وَالجِنْسِ)؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا يَصِيرُ دَيْنًا فِي الذِّمَّةِ إِذَا صَارَ مَبِيعًا، وَإِنَّمَا يَصِيرُ مَبِيعًا عِنْدَ الأَجَلِ كَمَا فِي السَّلَمِ.
قَالَ (وَلَيْسَ لِلْمُسْتَأجِرِ أَنْ يَمْنَعَ زَوْجَهَا مِنْ وَطْئِهَا)؛ لِأَنَّ الوَطْءَ حَقُّ الزَّوْجِ فَلَا يَتَمَكَّنُ مِنْ إِبْطَالِ حَقِّهِ؛ أَلَا تَرَى أَنَّ لَهُ أَنْ يَفْسَخَ الإِجَارَةَ إِذَا لَمْ يَعْلَمْ بِهِ صِيَانَةٌ لِحَقِّهِ،
قوله: (ليس للمستأجر أن يمنع زوجها)، وبه قال الشافعي، وأحمد، وقال مالك: ليس له وطؤها إلا برضى المستأجر لأنه ينقص اللبن وقد يقطعه بالحبل.
وقلنا: الولي مستحق له قبل العقد بعقد النكاح وعقد النكاح باق فيبقى ما كان حقا له ولا يسقط لأمر مشكوك.
قوله: (إذا لم يعلم به)، أي: بعقد الإجارة.
وفي المبسوط: أجرت نفسها للإرضاع بغير إذن الزوج، وللزوج أن يفسخ الإجارة، وبه قالت الأئمة الثلاثة، وعند الشافعي في وجه: لا يصح العقد بغير رضاه، وبه قال أحمد.
ولو زوج بعد عقد الإجارة له الفسخ بالإجماع.
وقيل: إن كان الزوج ممن يشينه أن تكون امرأته ظئرا فله الفسخ لدفع الضرر عن نفسه، وإلا لا يكون له الفسخ، والأصح أن له فسخ ذلك في الوجهين؛ لأنها إن كانت مرضعة في بيت أبويه فللزوج منعها عن الخروج عن منزله، ولأنها في الإرضاع والسهر بالليل تتعب، وذلك ينقص من جمالها، وجمالها حق الزوج، وكان له أن يمنعها من الإضرار به، ففي حقه أولى، كما يمنعها من التطوعات (١).
وهذا إذا كان زوجها معروفًا فلو كان مجهولاً لا يعرف أنها امرأته إلا بقولها فليس له الفسخ؛ لأن العقد قد لزمها وقولها غير مقبول في حق المستأجر، ولأنه يمكن تهمة المواضعة مع هذا الرجل وهو نظير المنكوحة إذا كانت مجهولة الحال فأقرت بالرق على نفسها لا تصدق في إبطال النكاح.
стр. 5987
إِلَّا أَنَّ المُسْتَأْجِرَ يَمْنَعُهُ عَنْ غِشْيَانِهَا فِي مَنْزِلِهِ؛ لِأَنَّ المَنْزِلَ حَقَّهُ (فَإِنْ حَبِلَتْ كَانَ لَهُمْ
قوله: (كان لهم) (١)، أي: لأولياء الصبي أن يفسخوا، وكذا إذا مرضت أيضًا لهم أن يفسخوا الإجارة، فالحاصل أن العقد لازم من الجانبين، إلا أن الإجارة تفسخ بالعذر عندنا.
ثم من العذر لهم أن لا يأخذ الصبي من لبنها، وكذا إذا كانت سارقة فيخافون على متاعهم، وكذا إذا تقيأ الصبي لبنها، وكذا إذا كانت فاجرة بينا فجورها لأنها تشتغل بالفجور، وتنتقص من قيامها بمصالح الصبي.
وهذا بخلاف ما لو كانت كافرة حيث لا يكون عذرًا في الفسخ؛ لأن كفرها في اعتقادها، ولا يضر ذلك بالصبي، ولا يبعد أن يقال: عيب الفجور في هذا فوق عيب الكفر؛ لما أن في بعض نساء الرسل كانت كافرة؛ كامرأة نوح، وامرأة لوط، وما بغت امرأة نبي قط، هكذا قاله النبي ﵊ (٢)، وكذا لو أرادوا السفر فتأبى الخروج معهم فهو عذر.
وأما عذرها فمرض يصيبها لا تستطيع معه الإرضاع، وكذا إن لم تكن معروفة بالظؤورة فلها أن تفسخ؛ لأنها ربما لا تعرف عند ابتداء ما تبتلى به من المقاساة والسهر، فإذا جربت ذلك تضررت، وكذا إذا لم يكفوا عن إيذائها بألسنتهم كان لها الفسخ، كذا في المبسوط (٣).
ولو استأجر امرأته ليرضع ولده منها لا يجب الأجر، وبه قال الشافعي، والقاضي الحنبلي، وقال مالك وأحمد: يجوز؛ لأن كل عقد يصح أن يعقد مع غيره يصح أن يعقده مع زوجه كالبيع، ولأن منافعها في الرضاع والحضانة غير مستحقة للزوج، ولهذا لا يملك إجبارها على الإرضاع والحضانة فيجوز أخذ العوض عنها منه كما يجوز من غيره.
стр. 5988
أَنْ يَفْسَخُوا الإِجَارَةَ إِذَا خَافُوا عَلَى الصَّبِيِّ مِنْ لَبَنِهَا)؛ لِأَنَّ لَبَنَ الحَامِلِ يُفْسِدُ الصَّبِيَّ، وَلِهَذَا كَانَ لَهُمْ الفَسْخُ إِذَا مَرِضَتْ أَيْضًا (وَعَلَيْهَا أَنْ تُصْلِحَ طَعَامَ الصَّبِيِّ)؛
وقلنا: إن ذلك مستحق عليها ديانة، قال تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٣]، وإن كانت لا تجبر على ذلك فلا تستوجب الأجر، كما لو استأجرها لكنس البيت، أو الطبخ، أو الغسل وغير ذلك، كذا في المبسوط (١).
وحكي عن الشافعي أنه قال: استحق حبسها والاستمتاع بها بعوض، فلا يجوز أن يلزمه عوض آخر، كذلك ورد بأن الاستمتاع بها في غير الحضانة، واستحقاق منفعة من وجه لا يمنع استحقاقها سواها بعوض آخر، كما لو استأجرها أولا ثم تزوجها.
وفي المبسوط: ولو استأجرها لإرضاع ولدها منه بمال الولد وللولد مال صح في رواية ابن رستم عن محمد، ويكون لها الأجر في مال الولد (٢).
وبعض المشايخ أخذوا بهذه الرواية؛ لأن الإرضاع بمنزلة النفقة، ونفقة الصغير تجب في ماله إذا كان له مال.
ولو استأجرها لإرضاع ولده من غيرها بغير خلاف وكان لها الأجر؛ لأن ذلك غير مستحق عليها ديانة، ولو استأجر خادمها ليرضع ولده منها لا يجب الأجر، ولو استأجر مكاتبتها جاز، ولو أرضعت خادمة الظئر الصبي فلها الأجر؛ لأنه لم يشترط الإرضاع بثديها، وهذا كمن استأجر قصارا أو خياطا ولم يشترط العمل بنفسه فعمل بغيره يستحق الأجر، كذا هذا، بخلاف ما لو شرط الإرضاع بنفسها، كذا في الذخيرة، وفتاوى قاضي خان (٣).
وقال أحمد وأبو ثور: لا أجر لها؛ لأنها لم ترضعه، فصار كما لو سقته لبن الغنم، ويجوز استئجار أمه، وأخته وابنته لرضاع ولده، وكذا سائر أقاربه بلا خلاف.
стр. 5989
لِأَنَّ العَمَلَ عَلَيْهَا. وَالحَاصِلُ أَنَّهُ يُعْتَبَرُ فِيمَا لَا نَصَّ عَلَيْهِ العُرْفُ فِي مِثْلِ هَذَا البَابِ، فَمَا جَرَى بِهِ العُرْفُ مِنْ غَسْلِ ثِيَابِ الصَّبِيِّ وَإِصْلَاحِ الطَّعَامِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، فَهُوَ عَلَى الظُّفْرِ أَمَّا الطَّعَامُ فَعَلَى وَالِدِ الوَلَدِ، وَمَا ذَكَرَ مُحَمَّدٌ: أَنَّ الدُّهْنَ وَالرَّيْحَانَ عَلَى الظُّفْرِ فَذَلِكَ مِنْ عَادَةِ أَهْلِ الكُوفَةِ.
(وَإِنْ أَرْضَعَتْهُ فِي المُدَّةِ بِلَبَنِ شَاةٍ: فَلَا أَجْرَ لَهَا)؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَأْتِ بِعَمَلٍ مُسْتَحَقٌ عَلَيْهَا، وَهُوَ الإِرْضَاعُ، فَإِنَّ هَذَا إِيجَارٌ وَلَيْسَ بِإِرْضَاعِ، وَإِنَّمَا لَمْ يَجِبْ الْأَجْرُ … ... .
قوله: (يعتبر فيما لا نص عليه العرف)، يعني الأصل أن الإجارة إذا وقعت على عمل فما كان من توابع ذلك العمل ولم يشترط في الإجارة على الأجير فالمرجع فيه العرف، فكل عمل راجع إلى منفعة الصبي على الظئر؛ كالحضانة، وغسل ثيابه، وبه قالت الأئمة الثلاثة، وعن الشافعي في وجه: لا يلزمها.
قوله: (ولو أرضعته بلبن الشاة لا أجر لها)، وبه قالت الأئمة الثلاثة.
قوله: (لأنها لم تأت بعمل مستحق عليها)، وهو الإرضاع، يعني لا باعتبار أن المعقود عليه اللبن وهو العين بدليل أن الصبي لو أوجر بلبن الظئر في المدة لا تستحق الأجر، فعلم أن المستحق هو الإرضاع والعمل دون العين، كذا في الأوضح.
وهذا هو العذر الموعود قبله بقوله: (وسنبين عن الإرضاع) إلى آخره (١).
قال شيخي صاحب النهاية ﵀: يجوز أن يكون هذا الحكم غير مُسَلَّمٍ عند شمس الأئمة.
فإن قيل: ذكر في المبسوط: لو ضاع الصبي في يدها، أو وقع فمات، أو سرق من حلي الصبي، أو من متاعه وثيابه في يدها لم تضمن الظئر؛ لأنها بمنزلة الأجير الخاص لورود العقد على منافعها في المدة، بخلاف الأجير المشترك على قول من يضمنه (٢).
وذكر في الذخيرة: لو أجرت الظئر نفسها من قوم آخرين ترضع صبيا لهم
стр. 5990
لِهَذَا المَعْنَى أَنَّهُ اخْتَلَفَ العَمَلُ.
ولا يعلم بذلك أهلها الأولون حتى يفسخوها، فأرضعت كل واحد منهما وفرغت فقد أثمت، وهذه جناية منها، ولها الأجر كاملا على الفريقين.
وهذه تدل على أنها الأجير المشترك، وإلا لما وجب الأجر كاملا، ولو وجب الأجر كما ينبغي أن لا تأثم.
قلنا: الوجه أن الأجير الوحد في الرضاع يشبه الأجير المشترك من حيث إنه يمكنه إيفاء العمل لكل واحد منهما كما في الخياط، ثم لو كانت أجير وحد حقيقة لم تستحق الأجر كاملا، فلشبهها بالأجير المشترك تستحق الأجر كاملا، ولشبهها بالأجير الوحد تأثم، كذا قرره شيخي صاحب النهاية.
وقوله: (لأنه اختلف العمل)، بدل من قوله: (لهذا المعنى)، أي: إنما لم يجب الأجر لاختلاف المعنى.
الوجور: الدواء (١) الذي يصب في وسط الفم، يقال: أوجرته، ووجرته.
ولو استأجر رجلًا ليقتل قاتل وليه قصاصًا لم يجز عندهما، وعند محمد يجوز، وبه قال الشافعي، ومالك، وأحمد، وأبو ثور؛ لأنه عمل معلوم فصار كذبح الشاة، أو كاستيفاء القصاص في الطرف.
ولهما أنه لا تعارف فيه، وجواز الإجارة بالتعارف، ذكره في الكافي.
وفي المغني لابن قدامة: أبو حنيفة لا يجوز الإجارة لاستيفاء القصاص في النفس لأن عدد الضربات يختلف، وموضع [الضربات] (٢) غير متعين؛ إذ يمكن أن يضرب مما يلي الرأس، ومما يلي الكتف فكان مجهولا (٣).
ويجيب عنه ويبطل قوله بخياطة الثوب فإن عدد الغرزات مجهول.
وقوله: ومحله غير متعين أنه متقارب فلا يمنع صحته؛ كموضع الخياطة من الحاشية، هكذا ذكره، لكن هذا الذي قاله ما نقل عنه، بل المنقول ما قلنا.
стр. 5991
قَالَ: (وَمَنْ دَفَعَ إِلَى حَائِكِ غَزْلًا لِيَنْسِجَهُ بِالنِّصْفِ: فَلَهُ أَجْرُ مِثْلِهِ. وَكَذَا إِذَا اسْتَأْجَرَ حِمَارًا يَحْمِلُ عليه طَعَامًا بِقَفِيزِ مِنهُ: فَالإِجَارَةُ فَاسِدَةٌ)؛ لِأَنَّهُ جَعَلَ الْأَجْرَ بَعْضَ مَا يَخْرُجُ مِنْ عَمَلِهِ فَيَصِيرُ فِي مَعْنَى قَفِيزِ الطَّحَانِ، وَقَدْ نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْهُ، وَهُوَ: أَنْ يَسْتَأْجِرَ ثَوْرًا لِيَطْحَنَ لَهُ حِنْطَةٌ بِقَفِيرٍ مِنْ دَقِيقِهِ.
قوله: (ومن دفع إلى حائك) إلى قوله: (من دقيقه)، أي من دقيق الحنطة على تأويل البر، وفي بعض النسخ: (دقيقها).
(وكذا لو استأجر رجلًا (١) ليحمل طعامًا بقفيز منه)، أي: من الطعام المحمول فالإجارة فاسدة، ذكره التمرتاشي، ولا يعلم فيه خلاف.
وفي المبسوط: حكى الحلواني عن أستاذه أبي علي النسفي أنه كان يفتي بجواز دفع الثوب إلى الحائك لينسجه بالنصف في دياره بنسف؛ لأن فيه عرفًا ظاهرًا، وكذا مشايخ بلخ يفتون بجواز هذه الإجارة في الثياب للتعامل والقياس قد يترك بالتعامل كما في الاستصناع (٢).
