← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 30179

معراج الدراية في شرح الهداية

الكاكي

Полный текст (7 597 стр.). Показаны 6161–6200 · переход к 6166.

стр. 6161

أَنَّهُ يَسْتَضِرُّ بِهِ لِفَوَاتِ الرِّضَا، وَكَذَا الإِقْرَارُ حُجَّةٌ لِتَرَجُّحِ جَنَبَةِ الصِّدْقِ فِيهِ عَلَى جَنَبَةِ الكَذِبِ، وَعِنْدَ الإِكْرَاءِ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ يَكْذِبُ لِدَفْعِ المَضَرَّةِ، ثُمَّ إِذَا بَاعَ مُكْرَهَا وَسَلَّمَ مُكْرَهًا يَثْبُتُ بِهِ المِلْكُ عِنْدَنَا، وَعِنْدَ زُفَرَ: لَا يَثْبُتُ لِأَنَّهُ بَيْعٌ مَوْقُوفٌ عَلَى الإِجَازَةِ؛ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ أَجَازَ جَازَ، وَالمَوْقُوفُ قَبْلَ الإِجَازَةِ لَا يُفِيدُ المِلْكَ، وَلَنَا: أَنَّ رُكْنَ البَيْعِ صَدَرَ مِنْ أَهْلِهِ مُضَافًا إِلَى مَحَلِّهِ، وَالفَسَادُ لِفَقْدِ شَرْطِهِ، وَهُوَ التَّرَاضِي فَصَارَ كَسَائِرِ الشُّرُوطِ الْمُفْسِدَةِ، … ... إذا رفع ذلك إليه فما رأى أنه إكراه أبطل إقراره به؛ لأن ذلك يختلف باختلاف أحوال الناس. وفي الذخيرة: ضرب سوط وحبس يوم، حتى لو ضربه سوطا أو حبسه يوما يكون مكرها قياسا. وفي الاستحسان لا يكون، ويكون الإقرار طائعا، إذ الإنسان لا يلتزم ضرر ألف درهم بحبس يوم أو قيد يوم، فيرجح جانب الطواعية في هذه الصورة. قال محمد: وليس في ذلك تقدير، بل ذلك على حسب ما يرى الإمام؛ لأن أحوال الناس في ذلك متفاوتة، فالشرفاء والأجلة من العلماء والكبراء يستنكفون عن ضرب سوط وحبس يوم أكثر مما يستنكف غيرهم عن ضرب أسواط. ولهذا قال بعض مشايخنا: ما ذكر من الجواب في أوساط الناس وفي حق السوقة حتى لو كان من أشراف الناس لو عرك أذنه في مجلس السلطان يكون مكرها. قوله: (وعند زفر لا يثبت) أي: الملك لأنه موقوف، وبيع الموقوف قبل الإجارة لا يفيد الملك كما لو باع بشرط الخيار وسلم إلى المشتري فإنه لا يمكنه القبض فكذا هاهنا، وكذا عند الأئمة الثلاثة، إلا أن عندهم لا يكون موقوفا بل باطلا. قوله: (إلا أنه لو أجاز جاز) أي: البيع عند زفر أيضًا، وعند الأئمة الثلاثة لا؛ لأن البيع الباطل لا يتوقف عندهم على الإجازة. قوله: (كسائر الشروط المفسدة) يعني الرضا شرط بالنص لصحة البيع، وقد

стр. 6162

فَيَثْبُتُ المِلْكُ عِنْدَ القَبْضِ، حَتَّى لَوْ قَبَضَهُ وَأَعْتَقَهُ، أَوْ تَصَرَّفَ فِيهِ تَصَرُّفًا لَا يُمْكِنُ نَقْضُهُ، جَازَ، وَيَلْزَمُهُ القِيمَةُ … ... … فات فكان انعدامه كانعدام المساواة في الأموال الربوية التي هي شرط جواز العقد، ويثبت الملك للمشتري بالقبض وهذا مثله. فإن قيل: لو كان بمنزلة البيع الفاسد ينبغي أن لا يعود جائزا في الأحوال كلها، كما لو باع درهما بدرهمين وأشباهه، وهذا البيع يعود جائزا في أي وقت أجازه فكان نظير الموقوف لا نظير الفاسد. قلنا: بيع المكره يشبه الموقوف من حيث إنه صدر بدون رضا المالك، ويشبه الفاسد من حيث عدم شرط جوازه، فلشبهه بالموقوف يعود جائزا في أي وقت أجازه، ومن حيث إنه يشبه الفاسد يفيد الملك بعد القبض عملا بالشبهين. وإنما عملنا على هذا الوجه لأنا متى أظهرنا شبه الموقوف في حق المالك، ولم يوجب الملك بعد القبض لا يبقى لشبهه الفاسد عمل فيتعطل شبه الفاسد. فإن قيل: بيع المكره دون البيع بشرط الخيار، إذ البائع هناك رضي بسببه دون وصفه وهو اللزوم، وهنا البائع غير راض بأصل السبب. قلنا: البائع بشرط الخيار غير راض بالسبب في الحال؛ لأنه علقه بالشرط، والمعلق بالشرط معدوم قبله فلا يتم رضاه قبل الشرط فكان أضعف من بيع المكره؛ لأن المكره راض بالبيع لدفع الشر به عن نفسه، غير راض بحكم السبب، وهذا لأنه عرف الشرين واختار أهونهما فكان قاصدا مختارا لا لعينه بل لدفع الشر عن نفسه. قوله: (تصرفًا [لا يمكن]) (١) نقضه كالتدبير والاستيلاد (جاز) أي: تصرف المشتري، وكذا الحكم في الهبة (فيلزمه القيمة) أي يلزم المشتري القيمة. وفي الذخيرة: المالك بالخيار إن شاء ضمن المكره قيمته يوم سلمه إلى المشتري والموهوب له، وإن شاء ضَمَّن المشتري والموهوب له. وفي المبسوط والكافي: البيع بشرط الخيار يمنع ابتداء الحكم، فلا يمكن

стр. 6163

كَمَا فِي سَائِرِ البِيَاعَاتِ الفَاسِدَةِ، وَبِإِجَازَةِ المَالِكِ يَرْتَفِعُ المُفْسِدُ وَهُوَ الإِكْرَاهُ وَعَدَمُ الرِّضَا فَيَجُوزُ، إِلَّا أَنَّهُ لَا يَنْقَطِعُ بِهِ حَقُّ اسْتِرْدَادِ البَائِعِ وَإِنْ تَدَاوَلَتْهُ الْأَيْدِي وَلَمْ يَرْضَ البَائِعُ بِذَلِكَ بِخِلَافِ سَائِرِ البِيَاعَاتِ الفَاسِدَةِ، لِأَنَّ الفَسَادَ فِيهَا لِحَقِّ الشَّرْعِ وَقَدْ تَعَلَّقَ بِالبَيْعِ الثَّانِي حَقُّ العَبْدِ وَحَقَّهُ مُقَدَّمٌ لِحَاجَتِهِ، أَمَّا هَاهُنَا الرَّدُّ لِحَقِّ العَبْدِ وَهُمَا سَوَاءٌ فَلَا يَبْطُلُ حَقُّ الأَوَّلِ لِحَقِّ الثَّانِي. قَالَ - رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ -: وَمَنْ جَعَلَ البَيْعَ الجَائِزَ المُعْتَادَ بَيْعًا فَاسِدًا القول بإثبات الملك فيه، وهذا العقد وقع مطلقا، وقضية مطلق العقد أن يثبت الملك إلا أنه لما كان فاسدا توقف على القبض. وقوله: (فإنه ينفذ بالإجازة) قلنا: نفاذه باعتبار شرط المفسد، وهو عدم الرضا بسبب الإكراه، فإذا ارتفع بوجود الرضى نفذ العقد، ألا ترى أنه لو أجاز بيعا باشره غيره ينفذ؟ فإذا أجاز بيعا باشره بنفسه أولى، إلا أنه لا يقطع به حق استرداد البائع وإن تداولته الأيدي، ولم يرض البائع بذلك بخلاف سائر البيوع الفاسدة فإنه لو اشترى شراء فاسدا بأجل أو خيار مجهول وباع من آخر لم يكن للبائع الأول حق النقض؛ لأن وجوب النقض ثُمَّ لِحَقِّ الشرع فإذا اشتراه غيره تعلق به حق المشتري، فقد اجتمع حَقَّانِ: حقُّ الشرع وحقُّ العبد، فقدم حق العبد لحاجته وغنى الشرع. فأما هاهنا فالرد لحق العبد وقد استويا فيه فلا يبطل حق الأول لحَقِّ الثاني. وفي الذخيرة: البيع حصل بتسليط البائع الأول في البياعات الفاسدة، وهاهنا ما حصل بتسليط المكره. قوله: (ومن جعل البيع الجائز المعتاد بيعًا فاسدًا) إلى آخره أراد به بيع الوفاء صورته أن يقول البائع للمشتري: بعت هذا منك بما لك عليَّ من الدين على أني متى قضيت الدين فهو لي. من المشايخ من جعله فاسدًا باعتبار شرط الفسخ في البيع يجعله كبيع المكره فيملكه إذا اتصل به القبض، وينقض بيع المشتري من غيره؛ لأن الفساد باعتبار فوت الرضا فصار كبيع المكره، وهكذا اتفق مشايخ زماننا وعليه الفتوى.

стр. 6164

يَجْعَلُهُ كَبَيْعِ المُكْرَهِ، حَتَّى يَنْقَضِ بَيْعُ المُشْتَرِي مِنْ غَيْرِهِ، لِأَنَّ الفَسَادَ لِفَوَاتِ الرِّضَا، وَمِنْهُمْ مَنْ جَعَلَهُ رَهْنًا لِقَصْدِ المُتَعَاقِدَيْنِ، وَمِنْهُمْ مَنْ جَعَلَهُ بَاطِلًا اعْتِبَارًا بِالهَازِلِ، وَمَشَايِخُ سَمَرْقَنْدَ ﵏: جَعَلُوهُ بَيْتًا جَائِزًا مُفِيدًا بَعْضَ الْأَحْكَامِ عَلَى مَا (ومنهم) أي: من المشايخ (من جعله) أي: بيع الوفاء (رهنا) كالقاضي الإمام السيد الشجاع السمرقندي، والقاضي عَلِيّ السعدي، والقاضي الإمام الحسن الماتريدي، وشيخ الإسلام عطاء بن حمزة وغيرهم باعتبار أن عرض العاقدين الرهن والاستيثاق بالدين، ولهذا يقول البائع لكل من تلقاه: قد رهنت ملكي عند فلان، والمشتري يقول: قد ارتهنت ملك فلان. والعبرة في العقود للمعاني لا للألفاظ كالكفالة بشرط براءة الأصيل حوالة والحوالة بشرط عدم براءة الأصيل كفالة، فحينئذ لا يملكه ولا يباح الانتفاع به إلا بإذن المالك، وهو ضامن لما أكل من ثمره واستهلك من عينه، والدين ساقط بهلاكه في يده، وفيه وفاء بالدين اعتبارًا بالهازل، وثم إذا تواضعا بأصله ثم اتفقا على البناء فإن البيع منعقد؛ لأن الهازل مختار راض بالمباشرة للسبب، لكنه غير راض ولا مختار لحكمه فكان كخيار الشرط مؤبدا، فالعقد فاسد غير موجب للملك، ومشايخ سمرقند جعلوه بيعًا جائزا. قال الإمام نجم الدين النسفي: اتفق مشايخنا في هذا الزمان على صحته بيعًا، كان عليه بعض السلف؛ لأنهما تلفظا بلفظ البيع، والعبرة للملفوظ دون المقصود، كمن تزوج امرأة بقصد أن يطلقها بعدما جامعها صح العقد، يعني لم يكن متعة، كذا في الفصول للأَسْتَرَوْشَنِي. وذكر في فتاوى قاضي خان، والإمام ظهير الدين: والصحيح أن العقد الذي جرى بينهما إن كان بلفظ البيع لا يكون رهنا، ثم ينظر إن كان ذكرا شرط الفسخ في البيع فسد البيع، وإن لم يذكرا وتلفظا البيع بشرط الوفاء أو تلفظا بالبيع الجائز، وعندهما هذا البيع عبارة عن بيع غير لازم فكذلك أي فاسد وإن ذكرا البيع من غير شرط ثم ذكرا الشرط على وجه الميعاد جاز البيع، ويلزم الوفاء بالميعاد؛ لأن المواعيد قد تكون لازمة فيجعل هذا الميعاد لازما لحاجة الناس. قوله: (مفيدًا لبعض الأحكام) وهو الانتفاع، دون البعض وهو البيع.

стр. 6165

هُوَ المُعْتَادُ لِلْحَاجَةِ إِلَيْهِ، قَالَ: (فَإِنْ كَانَ قَبَضَ الثَّمَنَ طَوْعًا: فَقَدْ أَجَازَ البَيْعَ) لِأَنَّهُ دَلِيلُ الإِجَازَةِ كَمَا فِي البَيْعِ المَوْقُوفِ، وَكَذَا إِذَا سَلَّمَ طَائِعًا، بِأَنْ كَانَ الْإِكْرَاهُ عَلَى البَيْعِ لَا عَلَى الدَّفْعِ، لِأَنَّهُ دَلِيلُ الإِجَازَةِ، بِخِلَافِ مَا إِذَا أَكْرَهَهُ عَلَى الهِبَةِ وَلَمْ يَذْكُرْ الدَّفْعَ فَوَهَبَ وَدَفَعَ حَيْثُ يَكُونُ بَاطِلًا، لِأَنَّ مَقْصُودَ المُكْرِهِ الاسْتِحْقَاقُ لَا مُجَرَّدَ اللَّفْظِ، وَذَلِكَ فِي الهِبَةِ بِالدَّفْعِ وَفِي البَيْعِ بِالعَقْدِ عَلَى مَا هُوَ الْأَصْلُ، فَدَخَلَ الدَّفْعُ فِي الإِكْرَاءِ عَلَى الهِبَةِ دُونَ البَيْعِ. قَالَ: (وَإِنْ قَبَضَهُ مُكْرَهَا، فَلَيْسَ ذَلِكَ بِإِجَازَةٍ، وَعَلَيْهِ رَدُّهُ إِنْ كَانَ قَائِمًا فِي يَدِهِ) لِفَسَادِ العَقْدِ. قَالَ: (وَإِنْ هَلَكَ المَبِيعُ فِي يَدِ المُشْتَرِي، وَهُوَ غَيْرُ مُكْرَةٍ: ضَمِنَ قِيمَتَهُ لِلْبَائِعِ) مَعْنَاهُ: وَالبَائِعُ مُكْرَهُ حُكُم، لِأَنَّهُ مَضْمُونٌ عَلَيْهِ بِحُكْمِ عَقْدٍ فَاسِدٍ (وَلِلْمُكْرَهِ أَنْ يُضَمِّنَ قوله: (حيث تكون الهبة باطلا) أي: فاسدًا فإنه ذكر في المبسوط: ثم بسبب الإكراه تفسد الهبة، ولكن الهبة الفاسدة توجب الملك بعد القبض كالهبة الصحيحة بناءً على أصلنا أن فساد السبب لا يمنع وقوع الملك بالقبض، فإذا أعتقها أو دبرها أو استولدها نفذ؛ لأنه في ملكه، وعليه ضمان قيمتها. قوله: (لأن مقصود الإكراه) وفي بعض النسخ: (مقصود المكره) وهو الأصح ما يتعلق به الاستحقاق ليتضرر به المكره لا صورة العقد. والأصل في البيع أن يتعلق الاستحقاق به من غير قبض، فلم يكن الإكراه على البيع إكراها على الإقباض، فكان الدفع عن اختيار منه، وهذا دليل الإجازة. أما الهبة في أصل الوضع فلا يتعلق به الاستحقاق من غير قبض، فكان الإكراه على الهبة إكراها على الدفع، نظرًا إلى مقصود المكره، وهو حمله على شيء يتعلق به الاستحقاق، وإزالة الملك ليتضرر به، كذا في الإيضاح. قوله: (فإن قبضه) أي الثمن (مكرها). (وعليه رده) أي: رد الثمن، (إن كان قائما في يده) لأن الثمن أمانة عند المكره؛ لأنه أخذه بإذن المشتري، والقبض متى كان بإذن المالك إنما يجب الضمان إذا قبضه للتملك، وهو لم يقبضه للتملك؛ لأنه كان مُكْرَها على قبضه، فكان أمانة. (لأنه) أي: المبيع مقبوض بحكم العقد الفاسد، فكان مضمونًا عليه بالقيمة.

