وَالمَوْتُ أَنَفَى لِلْمَالِكِيَّةِ مِنْهُ لِلْمَمْلُوكِيَّةِ فَيَنْزِلُ حَيًّا تَقْدِيرًا، أَوْ تَسْتَنِدُ الحُرِّيَّةُ بِاسْتِنَادِ سَبَبِ الأَدَاءِ إِلَى مَا قَبْلَ المَوْتِ وَيَكُونُ أَدَاءُ خَلَفِهِ كَأَدَائِهِ، وَكُلُّ ذَلِكَ مُمْكِنٌ عَلَى مَا عُرِفَ تَمَامُهُ فِي الخِلَافِيَّاتِ.
(ولأن الموت أنفى للمالكية منه) أي من الموت (للمملوكية) لأن المملوكية عبارة عن المقدورية والمقهورية.
والمالكية: عبارة عن القادرية والقاهرية، ولهذا يوصف الجماد بكونه مملوكا، ولا يوصف بكونه مالكا.
والموت أنفى للقادرية والقاهرية، فإذا كان أنفى ولم ينف القادرية والقاهرية فأولى، وجاز إبقاء العقد مع أقوى المنافيين لأدنى الحاجتين، فلأن يبقى العقد مع أدنى المنافيين لأعلى (١) الحاجتين أولى وأحرى. وأما ما ذكر من الترديد فنقول: إنه يعتق بعد الموت عند البعض حتى يصرف ماله إلى قضاء حوائجه أولا من تجهيزه وتكفينه وقضاء دينه وتنفذ وصيته.
والجمهور على أنه يعتق في آخر جزء من أجزاء حياته، إما لأن سبب الأداء وهو عقد الكتابة - موجود قبل الموت، فيستند الأداء إليه ويجعل أداء خلفه كأدائه بنفسه.
فإن قيل: الأداء فعل حسي والإسناد إنما يكون في التصرفات الشرعية.
قلنا: نعم فعل النائب مضاف إلى المنوب، وهذه الإضافة شرعية، أن لا ترى أن من رمى صيدا فمات الرامي قبل أن يصيب ثم أصاب صار مالكا له، ويورث عنه؟ والميت ليس بأهل ولكن لما صح السبب، والملك يجب بعد تمام السبب، وتمامه بالإضافة إلى آخر جزء من أجزاء حياته فكذا هاهنا؛ لما كان السبب منعقدًا، وهو عقد الكتابة، والعتق موقوف على الأداء، والأداء جائز بعد الموت، والحكم - وهو وقوع العتق - مما يمكن إثباته من حين الموت كالملك، ثم حكمنا بعتقه في آخر جزء من أجزاء حياته إما بأن يقام (٢) الترك الموجود في آخر حياته مقام التخلية بين المال والمولى وهو الأداء المستحق عليه أو يكون أداء خَلَفِهِ كأدائه، وهذا معنى قوله: (على ما عرف تمامه في الخلافيات).
стр. 6127
قَالَ: (وَإِنْ لَمْ يَتْرُكْ وَفَاءٌ، وَتَرَكَ وَلَدًا مَوْلُودًا فِي الكِتَابَةِ، سَعَى فِي كِتَابَةِ أَبِيهِ عَلَى نُجُومِهِ، فَإِذَا أَدَّى حَكَمْنَا بِعِتْقِ أَبِيهِ قَبْلَ مَوْتِهِ، وَعِتْقِ الوَلَدِ) لِأَنَّ الوَلَدَ دَاخِلٌ فِي كِتَابَتِهِ، وَكَسْبُهُ كَكَسْبِهِ فَيَخْلُفُهُ فِي الأَدَاءِ، وَصَارَ كَمَا إِذَا تَرَكَ وَفَاءٌ (وَإِنْ تَرَكَ وَلَدًا مُشْتَرَى فِي الكِتَابَةِ قِيلَ لَهُ: إِمَّا أَنْ تُؤَدِّيَ بَدَلَ الكِتَابَةِ حَالَّةٌ، أَوْ تُرَدَّ رَقِيقًا) وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ. وَأَمَّا عِنْدَهُمَا: يُؤَدِّيهِ إِلَى أَجَلِهِ اعْتِبَارًا بِالوَلَدِ المَوْلُودِ فِي الكِتَابَةِ (*)، وَالجَامِعُ: أَنَّهُ يُكَاتِبُ عَلَيْهِ تَبَعًا لَهُ، وَلِهَذَا يَمْلِكُ المَوْلَى إِعْتَاقَهُ بِخِلَافِ سَائِرِ أَكْسَابِهِ. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ وَهُوَ الفَرْقُ بَيْنَ الفَصْلَيْنِ: أَنَّ الأَجَلَ يَثْبُتُ شَرْطًا فِي العَقْدِ، فَيَثْبُتُ فِي حَقِّ مَنْ دَخَلَ تَحْتَ العَقْدِ وَالمُشْتَرَى لَمْ يَدْخُلْ لِأَنَّهُ، لَمْ يُضِفْ إِلَيْهِ العَقْدَ وَلَا يَسْرِي حُكْمُهُ إِلَيْهِ لِانْفِصَالِهِ، بِخِلَافِ المَوْلُودِ فِي الكِتَابَةِ، لِأَنَّهُ مُتَّصِلٌ وَقْتَ الكِتَابَةِ فَيَسْرِي الحُكْمُ إِلَيْهِ، وَحَيْثُ دَخَلَ فِي حُكْمِهِ سَعَى فِي نُجُومِهِ (فَإِنْ اشْتَرَى ابْنَهُ، ثُمَّ مَاتَ وَتَرَكَ وَفَاءٌ: وَرِثَهُ ابْنُهُ) لِأَنَّهُ لَمَّا حَكَمَ بِحُرِّيَّتِهِ فِي آخِرِ جُزْءٍ مِنْ أَجْزَاءِ حَيَاتِهِ، يُحْكَمُ بِحُرِّيَّةِ ابْنِهِ فِي ذَلِكَ الوَقْتِ، لِأَنَّهُ تَبَعٌ لِأَبِيهِ فِي الكِتَابَةِ فَيَكُونُ هَذَا حُرًّا يَرِثُ عَنْ حُرِّ
فإن قيل: لو قذفه قاذف بعد أداء بدل الكتابة في حياته يحد قاذفه: ولو حكم بحريته في آخر حياته ينبغي أن يحد قاذفه، والحال أنه لا يحد.
قلنا: تثبت الحرية في آخر حياته؛ لضرورة حاجته إليها، والثابت بالضرورة لا يعدو موضعها، فلا يظهر في حق إحصانه، فلا يحد قاذفه مع أن الحدود تدرأ بالشبهات، والحرية هاهنا تثبت مع الشبهة، وما يثبت بالإسناد يثبت من وجه.
قوله: (أما عندهما) أي: عند أبي يوسف ومحمد (يؤديه إلى أجله) كالولد المولود في الكتابة وبه قال مالك، وهذا لأنه صار ابنه حتى ملك المولى إعتاقه كإعتاق أبيه بخلاف سائر أكساب المكاتب فإنه لا يملك إعتاقه.
قوله: (لأنه) أي: لأن المشتري لم يضف إليه العقد، ولم يسر حكم العقد إليه؛ لكونه منفصلا وقت العقد، وكان ينبغي أن يباع بعد موته؛ لفوات المتبوع ولكن إذا عجل صار كأنه مات عن وفاء، بخلاف المولود فإن العقد سرى إليه
стр. 6128
(وَكَذَلِكَ إِنْ كَانَ هُوَ وَابْنُهُ مُكَاتَبَيْنِ كِتَابَةٌ وَاحِدَةٌ) لِأَنَّ الوَلَدَ إِنْ كَانَ صَغِيرًا فَهُوَ تَبَعُ لِأَبِيهِ، وَإِنْ كَانَ كَبِيرًا جُعِلَا كَشَخْصِ وَاحِدٍ، فَإِذَا حَكَمَ بِحُرِّيَّةِ الأَبِ يَحْكُمُ بِحُرِّيَّتِهِ فِي تِلْكَ الحَالَةِ عَلَى مَا مَرَّ.
قَالَ: (وَإِنْ مَاتَ المُكَاتَبُ، وَلَهُ وَلَدٌ مِنْ حُرَّةٍ، وَتَرَكَ دَيْنًا وَفَاءً بِمُكَاتَبَتِهِ، فَجَنَى الوَلَدُ فَقُضِيَ بِهِ عَلَى عَاقِلَةِ الأُمِّ: لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ قَضَاءً بِعَجْزِ المُكَاتَبِ) لِأَنَّ هَذَا القَضَاءَ يُقَرِّرُ حُكْمَ الكِتَابَةِ، لِأَنَّ مِنْ قَضِيَّتِهَا
حكمه؛ لكونه متصلا به وقت الكتابة؛ لأنه ماؤه فيدخل في حكمه ويسعى في نجومه.
قوله: (كتابة واحدة) قيد به لأنه لو كانا مكاتبين بعقد على حدة لا يرثه ابنه كذا ذكره المحبوبي.
لأنه لما كان مقصودا بالكتابة فإنما يعتق من وقت أداء البدل مقصورا عليه؛ لأن الإسناد للضرورة، ولا ضرورة في حقه هاهنا، فكان عبدا عند موت أبيه فلا يرثه جعلا كشخص واحد؛ لاتحاد العقد فيهما فيعتقان معا ويُردان في الرق معًا.
قوله: (وإذا مات المكاتب وله ولد من حرة … ) إلى آخره يريد به الفرق بين هذه المسألة والتي تليها وهي قوله: (فإن اختصم موالي الأم … ) (١) إلى آخره.
والمكاتب إذا مات عن ولد ووفاء يرثه الحر أيضًا عندنا، خلافا لمالك وقد مر.
فإذا مات وترك دينا فيه (وفاء بمكاتبته فجنى الولد … ) إلى آخره (فقُضي به) أي: بأرش الجناية.
(لأن من قضيتها) أي: من قضية الكتابة أن يكون الولد ملحقا بموالي الأم؛ لقيام الكتابة لما أن له من المال ينتظر؛ لأن الدين مال باعتبار ماله، فلا يحكم بعتقه إلا عند أداء بدل الكتابة، وما لم يحكم بعتقه لم يظهر لولده ولاء في جانب أبيه، فيكون مولى لموالي الأم، وبعدما أدى البدل ظهر له ولاء في جانب الأب فيجر ولاؤه إلى موالي الأب، فلم يكن قضاء القاضي بموجب الجناية على عاقلة الأم فسخا للكتابة.
стр. 6129
إِلْحَاقُ الوَلَدِ بِمَوَالِي الأُمِّ وَإِيجَابِ العَقْلِ عَلَيْهِمْ، لَكِنْ عَلَى وَجْهِ يَحْتَمِلُ أَنْ يُعْتَقَ فَيَنْجَرَّ الوَلَاءُ إِلَى مَوَالِي الأبِ، وَالقَضَاءُ بِمَا يُقَرِّرُ حُكْمَهُ لَا يَكُونُ تَعْجِيزًا (وَإِنْ اخْتَصَمَ مَوَالِي الأُمِّ وَمَوَالِي الأَبِ فِي وَلَائِهِ، فَقَضَى بِهِ لِمَوَالِي الأُمِّ: فَهُوَ قَضَاءٌ بِالعَجْزِ) لِأَنَّ هَذَا اخْتِلَافٌ فِي الوَلَاءِ مَقْصُودًا، وَذَلِكَ يَبْتَنِي عَلَى بَقَاءِ الْكِتَابَةِ وَانْتِقَاضِهَا، فَإِنَّهَا إِذَا فُسِخَتْ مَاتَ عَبْدًا وَاسْتَقَرَّ الوَلَاءُ عَلَى مَوَالِي الْأُمِّ، وَإِذَا بَقِيَتْ وَاتَّصَلَ بِهَا الأَدَاءُ مَاتَ حُرًا، وَانْتَقَلَ الوَلَاءُ إِلَى مَوَالِي الأَبِ، وَهَذَا فَصْلٌ مُجْتَهَدٌ فِيهِ فَيَنْفُذُ مَا يُلاقِيهِ مِنْ القَضَاءِ فَلِهَذَا كَانَ تَعْجِيزًا.
أما في المسألة الثانية الاختلاف وقع في الولاء مقصودا؛ فيكون القضاء بالولاء لموالي الأم قضاء بعجز المكاتب وفسخ الكتابة ضرورة واقتضاء، وهذا القضاء صحيح بالإجماع؛ لأنه صادف محلًا مجتهدا فيه.
فإن عند بعض الصحابة يموت عبدًا وإن ترك وفاء كما ذكرنا فينفذ القضاء بالإجماع فتنفسخ الكتابة اقتضاء كذا ذكره شمس الأئمة وقاضي خان والمحبوبي.
ثم في مسألة الأرش إذا ظهر للولد ولاء من قبل الأب عند أداء البدل فموالي الأم لا يرجعون بما عقلوا من جناية الولد في حياة المكاتب على مولى الأب؛ لأنه إنما حكم بعتقه في آخر جزء حياته فلا يستند عتقه إلى أول عقد الكتابة، فكان موالي الأم عند جناية مواليه حقيقة، فلم يرجعوا بما عقلوا إما يرجعون بما عقلوا عن جنايته بعد موت الأب قبل أداء البدل؛ لأن عتق الأب لما استند إلى حال حياته بين أن ولاءه كان لموالي الأب من ذلك الوقت وموالي الأم يجبرون على الأداء فيرجعون بما أدوا، كالملاعن إذا كذب نفسه بعدما جنى الولد، وقوم أمه عقل جنايته، فإنهم يرجعون بظهور النسب من وقت الجناية فكذا هذا، كذا في شرح الجامع لشمس الأئمة، وقاضي خان والمحبوبي.
وذكر التمرتاشي: هذا الذي ذكرنا فيما إذا مات عن وفاء، فإن مات لا عن وفاء قال الإسكاف: تنفسخ الكتابة حتى لو تطوع إنسان بأداء بدل الكتابة لا يقبل منه.
стр. 6130
قَالَ: (وَمَا أَدَّى المُكَاتَبُ مِنْ الصَّدَقَاتِ إِلَى مَوْلَاهُ، ثُمَّ عَجَزَ: فَهُوَ طَيِّبٌ لِلْمَوْلَى لِتَبَدُّلِ المِلْكِ) فَإِنَّ العَبْدَ يَتَمَلَّكُهُ صَدَقَةٌ وَالمَوْلَى عِوَضًا عَنْ العِتْقِ، وَإِلَيْهِ وَقَعَت الإِشَارَةُ النَّبَوِيَّةُ فِي حَدِيثِ بَرِيرَةَ ﵂: «هِيَ لَهَا صَدَقَةٌ، وَلَنَا هَدِيَّةٌ» وَهَذَا بِخِلَافِ مَا إِذَا أَبَاحَ لِلْغَنِيِّ وَالهَاشِمِيّ، لِأَنَّ المُبَاحَ لَهُ يَتَنَاوَلُهُ عَلَى مِلْكِ المُبِيحِ، وَنَظِيرُهُ المُشْتَرِي شِرَاءٌ فَاسِدًا إِذَا أَبَاحَ لِغَيْرِهِ لَا يَطِيبُ لَهُ وَلَوْ مَلَكَهُ يَطِيبُ، وَلَوْ عَجَزَ قَبْلَ الأَدَاءِ إِلَى المَوْلَى فَكَذَلِكَ الجَوَابُ، وَهَذَا عِنْدَ مُحَمَّدٍ ظَاهِرٌ، لِأَنَّ بِالعَجْزِ يَتَبَدَّلُ المِلْكُ عِنْدَهُ، وَكَذَا عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ، وَإِنْ كَانَ بِالعَجْزِ يَتَقَرَّرُ مِلْكُ المَوْلَى عِنْدَهُ، لِأَنَّهُ لَا خُبْثَ فِي نَفْسِ الصَّدَقَةِ، وَإِنَّمَا الخُبْثُ فِي فِعْلِ الْآخِذِ لِكَوْنِهِ إِذْلَالًا بِهِ.