قال ﵀: والأصح عندي أن ما ذكره في الكتاب أصح؛ لأن هذا في معنى قفيز الطحان من كل وجه فيكون الحكم فيه ثابتًا بالنص لا بالقياس ومشايخ [الضربات] (٣) يقولون: يجوز تخصيص النص بالتعامل؛ كما خصصنا الاستصناع عن النهي الذي ورد عن بيع ما ليس عند الإنسان لا تركًا للنص أصلا؛ لأنا عملنا بالنص في غير موضع الاستصناع، فكذلك خصصنا الثياب عن النهي عن قفيز الطحان، حتى لو تعامل أهل بلدة قفيز الطحان لا يجوز.
ولكن مشايخنا لم يجوزوا هذا التخصيص لأن ذلك تعامل أهل بلدة واحدة، وبتعامل أهل بلدة واحدة لا يخص الأثر؛ لأن تعامل أهل بلدة واحدة يجوزه، وترك تعامل أهل بلدة أخرى لا يجوز فلا يثبت التخصيص بالشك، بخلاف الاستصناع فإنه وجد التعامل فيه في كل البلاد، كذا في جامع شمس الأئمة، والذخيرة (٤).
стр. 5992
وَهَذَا أَصْلٌ كَبِيرٌ يُعْرَفُ بِهِ فَسَادُ كَثِيرٍ مِنْ الإِجَارَاتِ، لَا سِيَّمَا فِي دِيَارِنَا، وَالمَعْنَى فِيهِ: أَنَّ المُسْتَأْجِرَ عَاجِزٌ عَنْ تَسْلِيمِ الأَجْرِ، وَهُوَ بَعْضُ المَنْسُوجِ أَوْ المَحْمُولِ. إِذْ حُصُولُهُ بِفِعْلِ الأَجِيرِ فَلَا يُعَدُّ هُوَ قَادِرًا بِقُدْرَةِ غَيْرِهِ، وَهَذَا بِخِلَافِ مَا إِذَا اسْتَأْجَرَهُ لِيَحْمِلَ نِصْفَ طَعَامِهِ بِالنِّصْفِ الْآخَرِ، … ... ..
والحيلة في ذلك أن يشترط صاحب الحنطة قفيزا من الدقيق الجيد، ولم يقل من هذه الحنطة؛ لأن الدقيق إذا لم يكن مضافًا إلى حنطة بعينها يجب في الذمة، ثم إذا جاز يعطيه دقيق هذه الحنطة إن شاء.
قوله: (والمعنى فيه أن المستأجر عاجز عن تسليم الأجر)؛ لأن المسمى غير مقدور التسليم عند العقد، إذ هو بعض المنسوج أو المحمول، وليس له حكم الوجود لأنه غير واجب في الذمة فكان معدومًا فيعجز عن تسليمه، وإنما يصير مقدور التسليم بفعل الغير فلا يعد قادرا قبل حصوله.
وفي مبسوط صدر الإسلام وجامعه: ومعنى النهي في قفيز الطحان ونظائره أنه جعل شرط صحة العقد بناءً على حكم العقد؛ لأنه لا يمكنه تسليمه إلا بعد العمل، وشرط العقد لا يجوز أن يكون حكم العقد لأنه خلاف وضع الشرع؛ إذ الشرط يسبقه، والحكم يعقبه.
وفي الذخيرة، والمبسوط: أن الدقيق معدوم في الحال، وليس له حكم الوجود؛ لأنه غير واجب في الذمة؛ لأنه إنما يجب في الذمة ما له وجود في العالم، والبدل في المعاملات يجب أن يكون موجودًا حقيقة كالعين، أو حكمًا كالثمن، ويجب أجر المثل إذا سلم المعقود عليه؛ لأن العامل لم يصر شريكا في العين؛ لأنه إنما شرط له قفيز محمول، وليس بمحمول في ابتداء التسليم.
(بخلاف ما لو استأجره ليحمل نصف طعامه بالنصف الآخر) إلى آخر ما ذكر في الكتاب.
وهاهنا [مسألتان] (١) أحدهما: ما إذا استأجر رجلًا ليحمل له كُرَّ حنطة إلى بغداد مثلا بنصفه كانت الإجارة فاسدة، وله أجر مثله إن بلغ بغداد، لا يجاوز قيمته نصف الكر عندنا.
стр. 5993
حَيْثُ لَا يَجِبُ لَهُ الْأَجْرُ؛ لِأَنَّ المُسْتَأجِرَ مَلَكَ الأَجِيرَ فِي الحَالِ بِالتَّعْجِيلِ فَصَارَ مُشْتَرَكًا بَيْنَهُمَا.
وَمَنْ اسْتَأْجَرَ رَجُلًا لِحَمْلِ طَعَامٍ مُشْتَرَكِ بَيْنَهُمَا لَا يَجِبُ الْأَجْرُ: لِأَنَّ مَا مِنْ جُزْءٍ يَحْمِلُهُ إِلَّا وَهُوَ عَامِلٌ لِنَفْسِهِ فِيهِ، فَلَا يَتَحَقَّقُ تَسْلِيمُ المَعْقُودِ عَلَيْهِ. قَالَ: (وَلَا يُجَاوِزُ بِالْأَجْرِ قَفِيرًا)؛
والثانية: أن يستأجره ليحمل إلى المكان المعين بنصفه ودفع إليه كله، ولا أجر له هاهنا وهي مسألة الكتاب، وهي من مسائل إجارات جامع الكبير، وذلك لأنه إذا دفع إليه كله ملكه نصفه بالتعجيل فصار طعامًا مشتركًا، ولو عقد العقد على حمل طعام مشترك بينهما كان باطلا، فكذا هاهنا، وإذ بطلت الإجارة لم يجب الأجر، بخلاف المسألة الأولى؛ لأن الحنطة صارت محمولة بعمل الأجير؛ كالدقيق يوجد بعمل الأجير، فكان في معنى قفيز الطحان فيكون فاسدًا، فيجب أجر المثل، كذا في الجامع الكبير للسرخسي، وصدر الدين الحميدي (١).
وفي الفوائد والحاصل أن العقد إن صادفت محلا غير مشترك ابتداءً وانتهاءً ينعقد جائزا، وإن صادفت محلا مشتركًا ابتداءً وانتهاء لا ينعقد أصلا، وإن صادفت محلا غير مشترك ابتداء، ومشترك انتهاء ينعقد فاسدًا، وفي الفاسد يجب أجر المثل، ففي المسألة الأولى ينعقد فاسدًا لأن المحل غير مشترك ابتداءً، وفي الثانية لا ينعقد أصلا لأنه مشترك ابتداء وانتهاء.
وفي الفوائد الظهيرية والحاصل أنه متى قال: استأجرتك لتحمل هذا الكر بنصفه لا يصير شريكا، ومتى قال: لتحمل نصف هذا الكر بنصفه الباقي يكون شركا.
قوله: (ولا يجاوز بالأجر)، أي: أجر المثل (قفيزا) عندنا، خلافًا لزفر والأئمة الثلاثة، كما في سائر الإجارات الفاسدة، وقد بيناه.
وقوله: (قفيزا) بالنصب فنصبه على قول من يُجَوِّز إسناد الفعل إلى الجار
стр. 5994
لِأَنَّهُ لَمَّا فَسَدَتْ الإِجَارَةُ فَالوَاجِبُ الأَقَلُّ مَا سَمَّى وَمِنْ أَجْرِ المِثْلِ؛ لِأَنَّهُ رَضِيَ بِحَطّ الزِّيَادَةِ، وَهَذَا بِخِلَافِ مَا إِذَا اشْتَرَكَا فِي الاحْتِطَابِ، حَيْثُ يَجِبُ الْأَجْرُ بَالِغَا مَا بَلَغَ عِنْدَ مُحَمَّدٍ؛ لِأَنَّ المُسَمَّى هُنَاكَ غَيْرُ مَعْلُومٍ فَلَمْ يَصِحَ الحَطَّ.
قَالَ: (وَمَنْ اسْتَأْجَرَ رَجُلًا لِيَخْبِزَ لَهُ هَذِهِ العَشَرَةَ المَخَاتِيمَ مِنْ الدَّقِيقِ اليَوْمَ
والمجرور مع وجود المفعول بدون الجار وهو ضعيف.
(لأنه)، أي: العامل (رضي بحط الزيادة)، أي: الزيادة على أحدهما من المسمى ومن أجر المثل، أما رضاه بالمسمى بعقده عليه، وأما رضاه بأجر المثل فإقدامه على الإجارة الفاسدة.
قوله: (فيجب الأجر بالغا ما بلغ) هذا إذا احتطب أحدهما وجمع الآخر فيجب أجر المثل لمن جمع بالغًا ما بلغ عند محمد؛ لأن المسمى غير معلوم فلا يصح الحط.
وعند أبي يوسف: لا يجاوز بأجره نصف ثمن ذلك؛ لأنه قد رضي بنصف المسمى حيث اشتركا، كما لو استأجر لحمل الحنطة بقفيز منها، وقد مرت المسألة في الشركة.
قوله: (عشرة مخاتيم)، هو جمع مختوم، وهو الصاع، ويشهد عليه حديث الخدري: «الوَسْقُ سِتُّونَ مَخْتومًا» (١)، وسمي به لأنه يجعل على أعلاه خاتم مطبوع كيلا يزاد ولا ينقص، كذا في المغرب (٢).
وفي المبسوط: المختوم والقفيز واحد ونصيب العشرة على أنها صفة
стр. 5995
بِدِرْهَمٍ: فَهُوَ فَاسِدٌ، وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ فِي الإِجَارَاتِ: هُوَ جَائِزٌ) (*)؛ لِأَنَّهُ يَجْعَلُ المَعْقُودَ عَلَيْهِ عَمَلًا وَيَجْعَلُ ذِكْرَ الوَقْتِ لِلاسْتِعْجَالِ تَصْحِيحًا لِلْعَقْدِ فَتَرْتَفِعُ الجَهَالَةُ. وَلَهُ: أَنَّ المَعْقُودَ عَلَيْهِ مَجْهُولٌ، لِأَنَّ ذِكْرَ الوَقْتِ يُوجِبُ كَوْنَ المَنْفَعَةِ مَعْقُودًا عَلَيْهَا، وَذِكْرَ العَمَلِ يُوجِبُ كَوْنَهُ مَعْقُودًا عَلَيْهِ وَلَا تَرْجِيحَ، وَنَفْعُ المُسْتَأْجِرِ فِي الثَّانِي، وَنَفْعُ الأَجِيرِ فِي الأَوَّلِ، فَيُفْضِي إِلَى المُنَازَعَةِ.
(هذه) المفعول بها، وجر (المخاتيم) على مذهب أهل الكوفة في قولهم: الثلاثة الأثواب، ونصب (اليوم) على الظرفية.
قوله: (وهذا)، أي: الفساد (عند أبي حنيفة)، وبه قال مالك، والشافعي، وأحمد، وعن أحمد مثل قولهما.
قوله: (في الإجارات: هو جائز)، وإنما قيد قولهما (في الإجارات)، أي إجارات المبسوط؛ لأنه لم يذكر قولهما في الجامع الصغير.
وفي المبسوط: قولهما استحسان، ويكون العقد على العمل؛ لأنه المقصود في الإجارات، وذكر الوقت محمول على التعجيل لا لتعليق الحق به (١)، حتى لو فرغ منه في نصف النهار كان له الأجر كاملا، ولو لم يفرغ في اليوم فعليه أن يعمله في الغد لأنه صار أجيرًا مشتركًا (٢).
قوله: (ولا ترجيح)، أي: ليس أحدهما بأولى من الآخر في الاعتبار؛ لأن كل واحد منهما يصلح معقودًا عليه في باب الإجارة، ألا ترى أنه لو استأجره ليخبز له اليوم وإن لم يبين القدر يجوز، وكذا لو استأجره ليخبز له عشرة مخاتيم بلا ذكر الوقت يجوز، وثبت أن كل واحد يصلح معقودًا عليه، فصار المعقود عليه مجهولا، وجهالته تفسد العقد؛ لأنها تفضي إلى المنازعة، فإنه إذا فرغ من العمل قبل مضي اليوم فللمستأجر أن يقول: منافعك في بقية اليوم حقي باعتبار تسمية الوقت، وأنا أستعملك.
وإذا لم يفرغ من العمل إلى آخر اليوم فللأجير أن يقول: عند مضي اليوم
стр. 5996
وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ: أَنَّهُ يَصِحُ الإِجَارَةُ إِذَا قَالَ: فِي اليَوْمِ، وَقَدْ سَمَّى عَمَلًا؛ … ... … .
قد انتهى العقد بانتهاء المدة، وإن كان العمل مقصود المستأجر فالمدة مقصود للأجير، ولا ترجيح.
فإن قيل: يشكل عليه مسألة الخياطة بطريق الترديد بإن قال: إن خُطْتَهُ اليوم فلك درهم، وإن خُطْتَهُ غدًا فلك نصف درهم؛ فإن العقد في اليوم جائز عند أبي حنيفة، على ما يجيء، فجعل ذكر اليوم هناك للتعجيل.
قلنا: نقصان الأجر للتأخير دليل أن مراده من ذكره مجازه وهو التعجيل لا حقيقته وهو التأقيت، وفي مسألتنا لم يقم دليل على التعجيل، فيحمل على حقيقته وهو التأقيت، فيصير المعقود عليه مجهولاً.
وهذا كما لو استأجره ليخبز له هذه العشرة المخاتيم على أن يفرغ منه اليوم تجوز هذه الإجارة بالإجماع؛ لما أن اليوم في مسألة الفراغ ما ذكر مقصودا، وإنما ذكره لإثبات صفة في العمل وهو التعجيل، والصفة تابعة للموصوف غير مقصود بالعقد.
ألا ترى لو اشترى عبدًا على أنه خباز ولم يكن، لم يكن الخبز معقودًا عليه حتى لا يقابله شيء من الثمن؛ لأنه صفة كذا، هذا وفي مسألتنا اليوم ذكر قصدًا.
وأما قولهما: أن ذكر اليوم للتعجيل، فيه نظر لأن أغراض الناس ورغباتهم مختلفة، قد يكون غرضهم التعجيل، وقد يكون العقد على المنفعة وهو حقيقته، والأجر مجاز، فلا يصار إليه عند إمكان العمل بالحقيقة.
وقيل: الضابط للفرق بين ذكر الوقت للاستعجال، وبين ذكره لبيان الوقت أن الجمع المفسد بين الوقت والعمل إذا ذكرهما قبل ذكر الأجر، أما إذا ذكر أحدهما وذكر الآخر معه حتى يتم العقد، ثم ذكر الباقي لا يفسد العقد؛ لأن العقد لما تم بذكر الأجر كأن ذكر الباقي بعده إما لتعيين العمل، أو للتعجيل فلم يفسد العقد.
أما لو جمع بينهما قبل تمام العقد بذكر الأجر صلح كل واحد منهما معقودًا فيفسد لجهالة المعقود عليه، كذا في المبسوط، والذخيرة،
стр. 5997
لِأَنَّهُ لِلظَّرْفِ فَكَانَ المَعْقُودُ عَلَيْهِ العَمَلَ، بِخِلَافِ قَوْلِهِ: «اليَوْمَ» وَقَدْ مَرَّ مِثْلُهُ فِي الطلاق.