стр. 6166

المُكْرَهُ إِنْ شَاءَ) لِأَنَّهُ آلَةٌ لَهُ فِيمَا يَرْجِعُ إِلَى الإِخْلَاقِ، فَكَأَنَّهُ دَفَعَ مَالَ البَائِعِ إِلَى المُشْتَرِي فَيُضَمِّنُ أَيَّهُمَا شَاءَ كَالغَاصِبِ وَغَاصِبِ الغَاصِبِ، فَلَوْ ضَمِنَ المُكْرَهُ: رَجَعَ عَلَى المُشْتَرِي بِالقِيمَةِ، لِقِيَامِهِ مَقَامَ البَائِعِ، وَإِنْ ضَمِنَ المُشْتَرِي نَفَذَ كُلُّ شِرَاءٍ كَانَ بَعْدَ شِرَائِهِ لَوْ تَنَاسَخَتْهُ العُقُودُ، لِأَنَّهُ مَلَكَهُ بِالضَّمَانِ، فَظَهَرَ أَنَّهُ بَاعَ مِلْكَهُ، وَلَا يَنْفُذُ مَا كَانَ لَهُ قَبْلَهُ، قوله: (وللمُكْرَهِ) بفتح الراء (أن يضمن المُكْرِه) بكسر الراء. (لأنه) أي: المكره (آلة له) أي: للمكره (فيما يرجع [إلى] (١) الإتلاف)، وإن لم يصلح آلة له من حيث إنه كلام؛ لأن المتكلم بلسان الغير لا يصح. (فكأنه) أي المكره (دفع مال البائع) بأداء الضمان؛ لأن المضمون يصير ملكا للضامن وقت سبب الضمان. (وإن ضمن المشتري) أي: من الغاصب، وفي الكافي: فإن ضمن أحد المشتريين. (وقد تناسخته العقود) أي: تداولته نفذ كل شراء كان بعد شرائه. (ولا ينفذ ما كان قبله) أي: قبل شراء المشتري، أو قبل الضمان فعاد الكل جائزا؛ لأن إجازته إسقاط منه لِحَقِّهِ في استرداد المبيع، فأما المبيع من كل مشتر إنما كان في ملكه لنفسه، ولكن يوقف نفوذه على سقوط حق المكره في الفسخ، والإجازة سقط حقه فنفذ البيوع. وبخلاف ما لو أجاز المالك في بيع الفضولي واحدًا من الأشربة، بحيث يجوز ما أجازه خاصة؛ لأنه باع كل واحد منهم ملك غيره، وقد صار لواحد منهم ملك بات بالإجازة فأبطل الملك الموقوف لغيره، وهنا كل واحد باع ملك نفسه إذ بيع المكره يفيد الملك عند القبض، والمانع من نفوذ الكل حق استرداد المالك، فإذا سقط حقه نفذ الكل، إليه أشار في المبسوط.

стр. 6167

لأَنَّ الِاسْتِنَادَ إِلَى وَقْتِ قَبْضِهِ، بِخِلَافِ مَا إِذَا أَجَازَ المَالِكُ المُكْرَهَ عَقْدًا مِنهَا حَيْثُ يَجُوزُ مَا قَبْلَهُ وَمَا بَعْدَهُ لِأَنَّهُ أَسْقَطَ حَقَّهُ، وَهُوَ المَانِعُ فَعَادَ الكُلُّ إِلَى الجَوَازِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. فَصْلٌ: [الْإِكْرَاهُ الوَاقِعُ في حُقُوقِ الله] (وَإِنْ أُكْرِهَ عَلَى أَنْ يَأْكُلَ المَيْتَةَ أَوْ يَشْرَبَ الخَمْرَ، إِنْ أُكْرِهَ عَلَى ذَلِكَ بِحَبْسٍ أَوْ ضَرْبٍ أَوْ قَيْدٍ: لَمْ يَحِلَّ لَهُ … ... . فَصْلٌ لما ذكر حكم الإكراه في حقوق العباد شرع في بيان حكمه في حقوق الله ﵎، وقَدَّمَ حقوق العباد لما أن حق العبد مُقدَّم لحاجته. قوله: (بضرب أو قَيْدٍ لَمْ يَحِلَّ له) أراد بالضرب الضرب الخفيف الذي لا يخاف منه تلف نفس أو تلف عضو. وفي المبسوط: كل ضرب لا يخاف منه تلف نفس أو عضو في أكثر الرأي لا يحل له؛ لأن غالب الرأي يقام مقام الحقيقة لا طريق إلى معرفته حقيقة. وقد قال بعض العلماء في ذلك: أدنى الحد أربعين، حتى لو تهدد بأقل من أربعين منها لم يحل الإقدام على ذلك؛ لأن ما دون ذلك مشروع بطريق التعزير، والتعزير يقام على وجه يكون زاجرًا لا متلفًا. ولكنا نقول: نصيب المقدار بالرأي لا يكون، ولا نص في التقدير هاهنا، وأحوال الناس مختلفة بدهم الضرب (١)، فلا طريق سوى رجوع المكره إلى غالب رأيه، فإن وقع غالب رأيه أنه متلف نفسًا أو عضوا يحل له الإقدام وإلا لا. وفي الذخيرة: ولو هدد بضرب سوط أو سوطين فهو لا يعتبر، إلا أن يقول: لأضربنك على عينيك أو على المذاكير (٢).

стр. 6168

إِلَّا أَنْ يُكْرَهَ بِمَا يَخَافُ مِنهُ عَلَى نَفْسِهِ، أَوْ عَلَى عُضْوِ مِنْ أَعْضَائِهِ، فَإِذَا خَافَ عَلَى ذَلِكَ وَسِعَهُ أَنْ يُقْدِمَ عَلَى مَا أُكْرِهَ عَلَيْهِ) وَكَذَا عَلَى هَذَا الدَّمُ وَلَحْمُ الخِنْزِيرِ، لِأَنَّ تَنَاوُلَ هَذِهِ المُحَرَّمَاتِ إِنَّمَا يُبَاحُ عِنْدَ الضَّرُورَةِ كَمَا فِي المَخْمَصَةِ، لِقِيَامِ المُحَرَّمِ فِيمَا وَرَاءَهَا، وَلَا ضَرُورَةَ إِلَّا إِذَا خَافَ عَلَى النَّفْسِ أَوْ عَلَى العُضْوِ، حَتَّى لَوْ خِيفَ عَلَى ذَلِكَ بِالضَّرْبِ وَغَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ يُبَاحُ لَهُ ذَلِكَ وَلَا يَسَعُهُ أَنْ يَصْبِرَ عَلَى مَا تُوعَدَ بِهِ، فَإِنْ صَبَرَ حَتَّى أَوْقَعُوا بِهِ وَلَمْ يَأْكُلْ فَهُوَ آثِمٌ لِأَنَّهُ لَمَّا أُبِيحَ كَانَ بِالِامْتِنَاعِ عَنْهُ مُعَاوِنًا لِغَيْرِهِ عَلَى هَلَاكِ نَفْسِهِ فَيَأْثَمُ كَمَا فِي حَالَةِ المَخْمَصَةِ. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ: أَنَّهُ لَا يَأْثَمُ، لِأَنَّهُ رُخْصَةٌ، إِذْ الحُرْمَةُ قَائِمَةٌ فَكَانَ آخِذًا بِالعَزِيمَةِ. قُلْنَا: حَالَةُ الاضْطِرَارِ مُسْتَثْنَاةٌ بِالنَّص، وَهُوَ تَكَلَّمُ بِالحَاصِلِ بَعْدَ الدُّنْيَا، فَلَا مُحَرَّمَ، فَكَانَ إِبَاحَةً لَا رُخْصَةٌ، إِلَّا أَنَّهُ قوله: (إنما يباح عند الضرورة) فإنه تعالى استثنى حالة الضرورة من التحريم بقوله ﴿إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١١٩] وقال تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَة﴾ [المائدة: ٣] وبإجماع العلماء الضرورة كما تتحقق بالمخمصة تتحقق بالإكراه. قوله: (فهو آثم) أي: في ظاهر الرواية، وكذا هذا فيمن أصابته مخمصة، وبه قال الشافعي في الأصح، ومالك وأحمد في رواية. قوله: وعن أبي أنه لا يحنث، وبه قال الشافعي في قول، وأحمد في رواية. وكذا الخلاف فيمن أصابته مخمصة، وهذا الخلاف فيما إذا علم أنه يسعه تناول هذه الأشياء في هذه الحالة، أما إذا لم يعلم نرجو أن لا يأثم؛ لأنه قصد به التحرز عن ارتكاب المُحَرَّم بزعمه، ذكره في الذخيرة. ويجيء في المتن: ثم الأصل عند أبي يوسف أن الإثم ينتفي عن المضطر، ولا تنكشف الحرمة بالضرورة، قال تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ١٧٣] وقال تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةِ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: ٣] وهذا لأن الحرمة لصفة أنها ميتة أو خمر، وبالضرورة لا يزول ذلك، فإذا امتنع كان امتناعه من تناول الحرام فلا يأثم؛ لأنه تمسك بالعزيمة.

стр. 6169

إِنَّمَا يَأْثَمُ إِذَا عَلِمَ بِالإِبَاحَةِ فِي هَذِهِ الحَالَةِ، لِأَنَّ فِي انْكِشَافِ الحُرْمَةِ خَفَاءً فَيُعْذَرُ بِالجَهْلِ فِيهِ كَالجَهْلِ بِالخِطَابِ فِي أَوَّلِ الإِسْلَامِ أَوْ فِي دَارِ الحَرْبِ .. قَالَ: (وَإِنْ أُكْرِهَ عَلَى الكُفْرِ بِاَللَّهِ تَعَالَى - وَالعِيَاذُ بِاللَّهِ -، أَوْ سَبِّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِقَيْدٍ، أَوْ حَبْسٍ، أَوْ ضَرْبٍ: لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ إِكْرَاهَا حَتَّى يُكْرَهَ بِأَمْرٍ يَخَافُ مِنهُ عَلَى نَفْسِهِ، أَوْ عَلَى عُضْوِ مِنْ أَعْضَائِهِ) لِأَنَّ الإِكْرَاهَ بِهَذِهِ الْأَشْيَاءِ لَيْسَ بِإِكْرَاهِ فِي شُرْبِ الخَمْرِ لِمَا مَرَّ، فَفِي الكُفْرِ - وَحُرْمَتُهُ أَشَدُّ - أَوْلَى وَأَحْرَى. قَالَ: وجه ظاهر الرواية: حرمة هذه الأشياء مقيدة بحالة الاختيار، فلا تثبت حالة الضرورة، وذلك لأنه تعالى قال ﴿فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إليه﴾ [الأنعام: ١١٩] فقد استثنى حالة الضرورة عن التحريم، والاستثناء من التحريم إباحة، ويجعل الكلام عبارة عما وراء المستثنى، وقد كان مباحًا قبل التحريم، فبقي على ما كان في حالة الضرورة، فتثبت الإباحة حالة الضرورة. فالامتناع من تناوله كامتناعه من تناول الطعام الحلال حتى مات فيأثم؛ لأنه ألقى نفسه في التهلكة. وأما صفة الميتة والخمرية توجب الحرمة؛ لمعنى الرفق بالمتناول، وهو أن يمنعه من استعمال عقله بشرب الخمر ويصده عن ذلك. وكذا في الميتة والخنزير؛ لما عرف أن للغذاء أثرًا في الحلق، وتعدي صفة الذميمة والرفق هاهنا في الإباحة؛ لأن إتلاف البعض أهون من إتلاف الكل، وفي الامتناع عن التناول إتلاف الكل، فتثبت الإباحة لهذا المعنى. وكذا لو أوعده بقطع عضوه؛ لأن حرمة الأعضاء كحرمة النفس تبعًا لها، كذا في المبسوط. قوله: (أحرى وأولى) أي: أولى أن لا يكون إكراها، وأما ما روى ابن مسعود أنه قال: " ما من كلام أتكلم به يدرأ عني ضربتين بسوط عند ذي سلطان إلا كنت متكلما "به" فإنما هو منه على طريق بيان الرخصة فيما فيه الألم الشديد، وإن كان سوطين، فإما أن يقال: إن السوطين اللذين لا يخاف منهما الثلاث موجب الرخصة في إجراء كلمة الكفر، فلا يظن ذلك بعبد الله، وإنما يحمل منه على سبيل المثل؛ لبيان الرخصة عند خوف التلف.

