لِأَنَّهُ عَاجِزٌ عَنْ النَّظَرِ لِنَفْسِهِ، وَهَذَا قَادِرٌ عَلَيْهِ نَظَرَ لَهُ الشَّرْعُ مَرَّةً بِإِعْطَاءِ آلَةِ القُدْرَةِ وَالجَرْيُ عَلَى خِلَافِهِ لِسُوءِ اخْتِيَارِهِ، وَمَنْعُ المَالِ مُفِيدٌ، لِأَنَّ غَالِبَ السَّفَهِ فِي الهِبَاتِ وَالصَّدَقَاتِ وَذَلِكَ يَقِفُ عَلَى اليَدِ.
قَالَ: (وَإِذَا حَجَرَ القَاضِي عَلَيْهِ، ثُمَّ رُفِعَ إِلَى قَاضِ آخَرَ، فَأَبْطَلَ حَجْرَهُ وَأَطْلَقَ عَنْهُ جَازَ) لِأَنَّ الحَجْرَ مِنْهُ فَتْوَى وَلَيْسَ بِقَضَاءِ؛ أَلَا يَرَى أَنَّهُ لَمْ يُوجَدُ المَقْضِيُّ لَهُ وَالمَقْضِيُّ عَلَيْهِ، وَلَوْ كَانَ قَضَاءً فَنَفْسُ القَضَاءِ مُخْتَلَفٌ فِيهِ فَلَا بُدَّ مِنْ الإِمْضَاءِ، حَتَّى لَوْ رُفِعَ تَصَرُّفُهُ بَعْدَ الحَجْرِ إِلَى القَاضِي الحَاجِرِ أَوْ إِلَى غَيْرِهِ فَقَضَى بِبُطْلَانِ تَصَرُّفِهِ، ثُمَّ رُفِعَ إِلَى قَاضٍ آخَرَ: نَفَذَ إِبْطَالُهُ
قوله: (لأن الحجر منه) أي: من القاضي (فتوى وليس بقضاء) هذا جواب سؤال، ذكره في الذخيرة.
فإن قيل: تصرف المحجور عليه بالسفه ينبغي أن لا ينفذ عند أبي حنيفة بعد ما قضى القاضي عليه بالحجر؛ لأن جواز تصرف السفيه بعد الحجر مختلف فيه، وبقضاء القاضي يصير متفقًا.
قلنا: نعم، إذا كان قضاؤه بحجره لم يكن فتوى، وهذا فتوى وليس بقضاء؛ لأنه لم يثبت بهذا القضاء ما ليس بثابت، بل يبين ما كان ثابتًا، فإنه كان محجورًا عليه قبل القضاء متى كان مفسدًا لماله، وهو حد الفتوى، ولهذا لا بد للقضاء من المقضي عليه وله؛ لأنه لقطع المنازعة، فلا بد من منازعة حتى يقطع، فيكون هذا فتوى عند محمد.
وعند أبي يوسف، ومن تابعه: وإن كان يحتاج إلى القضاء ليصير محجورًا عليه، فنفس القضاء مجتهد، ومتى كان نفس القضاء مجتهدا فيه، يحتاج إلى إمضاء غيره كما مر في كتاب القضاء، حتى لو رفع تصرفه بعد الحجر إلى القاضي الحاجر، أو إلى غيره فقضى ببطلان تصرفه، ثم رفع إلى قاض آخر نفذ إبطاله؛ لاتصال إمضائه، فلا يقبل النقض بعد ذلك.
قوله: (نفذ إبطاله) أي: إبطال القاضي الثاني، ولو روي (نفذ) بالتشديد معناه استمر على تنفيذ الثاني؛ لأنه حكم بنفاذه كذا روي عن بعض الثقات.
стр. 6197
لَاتِّصَالِ الإِمْضَاءِ بِهِ فَلَا يُقْبَلُ النَّقْضُ بَعْدَ ذَلِكَ (ثُمَّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ إِذَا بَلَغَ الغُلَامُ غَيْرَ رَشِيدٍ لَمْ يُسَلَّمْ إِلَيْهِ مَالُهُ حَتَّى يَبْلُغَ خَمْسًا وَعِشْرِينَ سَنَةٌ، فَإِنْ تَصَرَّفَ فِيهِ قَبْلَ ذَلِكَ نَفَذَ تَصَرُّفُهُ، فَإِذَا بَلَغَ خَمْسًا وَعِشْرِينَ سَنَةً يُسَلَّمُ إِلَيْهِ مَالُهُ وَإِنْ لَمْ يُؤْنَسْ مِنهُ الرُّشْدُ. وَقَالَا: لَا يُدْفَعُ إِلَيْهِ مَالُهُ أَبَدًا حَتَّى يُؤْنَسَ مِنهُ رُشْدُهُ، وَلَا يَجُوزُ تَصَرُّفُهُ فِيهِ) (*) لِأَنَّ عِلَّةَ المَنْعِ السَّفَهُ فَيَبْقَى مَا بَقِيَ العِلَّةُ وَصَارَ كَالصِّبَا. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ ﵀: أَنَّ مَنْعَ المَالِ عَنْهُ بِطَرِيقِ التَّأْدِيبِ، وَلَا يَتَأَدَّبُ بَعْدَ هَذَا ظَاهِرًا وَغَالِبًا؛ أَلَا يَرَى أَنَّهُ قَدْ يَصِيرُ جَدًّا
قوله: (وقالا) أي: أبو يوسف، ومحمد: لا يدفع ماله إليه أبدا حتى يؤنس منه رشد وإن صار شيخًا فانيًا، وبه قالت الأئمة الثلاثة، وأكثر علماء الأمصار، وقاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا﴾ [النساء: ٦] علق الدفع بإيناس الرشد، فلا يجوز الدفع قبله؛ لأن المعلق بالشرط معدوم قبله، ولأن منع المال قبله لعلة السفه، فيبقى ببقاء العلة ويزول بزوال العلة، إذ العبرة لقيام العلة وزوالها لا للزمان.