قَالَ: (وَمَنْ اسْتَأْجَرَ أَرْضًا عَلَى أَنْ يَكْرِبَهَا وَيَزْرَعَهَا، أَوْ يَسْقِيَهَا وَيَزْرَعَهَا: فَهُوَ جَائِز)؛ لِأَنَّ الزِّرَاعَةَ مُسْتَحَقَّةٌ بِالعَقْدِ، وَلَا تَتَأَنَّى الزِّرَاعَةُ إِلَّا بِالسَّقْيِ وَالكِرَابِ. فَكَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُسْتَحَقًّا. وَكُلُّ شَرْطٍ هَذِهِ صِفَتُهُ يَكُونُ مِنْ مُقْتَضَيَاتِ العَقْدِ فَذِكْرُهُ لَا يُوجِبُ الفَسَادَ (فَإِنْ اشْتَرَطَ أَنْ يَثَنِيَهَا أَوْ يَكْرِيَ أَنْهَارَهَا أَوْ يُسَرْقِنَهَا: فَهُوَ فَاسِدٌ)؛ لِأَنَّهُ يَبْقَى أَثَرُهُ بَعْدَ انْقِضَاءِ المُدَّةِ، وَأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ مُقْتَضَيَاتِ العَقْدِ، وَفِيهِ مَنْفَعَةٌ لِأَحَدِ
وشروح الجامع الصغير (١).
قوله: (لأنه للظرف)، أي: لأن اليوم للظرف لا للمدة، فكان المعقود عليه العمل.
(بخلاف قوله: اليوم)؛ لأنه للمدة؛ لأنه بدون (في) يستغرق جميع [الظرف] (٢)، وكانت المنفعة مستغرقة جميع الوقت فيكون أجير واحد، وأما نفي للظرف والعمل لا يستغرق جميع الظرف فيكون المعقود عليه نفس العمل فيكون أجير مشترك.
(وقد مر مثله في الطلاق)، أي: في مسألة: أنت طالق غدا وفي غد.
قوله: (وقيل أن يَكْرِبَهَا) إلى آخره، يقال: كَرَبَ الأرض كرابًا قلبها للحرث، من باب طلب وقيد بالكراب مرة والمدة سنة؛ لأنه إذا شرط الكراب مرتين لا يكون هذا الشرط مفسدًا لكونه من مقتضيات العقد، وكذا لو كانت تخرج بالكراب مرة، إلا أن مدة الإجارة كانت سنتين لا يفسد العقد؛ لأن منفعته تبقى سنة دون سنتين فلا يكون هو شرطًا فيه يقع لصاحب الأرض فيجوز.
وذكر أبو الليث عن مشايخنا أنهم قالوا: هذا الجواب في بلادهم، أما في بلاد الحضرة تجوز المزارعة بهذا الشرط؛ لأن منفعة التثنية في بلاد الحضرة لا تبقى بعد انقضاء المدة فإن الأرض وإن كرب مرارًا قلما تبقى منفعتها إلى العام
стр. 5998
المُتَعَاقِدَيْنِ. وَمَا هَذَا حَالُهُ يُوجِبُ الفَسَادَ؛ لِأَنَّ مُؤَخِّرَ الْأَرْضِ يَصِيرُ مُسْتَأْجِرًا مَنَافِعَ الأجِيرِ عَلَى وَجْهِ يَبْقَى بَعْدَ المُدَّةِ، فَيَصِيرُ صَفْقَتَانِ فِي صَفْقَةٍ وَاحِدَةٍ وَهِيَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ. ثُمَّ قِيلَ: المُرَادُ بِالتَّثْنِيَةِ أَنْ يَرُدَّهَا مَكْرُوبَةٌ وَلَا شُبْهَةَ فِي فَسَادِهِ. وَقِيلَ: أَنْ يَكْرِبَها مَرَّتَيْنِ، وَهَذَا فِي مَوْضِعِ تُخْرِجُ الأَرْضُ الرِّيعَ بِالكِرَابِ مَرَّةً وَاحِدَةٌ، وَالمُدَّةُ سَنَةٌ وَاحِدَةٌ، وَإِنْ كَانَتْ ثَلَاثَ سِنِينَ لَا تَبْقَى مَنْفَعَتُهُ، وَلَيْسَ المُرَادُ بِكَرْيِ الْأَنْهَارِ الجَدَاوِلَ بَلْ المُرَادُ مِنْهَا: الأَنْهَارُ العِظَامُ، هُوَ الصَّحِيحُ؛ لِأَنَّهُ تَبْقَى مَنْفَعَتُهُ فِي العَامِ القَابِلِ. قَالَ: (وَإِنْ اسْتَأْجَرَهَا لِيَزْرَعَهَا بِزِرَاعَةِ أَرْضِ أُخْرَى: فَلَا خَيْرَ فِيهِ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: هُوَ جَائِزٌ،
الثاني (١).
وقوله: (هو الصحيح)، احتراز عن قول من قال: المراد بالأنهار الجداول.
وقلنا: والصحيح أن المراد الأنهار العظام؛ لأنه تبقى منفعته إلى العام القابل، وذلك لأن اسم الأنهار مطلقًا يتناول الجداول، ومنفعة كري الجداول لا تبقى إلى العام القابل كذا ذكره المحبوبي، فكان المستأجر هو المنتفع بالجداول خاصة، وهو واجب على المستأجر بدون الشرط، فكان شرطًا يقتضيه العقد فلا يفسد به.
قوله: (لا خير فيه)، أي: لا يجوز أصلا.
قوله: (وقال الشافعي: هو جائز)، اختلف جنس المنفعة، أو اتفق، وبه قال مالك وأحمد؛ لأن المنافع كالأعيان عنده، ومبادلة العين بالعين بجنسه، أو بخلاف جنسه صحيحة عند المساواة، ولهذا تصح الإجارة ببدل دين، ولو لم يكن في حكم العين لكان بيع الدين بالدين، وكذا السكنى بالخدمة تجوز ولم يجعل دينا بدين، فكذا إذا قوبل بجنسه.
ولنا أن مبادلة الشيء بجنسه لا يجوز؛ لأن الجنس بانفراده يُحَرِّم النساء.
وفي المبسوط: لنا في المسألة طريقان أحدهما: هو المنقول عن محمد أن مبادلة السكنى بالسكنى كبيع القوهي بالقوهي نساءً.
стр. 5999
وَعَلَى هَذَا إِجَارَةُ السُّكْنَى بِالسُّكْنَى وَاللُّبْسِ بِاللُّبْسِ وَالرُّكُوبِ بِالرُّكُوبِ. له: أَنَّ المَنَافِعَ بِمَنْزِلَةِ الأَعْيَانِ حَتَّى جَازَتْ الإِجَارَةُ بِأَجْرَةِ دَيْنِ، وَلَا يَصِيرُ دَيْنَا بِدَيْنِ، وَلَنَا: أَنَّ الجِنْسَ بِانْفِرَادِهِ يُحَرِّمُ النَّسَاءَ عِنْدَنَا، فَصَارَ كَبَيْعِ القُوهِيِّ بِالقُوهِيِّ نَسِيئَةٌ وَإِلَى هَذَا أَشَارَ مُحَمَّدٌ، وَلِأَنَّ الإِجَارَةَ جُوِّزَتْ بِخِلَافِ القِيَاسِ لِلْحَاجَةِ وَلَا حَاجَةَ عِنْدَ اتِّحَادِ
والثاني: أن جواز عقد الإجارة للحاجة، ولا حاجة في مبادلة المنفعة بجنسها؛ لأنه كان متمكنا من السكنى قبل ذلك العقد، فلا يحصل بالعقد إلا ما كان متمكنا منه باعتبار ملكه، والكمال من باب الفضول، والإجارة ما شرعت لابتغاء الفضول، فأما في اختلاف الجنس فالحاجة متحققة فيجوز (١).
قوله: (وإلى هذا أشار محمد)، وهو ما حكي أن ابن سماعة كتب من بلخ إلى محمد وقال: لم لا يجوز إجارة سكنى دار بسكنى دار؟
فكتب محمد في جوابه: إنك أطلت الفكرة، وجالست الحنائي وكانت منك زلة، أما علمت أن إجارة سكنى دار بسكنى دار كبيع قوهي بقوهي نساء، والحنائي مُحدّث ينكر الخوض على ابن سماعة في هذه المسائل، ويقول: لا برهان لكم عليها، كذا في جامع فخر الإسلام.
والقوهي: ثوب منسوب إلى قوهستان كورة من كور فارس، والكورة المدينة.
فإن قيل: النساء ما يكون مشروطًا في العقد، والأجل هاهنا غير مشروط، كيف والمنافع في حكم الأعيان دون الديون، وإلا نجز في مختلفي الجنس لأن الدين بالدين حرام، وقد نهى النبي ﵊ عن بيع الكالئ بالكالي (٢).
ولأن النساء إنما حرم في الجنس لأن النقد خير من النسيئة، وهاهنا لا
стр. 6000
الجِنْسِ، بِخِلَافِ مَا إِذَا اخْتَلَفَ جِنْسُ المَنْفَعَةِ.
فضل إذ العدم في البدلين على نمط واحد.
قلنا: لما كان المعقود عليه ما يحدث من المنفعة في المدة، ولا يتصور حدوثه جملة، لكن يكون ذلك شيئًا فشيئًا، فكان هذا بمنزلة اشتراط الأجل وأبلغ منه؛ فإن المطالبة بالتسليم تتأخر بالأجل، فكذا المطالبة بتسليم جميع المعقود عليه تتأخر إلى حدوث المنفعة، وهذا أبلغ من ذلك؛ لأن بالأجل يتأخر انعقاد العقد، وهاهنا يتأخر الانعقاد في حق المعقود عليه، وهذا ليس بدين حقيقةً لأن الدين ما ثبت في الذمة، والمنافع لا تثبت دينا في الذمة، والمحرم الدين بالدين، ولهذا أقمنا المنفعة التي يصحبها النِّسَاء حالة العقد مقام المعقود عليه إذ لا بد لعقد المعاوضة من المعقود عليه، فأقمنا العين مقام المنفعة فيما لم تصحبها الباء ضرورة صحة العقد، فكان بمنزلة بيع العين نساء بخلاف جنسه.
ونحن نسلم أن العدم في البدلين على نمط واحد، إلا أن في المنصوص يتعلق الحكم بعينه لا بعلته؛ فإنه ﵊ قال: «إِذَا اخْتَلَفَ النَّوْعَانِ فَبِيعُوا كيفَ شِئْتُم بعد أن يكون يدًا بِيَدٍ» (١)، فتكون الحرمة فيما إذا لم يكن يدا بيد بالنص لا بالقياس، فلا يعتبر للحرمة قيام الفضل؛ لأن النص لم يشر إلى الفضل، كذا في الأسرار، والمبسوط (٢).
وفي الفوائد الظهيرية: ثم لو استوفى المنفعة عند اتحاد الجنس فعليه أجر المثل في ظاهر الرواية؛ لأنه استوفى المنفعة بالإجارة الفاسدة، وذكر الكرخي عن أبي يوسف أنه لا شيء عليه لأن تقوم المنفعة بالتسمية، والمسمى بمقابلة
стр. 6001
قَالَ: (وَإِذَا كَانَ الطَّعَامُ بَيْنَ رَجُلَيْنِ، فَاسْتَأجَرَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ، أَوْ حِمَارَ صَاحِبِهِ عَلَى أَنْ يَحْمِلَ نَصِيبَهُ فَحَمَلَ الطَّعَامَ كُلَّهُ: فَلَا أَجْرَ لَهُ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَهُ المُسَمَّى؛ لِأَنَّ المَنْفَعَةَ عَيْنٌ عِنْدَهُ وَبَيْعُ العَيْنِ شَائِعًا جَائِزُ، وَصَارَ كَمَا إِذَا اسْتَأْجَرَ دَارًا مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ لِيَضَعَ فِيهَا الطَّعَامَ، أَوْ عَبْدًا مُشْتَرَكًا لِيَخِيطَ لَهُ الثَّيَابَ، وَلَنَا: أَنَّهُ اسْتَأْجَرَهُ لِعَمَلٍ لَا وُجُودَ لَهُ؛ لِأَنَّ الحَمْلَ فِعْلُ حِسِّيٌّ لَا يُتَصَوَّرُ فِي الشَّائِعِ، بِخِلَافِ البَيْعِ؛ لِأَنَّهُ تَصَرُّفٌ حُكْمِيٌّ، وَإِذَا لَمْ يُتَصَوَّرْ تَسْلِيمُ المَعْقُودِ عَلَيْهِ لَا يَجِبُ الأَجْرُ، وَلِأَنَّ مَا مِنْ جُزْءٍ يَحْمِلُهُ إِلَّا وَهُوَ شَرِيكٌ فِيهِ،
المنفعة ليس بمال متقوم في نفسها؛ لأنها منفعة.
وقلنا: الفاسد يعتبر بالجائز، والمنفعة تتقوم بالعقد الجائز، فكذا بالفاسد، كذا في المبسوط (١)، وجامع المحبوبي.
قوله: (فلا أجر له)، أي: لا المسمى، ولا أجر المثل، وعلى قياس قول أبي حنيفة ينبغي أن يجب أجر المثل؛ لما أن إجارة المشاع فاسدة أيضًا عنده، وإذا استوفى المعقود عليه يجب أجر المثل، إلا أنه تعذر استيفاء المعقود عليه هاهنا؛ لأن المحل مشترك، ففي كل جزء عامل لنفسه وهو العمل الواحد لا يكون عاملا لنفسه ولغيره في حالة واحدة، وبدون الاستيفاء لا يجب أجر المثل في الفاسد عندنا وأحمد في رواية، خلافًا للشافعي ومالك، وقد مر.
قوله: (وقال الشافعي له المسمى)، أي: يجوز العقد وله المسمى؛ لأن الإجارة بيع المنفعة فيصح في الشائع كبيع العين، وبه قال أحمد.
قوله: (لأن الحمل فعل حسي لا يتصور في الشائع)، أي: المعقود عليه نصف الشائع، وحمل نصف الشائع غير متصور فيبطل العقد لوروده على ما لا يحتمل الوجود، وصار كإجارة ما لا منفعة له، ولهذا ضرب نصف الشائع غير متصور، وكذا وطء الجارية المشتركة في النصف الشائع لعدم تصور فعل الحسي في الشائع.