стр. 6170

(وَإِذَا خَافَ عَلَى ذَلِكَ وَسِعَهُ أَنْ يُظْهِرَ مَا أَمَرُوهُ بِهِ وَيُوَرِّي، فَإِنْ أَظْهَرَ ذَلِكَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنُّ بِالإِيمَانِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ) لِحَدِيثِ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ ﵁ حَيْثُ ابْتُلِيَ بِهِ، وَقَدْ قَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﵊: كَيْفَ وَجَدْت قَلْبَكَ؟ قَالَ مُطْمَئِنَّا بِالإِيمَانِ، فَقَالَ ﵊: فَإِنْ عَادُوا فَعُدْ، وَفِيهِ نَزَلَ قَوْله تَعَالَى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌ بِالْإِيمَانِ﴾ [النحل: ١٠٦] الآية. وَلِأَنَّ بِهَذَا الإِظْهَارِ لَا يَفُوتُ الإِيمَانُ حَقِيقَةً لِقِيَامِ التَّصْدِيقِ، وَفِي الامْتِنَاعِ فَوْتُ النَّفْسِ حَقِيقَةٌ فَيَسَعُهُ المَيْلُ إِلَيْهِ. قَالَ: (فَإِنْ صَبَرَ حَتَّى قُتِلَ وَلَمْ يُظْهِرُ الكُفْرَ: كَانَ مَأْجُورًا) لِأَنَّ «خُبَيْبًا ﵁ صَبَرَ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى صُلِبَ وَسَمَّاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَيِّدَ وقيل: السوطان في حقه كان يخاف منه التلف؛ لضعف بنيته، وقد كان بهذه الصفة وهو مشهور، كذا في المبسوط. قوله: (يوري) التورية: أن يظهر خلاف ما يضمره. وفي الحديث أنه ﵊ كان إذا أراد السفر وَرَّى بغيره (١). وفي الصحاح: يقال وريت الخبر إذا سترته وأظهرت غيره. وقوله ﵊: «إنْ عادُوا فَعُدْ» (٢) أي: إن عادوا إلى الإكراه فَعُدْ إلى طمأنينة القلب لا إلى إجراء كلمة الكفر، إذ لا يجوز منه ﵊ الأمر بإجراء كلمة الكفر، كذا في مبسوط شيخ الإسلام. وما قيل: فعد إلى ما كان منك من النيل مني، وذكر آلهتهم بخير فغلط؛ لما ذكرنا أنه لا يجوز له الأمر بالتكلم بكلمة الكفر. قوله: (لِأَنَّ خُبَيْبًا) إلى آخره، وقصته أن المشركين أخذوه وباعوه من أهل مكة، فجعلوا يعاقبونه على أن يذكر آلهتهم بخير ويسب محمدًا، وهو يسب آلهتهم ويذكر محمدًا بخير حتى قتلوه، فقال ﵊: «هُوَ رفيقي

стр. 6171

الشُّهَدَاءِ، وَقَالَ فِي مِثْلِهِ هُوَ رَفِيقِي فِي الجَنَّةِ» وَلِأَنَّ الحُرْمَةَ بَاقِيَةٌ، وَالامْتِنَاعُ لِإِعْزَازِ الدِّينِ عَزِيمَةٌ، بِخِلَافِ مَا تَقَدَّمَ لِلِاسْتِثْنَاءِ. قَالَ: (وَإِنْ أُكْرِهَ عَلَى إِتْلَافِ مَالِ مُسْلِمٍ، بِأَمْرٍ يَخَافُ عَلَى نَفْسِهِ، أَوْ عَلَى عُضْوٍ مِنْ أَعْضَائِهِ: وَسِعَهُ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ لِأَنَّ مَالَ الغَيْرِ يُسْتَبَاحُ لِلضَّرُورَةِ كَمَا فِي حَالَةِ المَخْمَصَةِ، وَقَدْ تَحَقَّقَتْ وَلِصَاحِبِ المَالِ أَنْ يُضَمِّنَ المُكْرِهَ) لِأَنَّ المُكْرَهَ آلَةٌ لِلْمُكْرِهِ فِيمَا يَصْلُحُ آلَةٌ لَهُ، … ... … ... … ... .. فِي الجَنَّةِ» (١) كذا في شرح الأقطع. ويعرف بهذا أن المثل المذكور في الكتاب بقوله: (وقال في مثله) صلة أو عبارة عن الذات. قوله: (بخلاف ما تقدم) إشارة إلى مسألة الإكراه بأكل الميتة وشرب الخمر. فإن قيل: كما استثنى حالة الضرورة في الميتة استثنى في إجراء كلمة الكفر حالة الإكراه ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ [النحل: ١٠٦] فينبغي أن يكون الإجراء مباحًا أيضًا. قلنا: الاستثناء في قوله ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ﴾ استثناء من الغضب، فينتفي الغضب، ولا يلزم من انتفائه انتفاء الحرمة، فكان رخصة. وفي الكشاف: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ﴾ [النحل: ١٠٦] شرط مبتدأ وحذف جوابه؛ لأن جواب ﴿مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا﴾ دال عليه كأنه قيل: من كفر بالله فعليهم غضب إلا من أكره ﴿وَلَكِن مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ﴾ [النحل: ١٠٦]. وفي التيسير: الآية على التقديم والتأخير، تقديره الكافرون بالله؛ لأن ﴿مَنْ﴾ هنا للجمع؛ لأنه جنس فيحصل للجمع بعد إيمانهم به، الشارحون لقبول الكفر واعتقاده صدورًا ﴿فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ إلا من أكره على الكفر، فإنه لا يستحق غضب الله والعذاب العظيم. قوله: (فيما يصلح آلة له) هذا احتراز عن الأكل والوطء، فإن المكره لا

стр. 6172

وَالإِتْلَافُ مِنْ هَذَا القَبِيلِ (وَإِنْ أَكْرَهَهُ بِقَتْلِهِ عَلَى قَتْلِ غَيْرِهِ: لَمْ يَسَعْهُ أَنْ يُقْدِمَ عَلَيْهِ، وَيَصْبِرُ حَتَّى يُقْتَلَ، فَإِنْ قَتَلَهُ كَانَ آثِمًا) لِأَنَّ قَتْلَ المُسْلِمِ مِمَّا لَا يُسْتَبَاحُ لِضَرُورَةٍ مَا فَكَذَا بِهَذِهِ الضَّرُورَةِ. قَالَ: (وَالقِصَاصُ عَلَى المُكْرِهِ إِنْ كَانَ القَتْلُ عَمْدًا) قَالَ ﵁: وَهَذَا عِنْدَ أَبِي يصلح آلة فيهما، إذ الأكل بفم الغير والتكلم بلسان الغير لا يتصور. قوله: (والإتلاف من هذا القبيل) أي: من قبيل أن يصلح آلة، بأن يأخذه ويلقيه على مال الغير فيتلفه. قوله: (لأن قتل المسلم لا يستباح لضرورة ما) إذ دليل الرخصة خوف التلف والمكره والمكره عليه في ذلك سواء، فسقط حق المكره في حق تناول دم المكره عليه؛ للتعارض، بخلاف ما إذا صبر على إتلاف مال الغير، فإن دليل الرخصة قائمة، وحرمة النفس فوق حرمة المال، فاستقام أن يجعل وقاية له، ولكن أخذ مال الغير وإتلافه ظلم، وعصمة صاحبه باقية فيه، فبقي حرامًا في نفسه؛ لبقاء دليله فيكون رخصة، إذ الرخصة ما يستباح مع قيام المحرم، فإذا صبر حتى قتل فقد بذل نفسه لدفع الظلم، ولإقامة حق محترم، فصار مثابًا شهيدًا، ولو أكره بالضرب والحبس لا يسعه ذلك؛ لأنه لا يوجب الإلجاء. قوله: (والقصاص على المُكره) بكسر الراء أي: الأمر إن كان عمدًا، وهو قول أبي حنيفة، ومحمد، وبه قال الشافعي في قول. وفي النهاية: سواء كان الأمر عاقلا بالغا، أو معتوها، أو غير بالغ، فالقود على الأمر، كذا في المبسوط في باب تعدي العاقل من الإكراه، وأورد سؤالا فقال: فإن قيل: لو كان المكره بمنزلة الآلة للمباشر في القتل، والمكره المأمور آلة له، لوجب أن لا يجب القصاص على الأمر فيما إذا كان صبيا أو معتوها؛ لا انتقال فعل المكره إليه، لا يكون أقوى من مباشرته بنفسه، وفيما باشر الصبي العمد لا يجب القصاص على الأمر فيما إذا كان صبيا أو معتوها لا انتقال فعل المكره إليه لا يكون أقوى من مباشرته بنفسه وفيما باشر الصبي العمد لا يجب القصاص عليه. وقد ذكر في المبسوط: أن القصاص يجب على الصبي إذا أمر غيره بالقتل،

стр. 6173

حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ، وَقَالَ زُفَرُ: يَجِبُ عَلَى المُكْرَهِ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: لَا يَجِبُ كما نقلنا من المبسوط. قلنا: لما انتقل فعل المأمور إلى الأمر انتقل مع وصفه من العقل والبلوغ، فصار ذلك بمنزلة جناية الأمر بيد المأمور في أحكام القتل، فكذلك لم يعتبر عقل الأمر وبلوغه، بخلاف ما لو باشر بنفسه؛ لأنه لا واسطة هنا، فلا يوجد وصف العقل والبلوغ، إليه أشار في المبسوط. قال شيخي العلامة مولانا علاء الدين عبد العزيز ﵀: ما نقله صاحب النهاية عن المبسوط سهو، فإنه ذكر في هذا الباب: إذا عرفنا هذا فنقول: سواء كان المكره عاقلا بالغا أو معتوها أو غلامًا غير بالغ، فالقود على المكره؛ لأن المكره صار كالآلة، والعقل والبلوغ غير معتبر في حق الآلة، وإنما المعتبر تحقق الإلجاء، فعلم أن قوله: سواء كان المكره بالغا أو معتوها بفتح الراء لا بكسرها، والدليل الذي ذكره يتأدى عليه، فتوهمه الشارح بكسر الراء، وذلك غير سديد. يؤيده ما قال أبو اليسر في مبسوطه: ولو كان المكره صبيا أو مجنونا لا يجب القصاص على أحد؛ لأن القاتل في الحقيقة هذا الصبي، والمجنون وهو ليس بأهل لوجوب العقوبة عليه. وذكر الحلواني في مبسوطه: ولو كان المأمور مختلط العقل أو صبيا، يجب القصاص على المكره الأمر؛ لأن فعل القاتل ينتقل إليه، فيكون الصبي والبالغ في حقه سواء، فعلم بهذا أن إيجاب القصاص على الصبي الأمر سهو، وما ذكره من الفرق بين المباشر والآمر غير مسلم؛ لأن المنتقل الفعل، ووصفه من العمد والخطأ لا وصف القائل من العقل والبلوغ، ألا ترى أن المأمور لو كان صبيا أو معتوها لا ينتقل وصف الصبا والعته إليه حتى لا يجب القصاص على المكره احتيالا للدرء في القصاص. قوله: (وإليه أشار في المبسوط) سهو أيضًا؛ لأنه ذكر فيه عقيب تلك المسألة وإن كان الأمر غير بالغ، لكنه مطاع يتحقق منه الإكراه، أو كان مختلط العقل ولكنه يتحقق منه الإكراه، فإن الفعل يصير منسوبًا إليه، ويكون ذلك بمنزلة

стр. 6174

عَلَيْهِمَا (*). وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يَجِبُ عَلَيْهِمَا لِزُفَرَ: أَنَّ الفِعْلَ مِنْ المُكْرَةِ حَقِيقَةً وَحِسًّا، وَقَرَّرَ الشَّرْعُ حُكْمَهُ عَلَيْهِ وَهُوَ الإِثْمُ، بِخِلَافِ الإِكْرَاهِ عَلَى إِتْلَافِ مَالِ الغَيْرِ، لِأَنَّهُ سَقَطَ حُكْمُهُ وَهُوَ الإِثْمُ فَأُضِيفَ إِلَى غَيْرِهِ، وَبِهَذَا يَتَمَسَّكُ الشَّافِعِيُّ فِي جَانِبِ المُكْرَهِ، وَيُوجِبُهُ عَلَى المُكْرِهِ أَيْضًا لِوُجُودِ التَّسْبِيبِ إِلَى القَتْلِ مِنْهُ، وَلِلتَّسْبِيبِ فِي هَذَا حُكْمُ المُبَاشَرَةِ عِنْدَهُ كَمَا فِي شُهُودِ القِصَاصِ، جناته بده في أحكام القتل، فالضميران يرجعان إلى الأمر الذي هو الصبي والمعتوه، فظن أن الضمير في (بده) يرجع إلى المأمور، حيث قال فصار ذلك بمنزلة جناية الأمر بيد المأمور، وهو سهو بدليل ما ذكرنا بل معناه ويكون ذلك بمنزلة جنايته بنفسه. قوله: (وقال الشافعي: يجب عليهما) وبه قال مالك، وأحمد، وزفر في رواية. وعن زفر: أنه يجب على المكره المأمور فقط. (لِزُفَرَ أَنَّ الفِعْلَ مِنْ المكره حقيقة)، وهو ظاهر وعيان، فمن أنكر الحس لا يعبأ به، وكذا شرعا فإنه قرر عليه حكمه وهو الإثم بالإجماع، بخلاف الإكراه على إتلاف مال الغير كما ذكره في الكتاب، فإذا وجد الفعل منه حقيقة وحسا وشرعًا يكون القصاص عليه، إذ القصاص يجب على القاتل. (وبهذا يتمسك الشافعي) في وجوب القصاص (على المكره). (منه) أي: من المكره الأمر حيث أحدث فيه معنى كان حاملا له على القتل. (وللتسبيب في هذا) أي: في وجوب القصاص (حكم المباشرة عنده) أي عند الشافعي (كما في شهود القصاص) يعني لو شهدوا بالقتل العمد حتى اقتص القاتل، ثم رجع الشهود، أو جاء المشهود بقتله حيًّا، يقتل الشهود عند الشافعي. وهذا لأن حكمة وجوب القصاص الزجر والردع، والقتل غالبا يقع بإكراه

стр. 6175

وَلِأَبِي يُوسُفَ، أَنَّ القَتْلَ بَقِيَ مَقْصُورًا عَلَى المُكْرَهِ مِنْ وَجْهِ، نَظَرًا إِلَى التَّأْثِيمِ، وَأُضِيفَ إِلَى المُكْرِهِ مِنْ وَجْهِ، نَظَرًا إِلَى الحَمْلِ، فَدَخَلَتْ الشَّبْهَةُ فِي كُلِّ جَانِبِ. وَلَهُمَا: أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى القَتْلِ بِطَبْعِهِ إِيثَارًا لِحَيَاتِهِ، فَيَصِيرُ آلَةٌ لِلْمُكْرَهِ فِيمَا يَصْلُحُ آلَةٌ لَهُ، وَهُوَ الْقَتْلُ، بِأَنْ يُلْقِيهِ عَلَيْهِ وَلَا يَصْلُحُ آلَةٌ لَهُ فِي الجِنَايَةِ عَلَى دِينِهِ فَيَبْقَى الفِعْلُ مَقْصُورًا عَلَيْهِ فِي حَقِّ الإِثْمِ كَمَا نَقُولُ فِي الإِكْرَاهِ عَلَى الإِعْتَاقِ، … ... … ... … ... .. من المتغلبة والأكابر، فلم يوجب القصاص لانسد بابه في موضع تكون الحاجة إلى إيجابه ألزم. قوله: (نظرا إلى التأثيم) فإن المكره القاتل يأثم بالإجماع. قوله: (نظرا إلى الحمل) أي: حمل المكره عليه، وصار مدفوعا إلى القتل، ولأن المكره قاتل حقيقة لا حكما والمكره بالعكس، فتمكنت الشبهة في الجانبين فلا يجب القصاص. قوله: (محمول على القتل بطبعه)؛ لأنه جبل على حب حياة نفسه وإيثارها على حياة غيره، فيفسد اختياره، فيلحق بالآلة التي لا اختيار لها، وينسب الفعل إلى من أفسد اختياره وحمله على هذا الفعل كالسيف يقطع بطبعه، والفعل منسوب إلى الضارب، فيكون المكرَهُ آلة كالسيف فيما يصلح آلة له وهو القتل، فلا يكون على المكره قصاص ولا دية ولا كفارة. ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ﴾ [القصص: ٤] فقد نسب الذبح إلى اللعين، وما كان يباشره صورة ولكنه يأمر به، وأمره الإكراه، ولا يصلح آلة في الجناية على دينه؛ لأن القتل من حيث إنه موجب المأثم جناية على دين القاتل؛ لأنه إنما أكرهه ليجني عليه دينه، فلو أضيف إليه لصار جناية على دين المكره، وفيه بطلان الإكراه، فبقي العقل من حيث كونه جناية على دينه مقصورًا على المكره، ومن حيث الإتلاف منقولًا إلى المكره؛ لأنه يصلح آلة له كما في الإكراه على الإعتاق ينتقل الفعل إلى المُكره من حيث الإتلاف، حتى يجب الضمان على المُكرِه، ومن حيث الإعتاق بقي مقصورًا على المُكرَه حتى يكون الولاء له، وصار كإكراه المجوسي على ذبح شاة الغير، فإنه يصير آلة من حيث الإتلاف، ولم يصر آلة من حيث الزكاة حتى لا يحل تناوله.

