وَتُعْتَبَرُ التَّسْمِيَةُ الثَّانِيَةُ لِمَنْعِ النُّقْصَانِ، فَإِنْ خَاطَهُ فِي اليَوْمِ الثَّالِثِ لَا يُجَاوَزُ بِهِ نِصْفُ دِرْهَمٍ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ تَلَتْهُ هُوَ الصَّحِيحُ؛ لِأَنَّهُ إِذَا لَمْ يَرْضَ بِالتَّأْخِيرِ إِلَى الغَدِ فَبِالزِّيَادَةِ عَلَيْهِ إِلَى مَا بَعْدَ الغَدِ أَوْلَى (وَلَوْ قَالَ: إِنْ سَكَنْتَ فِي هَذَا الدُّكَّانِ عَطَارًا فَبِدِرْهَمٍ فِي الشَّهْرِ، وَإِنْ سَكَنْتَهُ حَدَّادًا فَبِدِرْهَمَيْنِ جَازَ، وَأَيَّ الأَمْرَيْنِ فَعَلَ اسْتَحَقَّ الْأَجْرَ المُسَمَّى فِيهِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ. وَقَالَا: الإِجَارَةُ فَاسِدَةٌ، وَكَذَا إِذَا اسْتَأْجَرَ بَيْتًا عَلَى أَنَّهُ إِنْ سَكَنَ فِيهِ عَطَارًا فَبِدِرْهَمٍ، وَإِنْ سَكَنَ فِيهِ حَدَّادًا فَبِدِرْهَمَيْنِ: فَهُوَ جَائِزٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَا: لَا يَجُوزُ) (*).
بين رواية الجامع، والرواية الأولى.
وفي الإيضاح: واختلفت الرواية عن أبي حنيفة إذا خاطه في اليوم الثاني، فذكر في الأصل، والجامع: لا يزاد على درهم، ولا ينقص من نصف درهم، وروى أبو يوسف عن أبي حنيفة: لا يزاد على نصف درهم.
ثم قال: وهي الصحيحة؛ لأن الإجارة الفاسدة يجب فيها أجر المثل لا يزاد على المستحق، والمستحق في اليوم الثاني نصف درهم، فأما الدرهم فهو مسمى في اليوم الأول، ولا يقال التسمية الأولى باقية في اليوم الثاني؛ لأن الاعتبار المصرح أولى من غيره، والمصرح نصف درهم لا الدرهم. وجه ظاهر الرواية أنه اجتمع في الغد تسميتان فتعتبر التسمية الأولى لمنع الزيادة عليها، وتعتبر التسمية الثانية لمنع النقصان عنها عملا بالتسميتين، وهذا أولى من الترجيح بالمصرح.
قوله: (في اليوم الثالث لا يجاوز به نصف درهم عند أبي حنيفة هو الصحيح)، والصحيح عندهما أن ينقص من نصف الدرهم ولا يزاد عليه، ذكره في الإيضاح.
قوله: (إن سكنت)، ولفظ سكنت من السكنى لا من الإسكان، وانتصاب (عطارًا) و (حدادًا) على الحال لا على المفعول على ما مر، وفي بعض النسخ: (أسكنت)، ولكن المقيد بقيد التفات الأول، وقالا: الإجارة فاسدة وبه قالت الأئمة الثلاثة.
стр. 6022
(وَمَنْ اسْتَأْجَرَ دَابَّةٌ إِلَى الحِيرَةِ بِدِرْهَمٍ، وَإِنْ جَاوَزَ بِهَا إِلَى القَادِسِيَّةِ فَبِدِرْهَمَيْنِ: فَهُوَ جَائِزٌ)، وَيُحْتَمَلُ الخِلافُ (وَإِنْ اسْتَأْجَرَهَا إِلَى الحِيرَةِ عَلَى أَنَّهُ إِنْ حَمَلَ عَلَيْهَا كُرَّ شَعِيرٍ فَبِنِصْفِ دِرْهَمٍ، وَإِنْ حَمَلَ عَلَيْهَا كُرَّ حِنْطَةٍ فَبِدِرْهَمٍ: فَهُوَ جَائِزٌ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ. وَقَالَا: لَا يَجُوزُ) (*) وَجْهُ قَوْلِهِمَا: أَنَّ المَعْقُودَ عَلَيْهِ مَجْهُولٌ، وَكَذَا الْأَجْرُ أَحَدُ الشَّيْئَيْنِ، وَهُوَ مَجْهُولٌ وَالجَهَالَةُ تُوجِبُ الفَسَادَ، بِخِلَافِ الخِيَاطَةِ الرُّومِيَّةِ وَالفَارِسِيَّةِ؛ لِأَنَّ الْأَجْرَ يَجِبُ بِالعَمَلِ وَعِنْدَهُ تَرْتَفِعُ الجَهَالَةُ.
أَمَّا فِي هَذِهِ المَسَائِلِ، يَجِبُ الأَجْرُ بِالتَّخْلِيَةِ وَالتَّسْلِيمِ فَتَبْقَى الجَهَالَةُ، وَهَذَا الحَرْفُ هُوَ الأَصْلُ عِنْدَهُمَا وَلِأَبِي حَنِيفَةَ: أَنَّهُ خَيَّرَهُ بَيْنَ عَقْدَيْنِ صَحِيحَيْنِ مُخْتَلِفِينَ،
قوله: (ويحتمل الخلاف)، يعني ذكر محمد هذه المسألة في الجامع الصغير ولم يحك فيه خلافًا فيحتمل أن يكون هذا قول الكل، ويحتمل أن يكون قول أبي حنيفة، وعندهما لا يجوز كما في نظائرها من المسائل، كذا في الذخيرة.
لهما (أن المعقود عليه مجهول) لأنه أحد الشيئين وهو مجهول، (وعنده) أي: عند العمل (ترتفع الجهالة) أي: لا تبقى الجهالة.
قوله: (فيجب الأجر بالتخلية والتسليم) أي تسليم الدار، والبيت، والدابة، والأجر مجهول عند التسليم فيفضي إلى المنازعة.
(وهذا الحرف)، أي: المعنى وهو جهالة الأجر عند وجوبه (هو الأصل عندهما).
(لأبي حنيفة أنه خيره) إلى آخره، وهذا لأن السكني وعمل الحدادين مختلفان، وكل واحد منهما عند الانفراد صحيح، وكذا عند الجمع، والغالب في الإجارة الانتفاع لأنها مشروعة للحاجة، فالظاهر أن لا يخلو عن الانتفاع، فإذا جاء الانتفاع زالت الجهالة، والتمكن من غير انتفاع ليس بأصل، بل هو من العوارض والاحتراز من العوارض غير واجب، ولو تحقق ترك الانتفاع بأن لم يسكن أصلا، ومضى المدة.
стр. 6023
فَيَصِلُّ كَمَا فِي مَسْأَلَةِ الرُّومِيَّةِ وَالفَارِسِيَّةِ، وَهَذَا؛ لِأَنَّ سُكْنَاهُ بِنَفْسِهِ يُخَالِفُ إِسْكَانَهُ الحَدَّادَ؛ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ ذَلِكَ فِي مُطْلَقِ العَقْدِ وَكَذَا فِي أَخَوَاتِهَا، وَالإِجَارَةُ تُعْقَدُ لِلانْتِفَاعِ وَعِنْدَهُ تَرْتَفِعُ الجَهَالَهُ، وَلَوْ احْتِيجَ إِلَى الإِيجَابِ بِمُجَرَّدِ التَّسْلِيمِ يَجِبُ أَقَلُّ الْأَجْرَيْنِ لِلتَّيَقُنِ بِهِ.
بَابُ إِجَارَةِ العَبْدِ
قَالَ: (وَمَنْ اسْتَأْجَرَ عَبْدًا لِلْخِدْمَةِ، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُسَافِرَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ ذَلِكَ)؛ لِأَنَّ خِدْمَةَ السَّفَرِ اشْتَمَلَتْ عَلَى زِيَادَةِ مَشَقَّةٍ فَلَا يَنْتَظِمُهَا الإِطْلَاقُ، وَلِهَذَا جُعِلَ السَّفَرُ عُذرًا، فَلَا بُدَّ مِنْ اشْتِرَاطِهِ كَإِسْكَانِ الحَدَّادِ وَالقَصَّارِ فِي الدَّارِ، وَلِأَنَّ التَّفَاوُتَ بَيْنَ
(يجب أقل الأجرين للتيقن به) أي: بالأقل إذ الفضل لا يجب بالشك، وقيل: يجب الأقل، ويتنصف الفضل لوجوبه في حال دون حال، وقيل: يتنصف كل واحد من البدلين؛ لأنه متى سلم ولم توجد السكنى يجعل التسليم لهما؛ لأنه ليس أحدهما بأولى من الآخر فيجب سبعة ونصف فيما إذا كان أقلهما خمسة، وأكثرهما عشرة كذا في الذخيرة، والجامع البرهاني.
فأيًّا ما كان لا تتمكن الجهالة، فصار الأصل عند أبي حنيفة أن العقد إذا اشتمل على شيء معلوم ببدل معلوم، وضم إليه زيادة بزيادة البدل فإن العقد يقع على الأصل المعلوم، والفضل معلق باختيار الفضل في المعقود عليه، والله سبحانه أعلم.
بَابُ إِجَارَةِ الْعَبْدِ
لما فرغ من بيان أحكام الحُرِّ شرع في بيان أحكام تتعلق بالعبد لانحطاط درجة العبد من الحر في المعاملات.
قوله: (ولهذا جعل السفر عذرًا على ما يجيء في باب فسخ الإجارة.
فلا بد من اشتراطه كإسكان الحداد، والقصار في الدار)، حتى لو سافر به يضمن لمولاه؛ لأنه صار غاصبا، ولو رده إلى مولاه سالما لا أجر له عندنا، خلافا للأئمة الثلاثة؛ لأن الأجر والضمان لا يجتمعان عندنا.
فإن قيل: المستأجر في منافعه نزل منزلة مولاه في منافعه، وللمولى أن
стр. 6024
الخِدْمَتَيْنِ ظَاهِرُ، فَإِذَا تَعَيَّنَ الخِدْمَةُ فِي الحَضَرِ لَا يَبْقَى غَيْرُهُ دَاخِلًا كَمَا فِي الرُّكُوبِ
يسافر به فينبغي أن يكون له أن يسافر به.
قلنا: إنما يسافر المولى به لأنه يملك رقبته، والمستأجر إنما يملك منافعه بالعقد فيملك استخدامه في المصر عادةً، ولأن مؤنة الرد على الآجر بعد انتهاء العقد لأن منفعة العقد تعود إليه، فالمستأجر بالمسافرة يلزمه ما لم يلتزمه الآجر إذ مطلق العقد ينصرف إلى المتعارف، والظاهر من حال المولى أنه يريد الاستخدام في مكان العقد حتى لا يلزمه مؤنة الرد، وربما يربو ذلك على الآخر فيتعين مكان العقد للاستيفاء بدلالة الحال، كذا في المبسوط (١)، والذخيرة.
وهذا الخلاف ما لو صلح على خدمة العبد فإن المدعي يملك المسافرة بالعبد؛ لأن في الصلح ليست مؤنة الرد على المدعى عليه لأنه يزعم أنه ملك الخدمة بغير شيء فهو كالموصى له بالخدمة، فمؤنة الرد عليه دون الوارث، وفي الإجارة مؤنة الرد على الآجر، فبالإخراج يلزمه ما لا يلتزم.
قال شمس الأئمة السرخسي: وكان شيخنا يقول في الفرق: تأويل ما قال في كتاب الصلح أن أهل المدعي إذا كان في بعض القرى القريبة من المصر والمدعى عليه يعلم ذلك، أو كان هو على جناح السفر وعلم ذلك المدعى عليه فحينئذ يكون هو راضيا بإخراج العبد إلى أهله.
وتأويل ما قال في الإجارات أنه لم يكن ذلك معلومًا للآجر عد عقد الإجارة فلا يكون راضيا بإخراجه وتكلفة خدمة السفر.
ثم قال: والفرق عندي ما ذكرنا أولا (٢).
قوله: (كما في الركوب)، يعني إذا استأجر دابة ليركب بنفسه ليس له أن يُركب غيره للتفاوت بين الراكبين، فكذلك هاهنا لما تعينت الخدمة في الحضر بدلالة العادة ليس له أن يستخدمه في السفر للتفاوت بين الخدمتين، وكذا لو أطلق الركوب ثم ركب بنفسه، أو أركب غيره يتعين هو، فبعد ذلك ليس له أن
стр. 6025
(وَمَنْ اسْتَأْجَرَ عَبْدًا مَحْجُورًا عَلَيْهِ شَهْرًا، وَأَعْطَاهُ الأَجْرَ، فَلَيْسَ لِلْمُسْتَأْجِرِ أَنْ يَأْخُذَ مِنهُ الْأَجْرَ) وَأَصْلُهُ: أَنَّ الإِجَارَةَ صَحِيحَةٌ اسْتِحْسَانًا إِذَا فَرَغَ مِنْ العَمَلِ. وَالْقِيَاسُ: أَنْ لَا يَجُوزَ لِانْعِدَامِ إِذْنِ المَوْلَى وَقِيَامِ الحَجْرِ، فَصَارَ كَمَا إِذَا هَلَكَ العَبْدُ.
يُعَيِّن من يركبه أولا لأنه تعين للركوب فكذا هاهنا لما تغير خدمة (السفر) (١) بالعادة ليس له أن يسافر به.
قوله: (فأعطاه الأجر)، أي: بعد عمله.
قوله: (والقياس لا يُجز به) (٢)، وللمستأجر أن يأخذ منه لأن عقد المحجور عليه باطل.
(وصار كما إذا هلك العبد) أي: قبل الفراغ من العمل فإن القيمة تجب لا الأجر عندنا؛ لأن المستأجر صار غاصبا، ولا أجر على الغاصب عندنا.
وعند الأئمة الثلاثة يجب أجر المثل بقدر العمل، وبعد الفراغ من العمل يجب أجر المثل عندهم أيضًا لفساد العقد، وهذا عندنا.
بخلاف ما لو دفع إلى العبد المحجور أرضًا مزارعة ليزرعها العبد ببذره وهلك العبد فإنه لا يضمن؛ لأن البذر لما كان من العبد يصير العبد مستأجرًا للأرض، ولا يصير صاحب الأرض غاصبا للعبد؛ لأن من كان البذر من قبله يكون مستأجرًا، حتى لو كان البذر من قبل رب الأرض وهلك العبد في عمل المزارعة يضمن رب الأرض.
وعندنا في الاستحسان هو محجور عن تصرف يضرُّ بالمولى إلا عن تصرف ينفع المولى؛ كقبول الهبة، وإذا جاز عقد الإجارة بعدما سلم من العمل صح قبض العبد الأجرة؛ لأنه هو العاقد، وقبض البدل إلى العاقد، ومتى صح قبضه لا يكون للمستأجر أن يرده منه.