قوله: (لتبدل الملك) فإن قيل: ملك الرقبة كان للمولى فكيف يتحقق تبدله؟ قلنا: ملك الرقبة كان للمولى مغلوبا في مقابلة ملك اليد، ولهذا التصرف للمكاتب لا للمولى، وله أن يمنع المولى من التصرف، وبالعجز يصير الأمر على العكس فكان تبدلا.
(وإليه وقعت الإشارة) أي: إلى التبدل والحل بعد التبدل وقعت الإشارة النبوية في حديث بريرة مع أن بريرة كانت مكاتبة.
وذكر المحبوبي وقاضي خان هذه المسألة على وجهين: إما أن يعجز قبل أداء الصدقة إلى مولاه أو بعده.
فإن عجز بعد الأداء طاب المقبوض بالإجماع؛ لتبدل الملك كما ذكره في المتن.
أما إذا أخذ المولى مال الصدقة بعد عجزه وهو غني أو هاشمي فعلى قول محمد يطيب؛ لأن المذهب عنده أن المولى يملك أكسابه عند عجزه ملكا مبتدأ فيتبدل الملك ولهذا أوجب نقض الإجارة في المكاتب إذا أجر أمته ظئرا.
وأما عند أبي يوسف فكذلك في الصحيح، وإن كان قياس مذهبه يقتضي أن لا يحل؛ لأنه لا يتبدل الملك بالعجز عنده بل يتقرر، وصار كأن الصدقة وقعت من الأصل للمولى، لكن الحنث عنده في فعل الأخذ لا في غير المال كما ذكر في المتن.
стр. 6131
وَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ لِلْغَنِيِّ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ، وَلِلْهَا شِمِي لِزِيَادَةِ حُرْمَتِهِ، وَالأَخْذُ لَمْ يُوجَدْ مِنْ المَوْلَى فَصَارَ كَابْنِ السَّبِيلِ إِذَا وَصَلَ إِلَى وَطَنِهِ، وَالفَقِيرِ إِذَا اسْتَغْنَى، وَقَدْ بَقِيَ فِي أَيْدِيهِمَا مَا أَخَذَا مِنْ الصَّدَقَةِ فَإِنَّهُ يَطِيبُ لَهُمَا، وَعَلَى هَذَا إِذَا أُعْتِقَ المُكَاتَبُ وَاسْتَغْنَى يَطِيبُ لَهُ مَا بَقِيَ مِنْ الصَّدَقَةِ فِي يَدِهِ.
قَالَ: (وَإِذَا جَنَى العَبْدُ فَكَاتَبَهُ مَوْلَاهُ وَلَمْ يَعْلَمْ بِالجِنَايَةِ، ثُمَّ عَجَزَ: فَإِنَّهُ يَدْفَعُ أَوْ يُفدَى) لِأَنَّ هَذَا مُوجِبُ جِنَايَةِ العَبْدِ فِي الأَصْلِ، وَلَمْ يَكُنْ عَالِمًا بِالجِنَايَةِ عِنْدَ الكِتَابَةِ حَتَّى يَصِيرَ مُخْتَارًا لِلْفِدَاءِ إِلَّا أَنَّ الكِتَابَةَ مَانِعَةٌ مِنْ الدَّفْعِ، فَإِذَا زَالَ عَادَ الحُكْمُ الأَصْلِيُّ (وَكَذَلِكَ إِذَا جَنَى المُكَاتَبُ وَلَمْ يُقْضَ بِهِ حَتَّى عَجَزَ) لِمَا بَيَّنَّا مِنْ زَوَالِ المَانِعِ وَإِنْ قَضَى بِهِ عَلَيْهِ فِي كِتَابَتِهِ ثُمَّ عَجَزَ: فَهُوَ دَيْنٌ يُبَاعُ فِيهِ لِانْتِقَالِ الحَقِّ مِنْ
قوله: (يطيب لهما) أي: للفقير إذا استغنى وابن السبيل، وكذا لو مات الفقير وابن السبيل يحل لوارثهما الغني الصدقة.
قوله: (وإذا جنى العبد فكاتبه) اعلم أن المولى لما كاتب العبد ولم يعلم بجنايته لا يكون عقد الكتابة اختيارًا للفداء، كما لو باعه وهو لا يعلم بجنايته، فإذا لم [يكن] (١) اختيارًا يغرم قيمته كما في البيع؛ لامتناع الدفع بالكتابة والبيع، فإذا زال المانع قبل انتقال الحق عن الرقبة عاد الحكم الأصلي، وهو إما الدفع أو الفداء.
(وكذا إذا جنى المكاتب ولم يقض به) أي: بأرش الجناية حتى عجز لما بينا من زوال المانع ولا يعلم فيه خلاف.
وفي جناية المكاتب يجب الأقل من قيمته، ومن أرش الجناية كما في المدبر وأم الولد، كذا في المبسوط.
قوله: (وإن قضى به) أي: بموجب الجناية على المكاتب (في حال كتابته ثم عجز فهو) أي: قدر قيمته دينا عليه يباع فيه.
وعند الأئمة الثلاثة: بالعجز يُرَدُّ إلى الرق فخير (٢) سيده.
стр. 6132
الرَّقَبَةِ إِلَى قِيمَتِهِ بِالقَضَاءِ، وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ، وَقَدْ رَجَعَ أَبُو يُوسُفَ إِلَيْهِ، وَكَانَ يَقُولُ أَوَّلا: يُبَاعُ فِيهِ وَإِنْ عَجَزَ قَبْلَ القَضَاءِ، وَهُوَ قَوْلُ زُفَرَ، لِأَنَّ المَانِعَ مِنْ الدَّفْعِ وَهُوَ الكِتَابَةُ قَائِمٌ وَقْتَ الجِنَايَةِ، فَكَمَا وَقَعَتْ انْعَقَدَتْ مُوجِبَةٌ لِلْقِيمَةِ كَمَا فِي جِنَايَةِ المُدَبَّرِ وَأُمِّ الوَلَدِ.
وَلَنَا: أَنَّ المَانِعَ قَابِلٌ لِلزَّوَالِ لِلتَّرَدُّدِ، وَلَمْ يَثْبُتْ الانْتِقَالُ فِي الحَالِ، فَيَتَوَقَّفُ عَلَى القَضَاءِ، أَوْ الرِّضَا، وَصَارَ كَالعَبْدِ المَبِيعِ إِذَا أَبَقَ قَبْلَ القَبْضِ، يَتَوَقَّفُ الفَسْخُ عَلَى القَضَاءِ لِتَرَدُّدِهِ وَاحْتِمَالِ عَوْدِهِ، كَذَا هَذَا، بِخِلَافِ التَّدْبِيرِ وَالِاسْتِيلَادِ، لِأَنَّهُمَا لَا يَقْبَلَانِ الزَّوَالَ بِحَالٍ.
قَالَ: (وَإِذَا مَاتَ مَوْلَى المَكَاتَبِ: لَمْ تَنْفَسِخِ الكِتَابَةُ) كَيْ لَا يُؤَدِّي إِلَى إِبْطَالِ حَقِّ المُكَاتَبِ، إِذْ الْكِتَابَةُ سَبَبُ الحُرِّيَّةِ وَسَبَبُ حَقِّ المَرْءِ حَقَّهُ (وَقِيلَ لَهُ: أَدِّ المَالَ
وعند زفر - وهو قول أبي يوسف: - أولا يباع في قيمته في الفصلين إلا أن يقضي المولى عنه؛ لأن المكاتب ليس بمحل للدفع، وجنايته لا تتعلق برقبته، فوجب أن تصير جنايته موجبة للقيمة بنفس الوقوع كما في المدبر وأم الولد.
وقلنا: الأصل في جناية العبد وجوب الدفع: إلا أن يتعذر التسليم بوجود المانع من الانتقال من ملك إلى ملك، والمانع هاهنا قابل للفسخ والزوال، فلما كان المانع مترددا لم يثبت الانتقال عن الموجب الأصلي إلا بالقضاء والرضا كالعبد المبيع إذا أبق قبل القبض لا ينتقض البيع إلا بالقضاء؛ لتردده واحتمال عوده، بخلاف التدبير والاستيلاد؛ لأن المانع ثابت متقرر لا يقبل الزوال، فوجب القيمة بلا توقف، إليه أشار قاضي خان والمحبوبي.
قوله: (كيلا تؤدي إلى إبطال حق المكاتب) بفتح التاء وهو العبد المكاتب.
قوله: (وسبب حق المرء حقه) يعني الحرية حق العبد والكتابة سببها، فتكون الكتابة حقه، والحق لا يبطل بالموت كما لو كان على آخر دين ومات الآخر.
(وقيل له) أي: للمكاتب (أد المال) إلى آخره ولا يعلم فيه خلاف.
стр. 6133
إِلَى وَرَثَةِ المَوْلَى عَلَى نُجُومِهِ) لِأَنَّهُ اسْتِحْقَاقُ الحُرِّيَّةِ عَلَى هَذَا الوَجْهِ، وَالسَّبَبُ انْعَقَدَ كَذَلِكَ فَيَبْقَى بِهَذِهِ الصِّفَةِ وَلَا يَتَغَيَّرُ، إِلَّا أَنَّ الوَرَثَةَ: يَخْلُفُونَهُ فِي الاسْتِيفَاءِ (فَإِنْ أَعْتَقَهُ أَحَدُ الوَرَثَةِ لَمْ يَنْفُذُ عِتْقُهُ) لِأَنَّهُ لَمْ يَمْلِكُهُ، وَهَذَا لِأَنَّ المُكَاتِبَ لَا يَمْلِكُ بِسَائِرِ أَسْبَابِ المِلْكِ فَكَذَا بِسَبَبِ الوِرَاثَةِ.
وَإِنْ أَعْتَقُوهُ جَمِيعًا عَتَقَ وَسَقَطَ عَنْهُ بَدَلُ الكِتَابَةِ، لِأَنَّهُ يَصِيرُ إِبْرَاءً عَنْ بَدَلِ الكِتَابَةِ فَإِنَّهُ حَقَّهُمْ وَقَدْ جَرَى فِيهِ الإِرْثُ، وَإِذَا بَرِئَ المُكَاتَبُ عَنْ بَدَلِ الكِتَابَةِ يُعْتَقُ
وهذا بخلاف ما لو كاتب المريض عبده على ألفين إلى سنة، وقيمته ألف ثم مات ولا مال له غيره فإنه يؤدي ثلثي القيمة حالاً، وكذا ذكر فيما بعده أدى ثلثي القيمة حالاً أو يرد رقيقا، وهاهنا يؤديه على نجومه مؤجلا لا حالا؛ لما أن وضع المسألة هاهنا مطلقا فيكون محمولاً على حال الصحة؛ لأن ذلك هو المطلق من الأحوال؛ وهناك وضع في المريض، والمرض من العوارض، وبه صرح في المبسوط.
وحاصله: أن يصرف المريض؛ لما انحصر بثلث المال في حق الإسقاط فكذا انحصر تصرفه في حق الثلث في حق التأجيل؛ فإن أعتقه أحد الورثة لم ينفذ عتقه؛ لأن المكاتب يورث؛ لأنه مملوك؛ والمملوك يورث فصار كإعتاق الكل.
وقلنا: أضاف التصرف إلى ما لا يملكه فيلغو كأحد الشريكين إذا أعتق نصيب شريكه فإنه يلغو، وهذا لأن المكاتب لا يورث؛ لأنه سبب الملك ولا يملك المكاتب سببًا من أسباب الملك، فكذا بسبب الوراثة.
والقياس في إعتاق الكل أن لا ينفذ عتقهم ولا يسقط حقهم في بدل الكتابة؛ لإضافتهم التصرف إلى ما ليس بملكهم، وإنما حكمنا بعتقه استحسانا؛ لأن إعتاق كله مسقط لبدل الكتابة عنه فيمكن أن يجعل إعتاقه إسقاطا لبدل الكتابة إذ هو حقهم، وقد جرى فيه الإرث صونا للكلام عن الإلغاء، وبراءته عن البدل سبب لعتقه كما لو أبرأه المولى، وكما لو قال صريحا: أبرأناك عن البدل.
стр. 6134
كَمَا إِذَا أَبْرَأَهُ المَوْلَى، إِلَّا أَنَّهُ إِذَا أَعْتَقَهُ أَحَدُ الوَرَثَةِ لَا يَصِيرُ إِبْرَاء عَنْ نَصِيبِهِ، لِأَنَّا نَجْعَلُهُ إِبْرَاءَ اقْتِضَاءِ تَصْحِيحًا لِعِتْقِهِ. وَالعِتْقُ لَا يَثْبُتُ بِإِبْرَاءِ البَعْضِ أَوْ أَدَائِهِ فِي المُكَاتَبِ لَا فِي بَعْضِهِ وَلَا فِي كُلِّهِ، وَلَا وَجْهَ إِلَى إِبْرَاءِ الكُلِّ لِحَقِّ بَقِيَّةِ الوَرَثَةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
ألا ترى أنه إذا أعتق بعضه بالتدبير بموت المولى لا يسقط عنه شيء من بدل الكتابة، ولا يصير إبراء عن نصيبه؟ لأنا نجعلها إبراء اقتضاء تصحيحا لإعتقاهم، والعتق بإبراء البعض كأداء بعض البدل ولا جائز أن يثبت الإبراء عن الكل، لأن الكل حق الكل لا حقه إليه أشار في مكاتب المبسوط.
شرط الخيار جائز في عقد الكتابة عندنا.
وقالت الأئمة الثلاثة: لا يجوز؛ لأن الخيار شرع لدفع العين عن المال، والسيد دخل على بصيرة، وأن له الحط لعبده فلا معنى للخيار.
وقلنا هو عقد معاوضة، فيجوز فيه الخيار كما في البيع، وقد بينا الخلاف في بيع المكاتب في البيوع.
стр. 6135
كِتَابُ الوَلَاءِ
الوَلَاءُ نَوْعَانِ: وَلَاءُ عَتَاقَةٍ، وَيُسَمَّى وَلَاءَ نِعْمَةٍ،
كِتَابُ الْوَلَاءِ
إيراد الولاء عقيب الكتابة ظاهر التناسب؛ لأن فيه أثرًا من آثار التكاسب، وهو المرجح لإيراده هاهنا دون عقيب الإعتاق، ثم محاسن الولاء لا تحتاج إلى البيان؛ لأنه ثمرة الإحسان، وفيه شكر المنعم وإتمام الإحسان.
والولاء لغة: مشتق من الولي، وهو القرب، وحصول الثاني بعد الأول من غير فصل.
وقيل: الولاء والولاية بالفتح النصرة والمحبة.