стр. 6176

وَفِي إِكْرَاهِ المَجُوسِيِّ عَلَى ذَبْحِ شَاةِ الغَيْرِ يَنْتَقِلُ الفِعْلُ إِلَى المُكْرَهِ فِي الإِثْلَافِ دُونَ الزَّكَاةِ حَتَّى يَحْرُمَ كَذَا هَذَا. قَالَ: (وَإِنْ أَكْرَهَهُ عَلَى طَلَاقِ امْرَأَتِهِ، أَوْ عِتْقِ عَبْدِهِ، فَفَعَلَ: وَقَعَ مَا أُكْرِهَ عَلَيْهِ عِنْدَنَا) خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ، وَقَدْ مَرَّ فِي الطَّلَاقِ. قَالَ: (وَيَرْجِعُ عَلَى الَّذِي أَكْرَهَهُ بِقِيمَةِ العَبْدِ) لِأَنَّهُ صَلَحَ آلَةٌ لَهُ فِيهِ مِنْ حَيْثُ الإِتْلَافُ فَيُضَافُ إِلَيْهِ، فَلَهُ أَنْ يُضَمِّنَهُ مُوسِرًا قوله: (في الكتاب وصار كإكراه المجوسي) من قبيل إضافة المصدر إلى المفعول؛ لأن المجوسي مُكرَه، وقد صرح به في الإيضاح، وهو كما لو أكره مجوسيا على ذبح شاة الغير. فإن قيل: لو كان المأمور محمولاً على القتل بطبعه لإيثار حياته، ينبغي أن يسقط القصاص عمن أصابته مخمصة (١)، وقتل إنسانًا وأكل من لحمه حتى بقي حيا؛ لأنه مضطر في دفع الهلاك عن نفسه بقتل الغير كالمكره وحيث يجب القصاص فما الفرق؟ قلنا: هذا الذي تشبث به زفر، وإنما أسقطنا القصاص عن المُكْرَهِ؛ لأنه مُلْجَأً من جهة الغير، وصار آلة له، فأما المضطر غير مُلْجَأَ إلى القتل من جهة غيره حتى صار بمنزلة الآلة، ولهذا يجب الضمان عليه في المال، فعلم أن حكم الفعل مقصور عليه في المخمصة. قوله: (خلافا للشافعي) وبه قال مالك، وأحمد، وقد مر في فصل طلاق المُكره والسكران. وفي فتاوى قاضي خان: أُكرِهَ بِوَعِيدٍ لقتل على الطلاق والعتاق فلم يفعل حتى قُتِلَ لا يأثم، كما لو أكرِهَ على إتلاف مال نفسه فلم يُتلف كان شهيدًا، فكذا في الامتناع عن إبطال ملك النكاح. (فله أن يضمنه) أي: فلِلمُكْرَةِ المأمور أن يَضْمَنَ الأمر موسرًا كان أو مُعسِرًا؛ لأن وجوب الضمان باعتبار مباشرة، الإتلاف، فيكون ضمان جبران، فلا يختلف باليسار والإعسار.

стр. 6177

كَانَ أَوْ مُعْسِرًا، وَلَا سِعَايَةَ عَلَى العَبْدِ، لِأَنَّ السِّعَايَةَ إِنَّمَا تَجِبُ لِلتَّخْرِيجِ إِلَى الحُرِّيَّةِ أَوْ لِتَعَلَّقِ حَقِّ الغَيْرِ، وَلَمْ يُوجَدْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا، وَلَا يَرْجِعُ المُكْرَهُ عَلَى العَبْدِ بِالضَّمَانِ لِأَنَّهُ مُؤَاخَذْ بِإِتْلَافِهِ. قَالَ: (وَيَرْجِعُ بِنِصْفِ مَهْرِ المَرْأَةِ إِنْ كَانَ قَبْلَ الدُّخُولِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي العَقْدِ مُسَمًّى: يَرْجِعُ عَلَى المُكْرَةِ بِمَا لَزِمَهُ مِنْ المُتْعَةِ) لِأَنَّ مَا عَلَيْهِ كَانَ عَلَى شَرَفِ السُّقُوطِ بِأَنْ جَاءَتْ الفُرْقَةُ مِنْ قِبَلِهَا، وَإِنَّمَا يَتَأَكَّدُ بِالطَّلَاقِ فَكَانَ إِتْلَافًا لِلْمَالِ مِنْ هَذَا الوَجْهِ فَيُضَافُ إِلَى المُكْرَهِ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ إِثْلَافٌ. بِخِلَافِ مَا إِذَا دَخَلَ بِهَا، قوله: (لأن السعاية إنما تجب للتخريج إلى الحرية) كما هو مذهب أبي حنيفة، فإن المستسعى كالمكاتب عنده، أو لتعلق حق الغير كما هو مذهبهما؛ لأن السعاية عندهما لتعلق حق غير المعتق بالعبد، وهاهنا لو وجبت لوجبت لتعلق حق المعتق؛ لأنه لا حَقَّ هنا لغير المعتق، ولا نظير له في الشرع. (التعلق حق الغير) إشارة إلى عتق المريض عبده، وعتق الراهن عبده المرهون، فإنه تجب السعاية على العبد فيهما إن كان معسرًا؛ لتعلق حق الغير به وفي الذخيرة: مسألة الإعتاق والطلاق على ثلاثة أوجه: الأول: أن يقول المكره خطر ببالي الإخبار بالحرية فيما مضى كاذبًا، وقد أردت ذلك لا الإنشاء بعتق العبد قضاءً لا ديانةً، ولا يضمن المكره شيئًا؛ لأنه عدل عما أكرهه وعتق العبد بإقراره طائعا. والثاني: أن يقول خطر ببالي الإخبار كاذبًا، وتركت ذلك وأردت عتقا مستقبلا كما طلب مني، فعتق العبد حينئذ قضاء وديانة، وهو ظاهر، ويكون المكره ضامنا؛ لعدم عدوله عما أكرهه. والثالث: أن يقول لم يخطر ببالي شيء، وقد أتيت بما طلب مني. فالجواب فيه كالجواب في الوجه الثاني، والجواب في الإكراه على الطلاق، وقد سمى لها مهرًا قبل الدخول، كالجواب في الإكراه على عتق العبد في الوقوع ورجوع الزوج على المكره، إلا في الطلاق الرجوع بنصف المهر، وفي الإعتاق بقيمة العبد. قوله: (بخلاف ما إذا دخل بها) حيث لا يضمن المكره على الطلاق شيئًا،

стр. 6178

لِأَنَّ المَهْرَ قَدْ تَقَرَّرَ بِالدُّخُولِ لَا بِالطَّلَاقِ. (وَلَوْ أُكْرِهَ عَلَى التَّوْكِيلِ بِالطَّلَاقِ وَالعِتَاقِ، فَفَعَلَ الوَكِيلُ، جَازَ اسْتِحْسَانًا) لِأَنَّ الإِكْرَاهَ مُؤَكِّرٌ فِي فَسَادِ العَقْدِ، وَالوَكَالَةُ لَا تَبْطُلُ بِالشُّرُوطِ الفَاسِدَةِ، كما في الرجوع عن الشهادة بالطلاق بعد الدخول، وبه قال مالك، وأحمد. وعند الشافعي: يضمن مهر المثل كما في الشهادة؛ لأن ملك البضع مضمون بمهر المثل عند الإتلاف عنده، كما هو مضمون به عند دخوله في ملك النكاح. وجوابه مذكور في الأصول. وفي الكافي: أكرهه على إعتاق نصف عبده فأعتق كله، فهو مختار ولا شيء على المكره عند أبي حنيفة؛ لأن الإعتاق يتجزأ عنده. وعندهما: يضمن المكره قيمة العبد؛ لأنه لا يتجزأ عندهما. فالإكراه على إعتاق النصف إكراه على إعتاق الكل، ولو أكره أن يعتق كله فأعتق نصفه يضمن نصف قيمته عنده؛ لأنه أتى ببعض ما أكره عليه، فكان حكم الإكراه ثابتًا فيما أتى به. وعندهما: يضمن الكل لأن إعتاق النصف إعتاق الكل. قوله: (جاز استحسانًا) أي: يقع الطلاق والعتاق بفعل الوكيل. وفي القياس: لا يقع، وبه قالت الأئمة الثلاثة؛ لأن القياس أن لا تصح الوكالة بالإكراه؛ لأن الأصل أن كل عقد يؤثر فيه الهزل يؤثر فيه الإكراه، وما لا فلا؛ لأنهما يبغيان الرضى، والوكالة تبطل بالهزل فكذا مع الإكراه. قوله: (والوكالة لا تبطل بالشروط الفاسدة) لأنها من الإسقاطات، إذ الموكل يسقط حقه بالتفويض إليه، فإذا لم تبطل الوكالة نفذ تصرف الوكيل، ثم يرجع المُكرَهُ على المُكرِهِ بقيمة العبد وبنصف المهر استحسانًا. والقياس: أن لا يرجع عليه؛ لأن الإكراه وقع على التوكيل، وزوال الملك لا يثبت، إذ الوكيل قد يفعل وقد لا يفعل، فلا يضاف الإتلاف عليه، كما لو شهدا بوكالة فلان بعتق عبده فأعتقه الوكيل ثم رجعا، فإنهما لا يضمنان فكذا هاهنا.

стр. 6179

وَيَرْجِعُ عَلَى المُكْرِهِ اسْتِحْسَانًا، لِأَنَّ مَقْصُودَ المُكْرِهِ زَوَالُ مِلْكِهِ إِذَا بَاشَرَ الوَكِيلُ، وَالنَّذْرُ لَا يَعْمَلُ فِيهِ الإِكْرَاهِ، لِأَنَّهُ لَا يَحْتَمِلُ الفَسْخَ، وَلَا رُجُوعَ عَلَى المُكْرِهِ بِمَا لَزِمَهُ، لِأَنَّهُ لَا مُطَالِبَ لَهُ فِي الدُّنْيَا فَلَا يُطَالَبُ بِهِ فِيهَا، وَكَذَا اليَمِينُ، وجه الاستحسان: أن مقصود المكره زوال ملكه إذا باشر الوكيل، فكان الزوال مقصودًا؛ فيضمن، ولا ضمان على الوكيل؛ لأنه لم يوجد منه الإكراه. قوله: (والنذر لا يعمل فيه الإكراه) حتى لو أكرهه بوعيد تلف على أن يوجب على نفسه صدقةً أو صلاةً أو صومًا أو حجا أو شيئًا يتقرب به إلى الله تعالى فنذر لزمه المنذور، وكذا لو أكرهه على اليمين بشيء من ذلك أو بغيره فحلف صح يمينه عندنا، خلافًا للأئمة الثلاثة. (لأنه) أي: النذر لا يحتمل الفسخ؛ لأنه يمين لقوله ﵊ «النَّذْرُ يَمين» (١)، واليمين لا يحتمل الفسخ، فلا يؤثر فيه الإكراه من حيث منع الصحة كالعتاق؛ لما أن أثر الكره في فوات الرضا وأثره في عدم اللزوم، فما لا يتأتى فيه الفسخ لا يتأتى فيه أكثر الإكراه، فلا يؤثر فيه الإكراه. والأصل فيه حديث حذيفة أن المشركين لما أخذوه واستحلفوه على أن لا ينصر رسول الله ﷺ في غزوة فحلف مُكرَهًا، ثم أخبر به رسول الله ﷺ ، فقال ﵊: «أُوفِ لَهُمْ بِعَهْدِهم ونحنُ نَستعين باللهِ تَعَالَى» (٢) وقد بينا أن اليمين والطلاق والعتاق سواء في أن الهزل لا يؤثر والجد فيه سواء، وهذا لأن فيه منع نفسه عن شيء أو إيجاب شيء على نفسه بحق الله تعالى، فيكون في معنى الطلاق والعتاق الذي تضمن تحريم الفرج حقا الله تعالى، فيستوي فيه الكره والطوع. والنذر بمنزلة اليمين لما روينا، ولا يرجع على المكره بما يلزمه من ذلك؛ لأنه أوجب عليه حكما يطالب به في الآخرة، ولا يظهر أثره في الدنيا من حيث الإلزام، فلو أوجبنا عليه الضمان لأخذه الحاكم وحبسه فيه، فيكون زائدا على

стр. 6180

وَالظَّهَارُ لَا يَعْمَلُ فِيهِمَا الإِكْرَاهُ لِعَدَمِ احْتِمَالِهِمَا الفَسْخَ، وَكَذَا الرَّجْعَةُ وَالإِيلَاءُ وَالفَيْءُ فِيهِ بِاللِّسَانِ، لِأَنَّهَا تَصِحٌ مَعَ الهَزْلِ، وَالخُلْعُ مِنْ جَانِبِهِ طَلَاقُ، أَوْ يَمِينٌ، لَا يَعْمَلُ فِيهِ الْإِكْرَاهُ، فَلَوْ كَانَ ما أوجبه، وهذا لا يجوز، كذا في المبسوط. قوله: (والظهار) يعني لو أكرهه أن يظاهر من امرأته كان مُظاهِرًا، ولا يقربها حتى يُكَفِّر؛ لأن الظهار من أسباب التحريم كالطلاق، فيستوي فيه الجد والهزل والإكراه والطوع، خلافا للأئمة الثلاثة. (وكذا الرجعة لأنه استدامة للنكاح، فكانت ملحقة به. (وكذا الإيلاء) لأنه يمين في المال، والإكراه لا يمنع كل واحد منهما. (وكذا الفيء منه أي: في الإيلاء باللسان؛ لأنه كالرجعة في الاستدامة (لأنها) أي: الرجعة والإيلاء والفيء يصح مع الهزل) فلا يؤثر فيها الإكراه. والخلع من جانبه) أي: من جانب الزوج (طلاق أو يمين) فلا يؤثر فيه الهزل، فالإكراه يمنع وقوع الطلاق بغير بذل، فكذا بالجعل. (فلو كان) أي: الزوج مُكرَها على الخلع والمرأة غير مكرهة لزمها البدل؛ لأنها التزمته طائعة بإزاء ما سلم لها من البينونة. وفي المبسوط: لو أكرهه على أن يُكَفِّرَ ظهاره أو غيره ففعل لم يرجع بذلك على المكره؛ لأنه أمره بالخروج عن عهده ما لزمه حبسه، وما أتلف عليه شيئًا بغير حق، ولو أكرهه على عتق عبد بعينه عن ظهاره ففعل عتق، وعلى المكرهِ قيمة؛ لأنه صار متلفًا عليه مالية العبد إذ لم يكن عتق هذا العبد المعين مستحقا عليه، بل المستحق ما وجب في ذمته يؤمر بالخروج عنه فيما بينه وبين الله تعالى، وذلك في حق العين كالمعدوم فيلزمه قيمته، ولا يجزئه عتقه عن كفارته؛ لأنه في معنى العتق بعوض. ولو قال: أنا أُبْرِيه من القيمة حتى يجزئني من الكفارة لم يجز ذلك؛ لأن العتق نفذ غير مجزئ عن الكفارة، والموجود بعده إبراء عن الدين، وبالإبراء لا