وكذا الحكم في الصبي المحجور إذا أجر نفسه وسلم من العمل، إلا أنه لو هلك الصبي من العمل فعلى عاقلة المستأجر الدية، وعليه الأجر فيما عمل قبل
стр. 6026
وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ: أَنَّ التَّصَرُّفَ نَافِعٌ عَلَى اعْتِبَارِ الفَرَاغِ سَالِمًا، ضَارٌّ عَلَى اعْتِبَارِ هَلَاكِ العَبْدِ، وَالنَّافِعُ مَأْذُونُ فِيهِ كَقَبُولِ الهِبَةِ، وَإِذَا جَازَ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لِلْمُسْتَأْجِرِ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ.
(وَمَنْ غَصَبَ عَبْدًا فَآجَرَ العَبْدُ نَفْسَهُ، فَأَخَذَ الغَاصِبُ الْأَجْرَ فَأَكَلَهُ: فَلَا ضَمَانَ
الهلاك، بخلاف العبد المحجور إذا هلك من العمل يجب عليه قيمته، ولا أجر عليه لما ذكرنا أنه صار غاصبا.
ثم قيل: الأجر الذي يجب في هاتين المسألتين أجر المثل؛ لأن العقد وقع فاسدًا إلا استحسنا بصحته في حق قبض الأجر، فإن أعتقه مولاه في المدة نفذت الإجارة ولا خيار للعبد بلا خلاف، فأجر ما مضى لمولاه وأجر ما يستقبل للعبد.
ولو أجره المولى ثم أعتقه في نصف المدة فللعبد الخيار في فسخ الإجارة كالصبي إذا بلغ في مدة الإجارة، وإن أجاز العقد فأجر ما مضى للمولى، وأجر ما يستقبل له والقبض للمولى لأنه هو العاقد، كذا ذكره قاضي خان (١)، والتمرتاشي.
وعند الشافعي في الجديد، ومالك، وأحمد لا يبطل العقد، ولا خيار للعبد كالصبي إذا بلغ؛ لأنه عقد لازم عقده على ما يملكه فلا ينفسخ بالعتق، ولا بزوال ملكه عنه كما لو زوج أمته ثم باعها، وعقد الولي في الصبي لازم لصدوره في محله بولاية شرعية قبل أن يملك فإذا ملكه لم يثبت له الخيار كالأب إذا زوج ولده.
وقلنا: لما بلغ في نصف المدة، أو أعتق العبد تبين أنه أجر ملكه وملك غيره فصح في ملكه دون ملك غيره، كما لو أجر دارين أحدهما له والأخرى لغيره فيصح في ملكه، وذلك لأن المنافع بعد العتق حق لغير العاقد فلا ينفذ عقده عليها من غير ملك ولا ولاية.
قوله: (فأجر العبد نفسه) قيد به لأنه لو أجره الغاصب كان الأجر له لا
стр. 6027
عَلَيْهِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَا: هُوَ ضَامِنٌ) (*)؛ لِأَنَّهُ أَكَلَ مَالَ المَالِكِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، إِذْ الإِجَارَةُ قَدْ صَحَّتْ عَلَى مَا مَرَّ. وَلَهُ: أَنَّ الضَّمَانَ إِنَّمَا يَجِبُ بِإِتْلَافِ مَالٍ مُحْرَزٍ؛ لِأَنَّ التَّقَوُّمَ بِهِ، وَهَذَا غَيْرُ مُحْرَزٍ فِي حَقِّ الغَاصِبِ؛ لِأَنَّ العَبْدَ لَا يُحْرِزُ نَفْسَهُ عَنْهُ فَكَيْفَ يُحْرِزُ مَا فِي يَدِهِ؟!
(وَإِنْ وَجَدَ المَوْلَى الْأَجْرَ قَائِمًا بِعَيْنِهِ أَخَذَهُ)؛
للمالك، ولا ضمان على الغاصب بالأكل بالاتفاق، وعند الأئمة الثلاثة يرجع المالك على الغاصب بأجر المثل كما لو أجر العبد نفسه.
وقوله: (على ما مر) إشارة إلى: (وجه الاستحسان وهو أن التصرف نافع) (١)، إلى آخره، وبقولهما قالت الأئمة الثلاثة.
(له) أي: لأبي حنيفة أنه أتلف مالا غير متقوم، إنما يثبت بالإحراز، والإحراز إنما يثبت بيد حافظة كيد المالك أو نائبه، ويد المالك لم تثبت عليه، ويد العبد ليست يد المولى لأن العبد في يد الغاصب حتى كان مضمونًا عليه، ولا يحرز نفسه عن الغاصب فكيف يكون محرزًا ما في يده، فلا يكون العبد نائبا عن المولى ولا الغاصب.
ولما لم يكن محرزًا للمالك لم يكن معصومًا له، وما ليس بمعصوم للإنسان لا يكون مضمونًا له، ولأن الأجر بدل منفعة العبد، ولو أتلف منفعته بأن استعمله في عمل من الأعمال لا يضمن عندنا، فكذا إذا استهلك بدلها.
ولأن الغاصب لو أجره كان الأجر له ولا ضمان عليه بأكله، فإذا أجر العبد ففعله من وجه كفعل الغاصب؛ لأنه في ضمانه، ومن وجه فعله كفعل المولى؛ لأنه مالك لرقبته، وما تردد بين أصلين توفر حظهما، فرجحنا جانب المالك عند بقاء الأجر في يده، وقلنا: المالك أحق به، ورجحنا جانب الغاصب في حق الضمان، وقلنا: لا ضمان عليه إذا أكله؛ لأن الأصل في ضمانه كالبيع إذا اكتسب في يد البائع إن استهلكه البائع لم يضمن شيئًا عند أبي حنيفة، وإن كان
стр. 6028
لِأَنَّهُ وَجَدَ عَيْنَ مَالِهِ (وَيَجُوزُ قَبْضُ العَبْدِ الأَجْرَ فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا)؛ لِأَنَّهُ مَأْذُونُ لَهُ فِي التَّصَرُّفِ عَلَى اعْتِبَارِ الفَرَاغِ عَلَى مَا مَرَّ.
(وَمَنْ اسْتَأْجَرَ عَبْدًا هَذَيْنِ الشَّهْرَيْنِ شَهْرًا بِأَرْبَعَةِ، وَشَهْرًا بِخَمْسَةٍ: فَهُوَ جَائِزٌ وَالأَوَّلُ مِنهُمَا بِأَرْبَعَةِ)؛ لِأَنَّ الشَّهْرَ المَذْكُورَ أَوَّلًا يَنْصَرِفُ إِلَى مَا يَلِي العَقْدَ تَحَرِّيًا لِلْجَوَازِ، أَوْ نَظَرًا إِلَى تَنَجَّزِ الحَاجَةِ فَيَنْصَرِفُ الثَّانِي إِلَى مَا يَلِي الْأَوَّلَ ضَرُورَةٌ.
قائما رده على المشتري كذا هاهنا ذكره المحبوبي وغيره، وفيه نوع تأمل لقوة جانب المالك، وبظاهر قوله ﵊: «ليس لعرق ظالم حَقٌّ» (١).
(لأنه)، أي: المالك وجد عين ماله، ولا يلزم من بطلان التقوم والعصمة بطلان الملك كما في نصاب السرقة بعد القطع فإنه يأخذه إذا وجده ولا يضمن بإتلافه عندنا.
وقوله: (على ما مر) إشارة إلى قوله: (والنافع مأذون فيه)، وفائدة هذا تظهر في حق خروج المستأجر عن عهدة الأجرة فإن الخروج عن عهدته يحصل بأدائه إلى العبد فيما إذا أجر العبد نفسه، فأما إذا أجره المولى فليس للعبد ولاية قبض الأجرة؛ لأن العبد ليس بعاقد، ولا بوكيل عن العاقد، وحقوق العقد ترجع إلى العاقد، كذا في الإيضاح.
قوله: (تحريًا للجواز)، أي: طلبًا لصحة العقد كما لو سكت عليه فقال: استأجرت عبدك هذا شهرًا بكذا، فإنه ينصرف إلى ما يليه تحريا لصحة العقد، فكذا هذا.
(ينصرف الثاني إلى ما يلي الأول (٢) ضرورة)، أي: ضرورة تحري الجواز؛ لأن الشهر الثاني معطوف على الأول، والمعطوف غير المعطوف عليه فيتناول الشهر الثاني لا محالة.
стр. 6029
(وَمَنْ اسْتَأْجَرَ عَبْدًا شَهْرًا بِدِرْهَمٍ فَقَبَضَهُ فِي أَوَّلِ الشَّهْرِ، ثُمَّ جَاءَ آخِرُ الشَّهْرِ، وَهُوَ آبِقٌ، أَوْ مَرِيضُ، فَقَالَ المُسْتَأْجِرُ: أَبَقَ، أَوْ مَرِضَ حِينَ أَخَذْته، وَقَالَ المَوْلَى: لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ إِلَّا قَبْلَ أَنْ تَأْتِيَنِي بِسَاعَةِ، فَالقَوْلُ قَوْلُ المُسْتَأْجِرِ، وَإِنْ جَاءَ بِهِ وَهُوَ صَحِيحٌ، فَالقَوْلُ قَوْلُ المُؤَجِّرِ)؛ لِأَنَّهُمَا اخْتَلَفَا فِي أَمْرٍ مُحْتَمَلٍ فَيَتَرَجَّحُ بِحُكْمِ الحَالِ، إِذْ هُوَ دَلِيلٌ عَلَى قِيَامِهِ مِنْ قَبْلُ، وَهُوَ يَصْلُحُ مُرَجِّحًا إِنْ لَمْ يَصْلُحْ حُجَّةٌ فِي
وكذا لو استأجر ثلاثة أشهر، شهرين بدرهمين، وشهرًا بخمسة، فالأولان بدرهمين، وبقولنا قال مالك، وأحمد، وقال الشافعي وبعض أصحاب أحمد: لا يصح العقد حتى يسمي السنة أو الشهر، ويذكر أي شهر، أو أي سنة فيما إذا قال: أجرتك شهرًا أو سنة؛ لأن ابتداء الشهر مجهول فيلزم جهالة انتهائه، ويلزم من جهالتهما جهالة الشهر.
وقلنا: ابتداؤها مما يلي العقد تحريًا لصحة العقد، يؤيده قوله تعالى إخبارًا عن شعيب ﵇: ﴿عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ﴾ [القصص: ٢٧]، ولم يذكر ابتداؤها.
قوله: (فالقول قول المستأجر)، أي: لا يجب الأجر، وبه قال أحمد في رواية.
(وإن جاء به)، أي: بالعبد (وهو صحيح) أو غير آبق (فالقول للمؤجر) أي: المالك، وبه قال أحمد في رواية، والشافعي، ومالك.
قوله: (فيترجح بحكم الحال)، وفي بعض النسخ: (فيترجح بتحكيم الحال).
(إذ هو)، أي: الحال دليل على قيامه، أي: قيام أمر محتمل.
(وهو يصلح مرجحًا)، أي: الحال يصلح مرجحًا، وهذا جواب سؤال وهو أن يقال: الحال يصلح للدفع عندنا لا للاستحقاق كما عرف في الأصول، فإذا جاء بالعبد وهو صحيح فالقول للمالك ويستحق الأجر، ومطالبة المستأجر بالأجر، فالحال حينئذ كانت موجبة للاستحقاق.
فقال: (يصلح مرجحًا) لا حجة بنفسه، يعني أن الاستحقاق يثبت هنا
стр. 6030
نَفْسِهِ. أَصْلُهُ: الاخْتِلَافُ فِي جَرَيَانِ مَاءِ الطَّاحُونَةِ وَانْقِطَاعِهِ.
بَابُ الْاخْتِلافِ فِي الإِجَارَةِ
قَالَ: (وَإِذَا اخْتَلَفَ الخَيَّاطُ وَرَبُّ الثَّوْبِ، فَقَالَ رَبُّ الثَّوْبِ: أَمَرْتُكَ أَنْ تَعْمَلَهُ
بالعقد، وتسليم العبد إليه في المدة، لكن المستأجر يدعي ما ينافي الوجوب معترضًا بعد ظهور السبب والظاهر يكفي شاهدا للمؤجر في إنكاره فيكون مرجحا.
قوله: (وأصله) أي: أصل هذا الاختلاف بين المالك والمستأجر، الخلاف بين مستأجر الرحى والمؤجر فإنه بحكم الحال، فإن كان الماء منقطعًا وقت الخصومة فالقول للمستأجر فيما مضى، وإن كان جاريًا فالقول لرب الرحى مع يمينه، ولو اختلفا في قدر الانقطاع فالقول للمستأجر، والبينة للمؤجر.
وعلى هذا لو أعتق جارية ولها ولد فقال المولى: أعتقتك بعد الولادة، والولد ملكي، وقالت: أعتقتني قبل الولادة وقد عتق بإعتاقي، فالقول لمن كان الولد في يده، واعتبار الولد ليس إلا تحكيم الحال.
وكذا لو باع شجرا فيه ثمر ثم قال البائع: بعت الأشجار دون الثمار، والمشتري يقول: اشتريتها مع الثمار، قالوا: ينظر إن كان الثمار في يد البائع فالقول له وإن كانت في يد المشتري فالقول للمشتري، كذا ذكره التمرتاشي، والمحبوبي.
بَابُ الِاخْتِلَافِ
لما ذكر أحكم الاتفاق وهو الأصل شرع في بيان الاختلاف إذ هو العارض.
قوله: (فالقول لصاحب الثوب)، أي: مع يمينه، وبه قال مالك، والشافعي في قول، وأبو ثور، وقال أحمد وابن أبي ليلى والشافعي في قول: القول للخياط والصباغ؛ لأنهما اتفقا على الإذن، واختلفا في صفته، فكان القول للمأذون له، كالمضارب إذا قال: أذنت في البيع نساء، ولأنهما اتفقا على ملك الخياط الخيط والصباغ الصبغ والظاهر أنه فعل ما ملكه، واختلفا في لزوم
стр. 6031
قَبَاءٌ، وَقَالَ الخَيَّاطُ: بَلْ قَمِيصًا، أَوْ قَالَ: صَاحِبُ الثَّوْبِ لِلصَّبَّاغِ، أَمَرْتُكَ أَنْ تَصْبُغَهُ أَحْمَرَ فَصَبَغْته أَصْفَرَ وَقَالَ الصَّبَّاغُ: لَا بَلْ أَمَرْتَنِي أَصْفَرَ، فَالقَوْلُ لِصَاحِبِ الثَّوْبِ)؛ لِأَنَّ الإِذْنَ يُسْتَفَادُ مِنْ جِهَتِهِ؛ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ أَنْكَرَ أَصْلَ الإِذْنِ كَانَ القَوْلُ قَوْلَهُ، فَكَذَا إِذَا أَنْكَرَ صِفَتَهُ، لَكِنْ يَحْلِفُ؛ لِأَنَّهُ أَنْكَرَ شَيْئًا لَوْ أَقَرَّ بِهِ لَزِمَهُ. قَالَ: (وَإِذَا حَلَفَ فَالخَيَّاطُ ضَامِنٌ) وَمَعْنَاهُ مَا مَرَّ مِنْ قَبْلُ أَنَّهُ بِالخِيَارِ إِنْ شَاءَ ضَمَّنَهُ، وَإِنْ شَاءَ أَخَذَهُ، وَأَعْطَاهُ أَجْرَ مِثْلِهِ، وَكَذَا يُخَيَّرُ فِي مَسْأَلَةِ الصَّبْغِ إِذَا حَلَفَ، إِنْ شَاءَ ضَمَّنَهُ قِيمَةَ الثَّوْبِ أَبْيَضَ، وَإِنْ شَاءَ أَخَذَ الثَّوْبَ وَأَعْطَاهُ أَجْرَ مِثْلِهِ لَا يُجَاوَزُ بِهِ المُسَمَّى. وَذَكَرَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ: يُضَمِّنُهُ مَا زَادَ الصَّبْغُ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الغَصْبِ.