ولأبي حنيفة قوله تعالى: ﴿وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء: ٢] والمراد به بعد البلوغ، فهو تنصيص على وجوب الدفع بعد البلوغ، إلا أنه منع عنه ماله قبل هذه المدة بالإجماع، ولا إجماع هاهنا، فيجب الدفع إليه بالنص، والتعليق بالشرط لا يوجب العدم عند العدم عندنا، على أن الشرط (رشدًا) نكرة، فإذا صار الشرط في حكم الوجود بوجه وجب جزاؤه، فأول أحوال البلوغ قد لا يفارقه السفه باعتبار أثر الصبا، وبقاء أثره لبقاء عينه، فإذا امتد الزمان وظهرت الخبرة والتجربة لم يبق أثر الصبا، وحدث ضرب من الرشد لا محالة؛ لأنه حال كمال عقله.
فقد [روي] (١) عن عمر ﵁ أنه قال: «ينتهي لب الرجل إذا بلغ خمسا وعشرين سنة».
وقال أهل الطبائع: من بلغ خمسا وعشرين سنة فقد بلغ رشده، ألا ترى أنه يصير جدًّا صحيحًا في هذا السن؛ لأن أدنى ما يحتلم الإنسان في اثني عشر سنة
стр. 6198
فِي هَذَا السِّنِّ فَلَا فَائِدَةَ فِي المَنْعِ فَلَزِمَ الدَّفْعُ، وَلِأَنَّ المَنْعَ بِاعْتِبَارِ أَثَرِ الصِّبَا وَهُوَ فِي أَوَائِلِ البُلُوعِ، وَيَتَقَطَّعُ بِتَطَاوُلِ الزَّمَانِ فَلَا يَبْقَى المَنْعُ، وَلِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَوْ بَلَغَ رَشِيدًا ثُمَّ صَارَ سَفِيهَا لَا يُمْنَعُ المَالُ عَنْهُ، لِأَنَّهُ لَيْسَ بِأَثَرِ الصِّبَا، ثُمَّ لَا يَتَأَتَّى التَّفْرِيعُ عَلَى قَوْلِهِ، وَإِنَّمَا التَّفْرِيعُ عَلَى قَوْلِ مَنْ يَرَى الحَجْرَ. فَعِنْدَهُمَا: لَمَّا صَحَ الحَجْرُ لَا يَنْفُذُ بَيْعُهُ إِذَا بَاعَ تَوْفِيرًا لِفَائِدَةِ الحَجْرِ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ مَصْلَحَةٌ أَجَازَهُ الحَاكِمُ، لِأَنَّ رُكْنَ التَّصَرُّفِ قَدْ وُجِدَ وَالتَّوَقُفُ لِلنَّظَرِ لَهُ وَقَدْ نَصَّبَ الحَاكِمُ نَاظِرًا لَهُ فَيَتَحَرَّى المَصْلَحَةَ فِيهِ، كَمَا فِي الصَّبِيِّ الَّذِي يَعْقِلُ البَيْعَ وَالشِّرَاءَ وَيَقْصِدُهُ.
وَلَوْ بَاعَ قَبْلَ حَجْرِ القَاضِي جَازَ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ، لِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ حَجْرٍ
ثم يولد له ولد في ستة أشهر، ثم يبلغ ذلك في اثني عشر سنة، ثم يولد له ابن في ستة أشهر، فيصير جَدًّا صحيحًا في خمس وعشرين سنة.
وقيد بالجد الصحيح؛ لأنه يصير جَدًّا فاسدًا بأقل من ذلك، فإنا لو فرضنا أنه لو بلغ اثني عشر سنة، ثم تزوج وولدت له بنتا، والبنت تحمل في تسع سنين، ثم ولدت بعد ستة أشهر، فيصير جَدًّا فاسدًا في اثنين وعشرين سنة، حتى قيل: يعتبر اثنان وعشرون سنة، ذكره في الجامع.