стр. 6181

هُوَ مُكْرَهًا عَلَى الخُلْعِ دُونَهَا لَزِمَهَا البَدَلُ لِرِضَاهَا بِالِالْتِزَامِ. قَالَ: (وَإِنْ أَكْرَهَهُ عَلَى الزِّنَا، وَجَبَ عَلَيْهِ الحَدُّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، إِلَّا أَنْ يُكْرِهَهُ السُّلْطَانُ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ: لَا يَلْزَمُهُ الحَدُّ) وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي الحُدُودِ. قَالَ: (وَإِذَا أَكْرَهَهُ عَلَى الرِّدَّةِ: لَمْ تَبِنْ امْرَأَتُهُ مِنهُ) لِأَنَّ الرِّدَّةَ تَتَعَلَّقُ بِالاعْتِقَادِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ كَانَ قَلْبُهُ مُطْمَئِنَّا بِالإِيمَانِ لَا يَكْفُرُ، وَفِي اعْتِقَادِهِ الكُفْرَ شَكٍّ فَلَا تَثْبُتُ البَيْنُونَةُ بِالشَّكَ، فَإِنْ قَالَتْ المَرْأَةُ قَدْ بِنْتُ مِنْكَ، وَقَالَ هُوَ: قَدْ أَظْهَرْتُ ذَلِكَ وَقَلْبِي مُطْمَئِنَّ بِالإِيمَانِ، فَالقَوْلُ قَوْلُهُ اسْتِحْسَانًا، لِأَنَّ اللَّفْظَ غَيْرُ مَوْضُوعِ لِلْفُرْقَةِ، وَهِيَ بِتَبَدُّلِ الاعْتِقَادِ وَمَعَ الإِكْرَاءِ لَا يَدُلُّ عَلَى التَّبَدُّلِ، فَكَانَ القَوْلُ قَوْلَهُ، بِخِلَافِ الإِكْرَاهِ عَلَى الإِسْلَامِ، حَيْثُ يَصِيرُ بِهِ مُسْلِمًا، لِأَنَّهُ لَمَّا احْتَمَلَ وَاحْتَمَلَ … ... … ... … ... … ... . تتأدى الكفارة، ولو قال: أريد به كفارة الظهار، ولم أعتقه لإكراهه، يجزئه عن الكفارة ولم يرجع على المُكرِه بشيء؛ لأنه أقر أنه أعتقه طائعا. قوله: (إلا أن يكرهه السلطان) أي: حينئذ لا حدَّ على المكره، وقد مرت المسألة مع فروعها في كتاب الحدود. قوله: (لأن الردة تتعلق بالاعتقاد) ألا ترى أنه لو نوى أن يَكْفُرَ يصير كافرًا وإن لم يتكلم بالكفر، والإكراه دليل عدم تغيير الاعتقاد، فلم يحكم بالردة، فلم تبن امرأته منه، وهذا معنى قوله: (وفي اعتقاده الكفر شك) فلا تثبت البينونة بالشك، يعني الردة تعتمد محض الاعتقاد، وقد وقع الشك في اعتقاده الكفر، فلا تثبت الردة بالشك احتياطا. قوله: (استحسانا) قيد به؛ لأن في القياس القول قولها حتى يفرق بينهما؛ لأن كلمة الكفر سبب لحصول البينونة كلفظ الطلاق، فيستوي فيه الطائع والمكره. وجه الاستحسان: أن اللفظ غير موضوع للفرقة، بل تقع الفرقة بتغيير الاعتقاد، والإكراه دليل على عدم تغير الاعتقاد، فكان الزوج منكرًا للفرقة، كذا في الإيضاح. قوله: (لما احتمل واحتمل) يعني لو أكره الكافر على الإسلام يحكم

стр. 6182

رَجَّحْنَا الإِسْلَامَ فِي الحَالَيْنِ، لِأَنَّهُ يَعْلُو وَلَا يُعْلَى، وَهَذَا بَيَانُ الحُكْمِ، أَمَّا فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى إِذَا لَمْ يَعْتَقِدْهُ فَلَيْسَ بِمُسْلِمٍ، وَلَوْ أُكْرِهَ عَلَى الإِسْلَامِ حَتَّى حُكِمَ بِإِسْلَامِهِ ثُمَّ رَجَعَ: لَمْ يُقْتَلْ لِتَمَكَّنِ الشُّبْهَةِ وَهِيَ دَارِئَةٌ لِلْقَتْلِ. وَلَوْ قَالَ الَّذِي أُكْرِهَ عَلَى إِجْرَاءِ كَلِمَةِ الكُفْرِ، أَخْبَرْتُ عَنْ أَمْرٍ مَاضٍ، … .. بإسلامه؛ لأنه وجد أحد الركنين، وفي الركن الثاني احتمال أي: احتمل الاعتقاد واحتمل عدم الاعتقاد. (رجحنا الإسلام في الحالين) أي: في حالة إجراء كلمة الكفر بالإكراه وحالة الإكراه بالإسلام احتياطا؛ (لأن الإسلام يعلو ولا يعلى). (وهذا) أي الحكم بالإسلام (بيان الحكم) أما ديانة إذا لم يعتقد فليس بمسلم. قوله: (لتمكن الشبهة) لاحتمال عدم الردة؛ لأن الردة تحصل بتبدل الاعتقاد، وهو محتمل أي الشبهة (دارئة للقتل). قوله: (أخبرت عن أمر ماض) يعني خطر ببالي بقولي: كفرت بالله، أن أخبر عن أمر ماض كذبًا، ولم أكن فعلت ذلك فيما مضى، بانت منه امرأته حكما لا ديانة. وفي المبسوط والذخيرة: هذه المسألة على ثلاثة أوجه: أحدهما: أن يقول: قد خطر ببالي أن أقول لهم: قد كفرت بالله، وأريد الخبر عما مضى كذبًا، بانت امرأته حكمًا؛ لأنه أقر أنه أتى بغير ما أكره، إذ هو أكره على إنشاء الكفر، وهو قد أتى بالإقرار به، وكان طائعا في هذا الإقرار، ومن أقر بالكفر طائعا بانت منه امرأته قضاء لا ديانة. والثاني: أن يقول: خطر ببالي الإخبار عن الكفر بالماضي والكذب، ولكن لم أرد ذلك بل أردت كفرًا مستقبلا جوابا لكلامهم، وهذا كافر تبين امرأته قضاءً وديانةً؛ لأنه لما خطر بباله قد تمكن من الخروج عما ابتلي به بأن ينوي ذلك، والضرورة تنعدم بهذا التمكن، فلم يفعل ذلك، وإنشاء الكفر كان بمنزلة إجراء كلمة الكفر طائعا؛ فيحكم بكفره قضاءً وديانةً. والثالث: أن يقول: لم يخطر ببالي شيء، ولكن كفرت بالله كفرًا مستقبلا،

стр. 6183

وَلَمْ أَكُنْ فَعَلْتُ، بَانَتْ مِنْهُ حُكْمًا لَا دِيَانَةً. لِأَنَّهُ أَقَرَّ أَنَّهُ طَائِعٌ بِإِثْيَانِ مَا لَمْ يُكْرَهُ عَلَيْهِ، وَحُكْمُ هَذَا الطَّائِعِ مَا ذَكَرْنَاهُ. وَلَوْ قَالَ أَرَدْت مَا طُلِبَ مِنِّي وَقَدْ خَطَرَ بِبَالِي الخَبَرُ عَمَّا مَضَى: بَانَتْ دِيَانَةٌ وَقَضَاءَ، لِأَنَّهُ أَقَرَّ أَنَّهُ مُبْتَدِى بِالكُفْرِ هَازِلٌ بِهِ حَيْثُ عَلِمَ لِنَفْسِهِ مَخْلَصًا غَيْرَهُ. وَعَلَى هَذَا: إِذَا أُكْرِهَ عَلَى الصَّلَاةِ لِلصَّلِيبِ، وَسَبِّ مُحَمَّدِ النَّبِيِّ ﵊ فَفَعَلَ، وَقَالَ: نَوَيْت بِهِ الصَّلَاةَ لِلَّهِ تَعَالَى، وَمُحَمَّدًا آخَرَ غَيْرَ النَّبِيِّ ﵊: بَانَتْ مِنْهُ قَضَاءً لَا دِيَانَةٌ، وَلَوْ صَلَّى لِلصَّلِيبِ، وَسَبَّ مُحَمَّدًا النَّبِيَّ وقلبي مطمئن، لم تَبن امرأته منه استحسانا؛ لأنه لما لم يخطر بباله سوى ما أكره، فقد فعل ما فعل مُضطرًا مكرهًا، وهو مرخص في ذلك إذا كان قلبه مطمئنا بالإيمان. قوله: (وعلى هذا إذا أكره على الصلاة للصليب) معناه أن يسجد له، أو أكره على سَبِّ محمد ﵊. وهذه المسألة على ثلاثة أوجه أيضًا: ففي الوجهين لا يكفر قضاء وديانة إذا لم يظهر به، وفي وجه واحد يكفر مطلقًا، فإنه إذا لم يخطر بباله شيء لم تبن منه امرأته، وإن خطر بباله أن يصلي لله، وقد صلى الله لا للصليب، وهو الوجه الثاني لا يكفر أيضًا قضاء وديانة. فإذا نوى أن يصلي الله وهو مستقبل القبلة أو غير مستقبل للقبلة ينبغي أن يقصد ذلك؛ لأن الصلاة غير مستقبل القبلة تجوز عند الضرورة، والأعمال بالنيات، فإن ترك هذا بعد ما خطر بباله وصلى للصليب كما أكره عليه كفر قضاء وديانة، وهو الوجه الثالث، وبانت منه امرأته؛ لأنه أمكنه دفع ما أكره عن نفسه؛ فإذا لم يفعل كان مختارًا للكفر. وفي المبسوط: هذه المسألة تدل على السجود لغير الله تعالى على وجه التعظيم كفر. قوله: (وسب محمد ﵊ على ثلاثة أوجه، ويعلم بهذا أن

стр. 6184

﵊ وَقَدْ خَطَرَ بِبَالِهِ الصَّلَاةُ لِلَّهِ تَعَالَى وَسَبُّ غَيْرِ النَّبِيِّ ﵊: بَانَتْ مِنهُ دِيَانَةً وَقَضَاءَ لِمَا مَرَّ، وَقَدْ قَرَّرْنَاهُ زِيَادَةٌ عَلَى هَذَا فِي «كِفَايَةِ المُنْتَهَى»، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قوله: (بانت منه قضاء لا ديانة) فأما إذا أظهر نيته وقال: نويت به الصلاة الله ومحمد آخر غير النبي؛ لأن القاضي لا يقبل نيته، وقد أتى بغير ما أمر به، فكان طائعًا ظاهرًا، ونيته باطنة فيقبل ديانة. قوله: (لما أقر) (١) إشارة إلى قوله: (لأنه يبتدئ بالكفر هازلا به، حيث علم لنفسه مخلصًا غيره) (٢)؛ لأنه لما خطر بباله شتم محمد النصراني فقد وجد مخرجًا عما ابتلي به، ثم لما ترك ما خطر بباله وشتم محمدًا النبي ﵊ فقد كفر؛ لأنه غير مضطر في موافقة المكره وشتم محمد بلا اضطرار كفر.

стр. 6185

كتاب الحَجْرِ قَالَ: (الْأَسْبَابُ المُوجِبَةُ لِلْحَجْرِ ............ كِتَابُ الْحَجْرِ أَوْرَدَ الحَجْرَ بعد الإكراه؛ لما أن فيهما سلب الاختيار، إلا أن الإكراه أقوى؛ لأن فيه سلبَهُ عَمَّنْ له اختيار صحيح وولاية كاملة، بخلاف الحجر فكان أحق بالتقديم (١). ومحاسن الحجر: النظرُ والشفقة على المحجور، وقد يكون النظر والشفقة لغيره، ودفع الأذى عنه كما في حجر المديون والسفيه على قولهما، وحجر المريض عن التصرف في كل ماله، وحجر الراهن عن التصرف في الرهن، وحجر العبد لِحَقِّ المولى. ثُمَّ الحَجْرُ لغةً: المنع، مصدر حَجَرَ عليه، ومنه سُمِّيَ الحَطِيمُ حِجْرًا؛ لأنه مُنِعَ من الكعبة، وسُمِّيَ العقلُ حِجْرًا؛ لأنه يمنعه عن القبائح، قال تعالى: ﴿هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ﴾ [الفجر: ٥] أي: لذي عقل، وسُمِّيَ الحرامُ حِجْرًا؛ لأنه ممنوع، قال تعالى: ﴿حِجْرًا مَحْجُورًا﴾ [الفرقان: ٢٢] أي: حرامًا مُحَرَّمًا. وشرعًا: منع مخصوص، وهو المنع من التصرف قولا لشخص مخصوص، وهو المستحق للحجر بأي سبب. والحجر مشروع بالكتاب والسنة وإجماع الأمة، قال تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى﴾ [النساء: ٦] وقال تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ [النساء: ٥] الآية. قوله: (وأسباب الموجب الحجر) (٢) إلى آخره، اعلم أن الله تعالى خَلَقَ