الغرم له، والأصل عدمه.
وقال بعض أصحاب الشافعي: للشافعي قول ثالث، وهو أنهما يتحالفان كالمتبايعين يختلفان في الثمن، وبعضهم قال: الصحيح أن القول لرب الثوب.
ولنا أن الإذن مستفاد من جهة رب الثوب، ولهذا لو أنكر أصل الإذن كان القول له فكذلك في صفته، ولأن الأصل عدم الإذن المختلف فيه فكان القول له فكذلك في صفته، ولأن الأصل عدم الإذن المختلف فيه فكان القول قول من ينفيه، بخلاف المضارب؛ لأن الأصل في المضاربة العموم في أنواع التجارة فالخصوص عارض، فكان القول لمن ينكر العارض.
قوله: (ما مر من قبل) أي: قبيل باب الإجارة الفاسدة في مسألة: من دفع إلى خياط ثوبًا، وقد بينا تمام اختلاف الأئمة الثلاثة فيها.
قوله: (وفي بعض النسخ)، أي: نسخ القدوري (يُضَمِّنُه) من الضمان، أي: يضمن صاحب الثوب قيمة زيادة الصبغ للصباغ، فالأولى: أعني قوله: (لا يجاوز به المسمى) ظاهر الرواية، والثانية أعني قوله: (يضمنه ما زاد الصبغ فيه) رواية ابن سماعة عن محمد.
وجه الظاهر أن الصبغ آلة للعمل المستحق على الصباغ بمنزلة الحرض والصابون في عمل الغسال، فلا يصير صاحب الثوب مشتريًا للصبغ حتى يعتبر القيمة.
стр. 6032
(وَإِنْ قَالَ صَاحِبُ الثَّوْبِ: عملتُه لِي بِغَيْرِ أَجْرٍ، وَقَالَ الصَّانِعُ: بِأَجْرٍ، فَالقَوْلُ قَوْلُ صَاحِبِ الثَّوْبِ) عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّهُ يُنْكِرُ تَقَوُّمَ عَمَلِهِ، إِذْ هُوَ يَتَقَوَّمُ بِالعَقْدِ، وَيُنْكِرُ الضَّمَانَ وَالصَّانِعُ يَدْعِيهِ، وَالقَوْلُ قَوْلُ المُنْكِرِ (وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: إِنْ كَانَ الرَّجُلُ حَرِّيفًا لَهُ) أَيْ خَلِيطًا لَهُ (فَلَهُ الأَجْرُ وَإِلَّا فَلَا)؛ لِأَنَّ سَبْقَ مَا بَيْنَهُمَا يُعَيِّنُ جِهَةَ الطَّلَبِ بِأَجْرٍ جَرْيًا عَلَى مُعْتَادِهِمَا (وَقَالَ مُحَمَّدٌ: إِنْ كَانَ الصَّانِعُ مَعْرُوفًا بِهَذِهِ الصَّنْعَةِ بِالأَجْرِ فَالقَوْلُ قَوْلُهُ)؛ لِأَنَّهُ لَمَّا فَتَحَ الحَانُوتَ لِأَجْلِهِ جَرَى ذَلِكَ مَجْرَى التَّنْصِيصِ عَلَى الْأَجْرِ اعْتِبَارًا لِلظَّاهِرِ وَالقِيَاسُ مَا قَالَهُ أَبُو حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّهُ مُنْكِرُ. وَالجَوَابُ عَنْ اسْتِحْسَانِهِمَا: أَنَّ الظَّاهِرَ لِلدَّفْعِ، وَالحَاجَةُ هَاهُنَا إِلَى الاسْتِحْقَاقِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
ووجه رواية ابن سماعة أن الصبغ في الثوب بمنزلة عين مال قائم حكمًا، كما في الغصب حتى لو انصبغ ثوب إنسان بصبغ الغير واتفقا على بيعه، فصاحب الثوب يضرب في الثمن بقيمة ثوب أبيض، وصاحب الصبغ بقيمة الصبغ، ولم لم يكن الصبغ فيه في حكم عين مال قابل للبيع لما كان له من الثمن حصة، ولكن الأصح ما ذكره في ظاهر الرواية.
قوله: (فالقول قول صاحب الثوب)، وبه قال أصحاب الشافعي.
قوله: (إن كان الرجل حريفًا له)، وحريف الرجل من يكون بينه وبينه أخذ وإعطاء ومعاملة، وهو معنى قوله: (أي خليطا له).
(إن كان الصانع معروفًا بهذه الصنعة بالأجر) بأن اتخذ دكانا وانتصب لعمل القصارة يجب الأجر وإلا فلا، وبه قال مالك، وأحمد، قال شيخ الإسلام وصاحب المحيط والفتوى: على قول محمد.
قوله: (والقياس ما قال أبو حنيفة)؛ لأنه منكر للإجارة، والمنافع لا تتقوم إلا بالعقد عندنا، بخلاف ما لو دفع إلى آخر عينا ثم اختلفا، فقال الدافع: قرض، وقال الآخر: هبة، فالقول لمن يدعي القرض؛ لأن العين متقوم بنفسه، فالآخذ يدعي الإبراء عن قيمته، فالقول لمنكر الإبراء وهو مدعي القرض.
قوله: (والحاجة إلى الاستحقاق)، أي: استحقاق الأجر، ونظيره دار في يده فزعم آخر أنه ملكه فالقول لذي اليد وإن كان غيره يدعيها، ولا تنزع من يده
стр. 6033
بَابُ فَسْخِ الإِجَارَةِ
قَالَ: (وَمَنْ اسْتَأْجَرَ دَارًا فَوَجَدَ بِهَا عَيْبًا يَضُرُّ بِالسُّكْنَى: فَلَهُ الفَسْخُ)؛ لِأَنَّ المَعْقُودَ عَلَيْهِ المَنَافِعُ، وَأَنَّهَا تُوجَدُ شَيْئًا فَشَيْئًا فَكَانَ هَذَا عَيْبًا حَادِثًا قَبْلَ القَبْضِ، فَيُوجِبُ الخِيَارَ كَمَا فِي البَيْعِ، ثُمَّ المُسْتَأْجِرُ إِذَا اسْتَوْفَى المَنْفَعَةَ فَقَدْ رَضِيَ بِالْعَيْبِ
بلا حجة، فلو بيعت دار بجنبها فأراد أن يأخذها بالشفعة لا يأخذها بمجرد اليد حتى يقيم بينة أنه ملكه؛ لأن ثبوت الملك بظاهر اليد يصلح للدفع لا للاستحقاق، والأخذ بالشفعة من يد المشتري استحقاق فلا يملكه بدون البينة، كذا هاهنا في أدب القاضي للصدر الشهيد، والله سبحانه أعلم.
بَابُ فَسْحَ الْإِجَارَةِ
تأخير هذا الباب ظاهر المناسبة لأن الفسخ بعد الوجود وهو الصحة.
قوله: (عيبا يضر بالسكنى) العيب بالإضرار؛ لأنه إذا كان عيبا لا يضر بالسكنى بأن كان في الدار حائطا للجمال لكن لا ينتفع به في سكناها لم يثبت الخيار بلا خلاف بين الأئمة الأربعة، وكذا لو كان المستأجر عبدا للخدمة فسقط شعره أو ذهبت إحدى عينيه وذلك لا يضر بالخدمة لم يثبت الخيار، كذا في الإيضاح.
أما إذا كان عيبا يضر بالسكنى فله ولاية (١) الفسخ بالإجماع.
قوله: (وإنها توجد شيئًا فشيئًا) إلى آخره دفع شبهة ترد على الإجارة من جانب البيع وهي أن يقال: إن عقد الإجارة عقد لازم كالبيع، والعيب الحادث في المبيع بعد قبض المشتري لا يثبت الرد، فكان ينبغي أن لا يرد في الإجارة (قبل) (٢) القبض أيضًا.
فأجاب عنه وقال: إن المعقود عليه المنافع، فالعيب الحادث وإن كان بعد القبض صورة، وهو قبل القبض معنى؛ لما أن المنافع تحدث شيئًا فشيئًا، إليه أشار في شرح الطحاوي.
стр. 6034
فَيَلْزَمُهُ جَمِيعُ البَدَلِ كَمَا فِي البَيْعِ، وَإِنْ فَعَلَ المُؤَجِّرُ مَا أَزَالَ بِهِ العَيْبَ فَلَا خِيَارَ لِلْمُسْتَأْجِرِ لِزَوَالِ سَبَبِهِ.
قَالَ: (وَإِذَا خَرِبَتِ الدَّارُ، أَوْ انْقَطَعَ شِرْبُ الضَّيْعَةِ، أَوْ انْقَطَعَ المَاءُ عَنِ الرَّحَى: انْفَسَخَتِ الإِجَارَةُ)؛ لِأَنَّ المَعْقُودَ عَلَيْهِ قَدْ فَاتَ، وَهِيَ المَنَافِعُ المَخْصُوصَةُ قَبْلَ القَبْضِ فَشَابَهَ فَوْتُ المَبِيعِ قَبْلَ القَبْضِ وَمَوْتِ العَبْدِ الْمُسْتَأْجَرِ. وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ: إِنَّ العَقْدَ لَا يَنْفَسِخُ؛ لِأَنَّ المَنَافِعَ قَدْ فَاتَتْ عَلَى وَجْهِ يُتَصَوَّرُ عَوْدُهَا فَأَشْبَهَ
(فيلزمه جميع البدل)، وبه قال الشافعي في الأظهر ومالك وأحمد وقال في وجه لا يلزمه جميع الأجر ولو فعل ما زال به العيب فلا خيار للمستأجر لأن العيب قد زال قبل فسخ العقد.
قوله: (انفسخت الإجارة)، وبه قالت الأئمة الثلاثة، وعن بعض أصحاب أحمد والشافعي في الأرض التي انقطع ماؤها لم تنفسخ الإجارة، كما قاله بعض أصحابنا، ويجيء بعد ذلك؛ لأن المنفعة لم تبطل جملة؛ لأنه يمكنه الانتفاع بعرصة الأرض بنصب خيمة، أو جمع حطب، فأشبه ما لو نقص نفعها، لكن يخير المشتري بين الفسخ والإمضاء، فإن فسخ فلا أجر عليه كعبد مات بعد العقد قبل استيفاء المنفعة، وكدار انهدمت، ولو اختار الإمضاء يلزمه جميع الأجر كما في العيب.
وقلنا: (المعقود عليه قد فات وهو المنافع المخصوصة) إلى آخره.
قوله: (ومن أصحابنا من قال) إلى آخره، وفي الذخيرة: اختلف أصحابنا فيه، فقال بعضهم: ينفسخ بمجرد الانهدام والانقطاع، واستدل بما ذكره محمد في كتاب البيوع: ولو سقطت الدار فله أن يخرج سواء كان صاحب الدار حاضرًا أو غائبًا، فهذه إشارة إلى الانفساخ بمجرد الانهدام حيثما شرط حضرة صاحبها.
وقال بعضهم: لا ينفسخ، ولكن يثبت له حق الفسخ، وبه يفتي شمس الأئمة السرخسي، وشيخ الإسلام، واستدل بما روى هشام عن محمد: أنه لو استأجر بيتًا فانهدم، ثم بناها الآجر فليس للمستأجر أن يمتنع من القبض والأجر، فهذا دليل على أن العقد لم ينفسخ، ولكنه يُفْسَخُ، وهذا لأن المنفعة غير فائتة من كل وجه إذا وصل الموضع مسكن بعد انهدام البناء (١) وتتأتى فيه
стр. 6035
الإِبَاقَ فِي البَيْعِ قَبْلَ القَبْضِ. وَعَنْ مُحَمَّدٍ: أَنَّ الآجِرَ لَوْ بَنَاهَا لَيْسَ لِلْمُسْتَأْجِرِ أَنْ يَمْتَنِعَ وَلَا لِلْآجِرِ، وَهَذَا تَنْصِيصٌ مِنهُ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَنْفَسِخْ لَكِنَّهُ يُفْسَخُ.
(وَلَو انْقَطَعَ مَاءُ الرَّحَى، وَالبَيْتُ مِمَّا يُنْتَفَعُ بِهِ لِغَيْرِ الطَّحْنِ: فَعَلَيْهِ مِنْ الْأَجْرِ بِحِيَّتِهِ)؛ لِأَنَّهُ جُزْءٌ مِنْ المَعْقُودِ عَلَيْهِ.
قَالَ: (وَإِذَا مَاتَ أَحَدُ المُتَعَاقِدَيْنِ وَقَدْ عَقَدَ الإِجَارَةَ لِنَفْسِهِ: انْفَسَخَتْ)؛ لِأَنَّهُ لَوْ
السكني بنصب فسطاط، وفي انقطاع الماء لو فاتت من كل وجه لكنها تحتمل العود فأشبه إباق العبد وذلك لا يوجب الانفساخ.
والذي قال: ينفسخ بالانهدام ثم يعود بالبناء، ومثله جائز كما في الشاة المبيعة إذا ماتت في يد البائع ينفسخ العقد، ثم إذا دبغ جلدها يعود العقد بقدرها فكذا.
وهذا بخلاف السفينة إذا نُقِضَتْ وصارت ألواحًا ثم رُكَّبَتْ وأعيدت سفينة لم يجبر على تسليمها إلى المستأجر؛ لأن السفينة بعد النقض إذا أعيدت صارت سفينة أخرى، ألا ترى أن من غصب ألواحًا وجعلها سفينة ينقطع حق المالك، فأما عرصة الدار لا تتغير بالبناء عليها قاله محمد.
(ولو انقطع ماء الرحى)، إن كان النقصان فاحشا فله حق الفسخ، وإلا فلا؛ لأن مدة الإجارة لا تخلو عن نقصان غير فاحش غالبًا، وتخلو عن نقصان فاحش.
قال القدوري في شرحه: إذا صار يطحن أقل من نصف طحنه فهو فاحش.
