِجَارَةِ، فَتُجْعَلُ كَذَلِكَ فِي الإِعَارَةِ دَفْعًا لِلْحَاجَةِ، وَإِنَّمَا لَا تَجُوزُ فِيمَا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ المُسْتَعْمِلِ دَفْعًا لِمَزِيدِ الضَّرَرِ عَنْ المُعِيرِ؛ لِأَنَّهُ رَضِيَ بِاسْتِعْمَالِهِ لَا بِاسْتِعْمَالِ غَيْرِهِ. قَالَ العَبْدُ الضَّعِيفُ: وَهَذَا إِذَا صَدَرَتْ الإِعَارَةُ مُطْلَقَةٌ. وَهِيَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَوْجُهِ: أَحَدُهَا أَنْ تَكُونَ مُطْلَقَةٌ فِي الوَقْتِ وَالانْتِفَاعِ، وَلِلْمُسْتَعِيرِ فِيهِ أَنْ يَنْتَفِعَ بِهِ أَيَّ نَوْعٍ شَاءَ فِي أَيِّ وَقْتٍ شَاءَ عَمَلًا بِالإِطْلَاقِ. وَالثَّانِي: أَنْ تَكُونَ مُقَيَّدَةً فِيهِمَا، وَلَيْسَ لَهُ، أَنْ يُجَاوِزَ فِيهِ مَا سَمَّاهُ عَمَلًا
له أن يعيره، بناءً على ما مر أن الإعارة إباحة المنافع عنده، والمباح له لا يقدر أن يبيح غيره.
وقوله: (وإنما لا يجوز)، إلى آخره جواب لشبهة تَرِدُ علينا بأن العارية لو كانت تمليك المنفعة لما اختلف الحكم في صحة إعارته بين ما يختلف وما لا يختلف، فقال: (إنما لا يجوز فيما يختلف لدفع زيادة الضرر على المعير) إلى آخره.
(وهذا) أي: ما ذكرنا من ولاية الإعارة للمستعير.
قوله: (مطلقة)، أي: عن الوقت والانتفاع.
(وهو) أي: ما يصدر عن عقد الإعارة على أربعة أوجه، وانحصاره على الأربعة ضرورة؛ لأن الشيئين - وهو الإطلاق والتقييد - دارا في الشيئين وهما: الوقت والانتفاع -، فكانت أربعة لا محالة.
قوله: (ليس له أن يجاوز ما سماه)، مثلا استعار الدابة ليحمل عليها عشرة أقفزة حنطة فلا يحتمل غيرها، إلا إذا كان خلافًا إلى مثل ذلك بأن قال: عشرة أقفزة من هذه الحنطة، أو من حنطة، فحمل عليها عشرة أقفزة من حنطة غير المشار إليها، أو من حنطة غيره، أو خير منه بأن قال: عشرة أقفزة حنطة،
стр. 5859
بِالتَّقْيِيدِ، إِلَّا إِذَا كَانَ خِلَافًا إِلَى مِثْلِ ذَلِكَ، أَوْ إِلَى خَيْرٍ مِنْهُ، وَالحِنْطَةُ مِثْلُ الحِنْطَةِ، وَالشَّعِيرُ خَيْرٌ مِنْ الحِنْطَةِ إِذَا كَانَ كَيْلًا. وَالثَّالِثُ: أَنْ تَكُونَ مُقَيَّدَةً فِي حَقِّ الوَقْتِ مُطْلَقَةً فِي حَقِّ الانْتِفَاعِ. وَالرَّابِعُ: عَكْسُهُ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَتَعَدَّى مَا سَمَّاهُ، فَلَوْ اسْتَعَارَ دَابَّةٌ وَلَمْ يُسَمِّ شَيْئًا، لَهُ أَنْ يَحْمِلَ وَيُعِيرَ غَيْرَهُ لِلْحَمْلِ؛ لِأَنَّ الحَمْلَ لَا يَتَفَاوَتُ.
وَلَهُ أَنْ يَرْكَبَ وَيُرْكِبَ غَيْرَهُ وَإِنْ كَانَ الرُّكُوبُ مُخْتَلِفًا؛ لِأَنَّهُ لَمَّا أُطْلِقَ فِيهِ فَلَهُ أَنْ يُعَيِّنَ، حَتَّى لَوْ رَكِبَ بِنَفْسِهِ لَيْسَ لَهُ أَنْ يُرْكِبَ غَيْرَهُ؛ لِأَنَّهُ تَعَيَّنَ رُكُوبُهُ، وَلَوْ أَرْكَبَ غَيْرَهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَرْكَبَهُ حَتَّى لَوْ فَعَلَهُ ضَمِنَهُ؛ لِأَنَّهُ تَعَيَّنَ الإِرْتَابُ.
قَالَ: (وَعَارِيَّةُ الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ وَالمَكِيلِ وَالمَوْزُونِ وَالمَعْدُودِ قَرْضُ)؛ لِأَنَّ
فحمل عليها عشرة من شعير، في القياس يكون ضامنًا؛ لأنه يخالف لاختلاف الجنس، وعنده لا يعتبر الضرر والمنفعة.
وفي الاستحسان لا يضمن؛ لأنه لا فائدة للمالك في تعيين الحنطة فإن مقصوده دفع زيادة الضرر عن دابته، ومثل الكيلي الحنطة من الشعير يكون أخف عليها، والتقييد إنما يعتبر إذا كان مفيدًا، ولهذا لو سمى مقدارًا من الحنطة وزنا فحمل مثل ذلك الوزن شعيرًا يضمن؛ لأنه يأخذ من ظهر الدابة أكثر مما تأخذه الحنطة، كذا في المبسوط (١).
قوله: (ليس له أن يركبه)، أي: يركب الدابة على تأويل الحيوان، أو الحمار، أو البغل، أو الفرس.
قوله: (حتى لو فعل ضمنه) أي: لو ركب بنفسه ضمن وهو الصحيح، وهو اختيار فخر الإسلام، وعند شمس الأئمة وشيخ الإسلام خواهر زاده: لا يضمن؛ لأنه يملك الإعارة.
والصحيح أنه لا يضمن لما أطلق، وله أن يُعَيِّنَ، وفي الأولى: يُعَيِّنُ الركوب، وفي الثانية: الإركاب، وتعيينه كتعيين المالك، ولو عين المالك يضمن بالنقل، كذا هنا.
قوله: (وعارية الدراهم) بأن قال: أعرتك هذه الدراهم، أو الدنانير قرض،
стр. 5860
الإِعَارَةَ تَمْلِيكُ المَنَافِعِ، وَلَا يُمْكِنُ الانْتِفَاعُ بِهَا إِلَّا بِاسْتِهْلَاكِ عَيْنِهَا فَاقْتَضَى تَمْلِيكُ العَيْنِ ضَرُورَةٌ وَذَلِكَ بِالهِبَةِ، أَوْ بِالقَرْضِ، وَالقَرْضُ أَدْنَاهُمَا فَيَثْبُتُ، أَوْ لِأَنَّ مِنْ قَضِيَّةِ الإِعَارَةِ الانْتِفَاعَ وَرَدَّ العَيْنِ، فَأُقِيمَ رَدُّ المِثْلِ مَقَامَهُ. قَالُوا: هَذَا إِذَا أَطْلَقَ الإِعَارَةَ.
وَأَمَّا إِذَا عَيَّنَ الجِهَةَ: بِأَنْ اسْتَعَارَ دَرَاهِمَ لِيُعَايِرَ بِهَا مِيزَانًا، أَوْ يُزَيِّنَ بِهَا دُكَّانًا: لَمْ يَكُنْ قَرْضًا، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ إِلَّا المَنْفَعَةُ المُسَمَّاةُ، وَصَارَ كَمَا إِذَا اسْتَعَارَ آنِيَةٌ يَتَجَمَّلُ بِهَا، أَوْ سَيْفًا مُحَلَّى يَتَقَلَّدُهُ ..
قَالَ: (وَإِذَا اسْتَعَارَ أَرْضًا لِيَبْنِيَ فِيهَا، أَوْ لِيَغْرِسَ فِيهَا جَازَ، وَلِلْمُعِيرِ أَنْ يَرْجِعَ
يعني بمنزلة قوله: أقرضتك، ولا يعلم فيه خلاف، إلا ما نقل عن بعض أصحاب الشافعي: هذه إعارة فاسدة، وقبض المال بالإذن إلا لمنفعة نفسه فتكون أمانة، ذكره في شرح الوجيز (١).
وفي المغني: قال أبو بكر البلخي: قال: أعرتك هذه القصعة من الثريد، فأخذها وأكلها فعليه مثلها أو قيمتها؛ لما أن إعارة ما لا ينتفع إلا بهلاكه قرض.
قال أبو الليث: الجواب هكذا إذا لم يكن بينهما مباسطة أو دلالة الإباحة.
قوله: (وذلك)، أي: تمليك العين بالهبة، أو القرض، والقرض أدناهما ضررًا على المعير؛ لأنه يوجب المثل والهبة لا توجبه.
قوله: (ورد العين)، وقد تعذر رد العين على المستعير هنا فأقيم رد المثل مقام ردها.
قوله: (أما إذا عين الجهة) إلى آخره، ولا يُعلم فيه خلاف أيضًا، وفي بعض النسخ (ليعاير بها ميزانًا)، والصواب: (يعاير)، أي: يسوي، ذكره في المغرب (٢).
وفي الصحاح: عايروا مكاييلكم وموازينكم ولا تقل: عيروا (٣).
стр. 5861
فيها وَيُكَلِّفُهُ قَلْعَ البِنَاءِ وَالغَرْسِ) أَمَّا الرُّجُوعُ: فَلِمَا بَيَّنَا، وَأَمَّا الجَوَازُ: فَلِأَنَّهَا مَنْفَعَةٌ مَعْلُومَةٌ تُمْلَكُ بِالإِجَارَةِ فَكَذَا بِالإِعَارَةِ. وَإِذَا صَحَّ الرُّجُوعُ بَقِيَ المُسْتَعِيرُ شَاغِلًا أَرْضَ المُعِيرِ فَيُكَلَّفُ تَفْرِيغَهَا، ثُمَّ إِنْ لَمْ يَكُنْ وَقَّتَ العَارِيَّةَ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ المُسْتَعِيرَ
قوله: (قلع البناء، والغرس) بكسر الغين، وفتحها ذكره في المغرب (١).