стр. 6002
فَيَكُونُ عَامِلًا لِنَفْسِهِ، فَلَا يَتَحَقَّقُ التَّسْلِيمُ، بِخِلَافِ الدَّارِ المُشْتَرَكَةِ؛ لِأَنَّ المَعْقُودَ عَلَيْهِ هُنَالِكَ المَنَافِعُ وَيَتَحَقَّقُ تَسْلِيمُهَا بِدُونِ وَضْعِ الطَّعَامِ، وَبِخِلَافِ العَبْدِ؛ لِأَنَّ المَعْقُودَ عَلَيْهِ إِنَّمَا هُوَ مِلْكُ نَصِيبِ صَاحِبِهِ، وَأَنَّهُ أَمْرٌ حُكْمِيٌّ يُمْكِنُ إِيقَاعُهُ فِي الشَّائِعِ.
(وَمَنْ اسْتَأْجَرَ أَرْضًا وَلَمْ يَذْكُرْ أَنَّهُ يَزْرَعُهَا، أَوْ أَيَّ شَيْءٍ يَزْرَعُهَا: فَالإِجَارَةُ
قوله: (فيكون عاملا لنفسه) فلا يتحقق تسليم المعقود عليه؛ لأن كونه عاملا لنفسه يمنع تسليم عمله إلى غيره، وبدون التسليم لا يجب الأجر.
غاية الأمر أنه عامل للغير أيضًا، لكنه جعله عاملا لنفسه أولى؛ لأن الأصل أن الإنسان يعمل لنفسه مع ما فيه من تمليك المنافع المعدومة، ولأنه لو كان عاملا لنفسه لا يجب الأجر، ولو كان عاملًا لغيره يجب، فلا يجب بالشك.
ولا يقال: المحمول لما كان مالا مشتركًا وجب أن يقع الحمل مشتركًا؛ لأن وقوع الحمل مشتركًا محال؛ لأنه عرض، وهو لا يتجزأ، بخلاف الدار المشتركة لأن المعقود عليه ثم المنافع، والبدل بمقابلتها، ولا شركة في ذلك، ويتحقق تسليمها بدون وضع الطعام، حتى لو سلم الدار في المدة يستوجب الأجر وإن لم يضع فيها طعامًا، فكان العقد واردًا على المنفعة الحكمية لا على الفعل الحسي، وكان نظير البيع في حق قبول التصرف الحكمي فيصح استئجاره للتصرف الحكمي كما في البيع.
قوله: (إنما هو ملك نصيب صاحبه)، أي: منفعة ملك نصيب صاحبه، (وأنه) أي: ملك نصيب صاحبه أمر حكمي والشائع يقبل الصفات الحكمية.
قوله: (أو أي شيء يزرعها)، أي استأجرها للزراعة ولكن لم يذكر أي شيء يزرعها، فالإجارة فاسدة في الصورتين، وبه قال الشافعي وأحمد، وقال مالك: يصح في الصورتين، وكان له أن يفعل في الأول ما نسيه من البناء والغرس والزرع، فإن أشبه الجميع وكان بعضه أضر بالأرض من بعض لم يصح العقد، وفي الثاني - وهو أنه بذكر الزرع - صح العقد، ولا يزرع إلا ما يشبه، ذكره في الجواهر (١).
стр. 6003
فَاسِدَةٌ)؛ لِأَنَّ الْأَرْضَ تُسْتَأْجَرُ لِلزِّرَاعَةِ وَلِغَيْرِهَا، وَكَذَا مَا يُزْرَعُ فِيهَا مُخْتَلِفٌ، فَمِنْهُ مَا يَضُرُّ بِالْأَرْضِ مَا لَا يَضُرُّ بِهَا غَيْرُهُ، فَلَمْ يَكُنْ المَعْقُودُ عَلَيْهِ مَعْلُومًا.
(فَإِنْ زَرَعَهَا وَمَضَى الأَجَلُ: فَلَهُ المُسَمَّى) وَهَذَا اسْتِحْسَانُ. وَفِي القِيَاسِ: لَا يَجُوزُ، وَهُوَ قَوْلُ زُفَرَ؛ لِأَنَّهُ وَقَعَ فَاسِدًا فَلَا يَنْقَلِبُ جَائِزًا. وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ: أَنَّ الجَهَالَةَ ارْتَفَعَتْ قَبْلَ تَمَامِ العَقْدِ فَيَنْقَلِبُ جَائِزًا،
أما لو استأجرها ليزرع فيها ما شاء، أو يغرس ما شاء يجوز بالإجماع، ولو قال: لتزرعها ما شئت، وتغرسها ما شئت صح أيضًا، وهو المنصوص من الشافعي، وخالفه أكثر أصحابه وقالوا: لا يجوز؛ لأنه لا يدري كم يزرع، وكم يغرس، وقال بعضهم: يصح، ويغرس نصفها، ويزرع نصفها (١).
قوله: (فمنه)، أي: مما يزرع يضر بالأرض فإن ضرر زراعة القطن والكتان والجوارش أكبر من ضرر الحنطة والشعير، كذا ذكره المحبوبي.
(فإن زرعها)، أي نوعا من أنواع الزراعات.
وفي القياس: لا يجوز العقد، أي: لا ينقلب جائزا فيجب أجر المثل لا المسمى، وهو قول الشافعي وأحمد، وزفر؛ لأنه استوفى المعقود عليه بحكم عقد فاسد، وما وقع فاسدًا لا ينقلب جائزا.
قوله: (أن الجهالة ارتفعت قبل تمام العقد فينقلب جائزا)، فإن قيل: إن ارتفعت الجهالة بالزراعة، ولكن لم يرتفع ما هو الموجب لفساد العقد وهو احتمال أن يزرع ما يضر بالأرض لجواز أن يكون ما زرعها مضرا بالأرض، فتقع بينهما المنازعة بسبب ذلك، والموجب في الابتداء كان احتمال ذلك، ولأن المعقود عليه إذا كان مجهولاً لا يتعين إلا بتعيينهما صونًا عن الإضرار بأحدهما، ولا ينفرد أحدهما بالتعيين لما أن العقد قام بهما، ثم الاستعمال تعين من أحدهما فلا يصح ذلك.
قال صاحب الفوائد: ولي فيه إشكال هائل، ثم قال: قلنا: الأصل إجازة
стр. 6004
كَمَا إِذَا ارْتَفَعَتْ فِي حَالَةِ العَقْدِ، وَصَارَ كَمَا إِذَا أَسْقَطَ الأَجَلَ المَجْهُولَ قَبْلَ مُضِيِّهِ وَالخِيَارَ الزَّائِدَ فِي المُدَّةِ.
(وَمَنْ اسْتَأْجَرَ حِمَارًا إِلَى بَغْدَادَ بِدِرْهَمٍ، وَلَمْ يُسَمِّ مَا يَحْمِلُ عَلَيْهِ، فَحَمَلَ مَا يَحْمِلُ النَّاسُ، فَنَفَقَ فِي نِصْفِ الطَّرِيقِ: فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ)؛ لِأَنَّ العَيْنَ المُسْتَأْجَرَةَ أَمَانَةٌ فِي يَدِ المُسْتَأْجِرِ، وَإِنْ كَانَتْ الْأَجْرَةُ فَاسِدَةٌ.
العقد عند انتفاء المانع؛ لأن عقود الإنسان تصحح بقدر الإمكان، والمانع الذي فسد العقد باعتباره يوقع المنازعة بينهما في تعيين المعقود عليه، وعند استيفاء أحد النوعين من المنافع يزول هذا التوقع فيجوز هذا العقد.
قوله: (كما إذا أسقط الأجل المجهول)، أي: في البيع بأن باع إلى الحصاد، أو الدياس فأسقط الأجل قبل أوان الحصاد أو الدياس.
(والخيار الزائد في المدة) بأن شرط الخيار أربعة أيام مثلا، ثم أسقط اليوم الرابع، قيل: هذا رد المختلف على المختلف فكان عند زفر لا ينقلب جائزا في هاتين المسألتين كالأولى، أو جعل هاتين المسألتين من المسائل المسلمة لإقامة الدليل على الانقلاب إلى الجواز، فجعلهما بمنزلة المجمع عليه.
قوله: (وإن كانت الأجرة فاسدة)؛ لأن حكم الفاسد يؤخذ من الصحيح، ولا يعلم فيه خلاف أن هذه الإجارة فاسدة، والفاسدة في حكم الصحيح في أن العين المستأجرة أمانة فلا يضمن بلا تَعَدّ، ولو تعدَّى المستأجر وضمن لا يجب الأجر؛ لأنه صار غاصبا للعين، فكان هذا إتلافا للمنافع بطريق الغصب لاستيفاء المنافع المملوكة بالعقد فلم يجب عليه بدلها.
وعند الشافعي يضمن؛ لأنها ملحقة بالعين، وثمن المبيع لا يسقط بجناية المشتري على مال آخر للبائع، وبه قال أحمد، ومالك.
ولو جحد الإجارة في بعض الطريق وجب أجر ما ركب قبل الإنكار، ولا يجب الأجر لما بعده عند أبي يوسف؛ لأنه بالجحود صار غاصبا؛ لأن الأجر مع الضمان لا يجتمعان، وعند محمد يجب الأجر كله؛ لأنه لما سلم من الاستعمال سقط الضمان، وبه قالت الأئمة الثلاثة.
стр. 6005
كَمَا إِذَا ارْتَفَعَتْ فِي حَالَةِ العَقْدِ، وَصَارَ كَمَا إِذَا أَسْقَطَ الأَجَلَ المَجْهُولَ قَبْلَ مُضِيِّهِ وَالخِيَارَ الزَّائِدَ فِي المُدَّةِ.
(وَمَنْ اسْتَأْجَرَ حِمَارًا إِلَى بَغْدَادَ بِدِرْهَمٍ، وَلَمْ يُسَمِّ مَا يَحْمِلُ عَلَيْهِ، فَحَمَلَ مَا يَحْمِلُ النَّاسُ، فَنَفَقَ فِي نِصْفِ الطَّرِيقِ: فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ)؛ لِأَنَّ العَيْنَ المُسْتَأْجَرَةَ أَمَانَةٌ فِي يَدِ المُسْتَأْجِرِ، وَإِنْ كَانَتْ الْأَجْرَةُ فَاسِدَةٌ.
العقد عند انتفاء المانع؛ لأن عقود الإنسان تصحح بقدر الإمكان، والمانع الذي فسد العقد باعتباره يوقع المنازعة بينهما في تعيين المعقود عليه، وعند استيفاء أحد النوعين من المنافع يزول هذا التوقع فيجوز هذا العقد.
قوله: (كما إذا أسقط الأجل المجهول)، أي: في البيع بأن باع إلى الحصاد، أو الدياس فأسقط الأجل قبل أوان الحصاد أو الدياس.
(والخيار الزائد في المدة) بأن شرط الخيار أربعة أيام مثلا، ثم أسقط اليوم الرابع، قيل: هذا رد المختلف على المختلف فكان عند زفر لا ينقلب جائزا في هاتين المسألتين كالأولى، أو جعل هاتين المسألتين من المسائل المسلمة لإقامة الدليل على الانقلاب إلى الجواز، فجعلهما بمنزلة المجمع عليه.
قوله: (وإن كانت الأجرة فاسدة)؛ لأن حكم الفاسد يؤخذ من الصحيح، ولا يعلم فيه خلاف أن هذه الإجارة فاسدة، والفاسدة في حكم الصحيح في أن العين المستأجرة أمانة فلا يضمن بلا تَعَدّ، ولو تعدَّى المستأجر وضمن لا يجب الأجر؛ لأنه صار غاصبا للعين، فكان هذا إتلافا للمنافع بطريق الغصب لاستيفاء المنافع المملوكة بالعقد فلم يجب عليه بدلها.
وعند الشافعي يضمن؛ لأنها ملحقة بالعين، وثمن المبيع لا يسقط بجناية المشتري على مال آخر للبائع، وبه قال أحمد، ومالك.
ولو جحد الإجارة في بعض الطريق وجب أجر ما ركب قبل الإنكار، ولا يجب الأجر لما بعده عند أبي يوسف؛ لأنه بالجحود صار غاصبا؛ لأن الأجر مع الضمان لا يجتمعان وعند محمد يجب الأجر كله؛ لأنه لما سلم من الاستعمال سقط الضمان، وبه قالت الأئمة الثلاثة.
стр. 6006
(فَإِنْ بَلَغَ بَغْدَادَ: فَلَهُ الأَجْرُ المُسَمَّى) اسْتِحْسَانًا عَلَى مَا ذَكَرْنَا فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى (وَإِنْ اخْتَصَمَا قَبْلَ أَنْ يَحْمِلَ عَلَيْهِ) وَفِي المَسْأَلَةِ الأُولَى قَبْلَ أَنْ يَزْرَعَ (نُقِضَتْ الإِجَارَةُ) دَفْعًا لِلْفَسَادِ إِذْ الفَسَادُ، قَائِمٌ بَعْدُ.
بَابُ ضَمَانِ الْأَجِيرِ
قَالَ: (الأَجَرَاءُ عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَجِيرٌ مُشْتَرَكٌ، وَأَجِيرٌ خَاصٌ، فَالْمُشْتَرَكُ: مَنْ لَا يَسْتَحِقُّ الأَجْرَةَ حَتَّى يَعْمَلَ، كَالصَّبَّاغِ وَالقَصَّارِ)؛ لِأَنَّ المَعْقُودَ عَلَيْهِ إِذَا كَانَ هُوَ العَمَلَ، أَوْ أَثَرَهُ، كَانَ لَهُ أَنْ يَعْمَلَ لِلْعَامَّةِ؛ لِأَنَّ مَنَافِعَهُ لَمْ تَصِرْ مُسْتَحَقَّةٌ لِوَاحِدٍ، فَمِنْ هَذَا الوَجْهِ يُسَمَّى مُشْتَرَكًا.
قوله: (فله الأجر المسمى استحسانًا)، وفي القياس يجب أجر المثل، وهو قول زفر لما مر.
وجه الاستحسان: ارتفعت الجهالة قبل تمام العقد، فإنه لما حمل ما يحمله الناس فقد تعين الحمل وارتفعت الجهالة المؤدية إلى المنازعة، فانقلب إلى الجواز فوجب المسمى.
بَابُ ضَمَانِ الْأَجِيرِ
لما ذكر أنواع الإجارة الصحيحة والفاسدة شرع في بيان ضمان الأجير.
والأجير: فعيل بمعنى مفاعل، من باب: أجر، واسم الفاعل منه: مُؤَجِّر، لا مؤاجر، وقد مر في أول كتاب الإجارات.
قوله: (فالمشترك من لا يستحق الأجرة حتى يعمل)، قيل: هذا تعريف دوري لأنه لو سئل من لا يستحق الأجر حتى يُعلَم من هو، فلا بد من أن يقول: هو الأجير المشترك أجيب أن هذا تعريف بالأجْلَى والأشهر، أو تعريف لما لم يذكر بما قد سبق ذكره قبل فإنه ذكر في باب الأجر متى يستحق بقوله: (أو باستيفاء المعقود عليه).