وفي الأصل: (إذا انقطع ماء الرحى) لم ينفسخ ويثبت الخيار للعاقد، فإن لم ينفسخ حتى عاد الماء لزمه الإجارة فيما بقي من الشهر لزوال الموجب للفسخ، ويرفع عنه الأجر بحساب ذلك أي بحساب ما انقطع الماء في المدة، ولو لم يفسخها ومضت المدة فلا أجر عليه في ذلك.
قوله: (وإذا مات أحد المتعاقدين) إلى قوله: (انفسخت) أي: الإجارة، وبه قال الثوري والليث، وقال الشافعي، ومالك، وأحمد، وأبو ثور، والبتي، وإسحاق: لا تنفسخ والإجارة بحالها، ويقوم وارثهما مقامهما سواء مات
стр. 6036
بَقِيَ العَقْدُ تَصِيرُ المَنْفَعَةُ المَمْلُوكَةُ بِهِ، أَوْ الأَجْرَةُ المَمْلُوكَةُ لِغَيْرِ العَاقِدِ مُسْتَحَقَّةٌ بِالعَقْدِ؛ لِأَنَّهُ يَنْتَقِلُ بِالمَوْتِ إِلَى الوَارِثِ وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ (وَإِنْ عَقَدَهَا لِغَيْرِهِ: لَمْ
أحدهما أو كلاهما؛ لأن المنافع كالأعيان عندهم، والعقد لازم فلا ينفسخ بموت العاقد، كما لو زوج أمته ومات.
ولنا أن العقد ينعقد ساعة فساعة بحسب [ما يحدث من المنفعة، فإذا مات المؤجر فالمستحق بالعقد المنافع] (١) التي تحدث على ملكه، وقد فات ذلك بموته فتبطل الإجارة لفوات المعقود عليه؛ لأن رقبة الدار تنتقل إلى الوارث، والمنفعة تحدث على ملك صاحب الرقبة.
وإذا مات المستأجر فلو بقي العقد بعد موته إنما يبقى على أن يخلفه الوارث، والمنفعة المجردة لا تورث إذ الوراثة خلافة فلا تتصور إلا فيما يتصور وقتين ليكون ملك المورث في الوقت الأول، ثم يخلفه الوارث فيه في الوقت الثاني، والمنفعة الموجودة في حياة المستأجر لا تبقى حتى تورث، والتي تحدث بعد موته لم تكن مملوكة له ليخلفه الوارث فيها؛ إذ الملك لا يسبق الوجود، وإذا ثبت انتفاء الإرث تعين بطلان العقد فيه كعقد النكاح يرتفع بموت الزوج؛ لأن وارثه لا يخلفه فيه.
ولا يشكل هذا بما إذا استأجر دابة إلى مكان معين فمات صاحب الدابة في وسط الطريق حيث لا تنفسخ الإجارة، وللمستأجر أن يركبها إلى المكان المسمى، وبما إذا استأجر أرضًا للزراعة فزرعها فمات في المدة حيث لا تنتقض الإجارة.
وينتقض قوله أيضًا ينفسخ بموت أحد المتعاقدين بموت الموكل فإنه ينفسخ بموته مع أنه غير العاقدين، والمسائل في الذخيرة، وفتاوى قاضي خان.
لأنا نقول في المسألة الأولى لا تنفسخ للضرورة، ومواضع الضرورة مستثناة عن الأصول، حتى قال مشايخنا: لو وجد ثمة دابة أخرى يحمل عليها، أو الموت في موضع فيه قاض تنتقض الإجارة؛ لأنه لا ضرورة.
стр. 6037
تَنْفَسِخْ) مِثْلُ الوَكِيلِ وَالوَصِيِّ وَالمُتَوَلِّي فِي الوَقْفِ، لِانْعِدَامِ مَا أَشَرْنَا إِلَيْهِ مِنْ المَعْنَى.
قَالَ: (وَيَصِحُ شَرْطُ الخِيَارِ فِي الإِجَارَةِ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: لَا يَصِحُ؛ لِأَنَّ
وكذا في مسألة المزارعة يبقى عقد الإجارة استحسانًا للحاجة إلى دفع الضرر، فإن مثل هذه الحاجة تعتبر لإثبات عقد الإجارة ابتداءً، حتى إذا مضت المدة والزرع بَقْلُ يعقد بينهما عقد الإجارة إلى وقت الإدراك لدفع الضرر، فلأن يبقى العقد لدفع الضرر أولى، والمستحسن من القياس لا يرد نقضًا على القياس، كذا في المبسوط (١)، والذخيرة.
وأما في مسألة الموكل فلأن المراد بالعاقد من وقع لأجله العقد، حتى لو كان عاقدًا ولم يقع العقد له كالوكيل، والأب، والوصي، والمتولي في فسخ الوقف لا ينفسخ العقد بموته لبقاء المستحق عليه والمستحق فيكون الاستحقاق على وفاق ما وجد العقد، كذا في الذخيرة.
وهذا معنى قوله: (لانعدام ما ذكرنا من المعنى).
قوله: (ويصح شرط الخيار في الإجارة)، ويعتبر ابتداء المدة من وقت سقوط الخيار، وبه قال أحمد، وقال الشافعي: لا يصح شرط الخيار فيه، وله في ثبوت خيار المجلس وجهان، ولو كانت الإجارة على عمل معين ففيه ثلاثة أوجه: لا يثبت فيها الخياران، وفي وجه يثبت فيها الخياران، وفي وجه يثبت خيار المجلس لا خيار الشرط، كذا في الحلية (٢).
وفي المبسوط: رجل تكارى دارًا سنة على أنه فيها بالخيار ثلاثة أيام جاز عندنا، وفي أحد قولي الشافعي؛ لأن شرط الخيار يثبت في البيع بالنص بخلاف القياس، والإجارة ليست في معناه فلا يجوز شرط الخيار فيها (٣).
وهذا لأن شرط الخيار للفسخ، ولا بد أن يتلف شيء من المعقود عليه في مدة الخيار وذا مانع من الفسخ إذ رد كل المعقود عليه بالفسخ مستحق بالخيار،
стр. 6038
المُسْتَأْجِرَ لَا يُمْكِنُهُ رَدُّ المَعْقُودِ عَلَيْهِ بِكَمَالِهِ لَوْ كَانَ الخِيَارُ لَهُ لِفَوَاتِ بَعْضِهِ، وَلَوْ كَانَ لِلْمُؤَجِّرِ فَلَا يُمْكِنُهُ التَّسْلِيمُ أَيْضًا عَلَى الكَمَالِ، وَكُلُّ ذَلِكَ يَمْنَعُ الخِيَارَ. وَلَنَا: أَنَّهُ عَقْدُ مُعَامَلَةٍ لَا يُسْتَحَقُّ القَبْضُ فِيهِ فِي المَجْلِسِ فَجَازَ اشْتِرَاطُ الخِيَارِ فِيهِ كَالبَيْعِ، وَالجَامِعُ بَيْنَهُمَا دَفْعُ الحَاجَةِ، وَفَوَاتُ بَعْضِ المَعْقُودِ عَلَيْهِ فِي الإِجَارَةِ لَا يَمْنَعُ الرَّدَّ بِخِيَارِ العَيْبِ، فَكَذَا بِخِيَارِ الشَّرْطِ، بِخِلَافِ البَيْعِ، وَهَذَا؛ لِأَنَّ رَدَّ الكُلِّ مُمْكِنٌ فِي البَيْعِ دُونَ الإِجَارَةِ فَيُشْتَرَطُ فِيهِ دُونَهَا، وَلِهَذَا يُجْبَرُ المُسْتَأْجِرُ عَلَى القَبْضِ، إِذَا سَلَّمَ
ولا يقدر المستأجر على رد المعقود عليه على الكمال لو كان الخيار له، ولا يقدر المؤجر على التسليم أيضًا على الكمال لو كان الخيار له بخلاف البيع.
(ولنا أنه)، أي: عقد الإجارة (عقد معاملة)، وهذا احتراز عن النكاح فإن مطلق المعاملة ينصرف إلى المعاوضات، وفي بعض النسخ: (عقد مقابلة)، أي: معاوضة لا يستحق القبض فيه في المجلس، واحترز به عن الصرف والسلم فإن قبض البدل في المجلس شرط فيهما فلم يجز فيهما شرط الخيار، وإذا لم يستحق القبض فيه في المجلس ويحتمل الفسخ بالإقالة فيجوز شرط الخيار فيه كالبيع، وهذا لأن شرط الخيار إنما يثبت في البيع لدفع الغبن بالتروي فيه إذ البيع يقع بغتة، فالشرع أثبت الخيار ثم دفعها لهذه الحاجة، والإجارة في هذا كالبيع لأنها تقع بغتة وربما يغبن فيها فشرع الخيار فيها دفعا للغرور، ومنعا للزوم كذا في تعليقات البزدوي.
وهذا معنى قوله: (والجامع دفع الحاجة).
قوله: (وفوات بعض المعقود عليه بالإجارة لا يمنع الرد بخيار العيب)، أي: بالإجماع، فكذا لا يمنع الرد بخيار الشرط، بخلاف البيع فإن فوات بعض المعقود عليه يمنع الرد بخيار العيب والشرط.
(وهذا)، أي: الفرق بين البيع والإجارة (أن رد الكل ممكن في البيع دون الإجارة فيشترط رد الكل فيه)، أي: في البيع (دونه) أي: دون عقد الإجارة لما أن التكليف بحسب الوسع والطاقة، وهذا جواب عن حرف الخصم.
وقوله: (ولهذا يجبر المستأجر) إلى آخره نتيجة قولنا، أما عند الشافعي لا يجبر، وللمستأجر الفسخ في باقي المدة.
стр. 6039
المُؤَخَّرَ بَعْدَ مُضِيِّ بَعْضِ المُدَّةِ.
قَالَ: (وَتُفْسَخُ الإِجَارَةُ بِالأَعْذَارِ) عِنْدَنَا. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: لَا تُفْسَخُ إِلَّا بِالعَيْبِ؛ لِأَنَّ المَنَافِعَ عِنْدَهُ بِمَنْزِلَةِ الأَعْيَانِ حَتَّى يَجُوزُ العَقْدُ عَلَيْهَا فَأَشْبَهَ البَيْعَ. وَلَنَا: أَنَّ المَنَافِعَ غَيْرُ مَقْبُوضَةٍ، وَهِيَ المَعْقُودُ عَلَيْهَا فَصَارَ العُذْرُ فِي الإِجَارَةِ كَالعَيْبِ قَبْلَ القَبْضِ فِي البَيْعِ فَتَنْفَسِخُ بِهِ، إِذْ المَعْنَى يَجْمَعُهُمَا وَهُوَ عَجْزُ العَاقِدِ عَنْ المُضِيِّ فِي مُوجِبِهِ، إِلَّا بِتَحَوُّلِ ضَرَرٍ زَائِدٍ لَمْ يَسْتَحِقَّ بِهِ، … ... … .
يعني إذا استأجر دارا سنة حتى مضى شهر ثم تحاكما لم يكن للمستأجر أن يمتنع من القبض في باقي السنة عندنا، ولا للمؤاجر أن يمنعه من ذلك.
وقال الشافعي: للمستأجر أن يفسخ العقد فيما بقي، بناءً على أصله أن المنافع في حكم الأعيان، فبفوات بعض ما تناوله العقد يخير فيما بقي لاتحاد الصفقة، وتفرقت الصفقة عليه قبل التمام، وذلك مثبت حق الفسخ كما لو اشترى شيئين وهلك أحدهما، وعندنا عقد الإجارة في حكم عقود متفرقة حتى يتجدد انعقاده بحسب حدوث المنفعة فلا يمكن تفرق الصفقة مع تفرق العقود.
قوله: (وقال الشافعي لا تُفسخُ بالأعذار إلا بالعيب)، وبه قال مالك، وأحمد، وأبو ثور، وعند شريح يفسخ بعذر وبغير عذر فإن الإجارة عنده عقد غير لازم؛ لأنه عقد على المعدوم فلا يتعلق به اللزوم، كالعارية والجواز للحاجة، ولا حاجة إلى إثبات صفة اللزوم.
قوله: (فأشبه البيع)، فكما أن البيع لا يفسخ إلا بالعيب فكذا الإجارة.
ولنا أن العذر في الإجارة كالعيب الحاصل قبل القبض في البيع، وهذا لأن المعقود عليه وهو المنافع لا تصير مقبوضة إلا بالاستيفاء، والإجارة تفسخ بالعيب الحاصل قبل القبض، والجامع بينهما عجز العاقد عن المضي في موجب العقد إلا بضرر زائد.
(لم يستحق به)، أي: بالعقد فإن عندنا جواز هذا العقد للحاجة، ولزومه لتوفير المنفعة على المتعاقدين، فإذا آل الأمر إلى الضرر أخذنا فيه بأصل القياس، وقلنا: العقد في حكم المضاف في حق المعقود عليه، والإضافة في
стр. 6040
وَهَذَا هُوَ مَعْنَى العُذْرِ عِنْدَنَا (وَهُوَ كَمَنْ اسْتَأْجَرَ حَدَّادًا لِيَقْلَعَ ضِرْسَهُ لِوَجَعِ بِهِ، فَسَكَنَ الوَجَعُ، أَوْ اسْتَأْجَرَ طَبَّاخًا لِيَطْبُخَ لَهُ طَعَامَ الوَلِيمَةِ، فَاخْتَلَعَتْ مِنْهُ، تُفْسَخُ الإِجَارَةُ)؛ لِأَنَّ فِي المُضِيِّ عَلَيْهِ الْزَامَ ضَرَرٍ زَائِدٍ لَمْ يُسْتَحَقَّ بِالعَقْدِ (وَكَذَا مَنْ اسْتَأْجَرَ دُكَّانًا فِي السُّوقِ لِيَتَّجِرَ فِيهِ فَذَهَبَ مَالُهُ، وَكَذَا مَنْ أَجَّرَ دُكَّانًا، أَوْ دَارًا، ثُمَّ أَفْلَسَ، وَلَزِمَتْهُ دُيُونٌ لَا يَقْدِرُ عَلَى قَضَائِهَا إِلَّا بِثَمَنِ مَا أَجَّرَ، فَسَخَ القَاضِي العَقْدَ وَبَاعَهَا فِي الدُّيُونِ)؛ لِأَنَّ فِي الجَرْيِ عَلَى مُوجِبِ العَقْدِ إِلْزَامَ ضَرَرٍ زَائِدٍ لَمْ يُسْتَحَقَّ بِالْعَقْدِ وَهُوَ الحَبْسُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ لَا يُصَدَّقُ عَلَى عَدَمِ مَالٍ آخَرَ.
ثُمَّ قَوْلُهُ: (فَسَخَ القَاضِي العَقْدَ) إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُ يَفْتَقِرُ إِلَى قَضَاءِ القَاضِي فِي النَّقْضِ، وَهَكَذَا ذَكَرَ فِي (الزِّيَادَاتِ) فِي عُذْرِ الدَّيْنِ، وَقَالَ فِي الجَامِعِ الصَّغِيرِ: وَكُلُّ مَا ذَكَرْنَا أَنَّهُ عُذْرٌ فَإِنَّ الإِجَارَةَ فِيهِ تُنْتَقَضُ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ فِيهِ إِلَى قَضَاءِ القَاضِي.