وقوله: (فلما بينا)، إشارة إلى قوله: (للمعير أن يرجع متى شاء).
قوله: (فلا ضمان عليه)، أي: على المعير من نقصان قيمة البناء والغرس، وبه قال مالك، وقال الشافعي، وأحمد: إن أبى المستعير القلع يضمن المعير ما ينقص بالقلع، أو قيمة بنائه مقلوعًا؛ لأنه بنى وغرس بإذن المعير من غير شرط القلع فلم يلزمه القلع من غير ضمان.
إليه أشار قوله ﵊: ﴿لَيْسَ لِعِرْقٍ ظَالِمِ حَقٌّ﴾ (٢)، فدل بمفهومه على أن العرق الذي ليس بظالم له حق وهذا كذلك، وصار كما لو طالبه بالقلع في المؤقتة قبل مضي الوقت.
وقلنا: الضرر إنما يلحق المستعير من قبله حيث بنى أو غرس في محل كان لغيره حق الرجوع فيه، والمعير لم يصر غارًا لأنه ما وقت للعارية وقتًا، ولكن المستعير مغتر بنفسه حيث ظن بمطلق العقد أنه يتركها في مدة طويلة من غير أن يسبق منه الوعد، بخلاف ما لو وقت للعارية وقتًا ورجع قبل مضي الوقت فإن المستعير يصير مغرورًا من جهة المعير، وللمغرور أن يدفع الضرر عن نفسه بالرجوع على الغار.
وقال زفر: لا يضمن أيضًا بالتوقيت؛ لأن الإطلاق والتوقيت سواء لبطلان الأجل في العواري.
وقلنا: إذا وقت صار مغرورًا من جهته.
стр. 5862
مُغْتَرٌّ غَيْرُ مَغْرُورٍ حَيْثُ اعْتَمَدَ إِطْلَاقَ العَقْدِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَسْبِقَ مِنْهُ الوَعْدُ، وَإِنْ كَانَ وَقَتَ العَارِيَّةَ وَرَجَعَ قَبْلَ الوَقْتِ صَحَّ رُجُوعُهُ لِمَا ذَكَرْنَاهُ وَلَكِنَّهُ يُكْرَهُ، لِمَا فِيهِ مِنْ خُلْفِ الوَعْدِ وَضَمِنَ المُعِيرُ مَا نَقَصَ البِنَاءَ وَالغَرْسَ بِالقَلْعِ؛ لِأَنَّهُ مَغْرُورٌ مِنْ جِهَتِهِ حَيْثُ وَقَتَ لَهُ، وَالظَّاهِرُ هُوَ الوَفَاءُ بِالعَهْدِ، وَيَرْجِعُ عَلَيْهِ دَفْعًا لِلضَّرَرِ عَنْ نَفْسِهِ. كَذَا ذَكَرَهُ القُدُورِيُّ فِي المُخْتَصَرِ. وَذَكَرَ الحَاكِمُ الشَّهِيدُ: أَنَّهُ يَضْمَنُ رَبُّ الْأَرْضِ لِلْمُسْتَعِيرِ قِيمَةَ غَرْسِهِ وَبِنَائِهِ وَيَكُونَانِ لَهُ،
فإن قيل: الغرور بمباشرة عقد الضمان سبب للرجوع، ألا ترى أنه لو استحق الموهوب بعد هلاكِهِ فَضَمِنَ الموهوب له الضمان، لا يرجع بما ضمن على الواهب؛ لأن الغرور في ضمن عقد المعاوضة سبب الرجوع لا في غيره، والمعير لم يباشر عقد الضمان وإن وقت.
قلنا: كلام العاقل محمول على الفائدة ما أمكن، ولا حاجة إلى التوقيت في تصحيحها لصحتها بدونها، فعلم أن فائدته التزام قيمة البناء والغرس إن أراد إخراجه قبله، وصار تقدير كلامه كأن قال: اِبْنِ في هذه الأرض لنفسك على أن أتركها في يدك إلى مدة كذا، فإن لم أتركها فأنا ضامن لك ما تنفق في بنائك، فيكون الرجوع للإلزام المعنوي لا للغرور، كذا في المبسوط (١).
قلت: فعلى هذا معنى قول الشيخ: (لأنه مغرور من جهته) مُؤَوّلٌ، [أي] (٢) مغرور من الإلزام المعنوي، وبعد مضي المدة له الرجوع بلا ضمان عندنا، ومالك، وبه قال المزني، وعند الشافعي وأحمد يضمن النقصان، كما في غير المؤقت، ورجع قبل الوقت صح رجوعه خلافًا لمالك، وما نقل في النهاية من قول مالك أنه يضمن القيمة ما وجدته في كتبهم، بل عندهم إذا كان مؤقتًا لا يجوز له الرجوع.
قوله: (يضمن رب الأرض للمستعير قيمة غرسه وبنائه)، يعني بكم يشتري بشرط قيامه إلى المدة المضروبة، كذا في شرح الكافي.
стр. 5863
إِلَّا أَنْ يَشَاءَ المُسْتَعِيرُ أَنْ يَرْفَعَهُمَا، وَلَا يُضَمِّنَهُ قِيمَتَهُمَا فَيَكُونَ لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ مِلْكُهُ.
قَالُوا: إِذَا كَانَ فِي القَلْعِ ضَرَرٌ بِالْأَرْضِ: فَالخِيَارُ إِلَى رَبِّ الْأَرْضِ؛ لِأَنَّهُ صَاحِبُ أَصْلٍ، وَالمُسْتَعِيرُ صَاحِبُ تَبَعٍ، وَالتَّرْجِيحُ بِالْأَصْلِ، (وَلَوْ اسْتَعَارَهَا لِيَزْرَعَهَا: لَمْ تُؤْخَذْ مِنْهُ حَتَّى يَحْصُدَ الزَّرْعَ وَقَتَ أَوْ لَمْ يُوَقِّتْ)؛ لِأَنَّ لَهُ نِهَايَةٌ مَعْلُومَةً، وَفِي التَّرْكِ مُرَاعَاةُ الحُقَّيْنِ، بِخِلَافِ الغَرْسِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ نِهَايَةٌ مَعْلُومَةٌ فَيُقْلَعُ دَفْعًا لِلضَّرَرِ عَنْ المَالِكِ.
قَالَ: (وَأُجْرَةُ رَدِّ العَارِيَّةِ عَلَى المُسْتَعِيرِ)؛ لِأَنَّ الرَّدَّ وَاجِبٌ عَلَيْهِ،
قوله: (لم تؤخذ منه)، أي: لم تؤخذ الأرض من المستعير، ويترك في يده طريق الإجارة.
(لأن له)، أي: للزرع (نهاية) فيمكن مراعاة الحَقَّيْن، كما في الإجارة إذا انقضت المدة والزرع لم يدرك بعد فإنه يترك الأرض في يده بأجر مراعاة للجانبين كذا هنا، كذا في المبسوط.
وبه قال الشافعي في وجه، ومالك، وأحمد، وقال في وجه كالبناء والغرس، وعن أحمد: إن كان مما يحصد قَصِيلًا بلا ضرر فله الرجوع لعدم الضرر فيه (١).
قوله: (حتى يحصد) على بناء المفعول، ثم إذا استحصد الزرع فصاحب الأرض يأخذ الأرض مع الأجر، وقال أبو إسحاق الحافظ: إنما يجب الأجر لصاحب الأرض إذا أجر الأرض منه، أو القاضي بعد مضي المدة، وبدون ذلك لا يجب الأجر، وفي أكثر الروايات لم يشترط ذلك.
قوله: (وفي الترك مراعاة الحقين) أي: حق المعير والمستعير فكان أولى من القلع، ولأن في القلع إبطال ملك المستعير، وفي الترك في يده، وبالأجرة ضررًا بالمعير من حيث تأخير حقه، وضرر الإبطال فوق ضرر التأخير.
قوله: (وأجرة رد العارية على المستعير) بلا خلاف كما بينا.
стр. 5864
لِمَا أَنَّهُ قَبَضَهُ لِمَنْفَعَةِ نَفْسِهِ، وَالأجْرَةُ مُؤنَةُ الرَّدِّ فَتَكُونُ عَلَيْهِ (وَأُجْرَةُ رَدِّ العَيْنِ المُسْتَأْجَرَةِ عَلَى المُؤَجِّرِ) لِأَنَّ الوَاجِبَ عَلَى المُسْتَأْجِرِ التَّمْكِينُ وَالتَّخْلِيَةُ دُونَ الرَّدِّ، فَإِنَّ مَنْفَعَةَ قَبْضِهِ سَالِمَةٌ لِلْمُؤَجِّرِ مَعْنَى، فَلَا يَكُونُ عَلَيْهِ مُؤْنَةٌ رَدِّهِ (وَأُجْرَةُ رَبِّ العَيْنِ المَغْصُوبَةِ عَلَى الغَاصِبِ)؛ لِأَنَّ الوَاجِبَ عَلَيْهِ الرَّدُّ وَالإِعَادَةُ إِلَى يَدِ المَالِكِ دَفْعًا لِلضَّرَرِ عَنْهُ فَتَكُونَ مُؤْنَتُهُ عَلَيْهِ.