إلا أنه اختص في الشرع بولاء العتق والموالاة؛ لأنه عبارة في الشرع عن التناصر سواء كان الإعتاق أو بالعقد.
ولهذا قال في المبسوط: والمقصود منها التناصر، وقد كانوا في الجاهلية يتناصرون بأسباب منها: الحلف، والممالحة، فالشرع قرر حكم التناصر بالولاء.
وسببه ما ذكر في الكتاب من العتق والعقد.
وقيل: سببه زوال الملك بالحرية بأي جهة كان بجهة الواجب كالعتق للكفارة، أو بغير جهة بالإعتاق والتدبير والاستيلاد والكتابة وملك القريب، وحكم الولاء الإرث كما يجيء ولا خلاف فيه، إليه أشار في الذخيرة.
قوله: (ويسمى ولاء نعمة) وسمى ولاء العتاقة ولاء النعمة اقتداء بكتاب الله تعالى: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٣٧] أي: أنعم الله بالإسلام، وأنعمت عليه بالإعتاق، والآية في زيد بن حارثة مولى رسول الله ﷺ .
стр. 6136
وَسَبَبُهُ: العِتْقُ عَلَى مِلْكِهِ فِي الصَّحِيحِ، … ... …
قوله: (وسببه) أي: سبب ولاء العتاقة (العتق على ملكه) كما ذكرنا بأي جهة كان.
وقوله: (في الصحيح) احترازًا عن قول أصحابنا، فإنهم يقولون: سببه الإعتاق مستدلين بقوله ﵊: «الوَلاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ» (١)، ولكنه ضعيف، فإن تملك القريب يعتق ويثبت الولاء بإجماع أهل العلم، ولا إعتاق هاهنا.
والصحيح: أن سببه العتق على ملكه؛ لأن الحكم يضاف إلى سببه، يقال ولاء العتاقة، ولا يقال ولاء الإعتاق، كذا في المبسوط والذخيرة.
ومعنى قوله ﵊: «الوَلاءُ لِمَنْ أعْتَقَ» أي: يعتقه فكان أولى؛ لتناوله الصورتين، وبنى على ذلك حكم الإرث بولاء العتاقة بإجماع أهل العلم.
وبالموالاة خلاف إذا ثبت هذا كل معتق غير حربي يستحق الولاء بإجماع أهل العلم.
والحربي لو أعتق حربيا ثم خرجا مسلمين لا يستحق ولاؤه عند أبي حنيفة ومحمد لعدم صحة العتق في دار الحرب، بل يعتق بالتخلية.
وعند عامة أهل العلم وأبي يوسف يصح، ويكون ولاؤه له؛ لأنه علق بالإعتاق والتخلية جميعا.
وباختلاف دين السيد والمعتق الولاء ثابت ولا يرثه عند جمهور الفقهاء لقوله ﵊: «لَا يَرِثُ المُسلِمُ الكافِرَ ولا الكافِرُ المُسلِمَ» (٢).
وعن أحمد فيه روايتان في رواية لا يرثه كقول الجمهور، وفي رواية يرثه.
وروي ذلك عن علي وعمر بن عبد العزيز، وبه قال أهل الظاهر، واحتج أحمد بقول علي "الولاء شعبة من الرق".
стр. 6137
حَتَّى لَوْ عَتَقَ قَرِيبُهُ عَلَيْهِ بِالوِرَاثَةِ كَانَ الوَلَاء لَهُ. وَوَلَاءُ مُوَالَاةٍ، وَسَبَبُهُ العَقْدُ، وَلِهَذَا يُقَالُ وَلَاءُ العَتَاقَةِ وَوَلَاءُ المُوَالَاةِ، وَالحُكْمُ يُضَافُ إِلَى سَبَبِهِ، وَالمَعْنَى فِيهِمَا التَّنَاصُرُ، وَكَانَتْ العَرَبُ تَتَنَاصَرُ بِأَشْيَاءَ، وَقَرَّرَ النَّبِيُّ ﷺ تَنَاصُرَهُمْ بِالوَلَاءِ بِنَوْعَيْهِ فَقَالَ: «إِنَّ مَوْلَى الْقَوْمِ مِنْهُمْ وَحَلِيفَهُمْ مِنْهُمْ وَالمُرَادُ بِالحَلِيفِ مَوْلَى المُوَالَاةِ، لِأَنَّهُمْ كَانُوا يُؤَكِّدُونَ المُوَالَاةَ بِالحِلْفِ.
قَالَ: (وَإِذَا أَعْتَقَ المَوْلَى مَمْلُوكَهُ: فَوَلَاؤُهُ لَهُ) لِقَوْلِهِ ﵊: «الوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ»، وَلِأَنَّ التَّنَاصُرَ بِهِ، فَيَعْقِلُهُ، وَقَدْ أَحْيَاهُ مَعْنَى بِإِزَالَةِ الرِّقٌ عَنْهُ، فَيَرِثُهُ وَيَصِيرُ الوَلَاءُ كَالوِلَادِ، وَلِأَنَّ الغُنْمَ بِالغُرْمِ، وَكَذَا المَرْأَةُ تَعْتِقُ لِمَا رَوَيْنَا، وَمَاتَ مُعْتَقٌ لِابْنَةِ حَمْزَةَ ﵂ وَعَنْ بِنْتِ فَجَعَلَ النَّبِيُّ ﵊ المَالَ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ». وَيُسْتَوَى فِيهِ الإِعْتَاقُ بِمَالٍ وَبِغَيْرِهِ لِإِطْلَاقِ مَا ذَكَرْنَاهُ.
قَالَ: (فَإِنْ شَرَطَ أَنَّهُ سَائِبَةٌ: فَالشَّرْطُ بَاطِلٌ، وَالوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ) لِأَنَّ الشَّرْطَ
وقال مالك: يرث المسلم مولاه النصراني، ولا يرث النصراني المسلم؛ لأنه لا يصلح له تملكه.
قوله: (لما روينا)، وهو قوله ﵊: «الولاء لمن أعتق» وما ذكره من المعقول، وهو أن ثبوت الولاء بإحداث قوة المالكية وإزالة الرق في المُعتَقِ، وفي هذا يستوي الرجل والمرأة، والإعتاق بالمال وغير المال.
قوله: (فإن شرط أنه سائبة) أي: شرط أن لا يرثه ولا يكون له عليه ولاء، فالشرط باطل عند جمهور العلماء.
وعند أحمد لم يكن له الولاء عليه إن عتقه سائبة، فلو أخذ من ميراثه شيئًا رده في مثله، وفي المنصوص عن أحمد لو خلف مالا ولم يدع وارنا اشتري بماله رقابًا فأعتقهم؛ لأن ابن عمر أعتق عبده سائبة فمات فاشترى بماله رقابا فأعتقهم.
وقال مالك ومكحول وأبو العالية والزهري وعمر بن عبد العزيز: يجعل ولاءه لجماعة المسلمين كذا فعله بعض الصحابة.
стр. 6138
مُخَالِفٌ لِلنَّصِّ فَلَا يَصِحُّ.
قَالَ: (وَإِذَا أَدَّى المُكَاتَبُ: عَتَقَ، وَوَلَاؤُهُ لِلْمَوْلَى، وَإِنْ عَتَقَ بَعْدَ مَوْتِ المَوْلَى) لِأَنَّهُ عَتَقَ عَلَيْهِ بِمَا بَاشَرَ مِنْ السَّبَبِ وَهُوَ الكِتَابَةُ وَقَدْ قَرَّرْنَاهُ فِي المُكَاتَبِ
وقال ابن قدامة في المغني: ولعل أحمد ذهب إلى شراء الرقاب استحبابا لفعل ابن عمر، والولاء للمعتق، وهو قول أبي حنيفة وأهل العراق والشافعي والشعبي والنخعي وابن سيرين وراشد بن سعد وضمرة بن حبيب لقوله ﵊: «الوَلاءُ لِمَنْ أعتَقَ» فيكون الشرط مخالفًا للنص، فلا يصح.
ولأنه ﵇ جعل الولاء لحمة كلحمة النسبة (١)، أي: وصلة كوصلة والنسب لا يزول عن فراش بشرط زواله فكذا الولاء.
ولذلك لما رأى أهل بريرة اشتراط ولائها على عائشة فقال ﵊: «اشْتَرِيها واشْتَرِطي لَهُمُ الوَلاءَ وإنّما الوَلاءُ لِمَنْ أَعتَقَ» (٢)، يعني اشتراطهم تحويل الولاء لا يفيد ولا يزيل عن المعتق.
وفي المواضع الذي جعل بعض الصحابة ميراثه لبيت المال أو في مثله كالتبرع المعتق (٣) ويوزعه عن ميراثه كما فعل ابن عمر في ميراث معتقه وفعل عمر وابن مسعود في ميراث الذي تورع سيده عن أخذه.
وقيل في تأويل قوله تعالى: ﴿مَا جَعَلَ اللهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ﴾ [المائدة: ١٠٣] أن الرجل إذا أعتق عبدًا قال: هو سائبة، لا ميراث ولا عقل بينهما.
قوله: (وقد قررناه في المكاتب) أن ولاءه لمولاه، وهو قول عامة الفقهاء.
стр. 6139
(وَكَذَا الْعَبْدُ المُوصَى بِعِتْقِهِ، أَوْ بِشِرَائِهِ وَعِتْقِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ) لِأَنَّ فِعْلَ الوَصِيِّ بَعْدَ مَوْتِهِ كَفِعْلِهِ، وَالتَّرِكَةُ عَلَى حُكْمِ مِلْكِهِ (وَإِنْ مَاتَ المَوْلَى عَتَقَ مُدَبَّرُوهُ وَأُمَّهَاتُ أَوْلَادِهِ لِمَا بَيَّنَّا فِي العِتَاقِ (وَوَلَاؤُهُمْ لَهُ) لِأَنَّهُ أَعْتَقَهُمْ بِالتَّدْبِيرِ وَالِاسْتِيلَادِ (وَمَنْ مَلَكَ ذَا رَحِمٍ مَحْرَمٍ مِنهُ عَتَقَ عَلَيْهِ لِمَا بَيَّنَّا فِي العَتَاقِ (وَوَلَاؤُهُ لَهُ) لِوُجُودِ السَّبَبِ وَهُوَ العِتْقُ عَلَيْهِ (وَإِذَا تَزَوَّجَ عَبْدُ رَجُلٍ أَمَةٌ لِآخَرَ، فَأَعْتَقَ مَوْلَى الأَمَةِ الأَمَةَ، وَهِيَ حَامِلٌ مِنْ العَبْدِ: عَتَقَتْ وَعَتَقَ حَمْلُهَا، وَوَلَاءُ الحَمْلِ لِمَوْلَى الأُمِّ لَا يَنْتَقِلُ عَنْهُ أَبَدًا) لِأَنَّهُ عَتَقَ عَلَى مُعْتِقِ الأُمِّ مَقْصُودًا إِذْ هُوَ جُزْءٌ مِنهَا يَقْبَلُ الإِعْتَاقَ مَقْصُودًا فَلَا يَنْتَقِلُ وَلَا ؤُهُ عَنْهُ عَمَلًا بِمَا رَوَيْنَا وَكَذَلِكَ: إِذَا وَلَدَتْ وَلَدًا لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ) لِلتَّيَقُنِ بِقِيَامِ الحَمْلِ وَقْتَ الإِعْتَاقِ أَوْ وَلَدَتْ وَلَدَيْنِ أَحَدُهُمَا لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ) لِأَنَّهُمَا تَوْأَمَانِ يَتَعَلَّقَانِ مَعًا. وَهَذَا بِخِلَافِ مَا إِذَا وَالَتْ رَجُلًا وَهِيَ حُبْلَى وَالزَّوْجُ وَالَى غَيْرَهُ حَيْثُ يَكُونُ وَلَاءُ الوَلَدِ لِمَوْلَى الأَبِ، لِأَنَّ الجَنِينَ غَيْرُ قَابِل لِهَذَا الوَلَاءِ مَقْصُودًا، لِأَنَّ تَمَامَهُ
وعن عمرو بن دينار: لا ولاء على المكاتب؛ لأنه اشترى نفسه من سيده، فلم يكن عليه ولاء كما لو اشتراه أجنبي.
وقال مكحول: المكاتب إذا اشترط ولاءه مع رقبته جاز.
وقال قتادة: من لم يشترط ولاء مكاتبه فلمكاتبه أن يوالي من شاء.
ولنا حديث بريرة أنها مكاتبة فجاءت عائشة فقالت عائشة: أعددت لهم عدة واحدة ويكون ولاؤك [لي] (١)، فأبوا قومها أن يبيعوها إلا أن يكون الولاء لهم، فقال ﵊: «اِشْتَريها واشْتَرِطي لَهُمُ الولاء» وهذا يدل على أن الولاء كان لهم لو لم تشترها، ولأن السيد هو العتق له لأن بيع ما له بماله لا يجوز، وقد قال ﵊: «الوَلاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ».
قوله: (على معتق الأم) بكسر التاء (مقصودًا) إذا هو أضاف الإعتاق إلى جميع أجزائها، والولد جزؤها ويعتق مقصودا أيضًا فلا ينتقل ولاؤه عنه لظاهر ما روينا كذا ذكره شيخ الإسلام.
стр. 6140
بِالإِيجَابِ وَالقَبُولِ وَهُوَ لَيْسَ بِمَحَلٌ لَهُ.
قَالَ: (فَإِنْ وَلَدَتْ بَعْدَ عِتْقِهَا لِأَكْثَرَ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ وَلَدًا: فَوَلَاؤُهُ لِمَوَالِي الأُمِّ) لِأَنَّهُ عَتَقَ تَبَعًا لِلْأُمِّ لاتِّصَالِهِ بِهَا بَعْدَ عِتْقِهَا فَيَتْبَعُهَا فِي الوَلَاءِ وَلَمْ يَتَيَقَّنْ بِقِيَامِهِ وَقْتَ الإِعْتَاقِ حَتَّى يَعْتِقَ مَقْصُودًا (فَإِنْ أُعْتِقَ الأَبُ جَرَّ وَلَاءَ ابْنِهِ وَانْتَقَلَ عَنْ مَوَالِي الْأُمِّ إِلَى
قوله: (وهو) أي الجنين ليس بمحل للإيجاب والقبول.
قوله: (جر الأب ولاء ابنه) وهذا قول الفقهاء والتابعين والصحابة.
وقال داود والزهري وميمون بن مهران وحميد بن عبد الرحمن: إن الولاء لا ينجر عن موالي الأم، وقد روي عن عثمان وزيد بن ثابت مثل هذا، وذلك لأن الولاء لحمة كلحمة النسب والنسب لا يزول عمن ثبت له فكذا الولاء.
وللجمهور أن الانتساب إلى الأب فكذا الولاء، وإنما كان ولاء الولد لموالي الأم ضرورة، فإذا أعتق الأب زالت الضرورة فعادت النسب إليه.
وروي عن الزبير أنه لما قدم خيبر رأى فِتْيَةٌ لُعْسًا، فأعجبه ظرفهم وجمالهم، فسأل عنهم فقيل له موالي رافع بن خديج، وأبوهم مملوك لابن الحرقة، فاشترى الزبير أباهم فأعتقهم وقال لأولاده: انتسبوا إلي فإن ولاءكم لي، فقال رافع بن خديج: الولاء لي، فاحتكموا إلى عثمان فقضى بالولاء للزبير، فاجتمعت الصحابة عليه وهو المشهور من عثمان.