وَوَجْهُهُ: أَنَّ هَذَا بِمَنْزِلَةِ العَيْبِ قَبْلَ القَبْضِ فِي المَبِيعِ عَلَى مَا مَرَّ، فَيَنْفَرِدُ العَاقِدُ بِالفَسْخِ. وَوَجْهُ الأَوَّلِ: أَنَّهُ فَصْلٌ مُجْتَهَدٌ فِيهِ … ... … .
عقود التمليكات تمنع اللزوم في الحال كالوصية، كذا في المبسوط (١).
قوله: (فاختلعت) أي: المرأة (منه) أي: من الزوج أو ماتت المرأة ففي هذين الصورتين تنفسخ الإجارة بالإجماع.
قوله: (تنتقض بدون القضاء)، أما بدون فسخ أحدهما فلا عند عامة المشايخ، فإن محمدًا لم يذكر في شيء من الكتب هذا، وإشارات الكتب متعارضة ففي بعضها يشير إلى أنه ينفسخ بنفس العذر، به أخذ بعض المشايخ.
وفي عامتها يشير إلى أنه يحتاج فيه إلى الفسخ وعليه عامة المشايخ، وهو الصحيح.
ثم يحتاج إلى القضاء أم لا فيه خلاف كما ذكر في المتن.
قوله: (إنه فصل مجتهد فيه)؛ لأن فيه خلاف الأئمة الثلاثة.
стр. 6041
فَلَا بُدَّ مِنْ الْزَامِ القَاضِي، وَمِنْهُمْ مَنْ وَفَّقَ فَقَالَ: إِذَا كَانَ الْعُذْرُ ظَاهِرًا لَا يَحْتَاجُ إِلَى القَضَاءِ لِظُهُورِ العُذْرِ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ ظَاهِرٍ كَالدَّيْنِ يَحْتَاجُ إِلَى القَضَاءِ لِظُهُورِ العُذْرِ (وَمَنْ اسْتَأْجَرَ دَابَّةٌ لِيُسَافِرَ عَلَيْهَا، ثُمَّ بَدَا لَهُ مِنْ السَّفَرِ: فَهُوَ عُذْرٌ)؛ لِأَنَّهُ لَوْ مَضَى
قوله: (العذر ظاهرًا) بأن ماتت المرأة أو اختلعت فيما إذا استأجره لطبخ طعام الوليمة، أو مات الولد إذا استأجره لِيَخْتِنَهُ.
وقال المحبوبي: هو الصحيح، أي: التوفيق فيما ذكر في الزيادات محمول على عذر يحتمل الاشتباه كما إذا لحق المؤجر وهو يدعي أنه لا وفاء له إلا من ثمن ما أجر؛ لأنه يحتمل أن يكون له وفاء من غير المستأجر، فيحتاج فيه إلى القضاء ليزول الاشتباه بالقضاء ويظهر العذر.
وما ذكر محمد في الجامع والأصل محمول على ما إذا كان العذر واضحًا لا اشتباه فيه فلا يحتاج إلى القضاء.
وجعل شمس الأئمة ما ذكر في الزيادات أصح؛ لأنه فصل مجتهد فيه فيحتاج فيه إلى القضاء، ذكره في المبسوط (١).
ثم اختلفوا في فسخ القاضي، قيل: يبيع الدار فينفذ البيع فتنفسخ الإجارة ضمنًا، وإنما لا تنقض الإجارة قصدًا لأنه لو نقضها قصدًا بما لا يتفق البيع فيكون النقض إبطالاً لحق المستأجر قصدًا وأنه لا يجوز.
وقيل: تفسخ الإجارة ثم يبيع.
وفي الذخيرة: لو أظهر المستأجر في الدار الشر كشرب الخمر، وأكل الربا، والزنا، واللواطة يؤمر بالمعروف وليس للمؤجر ولا لجيرانه أن يخرجوه من الدار، وذلك لا يصير عذرًا في فسخ الإجارة، ولا خلاف فيه للأئمة الأربعة.
وفي الجواهر: إن رأى السلطان أن يخرجه فعل، وقال ابن حبيب المالكي: لو أظهر الفسق في دار نفسه ولم يمتنع بالأمر بالمعروف ويقول: داري أنا آتي فيها ما شئت، تباع عليه داره (٢).
قوله: (ثم بدا له) أي: للمستأجر، يقال: بدا له في هذا الأمر بداءً
стр. 6042
عَلَى مُوجِبِ العَقْدِ يَلْزَمُهُ ضَرَرٌ زَائِدٌ؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا يَذْهَبُ لِلْحَجِّ فَذَهَبَ وَقْتُهُ، أَوْ لِطَلَبِ غَرِيمِهِ فَحَضَرَ، أَوْ لِلتِّجَارَةِ فَافْتَقَرَ (وَإِنْ بَدَا لِلْمُكَارِي فَلَيْسَ ذَلِكَ بِعُذْرِ)؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ أَنْ يَقْعُدَ وَيَبْعَثَ الدَّوَابَّ عَلَى يَدِ تِلْمِيذِهِ، أَوْ أَجِيرِهِ وَلَوْ مَرِضَ المُؤَاجِرُ فَقَعَدَ فَكَذَا الجَوَابُ عَلَى رِوَايَةِ الأَصْلِ. وَرَوَى الكَرْخِيُّ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ: أَنَّهُ عُذْرٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يَعْرَى عَنْ ضَرَرٍ، فَيُدْفَعُ عَنْهُ عِنْدَ الضَّرُورَةِ دُونَ الاخْتِيَارِ (وَمَنْ آجَرَ عَبْدَهُ، ثُمَّ بَاعَهُ: فَلَيْسَ بِعُذْرِ)؛ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ الضَّرَرُ بِالمُضِي عَلَى مُوجِبِ عَقْدٍ، وَإِنَّمَا يَفُوتُهُ الاسْتِرْبَاحُ، وَأَنَّهُ أَمْرٌ زَائِدٌ
(ممدود)، أي: نشأ له فيه رأي، وهو ذو بدوات.
قوله: (ولو مرض المؤاجر) أي: المكاري، هذه المسألة في مرض المكاري، والأولى في بدائه، فكذا الجواب على رواية الأصل لا يمكنه أن يرسل من يتعاهد الدابة، وعلى رواية الكرخي عذر لأنه إذا مرض بعذر خروجه لا باختياره، وغيره لا يشفق على دابته ولا يتعاهدها مثله فيدفع عنه الضرورة أما إذا أراد أن يعقد باختياره فقد ترك الخروج باختياره فعليه أن يقيم غيره مقامه.
قوله: (فليس بعذر)، أي: هذا البيع في فسخ الإجارة إذا لم يكن عليه بدون الوفاء من غيره لأنه لا يلزمه الضرر بالمضي على موجب العقد، وإنما الحجر عن التصرف قبل المدة يلزمه بالتزامه، وإنما يفوته الاسترباح بأن يتصرف فيه قبل مضي المدة ويستربح.
(وأنه) أي: الاسترباح أمر (زائد) إذ لو نقضنا الإجارة به لما سلمت إجارة أبدا، ولبطلت حوائج الناس.
ثم هل يجوز هذا البيع؟ اختلفت الرواية فيه.
قال شمس الأئمة: والصحيح من الرواية أن البيع موقوف على سقوط حق المستأجر، وليس للمستأجر أن يفسخ البيع، وإليه مال الصدر الشهيد، حتى لو قال: ينبغي أن يكتب المفتي في جوابه: لا يجوز في حق المستأجر ولو جاء أيام الفسخ ينعقد البيع وتنفسخ الإجارة.
أما إذا تعذر الدين وحبس في الدين يجوز كما ذكرنا، قال عليه الصلاة
стр. 6043
(وَإِذَا اسْتَأْجَرَ الخَيَّاطُ غُلَامًا، فَأَفْلَسَ وَتَرَكَ العَمَلَ: فَهُوَ العُذْرُ)؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُهُ الضَّرَرُ بِالمُضِيِّ عَلَى مُوجِبِ العَقْدِ لِفَوَاتِ مَقْصُودِهِ وَهُوَ رَأْسُ مَالِهِ، وَتَأْوِيلُ المَسْأَلَةِ: خَيَّاطٌ يَعْمَلُ لِنَفْسِهِ، أَمَّا الَّذِي يَخِيطُ بِأَجْرٍ فَرَأْسُ مَالِهِ الخَيْطُ وَالمَخِيطُ وَالمِقْرَاضُ فَلَا يَتَحَقَّقُ الإِفْلَاسُ فِيهِ. (وَإِنْ أَرَادَ تَرْكَ الخِيَاطَةِ، وَأَنْ يَعْمَلَ فِي الصَّرْفِ: فَلَيْسَ
والسلام: «إِذَا اسْتَقْبَلَكَ بلاءُ فَاجْعَلْ مَالَكَ دُونَ نَفْسِكَ».
فإن قيل ينبغي أن لا يحبسه القاضي إذا علم أن الحق المستأجر تعلق بماله، بل يؤخر الحبس إلى انقضاء مدة الإجارة.
قلنا: القاضي لا يصدقه في أنه لا وفاء له إلا من ثمن المستأجر فيحبسه لهذا، كذا في الذخيرة، وجامع المحبوبي، وعند مالك، وأحمد، والشافعي في قول يصح هذا البيع، ويجب التسليم عند انقضاء الإجارة.
وقال الشافعي في قول: يصح البيع من المستأجر دون غيره؛ لأن يد المستأجر حائلة تمنع التسليم فيمنع صحته.
قيل في جوابه منعت التسليم من المال لا في الوقت الذي يجب التسليم، ويكفي القدرة على التسليم في وقته كالمُسْلَم فيه، وعندهم لو يعلم المشتري بالإجارة فله الخيار بين الفسخ والإمضاء لأن ذلك عيب ونقص.
قوله: (وتأويل المسألة خياط يعمل) بأن يشتري الثياب ويخيطها ويبيعها كما هو عرف أهل الكوفة لا الخياط الذي يعمل للناس قد يعجز عن ذلك بأن تظهر خيانته عند الناس فيمتنعون عن معاملته وتسليم العمل إليه، كذا في الذخيرة.
قوله: (ثم سافر فهو عذر) (١)، أي: قصد السفر؛ لأن الحجز عن السفر لاستخدام العبد يضره ضررًا غير مستحق بالعقد لما فيه من تعطيل مصالح السفر، وخدمة السفر أشق على العبد فلا يجبر أن يسافر معه فيكون عذرًا.
وفي الذخيرة: لو قال المؤجر للقاضي إنه لا يريد السفر، ولكن يريد فسخ الإجارة، وقال المستأجر: أريد السفر، فيقول القاضي للمستأجر: مع من يخرج؟ فإن قال: مع فلان وفلان، فالقاضي يسألهم أن فلانًا، فهل يخرج
стр. 6044
بِعُذْرٍ)؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ أَنْ يُقْعِدَ الغُلَامَ لِلْخِيَاطَةِ فِي نَاحِيَةِ، وَهُوَ يَعْمَلُ فِي الصَّرْفِ فِي نَاحِيَةِ، وَهَذَا بِخِلَافِ مَا إِذَا اسْتَأْجَرَ دُكَّانًا لِلْخِيَاطَةِ فَأَرَادَ أَنْ يَتْرُكَهَا وَيَشْتَغِلَ بِعَمَلٍ آخَرَ، حَيْثُ جَعَلَهُ عُذْرًا ذَكَرَهُ فِي الأَصْلِ؛ لِأَنَّ الوَاحِدَ لَا يُمْكِنُهُ الجَمْعُ بَيْنَ العَمَلَيْنِ، أَمَّا هَاهُنَا العَامِلُ شَخْصَانِ فَأَمْكَنَهُمَا (وَمَنْ اسْتَأْجَرَ غُلَامًا يَخْدُمُهُ فِي المِصْرِ، ثُمَّ سَافَرَ: فَهُوَ عُذْرٌ)؛ لِأَنَّهُ لَا يَعْرَى عَنْ إِلْزَامِ ضَرَرٍ زَائِدٍ؛ لِأَنَّ خِدْمَةَ السَّفَرِ أَشَقُّ، وَفِي المَنْعُ مِنْ السَّفَرِ ضَرَرٌ، وَكُلُّ ذَلِكَ لَمْ يُسْتَحَقَّ بِالعَقْدِ فَيَكُونُ عُذْرًا وَكَذَا إِذَا أَطْلَقَ لِمَا مَرَّ أَنَّهُ يَتَقَيَّدُ بِالحَضَرِ، بِخِلَافِ مَا إِذَا آجَرَ عَقَارًا ثُمَّ سَافَرَ؛ لِأَنَّهُ لَا ضَرَرَ، إِذْ الْمُسْتَأْجِرُ يُمْكِنُهُ اسْتِيفَاءُ المَنْفَعَةِ مِنْ المَعْقُودِ عَلَيْهِ بَعْدَ غَيْبَتِهِ، حَتَّى لَوْ أَرَادَ المُسْتَأْجِرُ السَّفَرَ فَهُوَ عُذْرٌ، لِمَا فِيهِ مِنْ المَنْعِ مِنْ السَّفَرِ، أَوْ إِلْزَامِ الأَجْرِ بِدُونِ السُّكْنَى وَذَلِكَ ضَرَرٌ.
مَسَائِلُ مَنْثُورَةٌ
قَالَ: (وَمَنْ اسْتَأْجَرَ أَرْضًا، أَوْ اسْتَعَارَهَا: فَأَحْرَقَ الحَصَائِدَ فَاحْتَرَقَ شَيْءٌ مِنْ
معكم؟ وهل استعد للخروج؟ فإن قالوا: نعم، ثبت العذر، وإلا فلا.
وهذا لأن الخروج لا بد له من الاستعداد، قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً﴾ [التوبة: ٤٦].
وقيل: القاضي يحكم بزيه وثيابه، فإن كانت ثيابه ثياب السفر يجعله مسافرًا إذا نوى والسيما حجة عند اشتباه الحال.
وقيل: لو أنكر المؤجر السفر فالقول له.
وقيل: القاضي يُحَلِّف المستأجر: بالله إنك عزمت على السفر، وإليه مال القدوري، والكرخي.
وكذا لو خرج من المصر ثم عاد يحلف بالله: إنك قد خرجت قاصدًا إلى الموضع الذي ذكرت، ولو أراد رب العبد السفر لا يكون ذلك عذرًا لأنه يمكنه إيفاء المعقود عليه من غير أن يحبس نفسه في مكان معين بأن يخرج إلى السفر، ويخلي بين المستأجر وبين العبد.