وقيل في تعريفه: من يعمل لغير واحد؛ كالصبّاغ، والخاص من يعمل لواحد.
стр. 6007
قَالَ: (وَالمَتَاعُ أَمَانَةٌ فِي يَدِهِ، إِنْ هَلَكَ: لَمْ يَضْمَنْ شَيْئًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَهُوَ قَوْلُ زُفَرَ، وَيَضْمَنُهُ عِنْدَهُمَا إِلَّا مِنْ شَيْءٍ غَالِبٍ كَالحَرِيقِ الغَالِبِ وَالعَدُوِّ المُكَابِرِ) (*)
قوله: (إن هلك لم يضمن شيئًا عند أبي حنيفة، وهو قول زفر)، والحسن بن زياد، وهو القياس سواء هلك بأمر يمكن التحرز عنه؛ كالسرقة، والغصب، أو بأمر لا يمكن التحرز عنه، وأحمد وإسحاق، والمزني، والشافعي في قول، وروي عن علي، وهو مذهب إبراهيم.
(ويضمنه عندهما)، أي: عند أبي يوسف ومحمد، وبه قال الشافعي في قول، ومالك، وابن أبي ليلى، وهو مروي عن عمر، وعلي، وابن مسعود، وقيل: روي عن أبي بكر أيضًا، وهو مذهب عطاء، وطاووس، ومجاهد.
والمسألة مختلفة بين الصحابة، فلهذا اختار المتأخرون الفتوى بالصلح على النصف؛ لأن فيه عمل بأقوال الصحابة بقدر الإمكان.
قيل: في القول بالصلح على النصف قول خارج عن أقوال الصحابة، وترك للعمل بأقوالهم؛ إذ الصحابة اختلفوا على القولين لا غير إما بالضمان، أو عدم الضمان، فكان القول بنصف الضمان خارجًا عن أقوالهم فكان باطلا.
وقيل: فيه عمل بأقوالهم لأنا لما قلنا بالصلح على النصف كان ذلك حقًا للنصف بعد وجوب الكل، وإبقاء لوجوب النصف كما كان فكان عملا بقول من يقول بالضمان.
ثم لما قلنا بعدم وجوب النصف كان عملًا في النصف بقول من قال بعدم الضمان.
وأما إيجاب النصف فكان منه مبرة ابتداءً باعتبار أن المصاب يعان، وأقرب الناس منه إعانة من هلك ماله في يده، فعمل (١) أن فيه عملا بأقوالهم بقدر الإمكان، وفيه نوع تأمل.
وفي الخلاصة: بعض العلماء أفتوا بقولهما احتشاما لقول عمر، وعلي،
стр. 6008
لَهُمَا مَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ وَعَلِيٌّ ﵄ أَنَّهُمَا كَانَا يُضَمِّنَانِ الأَجِيرَ المُشْتَرَكَ؛ وَلِأَنَّ الحِفْظُ مُسْتَحَقُّ عَلَيْهِ، إِذْ لَا يُمْكِنُهُ العَمَلُ إِلَّا بِهِ، فَإِذَا هَلَكَ بِسَبَبٍ يُمْكِنُ الاحْتِرَازُ عَنْهُ كَالغَصْبِ وَالسَّرِقَةِ كَانَ التَّقْصِيرُ مِنْ جِهَتِهِ فَيَضْمَنُهُ كَالوَدِيعَةِ إِذَا كَانَتْ بِأَجْرٍ، بِخِلَافِ مَا لَا يُمْكِنُ الاحْتِرَازُ عَنْهُ كَالمَوْتِ حَتْفَ أَنْفِهِ وَالحَرِيقِ الغَالِبِ وَغَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا تَقْصِيرَ مِنْ جِهَتِهِ. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ ﵀: أَنَّ العَيْنَ أَمَانَةٌ فِي يَدِهِ؛ لِأَنَّ القَبْضَ حَصَلَ
وعطاء، وطاووس، ومجاهد، وهم من كبار التابعين، وأئمة سمرقند أفتوا بالصلح هل يجبروا على النصف، وكان الإمام المرغيناني يفتي بقول أبي حنيفة، فقيل له: من قال بالصلح هل يجبر لو امتنع؟ قال: لا، وقال: كنت أفتي زمانًا بالصلح فرجعت لهذا.
والقاضي الإمام قاضي خان يفتي بقول أبي حنيفة، ونحن نفتي به.
ثم عندهما إن شاء المالك ضمنه مقصورًا وأعطى الأجرة، وإن شاء غير مقصور ولا أجر له، وكذا لو هلك بفعله فالمالك بالخيار بالاتفاق.
قوله: (كانا)، أي: عمر وعلي (يُضَمِّنان الأجير المشترك) استحسانا حفظًا لأموال الناس.
(ولأن الحفظ مستحق عليه) أي: واجب، فكان عليه العمل السليم إذ لا يمكن التوصل إلى المعقود عليه إلا بالعمل السليم، فلو هلك بجهة يمكن الاحتراز عنها كالغصب والسرقة صار بالتقصير تاركًا ذلك الحفظ المستحق فيضمن؛ كالوديعة إذا كانت بأجر وصار مثل الدق فالمستحق بالعقد دق سليم عن عيب التخرق، فإذا انخرق كان ضامنًا.
(إلا أن لا يمكن التحرز عنه كالموت حتف أنفه، والحريق الغالب وغيرهما)؛ لأن الحفظ عنه غير واجب فلا يضمن لعدم الجناية والتقصير منه.
ولأبي حنيفة أن العين أمانة عنده؛ لأنه قبضها بإذن المالك لإقامة العمل فيه فلا يكون مضمونًا عليه كالمودع وأجير الوحد، وهذا لأن الضمان إنما يجب بالتعدي أو بالعقد، ولم يوجد واحد منهما.
أما التعدي فلأنه قبض بإذن المالك، وأما العقد فلأنه ورد على العمل لا
стр. 6009
بِإِذْنِهِ، وَلِهَذَا لَوْ هَلَكَ بِسَبَبٍ لَا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ عَنْهُ لَمْ يَضْمَنْهُ، وَلَوْ كَانَ مَضْمُونًا لَضَمِنَهُ كَمَا فِي المَغْصُوبِ، وَالحِفْظُ مُسْتَحَقُّ عَلَيْهِ تَبَعًا لَا مَقْصُودًا، وَلِهَذَا لَا يُقَابِلُهُ الأَجْرُ، بِخِلَافِ المُودَعِ بِأَجْرٍ؛ لِأَنَّ الحِفْظَ مُسْتَحَقِّ عَلَيْهِ مَقْصُودًا حَتَّى يُقَابِلَهُ الْأَجْرُ.
قَالَ: (وَمَا تَلِفَ بِعَمَلِهِ، كَتَخْرِيقِ الثَّوْبِ مِنْ دَقِّهِ، وَزَلَقِ الحَمَّالِ وَانْقِطَاعِ الحَبْلِ الَّذِي يَشُدُّ بِهِ المُكَارِي الحِمْلَ، وَغَرَقِ السَّفِينَةِ مِنْ مَدِّهِ: مَضْمُونٌ عَلَيْهِ).
وَقَالَ زُفَرُ وَالشَّافِعِيُّ رَحِمَهُمَا اللَّهُ: لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ أَمَرَهُ بِالفِعْلِ مُطْلَقًا
على العين فلا تصير العين به مضمونًا إلى آخر ما ذكر في الكتاب.
(والحفظ مستحق عليه تبعًا لا مقصودًا) أي: غير معقود عليه، لكنه وسيلة إليه، وجعل العين تابعًا قلب الحقيقة فلا يصار إليه إلا عن ضرورة كما في الحبس إذ لا يقدر على حبس أثر فعله إلا بحبس العين، والمسألة مختلفة بين الصحابة فلا يجب تقليد البعض.
وما قالا من النظر في حق صاحب المال فهو ضرر في حق الأجير، وهو أن يلزمه ما لم يلتزم، ونظر الشرع للكل، فمن النظر أن لا يكون مضمونا عليه، ولما تساوي الجانبان لم يجب الضمان بالشك إليه أشار في الأسرار، والمبسوط (١).
قوله: (وما تلف بعمله)، أي: بعمل الأجير إلى قوله: (مضمونًا عليه)، وكذا ما تلف بسوق المكاري وقوده مضمون عليه، وبه قال مالك، وأحمد، والشافعي في قول، وروي ذلك عن عمر، وعلي، وعبيد الله بن عتبة، وشريح، والحسن، والحكم، وقال زفر والشافعي في قول: لم يضمن، وقال الربيع: هذا مذهب الشافعي، وروى ذلك عن عطاء وطاووس؛ لأنه مأذون فيه فلا يكون مضمونا عليه كالمعين في الدق، والأجير الوحد.
(وهذا لأنه أمره بالفعل مطلقًا) إلى الآخر، ولا يقيده بالدق المصلح لأنه ليس في وسعه، ولئن كان في وسعه فلا يمكن التحرز عنه إلا بحرج عظيم، وما فيه حرج ملحق بما ليس في الوسع وهو كالفصاد والبزاغ، والحجام،
стр. 6010
فَيَنْتَظِمُهُ بِنَوْعَيْهِ المَعِيبِ وَالسَّلِيمِ وَصَارَ كَأَجِيرِ الوَحْدِ وَمُعِينِ القَصَّارِ.
وَلَنَا: أَنَّ الدَّاخِلَ تَحْتَ الإِذْنِ مَا هُوَ الدَّاخِلُ تَحْتَ العَقْدِ، وَهُوَ العَمَلُ المُصْلِحُ؛
والختان فإنه يجب الضمان عليهم إذا سرى إلى النفس لهذا المعنى.
قوله: (وهو العمل المصلح)؛ لأن الإذن إنما ثبت ضمنا للعقد، والعقد انعقد على السليم؛ لأن مطلق المعاوضة يقتضي سلامة المعقود عليه من العيوب كما مر في البيوع، فإذا ثبت أن المعقود عليه السليم ثبت أن المفسد غير معقود عليه فلا يكون مأذونا فيه، كما لو وصف نوعًا من الدق فجاءه بنوع آخر، بخلاف معين القصار لأنه متبرع، وعمل المتبرع لا يتقيد بوصف السلامة، وبخلاف البزاغ والفصاد ونحوهما؛ لأن العقد لم يتناول العمل الصالح؛ لأن نفس ذلك العمل إفساد، وإنما السلامة المطلوبة من العمل أن لا يجاوز القدر المقدور، ومتى جاوز ضمن.
وهنا الملتزم بالعقد الدق المُزيّن المُحَسِّن، ولأنه لا يمكنه الاحتراز عن العمل الساري لأن السراية والاقتصار يتبعان قوة المحل على احتمال الألم وسيلان الدم وضعفه عن ذلك، وليس في وسعه معرفته، والخارج من الوسع لا يستحق بعقد المعاوضة بحال، فأما التحرز عن التخرق ففي وسع القصار، إلا أنه ربما يلحقه الحرج فيه، وهو ساقط العبرة فلا يلزم العبد بالتزامه، وعقده وإنما يعتبر في خطابات الشرع رحمة ونظرًا.
ولا يقال القصار أتى بالدق المُزيّن المُحَسِّن، إنما التخرق حصل بوهن في الثوب فهو نظير البزاغ والفصاد؛ لأنا نقول المعقود عليه العمل الصالح، فإذا حصل التخرق علم أنه غير معقود عليه.
ولما قلنا أن في البزاغ لم يتناول الصالح؛ لأن نفس ذلك العمل إفساد إلى آخر ما ذكرنا.
يؤيد قولنا ما روى جعفر بن محمد، عن أبيه، عن علي أنه كان يضمن الصباغ، وروى الشافعي في مسنده بإسناده عن علي أنه كان يضمن الأجراء،
стр. 6011
لِأَنَّهُ هُوَ الوَسِيلَةُ إِلَى الأَثَرِ وَهُوَ المَعْقُودُ عَلَيْهِ حَقِيقَةٌ، حَتَّى لَوْ حَصَلَ بِفِعْلِ الغَيْرِ يَجِبُ الأَجْرُ فَلَمْ يَكُنْ المُفْسِدُ مَأذُونَا فِيهِ، بِخِلَافِ المُعِينِ؛ لِأَنَّهُ مُتَبَرِّعُ فَلَا يُمْكِنُ تَقْيِيدُهُ بِالْمُصْلِحِ؛ لِأَنَّهُ يَمْتَنِعُ عَنْ التَّبَرُّعِ، وَفِيمَا نَحْنُ فِيهِ يَعْمَلُ بِالْأَجْرِ فَأَمْكَنَ تَقْيِيدُهُ.
وَبِخِلَافِ أَجِيرِ الوَحْدِ عَلَى مَا نَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَانْقِطَاعُ الحَبْلِ مِنْ قِلَّةِ اهْتِمَامِهِ فَكَانَ مِنْ صَنِيعِهِ. قَالَ: (إِلَّا أَنَّهُ لَا يَضْمَنُ بِهِ بَنِي آدَمَ مِمَّنْ غَرِقَ فِي السَّفِينَةِ، أَوْ سَقَطَ مِنْ الدَّابَّةِ، وَإِنْ كَانَ بِسَوْقِهِ وَقَوْدِهِ)؛ لِأَنَّ الوَاجِبَ ضَمَانُ الْآدَمِيِّ. وَأَنَّهُ لَا
ويقول: لا يصلح للناس إلا هذا (١).
ثم صاحب الثوب بالخيار إن شاء ضمنه مقصورًا وأعطاه الأجر، وإن شاء ضمنه قيمته غير مقصور ولا أجر له.
قال بشر: هذا الجواب صحيح على قولهما؛ لأن عندهما قبضه قبض ضمان فله أن يضمنه قيمته وقت القبض غير مقصور، أما عند أبي حنيفة فهو خطأ؛ لأن عنده قبض العين قبض أمانة، وإنما الموجب للضمان عليه العمل فيكون له أن يضمنه قيمته معمولا ولا خيار له في ذلك، والأصح ما قلنا؛ لأنا لا نضمنه قيمته بالقبض، بل يضمنه بالإتلاف إن شاء معمولا، وإن شاء غير معمول لأن العمل يصير مسلمًا من وجه باتصاله بالثوب، وذلك العمل يجوز أن يكون معقودًا عليه عند الرضا به كالرديء في باب السلم يكون معقودًا عليه عند التجوز به فإذا وقع التغيير في العمل كان له الخيار، كذا في المبسوط (٢)، والأسرار.