стр. 6186

ثَلَاثَةٌ: الصِّغَرُ، وَالرِّقُ، وَالجُنُونُ، فَلَا يَجُوزُ تَصَرُّفُ الصَّغِيرِ إِلَّا بِإِذْنِ وَلِيِّهِ، وَلَا تَصَرُّفُ العَبْدِ إِلَّا بِإِذْنِ سَيِّدِهِ، وَلَا تَصَرُّفُ المَجْنُونِ المَغْلُوبِ بِحَالٍ). أَمَّا الصَّغِيرُ: فَلِنُقْصَانِ عَقْلِهِ، غَيْرَ أَنَّ إِذْنَ الوَلِيِّ آيَةُ أَهْلِيَّتِهِ، وَالرِّقُ لِرِعَايَةِ حَقِّ الْمَوْلَى كَيْ لَا يَتَعَطَّلَ مَنَافِعُ عَبْدِهِ. وَلَا يَمْلِكُ رَقَبَتَهُ بِتَعَلُّقِ الدَّيْنِ بِهِ، غَيْرَ أَنَّ المَوْلَى بِالإِذْنِ رَضِيَ بِفَوَاتِ حَقِّهِ، وَالجُنُونُ لَا تُجَامِعُهُ الأَهْلِيَّةُ فَلَا يَجُوزُ تَصَرُّفُهُ بِحَالٍ، أَمَّا الْعَبْدُ: فَأَهْلُ فِي نَفْسِهِ وَالصَّبِيُّ تُرْتَقَبُ أَهْلِيَّتُهُ فَلِهَذَا وَقَعَ الفَرْقُ. قَالَ: (وَمَنْ بَاعَ مِنْ هَؤُلَاءِ شَيْئًا وَهُوَ يَعْقِلُ البَيْعَ وَيَقْصِدُهُ: فَالوَلِيُّ بِالخِيَارِ، إِنْ شَاءَ أَجَازَهُ إِذَا كَانَ فِيهِ مَصْلَحَةٌ، وَإِنْ شَاءَ فَسَخَهُ) لِأَنَّ التَّوَقُفَ فِي العَبْدِ لِحَقِّ المَوْلَى فَيَتَخَيَّرُ فِيهِ، وَفِي الصَّبِيِّ وَالمَجْنُونِ الورَى ومَيَّزَ بينهم في الحجر، وجعل بعضهم ذَوِي النُّهَى، ومنهم أعلام الهدى ومصابيح الدجى، وجعل بعضهم مُبتلى ببعض أسباب الردى، كالمجنون الذي هو عديم العقل والمعتوه الذي هو ناقص العقل، والصبي، والرقيق؛ لأنه عجز حكمي، فأثبت الحجر على هؤلاء نظرًا فكان مصادر هذه الأسامي سببًا للحجر، وهذه الثلاثة سبب للحجر بإجماع العلماء، وفي أن السفه والفلس سبب الحجر اختلاف كما يجيء. وحكي عن أبي حنيفة أنه ألحق بهذه الثلاثة ثلاثة أُخَرَ وهي: المفتي الماجن، والمتطبب الجاهل والمكاري المفلس. قوله: (تصرف المجنون المغلوب) وهو الذي لا يفيق زمانًا (بحال) أي: في كل الأحوال أي: لا ينعقد أصلا؛ لأنه عديم العقل؛ ويحترز به المجنون الذي يعقل البيع ويقصده، فإن تصرفه كتصرف الصبي العاقل على ما يجيء فيتوقف إلى إجازة الولي. قوله: (ترتيب (١) أهليته) بضم التاء على بناء المفعول، ورفع أهليته أي: تنتظر أهليته. قوله: (ومن باع من هؤلاء شيئًا) وفي بعض النسخ: (أو اشترى أيضًا) كما

стр. 6187

نَظَرًا لَهُمَا، فَيَتَحَرَّى مَصْلَحَتَهُمَا فِيهِ، وَلَا بُدَّ أَنْ يَعْقِلَا البَيْعَ لِيُوجَدَ رُكْنُ العَقْدِ فَيَنْعَقِدُ مَوْقُوفًا عَلَى الإِجَازَةِ، وَالمَجْنُونُ قَدْ يَعْقِلُ البَيْعَ وَيَقْصِدُهُ وَإِنْ كَانَ لَا يُرَبِّحُ المَصْلَحَةَ عَلَى المَفْسَدَةِ وَهُوَ المَعْتُوهُ الَّذِي يَصْلُحُ وَكِيلًا عَنْ غَيْرِهِ كَمَا بَيَّنَّا فِي الوَكَالَةِ. فَإِنْ قِيلَ: التَّوَقَّفُ عِنْدَكُمْ فِي البَيْعِ أَمَّا الشَّرَاءُ فَالْأَصْلُ فِيهِ النَّفَاذُ عَلَى المُبَاشِرِ. قُلْنَا: نَعَمْ إِذَا وَجَدَ نَفَاذَا عَلَيْهِ كَمَا فِي شِرَاءِ الفُضُولِيّ، وَهَاهُنَا لَمْ نَجِدْ نَفَاذَا لِعَدَمِ الأَهْلِيَّةِ، أَوْ لِضَرَرِ المَوْلَى فَوَقَفْنَاهُ. قَالَ: (وَهَذِهِ المَعَانِي الثَّلَاثَةُ تُوجِبُ الحَجْرَ فِي الأَقْوَالِ دُونَ الأَفْعَالِ) لِأَنَّهُ لَا مَرَدَّ لَهَا لِوُجُودِهَا حِسًّا وَمُشَاهَدَةً، بِخِلَافِ الأَقْوَالِ، لِأَنَّ اعْتِبَارَهَا مَوْجُودَةٌ بِالشَّرْعِ وَالقَصْدُ مِنْ شَرْطِهِ ذكر القدوري، لكن أكثر نسخ الهداية بدون (أو اشترى)، والمراد الصبي، والعبد، والمجنون الذي يجن ويفيق. (وهو يعقل البيع) أو يعلم أن الشراء جالب للملك، والبيع سالب له (ويقصده) أي: يقصد البيع؛ لإفادة هذا الحكم الذي ذكرنا بكون الشراء جالبًا والبيع سالبًا، وهذا احتراز عن بيع الهازل، فإن بيعه ليس لإفادة هذا الحكم، فالولي وهو الأب أو الجد أو وصيهما أو غيرهما من العصبات أو القاضي، فهذا التصرف ينعقد عندنا، وينفذ بإجازة الولي، خلافا للأئمة الثلاثة فإنه لا ينعقد عندهم، وكذا الخلاف إذا توكل بالبيع والشراء غيره، فباع واشترى يجوز عندنا خلافًا لهم، وقد مر في الوكالة. قوله: (فَيَتَحَرَّى) أي: يطلب الولي مصلحتهما، (لأنه [لا] (١) مرد لها) أي: للأفعال؛ لأن الإتلاف بعد حصوله لا يمكن أن يجعل كلا إتلاف، فإنه لو قطع أو قتل أو أراق شيئًا لا يمكن أن يجعل القطع والقتل والإراقة كالعدم؛ لأنه يلزم أن لا يكون المقتول مقتولاً وهو دخول في السفسطائية وإنكار الحقائق بخلاف الأقوال. (لأَنَّ اعتبارها) أي: اعتبار الأقوال (موجودة) بالنصب على الحال. وقوله: (بالشرع) خَبَرُ (لِأَنَّ) يعني اعتبار أقوال هؤلاء بالشرع، والشرع لم

стр. 6188

(إِلَّا إِذَا كَانَ فِعْلًا يَتَعَلَّقُ بِهِ حُكْمٌ يَنْدَرِئُ بِالشُّبُهَاتِ كَالحُدُودِ وَالْقِصَاصِ) فَيُجْعَلُ عَدَمُ القَصْدِ فِي ذَلِكَ شُبْهَةٌ فِي حَقِّ الصَّبِيِّ وَالمَجْنُونِ. قَالَ: (وَالصَّبِيُّ وَالمَجْنُونُ لَا تَصِحُ عُقُودُهُمَا وَلَا إقْرَارُهُمَا) لِمَا بَيَّنَّا (وَلَا يَقَعُ طَلَاقُهُمَا وَلَا عِتَاقُهُمَا) لِقَوْلِهِ ﵊: كُلُّ طَلَاقٍ وَاقِعٌ إِلَّا طَلَاقَ الصَّبِيِّ وَالمَعْتُوهِ وَالإِعْتَاقُ يَتَمَهَّضُ مَضَرَّةً، وَلَا وُقُوفَ لِلصَّبِيِّ عَلَى المَصْلَحَةِ فِي الطَّلَاقِ بِحَالٍ لِعَدَمِ الشَّهْوَةِ، وَلَا وُقُوفَ لِلْوَلِيِّ عَلَى عَدَمِ التَّوَافُقِ عَلَى اعْتِبَارِ بُلُوغِهِ حَدَّ الشَّهْوَةِ، فَلِهَذَا لَا يَتَوَقَّفَانِ عَلَى إِجَازَتِهِ يجعل أقوالهم فيما يتردد بين النفع والضرر معتبرة في حق النفاذ، وهذا لأن الأقوال إما إنشاءات أو إخبارات، فأما الإنشاءات كالتطليق، والإعتاق، والبيع، والهبة، ونحوها، لا تؤثر في المحل حسا، وإنما صار المحل محرمًا ومحررا ومملوكًا بالشرع، وأما الإخبارات كالأقارير، والشهادات، فموجبِيَّتها عرفت شرعًا؛ لأنها دلالات عن المخبر عنه فيجوز أن لا تقع دلالة لاحتماله الصدق والكذب بذاتها؛ لأن القصد شرط اعتبار القول؛ إذ الكلام المعتبر ما يكون موجودًا بصورته ومعناه. ومعنى الكلام لا يوجد بالقصد، وهو يكون بالعقل، ولا عقل للصبي والمجنون، فلا يكون لهما قصدًا، أما اعتبار الفعل فلا يتوقف على القصد، كالنائم إذا انقلب على مال إنسان وأتلفه يضمن وإن عدم القصد. وقوله: (إلا إذا كان استثناء من قوله (دون الأفعال) أي: إلا إذا كان ذلك الفعل مما يتعلق به حكم يسقط بالشبهات كالحدود، والقصاص، فحينئذ يجعل عدم القصد في ذلك شبهة في حق الصبي والمجنون حتى لا يجب عليهما الحد بالزنا والسرقة وشرب الخمر وقطع الطريق والقصاص بالقتل، أما في حق العبد فللزوم الضرر في حق المولى من غير اختياره فلذا يتوقف على إجازته. قوله: (لا تصح عقودهما) أي: لا تنفذ عندنا، ولكن تنعقد موقوفًا على إجازة الولي خلافًا للأئمة الثلاثة على ما مر. قوله: (لا يتوقفان) (١) أي: الطلاق والعتاق على إجازته) أي: إجازة الولي

стр. 6189

وَلَا يَنْفُذَانِ بِمُبَاشَرَتِهِ، بِخِلَافِ سَائِرِ العُقُودِ. قَالَ: (وَإِنْ أَتْلَفَا شَيْئًا لَزِمَهُمَا ضَمَانُهُ) إحْيَاءً لِحَقِّ المُتْلَفِ عَلَيْهِ، وَهَذَا لِأَنَّ كَوْنَ الإِتْلَافِ مُوجِبًا لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى القَصْدِ، كَالَّذِي يَتْلَفُ بِالْقِلَابِ النَّائِمِ عَلَيْهِ وَالحَائِطِ المَائِلِ بَعْدَ الإِشْهَادِ، بِخِلَافِ القَوْلِ عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ. قَالَ: (فَأَمَّا العَبْدُ: فَإِقْرَارُهُ نَافِذٌ فِي حَقِّ نَفْسِهِ) لِقِيَامِ أَهْلِيَّتِهِ (غَيْرُ نَافِذٍ فِي حَقِّ مَوْلَاهُ) رِعَايَةً لِجَانِبِهِ، لِأَنَّ نَفَاذَهُ لَا يَعْرَى عَنْ تَعَلُّقِ الدَّيْنِ بِرَقَبَتِهِ أَوْ كَسْبِهِ، وَكُلُّ ذَلِكَ إِتْلَافُ مَالِهِ. قَالَ: (فَإِنْ أَقَرَّ بِمَالٍ: لَزِمَهُ بَعْدَ الحُرِّيَّةِ لِوُجُودِ الأَهْلِيَّةِ، وَزَوَالِ المَانِعِ وَلَمْ يَلْزَمْهُ فِي الحَالِ لِقِيَامِ المَانِعِ وَإِنْ أَقَرَّ بِحَدٌ أَوْ قِصَاصِ: لَزِمَهُ فِي الحَالِ) لِأَنَّهُ مُبْقَى عَلَى أَصْلِ الحُرِّيَّةِ فِي حَقِّ الدَّمِ، (ولا ينفذان (١) بمباشرته) أي: بمباشرة الولي. وقوله: (على ما بينا) إشارة إلى قوله: (بخلاف الأقوال) إلى قوله: (والقصد من شرطه) (٢). قوله: (فإقراره) أي: إقرار العبد (نافذ في حق نفسه) حتى يؤاخذ به بعد العتق. قوله: (وكل ذلك) من تعلق الدين برقبته أو كسبه (إتلاف مال المولى) وإقرار الإنسان لا يقبل على غيره إلا لولاية، ولا ولاية للعبد على المولى، إما يؤخذ به بعد الحرية؛ لتحقق الأهلية بالعقل، والبلوغ، وانتفاء المانع، ولم يلزمه في الحال؛ لتحقق المانع. قوله: (لزمه) أي: في الحال (لأنه) أي: العبد (مبقى على أصل الحرية في حق الدم) والحياة؛ لأنهما من خواص الإنسانية، وليس هو بمملوك من حيث إنه آدمي، بل كان مملوكا من حيث إنه مال، ولهذا لا يصح إقرار المولى عليه بهما، وإذا بقي على أصل الحرية فيهما نفذ إقراره فيهما؛ لأنه أقر بما هو حقه،

стр. 6190

حَتَّى لَا يَصِحُّ إِقْرَارُ المَوْلَى عَلَيْهِ بِذَلِكَ (وَيَنْفُذُ طَلَاقُهُ) لِمَا رَوَيْنَا، وَلِقَوْلِهِ ﵊: «لَا يَمْلِكُ العَبْدُ وَالمُكَاتَبُ شَيْئًا إِلَّا الطَّلَاقَ» وَلِأَنَّهُ عَارِفٌ بِوَجْهِ المَصْلَحَةِ فِيهِ فَكَانَ أَهْلًا، وَلَيْسَ فِيهِ إِبْطَالُ مِلْكِ المَوْلَى وَلَا تَفْوِيتُ مَنَافِعِهِ فَيَنْفُذُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. بَابُ الحَجْرِ لِلفَسَادِ وبطلان حق المولى ضمني، والضمني لا يعتبر. فإن قيل: قوله ﵊: «لا يملِكُ العبدُ والمُكاتب شيئًا إِلَّا الطلاق» (١)، يقتضي أن لا يملك الإقرار بالحدود والقصاص. قلنا: لما بقي على أصل الحرية فيهما يكون هذا إقرار الحر لا إقرار العبد، ولأن قوله تعالى: ﴿بَلِ الْإِنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾ [القيامة: ١٤] يقتضي أن يصح، ولا يقال إنه خص عنه الإقرار بالمال؛ لأن النص لم يتناوله؛ إذ إقراره يلاقي حق الغير، والنص يتناول الإقرار على نفسه. فإن قيل: يحتمل النص على الحر دفعا للتعارض. قلنا: يحمل الأثر على غير هذه الصورة دفعا للتعارض، ولا خلاف للأئمة الثلاثة في صحة إقرار العبد في الحدود والقصاص. قوله: (لما روينا) إشارة إلى قوله ﵊: «كُلُّ طلاق واقع إلا طلاق الصبي والمعتوه» (٢). قوله: (فنفذ) أي: طلاقه؛ لأنه يختص بالإنسانية، فكان كالحر. بَابُ الْحَجْرِ لِلْفَسَادِ لما ذكر الحجر المتفق عليه شرع في بيان الحجر المُختلف فيه؛ لأن الحجر الأول بالعوارض السماوية وهو الصغر، والجنون، والرق؛ لأنه يتسبب عليه