وأما قولهم: النسب لا يزول ولا يفسخ بعد ثبوته.
قلنا: نعم، ولكن حدث ولاء أولى منه فقُدِّمَ عليه كما في الأخ أنه عصبة فإذا حدث ابن لا يبطل تعصيبه ولكن تقدم الابن عليه.
اللعس: سواد في الشفتين تستحسنه العرب.
والحُرَقَة: بضم الحاء المهملة وفتح الراء المهملة: قلب لبطن من جهينة، ومعنى قوله: أعجبه ظرفهم: أي: ملاحتهم، وقيل: كياستهم؛ فمن كان بهذا اللون فهو كيس عادة، كذا في المبسوط والمغني لابن قدامة والمغرب.
قوله ﵊: «الوَلاءُ لُحمةٌ كَلُحْمَةِ النسب» (١)، أي: تشابك
стр. 6141
مَوَالِي الْأَبِ) لِأَنَّ العِتْقَ هَاهُنَا فِي الوَلَدِ يَثْبُتُ تَبَعًا لِلْأُمّ، بِخِلَافِ الأَوَّلِ، وَهَذَا لِأَنَّ الوَلَاءَ بِمَنْزِلَةِ النَّسَبِ قَالَ ﵊: «الوَلاءُ لُحْمَةٌ كَلُحْمَةِ النَّسَبِ لَا يُبَاعُ وَلَا يُوهَبُ وَلَا يُورَثُ» ثُمَّ النَّسَبُ إِلَى الآبَاءِ فَكَذَلِكَ الوَلَاءُ، وَالنِّسْبَةُ إِلَى مَوَالِي الْأُمِّ كَانَتْ لِعَدَمِ أَهْلِيَّةِ الأَبِ ضَرُورَةٌ، فَإِذَا صَارَ أَهْلًا عَادَ الوَلَاءُ إِلَيْهِ؛ كَوَلَدِ المُلَاعَنَةِ يُنْسَبُ إِلَى قَوْمِ الأُمِّ ضَرُورَةٌ، فَإِذَا أَكَذَبَ المُلَاعِنُ نَفْسَهُ يُنْسَبُ إِلَيْهِ، بِخِلَافِ مَا إِذَا أُعْتِقَتْ المُعْتَدَّةُ … ..
ووصلة كوصلة النسب لا يباع ولا يوهب ولا يورث، فالولاء لا يورث عند جمهور العلماء والفقهاء وأصحاب الظاهر.
وقد شذ شريح وقال بأنه يورث كالمال عن المعتق، فمن ملك شيئًا من الولاء حال حياته فهو لورثته، وكان بين ابن المعتق وبنته ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١١].
وعن سليمان بن يسار أنه كان مولى لميمونة فوهبت ولاءها لابن عباس، وللجمهور قوله ﵊: «إنّما الوَلاءُ المُعتقِ».
وقوله: («الوَلاءُ لُحْمَةٌ كَلُحمَةِ النَّسَبِ، والنسب») لا يورث فكذا الولاء، ولأنه معنى يورث به فلا ينتقل كسائر الأسباب، ويحتمل حديث ابن يسار أن ميمونة وهبت لابن عباس ما أصابها من ولاية.
قوله: (كولد الملاعنة) فإن ولد الملاعنة ينتسب إلى أمه قبل الإكذاب، أما بعد إكذاب الملاعن نفسه ينسب إلى الملاعن، وإن لم يكن الانتساب إليه فكذا في مسألتنا.
وقوله: (بخلاف ما إذا أعتقت المعتدة … ) إلى آخره يتعلق بقوله: (فإذا صار) أي: الأب أهلا عاد الولاء إليه يعني إذا ولدت بعد عتقها لأكثر
стр. 6142
عَنْ مَوْتِ أَوْ طَلَاقٍ فَجَاءَتْ بِوَلَدٍ لِأَقَلَّ مِنْ سَنَتَيْنِ مِنْ وَقْتِ المَوْتِ أَوْ الطَّلَاقِ، حَيْثُ
من ستة أشهر ثم أعتق الأب يجر ولاء ابنه إلا في الأمة المعتدة عن موت أو طلاق، حيث يكون ولاء الولد لمولى أمه، وإن أعتق الأب لتعذر إضافة العلوق إلى ما بعد الموت لاستحالته من الميت وإلى ما بعد الطلاق.
أما إذا كان بائنا فلحرمة الوطء بعده، وأما إذا كان رجعيا فلأن لا يصير مراجعا بالشك، وهذا لأنه لو وطئ في العدة يصير مراجعا، ولو حمل على ما قبل الطلاق لا يصير مراجعا بالشك، فأسند إلى حالة النكاح، فكان الحمل موجودًا عند إعتاق الأم فيعتق مقصودا فلا ينتقل.
وما وقع في بعض نسخ الهداية: (فجاءت بولد لأكثر من سنتين) (١) لا يكاد يصح.
والصحيح: ما ذكر في شرح الطحاوي: (لأقل من سنتين) كما ذكر في بعض النسخ.
فإنه ذكر في المبسوط (٢) أيضًا لأقل من سنتين، أو لتمام السنتين؛ لأن النسب ينسب إلى سنتين، ومن ضرورته أن يكون العلوق قبل الطلاق، فأما إذا جاءت لأكثر من سنتين فيكون الولد لمولى الأم، ويصير مراجعا لتيقننا أن العلوق حصل بعد الطلاق وإن كانت أقرب بانقضاء العدة، فإذا جاءت بالولد لأقل من ستة أشهر بعد ذلك، ولتمام سنتين منذ طلق، فالولد مولى لموالي الأم؛ لأنا علمنا مجازفتها في الإقرار بالانقضاء وهي حامل، فيستند العلوق إلى أبعد الأوقات فلا يصير مراجعا، إلا أن تكون جاءت به لأكثر من سنتين منذ طلق، فحينئذ يصير مراجعا؛ لأن إقرارها بانقضاء العدة صار لغوا حين تيقنا أنها كانت حاملا يومئذ، وكان الولاء لموالي الأب؛ لأنا لم نتيقن بكون الولد موجودًا في البطن حين عتقها، ولا يصير مقصودا بالولاء إلا بذلك.
فعلم مما ذكر في المبسوط أن الصحيح من النسخ أقل من سنتين، وما وقع
стр. 6143
يَكُونُ الوَلَدُ مَوْلًى لِمَوَالِي الأُمِّ، وَإِنْ أُعْتِقَ الأَبُ لِتَعَذَّرِ إِضَافَةِ العُلُوقِ إِلَى مَا بَعْدَ المَوْتِ وَالطَّلَاقِ البَائِنِ لِحُرْمَةِ الوَطْءِ وَبَعْدَ الطَّلَاقِ الرَّجْعِيِّ، لِمَا أَنَّهُ يَصِيرُ مُرَاجَعًا بِالشَّكُ فَأُسْنِدَ إِلَى حَالَةِ النِّكَاحِ فَكَانَ الوَلَدُ مَوْجُودًا عِنْدَ الإِعْتَاقِ فَعَتَقَ مَقْصُودًا (وَفِي الجَامِعِ الصَّغِيرِ: وَإِذَا تَزَوَّجَتْ مُعْتَقَةٌ بِعَبْدٍ، فَوَلَدَتْ أَوْلَادًا، فَجَنَى الأَوْلَادُ: فَعَقْلُهُمْ عَلَى مَوَالِي الْأُمِّ) لِأَنَّهُمْ عَتَقُوا تَبَعًا لِأُمِّهِمْ وَلَا عَاقِلَةَ لِأَبِيهِمْ وَلَا مَوْلَى، فَأُلْحِقُوا بِمَوَالِي الأُمِّ ضَرُورَةٌ كَمَا فِي وَلَدِ المُلَاعَنَةِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا فَإِنْ أُعْتِقَ الأَبُ: جَرَّ وَلَاءَ الأَوْلَادِ إِلَى نَفْسِهِ لِمَا بَيَّنَّا وَلَا يَرْجِعُونَ عَلَى عَاقِلَةِ الْأَبِ بِمَا عَقَلُوا لِأَنَّهُمْ حِينَ عَقَلُوهُ كَانَ الوَلَاءُ ثَابِتًا لَهُمْ، وَإِنَّمَا يَثْبُتُ لِلْأَبِ مَقْصُودًا، لِأَنَّ سَبَبَهُ مَقْصُودٌ وَهُوَ العِتْقُ، بِخِلَافِ وَلَدِ المُلَاعَنَةِ إِذَا عَقَلَ عَنْهُ قَوْمُ الأُمِّ ثُمَّ أَكْذَبَ المُلَاعِنُ نَفْسَهُ حَيْثُ يَرْجِعُونَ عَلَيْهِ، لِأَنَّ النَّسَبَ هُنَالِكَ يَثْبُتُ مُسْتَنِدًا إِلَى وَقْتِ العُلُوقِ، وَكَانُوا مَجْبُورِينَ عَلَى ذَلِكَ فَيَرْجِعُونَ.
قَالَ: (وَمَنْ تَزَوَّجَ مِنَ العَجَمِ ...............
في بعض النسخ أكثر من سنتين سهو من الكاتب.
والحاصل: أن العتق متى ثبت قصدا في الولد لا ينتقل ولاؤه إلى الأب، ومتى ثبت بطريق التبعية ينتقل ولا خلاف لجمهور العلماء فيه.
قوله: (مقصودًا) أي: على زمان عتق الأب (لأن سببه) وهو عتق الأب (مقصود) غير مستند إلى وقت سابق، فكذا حكمه فلم يتبين أن قوم الأب قضوا دينا على موالي الأب، فلهذا لا يرجع عاقلة الأم على موالي الأب بشيء.
قوله: (مستندًا إلى وقت العلوق) لا من وقت الإكذاب، فإنه لا يتصور أن لا يكون عند العلوق ولد لإنسان ثم يصير ولدا له بعده، فتبين أن النسب كان ثابتا من الأب حين جنى، وأن موجب جنايته على عاقلة الأب، وأجبر عاقلة الأم على القضاء فيرجعون عليهم بذلك.
قوله: (ومن تزوج من العجم)، وفي المُغْرِب: العجم: جمع العجمي، وهو خلاف العربي وإن كان فصيحا (١).
стр. 6144
بِمُعْتَقَةٍ مِنْ العَرَبِ فَوَلَدَتْ لَهُ أَوْلَادًا فَوَلَاءُ أَوْلَادِهَا لِمَوَالِيهَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ).
وفي المبسوط: إذا كانت الأمة معتقة إنسان، والأب مسلم نبطي لم يعتقه أحد فالولد مولى لموالي الأم، وكذا إن كان نبطيًا كافرًا ثم أسلم ووالى رجلًا فعند أبي حنيفة ومحمد فيكون مولى لموالى الأم (١).
وعند أبي يوسف في الفصلين لا يكون الولد مولى لموالي الأم، ولكنه منسوب إلى قوم أبيه؛ لأنه كالنسب، والنسب إلى الآباء، وإن كان جانب الأم أشرف بأن كانت عربية والأب عجميًا.
ألا ترى أنه لو كان الأب حرا عربيًا كان الولد منسوبًا إلى قوم أبيه؟ ولا يكون مولى لموالي أمه، فكذا إذا كان عجميا.
وفي المغني لابن قدامة: إذا كان الأب حر الأصل فالولد يتبعه، ولا يكون عليه ولاء وهو قول أكثر أهل العلم، سواء كان الأب عربيًا أو عجميا، وسواء كان مسلمًا أو ذميًا أو مجهول النسب أو معلومه، وهو قول أبي يوسف ومالك وابن سريج من أصحاب الشافعي (٢).
قال ابن اللبان من أصحاب الشافعي: إن كان مجهول النسب يثبت الولاء على ولده لموالي الأم إن كانت مولاة، وهو ظاهر مذهب الشافعي، وبه قال القاضي الحنبلي.
وقيل: هذا قول أبي حنيفة ومحمد وأحمد.
لكن ذكر في الحلية: فإن الأب حر الأصل والأم معتقة لم يثبت الولاء على الولد، سواء كان الأب عربيا أو عجميا.
وقال أبو حنيفة: إن كان أعجميا يثبت الولاء على الولد، وبناه على أصله في جواز استرقاق عبدة الأوثان من العجم دون العرب، فإن كان الأب مُعتَقًا والأم حرة الأصل فهل يثبت الولاء على الولد؟
فيه وجهان: أحدهما: أنه لا يثبت، والثاني: أنه يثبت.
стр. 6145
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: حُكْمُهُ حُكْمُ أَبِيهِ (*)، لِأَنَّ النَّسَبَ إِلَى الْأَبِ كَمَا إِذَا كَانَ الأَبُ عَرَبِيًّا، بِخِلَافِ مَا إِذَا كَانَ الأَبُ عَبْدًا، لِأَنَّهُ هَالِكٌ مَعْنَى.
وَلَهُمَا: أَنَّ وَلَاءَ العَتَاقَةِ قَوِيٌّ مُعْتَبَرُ
أما إذا كان الأب مجهول النسب محكوما بحريته بالظاهر والأم معتقة، قيل: يثبت الولاء على الولد لمولى الأم.
قال أبو العباس: قياس قول الشافعي لا يثبت كما لو كان معروف النسب.
وقال ابن اللبان يثبت، وهو قول أبي حنيفة ومحمد وأحمد؛ لأن مقتضى ثبوته لموالي الأم موجود، وإنما امتنع في محل معروف للتيقن بحرية الأب، فإذا لم تكن معلومة فقد وقع الشك في المانع، فيبقى على الأصل ولا يزول بالشك في المانع.
وقلنا: الأب محكوم بحريته ظاهرا؛ إذ الأصل في بني آدم الحرية وعدم الولاء، فلا يترك هذا الأصل بالوهم في حق الولد فأشبه معروف النسب، وهو قول أبي يوسف.
فقال أبو يوسف في الفصلين: إن الولد منسوب إلى قوم أبيه، وأبوه حرّ لَهُ عشيرة وموالي، بخلاف ما إذا كان الأب عبدًا، فإن العبد رقيق بجميع أجزائه، وماؤه جزء منه فإنما تثبت الحرية لمائه باتصال برحمها، فكان الولد مولى لمواليها حتى يعتق الأب.
وهذا المعنى معدوم إذا كان الأب حرا، ولهذا لو كان حرا عربيا يكون الولد منسوبا إلى قوم أبيه، ولا يكون مولى لموالي أمه بالاتفاق.
فكذا إذا كان عجميا؛ لأن العرب والعجم في حرية الأصل سواء، ولأن الرق تلف حكما، فإذا كان الأب عبدا يكون هالكا حكما، فصار كأنه لا أب له، فيكون الولد منسوبا إلى موالي أمه ضرورة.
وهذا معنى قول المصنف لأنه هالك معنى.