قوله: (إلا أنه لا يضمن بني آدم ممن غرق في السفينة، أو سقط من الدابة)، قيل: هذا إذا كان ممن يستمسك على الدابة ويركب وحده، وإلا فهو كالمتاع، والصحيح أنه لا فرق، وكذا رواه ابن سماعة، عن أبي يوسف في
стр. 6012
يَجِبُ بِالعَقْدِ. وَإِنَّمَا يَجِبُ بِالجِنَايَةِ، وَلِهَذَا يَجِبُ عَلَى العَاقِلَةِ، وَضَمَانُ العُقُودِ لَا تَتَحَمَّلُهُ العَاقِلَةُ. قَالَ: (وَإِذَا اسْتَأْجَرَ مَنْ يَحْمِلُ لَهُ دَنَّا مِنْ الفُرَاتِ، فَوَقَعَ فِي بَعْضِ الطَّرِيقِ فَانْكَسَرَ، فَإِنْ شَاءَ ضَمَّنَهُ قِيمَتَهُ فِي المَكَانِ الَّذِي حَمَلَهُ، وَلَا أَجْرَ لَهُ، وَإِنْ شَاءَ ضَمَّنَهُ قِيمَتَهُ فِي المَوْضِعِ الَّذِي انْكَسَرَ، وَأَعْطَاهُ الأَجْرَ بِحِسَابِهِ) أَمَّا الضَّمَانُ فَلِمَا
الرضيع، كذا ذكره التمرتاشي.
قوله: (دنا من الفرات)، قال العتابي: إنما المسألة في الفرات؛ لأن الدنان كانت تباع هنالك، وقيد (في بعض الطريق)؛ لأنه لو انكسر بعدما انتهى إلى المكان المشروط من جناية يده فلا ضمان عليه وله الأجر كذا نقل عن الإمام صاعد النيسابوري، كذا في المبسوط (١)، والفوائد الظهيرية.
وقوله: (فإن انكسر) ليس بقيد، فإنه لو كسره عمدًا فالحكم كذلك عندنا، وعند زفر والشافعي: إن انكسر لا ضمان عليه لما قلنا، وإن كسره يضمن قيمته في المكان الذي كسره؛ لأنه أتلفه في هذا المكان، ويعطيه أجر ما حمل لأنه أوفاه المنافع إلى هاهنا.
ولا خيار للمستأجر عندهما، أما الضمان عندنا في مسألة الانكسار فلأن الحمال أجير مشترك فيضمن ما تلف بجناية يده؛ لأن السقوط بالعثار أو بانقطاع الحمل، وكل ذلك من صنيعه.
وأما الخيار فلأن الحمل موافق من وجه فإنه أمره بالحمل وقد حمل، ومخالف من وجه لأنه أمره بالحمل على وجه يصير محمولًا إلى مكان معين ولم يأت بذلك الحمل، فإن مال إلى جهة الخلاف ضمنه في المكان الذي حمل، ولا أجر له لأنه لم يسلم العمل، وإن مال إلى الوفاق ضمنه في المكان الذي انكسر وأعطاه من الأجر بحسابه، ولأن المعقود عليه فات بعضه فصار كالمبيع العين إذا فات بعضه وثم خير المشتري فكذا هاهنا.
فإن قيل: كيف يضمنه في موضع الحمل ولم يوجد منه سبب الضمان ثم؟ قلنا: لأنه لما انكسر في الطريق - والحمل شيء واحد حكما
стр. 6013
قُلْنَا، وَالسُّقُوطُ بِالعِثَارِ، أَوْ بِانْقِطَاعِ الحَبْلِ وَكُلُّ ذَلِكَ مِنْ صَنِيعِهِ، وَأَمَّا الخِيَارُ فَلِأَنَّهُ إِذَا انْكَسَرَ فِي الطَّرِيقِ، وَالحِمْلُ شَيْءٌ وَاحِدٌ تَبَيَّنَ أَنَّهُ وَقَعَ تَعَدِّيَا مِنْ الابْتِدَاءِ مِنْ هَذَا الوَجْهِ.
وَلَهُ وَجْهُ آخَرُ: وَهُوَ أَنَّ ابْتِدَاءَ الحَمْلِ حَصَلَ بِإِذْنِهِ فَلَمْ يَكُنْ تَعَدِّيًا، وَإِنَّمَا صَارَ تَعَدِّيًا عِنْدَ الكَسْرِ فَيَمِيلُ إِلَى أَيِّ الوَجْهَيْنِ شَاءَ، وَفِي الوَجْهِ الثَّانِي: لَهُ الْأَجْرُ بِقَدْرِ مَا اسْتَوْفَى، وَفِي الوَجْهِ الأَوَّلِ: لَا أَجْرَ لَهُ؛ لِأَنَّهُ مَا اسْتَوْفَى أَصْلًا.
إذ الحمل المستحق بالعقد ما ينفع به وهو أن يجعله محمولًا إلى موضع عينه ظهر أنه وقع تعديًا ابتداءً، وفي الحقيقة ابتداؤه سليم، وإنما صار تعديًا عند الكسر، فإن مال إلى الوجه الحكمي فلا أجر له؛ لأنه ما استوفى من عمله أصلا، وإن مال إلى الوجه الحقيقي فله الأجر بقدر ما استوفى.
والأجر والضمان إنما لا يجتمعان عندنا في حالة واحدة، وقد اختلفت الحالة هاهنا، وهذا لأنه إذا ضمنه قيمته في مكان انكسر فقد جعل المتاع أمانة عنده من حيث حمل إلى موضع انكسر، والأجر يجب في حالة الأمانة، وإنما صار مضمونًا في حالة الكسر وهذه حالة أخرى.
وإن تلف في يده بغير فعله بأن زحمه الناس لا يضمن عند أبي حنيفة خلافًا لهما، وهي مسألة أجير المشترك.
فإن قيل: ينبغي أن لا يجبر عند أبي حنيفة على هذا الوجه؛ لأن عنده المال أمانة عند الأجير، وإنما يضمن ما تلف بفعله، وإذا كان أمانة عند القبض عنده وجب أن لا يضمن قيمته في المكان الذي حمل منه.
قلنا: إن القبض يقع على وصف التوقف عنده إن هلك بصنعه ظهر أنه كان مضمونًا عليه، وزلقه فعله وصنعه، فظهر أنه كان مضمونا عليه فله الخيار.
أو لأن الكسر حاصل بصنعه فالفساد الحاصل به يستند إلى حالة العقد؛ لأن الفساد بعمله إنما أوجب الضمان باعتبار العقد؛ لأنه لولا عقد الإجارة يكون الأجير مُعِينًا في الحمل، ولا ضمان على المُعِين فيما أعان، كذا في
المبسوط (١).
стр. 6014
قَالَ: (وَإِذَا فَصَدَ الفَصَّادُ، أَوْ بَزَغَ البَزَّاغُ، وَلَمْ يَتَجَاوَزُ المَوْضِعَ المُعْتَادَ: فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فِيمَا عَطِبَ مِنْ ذَلِكَ. وَفِي الجَامِعِ الصَّغِيرِ: بَيْطَارٌ بَزَغَ دَابَّةٌ بِدَانِقٍ فَنَفَقَتْ، أَوْ حَجَّامٌ حَجَمَ عَبْدًا بِأَمْرِ مَوْلَاهُ فَمَاتَ: فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ) وَفِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ العِبَارَتَيْنِ نَوْعُ بَيَانٍ وَوَجْهُهُ: أَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ التَّحَرُّزُ عَنْ السِّرَايَةِ، لِأَنَّهُ يُبْتَنَى عَلَى قُوَّةِ الطَّبَاعِ وَضَعْفِهَا فِي تَحَوُّلِ الأَلَمِ فَلَا يُمْكِنُ التَّقْيِيدُ بِالمُصْلِحِ مِنْ العَمَلِ، وَلَا كَذَلِكَ دَقُّ الثَّوْبِ وَنَحْوُهُ مِمَّا قَدَّمْنَاهُ؛ لِأَنَّ قُوَّةَ الثَّوْبِ وَرِقَّتَهُ تُعْرَفُ بِالِاجْتِهَادِ فَأَمْكَنَ القَوْلُ بِالتَّقْيِيدِ.
قوله: (فصد الفصاد) من حد ضرب، وهو في الآدمي.
(وبزغ) من حد فتح، وهو في الحيوان، يقال: بزغ البيطار الدابة، إذا شقها بالمبزغ، وهو مثل شرط الحجام، كذا في المغرب (١).
(فلا ضمان عليه)، ولا يعلم فيه خلاف.
قوله: (وفي كل واحد من العبارتين)، أي عبارة القدوري والجامع (نوع بيان)؛ لأنه ذكر في القدوري عدم التجاوز عن الموضع المعتاد، حتى إذا تجاوز يجب الضمان، وفي الجامع ذكر الأجرة وحجامة العبد بأمر المولى، حتى إنه إذا لم يكن بأمره يجب الضمان، فيجعل المذكور في أحدهما مذكورًا في الأخرى.
(لما قدمنا) إشارة إلى قوله: (لأن الاحتراز عن التخريق بالدق ممكن) فيمكن التقييد بالمصلح.
أما السراية والاندمال يتعلق بأحوال باطن الحيوان من ضعف المزاج وقوته، فضعيف المزاج لا يندمل سريعًا قد يسري إلى النفس، وقوي المزاج يندمل في تلك الساعة، ولا اطلاع للفصاد ونحوه على قوة طبعه وضعفه فلا يقيد بالمصلح من العمل، وكيف يقيد به والمطلوب هو الجرح، وهو إفساد وتخريب البنية كما ترى، والسلامة ضده.
وفي المبسوط: توضيح الفرق أن السراية بعد تسليم العمل وخروجه عن
стр. 6015
قَالَ: (وَالأَجِيرُ الخَاصُّ الَّذِي يَسْتَحِقُّ الأَجْرَةَ بِتَسْلِيمِ نَفْسِهِ فِي المُدَّةِ، وَإِنْ لَمْ يَعْمَلْ، كَمَنْ اسْتُوْجِرَ شَهْرًا لِلْخِدْمَةِ، أَوْ لِرَعْيِ الغَنَمِ) وَإِنَّمَا سُمِّيَ أَجِيرَ وَحْدٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَعْمَلَ لِغَيْرِهِ؛ لِأَنَّ مَنَافِعَهُ فِي المُدَّةِ صَارَتْ مُسْتَحَقَّةٌ لَهُ، وَالْأَجْرُ مُقَابَلٌ بِالمَنَافِعِ، وَلِهَذَا يَبْقَى الأَجْرُ مُسْتَحَقًّا، وَإِنْ نُقِضَ العَمَلُ.
ضمان العامل إذ السراية تكون بعد الجرح بزمان لضعف الطبيعة عن دفع أثر الجرح وتوالي الآلام، فأما التخرق مقترن بالعمل قبل خروجه عن ضمان العامل، فكان ضامنًا لما يتلفه بعمله؛ لأن عمله مضمون بما يقابله من البدل (١).
ثم إذا تجاوز المعتاد يضمن ولم يبين قدر ذلك الضمان على تقدير الحياة أو الموت كم هو؟ قيل: كان ذلك بحسب قدر التجاوز، حتى إن الختان لو ختن فقطع الحشفة ينظر إن برئ فعليه كمال دية النفس، وإن مات فعليه نصف الدية، وهذا من العجب إذ هو مخالف لجميع مسائل الديات، فإنه كلما ازداد أثر جنايته انتقص ضمانه، وينبغي أن يزداد ضمانه كما في قطع اليد، وقتله خطأ.
وقد ذكر الإمام المحقق شمس الأئمة السرخسي في مبسوطه: فقال محمد في النوادر: أنه لما برئ كان عليه ضمان الحشفة وهي عضو مقصود لا يأتي في النفس فيتقدر بدله ببدل النفس كما في قطع اللسان، فلو مات حصل تلف النفس بفعلين أحدهما مأذون فيه وهو قطع الجلد، والآخر غير مأذون فيه وهو قطع الحشفة، فعليه نصف بدل النصف كذلك (٢).
قوله: (والأجير الخاص) إلى آخره، وقوله: (وإن لم يعمل)، وإنما يستحق الأجرة بتسليم نفسه بدون العمل إذا تمكن من العمل، حتى لو استأجره لإيجاد الطين أو غيره في الصحراء فمُطَّرِدٌ لك بعدما خرج الأجير إلى الصحراء لا أجر له؛ لأن تسليم النفس في ذلك العمل لم يوجد لمكان العذر، وبه كان يفتي المرغيناني.
قوله: (وإن نُقِضَ) على بناء المفعول بخلاف الأجير المشترك، فقد روي عن محمد: لو فتق الخياط أو غيره يجبر على الإعادة؛ لأنه نُقِضَ عمله فصار
стр. 6016
قَالَ: (وَلَا ضَمَانَ عَلَى الأَجِيرِ الخَاصٌ فِيمَا تَلِفَ فِي يَدِهِ، وَلَا مَا تَلِفَ مِنْ عَمَلِهِ) أَمَّا الأَوَّلُ: فَلِأَنَّ العَيْنَ أَمَانَةٌ فِي يَدِهِ؛ لِأَنَّهُ قَبَضَ بِإِذْنِهِ، وَهَذَا ظَاهِرٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَكَذَا عِنْدَهُمَا؛ لِأَنَّ تَضْمِينَ الأَجِيرِ المُشْتَرَكِ نَوْعُ اسْتِحْسَانٍ عِنْدَهُمَا، لِصِيَانَةِ أَمْوَالِ النَّاسِ، وَالأَجِيرُ الوَحْدُ لَا يَتَقَبَّلُ الأَعْمَالَ فَتَكُونُ السَّلَامَةُ غَالِبَةٌ
كأن لم يكن، ولو فتقه غير الخياط لا يجبر الخياط على الإعادة؛ لأن حكم العقد قد انتهى. ولا يمكن أن يجعل كأن الخياط لم يعمل أصلا، وكذا الإسكاف على هذا، ولم يذكر الجبر على الإعادة كما في مسألة السفينة فإن الملاح إذا رد السفينة بنفسه يجبر على الإعادة، كذا في الذخيرة.
قوله: (ولا ضمان على الأجير الخاص) إلى آخره، وبه قال مالك، وأحمد والشافعي في ظاهر مذهبه، وقال بعض أصحابه: فيه قولان، في قول: يضمن كالأجير المشترك، وهو المنصوص عليه، ذكره في الحلية (١).
ومنهم من قال: لا يضمن قولا واحدا.
وجه الضمان ما روى الشافعي في مسنده عن علي أنه كان يضمن الأجراء، ويقول: لا يصلح الناس إلا هذا (٢).
ولنا أن العين أمانة في يده، فإذا تلف بدون تعديه لا يضمن، وكذا ما تلف من عمله لأن فعله منقولا إليه كأنه فعله بنفسه، والصحيح في الرواية من علي أنه كان يُضَمِّنُ الصباغ والصواغ، وإن روي مطلقًا فيحمل عليه فإن المطلق يحمل على المقيد عندك، مع أنك لا ترى العمل واجبًا بقول الصحابي.
قوله: (أما الأول)، وهو ما إذا تلف في يده.