стр. 6191

(قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يُحْجَرُ عَلَى الحُرِّ البَالِغِ العَاقِلِ السَّفِيهِ، وَتَصَرُّفُهُ فِي مَالِهِ جَائِزٌ، وَإِنْ كَانَ مُبَشِّرًا مُفْسِدًا: يُتْلِفُ مَالَهُ فِيمَا لَا غَرَضَ لَهُ فِيهِ وَلَا مَصْلَحَةَ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ﵀: (يُحْجَرُ عَلَى السَّفِيهِ وَيُمْنَعُ مِنْ التَّصَرُّفِ فِي مَالِهِ) (*) لِأَنَّهُ مُبَشِّرٌ مَالَهُ بِصَرْفِهِ لَا عَلَى الوَجْهِ الَّذِي يَقْتَضِيهِ العَقْلُ، فَيُحْجَرُ عَلَيْهِ نَظَرًا لَهُ، اعْتِبَارًا بِالصَّبِيِّ بَلْ أَوْلَى، لِأَنَّ الثَّابِتَ فِي حَقِّ الصَّبِيِّ احْتِمَالُ التَّبْذِيرِ … ... بدون اختيار العبد، شرع في بيان الحجر المثبت باختيار العبد، والسماوي مُقدَّم على المكتسب. ومسائل هذا الباب مبنية على قولهما لا على قول أبي حنيفة؛ لأنه لا يرى الحجر للفساد والسفه. اعلم أن الحجر على الحر العاقل البالغ بسبب السفه، والدين، والفسق، والغفلة عندهما يجوز بغير الفسق، وعند الشافعي يجوز بالكل، وبه قال مالك، وأحمد. والسفيه: غير المعتوه، فإن المعتوه ناقص العقل، والسفيه كامل العقل، إلا إنه لا يجري على موجب عقله. وفي المبسوط: هو العمل بخلاف موجب الشرع والعقل؛ لاتباع الهوى، وترك ما تدلّ عليه الحجى. والسفيه من عادته التبذير والإسراف في النفقة، وأن يتصرف تصرفات لا لغرض، أو لغرض لا يعده العقلاء من أهل الديانة غرضًا، مثل دفع ماله إلى المُغنّين واللعابين، وشراء الحمام الطيارة بثمن غال، والغبن في التجارات من غير محمدة، وأصل المسامحة في التصرفات البِرُّ، والإحسان مشروع، إلا أن الإسراف حرام، كالإسراف في الطعام والشراب قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا﴾ [الفرقان: ٦٧] الآية. قوله: (لأنه) أي: السفيه (مبذر ماله بصرفه [لا] (١) على وجه يقتضيه العقل

стр. 6192

وَفِي حَقِّهِ حَقِيقَتُهُ، وَلِهَذَا مُنِعَ عَنْهُ المَالُ، ثُمَّ هُوَ لَا يُفِيدُ بِدُونِ الحَجْرِ، لِأَنَّهُ يُتْلِفُ بِلِسَانِهِ مَا مُنِعَ مِنْ يَدِهِ. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ ﵀: أَنَّهُ مُخَاطَبٌ عَاقِلٌ فَلَا يُحْجَرُ عَلَيْهِ اعْتِبَارًا بِالرَّشِيدِ، وَهَذَا لِأَنَّ فِي سَلْبِ وِلَايَتِهِ إِهْدَارُ آدَمِيَّتِهِ وَإِلْحَاقُهُ بِالبَهَائِمِ، وَهُوَ أَشَدُّ ضَرَرًا والحكمة) إلى آخره. (وَفِي حَقِّهِ) أي: في حق السفيه (حقيقته) أي: حقيقة التبذير (ولهذا منع عنه) أي: من السفيه (المال) بالنص بقوله تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ [النساء: ٥]، فإذا منع عنه المال بطريق النظر له، فكذا يحجر عن التصرف له؛ وهذا لأن منع المال غير مقصود لعينه، بل لإبقاء ملكه، ولا يحصل هذا المقصود متى يُطلق في التصرف؛ لأنه يقر به لغيره، ويبيعه بغبن فاحش، ويأمر الولي بالتسليم إليه. وكذا يحجر بالفسق نظرًا له، مثل أن يَجْمَع أهل الشراب والفسق في داره، فيطعمهم ويسقيهم ويفتح باب الجائزة عليهم. أو في الخير، بأن يصرف جميع ماله في بناء المسجد وأشباه ذلك، فَيَحْجُر عليه القاضي نظرا له. وكذا مَنْ فيه غفلة، فكان سليم القلب لا يهتدي إلى التصرفات، فيحجره القاضي نظرا له. قوله: (ولأبي حنيفة أنه) أي: السفيه (مُخاطَبٌ عاقل فلا يُحْجَرُ عليه) كالرشيد، ولا يُشْكِل هذا بالعبد، فإنه مخاطب عاقل، ومع ذلك يحجر عليه؛ لأن المخاطب المُطلَق يتناول الكامل منه، والعبد ليس بمخاطب كامل؛ لما أن خطابات المالية ساقطة عنه، وبعض خطابات غير المالية أيضًا كالحج، وصلاة، الجمعة، والعيدين، وخطاب الشهادة. أو المراد بالمُخاطَب: المُخاطب بالتصرفات المالية بدلالة محل الكلام؛ لأنه في الحجر عن التصرفات المالية. (وهذا) أي: الحجر (سلب ولايته وفيه إهدار آدميته وحريته) فإن الحرية أمارة المالكية، والخطاب أمارة القدرة على التصرفات؛ لأنه دليل اعتبار عقله، وهو دليل القدرة على التصرف؛ لأن التصرف كلام ملزم، واعتبار الكلام

стр. 6193

مِنْ التَّبْذِيرِ فَلَا يُتَحَمَّلُ الأَعْلَى لِدَفْعِ الأَدْنَى، حَتَّى لَوْ كَانَ فِي الحَجْرِ دَفْعُ ضَرَرٍ عَامٌ كَالحَجْرِ عَلَى المُتَطَبِّبِ الجَاهِلِ، وَالمُفْتِي المَاجِنِ، وَالمُكَارِي المُفْلِسِ: جَازَ فِيمَا يُرْوَى عَنْهُ، إِذْ هُوَ دَفْعُ ضَرَرِ الأَعْلَى بِالأَدْنَى، وَلَا يَصِحُّ القِيَاسُ عَلَى مَنْعِ المَالِ، بالتمييز واللزوم بالخطاب، فكان في إبطال ولايته إهدار آدميته وإلحاقه بالمجانين والبهائم، فلأن يكون فيه نظر، بل الضرر فيه أعظم من ضرر التبذير؛ لأن الإنسان إنما يُبايِنُ سائر الحيوانات باعتبار قوله في التصرفات، ولا يُتَحَمَّلُ الضرر الأعلى دفع الضرر الأدنى، بل يُدْفَعُ الأعلى بالأدنى، حتى رُوِيَ عن أبي حنيفة أنه يجوز الحجر على المفتي الماجن، والمُتَطَبّب الجاهل، والمكاري المفلس؛ لأن فيه دفع الضرر الأعلى، وهو الضرر العام بالضرر الخاص. إذ المفتي الماجن الذي يُعلّم الناس الحِيلَ الباطلة مثل أن يعلم المرأة حتى تَرْتَدَّ فَتَبِينَ من زوجها، ويُعلّم الرجل أن يرتد فتسقط عنه الزكاة ثم يسلم، ولا يبالي أن يحرم حلالا أو يحل حرامًا، يفسد على الناس دينهم. والمتطبب الجاهل يفسد أبدانهم، والمكاري المفلس يتلف أموالهم، فإنه إذا ماتت دابته في الطريق وليس له أخرى، ولا يمكنه شراء أخرى، ولا الاستئجار، يؤدي إلى إتلاف أموال الناس، فيدفع الأعلى بالأدنى. قوله: (ولا يصح القياس) إلى آخره جواب عن قياس الخصم، حيث اعتبره بمنع المال؛ لأن منع المال ثبت غير معقول المعنى، إذ منع المال عن المالك والملك مطلق التصرف غير معقول. (ولأنه) (١) أي: منع المال عقوبة شرعت زجرا له عن التبذير، فلا تحتمل المقايسة، لأن الحجر أبلغ من منع المال في العقوبة. وقيل: هذا يلزم على الشافعي؛ لأنه يرى الحجر عليه عقوبة. أما عندهما: الحجر عليه نظرًا له. وقيل: هذا على طريق بعض مشايخنا، حيث قال: إن المنع بطريق العقوبة، ولأن اليد للآدمي على المال نعمة زائدة، وإطلاق اللسان في

стр. 6194

لِأَنَّ الحَجْرَ أَبْلَغُ مِنهُ فِي العُقُوبَةِ، وَلَا عَلَى الصَّبِيِّ، … ... … ... التصرفات الأصلية أصلية، فلا يقاس إبطال أعلى النعمتين على أدناهما. قوله: (ولا على الصبي) إذ لا يصح قياسه على الصبي؛ لأن الصبي لما كان عاجزًا عن النظر لنفسه، احتجنا ضرورة إلى صيرورة الغير وليا والمولى عليه لا التصرف. أما السفيه قادر على النظر لنفسه؛ لكمال عقله، وإن كان يعدل عن سير العقل بهواه، ومنع المال عنه مفيد؛ لأن قبل المنع يتلف ماله بيده ولسانه، وبعد المنع لا يتلف إلا بلسانه، ولأن التبذير إنما يكون في الهبات والصدقات غالبًا- ولا يتم ذلك إلا بالقبض، ولا إقباض باليد، ولا يد مع المنع. فإن قيل: جعل الله للسفيه وليا في قوله تعالى: ﴿فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ﴾ [البقرة: ٢٨٢]. قلنا: السفيه هو المجنون عنده وعليه كثير من أهل التأويل. وفي المبسوط: وأبو حنيفة استدل بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا﴾ [النساء: ٦] فقد نهى عن الإسراف والبدار في ماله مخافة أن يكبر، فلا يبقى له عليه ولاية، والتنصيص على زوال ولايته عنه، وعدم الكبر تنصيص على زوال الحجر عنه بالكبر؛ لأن الولاية عليه للحاجة وإنما تنعدم الحاجة إذا صار هو مطلق التصرف. فإن قيل: ما جواب أبي حنيفة عما تمسك الخصم من النصوص والآثار؟ فقد تمسك بقوله: ﴿فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ﴾ [البقرة: ٢٨٢] وهذا تنصيص على إثبات الولاية على السفيه، وأنه لا يصير موليًا عليه إلا بعد الحجر، وقوله تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ إلى أن قال: ﴿وَاكْسُوهُمْ﴾ [النساء: ٥] فهذا تنصيص على إثبات الحجر عليه بطريق النظر. وقد روي أن عبد الله بن جعفر كان يفني ماله في اتخاذ الضيافات حتى اشترى دارًا للضيافة بمائة ألف درهم، فبلغ ذلك عمه علي بن أبي طالب، فقال: لآتين عثمان ولأسألنه أن يحجر عليه، فاهتم بذلك عبد الله، وجاء إلى الزبير وأخبره بذلك، فقال: أشركني فيها فأشركه، ثم جاء علي إلى عثمان وسأله أن

стр. 6195

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . يحجر عليه، فقال عثمان: كيف أحجر على رجل شريكه الزبير، وإنما قال لأن الزبير كان معروفًا بالكياسة في التجارة، فاستدل برغبته في الشركة على أنه لا غبن في تصرفه، وهذا اتفاق منهم على جواز الحجر بهذا السبب. وروي أن عائشة كانت تتصدق بمالها، حتى روي أنه كان لها رباع فهمت ببيعها لتتصدق بثمنها، فبلغ ذلك عبد الله بن الزبير فقال: لتنتهين عائشة عن بيع رباعها أو لأحجرن عليها (١). قلنا: قيل: المراد بالسفيه في الآية المجنون والصغير؛ لأن السفه لغة: عبارة عن الخفة، وذلك بانعدام العقل أو نقصانه، وكذا يحمل السفيه عليهما في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا﴾ وعليه أكثر أهل التأويل. والمراد من النهي في قوله تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ نهي الأزواج عن دفع المال إلى النساء، وجعل التصرف إليهن، كما كانت العرب تفعله، ألا ترى أنه قال: ﴿أَمْوَالَكُمُ﴾ وذلك يتناول المخاطبين بهذا النهي لأموال السفهاء. وأما حديث عبد الله بن جعفر فدليلنا؛ لأن عثمان امتنع من الحجر عليه مع سؤال علي، وأكثر ما فيه أنه لم يكن في ذلك التصرف غبن [حين] (٢) رغب الزبير في الشركة، ولكن المبذر أن يصرف تصرفًا واحدًا على وجه لا غبن فيه، فإنه يحجر عليه عند الخصم، فلما لم يحجر عليه مع ثبوت التبذير في غيره دل أن ذلك من علي على سبيل التخويف. وحديث عائشة دليلنا أيضًا، فإنه لما بلغها قول ابن الزبير حلفت أن لا تكلم ابن الزبير أبدًا، فلو كان الحجر حكمًا شرعًا استجارت بهذا الحلف من نفسها مجازاة على قوله فيما هو حكم شرعي، وبهذا تبين أن ابن الزبير إنما قال ذلك كراهة أن تفني مالها فتُبتلى بالفقر، فتصير عيالا على غيرها، بعدما كان يعولها رسول الله ﷺ ، والمصير إلى هذا أولى؛ ليكون أبعد من نسبة السفه والتبذير إلى الصحابة، كذا في المبسوط.