مَسَائِلُ مَنْثُورَةٌ
حصد الزرع: جزه، من باب طلب وضرب والحصائد جمع حصيد،
стр. 6045
أَرْضِ أُخْرَى فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ)؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُتَعَدٍ فِي هَذَا التَّسْبِيبِ، فَأَشْبَهَ حَافِرَ البِئْرِ فِي دَارِ نَفْسِهِ. وَقِيلَ: هَذَا إِذَا كَانَتْ الرِّيَاحُ هَادِئَةً ثُمَّ تَغَيَّرَتْ، أَمَّا إِذَا كَانَتْ مُضْطَرِبَةٌ يَضْمَنُ؛ لِأَنَّ مُوقِدَ النَّارِ يَعْلَمُ أَنَّهَا لَا تَسْتَقِرُّ فِي أَرْضِهِ.
قَالَ: (وَإِذَا أَقْعَدَ الخَيَّاطُ أَوْ الصَّبَّاغُ فِي حَانُوتِهِ مَنْ يَطْرَحُ عَلَيْهِ العَمَلَ بِالنِّصْفِ: فَهُوَ جَائِزٌ) لِأَنَّ هَذِهِ شَرِكَةُ الوُجُوهِ فِي الحَقِيقَةِ، فَهَذَا بِوَجَاهَتِهِ يَقْبَلُ، وَهَذَا بِحَذَاقَتِهِ يَعْمَلُ، فَيَنْتَظِمُ بِذَلِكَ المَصْلَحَةُ، فَلَا تَضُرُّهُ الجَهَالَةُ فِيمَا يَحْصُلُ.
قَالَ: (وَمَنْ اسْتَأْجَرَ جَمَلًا لِيَحْمِلَ عَلَيْهِ مَحْمِلًا وَرَاكِبَيْنِ إِلَى مَكَّةَ: جَازَ، وَلَهُ
وهو الزرع المحصود، وأريد هاهنا ما بقي من أصول القصب المحصود في الأرض، كذا في المغرب (١).
لأنه غير متعد في هذا التسبيب فإنه مسبب لا مباشر، والضمان بطريق التسبيب يعتمد التعدي في التسبيب.
ألا ترى أن من حفر بئرا في ملكه فوقع فيها إنسان فهلك لا يضمن، ولو رمى سهما في ملكه فأصاب إنسانًا أو مالا فهلك يضمن؛ لأنه مباشره فلم يتوقف على التعدي، وهذا لأن المباشرة علة فلا يبطل حكمها بعذر، فأما التسبيب فليس بعلة فلا بد من صفة العدوان ليلحق بالعلة.
وإحراق الحصائد هنا مباح وليس بتعد فلا يضاف التلف إليه.
وقيل هذا إذا كانت الرياح هادنة (٢) حين أوقد النار، وقائله شمس الأئمة السرخسي، وهادنة بالنون: ساكنة من هدن إذا سكن، وفي نسخة: (هادئة) من هدأ بالهمز أي سكن.
قوله: (إنها)، أي: النار لا تستقر في أرضه، ولكن الريح تذهب بها إلى أرض الجيران فصار كأنه ألقاها في أرضهم.
قوله: (فهو جائز)، أي: استحسانًا لأنا إذا وجدنا سبيلا إلى الحكم بجوازه وهو شركة التقبل لا الإجارة، لأن تفسير شركة التقبل أن يكون ضمان العمل عليهما وأحدهما يتولى القبول من الناس، والآخر يتولى العمل لحذاقته وهو
стр. 6046
المَحْمِلُ المُعْتَادُ) وَفِي القِيَاسِ: لَا يَجُوزُ؛ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيُّ، لِلْجَهَالَةِ وَقَدْ يُفْضِي ذَلِكَ إِلَى المُنَازَعَةِ. وَجْهُ الاِسْتِحْسَانِ: أَنَّ المَقْصُودَ هُوَ الرَّاكِبُ وَهُوَ مَعْلُومٌ، وَالمَحْمِلُ تَابِعٌ، وَمَا فِيهِ مِنْ الجَهَالَةِ يَرْتَفِعُ بِالصَّرْفِ إِلَى المُتَعَارَفِ، فَلَا يُفْضِي ذَلِكَ إلَى المُنَازَعَةِ، وَكَذَا إِذَا لَمْ يَرَ الوَطَاءَ وَالدُّثُرَ.
متعارف - وجب القول بصحته، والقياس يأبى جوازه؛ لأنه إن كان شركة فرأس مال صاحب الدكان المنفعة، والمنافع لا تصلح رأس مال الشركة، وإن كان إجارة فاستأجره بنصف ما يخرج من عمله وهو مجهول.
وفي الاستحسان: هذا شركة الوجوه في الحقيقة فيجوز عندنا خلافًا للشافعي، والطحاوي أخذ في هذه المسألة القياس وقال: عندي القياس أولى من الاستحسان.
قوله: (وفي القياس لا يجوز، وهو قول الشافعي)، وأحمد لجهالة المحمل فإنه يتفاوت فيفضي إلى المنازعة فلا يجوز، كما في البيع.
وجه الاستحسان: أن المقصود هو الراكب وهو معلوم لأن أجسام الناس متقاربة في الغالب، وحكي ذلك عن مالك، والمحمل تابع للراكب، وجهالته ترتفع بالصرف إلى المعتاد فلا يفضي إلى المنازعة.
قوله: (إذا لم ير الوطاء والدثر)، الوطاء: الفرش المفروشة، وبالفارسية: (يستر كسترده)، والدثار: كل ما كان من الثياب فوق الشعار، وبالفارسية: (جامة بزتر جامه)، والشعار: (جامه ايد روني).
وفي المحيط: استأجر بعيرين إلى مكة ليحمل على أحدهما محملًا فيه رجلان ومالهما من الوطاء والدثر، ولم ير الحمال الوطاء والدثر، وعلى الآخر زاملة عليه كذا مختوما من السويق، وما يصلحه من الزيت والخل، وما يكفي من الماء، ولم يبين قدره، وما يصلح من الحبل والمعاليق من القربة والمضاءة والمطهرة ولم يبين وزنه، أو شرط أن يحمل من هدايا مكة ما يحمل الناس، فهذا جائز استحسانًا للتعارف، وله أن يحمل ما هو متعارف (١).
стр. 6047
قَالَ: (وَإِنْ شَاهَدَ الجَمَّالُ المَحْمِلَ: فَهُوَ أَجْوَدُ)؛ لِأَنَّهُ أَنْفَى لِلْجَهَالَةِ وَأَقْرَبُ إِلَى تَحَقَّقِ الرِّضَا. قَالَ: (وَإِنْ اسْتَأْجَرَ بَعِيرًا لِيَحْمِلَ عَلَيْهِ مِقْدَارًا مِنْ الزَّادِ، فَأَكَلَ مِنْهُ فِي الطَّرِيقِ: جَازَ لَهُ أَنْ يَرُدَّ عِوَضَ مَا أَكَلَ)؛ لِأَنَّهُ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِ حِمْلًا مُسَمًّى فِي جَمِيعِ الطَّرِيقِ، فَلَهُ أَنْ يَسْتَوْفِيَهُ (وَكَذَا غَيْرُ الزَّادِ مِنْ المَكِيلِ وَالمَوْزُونِ) وَرَدُّ الزَّادِ مُعْتَادُ عِنْدَ البَعْضِ كَرَدٌ المَاءِ، فَلَا مَانِعَ مِنْ العَمَلِ بِالإِطْلَاقِ.
وحكي مثله عن مالك، وقال الشافعي وأحمد لا بد من معرفة المحمل، والوطاء، والدثر، والمعاليق، وتقدير الزاملة لما ذكرنا أنه مجهول جهالة تفضي إلى المنازعة وهو القياس.
واختلف أصحاب الشافعي في المعاليق كالقدر ومثله، فقيل: لا يجوز حتى يعرف قولًا واحدًا، وقيل: فيه قولان أحدهما: يفتقر إلى المعرفة، والثاني: لا يفتقر ويحمل على العرف فيها.
قوله: (جاز له أن يرد عوض ما أكل)، وبه قال الشافعي في قول، وأحمد، وفي قول: يعتبر العرف، إن جرى بالاستبدال يستبدل، وإلا لا، وبه قال مالك.
وهذا الخلاف إذا أطلق، أما إذا شرط الاستبدال يستبدل بلا خلاف، ولو شرط عدم الاستبدال لا يستبدل بلا خلاف، ولو سرق أو هلك بغير أكل، أو بأكل غير معتاد يستبدل بلا خلاف.
قوله: (ورد الزاد معتاد عند البعض) جواب إشكال مقدر، وهو أن يقال: مطلق العقد محمول على العادة، وفي عادة المسافرين لا يردون شيئًا مكان ما أكلوا، فقال في جوابه: العرف مشترك فإنه معتاد عند بعض الناس، فكان العمل بالإطلاق أولى وهو أن المكاري قَبِلَ حمل المسمَّى من موضع إلى موضع، وإنما يكون ذلك بِرَدّ ما انتقص والإشكال مع جوابه مذكور في شرح الأقطع.
وفي المحيط: اشترط عقبة الأجير، وهو أن يستأجرها اثنان ينزل أحدهما ويركب الآخر، ولم يبينا مقدار ركوب كل واحد جاز للعرف، وبه قالت الأئمة الثلاثة.
وقال المزني: لا يجوز اكتراء العقبة إلا مضمونة في الذمة، وهو أن يبين مقدار ركوب كل واحد بالزمان، أو الفرسخ.
والحاصل أن اكتراء الظهر مبني على العرف إذ المعروف كالمشروط.
стр. 6048
كِتَابُ المُكَاتَبِ
قَالَ: (وَإِذَا كَاتَبَ المَوْلَى عَبْدَهُ أَوْ أَمَتَهُ عَلَى مَالٍ شَرَطَهُ عَلَيْهِ وَقَبِلَ العَبْدُ ذَلِكَ:
(كِتَابُ الْمُكَاتَبِ)
أورد الكتابة بعد الإجارة لمناسبة أن كل واحد منهما عقد يستفاد به المال بمقابلة ما ليس بمال على وجه يحتاج فيه إلى ذكر العوض بالإيجاب والقبول بطريق الأصالة، وبهذا يحترز عن البيع، والطلاق والعتاق.
وقدم الإجارة لأنه أشبه بالبيع من حيث التمليك، والشرائط، وجريانه في غير المولى وعبده.
ثم من محاسنه أن العبد به يصل إلى شرف الحرية في الدنيا، ويكتسب أسباب السعادة العقباوية، والمولى يصل إلى المال مع الثواب.
ومن محاسنه أيضًا: الاستنان بسنة الله فإن الخلق كلهم عبيد الله تعالى وإماؤه، ولكن أعطاهم من حرية اليد والملك الظاهر بقدر ما يسعون في فكاك رقبتهم، وبدل كتابهم الوفاء بعهوده بائتمار أوامره والانزجار عن نواهيه، فمن وفي بعهوده خلص من عقابه.
ثم الكتابة لغةً: مأخوذ من الكتب، وهو الجمع والضم، يقال: كتبتُ البغلة إذا ضممت بين شفريها بحلقة والشفران طرفا الفرج، أو القربة، أو حرزتها، ومنه كتب الكتاب، أي: جمع الحروف والكتيبة الطائفة من الجيش لانضمام بعضهم إلى بعض.
ويسمى هذا العقد كتابة لما فيه ينضم النجم إلى النجم، أو لأنه يوثق بالكتابة، ولهذا قال تعالى: ﴿فَاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢].
وشرعًا: عقد بلفظ الكتابة، أو بلفظ يؤدي معناه يوجب التحرير يدًا في الحال، ورقبة في المال، ولا يلزم عليه تعليق العتق على مال؛ لأنه لا يحتاج فيه
стр. 6049
صَارَ مُكَاتَبًا) أَمَّا الجَوَازُ: فَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ [النور: ٣٣] وَهَذَا لَيْسَ أَمْرَ إِيجَابٍ بِإِجْمَاعِ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ، وَإِنَّمَا هُوَ أَمْرُ نَدْبِ، … ... .
إلى لفظ الكتابة، بل يحصل بقوله: أعتقتك على كذا، والفرق بينهما في الحكم أن الكتابة عقد يُقالُ ويفسخ ولا يُملَكُ بيع المكاتب، والإعتاق على مال من جانب المولى يمين والمكاتِبُ يَمْلك كتابة عبده، ولا يملك الإعتاق على مال، ذكره في المبسوط (١).
وسبب الكتابة: الرغبة الباعثة للمولى والعبد على مقصودهما الذي ذكرناه في محاسنها.
وركنها: الإيجاب والقبول.
وشرطها: قيام الرق في المحلّ، وكون المال المسمى معلوم القدر والجنس أيضًا.
وحكمها: ثبوت حرية اليد للعبد في الحال، وثبوت حرية الرقبة عند أداء البدل، ومن جانب المولى: ثبوت ولاية المطالبة ببدلها في الحال، وثبوت الملك فيه إذا قبضه.
قوله: (أما الجواز)، اعلم أن الكتابة جائزة لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَنُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ [النور: ٣٣]، وقوله ﵊: «من أعانَ غارِمًا أو غازيًا أو مُكاتبًا في كِتَابَتِهِ أَظلَّهُ اللهُ يومَ لا ظلَّ إِلَّا ظِلُّهُ» (٢)، ولقوله ﵊: «أَيُّما عَبْدٍ كَتَبَ» (٣)، والأحاديث في الباب كثيرة، وأجمعت الأمة على جوازه.
وبقوله: (بإجماع الفقهاء) يحترز عن قول داود ومن تابعه، وعمرو بن دينار، وعطاء، ورواية صاحب التقريب من أصحاب الشافعي، رواية عن أحمد
стр. 6050
هُوَ الصَّحِيحُ. وَفِي الحَمْلِ عَلَى الإِبَاحَةِ إِلْغَاءُ الشَّرْطِ إِذْ هُوَ مُبَاحٌ بِدُونِهِ، أَمَّا النَّدْبِيَّةُ مُعَلَّقَةٌ بِهِ، وَالمُرَادُ بِالخَيْرِ المَذْكُورِ عَلَى مَا قِيلَ: أَنْ لَا يَضُرَّ بِالْمُسْلِمِينَ بَعْدَ العِتْقِ،
فإنهم قالوا: تجب الكتابة إذا سأل العبد إن كان العبد ذا أمانة وذا كسب؛ إذ الأمر يفيد الوجوب على تقدير علم الخيرية.
قلنا: الوجوب يبطل أثر الملك، واحتكم المماليك على المالكين وهذا خلاف الأصول، وفيه نوع تأمل.
وشنع ابن حزم على الفقهاء في هذه المسألة، وهذا من غاية تعصبه، وقال: إن عمر جبر أنسًا على كتابة سيرين.
وقلنا: فعل أنس يخالف قول عمر.
قوله: (هو الصحيح) احتراز عن قول بعض مشايخنا أنه قال: أمر إباحة، وقوله ﴿إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ [النور: ٣٣] مذكور على وفاق العادة؛ لأن المولى إنما يكاتب عبده إذا علم فيه خيرًا لأن فيه إلغاء الشرط إذ الإباحة ثابتة بدون هذا الشرط، وكلام الله تعالى منزه عن هذا.