قَالَ: (وَإِذَا اسْتَعَارَ دَابَّةٌ فَرَدَّهَا إِلَى إِصْطَبْلِ مَالِكِهَا فَهَلَكَتْ: لَمْ يَضْمَنْ) وَهَذَا
قوله: (لما أنه) أي: المستعير قبضه لنفع نفسه فتكون المؤنة عليه، لما أن الخراج بالضمان، والأجر مؤنة الرد، ولهذا لو أمسكه بعد مضي المدة في العارية المؤقتة وهلك يضمنه، بخلاف المطلقة حيث لا يضمن بالإمساك؛ لأن المطالبة بالردّ لم توجد حتى لو طلب الرد فأمسكها يضمن؛ كالمودع إذا طولب بالرد، وبخلاف المستأجر إذا أمسكها بعد مضي المدة وهلكت قبل الطلب حيث لم يضمنها؛ لأن الرد على المالك لا على المستأجر، كذا في المبسوط (١).
قوله: (لأن الواجب عليه)، أي: على الغاصب الرد لقوله ﵊: «عَلَى اليد ما أَخَذَتْ حتى تَرُدَّ» (٢)، فتكون مؤنة الرد واجبة عليه، ولا خلاف فيه.
وأجرة رد المرهون على الراهن، وأجرة رد الوديعة على مالكها، والأصل أن مؤنة الرد على من وقع له القبض؛ لأن الإخراج بالضمان، فإذا ثبت هذا اتضح لك حكم هذه المسائل، فالمرتهن قبض الرهن لنفسه، ولهذا اختص به من سائر الغرماء.
أما مؤنة رد العبد الموصى بخدمته فقالوا: لا رواية فيها، ويجب أن يكون على الموصى له بالخدمة كما في المستعير.
стр. 5865
اسْتِحْسَانٌ، وَفِي القِيَاسِ: يَضْمَنُ؛ لِأَنَّهُ مَا رَدَّهَا إِلَى مَالِكِهَا بَلْ ضَيَّعَهَا. وَجْهُ الاسْتِحْسَانِ: أَنَّهُ أُتِيَ بِالتَّسْلِيمِ المُتَعَارَفِ؛ لِأَنَّ رَدَّ العَوَارِي إِلَى دَارِ المُلاكِ مُعْتَادٌ كَالَةِ البَيْتِ، وَلَوْ رَدَّهَا إِلَى المَالِكِ فَالمَالِكُ يَرُدُّهَا إِلَى المَرْبِطِ.
(وَإِنْ اسْتَعَارَ عَبْدًا فَرَدَّهُ إِلَى دَارِ المَالِكِ وَلَمْ يُسَلِّمْهُ إِلَيْهِ: لَمْ يَضْمَنْ) لِمَا بَيَّنَّا (وَلَوْ رَدَّ المَغْصُوبَ أَوْ الوَدِيعَةَ إِلَى دَارِ المَالِكِ وَلَمْ يُسَلِّمْهُ إِلَيْهِ: ضَمِنَ)؛ لِأَنَّ الوَاجِبَ عَلَى الغَاصِبِ فَسْخُ فِعْلِهِ، وَذَلِكَ بِالرَّدِّ إِلَى المَالِكِ دُونَ غَيْرِهِ، وَالوَدِيعَةُ لَا يَرْضَى المَالِكُ بِرَدِّهَا إِلَى الدَّارِ وَلَا إِلَى يَدِ مَنْ فِي العِيَالِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ ارْتَضَاهُ لَمَا أَوْدَعَهَا إِيَّاهُ، بِخِلَافِ العَوَارِيّ؛ لِأَنَّ فِيهَا عُرْفًا، حَتَّى لَوْ كَانَتْ العَارِيَّةُ عُقْدَ جَوْهَرٍ لَمْ يَرُدَّهَا إِلَّا إِلَى المُعِيرِ؛ لِعَدَمِ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ العُرْفِ فِيهِ.
قَالَ: (وَمَنْ اسْتَعَارَ دَابَّةٌ فَرَدَّهَا مَعَ عَبْدِهِ أَوْ أَجِيرِهِ: لَمْ يَضْمَنْ) وَالمُرَادُ
قوله: (وفي القياس يضمن)، وبه قال الشافعي وأحمد لأن الواجب عليه الرد إلى المالك أو نائبه وهو وكيله كما في الوديعة والمغصوب ولم يوجد، بل ضيعه.
وجه الاستحسان أن العواري ترد إلى دار المالك، أو إلى المربط عادةً وعرفًا، وهما في يد المالك حكمًا فكأنه ردها إلى مالكها حكمًا.
ذكر التمرتاشي عن ابن سلمة: إن كان المربط خارج الدار لم يبرأ؛ لأن الظاهر أنها تكون هناك بلا حافظ، وقيل: هذا في عادتهم.
قوله: (فردها مع عبده، أو أجيره لم يضمن)، وقياس قول الشافعي أن يضمن كما لو دفع الوديعة إليهما.
قوله: (مع عبد رب الدابة أو أجيره) (١) أي: السائس (لم يضمن)، وبه قال أحمد، وقياس قول الشافعي أن يضمن كما في الوديعة.
وجه الاستحسان أن الرد إليه كالرد إلى المالك، ولهذا لو دفعها إليه كأن يدفعها إلى السائس، ولهذا لو استعار منه دابة بأمر السائس يدفعها عادة وعرفًا، ولا يوجد مثل هذا العرف في الوديعة فإن صاحبها هو الذي يتولى استردادها
стр. 5866
بِالأَجِيرِ: أَنْ يَكُونَ مُسَانَهَةٌ، أَوْ مُشَاهَرَةٌ؛ لِأَنَّهَا أَمَانَةٌ، وَلَهُ أَنْ يَحْفَظَهَا بِيَدِ مَنْ فِي عِيَالِهِ كَمَا فِي الوَدِيعَةِ، بِخِلَافِ الأَجِيرِ مُيَاوَمَةٌ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي عِيَالِهِ. (وَكَذَا إِذَا رَدَّهَا مَعَ عَبْدِ رَبِّ الدَّابَّةِ أَوْ أَجِيرِهِ)؛ لِأَنَّ المَالِكَ يَرْضَى بِهِ؛ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ رَدَّهُ إِلَيْهِ فَهُوَ يَرُدُّهُ إِلَى عَبْدِهِ، وَقِيلَ: هَذَا فِي العَبْدِ الَّذِي يَقُومُ عَلَى الدَّوَابٌ، وَقِيلَ: فِيهِ وَفِي غَيْرِهِ، وَهُوَ الْأَصَحُ؛ لِأَنَّهُ إِنْ كَانَ لَا يُدْفَعُ إِلَيْهِ دَائِمًا يُدْفَعُ إِلَيْهِ أَحْيَانًا (وَإِنْ رَدْهَا مَعَ أَجْنَبِي ضَمِنَ) وَدَلَّتْ المَسْأَلَةُ عَلَى أَنَّ المُسْتَعِيرَ لَا يَمْلِكُ الإِيدَاعَ قَصْرًا كَمَا قَالَهُ بَعْضُ المَشَايِخِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: يَمْلِكُهُ، لِأَنَّهُ دُونَ الْإِعَارَةِ، وَأَوَّلُوا هَذِهِ المَسْأَلَةَ بِإِنْهَاءِ الإِعَارَةِ لِانْقِضَاءِ المُدَّةِ.
قَالَ: (وَمَنْ أَعَارَ أَرْضًا بَيْضَاءَ لِلزِّرَاعَةِ يَكْتُبُ: «إِنَّكَ أَطْعَمْتَنِي» عِنْدَ أَبِي
عادة، وإنما أودعها لأنه لم يرض بكونها في يد عياله، كذا في المبسوط (١).
قوله: (من أجنبي (٢) قصدًا؛ لأنه لما وضعه في يد الأجنبي للرد فيكون هذا إيداعا، ومع هذا قال (يضمن)، وبه أخذ بعض المشايخ وهو الكرخي، والبقالي فقال: لا يملك الاستعارة، ولا يملك الإيداع؛ لأن الإعارة تصرف في المنفعة وهي ملكه، أما الإيداع تصرف في العين وهي ملك صاحبها وصاحب العين لم يرض بالدفع إلى غيره.
واستدل الكرخي بهذه المسألة ذكره في شرح الطحاوي، وقال بعضهم - وهم مشايخ العراق - بملك الإيداع، وبه أخذ أبو الليث، والفضلي.
وفي الفوائد الظهيرية: وعليه الفتوى؛ لأنه لما ملك الإعارة مع أن فيها إيداعا وتمليك المنافع فلأن يملك الإيداع، وليس فيه تمليك المنافع أولى.
(وأولوا)، أي: مشايخ العراق هذه المسألة فيما إذا كانت العارية مؤقتة، وقد انتهت باستيفاء مدتها، وحينئذ يصير المستعير مودعا، والمودع لا يملك الإيداع بالاتفاق.
стр. 5867
حَنِيفَةَ، وَقَالَا: يَكْتُبُ: إِنَّكَ أَعَرْتنِي) (*)؛ لِأَنَّ لَفْظَةَ الإِعَارَةِ مَوْضُوعَةٌ لَهُ، وَالكِتَابَةُ بِالمَوْضُوعِ لَهُ أَوْلَى كَمَا فِي إِعَارَةِ الدَّارِ. وَلَهُ: أَنَّ لَفْظَةَ الإِطْعَامِ أَدَلُّ عَلَى المُرَادِ؛ لِأَنَّهَا تَخُصُّ الزِّرَاعَةَ وَالإِعَارَةُ تَنْتَظِمُهَا وَغَيْرَهَا كَالبِنَاءِ وَنَحْوِهِ فَكَانَتْ الكِتَابَةُ بِهَا أَوْلَى بِخِلَافِ الدَّارِ؛ لِأَنَّهَا لَا تُعَارُ إِلَّا لِلسُّكْنَى، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
قوله: (موضوعة له) أي: لعقد الإعارة، كما في إعارة الدار والثوب فإنه لا يكتب فيها: ألبستني، أو أكسيتني.
قوله: (لأنها)، أي: لفظة الإطعام (تخص الزراعة).
(والإعارة تنتظمها)، أي: الزراعة وغيرها؛ كالبناء، ونصب الفسطاط فلا يدل لفظ الإعارة على شيء من هذه الأنواع عينًا.