قوله: (قوي معتبر) فإنه ولاء نعمة حتى اعتبرت الكفاءة فيه، فالعجم لا
стр. 6146
فِي حَقِّ الأَحْكَامِ، حَتَّى اعْتُبِرَتْ الكَفَاءَةُ فِيهِ، وَالنَّسَبُ فِي حَقِّ العَجَمِ ضَعِيفٌ، فَإِنَّهُمْ ضَيَّعُوا أَنْسَابَهُمْ، وَلِهَذَا: لَمْ تُعْتَبَرُ الكَفَاءَةُ فِيمَا بَيْنَهُمْ بِالنَّسَبِ، وَالْقَوِيُّ لَا يُعَارِضُهُ الضَّعِيفُ، بِخِلَافِ مَا إِذَا كَانَ الأَبُ عَرِيبًا، لِأَنَّ أَنْسَابَ العَرَبِ قَوِيَّةٌ مُعْتَبَرَةٌ فِي حُكْمِ الكَفَاءَةِ وَالعَقْلِ، كَمَا أَنَّ تَنَاصُرَهُمْ بِهَا فَأَغْنَتْ عَنْ الوَلَاءِ.
قال ﵁: الخِلافُ فِي مُطْلَقِ المُعْتَقَةِ، وَالوَضْعُ فِي مُعْتَقَةِ العَرَبِ وَقَعَ اتَّفَاقًا
يكون كفوا للعرب، ولهذا يجوز إبطال حرية العجم بالاسترقاق، بخلاف حرية العرب فكانت الحرية والنسب منهم ضعيفا.
قوله: (فإنهم) أي: العجم (ضيعوا أنسابهم) ولهذا كان تفاخرهم بالإسلام بعد الإسلام، وقبل الإسلام تفاخرهم بعمارة الدنيا وإليه أشار سلمان حين قيل: سلمان ابن مَنْ؟ فقال سلمان:
أبي الإسلام لا أَبَ لي سواه إذا … افْتَخَرُوا بِقَيْس أَوْ تَمِيمُ
فإذا ثبت ضعف النسب في جانب الأب كان هذا وما لو كان الأب عبدا سواء، وكذا لو كان الأب مولى موالاة؛ لأن ولاء الموالاة ضعيف لا يظهر في مقابلة ولاء العتاقة، فوجوده كعدمه، ولهذا يقبل ولاء الموالاة الفسخ دون العتاقة.
قوله: (وقع اتفاقا) فإن قيل: قوله: (والنسب في حق العجم ضعيف) يؤذن بأنهما يرجحان ولاء العتاقة إذا كانت المعتقة معتقة العرب؛ لأن «الوَلاء لحمة كَلُحْمَةِ النِّسب» (١)، والنسب في حق العرب قوي، فكذلك معتقهم يحكي حكاية النسب فكان قويا فيترجح حينئذ معتق العرب على العجم لا مطلق العتق.
стр. 6147
(وَفِي الجَامِعِ الصَّغِيرِ: نَبَطِيٌّ كَافِرٌ تَزَوَّجَ بِمُعْتَقَةٍ كَافِرَةٍ، ثُمَّ أَسْلَمَ النَّبَطِيُّ، وَوَالَى رَجُلًا، ثُمَّ وَلَدَتْ أَوْلَادًا. قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ: مَوَالِيهِمْ مَوَالِي أُمِّهِمْ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: مَوَالِيهِمْ مَوَالِي أَبِيهِمْ) لِأَنَّ الوَلَاءَ وَإِنْ كَانَ أَضْعَفَ فَهُوَ مِنْ جَانِبِ الأَبِ، فَصَارَ كَالمَوْلُودِ بَيْنَ وَاحِدٍ مِنْ المَوَالِي وَبَيْنَ العَرَبِيَّةِ. وَلَهُمَا: أَنَّ وَلَاءَ المُوَالَاةِ أَضْعَفُ حَتَّى يَقْبَلَ الفَسْخَ، وَوَلَاءُ العَتَاقَةِ لَا يَقْبَلُهُ، وَالضَّعِيفُ لَا يَظْهَرُ فِي مُقَابَلَةِ القَوِيِّ، وَإِنْ كَانَ الأَبَوَانِ مُعْتَقَيْنِ فَالنِّسْبَةُ إِلَى قَوْمِ الأَبِ لِأَنَّهُمَا اسْتَوَيَا، وَالتَّرْجِيحُ لِجَانِبِهِ لِشَبَهِهِ بِالنَّسَبِ أَوْ لِأَنَّ النُّصْرَةَ بِهِ أَكْثَرُ.
قَالَ: (وَوَلَاءُ العَتَاقَةِ تَعْصِيبٌ، وَهُوَ أَحَقُّ بِالمِيرَاثِ مِنْ العَمَّةِ وَالخَالَةِ) لِقَوْلِهِ
قلنا: الضعف والقوة فيما إذا كان في جانب الأب حتى لو كان الأب عربيا والأم معتقة إنسان، فالولاء لقوم الأب بالاتفاق، أما في جانب الأم فالقوة بمجرد كونها معتقة على نسب، ولهذا تظهر القوة في العتاقة، فإن من له أب في الحرية لا يكون كفوا لمن له أبوان في الحرية على ما مر في النكاح، أما في النسب ليس كذلك، فإن من له أب في الخلافة والإمارة يكون كفوا لمن له أبوان فيهما، فعلم أنهما ترجحا مجرد ولاء العتاقة، سواء كان مُعتق العرب أو العجم على نسب العجم.
قوله: (والترجيح لجانبه) أي لجانب الأب (لشبهه) أي لشبهة الولاء بالنسب أو لأن النصر به أي بقوم الأب أكثر.
قوله: (وولاء العتاقة تعصيب) التعصيب: جعل إنسان عصبة، ومنه قولهم: والذكر يعصب الأنثى أي: يجعلها عصبة كذا في المغرب.
قوله: (هو) وفي بعض النسخ (وهو) أي: مولى العتاقة آخر العصبات ومقدم على ذوي الأرحام، وهو قول جمهور العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم.
وعن ابن مسعود يقدم ذوو الأرحام على مولى العتاقة.
وروي عن عمر وعلي مثله لقوله تعالى: ﴿وَأُولُوا الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ [الأنفال: ٧٥].
стр. 6148
﵊ لِلَّذِي اشْتَرَى عَبْدًا فَأَعْتَقَهُ: «هُوَ أَخُوكَ وَمَوْلَاكَ، إِنْ شَكَرَكَ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَشَرٌّ لَك، وَإِنْ كَفَرَك فَهُوَ خَيْرٌ لَك وَشَرٌّ لَهُ، وَلَوْ مَاتَ وَلَمْ يَتْرُكْ وَارِثًا كُنْت أَنْتَ عَصَبَتَهُ»، «وَوَرَّثَ ابْنَةَ حَمْزَةَ ﵄ عَلَى سَبِيلِ العُصُوبَةِ مَعَ قِيَامِ وَارِثِ»، وَإِذْ كَانَ عَصَبَةٌ تَقَدَّمَ عَلَى ذَوِي الْأَرْحَامِ، وَهُوَ المَرْوِيُّ عَنْ عَلِيِّ ﵁ (فَإِنْ كَانَ لِلْمُعْتَقِ عَصَبَةٌ مِنْ النَّسَبِ، فَهُوَ أَوْلَى مِنْ المُعْتِقِ)، لِأَنَّ المُعْتِقَ آخِرُ العَصَبَاتِ، وَهَذَا لِأَنَّ قَوْلَهُ ﵊: وَلَمْ يَتْرُكْ وَارِثًا قَالُوا: المُرَادُ مِنْهُ وَارِثُ هُوَ عَصَبَةٌ،
روي أنه ﵊ قال للمعتق في مُعتقه: «إِنْ ماتَ وَلَمْ يَدَعْ وارِثًا كُنْتَ أنتَ عَصَبَتَهُ» (١) فقد شرط لتوريثه عدم الوارث وذو الأرحام ورثة، ولأنه ﵊ قال «الوَلاءُ لُحمَةٌ كلُحمَةِ النَّسَبِ» (٢)، وما يشبه الشيء لا يزاحمه ولا يقدم عليه.
ولنا ما ذكر في الكتاب من حديث ابن حمزة ورواه ابن شداد وروى الحسن أنه ﵊ قال: «المِيراتُ للعَصَبَةِ فإن لَمْ يَكُنْ عصبةٌ فَلِلْمَولَى» ولأنه عصبة بالحديث فيكون مقدما على ذوي الأرحام كابن العم.
قوله: (هو أخوك) من حيث الدين قال تعالى: ﴿فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [التوبة: ١١].
(فإن شكرك) أي: بالمجازاة على ما صنعت إليه (فهو خير له)؛ لأنه يثاب بمقابلة شكره لأن شكر النعمة مندوب (وشر لك) لأنه يصل إليك بعض الجزاء في الدنيا فينتقص بقدره من ثوابك في الآخرة.
(وإن كفرك فهو خير لك) لأن ثواب عملك كله في الآخرة (وشر له) لأن كفران النعم مذموم قال ﵊: «مَنْ لَمْ يَشكُرِ النَّاسَ لَمْ يَشكُرِ الله».
стр. 6149
بِدَلِيلِ الحَدِيثِ الثَّانِي فَتَأَخَّرَ عَنْ العَصَبَةِ دُونَ ذَوِي الْأَرْحَامِ.
قَالَ: (فَإِنْ كَانَ لِلْمُعْتَقِ عَصَبَةٌ مِنْ النَّسَبِ فَهُوَ أَوْلَى لِمَا ذَكَرْنَا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ عَصَبَةٌ مِنْ النَّسَبِ: فَمِيرَاثُهُ لِلْمُعْتَقِ) تَأْوِيلُهُ: إِذَا لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ صَاحِبُ فَرْضِ ذُو حَالٍ، أَمَّا إِذَا كَانَ فَلَهُ البَاقِي بَعْدَ فَرْضِ، لِأَنَّهُ عَصَبَةٌ عَلَى مَا رَوَيْنَا، وَهَذَا لِأَنَّ العَصَبَةَ مَنْ يَكُونُ التَّنَاصُرُ بِهِ لِبَيْتِ النِّسْبَةِ وَبِالمَوَالِي الانْتِصَارُ عَلَى مَا مَرَّ، وَالعَصَبَةُ تَأْخُذُ مَا بَقِيَ (فَإِنْ مَاتَ المَوْلَى ثُمَّ مَاتَ المُعْتَقُ: فَمِيرَاثُهُ لِبَنِي المَوْلَى دُونَ بَنَاتِهِ، وَلَيْسَ لِلنِّسَاءِ مِنْ الوَلَاءِ إِلَّا مَا أَعْتَقْنَ، … ..
قوله: (بدليل الحديث الثاني) وهو حديث ابنة حمزة.
قوله: (صاحب فرض ذو حال) يعني باقي الميراث بعد الفروض لمولى العتاقة؛ لأنه عصبة إذا لم يكن صاحب فرض.
(ذو حال) أي: سوى حال الفرض حتى لو كان الأب أو الجد مثلا فإن له حالا سوى حال الفرض، وهي العصوبة فالمعتق لا يرث مع وجودهما بل الأب أو الجد يأخذ الباقي بعد فرضه.
وقوله: (على ما روينا) إشارة إلى قوله ﵊: «ولو مات ولم يترك وارثا كنت أنت عصبته» (١) والمراد بالوارث وارث عصبة كما ذكرنا.
قوله: (دون بناته) أي: بنات المعتق حتى لو مات ولم يترك إلا بنت المعتق فميراثه لبيت المال لا لبنت المعتق في ظاهر الرواية.
ولكن بعض مشايخنا يفتون بدفع المال إليها في هذا الزمان؛ لعدم بيت المال وقصور احتياط القضاة، وبيت المال في زمن الصحابة والتابعين، ولهذا أفتوا بإعطاء المال للابن أو الابنة من الرضاع لا لبيت المال لعدمه، كما أفتوا - أصحاب الشافعي - بإرث ذوي الأرحام في هذا الزمان لعدم بيت المال كذا في الذخيرة والمصفى وفرائض الإفشنجي.
قوله: (ليس من الولاء للنساء إلا ما أعتقن) إلى آخره وقد بينا أن الولاء لا
стр. 6150
أَوْ أَعْتَقَ مَنْ أَعْتَقْنَ، أَوْ كَاتَبْنَ أَوْ كَاتَبَ مَنْ كَاتَبْنَ) بِهَذَا اللَّفْظِ وَرَدَ الحَدِيثُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَفِي آخِرِهِ أَوْ جَرَّ وَلَاءَ مُعْتَقِهِنَّ وَصُورَةُ الجَرِّ قَدَّمْنَاهَا، وَلِأَنَّ ثُبُوتَ المَالِكِيَّةِ وَالقُوَّةِ فِي العِتْقِ مِنْ جِهَتِهَا فَيُنْسَبُ بِالوَلَاءِ إِلَيْهَا وَيُنْسَبُ إِلَيْهَا مَنْ يُنْسَبُ إِلَى مَوْلَاهَا، بِخِلَافِ النَّسَبِ، لِأَنَّ سَبَبَ النِّسْبَةِ فِيهِ الفِرَاشِ، وَصَاحِبُ الفِرَاشِ إِنَّمَا هُوَ الزَّوْجُ، وَالمَرْأَةُ مَمْلُوكَةٌ لَا مَالِكَةٌ، وَلَيْسَ حُكْمُ مِيرَاثِ المُعْتَقِ مَقْصُورًا عَلَى بَنِي المَوْلَى، بَلْ هُوَ لِعَصَبَتِهِ الأَقْرَبُ فَالأَقْرَبُ، لِأَنَّ الوَلَاءَ لَا يُورَثُ وَيَخْلُفُهُ فِيهِ مَنْ تَكُونُ النُّصْرَةُ بِهِ، حَتَّى لَوْ تَرَكَ المَوْلَى أَبَا وَابْنَا فَالوَلَاءُ لِلابْنِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ، لِأَنَّهُ أَقْرَبُهُمَا عُصُوبَةٌ، وَكَذَلِكَ الوَلَاءُ لِلْجَدِّ دُونَ الْأَخِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ فِي العُصُوبَةِ عِنْدَهُ. وَكَذَا الوَلَاءُ لِابْنِ المُعْتَقَةِ حَتَّى يَرِثُهُ دُونَ أَخِيهَا لِمَا ذَكَرْنَا،
يورث عند الجمهور إلا ما شذ شريح في أنه يرث ويعطى لبنت المعتق من ميراثه وهذا خلاف إجماع الصحابة ومن بعدهم.
قوله: (فالولاء للابن عند أبي حنيفة ومحمد) وبه قال الشافعي ومالك والثوري والشعبي والزهري وابن المسيب وعطاء والحسن والحكم وقتادة وأكثر الفقهاء.
وقال أبو يوسف وأحمد والنخعي والأوزاعي وشريح وإسحاق: للأب السدس والباقي للابن؛ لأن الأب عصبة كالابن والابن والأب في القرب سواء، فيكون حكم الأب والابن سواء.
ولنا أن أقرب العصبة الابن ويقوم مقام المعتق بعد موته في ميراث المعتق بالنسب فكذا بالولاء.
قوله: (لأنه) أي: الجد (أقرب في العصوبة) عند أبي حنيفة من الأخ، وهو قول أبي ثور.
وعند أبي يوسف وأحمد ومحمد: كلاهما سواء، وبه قال الشافعي في قول؛ لأنهما عصبتان، فيكون الولاء بينهما نصفين كالأخوين.