(أما الندبية متعلقة به)، أي: بعلم الخير؛ لأن المولى إنما يندب أن يكاتب عبده إذا علم فيه خيرًا، كذا في المبسوط (١).
قوله: (والمراد بالخير المذكور على ما قيل) إلى آخره، وفسر الشافعي الخيرية بالأمانة والكسب، وبه قال مالك، وعمرو بن دينار، وأحمد، وهو قولنا أيضًا.
وعن ابن عباس، وابن عمر، وعطاء: الخير: الكسب خاصة، وعن الثوري، والحسن البصري أنه الأمانة والدين خاصة.
وقيل: الخير: الوفاء بالأمانة والصلاح.
ولو فقد الأمانة والكسب لا تكره الكتابة عندنا، والشافعي، ومالك، وقال أحمد وإسحاق، وأبو الحسين بن القطان من أصحاب الشافعي: يكره.
стр. 6051
فَإِنْ كَانَ يَضُرُّ بِهِمْ، فَالأَفْضَلُ أَنْ لَا يُكَاتِبَهُ وَإِنْ كَانَ يَصِحُ لَوْ فَعَلَهُ.
وَأَمَّا اشْتِرَاطُ قَبُولِ العَبْدِ: فَلِأَنَّهُ مَالٌ يَلْزَمُهُ فَلَا بُدَّ مِنْ التِزَامِهِ وَلَا يُعْتَقُ إِلَّا بِأَدَاءِ كُلِّ البَدَلِ لِقَوْلِهِ ﵊: «أَيُّمَا عَبْدٍ كُوتِبَ عَلَى مِائَةِ دِينَارٍ فَأَدَّاهَا إِلَّا عَشَرَةَ دَنَانِيرَ فَهُوَ عَبْدٌ» وَقَالَ ﵊: المُكَاتَبُ عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ دِرْهَمٌ وَفِيهِ اخْتِلَافُ الصَّحَابَةِ ﵃، وَمَا اخْتَرْنَاهُ قَوْلُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ﵁، وَيُعْتَقُ بِأَدَائِهِ وَإِنْ لَمْ يَقُلْ المَوْلَى إِذَا أَدَّيْتِهَا فَأَنْتَ حُرٌّ، لِأَنَّ مُوجِبَ العَقْدِ يَثْبُتُ مِنْ غَيْرِ
ويشترط قبول العبد البدل بلا خلاف، ولا يعتق إلا بأداء كل البدل، وبه قالت الأئمة الثلاثة.
(وفيه) أي: في وقت عتق العبد (اختلاف الصحابة)، فقال ابن عباس: كما أخذ الصحيفة من مولاه عتق، يعني يعتق بنفس العقد وهو غريم المولى، وقال ابن مسعود: إذا أدى قدر قيمة نفسه يعتق، وفيما زاد يكون المولى غريما من غرمائه.
وقال علي: يعتق بقدر ما أدى، وبه قال أصحاب الظاهر.
وقال زيد بن ثابت مثل قولنا، واخترنا قوله لأنه مؤيد بما روينا، وهو قوله ﵊: «المكاتب عبد ما بقي عليه درهم»، رواه أبو داود (١)، وبالمعنى فإن أحد البدلين لم يدخل في ملك المالك فلا يخرج البدل الآخر عن ملكه، ولأن بالكتابة يثبت للعبد ملك اليد، فأما العتق فمتعلق بشرط الأداء، والشرط يقابل المشروط جملة ولا يقابله جزءًا، فما لم يُؤَدِّق جميع البدل لم يعتق، كذا في المبسوط (٢).
قوله: (ويعتق بأدائه)، أي: بأداء البدل وإن لم يقل المولى: إذا أديتها فأنتَ حرّ، وبه قال مالك، وأحمد، وقال الشافعي: لا يعتق ما لم يقل: كاتبتك على كذا، إن أديته فأنتَ حرّ.
وفي شرح الوجيز: ولو لم يصرح بتعليق العتق بالأداء ولكن نواه بقلبه:
стр. 6052
التَّصْرِيحِ بِهِ كَمَا فِي البَيْعِ، وَلَا يَجِبُ حَطُّ شَيْءٍ مِنْ البَدَلِ اعْتِبَارًا بِالبَيْعِ.
كاتبتك على كذا، صحت الكتابة، وإن لم يصرح بالتعليق ولا نواه لم يحصل العتق ولم تصح الكتابة (١).
وعن بعض أصحابه: إن كان الرجل فقيها صحت كتابته بمجرد لفظ: كاتبتك على كذا، وإلا فلا بد من تعليق الحرية، أو بينة.
وأصل الاختلاف راجع إلى تفسير الكتابة شرعًا، فعنده: ضم نجم إلى نجم، فلو صرح وقال: ضربت عليك ألفًا على أن تؤديها إليَّ في كل شهر كذا، لا يعتق، وكذا إذا قال: كاتبتك، ولم يقل: إن أدّيتَ فأنتَ حرّ، لا يعتق، فكذا هنا.
وعندنا تفسيرها ضم حرية اليد (٢) إلى حرية الرقبة عند الأداء، فلا يحتاج إلى تعليق العتق بالأداء؛ لأن العتق عند الأداء حكم العقد، وحكم العقد يثبت بدون التصريح به كما في البيع، كذا في مبسوط شيخ الإسلام.
قوله: (ولا يجب حط شيء من البدل)، بل هو مندوب، وبه قال مالك، والثوري، وقال الشافعي، وأصحاب الظاهر، وأحمد: يجب.
وفي وقت وجوبه وجهان، أحدهما: بعد العتق والثاني: بعد أداء أكثر البدل.
وقدره قد نص الشافعي أنه يجزئ ما يقع عليه اسم المال، للشافعي قوله تعالى: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِى آتَكُمْ﴾ [النور: ٣٣]، ومطلق الأمر للوجوب، وعن علي مرفوعًا وموقوفًا أنه ﵊ قرأ هذه الآية وقال: «هُوَ ربع بدل الكتابة».
واختلف أقوال الصحابة في قدر المحطوط فنأخذ بالأقل لأنه متيقن، وعند أحمد: يجب قدر ربع البدل بأثر علي.
ولنا أن هذا عقد معاوضة فلا يجب الحط فيه كما في سائر المعاوضات، وهذا لأن الكتابة موجب للبدل فلا يجوز أن تكون موجبًا إسقاطه إذ الشيء لا
стр. 6053
قَالَ (وَيَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِطَ المَالَ حَالًا، وَيَجُوزُ مُؤَجَّلًا وَمُنَجَّمًا) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: لَا يَجُوزُ حَالًا، وَلَا بُدَّ مِنْ نَجْمَيْنِ، لِأَنَّهُ عَاجِزٌ عَنْ التَّسْلِيمِ فِي زَمَانٍ
يتضمن ضده، والأمر في قوله ﴿وَآتُوهُمْ﴾ للندب؛ لأنه معطوف على الأمر بالكتابة؛ لأن الأصل أن يكون حكم المعطوف حكم المعطوف عليه، كذا في المبسوط (١).
ورد عليه بأن هذه جملة تامة فلا توجب المشاركة، كما في قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [النور: ٥٦].
وأجيب: ليس هذا مثل تلك الجملة؛ لأن الثانية مرتبطة بالأولى برجوع الضمير إليها فلم تكن مستبدة بنفسها فصح الاستدلال بالعطف، وفيه نوع تأمل.
وعن الكلبي: المراد بالإيتاء دفع الصدقة إليهم، رواه عن جماعة من الصحابة، وهو الظاهر؛ لأن الإيتاء يدل على التمليك، وذا في التصدق عليهم؛ لأن الحط لا يكون إيتاء، ولا يطلق عليه اسم الإيتاء.
وقال ابن حزم في المُحلَّى: الشافعي ناقض فحمل قوله تعالى: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ﴾ الآية على الندب، وقوله تعالى: ﴿وَآتُوهُم﴾ على الوجوب، وهذا تحكم، وأبو حنيفة ومالك قالا كلاهما: للندب ﴿وَآتُوهُم﴾ الآية أمر للسيد وغيره بالإيتاء، وهو باطل؛ لأنه معطوف على قوله ﴿فَكَاتِبُوهُمْ﴾ فيكون المأمورون بالكتابة هم المأمورون بالإيتاء (٢).
قلنا: نعم مأمورون بالإيتاء من مال الصدقة لا بالحط من البدل كما روي عن جماعة من الصحابة.
قوله: (وقال الشافعي لا يجوز حالا)، فلا بد أن يكون منجما، وأقله نجمان اتباعًا للسلف فإنهم لم يعقدوا الكتابة إلا على عوض مؤجل، وبه قال أحمد في ظاهر روايته.
ولأنه على تقدير الحلول تتوجه المطالبة في الحال وهو لا يقدر على أدائه لأنه كان مملوكًا لا يقدر على شيء، وفي زمان يسير لا تثبت القدرة عادة على
стр. 6054
قَلِيلٍ، لِعَدَمِ الأَهْلِيَّةِ قَبْلَهُ لِلرِّقِّ، بِخِلَافِ السَّلَمِ عَلَى أَصْلِهِ، لِأَنَّهُ أَهْلٌ لِلْمِلْكِ فَكَانَ احْتِمَالُ القُدْرَةِ ثَابِتا، وَقَدْ دَلَّ الإِقْدَامُ عَلَى العَقْدِ عَلَيْهَا فَيَثْبُتُ. وَلَنَا: ظَاهِرُ مَا تَلَوْنَا مِنْ غَيْرِ شَرْطِ التَّنْجِيمِ، وَلِأَنَّهُ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ، وَالبَدَلُ مَعْقُودٌ بِهِ فَأَشْبَهَ الثَّمَنَ فِي البَيْعِ فِي عَدَمِ اشْتِرَاطِ القُدْرَةِ عَلَيْهِ، بِخِلَافِ السَّلَمِ عَلَى أَصْلِنَا، لِأَنَّ المُسَلَّمَ فِيهِ مَعْقُودٌ عَلَيْهِ فَلَا بُدَّ مِنْ القُدْرَةِ عَلَيْهِ، وَلِأَنَّ مَبْنَى الكِتَابَةِ عَلَى المُسَاهَلَةِ فَيُمْهِلُهُ المَوْلَى ظَاهِرًا، بِخِلَافِ السَّلَمِ لِأَنَّ مَبْنَاهُ عَلَى المُضَايَقَةِ وَفِي الحَالِ كَمَا امْتَنَعَ مِنَ الْأَدَاءِ يُرَدُّ
الكسب على مال كثير، والعجز الطارئ يبطل الكتابة، فلأن يمنع انعقادها أولى. (بخلاف السلم)، أي: الحال (على أصله)، أي: أصل الشافعي حيث جوزه لأنه عقد جرى بين الحُرَّيْنِ، والظاهر هو القدرة على ما التزمه لكونه أهلًا للملك قبل العقد، وقد قام دليل القدرة وهو الإقدام على العقد.
ولنا ظاهر ما تلونا وهو قوله تعالى: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ﴾ من غير قيد التأجيل والتنجيم، فلا يزاد على النص بالرأي، وبقولنا قال مالك.
ذكر في الجواهر: قال أبو بكر: ظاهر قول مالك أن التنجيم والتأجيل شرط فيه، ثم قال: علماؤنا النظار يقولون إن الكتابة الحالة جائزة ويسمونها قطاعة، وهو القياس (١).
(ولأنه) أي: عقد الكتابة عقد معاوضة، والبدل معقود به كالثمن في البيع حتى صح الاستبدال به قبل القبض والقدرة على تسليم الثمن في البيع ليس بشرط بالإجماع، فكذا القدرة على تسليم بدل الكتابة لا يشترط.
بخلاف السلم على أصلنا؛ لأن المسلم فيه معقود عليه، والقدرة على تسليم المعقود عليه شرط لنهيه ﵊ عن بيع ما ليس عند الإنسان (٢)، فشرطنا الأجل في السلم لتثبت القدرة على التسليم في المدة.
(لأن مبناه) أي: مبنى السلم (على المضايقة) والمماكسة، فالظاهر أنه لا
стр. 6055
إلى الرق.
قَالَ: (وَتَجُوزُ كِتَابَةُ العَبْدِ الصَّغِيرِ إِذَا كَانَ يَعْقِلُ الشَّرَاءَ وَالبَيْعَ) لِتَحَقُّقِ الإِيجَابِ
يؤخر عند توجه المطالبة نحوه.
فإن قيل: الخصم استدل بالقياس أيضًا فكانا متعارضين، فأين يثبت رجحان دليلكم؟
قلنا: رجحان دليلنا ظاهر؛ لأن ما استدللنا به دائر بين شرط الجواز وعدمه، وما استدل به الخصم بين علامة الوجود وعدمه، والشرط أكثر تأثيرًا في الحكم من العلامة، يعني قول الخصم: أن الظاهر من حال العبد أنه مفلس؛ لأنه لم يكن مالكًا لشيء قبل العقد، فقد التزم الأداء بالعقد، فيجب أن يكون قادرًا على الأداء حتى يتحقق ما هو المقصود للمولى في هذا العقد بخلاف المسلم إليه فإنه حر، فبالتزامه يعلم أنه قادر على تسليم المسلم إليه.
وقلنا: عدم قدرة العبد ممتدًا إلى مقدار نجمين ليس بأمر لازم؛ لأن الجائز أن يرزق العبد بعد العقد مالا بطريق الهبة، والزكاة، والوصية، أو بالتجارة، أو جرى عقد الكتابة على المملحة (١) على قدر من الملح فيمكن تسليم الملح عقيب العقد.
وما قال بعض أصحاب الشافعي أن الملك بالهبة، أو الوصية، أو التجارة يحتاج إلى القبول - وذلك يتأخر عن العقد، وكذا لا يملك الملح بدون الأخذ فيتأخر عن العقد - غير قوي؛ لأن الأداء بعد العقد والقدرة شرط للأداء، ولئن سلم إفلاسه فإفلاسه واقع في المعقود به وذلك غير مضر لصحة العقد كما في البيع.
أما السلم فيجب أن يكون مؤجلا لأن الأجل هناك قائم مقام المسلم فيه وهو المعقود عليه، وملك المعقود عليه شرط لصحة العقد كما في البيع، فما كان قائما مقامه وهو الأجل ينبغي أن يكون شرطًا لأن ما هو شرط لصحة الشيء فالذي يقوم مقامه عند عدمه شرطًا أيضًا كالتيمم للصلاة عند عدم الماء، أو
стр. 6056
وَالقَبُولِ، إِذْ العَاقِلُ مِنْ أَهْلِ القَبُولِ وَالتَّصَرُّفُ نَافِعُ فِي حَقِّهِ. وَالشَّافِعِيُّ يُخَالِفُنَا فِيهِ،
الوضوء، كذا في المبسوط.