(فكانت الكتابة بها)، أي: بصيغة الإطعام ليعلم أن غرضه الزراعة أولى، بخلاف إعارة الدار والثوب؛ لأن إعارتهما للسكنى واللبس فقط، وهذا العرض يصير معلومًا بقوله: أعرتني، إليه أشار في الفوائد الظهيرية.
стр. 5868
كِتَابُ الْهِبَةِ
كتاب الهبة
وقد ذكرنا وجه المناسبة في العارية وهو الترقي من الأدنى إلى الأعلى، ولأن العارية كالمفرد والهبة كالمركب؛ لأن فيها تمليك العين مع المنفعة.
ثم محاسن الهبة لا تحصى، ولا تخفى على ذي النهى، فقد وصف الله تعالى ذاته بالوهاب فقال: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [ص: ٣٥]، وهذا يكفي لمحاسنها.
ثم الهبة لغةً: أصلها من الوَهَب، والوَهْب بتسكين الهاء وتحريكها، وكذلك في كل معتل الفاء؛ كالوعد والعدة، والوعظ والعظة، فكانت من المصادر التي تحذف أوائلها، وتعوض في آخرها التاء.
ومعناه: إيصال الشيء للغير بما ينفعه، سواء كان مالا أو غير مال، يقال: وهبت له مالاً وهبًا وهبةً، ويقال: وهب الله فلانًا ولدًا صالحًا، قال تعالى: ﴿فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا﴾ [مريم: ٥]، ويقال: وهبه مالاً، ولا يقال: وهبت منه، وسمي الموهوب هبة، وموهبة، والجمع هبات، ومواهب، واتَّهَبَه منه قبله، واستوهبه طلب الهبة.
وشرعًا: تمليك العين بلا عوض.
ودليل جوازها: الكتاب، قال تعالى: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هنيئًا مريا﴾ [النساء: ٤]، وإباحة الأكل بالوصف الحميد دليل جوازها، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِنَحِيَّةِ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا﴾ [النساء: ٨٦]، والمراد بالتحية العطية، وقيل: المراد السلام والأول أظهر؛ فإن قوله ﴿أَوْ رُدُّوهَا﴾ يتناول ردها بعينها، وذا إنما يتحقق في العطية؛ لأن رد عين الكلام غير ممكن، كذا في المبسوط (١).
стр. 5869
الهِبَةُ عَقْدٌ مَشْرُوعٌ لِقَوْلِهِ ﵊: «تَهَادَوْا تَحَابُّوا» «»، وَعَلَى ذَلِكَ انْعَقَدَ الإِجْمَاعُ (وَتَصِحُ بِالإِيجَابِ وَالقَبُولِ وَالقَبْضِ) أَمَّا الإِيجَابُ وَالقَبُولُ فَلِأَنَّهُ
والسنة: قال ﵊: «تَهادَوا تَحابُّوا» (١)، الحديث، آخره: «كونوا عباد الله إخوانًا مُؤْتَلِفِين» (٢).
وإجماع الأمة، والدليل المعقول أنها من باب الإحسان، واكتساب سبب التودد بين الإخوان، وكل ذلك مندوب إليه بعد الإيمان.
وسببها: إرادة الثواب، إما ثواب دنياوي كالعوض، وحسن الثناء، والمحبة، وإما عقباوي.
وشرائط صحتها أنواع منها في الواهب وهو أن يكون من أهل الهبة، وحرا، عاقلا بالغا، مالكا للموهوب.
ومنها في الموهب: بأن يكون مقبوضًا لا يكون متصلا بشيء، ولا مشغولا به ومتميزا عن غير الموهوب له، وفي بعضها خلاف، وسيجيء بيانه.
وركنها: الإيجاب والقبول.
وحكمها: ثبوت الملك للموهوب له غير لازم إلا بموانع، وعند الشافعي لازم إلا في هبة الوالد لولده.
وألفاظها: تجيء بعد ذلك، وقوله ﵇: «تهادوا»، أمر من التهادي، وهو أن يهدي بعضهم بعضًا.
وقوله: «تحابوا» صيغة خطاب في المضارع الجزم بجواب الأمر، وسقط إحدى التائين للتخفيف من التحاب، وكان لفظ جمع الماضي، ولفظ جمع الأمر ولفظ جمع مخاطب المضارع المجزوم على صيغة واحدة.
قوله: (ويصح بالإيجاب)؛ كقوله: وهبت ونحوه كما يجيء، أي: يصح في حق الواهب بمجرد الإيجاب، وفي حق الموهوب له بالقبول والقبض؛ لأن
стр. 5870
عَقْدٌ، وَالعَقْدُ يَنْعَقِدُ بِالإِيجَابِ، وَالقَبُولِ، وَالقَبْضُ لَا بُدَّ مِنهُ لِثُبُوتِ المَلِكِ.
وَقَالَ مَالِكُ: يَثْبُتُ المِلْكُ فِيهِ قَبْلَ القَبْضِ اعْتِبَارًا بِالبَيْعِ، وَعَلَى هَذَا الخِلَافِ الصَّدَقَةُ. وَلَنَا: قَوْلُهُ ﵊: «لَا تَجُوزُ الهِبَةُ إِلَّا مَقْبُوضَةٌ» وَالمُرَادُ نَفْيُ
الهبة عقد تبرع فيتم بالمتبرع، فصار هو عندنا بمنزلة الإقرار والوصية، ولكن الموهوب له لا يملك إلا بالقبول والقبض
. وثمرة ذلك فيمن حلف لا يهب فوهب فلم يقبل الموهوب له يحنث، أو حلف على أن يهب فلانًا فوهبه ولم يقبل، بر في يمينه عندنا.
وقال مالك: يثبت الملك قبل القبض بمجرد الإيجاب والقبول (١)، وبه قال أبو ثور، والشافعي في القديم لعموم قوله ﵊: «العائد في هبته كالعائِدِ في قَيئِهِ» (٢)، ولأنه إزالة ملك بغير عوض فلا يعتبر فيه القبض؛ كالوصية والوقف، ولأنه عقد لازم ينقل الملك فلم يتوقف لزوم على القبض كالبيع.
وبقولنا قال الشافعي (٣)، وأحمد (٤)، وأكثر الفقهاء والتابعين، إلا أن أحمد يقول: إن كانت الهبة عينًا يصح بدون القبض في الأصح، وفي المكيل والموزون لا يصح بدون القبض (٥).
ويتفرع على الأقوال أن الزيادات الحادثة بين العقد والقبض لمن تكون، ولو باع الواهب الهبة بين العقد والقبض، أو مات بينهما فالملك للواهب عندنا، وعند مالك لا يصح بيعه، والهبة لوارث الموهوب له، وعند الشافعي في أصح قوليه إذا مات الواهب ينقلب إلى اللزوم ولا تنفسخ الهبة حتى يجبر الوارث في الإقباض، وإن مات المتهب قبضه وارثه إن أقبضه الواهب.
قوله: ولنا قوله ﵊: «لا تجوز الهبة» (٦) الحديث،
стр. 5871
المِلْكِ، لأَنَّ الجَوَازَ بِدُونِهِ ثَابِتٌ، وَلِأَنَّهُ عَقْدُ تَبَرُّعِ، وَفِي إِثْبَاتِ المِلْكِ قَبْلَ القَبْضِ إِلْزَامُ المُتَبَرِّعِ شَيْئًا لَمْ يَتَبَرَّعْ بِهِ، وَهُوَ التَّسْلِيمُ فَلَا يَصِحُ، بِخِلَافِ الوَصِيَّةِ؛ لِأَنَّ أَوَانَ ثُبُوتِ المِلْكِ فِيهَا بَعْدَ المَوْتِ وَلَا الْزَامَ عَلَى المُتَبَرِّعِ؛ لِعَدَمِ أَهْلِيَّةِ اللُّزُومِ، وَحَقُّ الوَارِثِ مُتَأَخِّرُ عَنْ الوَصِيَّةِ فَلَمْ يَمْلِكُهَا.
قَالَ: (فَإِنْ قَبَضَهَا المَوْهُوبُ لَهُ فِي المَجْلِسِ بِغَيْرِ أَمْرِ الوَاهِبِ جَازَ) اسْتِحْسَانًا (وَإِنْ قَبَضَ بَعْدَ الافْتِرَاقِ: لَمْ يَجُزْ، إِلَّا أَنْ يَأْذَنَ لَهُ الوَاهِبُ فِي القَبْضِ) وَالْقِيَاسُ:
والمراد نفي الملك [الأن] (١) جواز العقد قبل القبض ثابت بالإجماع.
وقيل: هذا الحديث غير مرفوع، بل هو قول علي وعمر، ولئن كان فهو حجة أيضًا لأنه مما لا يمكن معرفته بالقياس، وروي أيضًا عن جماعة من الصحابة أنهم قالوا: لا تجوز الهبة إلا مقبوضة محوزة، ولم يعرف لهم في الصحابة مخالف فحل محل الإجماع.
وما روي عن علي وعمر أنهما قالا: " إذا أعلمت الصدقة جازت" محمول على صدقة الأب على ابنه الصغير، أو على الصدقة الموقوفة فإنها تجوز بلا قبض عند أبي يوسف إن صح توفيقا بين أقاويل الصحابة، كذا في المحيط.
وفي المبسوط (٢)، والمغني لابن قدامة (٣)، وكتب أصحاب الشافعي (٤): أن أبا بكر نحل عائشة ﵂ جذاذا عشرين وسقا بالعالية من ماله، فلما مرض قال: يا بنية ما أحد أحب إليَّ منك، ولا أحد أعز عليَّ فقرًا منك، وكنت نحلتك جذاذا عشرين وسقا وإنك ما قبضتيه ولا حزتيه، وهو اليوم مال الوارث، فاقتسموا على كتاب الله ، فدل أن القبض شرط.
ولا تتم الهبة فيما يحتمل القسمة إلا بالقسمة؛ لأنه قال: ما قبضتيه ولا حزتيه "، وكان المراد بالحيازة القسمة؛ إذ لو حملناه على القبض كان تكرارًا، وحمل الكلام على الإفادة أولى من الإعادة.