قوله: (لصيانة أموال الناس)؛ فإن الأجير المشترك يقبل أعيانًا كثيرة رغبة في كثرة الأجر، وقد يعجز عن قضاء حق الحفظ فيها فضمن حتى لا يقصر في حفظها، أو لا يأخذ إلا ما يقدر على حفظه، أما الأجير الخاص يعمل له في بيته ولا يقبل الأعمال من غيره.
стр. 6017
فَيُؤْخَذُ فِيهِ القِيَاسُ، وَأَمَّا الثَّانِي، فَلِأَنَّ المَنَافِعَ مَتَى صَارَتْ مَمْلُوكَةٌ لِلْمُسْتَأْجِرِ فَإِذَا أَمَرَهُ بِالتَّصَرُّفِ فِي مِلْكِهِ صَحَّ، وَيَصِيرُ نَائِبًا مَنَابَهُ، فَيَصِيرُ فِعْلُهُ مَنْقُولًا إِلَيْهِ، كَأَنَّهُ فَعَلَ بِنَفْسِهِ فَلِهَذَا لَا يَضْمَنُهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
بَابُ الإِجَارَةِ عَلَى أَحَدِ الشَّرْطَيْنِ
(وَإِذَا قَالَ لِلْخَيَّاطِ: إِنْ خِطْتَّ هَذَا الثَّوْبَ فَارِسِيًّا فَبِدِرْهَم، وَإِنْ خِطَّته رُومِيًّا فَبِدِرْهَمَيْنِ، جَازَ، وَأَيَّ عَمَلٍ مِنْ هَذَيْنِ العَمَلَيْنِ عَمِلَ اسْتَحَقَّ الْأَجْرَ بِهِ) وَكَذَا إِذَا قَالَ
(فأخذنا فيه بالقياس)، وهو أن العين أمانة في يده، أو لأن البدل ليس بمقابلة العمل فلا يشترط السلامة عن العيب.
قوله: (وأما الثاني)، وهو ما إذا تلف من عمله فلأن المنافع صارت مملوكة للمستأجر بتسليم نفسه، ولهذا يستحق الأجر بتسليم نفسه بدون العمل، إلى آخر ما ذكره في الكتاب، وهذا إذا لم يتعمد الفساد، أما لو تعمد الفساد يضمن بالتعدي كالمودع إذا تعدى.
وعلى هذا أجير القصار وسائر الصُّنَّاع؛ لأن التلميذ أجير خاص كذا فلا يضمن، ويضمن الأستاذ، ولا يرجع الأستاذ بما ضمن على التلميذ؛ لأنه أجير خاص، كذا في الإيضاح، ولا خلاف فيه.
بَابُ الْإِجَارَةِ عَلَى أَحَدِ الشَّرْطَيْنِ
لما ذكر الإجارة على شرط واحد حتى أفسدها إذا كان الشرط على خلاف مقتضى العقد ذكر هذا الباب إذ الاثنين بعد الواحد.
قوله: (وأي العملين من هذين عمل استحق الأجر المسمى)، وبه قال أحمد في رواية، وقال الشافعي، ومالك، والثوري، وأبو إسحاق، وزفر، وأبو حنيفة، وأبو يوسف أولا، وأحمد في رواية وهو القياس: لا يصح العقد وله أجر المثل إذا عمل؛ لأنه عقد معاوضة ولم يتعين فيه العوض والمعوض فلم يصح، كما لو قال: بعتك هذا بدرهم وهذا بدرهمين.
وقلنا: استحسانا الأجر يجب بالعمل وعند العمل ما يلزمه من البدل معلوم فلا تبقى الجهالة لا في المعقود عليه ولا في بدله بخلاف البيع فإن الثمن يجب
стр. 6018
لِلصَّبَّاغِ: إِنْ صَبَغْته بِعُصْفُرٍ فَبِدِرْهَمٍ، وَإِنْ صَبَغْتَهُ بِزَعْفَرَانٍ فَبِدِرْهَمَيْنِ، وَكَذَا إِذَا خَيَّرَهُ بَيْنَ شَيْئَيْنِ بِأَنْ قَالَ: أَجَرْتُكَ هَذِهِ الدَّارَ شَهْرًا بِخَمْسَةِ، أَوْ هَذِهِ الدَّارَ الْأُخْرَى بِعَشَرَةٍ، وَكَذَا إِذَا خَيَّرَهُ بَيْنَ مَسَافَتَيْنِ مُخْتَلِفَتَيْنِ بِأَنْ قَالَ: أَجَرْتُكَ هَذِهِ الدَّابَّةَ إِلَى الكُوفَةِ بِكَذَا، أَوْ إِلَى وَاسِطَ بِكَذَا، وَكَذَا إِذَا خَيَّرَهُ بَيْنَ ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ، وَإِنْ خَيَّرَهُ بَيْنَ أَرْبَعَةِ أَشْيَاءَ: لَمْ يَجُزْ، وَالمُعْتَبَرُ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ البَيْعُ وَالجَامِعُ دَفْعُ الحَاجَةِ، غَيْرَ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ اشْتِرَاطِ الخِيَارِ فِي البَيْعِ، وَفِي الإِجَارَةِ لَا يُشْتَرَطُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْأَجْرَ إِنَّمَا يَجِبُ بِالعَمَلِ، وَعِنْدَ ذَلِكَ يَصِيرُ المَعْقُودُ عَلَيْهِ مَعْلُومًا، وَفِي البَيْعِ يَجِبُ الثَّمَنُ بِنَفْسِ العَقْدِ فَتَتَحَقَّقُ الجَهَالَةُ عَلَى وَجْهِ لَا تَرْتَفِعُ المُنَازَعَةُ إِلَّا بِإِثْبَاتِ الخِيَارِ (وَلَوْ قَالَ: «إِنْ خِطْتَه اليَوْمَ فَبِدِرْهَمٍ، وَإِنْ خِطْتَه غَدًا فَبِنِصْفِ دِرْهَمٍ»، فَإِنْ خَاطَهُ اليَوْمَ فَلَهُ دِرْهَمْ، وَإِنْ خَاطَهُ غَدًا فَلَهُ أَجْرُ مِثْلِهِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لَا يُجَاوَزُ بِهِ نِصْفُ دِرْهَمٍ. وَفِي الجَامِعِ الصَّغِيرِ: لَا يُنْقَصُ مِنْ نِصْفِ دِرْهَمٍ وَلَا يُزَادُ عَلَى دِرْهَمٍ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ: الشَّرْطَانِ جَائِزَانِ) (*) قَالَ: زُفَرُ: الشَّرْطَانِ فَاسِدَانِ؛ لِأَنَّ الخِيَاطَةَ شَيْءٌ وَاحِدٌ، وَقَدْ
بنفس العقد، فإذا لم يكن معلومًا عند العقد يفسد العقد.
قوله: (وإن خيره بين أربعة لم يجز)، وكذا في الخياطة والصبغ إذا ذكر ثلاثة أنواع جاز، وإن زاد عليها لم يجز.
قوله: (لا بد من اشتراط الخيار في البيع، يعني لو باع أحد العبدين لم يصح إلا بشرط الخيار.
وفي الإجارة لا يشترط ذلك؛ لأن الأجر إنما يجب بالعمل) إلى آخره، وهذا هو الفرق بين الإجارة والبيع.
قوله: (وقال زفر: الشرطان فاسدان)، وبه قال الشافعي، ومالك، وأحمد في ظاهر مذهبه، والثوري، وأبو ثور، وإسحاق، وهو القياس كما لو قال في البيع: إن أعطيت الثمن إلى شهر فعشرة، وإن أعطيته إلى شهرين فخمسة عشر درهما، وهذا فاسد فكذا هذا للتردد بين التسميتين.
стр. 6019
ذُكِرَ بِمُقَابَلَتِهِ بَدَلَانِ عَلَى البَدَلِ فَيَكُونُ مَجْهُولًا، وَهَذَا؛ لِأَنَّ ذِكْرَ اليَوْمِ لِلتَّعْجِيلِ، وَذِكْرَ الغَدِ لِلتَّرْفِيهِ فَيَجْتَمِعُ فِي كُلِّ يَوْمٍ تَسْمِيَتَانِ.
وَلَهُمَا: أَنَّ ذِكْرَ اليَوْمِ لِلتَّأْقِيتِ. وَذِكْرَ الغَدِ لِلتَّعْلِيقِ، فَلَا يَجْتَمِعُ فِي كُلِّ يَوْمٍ تَسْمِيَتَانِ؛ وَلِأَنَّ التَّعْجِيلَ وَالتَّأخِيرَ مَقْصُودٌ، فَنَزَلَ مَنْزِلَةَ اخْتِلَافِ النَّوْعَيْنِ. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ: أَنَّ ذِكْرَ الغَدِ لِلتَّعْلِيقِ حَقِيقَةٌ.
قوله: (وذكر الغد للترفيه) لا للإضافة والتعليق، ولهذا لو أفرد العقد في الغد بأن قال: خِطْهُ غدًا بنصف درهم ثبت هذا العقد في اليوم، حتى لو خاطه اليوم استحق نصف درهم، فاجتمع في اليوم تسميتان فتفسد الجهالة البدل.
وكذا في الغد اجتمع تسميتان؛ لأن العقد المنعقد في اليوم باق إلى الغد؛ لأن ذكر اليوم للتعجيل لا لتوقيت العقد به حتى لو خاطه في الغد استحق الأجر، فصح أنه اجتمع في اليوم والغد تسميتان والخياطة واحدة، فيجب أحد التسميتين وهي مجهولة، وهذه جهالة توقعهما في المنازعة.
(ولهما)، أي: لأبي يوسف ومحمد (أن ذكر اليوم للتأقيت) حقيقةً، والتعجيل والترفيه مجاز، والكلام بحقيقته حتى يقوم الدليل على مجازه، كيف وقد قام الدليل على أن المجاز غير مراد؛ لأن العقد يفسد على تقديري التعجيل والترفيه لاجتماع العقدين حينئذ، وعلى تقدير التأقيت والإضافة لا، بخلاف حالة الانفراد؛ لأنه لو حمل على التوقيت يفسد العقد، ومتى حمل على التعجيل أو الترفيه لا، فصرنا إلى المجاز بدلالة حالهما.
وكذا ذكر الغد للإضافة، وإذا كان كذلك لا يجتمع في كل يوم تسميتان؛ لأن التوقيت يقتضي قصر العقد على اليوم فلا يبقى إلى الغد، والعقد المضاف إلى الغد لا يكون ثابتا في الحال فلا تجتمع التسميتان في عقد واحد.
قوله: (وذكر الغد للتعليق) المراد الإضافة أي: للإضافة، ولهذا ذكر في بعض النسخ: (وذكر الغد للإضافة) لما أن الإجارة تصح إضافتها لا تعليقها.
(ولأبي حنيفة أن ذكر الغد للتعليق)، أي: للإضافة حقيقة وذكر اليوم للتأقيت حقيقة كما ذكرا، إلا أن الدليل قام على المجاز في ذكر اليوم وهو
стр. 6020
وَلَا يُمْكِنُ حَمْلُ اليَوْمِ عَلَى التَّاقِيتِ؛ لِأَنَّ فِيهِ فَسَادَ العَقْدِ لِاجْتِمَاعِ الوَقْتِ وَالعَمَلِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ يَجْتَمِعُ فِي الغَدِ تَسْمِيَتَانِ دُونَ اليَوْمِ، فَيَصِحُ اليَوْمُ الأَوَّلُ، وَيَجِبُ المُسَمَّى، وَيَفْسُدُ الثَّانِي، وَيَجِبُ أَجْرُ المِثْلُ لَا يُجَاوَزُ بِهِ نِصْفُ دِرْهَمٍ؛ لِأَنَّهُ هُوَ المُسَمَّى فِي اليَوْمِ الثَّانِي. وَفِي الجَامِعِ الصَّغِيرِ: لَا يُزَادُ عَلَى دِرْهَمٍ، وَلَا يُنْقَصُ مِنْ نِصْفِ دِرْهَم؛ لِأَنَّ التَّسْمِيَةَ الأُولَى لَا تَنْعَدِمُ فِي اليَوْمِ الثَّانِي، فَتُعْتَبَرُ لِمَنْعِ الزِّيَادَةِ
التعجيل؛ لأنه ازداد له في الأجر متى خاط في اليوم ونقص متى أخر إلى الغد، والنقصان بتقدير التأخير والزيادة بتقدير التعجيل عادة، وإلا لم يكن في الزيادة والنقصان فائدة، وفي الغد لم يقم الدليل على إرادة المجاز أي: الترفيه، بل الدليل على إرادة الحقيقة وهي الإضافة؛ لأنه نقص عن الأجر متى خاطه في الغد، ولو كان ذكر الغد للترفيه لما نقص عن الأجر بسبب التأخير إليه؛ لأنه يزول معنى الترفيه بنقصان الأجر، فصار ذكر الغد للإضافة وذكر اليوم للتعجيل.
والعقد المضاف إلى الغد لم يثبت في اليوم، فلم يجتمع في اليوم تسميتان فيصح، ويجتمع في الغد تسميتان فلا يصح؛ لما أن العقد المضاف إلى اليوم يبقى إلى الغد لما ذكرنا أن ذكره للتعجيل لا للتأقيت فلم ينقضي بمضي اليوم فيجتمع في الغد تسميتان درهم ونصف درهم فيكون الأجر مجهولا جهالة مانعة من التسليم، والتسليم وهي يمنع جواز العقد.
فإن قيل: يشكل على قول أبي حنيفة مسألة المخاتيم فإنه جعل ذكر اليوم فيها للتأقيت وجعل العقد منعقدًا على تسليم النفس في المدة، أو على حقيقة العمل فأفسده على ما سبق، وجعل ذكر اليوم هاهنا للتعجيل حتى أجاز العقد.
قلنا: ذكر اليوم للتوقيت حقيقة وللتعجيل مجاز، فلا يحمل على المجاز حتى يقوم الدليل، وفي مسألتنا قام الدليل على المجاز وهو نقصان الأجر بسبب التأخير فعدلنا عن الحقيقة بهذا الدليل، ولم يقم مثل هذا الدليل في مسألة المخاتيم فكان التأقيت مرادًا فيفسد العقد، وفيه نوع تأمل.
قوله: (لا يجاوز به)، أي: بأجر المثل (نصف درهم)، خلافًا لزفر والأئمة الثلاثة لأن عندهم في الإجارة الفاسدة يجب أجر المثل بالغا ما بلغ.