وعن مالك: أن المال للأخ، وهو لقول من الشافعي، وكذا روي عن زيد. قوله: (وكذا الولاء لابن المُعتقَة دون أخيها) وعليه إجماع
стр. 6151
إِلَّا أَنَّ عَقْلَ جِنَايَةِ المُعْتَقِ عَلَى أَخِيهَا، لِأَنَّهُ مِنْ قَوْمِ أَبِيهَا وَجِنَايَتُهُ كَجِنَايَتِهَا (وَلَوْ تَرَكَ المَوْلَى ابْنَا وَأَوْلَادَ ابْنِ آخَرَ) مَعْنَاهُ: بَنِي ابْنِ آخَرَ (فَمِيرَاثُ المُعْتَقِ لِلِابْنِ دُونَ بَنِي الابْنِ، لِأَنَّ الوَلَاءَ لِلْكِبَرِ) هُوَ المَرْوِيُّ عَنْ عِدَّةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ ﵃ مِنْهُمْ عُمَرُ وَعَلِيٌّ وَابْنُ مَسْعُودٍ وَغَيْرُهُمْ ﵃ أَجْمَعِينَ، وَمَعْنَاهُ: القُرْبُ عَلَى مَا قَالُوا، وَالصُّلْبِيُّ أَقْرَبُ.
الصحابة والتابعين والفقهاء، وما روي عن علي: أن امرأة ماتت وخلفت ابنها وأخاها أو ابن أخيها أن ميراث مواليها لأخيها وابن أخيها دون ابنها، فقد رجع علي إلى قول الجماعة، يعني ماتت امرأة أعتقت عبدًا وتركت ابنا وأخاها ولا وارث له غيرهما فالميراث للابن؛ لأنه أقرب، وعقل جناية المعتق على أخيها دون ابنها؛ لما روي أن عليا والزبير بن العوام اختصما في موالي صفية بنت عبد المطلب، فقال علي: عمتي أنا أحق بهم وأعقل عنهم، وقال: الزبير هم موالي أمي وأنا أرثهم، فقضى عمر بالميراث للزبير وبالعقل على عليّ (١).
وروى أحمد بن حنبل بإسناده أن امرأة أعتقت عبدًا ثم توفيت وتركت ابنا وأخا ثم توفي مولاها من بعدها، فأتى أخو المرأة وابنها إلى رسول الله ﷺ في ميراثه فقال ﵊: «ميراثُهُ لابن المرأة» فقال أخوها: يا رسول الله لو جنى جناية كانت عليَّ وميراثه، لهذا، فقال ﵊: «نعم»
قوله: (لأن الولاء للكبر) أي: لأكبر أولاد المُعتق، والمراد أقربهم منه نسبًا لا أكبرهم سنا، ألا ترى أن المعتق إذا مات وترك ابنين كبيرا وصغيرا ثم مات المعتق فالولاء بينهما نصفان؛ لاستوائهما في القرب إلى الميت من حيث النسب كذا ذكره شيخ الإسلام.
(هو المروي عن عدة من الصحابة) أي: أن الولاء لأقرب النسب وغيرهم مثل ابن عمر وأسامة بن زيد وأبي مسعود البدري، وبه قال عطاء وطاوس وسالم بن عبد الله والحسن وابن سيرين والشعبي والنخعي والزهري وقتادة وابن نشيط والشافعي ومالك وأحمد والثوري وأبو إسحاق وأبو ثور وداود وأصحابنا.
стр. 6152
فَصْلٌ: فِي وَلَاءِ المُوَالَاةِ
قَالَ: (وَإِذَا أَسْلَمَ رَجُلٌ، عَلَى يَدِ رَجُلٍ وَوَالَاهُ عَلَى أَنْ يَرِثُهُ وَيَعْقِلَ عَنْهُ، أَوْ
ولأن الولاء إنما يستحق بالعصوبة لا بالفرض فيستحقه أقرب العصبات إليه من حيث النسب لا الأكبر من حيث السن كولاية النكاح تستحق بالعصوبة فيستحقها الأقرب إلى المرأة من حيث النسب لا الأكبر من حيث السن.
فَصْلٌ فِي وَلَاءِ الْمُوَالَاةِ
وقَدَّمَ ولاء العتاقة لأنه أقوى وغير قابل للنقل في جميع الأحوال، بخلاف ولاء الموالاة فإن للمولى أن ينتقل فيه قبل العقل، ولأن ولاء العتاقة مجمع عليه، وقد ذكرنا معنى الموالاة لغة.
وتفسيره شرعًا: ما ذكره في الذخيرة أن يسلم الرجل على يد رجل فيقول للذي أسلم على يده أو لغيره: وَالَيْتُكَ على أني إن متُّ فميراثي لك، وإن حييت فعقلي عليك وعلى عاقلتِكَ، وقَبِلَ الآخَرُ.
ولا تثبت أحكامه بمجرد الإسلام بدون عقد الموالاة، ذكره في الذخيرة وجامع التمرتاشي.
وفي المبسوط: الإسلام على يده ليس بشرط لصحة العقد، وإنما ذكر على سبيل العادة، وكذا الإسلام على يده ليس بكافٍ لثبوت ولاء الموالاة عند أكثر أهل العلم إلا ما روي عن الروافض وأحمد في رواية.
وعن إبراهيم وإسحاق وعمر بن عبد العزيز وعمر بن الخطاب لما روى راشد بن سعد أنه ﵊ قال: «مَنْ أسلم على يديه رجلٌ فهو مولاه يَرِثُهُ» وعن تميم الداري أنه قال: يا رسول الله، ما السُّنَّةُ في الرجل يُسلم على يدي رجل من المسلمين؟ فقال ﵊: «هُوَ أولى الناس بمحياه ومماته» (١) رواه أبو داود والترمذي وقال: لا أظنه متصلا.
стр. 6153
أَسْلَمَ عَلَى يَدِ غَيْرِهِ، وَوَالَاهُ: فَالوَلَاءُ صَحِيحٌ، وَعَقْلُهُ عَلَى مَوْلَاهُ، فَإِنْ مَاتَ وَلَا وَارِثَ لَهُ غَيْرُهُ: فَمِيرَاثُهُ لِلْمَوْلَى) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: المُوَالَاةُ لَيْسَ بِشَيْءٍ، لِأَنَّ فِيهِ إبْطَالَ حَقِّ بَيْتِ المَالِ، وَلِهَذَا لَا يَصِحُّ فِي حَقِّ وَارِثٍ آخَرَ، وَلِهَذَا لَا يَصِحُّ عِنْدَهُ الوَصِيَّةُ بِجَمِيعِ المَالِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْمُوصِي وَارِثُ لِحَقِّ بَيْتِ المَالِ وَإِنَّمَا يَصِحُّ فِي الثلث.
ولأنه أحياه بإخراجه من ظلمة الكفر؛ لأن الكفار كالموتى في حق المسلمين، فهو كما لو أحياه بالعتق، وعلى هذا زعمت الروافض أن الناس مولى علي وأولاده؛ فإن السيف بيده وأكثر الناس أسلموا من هيبته.
وفي المبسوط (١): وهذا باطل لأنه تعالى هو الذي أحياه بالإسلام، ومن عرض عليه الإسلام إنما هو نائب عن الشرع فيكون هو كغيره في حق الله تعالى، وأين لهم هذا التحكيم! فإن عليا كان صغيرًا حين أسلم كبار الصحابة، بل أبو بكر وعمر كانا مُقدَّمَيْن عليه في أمور القتال، ولكن الروافض قوم بُهْتُ، وبناء مذهبهم على الكذب، وما رَوَوْا من الأحاديث ضعيف، وقد رُوِيَ في حديث تميم الداري: أسلم على يد رجل ووالاه.
قوله: (وقال الشافعي: الموالاة ليس بشيء) وبه قال مالك وأحمد، وهو قول الشعبي (لأن فيه) أي: التوريث بعقد الموالاة (إبطال حق بيت المال) وذلك لأن الإرث إما بالقرابة أو بالزوجية بالنص، أو بالعتق بالحديث، ولم يوجد منها، وعند عدم الوارث يكون لبيت المال، وفي عقدهما الموالاة إبطال حق بيت المال فكان تصرفا قصد به تغر وضع الشرع فلا يصح، ولهذا لا يصح على الورثة فكذا على بيت المال؛ لأنه بمنزلة الورثة عند عدمهم. (ولهذا لا تصح الوصية بكل المال عنده) أي: عند الشافعي (وإن لم يكن للموصي وارث) لما فيه إبطال حق بيت المال، وإنما تصح في الثلث، يؤيده قوله ﵊: «إِنَّمَا الوَلاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ» (٢)، فقد انحصر الولاء على العتق.
стр. 6154
وَلَنَا: قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ [النساء: ٣٣] وَالآيَةُ فِي المُوَالَاةِ. وَسُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ رَجُلٍ أَسْلَمَ عَلَى يَدِ رَجُلٍ آخَرَ وَوَالَاهُ فَقَالَ: هُوَ أَحَقُّ النَّاسِ بِهِ مَحْيَاهُ وَمَمَاتَهُ وَهَذَا يُشِيرُ إِلَى العَقْلِ وَالْإِرْثِ فِي الحَالَتَيْنِ هَاتَيْنِ، وَلِأَنَّ مَالَهُ حَقَّهُ فَيَصْرِفُهُ إِلَى حَيْثُ شَاءَ، وَالصَّرْفُ إِلَى بَيْتِ المَالِ ضَرُورَةُ عَدَمِ المُسْتَحِقِّ لَا أَنَّهُ مُسْتَحِقٌ.
ولنا قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ [النساء: ٣٣] أي: من الميراث، والمراد به الموالاة وليس المراد بقوله: ﴿عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ (١) القسم بل المراد الصفقة؛ إذ المعتاد أن المتعاقدين يأخذ كل واحد منهما بيمين صاحبه إذا عاقده، ويحتمل أن المراد: عقدت أقسامكم أي: حالفتم؛ لأنهم كانوا يتحالفون على الولاء ويسمون حليفا.
ولم ينسخ هذا النصيب بآية الميراث؛ لأن المولى لا يرث إلا بعد العصبة والرحم، فلا يقع بينهما تعارض ولا تناسخ، ولأن الإرث على الترتيب في الورثة إنما وجبت مراعاة لحق الميت؛ لأنه لا يدري أيهم أقرب، فتولى الله ذلك البيان بنفسه، وواجبه بالترتيب الذي ذكره في الفرائض حقا له، وإذا كان كذلك جاز أن يضاف إلى الميت حق البيان فيما لم يتول الله بيانه، وهذا الولاء إثبات الموارثة من قبله بسبب كالوصية، فالشارع جعل الوصية سببا للتوريث فهذا في معناها، ولهذا لم ينفذ إلا بعد عدم الورثة كما لا تنفذ الوصية بما زاد على الثلث؛ لفوت حق الورثة.
قوله: (وسئل رسول الله ﵊، والسائل تميم الداري فإنه قال: سألت رسول الله، إلى آخره، على ما هو المذكور في الكتاب.
وعن عمر وعلي وابن مسعود وابن عباس أنهم قالوا بالتوريث بالموالاة ولم يُرْوَ عن غيرهم خلافه فحل محل الإجماع، وقولنا قول النخعي وحماد.
(والإرث في الحالتين) أي: محياه عقلا وفي مماته إرثا.
وقوله: (والصرف إلى بيت المال ضرورة عدم المُستحق) جواب عن قول
стр. 6155
قَالَ: (وَإِنْ كَانَ لَهُ وَارِثُ: فَهُوَ أَوْلَى مِنهُ، وَإِنْ كَانَتْ عَمَّةٌ أَوْ خَالَةٌ أَوْ غَيْرَهُمَا مِنْ ذَوِي الأَرْحَامِ) لِأَنَّ المُوَالَاةَ عَقْدُهُمَا فَلَا يَلْزَمُ غَيْرَهُمَا، وَذُو الرَّحِمِ وَارِثُ، وَلَا بُدَّ مِنْ شَرْطِ الإِرْثِ وَالعَقْلِ كَمَا ذُكِرَ فِي الكِتَابِ لِأَنَّهُ بِالِالتِزَامِ وَهُوَ بِالشَّرْطِ، وَمِنْ شَرْطِهِ أَنْ لَا يَكُونَ المَوْلَى مِنْ العَرَبِ، لِأَنَّ تَنَاصُرَهُمْ بِالقَبَائِلِ فَأَغْنَى عَنْ المُوَالَاةِ.
الشافعي أن فيه إبطال حق بيت المال يعني الصرف إلى بيت المال؛ لعدم المستحق لا لأنه مستحق.
قوله: (لأنه بالالتزام) أي: الإرث أو العقل بالالتزام فلا يصح بدونه، والالتزام يحصل بالشرط.
لولاء الموالاة شرائط منها: أن يشترط الميراث والعقل؛ لأن عقد الولاء يقع على ذلك فلا بد من ذكره ويتوارثان من الجانبين لأنه بالشرط بخلاف ولاء العتاقة، فإن الأعلى يرث من الأسفل دون العكس؛ لأن سببه الإحياء وذا يوجد من الأعلى في حق الأسفل ولا يوجد من الأسفل في حق الأعلى.
(ومن شرطه) أي: من شرط الولاء الموالاة أن لا يكون المولي من العرب؛ لأن العرب له نصرة بنسبته إلى قبيلة، وذا آكد من نصرة الموالاة؛ لأنه لا يلحقه الفسخ والإسلام على يده ليست بشرط، وكذا مجهول النسب عند البعض.
وذكر في التيسير في تفسيره في سورة النساء أن كونه مجهول النسب شرط، وهكذا ذكر في المحيط، ومن شرطه العقل حتى لو أسلم على يد صبي ووالاه فلا يصح؛ لأن الصبي ليس من أهل النصرة، وليس من أهل الالتزام أيضا، وكذا لو والى رجل عبدا لم يجز إلا أن يكون بإذن المولي؛ لأنه عقد التزام بالنصرة، والعبد لا يملكه بنفسه إلا بإذن سيده، وبالإذن لا يكون عقده كعقد مولاه.
ولو والى صبيا بإذن أبيه أو وصية يصح؛ لأن عبارته إذا كان يعقل معتبرة في العقود بإذن وليه فيصح عقد ولاية كالبيع، كذا في المبسوط (١).
стр. 6156
قَالَ: (وَلِلْمَوْلَى أَنْ يَنْتَقِلَ عَنْهُ بِوَلَائِهِ إِلَى غَيْرِهِ مَا لَمْ يَعْقِلْ عَنْهُ) لِأَنَّهُ عَقْدٌ غَيْرُ لَازِمٍ بِمَنْزِلَةِ الوَصِيَّةِ، وَكَذَا لِلْأَعْلَى أَنْ يَتَبَرَّأَ عَنْ وَلَائِهِ لِعَدَمِ اللُّزُومِ، إِلَّا أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي هَذَا أَنْ يَكُونَ بِمَحْضَرٍ مِنْ الْآخَرِ كَمَا فِي عَزْلِ الوَكِيلِ قَصْدًا، بِخِلَافِ مَا إِذَا عَقَدَ الأَسْفَلُ مَعَ غَيْرِهِ بِغَيْرِ مَحْضَرٍ مِنْ الأَوَّلِ، لِأَنَّهُ فَسْخٌ حُكْمِيٌّ بِمَنْزِلَةِ العَزْلِ الحُكْمِيِّ فِي الوَكَالَةِ. قَالَ: (وَإِذَا عَقَلَ عَنْهُ، لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَتَحَوَّلَ بِوَلَائِهِ إِلَى غَيْرِهِ)
وفي ولاء المكاتب روايتان في رواية يصح ويكون ولاؤه لمولاه، وفي رواية لا يصح؛ لأنه عبد ذكره في المحيط.