стр. 6196

لِأَنَّهُ عَاجِزٌ عَنْ النَّظَرِ لِنَفْسِهِ، وَهَذَا قَادِرٌ عَلَيْهِ نَظَرَ لَهُ الشَّرْعُ مَرَّةً بِإِعْطَاءِ آلَةِ القُدْرَةِ وَالجَرْيُ عَلَى خِلَافِهِ لِسُوءِ اخْتِيَارِهِ، وَمَنْعُ المَالِ مُفِيدٌ، لِأَنَّ غَالِبَ السَّفَهِ فِي الهِبَاتِ وَالصَّدَقَاتِ وَذَلِكَ يَقِفُ عَلَى اليَدِ. قَالَ: (وَإِذَا حَجَرَ القَاضِي عَلَيْهِ، ثُمَّ رُفِعَ إِلَى قَاضِ آخَرَ، فَأَبْطَلَ حَجْرَهُ وَأَطْلَقَ عَنْهُ جَازَ) لِأَنَّ الحَجْرَ مِنْهُ فَتْوَى وَلَيْسَ بِقَضَاءِ؛ أَلَا يَرَى أَنَّهُ لَمْ يُوجَدُ المَقْضِيُّ لَهُ وَالمَقْضِيُّ عَلَيْهِ، وَلَوْ كَانَ قَضَاءً فَنَفْسُ القَضَاءِ مُخْتَلَفٌ فِيهِ فَلَا بُدَّ مِنْ الإِمْضَاءِ، حَتَّى لَوْ رُفِعَ تَصَرُّفُهُ بَعْدَ الحَجْرِ إِلَى القَاضِي الحَاجِرِ أَوْ إِلَى غَيْرِهِ فَقَضَى بِبُطْلَانِ تَصَرُّفِهِ، ثُمَّ رُفِعَ إِلَى قَاضٍ آخَرَ: نَفَذَ إِبْطَالُهُ قوله: (لأن الحجر منه) أي: من القاضي (فتوى وليس بقضاء) هذا جواب سؤال، ذكره في الذخيرة. فإن قيل: تصرف المحجور عليه بالسفه ينبغي أن لا ينفذ عند أبي حنيفة بعد ما قضى القاضي عليه بالحجر؛ لأن جواز تصرف السفيه بعد الحجر مختلف فيه، وبقضاء القاضي يصير متفقًا. قلنا: نعم، إذا كان قضاؤه بحجره لم يكن فتوى، وهذا فتوى وليس بقضاء؛ لأنه لم يثبت بهذا القضاء ما ليس بثابت، بل يبين ما كان ثابتًا، فإنه كان محجورًا عليه قبل القضاء متى كان مفسدًا لماله، وهو حد الفتوى، ولهذا لا بد للقضاء من المقضي عليه وله؛ لأنه لقطع المنازعة، فلا بد من منازعة حتى يقطع، فيكون هذا فتوى عند محمد. وعند أبي يوسف، ومن تابعه: وإن كان يحتاج إلى القضاء ليصير محجورًا عليه، فنفس القضاء مجتهد، ومتى كان نفس القضاء مجتهدا فيه، يحتاج إلى إمضاء غيره كما مر في كتاب القضاء، حتى لو رفع تصرفه بعد الحجر إلى القاضي الحاجر، أو إلى غيره فقضى ببطلان تصرفه، ثم رفع إلى قاض آخر نفذ إبطاله؛ لاتصال إمضائه، فلا يقبل النقض بعد ذلك. قوله: (نفذ إبطاله) أي: إبطال القاضي الثاني، ولو روي (نفذ) بالتشديد معناه استمر على تنفيذ الثاني؛ لأنه حكم بنفاذه كذا روي عن بعض الثقات.

стр. 6197

لَاتِّصَالِ الإِمْضَاءِ بِهِ فَلَا يُقْبَلُ النَّقْضُ بَعْدَ ذَلِكَ (ثُمَّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ إِذَا بَلَغَ الغُلَامُ غَيْرَ رَشِيدٍ لَمْ يُسَلَّمْ إِلَيْهِ مَالُهُ حَتَّى يَبْلُغَ خَمْسًا وَعِشْرِينَ سَنَةٌ، فَإِنْ تَصَرَّفَ فِيهِ قَبْلَ ذَلِكَ نَفَذَ تَصَرُّفُهُ، فَإِذَا بَلَغَ خَمْسًا وَعِشْرِينَ سَنَةً يُسَلَّمُ إِلَيْهِ مَالُهُ وَإِنْ لَمْ يُؤْنَسْ مِنهُ الرُّشْدُ. وَقَالَا: لَا يُدْفَعُ إِلَيْهِ مَالُهُ أَبَدًا حَتَّى يُؤْنَسَ مِنهُ رُشْدُهُ، وَلَا يَجُوزُ تَصَرُّفُهُ فِيهِ) (*) لِأَنَّ عِلَّةَ المَنْعِ السَّفَهُ فَيَبْقَى مَا بَقِيَ العِلَّةُ وَصَارَ كَالصِّبَا. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ ﵀: أَنَّ مَنْعَ المَالِ عَنْهُ بِطَرِيقِ التَّأْدِيبِ، وَلَا يَتَأَدَّبُ بَعْدَ هَذَا ظَاهِرًا وَغَالِبًا؛ أَلَا يَرَى أَنَّهُ قَدْ يَصِيرُ جَدًّا قوله: (وقالا) أي: أبو يوسف، ومحمد: لا يدفع ماله إليه أبدا حتى يؤنس منه رشد وإن صار شيخًا فانيًا، وبه قالت الأئمة الثلاثة، وأكثر علماء الأمصار، وقاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا﴾ [النساء: ٦] علق الدفع بإيناس الرشد، فلا يجوز الدفع قبله؛ لأن المعلق بالشرط معدوم قبله، ولأن منع المال قبله لعلة السفه، فيبقى ببقاء العلة ويزول بزوال العلة، إذ العبرة لقيام العلة وزوالها لا للزمان. ولأبي حنيفة قوله تعالى: ﴿وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء: ٢] والمراد به بعد البلوغ، فهو تنصيص على وجوب الدفع بعد البلوغ، إلا أنه منع عنه ماله قبل هذه المدة بالإجماع، ولا إجماع هاهنا، فيجب الدفع إليه بالنص، والتعليق بالشرط لا يوجب العدم عند العدم عندنا، على أن الشرط (رشدًا) نكرة، فإذا صار الشرط في حكم الوجود بوجه وجب جزاؤه، فأول أحوال البلوغ قد لا يفارقه السفه باعتبار أثر الصبا، وبقاء أثره لبقاء عينه، فإذا امتد الزمان وظهرت الخبرة والتجربة لم يبق أثر الصبا، وحدث ضرب من الرشد لا محالة؛ لأنه حال كمال عقله. فقد [روي] (١) عن عمر ﵁ أنه قال: «ينتهي لب الرجل إذا بلغ خمسا وعشرين سنة». وقال أهل الطبائع: من بلغ خمسا وعشرين سنة فقد بلغ رشده، ألا ترى أنه يصير جدًّا صحيحًا في هذا السن؛ لأن أدنى ما يحتلم الإنسان في اثني عشر سنة

стр. 6198

فِي هَذَا السِّنِّ فَلَا فَائِدَةَ فِي المَنْعِ فَلَزِمَ الدَّفْعُ، وَلِأَنَّ المَنْعَ بِاعْتِبَارِ أَثَرِ الصِّبَا وَهُوَ فِي أَوَائِلِ البُلُوعِ، وَيَتَقَطَّعُ بِتَطَاوُلِ الزَّمَانِ فَلَا يَبْقَى المَنْعُ، وَلِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَوْ بَلَغَ رَشِيدًا ثُمَّ صَارَ سَفِيهَا لَا يُمْنَعُ المَالُ عَنْهُ، لِأَنَّهُ لَيْسَ بِأَثَرِ الصِّبَا، ثُمَّ لَا يَتَأَتَّى التَّفْرِيعُ عَلَى قَوْلِهِ، وَإِنَّمَا التَّفْرِيعُ عَلَى قَوْلِ مَنْ يَرَى الحَجْرَ. فَعِنْدَهُمَا: لَمَّا صَحَ الحَجْرُ لَا يَنْفُذُ بَيْعُهُ إِذَا بَاعَ تَوْفِيرًا لِفَائِدَةِ الحَجْرِ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ مَصْلَحَةٌ أَجَازَهُ الحَاكِمُ، لِأَنَّ رُكْنَ التَّصَرُّفِ قَدْ وُجِدَ وَالتَّوَقُفُ لِلنَّظَرِ لَهُ وَقَدْ نَصَّبَ الحَاكِمُ نَاظِرًا لَهُ فَيَتَحَرَّى المَصْلَحَةَ فِيهِ، كَمَا فِي الصَّبِيِّ الَّذِي يَعْقِلُ البَيْعَ وَالشِّرَاءَ وَيَقْصِدُهُ. وَلَوْ بَاعَ قَبْلَ حَجْرِ القَاضِي جَازَ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ، لِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ حَجْرٍ ثم يولد له ولد في ستة أشهر، ثم يبلغ ذلك في اثني عشر سنة، ثم يولد له ابن في ستة أشهر، فيصير جَدًّا صحيحًا في خمس وعشرين سنة. وقيد بالجد الصحيح؛ لأنه يصير جَدًّا فاسدًا بأقل من ذلك، فإنا لو فرضنا أنه لو بلغ اثني عشر سنة، ثم تزوج وولدت له بنتا، والبنت تحمل في تسع سنين، ثم ولدت بعد ستة أشهر، فيصير جَدًّا فاسدًا في اثنين وعشرين سنة، حتى قيل: يعتبر اثنان وعشرون سنة، ذكره في الجامع. يؤيده قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾ [الأنعام: ١٥٢] وقد بلغ أشده، وصلح جدًّا، ولأن منع المال منه على سبيل التأديب له، والاشتغال بالتأديب عند رجاء التأديب، فلا وجه للمنع عنه. قوله: (جاز عند أبي يوسف) وبه قال الشافعي وأحمد؛ لأنه لا بد من حجر القاضي عندهما؛ لأن الحجر تردد بين النفع والضرر، ففي إبقاء الملك له نظر، وفي إهدار قوله ضرر، فلا بد من قضاء القاضي؛ ليترجح أحد الجانبين على الآخر، يوضحه أن الحجر ليس بشيء محسوس، وإنما يعرف بالعين في التصرف، وقد يكون ذلك للسفه، وقد يكون عنه لاستجلاب قلوب المجاهرين، فكان مترددا، فلا يثبت حكمه بالقضاء، ولأنه حجر مختلف، فلا بد فيه من الرأي، فيشترط حكم الحاكم كما في حجر المفلس، بخلاف الجنون والصبا، فإنه لا يحتاج فيه إلى الرأي.

стр. 6199

القَاضِي عِنْدَهُ، لِأَنَّ الحَجْرَ دَائِرٌ بَيْنَ الضَّرَرِ وَالنَّظَرِ، وَالحَجْرُ لِنَظَرِهِ، فَلَا بُدَّ مِنْ فِعْلِ القَاضِي. وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ: لَا يَجُوزُ لِأَنَّهُ يَبْلُغُ مَحْجُورًا عِنْدَهُ، إِذْ العِلَّةُ هِيَ السَّفَهُ بِمَنْزِلَةِ الصِّبَا، وَعَلَى هَذَا الخِلافُ إِذَا بَلَغَ رَشِيدًا ثُمَّ صَارَ سَفِيهَا (وَإِنْ أَعْتَقَ عَبْدًا نَفَذَ عِتْقُهُ عِنْدَهُمَا). وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ: لَا يَنْفُذُ. وَالأَصْلُ عِنْدَهُمَا: أَنَّ كُلَّ تَصَرُّفٍ يُؤَثِّرُ فِيهِ الهَزْلُ يُؤَثِّرُ فِيهِ الحَجْرُ وَمَا لَا فَلَا، لِأَنَّ السَّفِيهَ فِي مَعْنَى الهَازِلِ مِنْ حَيْثُ إِنَّ الهَازِلَ يُخْرِجُ كَلَامَهُ لَا عَلَى نَهْجِ كَلَامِ العُقَلَاءِ قوله: (وعند محمد لا يجوز) وبه قال مالك؛ لأنه يبلغ محجورًا عنده، ولأن علة الحجر السفه، وهو متحقق في الحال، فيترتب عليه حكمه بدون حجر القاضي كالصبي والمجنون، بخلاف حجر المفلس؛ فإنه يحجر لحق الغرماء حتى لا يتلف حقهم، فيتوقف على القضاء. قوله: (نفذ عتقه عندهما) وبه قال أبو حنيفة أيضًا، (وعند الشافعي) وأحمد (لا ينفذ) وهو قياس قول مالك؛ لأن تصرفات المحجور عليه غير نافذة. قوله: (لا) على نهج بسكون الهاء، وهو الطريق الواضح، وهو المراد ها هنا. والنَّهْجُ بالتحريك: البُهْرُ، وهو تتابع النفس، من حد: علم، ذكره في الصحاح. (كلام العقلاء) فإنهم لا يريدون بكلامهم اللعب، ودون ما وضع الكلام له، لا لنقصان في عقله، يعني الهازل يخرج كلامه لا على نهج كلام العقلاء؛ لقصده اللعب، دون ما وضع له الكلام، لا لنقصان في عقله، فكذا السفيه يخرج كلامه لا على نهج كلام العقلاء؛ لاتباع الهوى، ومكابرة العقل، لا لنقصان في عقله، فكل تصرف لا يؤثر فيه الهزل لا يؤثر فيه السفه، وكل تصرف يؤثر فيه؛ لأنه لا يحتمل الفسخ، فكذا لا يؤثر فيه السفه، ولا يقال لو أعتق السفيه عبده عن كفارة يمينه، أو ظهاره لا ينفذ عتقه، بل عليه أن يصوم كالمعسر إذا حنث فيه؛ لأنا نقول إعتاقه نافذ، لكن لا يقع عن كفارته؛ لأنه يجب على العبد السعاية بعد إعتاقه على ما يجيء؛ ومع وجوب السعاية لا تقع عن

стр. 6200

لاتِّبَاعِ الهَوَى، وَمُكَابَرَةِ العَقْلِ، لَا لِنُقْصَانٍ فِي عَقْلِهِ، فَكَذَلِكَ السَّفِيهُ وَالعِتْقُ مِمَّا لَا يُؤَكِّرُ فِيهِ الهَزْلُ فَيَصِحُ مِنهُ. وَالأَصْلُ عِنْدَهُ: أَنَّ الحَجْرَ بِسَبَبِ السَّفَهِ بِمَنْزِلَةِ الحَجْرِ بِسَبَبِ الرِّقٌ، حَتَّى لَا يَنْفُذُ بَعْدَهُ شَيْءٌ مِنْ تَصَرُّفَاتِهِ إِلَّا الطَّلَاقَ كَالمَرْقُوقِ، وَالإِعْتَاقُ لَا يَصِحُّ مِنْ الرَّقِيقِ فَكَذَا مِنْ السَّفِيهِ (وَ) إِذَا صَحَّ عِنْدَهُمَا (كَانَ عَلَى العَبْدِ أَنْ يَسْعَى فِي قِيمَتِهِ) لِأَنَّ الكفارة؛ لأن بدل السعاية بمنزلة العوض عن العتق؛ إليه أشار في المبسوط. فإن قيل: يشكل على هذا الأصل الذي ذكرهما عدم (١) صحة يمين السفيه في حق التكفير بالعتق، حتى إذا حنث وهو موسر لا ينفذ القاضي أن يُكَفِّر بالمال وعدم صحة نذره من هدي أو صدقة، حتى لو نذر لا ينفذ له القاضي شيئًا من ذلك، مع أن اليمين لا يؤثر فيه الهزل، والنذر ملحق بها في رواية، وفي رواية هو يمين. وكذا يشكل عليه أن عتق الهازل لا يوجب السعاية، وعتق السفيه المحجور يوجب ذلك. قلنا: نعم كذلك، إلا أن القاضي لما حجره عن التصرف فيما يرجع إلى الإتلاف نظرًا له لم ينفذ تصرفه بالنذر في هذه الأشياء؛ لأنه لو لم يمنعه ذلك لم يحصل مقصود الحجر؛ لأنه يتيسر له حينئذ النذر بالتصرف بجميع ماله، ثم عليه وجوب الصوم في اليمين وإن كان موسرًا على ما يجيء. وأما وجوب السعاية، فإن الحجر عليه لمعنى النظر، فيكون بمنزلة الحجر على المريض. والحاصل: أن السفه (٢) لا يجعل كالهزل في جميع التصرفات، ولا كالصبا، ولا كالمريض، ولكن الحجر عليه لمعنى النظر، فالمعتبر فيه توفير النظر عليه، وتحسسه يلحق ببعض هذه الأصول في كل حادثة إليه أشار في المبسوط. قوله: (والأصل عنده) أي: عند الشافعي.
следующие страницы →