стр. 5872
أَنْ لَا يَجُوزَ فِي الوَجْهَيْنِ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيّ؛ لِأَنَّ القَبْضَ تَصَرُّفٌ فِي مِلْكِ الوَاهِبِ، إِذْ مِلْكُهُ قَبْلَ القَبْضِ بَاقٍ فَلَا يَصِحُ بِدُونِ إِذْنِهِ، وَلَنَا: أَنَّ القَبْضَ بِمَنْزِلَةِ
وفيه دليل أن هبة المشاع فيما يحتمل القسمة لا تكون باطلة لمباشرة أبي بكر، وفيه دليل أن الرجوع في الهبة قبل القبض يصح، ولأنه عقد تبرع فلو ثبت الملك بلا قبض تتوجه المطالبة عليه بالتسليم كما في البيع فيؤدي إلى إيجاب شيء لم يتبرع به، وهو خلاف موضوع التبرعات، بخلاف المعاوضات.
ولا يقال: إن الملك يقع على وجه لا يوجب التسليم لأنه لا يفيد، إذ فائدة الملك التمكن من التصرفات، وذا إنما يكون إذا كان بسبيل من قبضه، ولا يصح القياس على الوقف والوصية؛ لأن الوقف إخراج ملك إلى الله تعالى، أو التصدق بمنفعته، وفيه لا يشترط القبض، وكذا في الوصية ثبت الملك بعد الموت، ولا مطالبة ولا إلزام على المتبرع لعدم أهلية اللزوم حينئذ، والوارث لم يملك.
هذا جواب سؤال مقدر وهو أن يقال: إن انعدم أهلية الموصي فوارثه يخلفه في ملكه، فكان ينبغي أن يتوقف ملك الموصى له إلى وقت التسليم، فأجاب عنه بأن حق الوارث متأخر عن الوصية فلا يصح تسليمه فيما صح فيه الوصية.
فإن قيل: الشروع في عقد الهبة التزام التسليم تبعًا كالشروع في صلاة النفل، وصوم النفل وكالتزام الصلاة بالنذر فإنه يلزمه الوضوء تبعا لما أنها لا تصح ولا تتم إلا به، فكذا هاهنا الشروع في الهبة لا يتم المقصود منه إلا بالتسليم فينبغي أن يجب التسليم.
قلنا: في الشروع في صلاة النفل إنما يلزمه الركعة الثانية، والإمساكات الباقية صيانة لما مضى عن البطلان، والوضوء تبع للصلاة فكان النذر بها نذرا به، ولا كذلك هاهنا لأن للهبة صحة بدون القبض، وإنما القبض للزوم العقد، وعقد الهبة بعد القبض غير لازم حتى يصح الرجوع، فكيف يكون لازما قبل القبض؟ إليه أشار في الأسرار.
(وهو) أي: القياس (قول الشافعي)، وبه قال أحمد.
و (لنا أن القبض)، إلى آخره.
стр. 5873
القَبُولِ فِي الهِبَةِ، مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ ثُبُوتُ حُكْمِهِ وَهُوَ المِلْكُ، وَالمَقْصُودُ مِنْهُ إِثْبَاتُ المِلْكِ فَيَكُونُ الإِيجَابُ مِنهُ تَسْلِيطًا عَلَى القَبْضِ، بِخِلَافِ مَا إِذَا قَبَضَ بَعْدَ الافْتِرَاقِ؛ لِأَنَّا إِنَّمَا أَثْبَتْنَا التَّسْلِيطَ فِيهِ إِلْحَاقًا لَهُ بِالقَبُولِ، وَالقَبُولُ يَتَقَيَّدُ بِالمَجْلِسِ، فَكَذَا مَا يُلْحَقُ بِهِ، بِخِلَافِ مَا إِذَا نَهَاهُ عَنْ القَبْضِ فِي المَجْلِسِ؛ لِأَنَّ الدَّلَالَةَ لَا تَعْمَلُ فِي مُقَابَلَةِ الصَّرِيحِ.
قَالَ: (وَتَنْعَقِدُ الهِبَةُ بِقَوْلِهِ: وَهَبْتُ وَنَحَلْتُ وَأَعْطَيْتُ)؛ لِأَنَّ الأَوَّلَ صَرِيحٌ فِيهِ، وَالثَّانِي مُسْتَعْمَلُ فِيهِ. قَالَ ﵊: «أَكُلَّ أَوْلَادِكَ نَحَلْتَ مِثْلَ هَذَا؟»
وقوله في الهبة متعلق بالقبض لا بالقبول، أي: القبض في الهبة بمنزلة القبول في البيع، وبه صرح في المبسوط، وأشار إليه في الإيضاح.
فكما أن الإيجاب في البيع يكون تسليطا على [القبول، فكذا الإيجاب في الهبة يكون تسليطا على] (١) القبض الذي نزل منزلته.
فإن قيل: لو كان القبض بمنزلة القبول ينبغي أن لا يصح الأمر بالقبض بعد المجلس، كذا في مختلفات الغني.
قوله: (والمقصود منه)، أي: من عقد إثبات الملك فيكون الإيجاب منه تسليطا على القبض وإن لم يأذن بالقبض صريحًا ليحصل مقصوده بخلاف البيع فإن القبض في البيع لإسقاط حق البائع في الحبس لثبوت الملك قبل القبض، وليس مقصود البائع بالبيع إسقاط حقه في الحبس، بل مقصوده أن يسلم العوض له وذلك بالحبس فلم يجعل البائع بإيجاب البيع راضيًا بإسقاط حقه في القبض، إليه أشار في المبسوط (٢).
وكذا القبض في الصدقة، والقرض، والرهن، والبيع الفاسد في المجلس يصح بلا إذن لافتقار الكل إلى القبض كالهبة.
قوله: (لأن الأول صريح فيه)، أي: في عقد الهبة، (والثاني)، أي: نحلت مستعمل فيه أي عقد الهبة، روي عن النعمان بن بشير أنه قال: نحلني أبي غلامًا
стр. 5874
وَكَذَلِكَ الثَّالِثُ، يُقَالُ: أَعْطَاكَ اللَّهُ وَوَهَبَكَ اللَّهُ: بِمَعْنَى وَاحِدٍ وَكَذَا تَنْعَقِدُ بِقَوْلِهِ: أَطْعَمْتُكَ هَذَا الطَّعَامَ، وَجَعَلْتُ هَذَا الثَّوْبَ لَك، وَأَعْمَرْتُكَ هَذَا الشَّيْءَ، وَحَمَلْتُكَ عَلَى هَذِهِ الدَّابَّةِ، إِذَا نَوَى بِالحَمْلِ الهِبَةَ أَمَّا الأَوَّلُ: فَلِأَنَّ الإِطْعَامَ إِذَا أُضِيفَ إِلَى مَا يُطْعَمُ عَيْنُهُ يُرَادُ بِهِ تَمْلِيكُ العَيْنِ، بِخِلَافِ مَا إِذَا قَالَ: أَطْعَمْتُكَ هَذِهِ الْأَرْضَ حَيْثُ تَكُونُ عَارِيَّةٌ؛ لِأَنَّ عَيْنَهَا لَا تُطْعَمُ فَيَكُونُ المُرَادُ أَكْلَ غَلَّتِهَا. وَأَمَّا الثَّانِي: فَلِأَنَّ حَرْفَ اللَّامِ لِلتَّمْلِيكِ. وَأَمَّا الثَّالِثُ: فَلِقَوْلِهِ ﵊: فَمَنْ أَعْمَرَ عُمْرَى فَهِيَ
وأنا ابن سبع سنين فأبت أمي إلا أن يشهد على ذلك رسول الله ﷺ ، فحملني أبي على عاتقه إلى رسول الله ﷺ فأخبره بذلك، فقال ﵊: «ألك ولدٌ سِواهُ؟» فقال: نعم، فقال: «أَكُلُّ نَحَلْتَ مثل هذا؟» فقال: لا، فقال: «هذا جورٌ» (١)، كذا في المبسوط (٢)، ويجيء بعد.
قوله: (لأن عينه)، أي: عين الأرض على تأويل المذكور، وفي بعض النسخ: (عينها لا تطعم) فكان معناه أطعمتك ما يحصل منها فكان تمليكا لمنفعة الأرض دون عينها فلأن حرف اللام للتمليك فكان معنى كلامه ملكت هذا الثوب لك، ألا ترى أن في التمليك ببدل لا فرق بين لفظ الجعل والتمليك، فكذا في التمليك بغير بدل، قال ﵊: «مَنْ أَعْمَرَ عُمْرَى» (٣)، الحديث، يقال: أعمرته دارًا أو أرضًا أو إبلا إذا أعطيته إياها وقلت هي لك عُمرى أو عُمرُك فإذا من رجعت إليَّ.
قال لبيد:
ما المالُ إِلا مُعمَراتٌ وَدَائِعُ
والاسم: العُمْرَى، كذا في الصحاح (٤)، والمغرب (٥).
стр. 5875
لِلْمُعَمَّرِ لَهُ وَلِوَرَثَتِهِ مِنْ بَعْدِهِ وَكَذَا إِذَا قَالَ: جَعَلْت هَذِهِ الدَّارَ لَكَ عُمْرَى لِمَا قُلْنَا.
وَأَمَّا الرَّابِعُ: فَلِأَنَّ الحَمْلَ هُوَ الإِرْكَابُ حَقِيقَةٌ، فَيَكُونُ عَارِيَّةٌ لَكِنَّهُ يَحْتَمِلُ الهِبَةَ، يُقَالُ: حَمَلَ الأَمِيرُ فُلَانًا عَلَى فَرَسٍ، وَيُرَادُ بِهِ التَّمْلِيكُ فَيُحْمَلُ عَلَيْهِ عِنْدَ نِيَّتِهِ.