قوله: (إلا أنه يشترط في هذا) أي في فسخ عقد الموالاة.
قوله: (كما في عزل الوكيل) فإن عزل الوكيل بدون علمه يجوز ضمنا لا قصدا، فكذا عقد الولاء ينفسخ بدون العلم ضمنا لا قصدًا، ولا يقال في عزل الوكيل قصدًا يتضرر الوكيل بسبب الضمان عند رجوع الحقوق عليه إذا كان نقد من مال الوكيل، وهاهنا لم يتضرر أحد؛ لأنه قبل أداء العقل لأنا نقول مجرد فسخ عقد انعقد بالتزامه ضرر في حقه وهو التزام الفسخ في حقه فلا يكون إلا بمحضره، فكان نظير خطاب الشرع، فإنه لا يظهر حكمه في حق من لا يعلم، كذا في المبسوط.
ولأن في فسخ أحدهما بغير علم الآخر إضرارًا بصاحبه، أما إذا الفسخ من الأسفل فلأنه ربما يموت فيحسب الأعلى أن ماله صار ميراثا له فيتصرف فيه فيصير مضمونا عليه.
وإذا كان الفسخ من الأعلى فلأن الأسفل ربما يعتق عبيدا على حسبان أن عقل عبيده على مولاه، ولو صح فسخ الأعلى يجب العقل على الأسفل بدون علمه فيتضرر، كذا في الذخيرة.
قوله: (لأنه) أي: عقد الأسفل مع غيره فسخ حكمي؛ لأن انتقاض العقد في حق الأول ضرورة صحة العقد مع الثاني، فصار كالعزل الحكمي في الوكالة وإنما تجعل صحة العقد مع الثاني فسخا للعقد الأول ضرورة؛ لأن الولاء كالنسب والنسب إذا ثبت من إنسان لا يتصور ثبوته من غيره فكذا الولاء، كذا في المبسوط.
стр. 6157
لِأَنَّهُ تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّ الغَيْرِ، وَلِأَنَّهُ قَضَى بِهِ القَاضِي، وَلِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ عِوَضٍ نَالَهُ كَالْعِوَضِ في الهِبَةِ، وَكَذَا لَا يَتَحَوَّلُ وَلَدُهُ، وَكَذَا إِذَا عَقَلَ عَنْ وَلَدِهِ لَمْ يَكُنْ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يَتَحَوَّلَ، لِأَنَّهُمْ فِي حَقِّ الوَلَاءِ كَشَخْصِ وَاحِدٍ.
قَالَ: (وَلَيْسَ لِمَوْلَى العَتَاقَةِ أَنْ يُوَالِيَ أَحَدًا) لِأَنَّهُ لَازِمٌ، وَمَعَ بَقَائِهِ لَا يَظْهَرُ الأَدْنَى.
قوله: (وكذا لا يتحول ولده) أي: بعد الكبر إلى غيره لأن ولاء الأب تأكد بفعل الجناية فتأكد البيع بتأكد الأصل، فكما ليس للأب أن يتحول بعدما عقل فكذا ليس لولده ذلك إذا كبر كذا في المبسوط.
قوله: (لأنه لازم) أي: ولاء العتاقة لازم لا يحتمل النقض؛ لأن سببه العتق، وهو لا يحتمل النقض بعد ثبوته كالنسب، وإذا لم يبطل فلا يفيد عقد الموالاة؛ لأن الموالاة أدنى فلا يظهر مع الأقوى، ألا ترى أن ولاء العتاقة والموالاة إذا كانا في شخصين يقدم ولاء العتاقة في الإرث؟ فدل أنه لا حكم له مع وجود ولاء العتاقة.
ولو والت امرأة رجلا فولدت ولدا لا يعرف أبوه يدخل الولد في ولائها تبعا، وكذا إن أقرت أنها مولاة فلان وفي يدها طفل لا يعرف أبوه، وهذا عند أبي حنيفة.
وعندهما لا يثبت ولاء ولدها من مولاها في الصورتين؛ لأن الأم لا ولاية لها في ماله ففي نفسه أولى، وله أن الولاء كالنسب، وهو نفع محض في حق الطفل الذي لم يُدْرَ أبوه فتملكه الأم كقبول الهبة.
وفي المحيط: والى ذمي مسلما أو ذميا جاز وهو مولاه، ولو أسلم على يد حربي ووالاه هل يصح؟ لم يذكره في الكتاب واختلفوا.
قيل: يصح، وقيل: لا يصح.
رجل والى رجلا ثم ولد له ولدا من امرأة والت آخر فولاء الولد لمولى الأب، وكذا إن والت وهي حبلى بخلاف ما أعتقت وهي حبلى فولاء الولد لقوم أمه كما ذكرنا والله اعلم.
стр. 6158
كِتَابُ الْإِكْرَاهِ
كِتَابُ الْإِكْرَاهِ
قيل: عقب الولاء بالإكراه لمناسبة أن الإكراه لا يؤثر في سببه وهو العتق، أو لأنه لما عقب ولاء العتاقة بالموالاة لقوته شرع في الإكراه؛ لمناسبة بينهما، وهو أن الموالاة عقد يغير حال المخاطب من الحرمة إلى الحل، والإكراه يغير حال المخاطب وهو المكره من حرمة المباشرة إلى حلها في عامة المواضع.
ثم المراد من بيان الإكراه والغصب والجنايات بيان أحكامها إذا وقعت، ومحاسن حكم الإكراه ظاهرة؛ إذ فيه تبين غاية رأفة الله تعالى على عباده، حيث لا يؤاخذه بسبب الإكراه الصادر من غيره، ولهذا جعل مباشرة ما أكره عليه من الحل الأصلي في بعض المواضع حتى يأثم بتركه وإن كانت من المحظورات.
ثم الإكراه لغة: مصدر أكرهه، إذا حمله على أمر يكرهه ولا يريده، والكره بالفتح اسم صفة.
وشرعا: اسم لفعل يفعله المرء بغيره فينتفي به رضاه ثم يفسد به اختياره إن كان ملجئا، وإلا لا يفسد فلا تزول به أهلية المكره ولا يسقط عنه الخطاب؛ لما أنه مبتلى، ألا ترى أنه متردد بين فرض وحظر وإباحة ورخصة، ويأثم مرة ويجبر أخرى، والابتلاء يحقق الخطاب، كذا في المبسوط.
وفي الإيضاح: هو فعل يؤخذ من المكره فيحدث في المحل معنى يصير به مدفوعا إلى الفعل الذي طلب منه.
وفي الوافي: هو عبارة عن تهديد القادر غيره على ما هدده بمكروه على أمر بحيث ينتفي به الرضا.
стр. 6159
قَالَ: (الإِكْرَاهُ يَثْبُتُ حُكْمُهُ إِذَا حَصَلَ مِمَّنْ يَقْدِرُ عَلَى إِيقَاعِ مَا تَوَعَّدَ بِهِ سُلْطَانًا كَانَ أَوْ لِصًا) لِأَنَّ الإِكْرَاهَ: اسْمٌ لِفِعْلٍ يَفْعَلُهُ المَرْءُ بِغَيْرِهِ، فَيَنْتَفِي بِهِ رِضَاهُ، أَوْ يَفْسُدُ بِهِ اخْتِيَارُهُ مَعَ بَقَاءِ أَهْلِيَّتِهِ، وَهَذَا إِنَّمَا يَتَحَقَّقُ إِذَا خَافَ المُكْرَهُ تَحْقِيقَ مَا تَوَعَدَ بِهِ، وَذَلِكَ إِنَّمَا يَكُونُ مِنْ القَادِرِ وَالسُّلْطَانِ وَغَيْرِهِ سِيَّانِ عِنْدَ تَحَقُّقِ القُدْرَةِ، وَالَّذِي قَالَهُ أَبُو حَنِيفَةَ: إِنَّ الإِكْرَاهَ لَا يَتَحَقَّقُ إِلَّا مِنْ السُّلْطَانِ، لِمَا أَنَّ المَنَعَةَ لَهُ، وَالقُدْرَةُ لَا تَتَحَقَّقُ بِدُونِ المَنَعَةِ.
فَقَدْ قَالُوا: هَذَا اخْتِلَافُ عَصْرٍ وَزَمَانٍ لَا اخْتِلَافُ حُجَّةٍ وَبُرْهَانٍ، وَلَمْ تَكُنْ
وشرطه: قدرة المكره على تحقيق ما هدد به سلطانا كان أو لصا، والذي قال أبو حنيفة: إنه لا يتحقق إلا من السلطان؛ لأن القدرة له لمنعته فقد قالوا إلى آخر ما ذكر في الكتاب.
وشرطه: خوف المكره أيضًا كما ذكر في المتن.
قيل: قد ابتلي محمد بتصنيف هذا الكتاب، فإن ابن سماعة حكى أنه لما صنف هذا الكتاب سعى بعض حساده عند الخليفة، وقال: إنه صنف كتابا وسماك لصًا، فاغتاظ الخليفة وأمر بإحضاره، فأتاه الشخص وأنا معه، فأدخله على الوزير أولا في حجرته فعاتبه الوزير في ذلك وأنكر محمد أصلا.
فلما علمت السبب أسرعت الرجوع إلى بيت محمد وتسورت على حائط بعض الجيران؛ لأنهم كانوا سمروا على بابه، فدخلت داره ففتشت حتى وجدت كتاب الإكراه، فألقيته في جب الدار؛ لأن الشُّرَطَ أحاطوا بالدار قبل خروجي منها فلم يُمْكِنِّي أن أخرج، فاختفيت في موضع حتى دخلوا وحملوا كتبه إلى دار الخليفة بأمر الوزير، ففتشوه ولم يجدوا شيئًا مما ذكره الساعي، فندم الخليفة واعتذر إليه ورده بجميل، فلما كان بعد أيام أراد محمد أن يعيد تصنيف الكتاب فلم يجبه خاطره إلى مراده، فجعل يتأسف على ما فاته من هذا الكتاب، ثم أمر بعض وكلائه أن يأتي بعامل ينقي البئر؛ لأن ماءها قد تغير، فلما نزل العامل في البئر وجد الكتاب على آجُرَّةٍ أو حَجَرٍ نَتَأَ من طَيِّ البئر فسر محمد بذلك، وكان يخفي الكتاب زمانًا ثم أظهره بعد، فَعُدَّ هذا من مناقب محمد.
قوله: (توعد به) أي: خوفه، كذا في الديوان.
стр. 6160
القُدْرَةُ فِي زَمَنِهِ إِلَّا لِلسُّلْطَانِ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ تَغَيَّرَ الزَّمَانُ وَأَهْلُهُ، ثُمَّ كَمَا تُشْتَرَطُ قُدْرَةُ المُكْرِهِ لِتَحَقَّقِ الإِكْرَاهِ يُشْتَرَطُ خَوْفُ المُكْرَهِ وُقُوعَ مَا يُهَدَّدُ بِهِ، وَذَلِكَ بِأَنْ يَغْلِبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ يَفْعَلُهُ لِيَصِيرَ بِهِ مَحْمُولًا عَلَى مَا دُعِيَ إِلَيْهِ مِنْ الفِعْلِ.
قَالَ: (وَإِذَا أُكْرِهَ الرَّجُلُ عَلَى بَيْعِ مَالِهِ، أَوْ عَلَى شِرَاءِ سِلْعَةٍ، أَوْ عَلَى أَنْ يُقِرَّ لِرَجُلٍ بِأَلْفِ، أَوْ يُؤَاجِرَ دَاره: فَأُكْرِهَ عَلَى ذَلِكَ بِالقَتْلِ، أَوْ بِالضَّرْبِ الشَّدِيدِ، أَوْ بِالحَبْسِ فَبَاعَ، أَوْ اشْتَرَى، فَهُوَ بِالخِيَارِ، إِنْ شَاءَ أَمْضَى البَيْعَ، وَإِنْ شَاءَ فَسَخَهُ، وَرَجَعَ بِالمَبِيعِ) لِأَنَّ مِنْ شَرْطِ صِحَّةِ هَذِهِ العُقُودِ التَّرَاضِي، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] وَالإِكْرَاهُ بِهَذِهِ الأَشْيَاءِ يُعْدِمُ الرِّضَا فَيَفْسُدُ، بِخِلَافِ مَا إِذَا أُكْرِهَ بِضَرْبِ سَوْطٍ، أَوْ حَبْسِ يَوْمٍ، أَوْ قَيْدِ يَوْمِ، لِأَنَّهُ لَا يُبَالِي بِهِ بِالنَّظَرِ إِلَى العَادَةِ فَلَا يَتَحَقَّقُ بِهِ الإِكْرَاهُ، إِلَّا إِذَا كَانَ الرَّجُلُ صَاحِبَ مَنْصِبٍ يَعْلَمُ
قوله: (بالحبس) أي: بالحبس المديد، فإن حكم الحبس بيوم سيجيء، فباع واشترى فهو بالخيار.
اعلم أن تصرفات المكره كلها قولًا منعقدة عندنا، خلافًا لزفر والأئمة الثلاثة، إلا أن ما يحتمل الفسخ منه كالبيع والإجارة تفسخ، وما لا يحتمل الفسخ كالطلاق والعتاق والنكاح والتدبير والاستيلاد والنذر فهو لازم عندنا خلافا للأئمة الثلاثة.
قوله: (صاحب منصب) أي: ذا جاه يعلم أنه يستضر به كالقاضي وعظيم البلد، فإن مطلق القيد والحبس إكراه في حقه، حتى لو توعد به الاستخفاف، وهو رجل وجيه كان ذلك إكراها، وبه قال بعض أصحاب الشافعي ومالك وأحمد في رواية، وقال في رواية: الوعيد ليس بإكراه.
وعن شريح: القيد والوعيد إكراه، والضرب والشتم يختلف باختلاف أحوال الناس.
وفي المبسوط: والحد في الحبس الذي هو إكراه ما يجيء الاغتمام البين به، وفي الضرب ما يجد به الألم الشديد، ولكن ذلك على قدر ما يرى الحاكم
стр. 6161
أَنَّهُ يَسْتَضِرُّ بِهِ لِفَوَاتِ الرِّضَا، وَكَذَا الإِقْرَارُ حُجَّةٌ لِتَرَجُّحِ جَنَبَةِ الصِّدْقِ فِيهِ عَلَى جَنَبَةِ الكَذِبِ، وَعِنْدَ الإِكْرَاءِ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ يَكْذِبُ لِدَفْعِ المَضَرَّةِ، ثُمَّ إِذَا بَاعَ مُكْرَهَا وَسَلَّمَ مُكْرَهًا يَثْبُتُ بِهِ المِلْكُ عِنْدَنَا، وَعِنْدَ زُفَرَ: لَا يَثْبُتُ لِأَنَّهُ بَيْعٌ مَوْقُوفٌ عَلَى الإِجَازَةِ؛ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ أَجَازَ جَازَ، وَالمَوْقُوفُ قَبْلَ الإِجَازَةِ لَا يُفِيدُ المِلْكَ، وَلَنَا: أَنَّ رُكْنَ البَيْعِ صَدَرَ مِنْ أَهْلِهِ مُضَافًا إِلَى مَحَلِّهِ، وَالفَسَادُ لِفَقْدِ شَرْطِهِ، وَهُوَ التَّرَاضِي فَصَارَ كَسَائِرِ الشُّرُوطِ الْمُفْسِدَةِ، … ...