يؤيده ما روي عن ابن عباس أنه قال: حدثني سلمان: أن رجلا من بني قريظة ابتاعني فأسلمت وشغلني الرق حتى فاتتني بدر، ثم قال لي رسول الله ﷺ : «كاتب»، فسألت صاحبي ذلك حتى كاتبني على أن أحيي له ثلاثمائة نخلة بأربعين أوقية من ذهب، فأخبرت النبي ﷺ بذلك فقال: «إذا أَرَدْتَ أن تَضَعَها فَلا تَضَعْها حتّى تأتينِي فَتُؤْذِنِّي فأكون أنا الذي وَضَعَها»، فأعانني أصحابي حتى حَبِيْتُ، ثم جئت رسول الله ﷺ قلت: بقيت الذهب، فبينا رسول الله ﷺ إذ جاءه رجل بمثل البيضة من الذهب أصابها من بعض المعادن، فقال ﵊: «ما فعل الفارسي المكاتب المسكين، ادعوه»، فَدُعيتُ فجِئتُ، فقال ﵊: «اذْهَبْ بهذه فأدها مما عليك مِنَ المالِ»، فوالذي نفسي بيده لقد وزنت منها أربعين أوقية حتى أوفيه الذي عليَّ، قال: فأُعتِقَ سلمان وشهد الخندق وبقية مشاهد رسول الله ﵊ (١).
قال ابن حزم: لا نظر مع صحة الخبر.
فإن قيل: عتق سلمان باعتبار أن سيده كافر فعتق بذلك.
قلنا: عتق العبد المسلم بكفر سيده عرف من عبيد أهل الطائف، والطائف بعد الخندق، وكذا قوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٤١] بعد الخندق، نقل من المحلى (٢).
قوله: (والشافعي يخالفنا فيه) حتى لم يُجَوِّز كتابة العبد الصغير المميز بإذن وليه، أو بغير إذن وليه، وكتابة السيد إذن له على القبول، وكذا على مال يجوز بإذن وليه في القبول خلافًا للشافعي، أما الصغير غير المميز والمجنون لا تجوز
стр. 6057
وَهُوَ بِنَاءً عَلَى مَسْأَلَةِ إِذْنِ الصَّبِيِّ فِي التِّجَارَةِ، وَهَذَا بِخِلَافِ مَا إِذَا كَانَ لَا يَعْقِلُ البَيْعَ وَالشِّرَاءَ، لِأَنَّ القَبُولَ لَا يَتَحَقَّقُ مِنهُ فَلَا يَنْعَقِدُ العَقْدُ، حَتَّى لَوْ أَدَّى عَنْهُ غَيْرُهُ لَا يَعْتِقُ وَيَسْتَرِدُّ مَا دَفَعَ.
قَالَ: (وَمَنْ قَالَ لِعَبْدِهِ: جَعَلْتُ عَلَيْكَ أَلْفًا تُؤَدِّيهَا إِلَيَّ نُجُومًا، أَوَّلُ النَّجْمِ كَذَا وَآخِرُهُ كَذَا، فَإِذَا أَدَّيْتِهَا فَأَنْتَ حُرٌّ وَإِنْ عَجَزْتَ فَأَنْتَ رَقِيقٌ فَإِنَّ هَذِهِ مُكَاتَبَةٌ) لِأَنَّهُ أَتَى بِتَفْسِيرِ الكِتَابَةِ، وَلَوْ قَالَ: إِذَا أَدَّيْت إِلَيَّ أَلْفًا، كُلَّ شَهْرٍ مِائَةٌ فَأَنْتَ حُرٌّ، فَهَذِهِ مُكَاتَبَةٌ فِي رِوَايَةِ أَبِي سُلَيْمَانَ لِأَنَّ التَّنْجِيمَ يَدُلُّ عَلَى الوُجُوبِ وَذَلِكَ بِالكِتَابَةِ.
كتابته بالإجماع.
قوله: (حتى لو أدى عنه) أي: عن الصغير غير المميز، وقيل مولاه (لم يعتق)؛ لأن أداء البدل إنما يتصور في عقد منعقد لا في عقد باطل، ويرد المال على صاحبه لأنه أداه باعتبار سبب باطل.
قوله: (لأنه) أي: المولى أتى بتفسير الكتابة، وفي الكافي: صح استحسانًا، والقياس أن لا يصح؛ لأن ذكر النجوم فضل في الكتابة عندنا، وجود ذكرها كعدمها، فبقي قوله: قد جعلت عليك ألف درهم، وهو بظاهره ضريبة، وقوله: إن أدَّيتَ فأنت حر، هو تعليق.
وجه الاستحسان أن العبرة في العقود للمعاني، ألا ترى أن المضاربة بشرط الربح كله لرب المال بضاعة، وبشرطه الضمان إقراض، وقد وجد معنى الكتابة هنا؛ لأن معنى الكتابة سنة وعادة، هذا وعند الإطلاق يصح فعند التفسير أولى.
ولا بد من ذكر قوله: فإن أديت فأنت حر، هنا بخلاف قوله: كاتبتك، فإن الاحتمال ينعدم هاهنا إذ موجب الكتابة العتق عند الأداء صرح بقوله: إن أديت فأنت حُرٌّ ولم يصرح، وأما قوله: إن عجزت فأنتَ رقيق، فضل غير محتاج إليه لا هنا ولا في قوله: كاتبتك، وإنما ذكره للتفسير، وحث العبد على أداء المال عند النجوم، كذا في الجامع الصغير لشمس الأئمة السرخسي.
قوله: (لأن التنجيم يدل على الوجوب)؛ إذ التنجيم يستعمل للتيسير، وذا إنما يكون عند الوجوب؛ لأن المولى لا يستوجب على عبده دينا إلا في
стр. 6058
وَفِي نُسَخِ أَبِي حَفْصٍ: لَا تَكُونُ مُكَاتَبَةٌ اعْتِبَارًا بِالتَّعْلِيقِ بِالأَدَاءِ مَرَّةً.
قَالَ: (وَإِذَا صَحَّتْ الكِتَابَةُ: خَرَجَ المُكَاتَبُ عَنْ يَدِ المَوْلَى، وَلَمْ يَخْرُجْ عَنْ مِلْكِهِ) أَمَّا الخُرُوجُ مِنْ يَدِهِ: فَلِتَحْقِيقِ مَعْنَى الكِتَابَةِ، وَهُوَ الضَّمُّ فَيَضُمُّ مَالِكِيَّةَ يَدِهِ إِلَى مَالِكِيَّةِ نَفْسِهِ، أَوْ لِتَحْقِيقِ مَقْصُودِ الكِتَابَةِ، وَهُوَ أَدَاءُ البَدَلِ فَيَمْلِكُ البَيْعَ وَالشَّرَاءَ وَالخُرُوجَ إِلَى السَّفَرِ وَإِنْ نَهَاهُ المَوْلَى، وَأَمَّا عَدَمُ الخُرُوجِ عَنْ مِلْكِهِ: فَلِمَا رَوَيْنَا، وَلِأَنَّهُ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ، وَمَبْنَاهُ عَلَى المُسَاوَاةِ، وَيَنْعَدِمُ ذَلِكَ بِتَنَجَّزِ العِتْقِ، وَيَتَحَقَّقُ بِتَأَخُرِهِ، لِأَنَّهُ يَثْبُتُ لَهُ نَوْعُ مَالِكِيَّةٍ وَيَثْبُتُ لَهُ فِي الذِّمَّةِ حَقٌّ مِنْ وَجْهِ … ... … ... … ..
الكتابة، فعرف أن المولى قصد بالتنجيم إيجاب المال بطريق الكتابة، كذا ذكره شيخ الإسلام.
قوله: (وفي نسخ أبي حفص) أي: روايته: (لا تكون مكاتبة)، قال فخر الإسلام في مبسوطه: وهو الأصح؛ لأن التنجيم ليس من خصائص الكتابة حتى يجعل تفسيرًا للكتابة؛ لأن الكتابة تخلو من التنجيم فيكون إذنا لا كتابةً، كما لو قال: إذا أديت ألفًا في هذا الشهر فأنت حر.
قوله: (ولم يخرج عن ملكه)، يحترز عن قول ابن عباس بأن عَتَقَ بمجرد العقد كما ذكرنا.
قوله: (والخروج إلى السفر وإن نهاه المولى)، وبه قال أحمد، والشافعي في قول، وقال في قول: لا يخرج إلى السفر بغير إذن السيد، وهو قول مالك.
وفصل بعض أصحاب الشافعي فقال: إن كان السفر طويلا لا يخرج بغير إذن السيد لتضرر السيد به، وإن كان قصيرا يخرج.
وقلنا: مقصود المولى من إثبات المالكية له بالعقد أن يتمكن من أداء البدل، وربما لا يتمكن من الأداء إلا بالخروج للسفر.
وقوله: (لما روينا)، إشارة إلى قوله: «المُكاتب عبد ما بَقِيَ عَلَيهِ درهم» (١)، وذلك أي: المساواة على تأويل التساوي.
قوله: (ويثبت له في الذمة حق من وجه)، يعني أصل البدل يجب للمولى
стр. 6059
(فَإِنْ أَعْتَقَهُ عَتَقَ بِعِتْقِهِ) لِأَنَّهُ مَالِكُ لِرَقَبَتِهِ وَسَقَطَ عَنْهُ بَدَلُ الكِتَابَةِ لِأَنَّهُ مَا التَزَمَهُ إِلَّا مُقَابَلًا بِحُصُولِ العِتْقِ بِهِ وَقَدْ حَصَلَ دُونَهُ. قَالَ: (وَإِذَا وَطِئَ المَوْلَى مُكَاتَبَتَهُ: لَزِمَهُ العُقْرُ) لِأَنَّهَا صَارَتْ أَخَصَّ بِأَجْزَائِهَا تَوَسُّلًا إِلَى المَقْصُودِ بِالْكِتَابَةِ، وَهُوَ الوُصُولُ إِلَى البَدَلِ مِنْ جَانِبِهِ وَإِلَى الحُرِّيَّةِ مِنْ جَانِبِهَا بِنَاءً عَلَيْهِ، وَمَنَافِعُ البُضْعِ مُلْحَقَةٌ بِالأَجْزَاءِ وَالأَعْيَانِ (وَإِنْ جَنَى عَلَيْهَا أَوْ عَلَى وَلَدِهَا لَزِمَتْهُ الجِنَايَةُ) لِمَا بَيَّنَّا … .
في ذمته بنفس العقد، ولكنه ضعيف لا يتم ملكه فيه إلا بالقبض؛ لأن ثبوته في ذمته مع المنافي إذ المولى لا يستوجب على عبده دينا، ولهذا لا تصح الكفالة به، فيثبت للعبد بمقابلته مالكية ضعيفة أيضًا، فإذا تم الملك للمولى بالقبض تم المالكية للعبد، وتمام مالكيته لا يكون إلا بالعتق فيعتق لضرورة إتمام المالكية.
(فإن أعتقه)، أي: قبل أداء البدل (عتق)؛ لأنه مالك لرقبته.
قوله: (لزمه العقر)، وبه قال الشافعي، وقال مالك: لا عقر عليه، وقال أحمد: أن يثبت على المكاتبة أن يطأها لا عقر عليه، وإلا يجب ويؤدب لا وطء حرام، وعن الحسن البصري أنه قال: يجب الحدّ، لا وطء في غير ملكه (١).
وعندنا والشافعي إذا شرط وطأها تفسد الكتابة، وعند مالك يفسد الشرط ويصح العقد، وعند أحمد يصح العقد؛ لأنه شرط منفعتها مع بقاء ملكها فصار كما لو شرط خدمتها شهرا.
وقلنا: هو شرط على خلاف مقتضى العقد إذ مقتضى العقد أن يكون أخص بمكاسبها وأجزائها ليتوسل (٢) إلى المقصود بالعقد وهو العتق بأداء البدل، ومنافع البضع ملحقة بالأجزاء فيكون شرطًا على خلاف مقتضاه فيكون مفسدا؛ لأن فيه نفعا لأحد العاقدين.
قوله: (بناء عليه) أي: على الوصول إلى البدل.
وقوله: (لما بينا)، إشارة إلى قوله: (لأنها صارت أخص بأجزائها)؛ إذ لو لم يجعل كذلك لأتلفها المولى على تأويل أنه ملكه فلا يحصل مقصود العقد.
стр. 6060
(وَإِنْ أَتْلَفَ مَالًا لَهَا غَرِمَ) لِأَنَّ المَوْلَى كَالأَجْنَبِي فِي حَقِّ أَكْسَابِهَا وَنَفْسِهَا، إِذْ لَوْ لَمْ يُجْعَلْ كَذَلِكَ لَأَتْلَفَهُ المَوْلَى فَيَمْتَنِعُ حُصُولُ الغَرَضِ المُبْتَغَى بِالعَقْدِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
فَصْلٌ فِي الكِتَابَةِ الفَاسِدَةِ
قَالَ: (وَإِذَا كَاتَبَ المُسْلِمُ عَبْدَهُ عَلَى خَمْرٍ، أَوْ خِنْزِيرٍ، أَوْ عَلَى قِيمَةِ نَفْسِهِ: فَالْكِتَابَةُ فَاسِدَةٌ) أَمَّا الأَوَّلُ: فَلِأَنَّ الخَمْرَ وَالخِنْزِيرَ لَا يَسْتَحِقُّهُ الْمُسْلِمُ، لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَالٍ فِي حَقِّهِ، فَلَا يَصْلُحُ بَدَلًا فَيَفْسُدُ العَقْدُ.
وَأَمَّا الثَّانِي: فَلِأَنَّ القِيمَةَ مَجْهُولَةٌ قَدْرًا وَجِنْسًا وَوَصْفًا، فَتَفَاحَشَتْ الجَهَالَةُ، وَصَارَ كَمَا إِذَا كَاتَبَ عَلَى ثَوْبٍ أَوْ دَابَّةٍ،
فَصْلٌ فِي الْكِتَابَةِ الْفَاسِدَةِ
قوله: (فالكتابة فاسدة)، ولا يعلم فيه خلاف للأئمة الثلاثة.
وفي المبسوط: ويجب عليه قيمته، أي قيمة نفسه (١).
قوله: (فلأن القيمة مجهولة)، أي: جنسًا وقدرًا لأنها تارة تكون من الدراهم، وتارة من الدنانير، ويختلف مقدارها باختلاف المقومين، (ووصفا) أيضًا باعتبار صفة الدراهم.
قوله: (كما إذا كاتب على ثوب أو دابة) حيث تفسد الكتابة، والأصل أن ما صلح مهرًا في النكاح صلح بدلًا في الكتابة؛ لأنها مبادلة مال بما ليس بمال، إذ البدل في الحال مقابل بفك الحجر وهو ليس بمال فصار كالنكاح.
فإن قيل: لو كاتبه على عبد يصح، وبه قال مالك، خلافًا للشافعي وأحمد، ويجب عليه قيمة عبد وسط، حتى لو أتى بالعبد الوسط أو قيمته يجبر المولى على القبول، وإن كانت القيمة تجب بهذه التسمية فينبغي أن يجوز إذا صرح بالقيمة.
قلنا: بتسمية العبد تجب القيمة ضمنًا وحكما لا قصدًا؛ لأنه نص على