(وَلَوْ قَالَ: «كَسَوْتُكَ هَذَا الثَّوْبَ» يَكُونُ هِبَةٌ)؛ لِأَنَّهُ يُرَادُ بِهِ التَّمْلِيكُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿أَوْ كِسْوَتُهُمْ﴾ [المائدة: ٨٩]
وَيُقَالُ كَسَا الأَمِيرُ فُلَانًا ثَوْبًا: أَيْ مَلَّكَهُ مِنهُ (وَلَوْ قَالَ: مَنَحْتُكَ هَذِهِ الجَارِيَةَ كَانَتْ عَارِيَّةٌ) لِمَا رَوَيْنَا مِنْ قَبْلُ.
قوله: (ولورثته بعده)، أي: لورثة المعمر له بعد موته، يعني معناه وهَبْتُها لك، فإذا مِتَّ فهي لي، فهذا تمليك صحيح في الحال، وشرط الرجوع إليه وإلى ورثته باطل، ذكره في المبسوط (١).
ولا خلاف بين أهل العلم في استحباب التسوية وكراهية التفضيل، والخلاف في كيفية التسوية، فعندنا والشافعي، ومالك يسوي بين الذكر والأنثى، وعند أحمد التسوية المستحبة أن يقسم بينهم ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١١]، وبه قال محمد، وعطاء، وشريح.
ولو فاضل بينهم جاز، ولا يجب أن يسترجع، وبه قال الشافعي، ومالك، والثوري، وقال أحمد، وداود: يجب أن يسترجع لحديث النعمان بن بشير؛ فإنه قال في رواية: «فأرجِعْهُ»، وفي رواية: «فَارْدُدْهُ»، فإنه سماه جورًا، وأمر برده.
وقلنا: في حديثه: «أشْهِدْ عَلَى هَذا غَيْرِي»، فقد أمره بتأكيدها، وهذا دليل عدم وجوب الرجوع، ولهذا خص أبو بكر ﵁ لعائشة عداد عشرين (٢) وسقا ثم قال: "ما قبضتيه "، فعلم أن بالقبض لا يجب الرجوع، قال تعالى: ﴿أو كِسْوَتُهُمْ﴾ [المائدة: ٨٩]، والكفارة لا تتأدى إلا بتمليك العين بالإجماع.
(لما روينا)، وفي بعض النسخ: (لما روينا من قبل)، وأراد بهما ذكر في كتاب العارية المنحة مردودة ناقلا عن المغرب (٣): أن المنحة هي الشاة، أو الإبل، يعطيها الرجل آخر ليشرب لبنها ثم يردها، ثم كثر استعماله حتى قيل في
стр. 5876
(وَلَوْ قَالَ: دَارِي لَكَ هِبَةٌ سُكْنَى، أَوْ سُكْنَى هِبَةٌ: فَهِيَ عَارِيَّةٌ)؛ لِأَنَّ العَارِيَّةَ مُحْكَمٌ فِي تَمْلِيكِ المَنْفَعَةِ، وَالهِبَةُ تَحْتَمِلُهَا وَتَحْتَمِلُ تَمْلِيكَ العَيْنِ، فَيُحْمَلُ المُحْتَمَلُ عَلَى المُحْكَمِ، (وَكَذَا إِذَا قَالَ: عُمْرَى سُكْنَى، أَوْ نُحْلَى سُكْنَى، أَوْ سُكْنَى صَدَقَةٌ،
كل من أعطى شيئًا: مَنَحَ، فعلم أن العارية معناه اللغوي، والشرع مبني عليه، ولكن إذا نوى التمليك يثبت لأنه يحتمله.
قوله: (داري لك هبة ب) نصب هبة على الحال، وكذا في قوله: (سكنى هبة) بالنصب على الحال، أو بالتمييز فيهما فهي عارية، وبه قال الشافعي، ومالك، وأحمد وأكثر أهل العلم؛ لأن قوله (داري لك ظ) اهرة في تمليك الرقبة، ويحتمل تمليك المنفعة، ألا ترى أنه ﵊ مر بحائط فأعجبه فقال: «لِمَنْ هَذا؟» قال: رافع بن خديج لي استأجرته، فقال ﵊: «لا تَسْتأجِرْهُ بشَيْءٍ مِنْهُ»، ولهذا لو حلف لا أسكن دار فلان يحنث بالإجارة والإعارة، فثبت أن لام الملك تحتمل تمليك المنفعة، فكان أول كلامه محتملا تمليك السكني.
وقوله: (سكنى محكم في تمليك المنفعة)؛ لأنه لا يحتمل تمليك الرقبة، وأنه خرج تفسيرًا لأول الكلام فيعتبر به حكم أول الكلام، وصار المحكم قاضيًا على المحتمل وكأنه قال: سكنى داري لك، فيكون عارية.
قوله: (لأن العارية محكم)، ومن حق الكلام أن يقول: لأن السكنى محكم في تمليك المنفعة كما ذكره في المبسوط، فإنه ذكر: لأن السكنى محكم، ولكن ذكر بعد هذه المسائل.
وكذا لو قال: هي لك هبة عارية، أو عارية هبة فهي عارية، قدم لفظ الهبة أو أخره لأنه محتمل يجوز أن يكون مراده هبة العين، ويجوز أن يكون مراده هبة المنفعة، وقوله: عارية تفسير لذلك المبهم لأنه في نفسه محكم (١).
стр. 5877
أَوْ صَدَقَةٌ عَارِيَّةٌ، أَوْ عَارِيَّةٌ هِبَةٌ) لِمَا قَدَّمْنَاهُ. (وَلَوْ قَالَ: هِبَةٌ تَسْكُنُهَا … فَهِيَ هِبَةٌ)؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ: تَسْكُنُهَا مَشُورَةٌ وَلَيْسَ بِتَفْسِيرٍ لَهُ، وَهُوَ تَنْبِيهٌ عَلَى المَقْصُودِ بِخِلَافِ قَوْلِهِ: هِبَةُ سُكْنَى؛ لِأَنَّهُ تَفْسِيرٌ لَهُ.
قَالَ: (وَلَا تَجُوزُ الهِبَةُ فِيمَا يُقْسَمُ إِلَّا مَحُوزَةً مَقْسُومَةٌ، وَهِبَةُ المُشَاعِ فِيمَا لَا
ولما كان كذلك جاز أن يقع في قلب المصنف أنه ذكر لفظ العارية مقرونا بلفظ الهبة كما علل في المبسوط فذكر هكذا، أو تقدير الكلام: لأن السكنى الموضوعة للعارية محكم في تمليك المنفعة.
وقوله: (هبة تسكنها) في المبسوط: ولو قال: داري لك هبة تسكنها، أو قال: عُمْرَى تسكنها وسلمها إليه فهي هبة؛ لأن قوله تسكنها ليس بتفسير؛ إذ الفعل لا يصلح تفسيرًا للاسم، لكنه مشورة أشار عليه في ملكه، فإن شاء قبل مشورته وسكنها، وإن شاء لم يقبل، وهو بيان لمقصوده أنه ملك الدار عمره ليسكنها وإن لم يذكره لا يتغير به حكم التمليك، بمنزلة قوله: هذا الطعام لك تأكله، وهذا الثوب لك تلبسه، بخلاف قوله: هبة سكنى، أو سكنى هبة فإنه عارية لا تفسير له، فيجوز أن يتغير أول الكلام بآخره كما في الاستثناء والشرط.
قوله: (إلا محوزة)، ويعني بالمحوزة أن يكون مفرغًا عن أملاك الواهب حتى لا تصح هبة الثمر على رأس الشجر، والزرع في الأرض بدون الشجر والأرض، وكذا العكس عندنا، وعند الأئمة الثلاثة يجوز في الوجهين.
فقوله: (مقسومة) احترازًا عن المشاع، قيل: في الفرق بين ما يقسم وما لا يقسم كل شيء يضره التبعيض، ويوجب نقصانا في ماليته فإنه لا يحتمل القسمة؛ كالدرهم، والدينار، فهبة بعضه جائز بلا خلاف.
وقيل: كل ما يفوت بالقسمة منفعته أصلا كالعبد، أو حبس منفعته كالحمام، والرحى فهو لا يحتمل القسمة.
стр. 5878
يُقْسَمُ جَائِزَةٌ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: تَجُوزُ فِي الوَجْهَيْنِ؛ لِأَنَّهُ عَقْدُ تَمْلِيكِ، فَيَصِحُ فِي
وقيل: كل مشترك بين اثنين لو طلب أحدهما قسمته وأبى الآخر فالقاضي لا يجبره على القسمة فهو مما لا يحتمل القسمة.
ثم الشيوع المقارن للهبة فيما يحتمل القسمة مفسد لا الطارئ، حتى لو وهب شيئًا فرجع في بعضه تصح الهبة والعبرة في الشيوع وقت القبض لا وقت العقد، حتى لو وهب مشاعًا، وسلم مقسومًا يجوز، وكذا لو وهب نصف الدار ولم يسلم ثم وهب النصف الآخر وسلمه جملة جازت الهبة، أو وهب تمرًا في نخل، أو زرعًا في أرض ثم سلم بعد ذلك مفرزًا يجوز، كذا في الذخيرة، وشرح الطحاوي، والإيضاح.
فعلى هذا قوله: (لا تجوز الهبة فيما يقسم إلا محوزة مقسومة) (١) معدول عن ظاهره معناه: لا تثبت الهبة الملك فيما يقسم إلا محوزة مقسومة؛ لأن الهبة في نفسها فيما يقسم وقعت جائزة، ولكن غير مثبتة للملك قبل تسليمه مفرزا، ويتوقف ثبوت الملك إلى أمر آخر لا يسمى أن العقد غير جائز كالبيع بشرط الخيار.
قوله: (وقال الشافعي يجوز في الوجهين)، أي: فيما يحتمل القسمة وفيما لا يحتمل، وبه قال مالك، وأحمد واحتجوا بقوله تعالى: ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة: ٢٣٧]، فهذا يقتضي أن الصداق لو كان عينًا يتنصف بالطلاق قبل الدخول، ويندب كل واحد من الزوجين إلى ترك الكل لآخر، وذلك من كل واحد هبة في المشاع.