(وفي الجامع الصغير) إلى آخره، إنما أعاد لفظ الجامع للمخالفة الظاهرة
стр. 6021
وَتُعْتَبَرُ التَّسْمِيَةُ الثَّانِيَةُ لِمَنْعِ النُّقْصَانِ، فَإِنْ خَاطَهُ فِي اليَوْمِ الثَّالِثِ لَا يُجَاوَزُ بِهِ نِصْفُ دِرْهَمٍ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ تَلَتْهُ هُوَ الصَّحِيحُ؛ لِأَنَّهُ إِذَا لَمْ يَرْضَ بِالتَّأْخِيرِ إِلَى الغَدِ فَبِالزِّيَادَةِ عَلَيْهِ إِلَى مَا بَعْدَ الغَدِ أَوْلَى (وَلَوْ قَالَ: إِنْ سَكَنْتَ فِي هَذَا الدُّكَّانِ عَطَارًا فَبِدِرْهَمٍ فِي الشَّهْرِ، وَإِنْ سَكَنْتَهُ حَدَّادًا فَبِدِرْهَمَيْنِ جَازَ، وَأَيَّ الأَمْرَيْنِ فَعَلَ اسْتَحَقَّ الْأَجْرَ المُسَمَّى فِيهِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ. وَقَالَا: الإِجَارَةُ فَاسِدَةٌ، وَكَذَا إِذَا اسْتَأْجَرَ بَيْتًا عَلَى أَنَّهُ إِنْ سَكَنَ فِيهِ عَطَارًا فَبِدِرْهَمٍ، وَإِنْ سَكَنَ فِيهِ حَدَّادًا فَبِدِرْهَمَيْنِ: فَهُوَ جَائِزٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَا: لَا يَجُوزُ) (*).
بين رواية الجامع، والرواية الأولى.
وفي الإيضاح: واختلفت الرواية عن أبي حنيفة إذا خاطه في اليوم الثاني، فذكر في الأصل، والجامع: لا يزاد على درهم، ولا ينقص من نصف درهم، وروى أبو يوسف عن أبي حنيفة: لا يزاد على نصف درهم.
ثم قال: وهي الصحيحة؛ لأن الإجارة الفاسدة يجب فيها أجر المثل لا يزاد على المستحق، والمستحق في اليوم الثاني نصف درهم، فأما الدرهم فهو مسمى في اليوم الأول، ولا يقال التسمية الأولى باقية في اليوم الثاني؛ لأن الاعتبار المصرح أولى من غيره، والمصرح نصف درهم لا الدرهم. وجه ظاهر الرواية أنه اجتمع في الغد تسميتان فتعتبر التسمية الأولى لمنع الزيادة عليها، وتعتبر التسمية الثانية لمنع النقصان عنها عملا بالتسميتين، وهذا أولى من الترجيح بالمصرح.
قوله: (في اليوم الثالث لا يجاوز به نصف درهم عند أبي حنيفة هو الصحيح)، والصحيح عندهما أن ينقص من نصف الدرهم ولا يزاد عليه، ذكره في الإيضاح.
قوله: (إن سكنت)، ولفظ سكنت من السكنى لا من الإسكان، وانتصاب (عطارًا) و (حدادًا) على الحال لا على المفعول على ما مر، وفي بعض النسخ: (أسكنت)، ولكن المقيد بقيد التفات الأول، وقالا: الإجارة فاسدة وبه قالت الأئمة الثلاثة.
стр. 6022
(وَمَنْ اسْتَأْجَرَ دَابَّةٌ إِلَى الحِيرَةِ بِدِرْهَمٍ، وَإِنْ جَاوَزَ بِهَا إِلَى القَادِسِيَّةِ فَبِدِرْهَمَيْنِ: فَهُوَ جَائِزٌ)، وَيُحْتَمَلُ الخِلافُ (وَإِنْ اسْتَأْجَرَهَا إِلَى الحِيرَةِ عَلَى أَنَّهُ إِنْ حَمَلَ عَلَيْهَا كُرَّ شَعِيرٍ فَبِنِصْفِ دِرْهَمٍ، وَإِنْ حَمَلَ عَلَيْهَا كُرَّ حِنْطَةٍ فَبِدِرْهَمٍ: فَهُوَ جَائِزٌ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ. وَقَالَا: لَا يَجُوزُ) (*) وَجْهُ قَوْلِهِمَا: أَنَّ المَعْقُودَ عَلَيْهِ مَجْهُولٌ، وَكَذَا الْأَجْرُ أَحَدُ الشَّيْئَيْنِ، وَهُوَ مَجْهُولٌ وَالجَهَالَةُ تُوجِبُ الفَسَادَ، بِخِلَافِ الخِيَاطَةِ الرُّومِيَّةِ وَالفَارِسِيَّةِ؛ لِأَنَّ الْأَجْرَ يَجِبُ بِالعَمَلِ وَعِنْدَهُ تَرْتَفِعُ الجَهَالَةُ.
أَمَّا فِي هَذِهِ المَسَائِلِ، يَجِبُ الأَجْرُ بِالتَّخْلِيَةِ وَالتَّسْلِيمِ فَتَبْقَى الجَهَالَةُ، وَهَذَا الحَرْفُ هُوَ الأَصْلُ عِنْدَهُمَا وَلِأَبِي حَنِيفَةَ: أَنَّهُ خَيَّرَهُ بَيْنَ عَقْدَيْنِ صَحِيحَيْنِ مُخْتَلِفِينَ،
قوله: (ويحتمل الخلاف)، يعني ذكر محمد هذه المسألة في الجامع الصغير ولم يحك فيه خلافًا فيحتمل أن يكون هذا قول الكل، ويحتمل أن يكون قول أبي حنيفة، وعندهما لا يجوز كما في نظائرها من المسائل، كذا في الذخيرة.
لهما (أن المعقود عليه مجهول) لأنه أحد الشيئين وهو مجهول، (وعنده) أي: عند العمل (ترتفع الجهالة) أي: لا تبقى الجهالة.
قوله: (فيجب الأجر بالتخلية والتسليم) أي تسليم الدار، والبيت، والدابة، والأجر مجهول عند التسليم فيفضي إلى المنازعة.
(وهذا الحرف)، أي: المعنى وهو جهالة الأجر عند وجوبه (هو الأصل عندهما).
(لأبي حنيفة أنه خيره) إلى آخره، وهذا لأن السكني وعمل الحدادين مختلفان، وكل واحد منهما عند الانفراد صحيح، وكذا عند الجمع، والغالب في الإجارة الانتفاع لأنها مشروعة للحاجة، فالظاهر أن لا يخلو عن الانتفاع، فإذا جاء الانتفاع زالت الجهالة، والتمكن من غير انتفاع ليس بأصل، بل هو من العوارض والاحتراز من العوارض غير واجب، ولو تحقق ترك الانتفاع بأن لم يسكن أصلا، ومضى المدة.
стр. 6023
فَيَصِلُّ كَمَا فِي مَسْأَلَةِ الرُّومِيَّةِ وَالفَارِسِيَّةِ، وَهَذَا؛ لِأَنَّ سُكْنَاهُ بِنَفْسِهِ يُخَالِفُ إِسْكَانَهُ الحَدَّادَ؛ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ ذَلِكَ فِي مُطْلَقِ العَقْدِ وَكَذَا فِي أَخَوَاتِهَا، وَالإِجَارَةُ تُعْقَدُ لِلانْتِفَاعِ وَعِنْدَهُ تَرْتَفِعُ الجَهَالَهُ، وَلَوْ احْتِيجَ إِلَى الإِيجَابِ بِمُجَرَّدِ التَّسْلِيمِ يَجِبُ أَقَلُّ الْأَجْرَيْنِ لِلتَّيَقُنِ بِهِ.
بَابُ إِجَارَةِ العَبْدِ
قَالَ: (وَمَنْ اسْتَأْجَرَ عَبْدًا لِلْخِدْمَةِ، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُسَافِرَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ ذَلِكَ)؛ لِأَنَّ خِدْمَةَ السَّفَرِ اشْتَمَلَتْ عَلَى زِيَادَةِ مَشَقَّةٍ فَلَا يَنْتَظِمُهَا الإِطْلَاقُ، وَلِهَذَا جُعِلَ السَّفَرُ عُذرًا، فَلَا بُدَّ مِنْ اشْتِرَاطِهِ كَإِسْكَانِ الحَدَّادِ وَالقَصَّارِ فِي الدَّارِ، وَلِأَنَّ التَّفَاوُتَ بَيْنَ
(يجب أقل الأجرين للتيقن به) أي: بالأقل إذ الفضل لا يجب بالشك، وقيل: يجب الأقل، ويتنصف الفضل لوجوبه في حال دون حال، وقيل: يتنصف كل واحد من البدلين؛ لأنه متى سلم ولم توجد السكنى يجعل التسليم لهما؛ لأنه ليس أحدهما بأولى من الآخر فيجب سبعة ونصف فيما إذا كان أقلهما خمسة، وأكثرهما عشرة كذا في الذخيرة، والجامع البرهاني.
فأيًّا ما كان لا تتمكن الجهالة، فصار الأصل عند أبي حنيفة أن العقد إذا اشتمل على شيء معلوم ببدل معلوم، وضم إليه زيادة بزيادة البدل فإن العقد يقع على الأصل المعلوم، والفضل معلق باختيار الفضل في المعقود عليه، والله سبحانه أعلم.
بَابُ إِجَارَةِ الْعَبْدِ
لما فرغ من بيان أحكام الحُرِّ شرع في بيان أحكام تتعلق بالعبد لانحطاط درجة العبد من الحر في المعاملات.
قوله: (ولهذا جعل السفر عذرًا على ما يجيء في باب فسخ الإجارة.
فلا بد من اشتراطه كإسكان الحداد، والقصار في الدار)، حتى لو سافر به يضمن لمولاه؛ لأنه صار غاصبا، ولو رده إلى مولاه سالما لا أجر له عندنا، خلافا للأئمة الثلاثة؛ لأن الأجر والضمان لا يجتمعان عندنا.
فإن قيل: المستأجر في منافعه نزل منزلة مولاه في منافعه، وللمولى أن
стр. 6024
الخِدْمَتَيْنِ ظَاهِرُ، فَإِذَا تَعَيَّنَ الخِدْمَةُ فِي الحَضَرِ لَا يَبْقَى غَيْرُهُ دَاخِلًا كَمَا فِي الرُّكُوبِ
يسافر به فينبغي أن يكون له أن يسافر به.
قلنا: إنما يسافر المولى به لأنه يملك رقبته، والمستأجر إنما يملك منافعه بالعقد فيملك استخدامه في المصر عادةً، ولأن مؤنة الرد على الآجر بعد انتهاء العقد لأن منفعة العقد تعود إليه، فالمستأجر بالمسافرة يلزمه ما لم يلتزمه الآجر إذ مطلق العقد ينصرف إلى المتعارف، والظاهر من حال المولى أنه يريد الاستخدام في مكان العقد حتى لا يلزمه مؤنة الرد، وربما يربو ذلك على الآخر فيتعين مكان العقد للاستيفاء بدلالة الحال، كذا في المبسوط (١)، والذخيرة.
وهذا الخلاف ما لو صلح على خدمة العبد فإن المدعي يملك المسافرة بالعبد؛ لأن في الصلح ليست مؤنة الرد على المدعى عليه لأنه يزعم أنه ملك الخدمة بغير شيء فهو كالموصى له بالخدمة، فمؤنة الرد عليه دون الوارث، وفي الإجارة مؤنة الرد على الآجر، فبالإخراج يلزمه ما لا يلتزم.
قال شمس الأئمة السرخسي: وكان شيخنا يقول في الفرق: تأويل ما قال في كتاب الصلح أن أهل المدعي إذا كان في بعض القرى القريبة من المصر والمدعى عليه يعلم ذلك، أو كان هو على جناح السفر وعلم ذلك المدعى عليه فحينئذ يكون هو راضيا بإخراج العبد إلى أهله.
وتأويل ما قال في الإجارات أنه لم يكن ذلك معلومًا للآجر عد عقد الإجارة فلا يكون راضيا بإخراجه وتكلفة خدمة السفر.
ثم قال: والفرق عندي ما ذكرنا أولا (٢).
قوله: (كما في الركوب)، يعني إذا استأجر دابة ليركب بنفسه ليس له أن يُركب غيره للتفاوت بين الراكبين، فكذلك هاهنا لما تعينت الخدمة في الحضر بدلالة العادة ليس له أن يستخدمه في السفر للتفاوت بين الخدمتين، وكذا لو أطلق الركوب ثم ركب بنفسه، أو أركب غيره يتعين هو، فبعد ذلك ليس له أن
стр. 6025
(وَمَنْ اسْتَأْجَرَ عَبْدًا مَحْجُورًا عَلَيْهِ شَهْرًا، وَأَعْطَاهُ الأَجْرَ، فَلَيْسَ لِلْمُسْتَأْجِرِ أَنْ يَأْخُذَ مِنهُ الْأَجْرَ) وَأَصْلُهُ: أَنَّ الإِجَارَةَ صَحِيحَةٌ اسْتِحْسَانًا إِذَا فَرَغَ مِنْ العَمَلِ. وَالْقِيَاسُ: أَنْ لَا يَجُوزَ لِانْعِدَامِ إِذْنِ المَوْلَى وَقِيَامِ الحَجْرِ، فَصَارَ كَمَا إِذَا هَلَكَ العَبْدُ.
يُعَيِّن من يركبه أولا لأنه تعين للركوب فكذا هاهنا لما تغير خدمة (السفر) (١) بالعادة ليس له أن يسافر به.
قوله: (فأعطاه الأجر)، أي: بعد عمله.
قوله: (والقياس لا يُجز به) (٢)، وللمستأجر أن يأخذ منه لأن عقد المحجور عليه باطل.
(وصار كما إذا هلك العبد) أي: قبل الفراغ من العمل فإن القيمة تجب لا الأجر عندنا؛ لأن المستأجر صار غاصبا، ولا أجر على الغاصب عندنا.
وعند الأئمة الثلاثة يجب أجر المثل بقدر العمل، وبعد الفراغ من العمل يجب أجر المثل عندهم أيضًا لفساد العقد، وهذا عندنا.
بخلاف ما لو دفع إلى العبد المحجور أرضًا مزارعة ليزرعها العبد ببذره وهلك العبد فإنه لا يضمن؛ لأن البذر لما كان من العبد يصير العبد مستأجرًا للأرض، ولا يصير صاحب الأرض غاصبا للعبد؛ لأن من كان البذر من قبله يكون مستأجرًا، حتى لو كان البذر من قبل رب الأرض وهلك العبد في عمل المزارعة يضمن رب الأرض.
وعندنا في الاستحسان هو محجور عن تصرف يضرُّ بالمولى إلا عن تصرف ينفع المولى؛ كقبول الهبة، وإذا جاز عقد الإجارة بعدما سلم من العمل صح قبض العبد الأجرة؛ لأنه هو العاقد، وقبض البدل إلى العاقد، ومتى صح قبضه لا يكون للمستأجر أن يرده منه.
وكذا الحكم في الصبي المحجور إذا أجر نفسه وسلم من العمل، إلا أنه لو هلك الصبي من العمل فعلى عاقلة المستأجر الدية، وعليه الأجر فيما عمل قبل