إذا رفع ذلك إليه فما رأى أنه إكراه أبطل إقراره به؛ لأن ذلك يختلف باختلاف أحوال الناس.
وفي الذخيرة: ضرب سوط وحبس يوم، حتى لو ضربه سوطا أو حبسه يوما يكون مكرها قياسا.
وفي الاستحسان لا يكون، ويكون الإقرار طائعا، إذ الإنسان لا يلتزم ضرر ألف درهم بحبس يوم أو قيد يوم، فيرجح جانب الطواعية في هذه الصورة. قال محمد: وليس في ذلك تقدير، بل ذلك على حسب ما يرى الإمام؛ لأن أحوال الناس في ذلك متفاوتة، فالشرفاء والأجلة من العلماء والكبراء يستنكفون عن ضرب سوط وحبس يوم أكثر مما يستنكف غيرهم عن ضرب أسواط.
ولهذا قال بعض مشايخنا: ما ذكر من الجواب في أوساط الناس وفي حق السوقة حتى لو كان من أشراف الناس لو عرك أذنه في مجلس السلطان يكون مكرها.
قوله: (وعند زفر لا يثبت) أي: الملك لأنه موقوف، وبيع الموقوف قبل الإجارة لا يفيد الملك كما لو باع بشرط الخيار وسلم إلى المشتري فإنه لا يمكنه القبض فكذا هاهنا، وكذا عند الأئمة الثلاثة، إلا أن عندهم لا يكون موقوفا بل باطلا.
قوله: (إلا أنه لو أجاز جاز) أي: البيع عند زفر أيضًا، وعند الأئمة الثلاثة لا؛ لأن البيع الباطل لا يتوقف عندهم على الإجازة.
قوله: (كسائر الشروط المفسدة) يعني الرضا شرط بالنص لصحة البيع، وقد
стр. 6162
فَيَثْبُتُ المِلْكُ عِنْدَ القَبْضِ، حَتَّى لَوْ قَبَضَهُ وَأَعْتَقَهُ، أَوْ تَصَرَّفَ فِيهِ تَصَرُّفًا لَا يُمْكِنُ نَقْضُهُ، جَازَ، وَيَلْزَمُهُ القِيمَةُ … ... …
فات فكان انعدامه كانعدام المساواة في الأموال الربوية التي هي شرط جواز العقد، ويثبت الملك للمشتري بالقبض وهذا مثله.
فإن قيل: لو كان بمنزلة البيع الفاسد ينبغي أن لا يعود جائزا في الأحوال كلها، كما لو باع درهما بدرهمين وأشباهه، وهذا البيع يعود جائزا في أي وقت أجازه فكان نظير الموقوف لا نظير الفاسد.
قلنا: بيع المكره يشبه الموقوف من حيث إنه صدر بدون رضا المالك، ويشبه الفاسد من حيث عدم شرط جوازه، فلشبهه بالموقوف يعود جائزا في أي وقت أجازه، ومن حيث إنه يشبه الفاسد يفيد الملك بعد القبض عملا بالشبهين.
وإنما عملنا على هذا الوجه لأنا متى أظهرنا شبه الموقوف في حق المالك، ولم يوجب الملك بعد القبض لا يبقى لشبهه الفاسد عمل فيتعطل شبه الفاسد.
فإن قيل: بيع المكره دون البيع بشرط الخيار، إذ البائع هناك رضي بسببه دون وصفه وهو اللزوم، وهنا البائع غير راض بأصل السبب.
قلنا: البائع بشرط الخيار غير راض بالسبب في الحال؛ لأنه علقه بالشرط، والمعلق بالشرط معدوم قبله فلا يتم رضاه قبل الشرط فكان أضعف من بيع المكره؛ لأن المكره راض بالبيع لدفع الشر به عن نفسه، غير راض بحكم السبب، وهذا لأنه عرف الشرين واختار أهونهما فكان قاصدا مختارا لا لعينه بل لدفع الشر عن نفسه.
قوله: (تصرفًا [لا يمكن]) (١) نقضه كالتدبير والاستيلاد (جاز) أي: تصرف المشتري، وكذا الحكم في الهبة (فيلزمه القيمة) أي يلزم المشتري القيمة.
وفي الذخيرة: المالك بالخيار إن شاء ضمن المكره قيمته يوم سلمه إلى المشتري والموهوب له، وإن شاء ضَمَّن المشتري والموهوب له.
وفي المبسوط والكافي: البيع بشرط الخيار يمنع ابتداء الحكم، فلا يمكن
стр. 6163
كَمَا فِي سَائِرِ البِيَاعَاتِ الفَاسِدَةِ، وَبِإِجَازَةِ المَالِكِ يَرْتَفِعُ المُفْسِدُ وَهُوَ الإِكْرَاهُ وَعَدَمُ الرِّضَا فَيَجُوزُ، إِلَّا أَنَّهُ لَا يَنْقَطِعُ بِهِ حَقُّ اسْتِرْدَادِ البَائِعِ وَإِنْ تَدَاوَلَتْهُ الْأَيْدِي وَلَمْ يَرْضَ البَائِعُ بِذَلِكَ بِخِلَافِ سَائِرِ البِيَاعَاتِ الفَاسِدَةِ، لِأَنَّ الفَسَادَ فِيهَا لِحَقِّ الشَّرْعِ وَقَدْ تَعَلَّقَ بِالبَيْعِ الثَّانِي حَقُّ العَبْدِ وَحَقَّهُ مُقَدَّمٌ لِحَاجَتِهِ، أَمَّا هَاهُنَا الرَّدُّ لِحَقِّ العَبْدِ وَهُمَا سَوَاءٌ فَلَا يَبْطُلُ حَقُّ الأَوَّلِ لِحَقِّ الثَّانِي.
قَالَ - رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ -: وَمَنْ جَعَلَ البَيْعَ الجَائِزَ المُعْتَادَ بَيْعًا فَاسِدًا
القول بإثبات الملك فيه، وهذا العقد وقع مطلقا، وقضية مطلق العقد أن يثبت الملك إلا أنه لما كان فاسدا توقف على القبض.
وقوله: (فإنه ينفذ بالإجازة) قلنا: نفاذه باعتبار شرط المفسد، وهو عدم الرضا بسبب الإكراه، فإذا ارتفع بوجود الرضى نفذ العقد، ألا ترى أنه لو أجاز بيعا باشره غيره ينفذ؟ فإذا أجاز بيعا باشره بنفسه أولى، إلا أنه لا يقطع به حق استرداد البائع وإن تداولته الأيدي، ولم يرض البائع بذلك بخلاف سائر البيوع الفاسدة فإنه لو اشترى شراء فاسدا بأجل أو خيار مجهول وباع من آخر لم يكن للبائع الأول حق النقض؛ لأن وجوب النقض ثُمَّ لِحَقِّ الشرع فإذا اشتراه غيره تعلق به حق المشتري، فقد اجتمع حَقَّانِ: حقُّ الشرع وحقُّ العبد، فقدم حق العبد لحاجته وغنى الشرع.
فأما هاهنا فالرد لحق العبد وقد استويا فيه فلا يبطل حق الأول لحَقِّ الثاني.
وفي الذخيرة: البيع حصل بتسليط البائع الأول في البياعات الفاسدة، وهاهنا ما حصل بتسليط المكره.
قوله: (ومن جعل البيع الجائز المعتاد بيعًا فاسدًا) إلى آخره أراد به بيع الوفاء صورته أن يقول البائع للمشتري: بعت هذا منك بما لك عليَّ من الدين على أني متى قضيت الدين فهو لي.
من المشايخ من جعله فاسدًا باعتبار شرط الفسخ في البيع يجعله كبيع المكره فيملكه إذا اتصل به القبض، وينقض بيع المشتري من غيره؛ لأن الفساد باعتبار فوت الرضا فصار كبيع المكره، وهكذا اتفق مشايخ زماننا وعليه الفتوى.
стр. 6164
يَجْعَلُهُ كَبَيْعِ المُكْرَهِ، حَتَّى يَنْقَضِ بَيْعُ المُشْتَرِي مِنْ غَيْرِهِ، لِأَنَّ الفَسَادَ لِفَوَاتِ الرِّضَا، وَمِنْهُمْ مَنْ جَعَلَهُ رَهْنًا لِقَصْدِ المُتَعَاقِدَيْنِ، وَمِنْهُمْ مَنْ جَعَلَهُ بَاطِلًا اعْتِبَارًا بِالهَازِلِ، وَمَشَايِخُ سَمَرْقَنْدَ ﵏: جَعَلُوهُ بَيْتًا جَائِزًا مُفِيدًا بَعْضَ الْأَحْكَامِ عَلَى مَا
(ومنهم) أي: من المشايخ (من جعله) أي: بيع الوفاء (رهنا) كالقاضي الإمام السيد الشجاع السمرقندي، والقاضي عَلِيّ السعدي، والقاضي الإمام الحسن الماتريدي، وشيخ الإسلام عطاء بن حمزة وغيرهم باعتبار أن عرض العاقدين الرهن والاستيثاق بالدين، ولهذا يقول البائع لكل من تلقاه: قد رهنت ملكي عند فلان، والمشتري يقول: قد ارتهنت ملك فلان.
والعبرة في العقود للمعاني لا للألفاظ كالكفالة بشرط براءة الأصيل حوالة والحوالة بشرط عدم براءة الأصيل كفالة، فحينئذ لا يملكه ولا يباح الانتفاع به إلا بإذن المالك، وهو ضامن لما أكل من ثمره واستهلك من عينه، والدين ساقط بهلاكه في يده، وفيه وفاء بالدين اعتبارًا بالهازل، وثم إذا تواضعا بأصله ثم اتفقا على البناء فإن البيع منعقد؛ لأن الهازل مختار راض بالمباشرة للسبب، لكنه غير راض ولا مختار لحكمه فكان كخيار الشرط مؤبدا، فالعقد فاسد غير موجب للملك، ومشايخ سمرقند جعلوه بيعًا جائزا.
قال الإمام نجم الدين النسفي: اتفق مشايخنا في هذا الزمان على صحته بيعًا، كان عليه بعض السلف؛ لأنهما تلفظا بلفظ البيع، والعبرة للملفوظ دون المقصود، كمن تزوج امرأة بقصد أن يطلقها بعدما جامعها صح العقد، يعني لم يكن متعة، كذا في الفصول للأَسْتَرَوْشَنِي.
وذكر في فتاوى قاضي خان، والإمام ظهير الدين: والصحيح أن العقد الذي جرى بينهما إن كان بلفظ البيع لا يكون رهنا، ثم ينظر إن كان ذكرا شرط الفسخ في البيع فسد البيع، وإن لم يذكرا وتلفظا البيع بشرط الوفاء أو تلفظا بالبيع الجائز، وعندهما هذا البيع عبارة عن بيع غير لازم فكذلك أي فاسد وإن ذكرا البيع من غير شرط ثم ذكرا الشرط على وجه الميعاد جاز البيع، ويلزم الوفاء بالميعاد؛ لأن المواعيد قد تكون لازمة فيجعل هذا الميعاد لازما لحاجة الناس.
قوله: (مفيدًا لبعض الأحكام) وهو الانتفاع، دون البعض وهو البيع.
стр. 6165
هُوَ المُعْتَادُ لِلْحَاجَةِ إِلَيْهِ، قَالَ: (فَإِنْ كَانَ قَبَضَ الثَّمَنَ طَوْعًا: فَقَدْ أَجَازَ البَيْعَ) لِأَنَّهُ دَلِيلُ الإِجَازَةِ كَمَا فِي البَيْعِ المَوْقُوفِ، وَكَذَا إِذَا سَلَّمَ طَائِعًا، بِأَنْ كَانَ الْإِكْرَاهُ عَلَى البَيْعِ لَا عَلَى الدَّفْعِ، لِأَنَّهُ دَلِيلُ الإِجَازَةِ، بِخِلَافِ مَا إِذَا أَكْرَهَهُ عَلَى الهِبَةِ وَلَمْ يَذْكُرْ الدَّفْعَ فَوَهَبَ وَدَفَعَ حَيْثُ يَكُونُ بَاطِلًا، لِأَنَّ مَقْصُودَ المُكْرِهِ الاسْتِحْقَاقُ لَا مُجَرَّدَ اللَّفْظِ، وَذَلِكَ فِي الهِبَةِ بِالدَّفْعِ وَفِي البَيْعِ بِالعَقْدِ عَلَى مَا هُوَ الْأَصْلُ، فَدَخَلَ الدَّفْعُ فِي الإِكْرَاءِ عَلَى الهِبَةِ دُونَ البَيْعِ. قَالَ: (وَإِنْ قَبَضَهُ مُكْرَهَا، فَلَيْسَ ذَلِكَ بِإِجَازَةٍ، وَعَلَيْهِ رَدُّهُ إِنْ كَانَ قَائِمًا فِي يَدِهِ) لِفَسَادِ العَقْدِ.
قَالَ: (وَإِنْ هَلَكَ المَبِيعُ فِي يَدِ المُشْتَرِي، وَهُوَ غَيْرُ مُكْرَةٍ: ضَمِنَ قِيمَتَهُ لِلْبَائِعِ) مَعْنَاهُ: وَالبَائِعُ مُكْرَهُ حُكُم، لِأَنَّهُ مَضْمُونٌ عَلَيْهِ بِحُكْمِ عَقْدٍ فَاسِدٍ (وَلِلْمُكْرَهِ أَنْ يُضَمِّنَ
قوله: (حيث تكون الهبة باطلا) أي: فاسدًا فإنه ذكر في المبسوط: ثم بسبب الإكراه تفسد الهبة، ولكن الهبة الفاسدة توجب الملك بعد القبض كالهبة الصحيحة بناءً على أصلنا أن فساد السبب لا يمنع وقوع الملك بالقبض، فإذا أعتقها أو دبرها أو استولدها نفذ؛ لأنه في ملكه، وعليه ضمان قيمتها.
قوله: (لأن مقصود الإكراه) وفي بعض النسخ: (مقصود المكره) وهو الأصح ما يتعلق به الاستحقاق ليتضرر به المكره لا صورة العقد.
والأصل في البيع أن يتعلق الاستحقاق به من غير قبض، فلم يكن الإكراه على البيع إكراها على الإقباض، فكان الدفع عن اختيار منه، وهذا دليل الإجازة.
أما الهبة في أصل الوضع فلا يتعلق به الاستحقاق من غير قبض، فكان الإكراه على الهبة إكراها على الدفع، نظرًا إلى مقصود المكره، وهو حمله على شيء يتعلق به الاستحقاق، وإزالة الملك ليتضرر به، كذا في الإيضاح.
قوله: (فإن قبضه) أي الثمن (مكرها).
(وعليه رده) أي: رد الثمن، (إن كان قائما في يده) لأن الثمن أمانة عند المكره؛ لأنه أخذه بإذن المشتري، والقبض متى كان بإذن المالك إنما يجب الضمان إذا قبضه للتملك، وهو لم يقبضه للتملك؛ لأنه كان مُكْرَها على قبضه، فكان أمانة. (لأنه) أي: المبيع مقبوض بحكم العقد الفاسد، فكان مضمونًا عليه بالقيمة.