وبما روى عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: سمعت النبي ﷺ وقد جاءه رجل معه كبة من شعر فقال: أخذت هذه من المغنم لأصلح بها برذعة، فقال ﵊: «ما كانَ لِي وَلِبَنِي عبد المطلب فهو لك» (٢)، وبما روي أن وفد هوازن لما جاءوا يطلبون من النبي ﵊ أن يرد
стр. 5879
المُشَاعِ وَغَيْرِهِ كَالبَيْعِ بِأَنْوَاعِهِ، وَهَذَا؛ لِأَنَّ المُشَاعَ قَابِلٌ لِحُكْمِهِ، وَهُوَ المِلْكُ فَيَكُونُ مَحَلَّا لَهُ، وَكَوْنُهُ تَبَرُّعًا لَا يُبْطِلُهُ الشُّيُوعُ كَالقَرْضِ وَالوَصِيَّةِ. وَلَنَا: أَنَّ القَبْضَ مَنْصُوصٌ عَلَيْهِ فِي الهِبَةِ فَيُشْتَرَطُ كَمَالُهُ، وَالمُشَاعُ لَا يَقْبَلُهُ إِلَّا بِضَمٌ غَيْرِهِ إِلَيْهِ،
عليهم ما غنمه منهم فقال ﵊: «ما كانَ لِي وَلِبَنِي عبد المطلب فهو لَكُمْ»، رواه البخاري (١)، وهذا هبة مشاع، ولأن الشائع محل لما هو موجب هذا العقد وهو الملك فيكون محلا للعقد؛ إذ الشرط في محل أضيف إليه العقد أن يكون محلا لحكم العقد وقد وجد، ولهذا يجوز فيما لا يحتمل القسمة بالإجماع.
قوله: (كالبيع بأنواعه)، أي: من الصحيح، والفاسد، والصرف، والسلم وغيرها.
قوله: (قابل لحكم) التمليك.
وقوله: (وكونه تبرعًا) إلى آخره، جواب عن سؤال مقدر وهو أن يقال: البيع لا يفتقر إلى القبض بخلاف الهبة فإنه عقد تبرع، ويحتاج إلى القبض، فلو قلنا بجوازه في المشاع يلزم في ضمنه وجوب ضمان القسمة ولم يتبرع به، فقال: كونه عقد تبرع لا يمنعه الشيوع؛ كالقرض، والوصية؛ فإنه لو دفع ألفًا إلى رجل على أن يكون نصفه قرضًا ويعمل في النصف الآخر بشركته يجوز ذلك، مع أن القبض شرط لوقوع الملك في القرض.
ثم لا تشترط القسمة وكذا الوصية تبرع بعد الموت، والشيوع لا يمنعه، وكذا القبض شرط في البيع الفاسد عندكم، مع أنه يصح في الشائع، وكذا في بدل الصرف ورأس مال السلم فإن القبض شرط، والمشاع يصلح رأس مال السلم وبدل الصرف، وكذا يصح في المشاع الذي لا يحتمل القسمة مع أن القبض شرط.
قوله: (أن القبض منصوص عليه)، وهو قوله ﵊: «لا
стр. 5880
وَذَلِكَ غَيْرُ مَوْهُوبٍ، وَلِأَنَّ فِي تَجْوِيزِهِ إِلْزَامَهُ شَيْئًا لَمْ يَلْتَزِمْهُ، وَهُوَ مُؤْنَةُ القِسْمَةِ، وَلِهَذَا امْتَنَعَ جَوَازُهُ قَبْلَ القَبْضِ لِئَلَّا يَلْزَمَهُ التَّسْلِيمُ بِخِلَافِ مَا لَا يُقَسَّمُ؛ لِأَنَّ القَبْضَ القَاصِرَ هُوَ المُمْكِنُ فَيُكْتَفَى بِهِ؛ وَلِأَنَّهُ لَا تَلْزَمُهُ مُؤْنَةُ القِسْمَةِ.
تجوز الهبةُ إِلَّا مَقبوضةٌ» (١)، فيراعى وجوده على أكمل الجهات؛ كشرط استقبال القبلة في الصلاة لمّا كان منصوصًا عليه يشترط الكمال فيه، حتى لو استقبل الحطيم لا تجوز صلاته لأنه من البيت بالسنة، وهذا لأن الثابت من وجه دون وجه لا يكون ثابتا مطلقا، وبدون الإطلاق لا يثبت الكمال.
ثم القبض مع الشيوع ثابت من وجه دون وجه؛ لأن القبض عبارة عن الحيازة وهو أن يصير الشيء في حيز القبض، والمشاع في حيزه من وجه دون وجه؛ لأنه في يده من وجه، وفي يد شريكه من وجه، فتمام الحيازة بالقسمة فيما يحتمل القسمة؛ لأنها إقرار في مكان عين، ولا سبيل إلى ذلك إلا بالاجتماع، ولا اجتماع إلا بالحيازة، فما لم يجتمع لا يصير محوزه على الحقيقة في يده.
(وذلك)، أي: المجتمع في ملكه غير موهوب؛ لأنه غير مشاع والموهوب مشاع، فيمتنع تمام الحيازة لما هو له، ولأن ما للغير غير محوز له من طريق الحكم، فإذا لم تتحقق الحيازة في حق ملك الغير وحقه لا يصير محوزًا إلا بغيره صارت الحيازة ناقصة، فلا تنهض لإفادة الملك.
(ولأن في تجويزه)، أي: في تجويز عقد الهبة في المشاع (التزامه)، أي: للواهب المتبرع شيئًا لم يلزمه فيصير عقد التبرع سببًا لوجوب الضمان على المتبرع؛ لأنه لو ملك قبل القبض لطالبه بالتسليم إليه، وكذا لو ملكه قبل القسمة لطالبه بالقسمة، فيصير عقد التبرع (٢) موجبًا ضمان المقاسمة عليه وهو خلاف موضوع التبرع، بخلاف ما لم يقسم؛ لأن القبض لا يتصور فيه إلا ناقصا فيكتفى به؛ لأنا لو اعتبرنا الكمال فيه لانسد باب الهبة فيه، أما فيما يحتمل القسمة فيتصور التسليم فوقه فلا يكتفى بالقاصر منه.
стр. 5881
وَالمُهَايَأَةُ تَلْزَمُهُ فِيمَا لَمْ يَتَبَرَّعْ بِهِ وَهُوَ المَنْفَعَةُ، وَالهِبَةُ لَاقَتْ العَيْنَ، وَالوَصِيَّةُ لَيْسَ مِنْ شَرْطِهَا القَبْضُ، وَكَذَا البَيْعُ الصَّحِيحُ، وَأَمَّا البَيْعُ الفَاسِدُ وَالصَّرْفُ وَالسَّلَمُ فَالقَبْضُ فِيهَا غَيْرُ مَنْصُوصِ عَلَيْهِ، وَلِأَنَّهَا عُقُودُ ضَمَانٍ فَتُنَاسِبُ لُزُومَ مُؤْنَةِ القِسْمَةِ، وَالقَرْضُ
وقوله: (والمهايأة)، إلى آخره جواب سؤال يرد على قولنا أنه يلزم في جواره مؤنة القسمة وهو لم يتبرع به، وهو أن يقال: ينبغي أن لا يجوز فيما لا يحتمل القسمة؛ لأنه يلزم المهايأة وهو لم يتبرع به.
فقال: المهايأة تلزمه في المنفعة لا في العين، فلم يكن ذلك ضمانًا في عين ما تبرع به بل هذه من ضرورات الانتفاع بملكه.
ولا يردّ على هذا ما لو أتلف الموهوب بعد التسليم حيث يضمن قيمته للموهوب له، لأن ذلك الضمان يلزمه بالإتلاف لا بعقد التبرع، وضمان المقاسمة هاهنا وإن كان بالملك فذلك الملك حكم الهبة فلا يمنع إضافة الضمان إلى الهبة، كما أن شراء القريب إعتاق وإن كان العتق بسبب الملك؛ لأن ذلك الملك حكمه، كذا في المبسوط (١).
وهذا التعليل لا يتمشى في جميع الفصول ذكره في المبسوط وأجيب بأن وجود العلة يراعى في جنس الحكم لا في كل صورة، وإليه أشار في الكتاب بقوله: (لأن الحكم يدار على نفس الشيوع).
قوله: (فالقبض فيها، أي: في العقود الثلاثة غير منصوص عليه)؛ لأن النص جاء باشتراط القبض فيها، أما قوله ﵊: «بعد أن يكون يدا بيد» (٢) لبيان التعيين، إلا أن التعيين في الثمنين لا يحصل إلا بالقبض، وكذا في السلم قبض رأس المال للاحتراز عن الكالئ بالكالئ، فإذا لم يكن منصوصًا لا يشترط كماله، بل يراعى وجوده فقط؛ لأن القبض فيها شرط بقاء العقد على الصحة لا شرط الابتداء، والبقاء أسهل من الابتداء.
стр. 5882
تَبَرُّعُ مِنْ وَجْهِ وَعَقْدُ ضَمَانٍ مِنْ وَجْهِ، فَشَرَطْنَا القَبْضَ القَاصِرَ فِيهِ دُونَ القِسْمَةِ عَمَلًا بِالشَّبَهَيْنِ، عَلَى أَنَّ القَبْضَ غَيْرُ مَنْصُوصِ عَلَيْهِ فِيهِ.
قوله: (تبرع من و وجه) بدليل أنه لا يصح ممن لا يصح منه التبرع؛ كالصبي والعبد.
وعقد ضمان من وجه بدليل أن المستقرض مضمون بالمثل، فلا يبعد أن يتعلق به ضمان المقاسمة، ثم لشبهه بالتبرع شرطنا فيه القبض، ولشبهه بعقد الضمان لا يشترط فيه القسمة عملا بالشبهين، ولأن شرط القبض فيه غير منصوص عليه ليراعى وجوده على أكمل الجهات، كذا في المبسوط (١).
وأما الجواب عن الآية أن المعقول حقيقة وذلك في الدين دون العين، وإسقاط الدين جائز مشاعًا كان أو غير مشاع؛ لأنه غير محتاج إلى القبض.
ثم في العين كل واحد منهما مندوب إلى العفو عندنا، ولكن بطريقة وذلك بأن يهب نصيبه لصاحبه بعد القسمة، وليس في الآية ما يمنع ذلك.
وكذا الجواب عن حديث وفد هوازن، يعني: «مَا كانَ لِي وَلِبَنِي عَبْدِ المُطلب بعدَ القِسْمَةِ لَكُمْ» (٢)، مع أن هذا امتناع عن تمام الملك بالقبض.
وعن حديث الكبة الشعر (٣)، إنما قال ذلك ﵊ على وجه المبالغة في النهي عن الغلول، أي: لا أملك إلا نصيبي فكيف أطيب لكم هذه الكبة من الغنيمة.
ألا ترى أنه لا يصح لواحد من الغانمين أن يهب نصيبه قبل القسمة؛ لأنه لا يدري أين يقع نصيبه؟ وكان ذلك مما لا يحتمل القسمة؛ فإن الكبة من الشعر إذا قسمت بين جند عظيم لا يصيب كل واحد منهما ما ينتفع به.
وأما الجواب عن قياسه بالبيع وغيره فقد ذكرنا الفرق بين الهبة وغيرها، فلا يصح القياس مع وجود الفارق المانع عن القياس، إليه أشار في المبسوط، والأسرار (٤).
стр. 5883
(وَلَوْ وَهَبَ مِنْ شَرِيكِهِ لَا يَجُوزُ)؛ لِأَنَّ الحُكْمَ يُدَارُ عَلَى نَفْسِ الشُّيُوعِ.
قَالَ: (وَمَنْ وَهَبَ شِقْصًا مُشَاعًا فَالهِبَةُ فَاسِدَةٌ) لِمَا ذَكَرْنَا (فَإِنْ قَسَّمَهُ وَسَلَّمَهُ جَازَ)؛ لِأَنَّ تَمَامَهُ بِالقَبْضِ وَعِنْدَهُ لَا شُيُوعَ. قَالَ: (وَلَوْ وَهَبَ دَقِيقًا فِي حِنْطَةٍ، أَوْ دُهْنَا فِي سِمْسِمِ: فَالهِبَةُ فَاسِدَةٌ فَإِنْ طَحَنَ وَسَلَّمَ: لَمْ يَجُزْ) وَكَذَا السَّمْنُ فِي اللَّبَنِ؛ لِأَنَّ المَوْهُوبَ مَعْدُومٌ،
قوله: (لأن الحكم يدار على نفس الشيوع)، وهذا في الحقيقة جواب عن قول ابن أبي ليلى فإن عنده هبة المشاع فيما يحتمل القسمة يجوز في الشريك لعدم استحقاق ضمان القسمة على المتبرع.
فقلنا: إن الحكم يدار على الشيوع فلا يلزم وجود حكمة الحكم في كل الصور، أو لعدم جواز الهبة في المشاع سببان، أحدهما: استحقاق ضمان القسمة، والثاني: أن القبض ناقص في الشائع، ولهذا قلنا إن التعليل بنقصان القبض يتمشى في كل الصور.
قوله: (فالهبة فاسدة)، وفي النهاية: لفظ الفساد هاهنا معدول عن ظاهره، بل معناه الهبة لا تثبت الملك، كما ذكرنا في أول المسألة.
ومعنى قوله: (جاز)، أي: يثبت الملك حينئذ.
ثم في الهبة الفاسدة لو قبضه مشاعًا هل يضمنه الموهوب له عند الهلاك؟ ذكر ابن رستم أنه يضمن ولا يفيد الملك، وبه أخذ الطحاوي، وقال عصام: يفيد الملك ولا تكون مضمونة في يده، وبه أخذ بعض المشايخ، كذا في فتاوى قاضي خان (١).
قوله: (لأن الموهوب معدوم)، والعقد المضاف إلى المعدوم لغو، فلا ينعقد العقد إلا بالتجديد.
فإن قيل: الدهن إن لم يكن موجودًا في السمسم قبل العصر وجب أن يجوز بيع الدهن بالسمسم مطلقا بلا اشتراط أن يكون الدهن الصافي أكثر مما في السمسم، ويجوز بيعه بالاعتبار، فدل أن الدهن موجود فيه.
стр. 5884
وَلِهَذَا لَوْ اسْتَخْرَجَهُ الغَاصِبُ بِمِلْكِهِ، وَالمَعْدُومُ لَيْسَ بِمَحَلِّ لِلْمِلْكِ، فَوَقَعَ العَقْدُ بَاطِلًا، فَلَا يَنْعَقِدُ إِلَّا بِالتَّجْدِيدِ، بِخِلَافِ مَا تَقَدَّمَ؛ لِأَنَّ المُشَاعَ مَحَلُّ لَلتَّمْلِيكِ، وَهِبَةُ اللَّبَنِ فِي الضَّرْعِ، وَالصُّوفِ عَلَى ظَهْرِ الغَنَمِ، وَالزَّرْعِ وَالنَّخْلِ فِي الْأَرْضِ، وَالتَّمْرِ فِي النَّخِيلِ: بِمَنْزِلَةِ المُشَاعِ؛
قلنا: حدوث الدهن يضاف إلى العصر لأنه آخر المدارين، إلا أنه لا بد من وجود الدهن لا محالة فتثبت شبهة ثبوته بالسمسم قبل العصر، والشبهة كالحقيقة في باب الربا ولكن لا يكتفى لصحة الهبة.
فإن قيل: فعلى هذا ينبغي أن لا يجوز البيع بالاعتبار أيضًا؛ لأن العقد لا ينعقد إلا في الموجود.
قلنا: هذا لا يلزمنا لأن كل واحد من الدهن والسمسم موجود فلا يكون بيع الموجود بالمعدوم، وفيه نوع تأمل.
بخلاف ما تقدم وهو المشاع فإنه ينقلب العقد جائزا لأن المشاع موجود وقت العقد، ويتصور القبض منه لكن لا على سبيل الكمال، ولهذا يصح بيعه بالإجماع.
قوله: (وهبة اللبن في الضرع، والصوف على ظهر الغنم) إلى قوله: (بمنزلة المشاع)، يعني لا يجوز كما في المشاع، ويجوز عند الأئمة الثلاثة.
ثم عندنا إذا حلب اللبن، وجز الصوف وسلّمه، وقبضه الموهوب له يملكه استحسانًا؛ كما في المشاع إذا وهبه وسلّمه، وكذا لو قطع الثمر والزرع وسلمها؛ لأن امتناع الجواز للاتصال لا لكونها معدومًا، بدليل أن الصوف على ظهر الغنم واللبن في الضرع محل للتمليك حتى يجوز الصلح عليه عند أبي يوسف، وباعتبار كونه بمنزلة الشائع وبالفضل ينعدم الشيوع، كذا في المبسوط (١).
وفي الذخيرة: الأصل في جنس هذه المسائل أن اشتغال الموهوب بملك الواهب يمنع تمام القبض، والقبض الناقص يمنع صحة الهبة؛ كما في المشاع
стр. 5885
لِأَنَّ امْتِنَاعَ الجَوَازِ لِلاتِّصَالِ وَذَلِكَ يَمْنَعُ القَبْضَ كَالشَّائِعِ.
قَالَ: (وَإِذَا كَانَتْ العَيْنُ فِي يَدِ المَوْهُوبِ لَهُ: مَلَكَهَا بِالهِبَةِ، وَإِنْ لَمْ يُجَدِّدْ فِيهَا
عندنا، وذلك لأن الموهوب ما دام مشغولاً بملك الواهب كانت يد الواهب قائمة عليه، وقيام يده عليه تمنع تمام يد الموهوب، فيمنع إتمام قبضه.
فإذا ثبت هذا لو وهب دارًا فيها متاع الواهب، أو وهب جرابًا أو جوالقا فيها طعام الواهب فالهبة غير تامة فتقع فاسدة، ولا معتبر بالشغل وقت العقد إذا وقع التسليم فارغا مفرزًا، ويعتبر الإذن بالقبض بعد التفرغ، ولا يكفي قوله: سلمتها إليك، مع الشغل.
أما لو وهب ما في الدار وما في الجوالق والجراب من الطعام فالهبة تامة؛ لأن الموهوب هاهنا شاغل لملك الواجب، وليس بمشغول بملكه، وذلك لا يوجب يدا للواهب أكثر ما فيه أن يد الواهب قائمة على الدار، والجوالق والجراب والمتاع والطعام فيها، إلا أن هذه الأشياء تابعة، وآلة تحفظ ما فيها، وقيام اليد على التبع لا يوجب قيام اليد على الأصل، ولا كذلك المسألة الأولى.
ونظيره ما لو وهب جارية وعليها حُلِيّ فوهبها دون حليها وسلّمها، فالهبة فيها تامة، وكذا الدابة وعليها سرج أو لجام، أو وهب السرج واللجام دون الدابة.
قوله: (وإذا كانت العين في يد الموهوب له ملكها)، ولا يعلم فيه خلاف، والأصل أنه متى تجانس القبضان ناب أحدهما عن الآخر؛ لأن التجانس دليل التشابه والمتشابهان ينوب كل واحد عن الآخر، وإذا تغايرا ناب الأعلى عن الأدنى؛ لأن في الأعلى ما في الأدنى وزيادة، فوجد القبض المحتاج إليه وزيادة شيء.
والأدنى لا ينوب عن الأعلى؛ لأن الأدنى مع الأعلى قدر بعضه، والمحتاج إليه كله ولم يوجد فلا ينوب وهذا معنى قولهم: ومتى اختلف القبضان ناب المضمون عن غير المضمون، ولا ينوب غير المضمون عن المضمون، فعلى هذا لو كانت في يده وديعة أو عارية أو أمانة فوهبه منه يملكه،