يؤيده قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾ [الأنعام: ١٥٢] وقد بلغ أشده، وصلح جدًّا، ولأن منع المال منه على سبيل التأديب له، والاشتغال بالتأديب عند رجاء التأديب، فلا وجه للمنع عنه.
قوله: (جاز عند أبي يوسف) وبه قال الشافعي وأحمد؛ لأنه لا بد من حجر القاضي عندهما؛ لأن الحجر تردد بين النفع والضرر، ففي إبقاء الملك له نظر، وفي إهدار قوله ضرر، فلا بد من قضاء القاضي؛ ليترجح أحد الجانبين على الآخر، يوضحه أن الحجر ليس بشيء محسوس، وإنما يعرف بالعين في التصرف، وقد يكون ذلك للسفه، وقد يكون عنه لاستجلاب قلوب المجاهرين، فكان مترددا، فلا يثبت حكمه بالقضاء، ولأنه حجر مختلف، فلا بد فيه من الرأي، فيشترط حكم الحاكم كما في حجر المفلس، بخلاف الجنون والصبا، فإنه لا يحتاج فيه إلى الرأي.
стр. 6199
القَاضِي عِنْدَهُ، لِأَنَّ الحَجْرَ دَائِرٌ بَيْنَ الضَّرَرِ وَالنَّظَرِ، وَالحَجْرُ لِنَظَرِهِ، فَلَا بُدَّ مِنْ فِعْلِ القَاضِي. وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ: لَا يَجُوزُ لِأَنَّهُ يَبْلُغُ مَحْجُورًا عِنْدَهُ، إِذْ العِلَّةُ هِيَ السَّفَهُ بِمَنْزِلَةِ الصِّبَا، وَعَلَى هَذَا الخِلافُ إِذَا بَلَغَ رَشِيدًا ثُمَّ صَارَ سَفِيهَا (وَإِنْ أَعْتَقَ عَبْدًا نَفَذَ عِتْقُهُ عِنْدَهُمَا). وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ: لَا يَنْفُذُ. وَالأَصْلُ عِنْدَهُمَا: أَنَّ كُلَّ تَصَرُّفٍ يُؤَثِّرُ فِيهِ الهَزْلُ يُؤَثِّرُ فِيهِ الحَجْرُ وَمَا لَا فَلَا، لِأَنَّ السَّفِيهَ فِي مَعْنَى الهَازِلِ مِنْ حَيْثُ إِنَّ الهَازِلَ يُخْرِجُ كَلَامَهُ لَا عَلَى نَهْجِ كَلَامِ العُقَلَاءِ
قوله: (وعند محمد لا يجوز) وبه قال مالك؛ لأنه يبلغ محجورًا عنده، ولأن علة الحجر السفه، وهو متحقق في الحال، فيترتب عليه حكمه بدون حجر القاضي كالصبي والمجنون، بخلاف حجر المفلس؛ فإنه يحجر لحق الغرماء حتى لا يتلف حقهم، فيتوقف على القضاء.
قوله: (نفذ عتقه عندهما) وبه قال أبو حنيفة أيضًا، (وعند الشافعي) وأحمد (لا ينفذ) وهو قياس قول مالك؛ لأن تصرفات المحجور عليه غير نافذة.
قوله: (لا) على نهج بسكون الهاء، وهو الطريق الواضح، وهو المراد ها هنا.
والنَّهْجُ بالتحريك: البُهْرُ، وهو تتابع النفس، من حد: علم، ذكره في الصحاح.
(كلام العقلاء) فإنهم لا يريدون بكلامهم اللعب، ودون ما وضع الكلام له، لا لنقصان في عقله، يعني الهازل يخرج كلامه لا على نهج كلام العقلاء؛ لقصده اللعب، دون ما وضع له الكلام، لا لنقصان في عقله، فكذا السفيه يخرج كلامه لا على نهج كلام العقلاء؛ لاتباع الهوى، ومكابرة العقل، لا لنقصان في عقله، فكل تصرف لا يؤثر فيه الهزل لا يؤثر فيه السفه، وكل تصرف يؤثر فيه؛ لأنه لا يحتمل الفسخ، فكذا لا يؤثر فيه السفه، ولا يقال لو أعتق السفيه عبده عن كفارة يمينه، أو ظهاره لا ينفذ عتقه، بل عليه أن يصوم كالمعسر إذا حنث فيه؛ لأنا نقول إعتاقه نافذ، لكن لا يقع عن كفارته؛ لأنه يجب على العبد السعاية بعد إعتاقه على ما يجيء؛ ومع وجوب السعاية لا تقع عن
стр. 6200
لاتِّبَاعِ الهَوَى، وَمُكَابَرَةِ العَقْلِ، لَا لِنُقْصَانٍ فِي عَقْلِهِ، فَكَذَلِكَ السَّفِيهُ وَالعِتْقُ مِمَّا لَا يُؤَكِّرُ فِيهِ الهَزْلُ فَيَصِحُ مِنهُ.
وَالأَصْلُ عِنْدَهُ: أَنَّ الحَجْرَ بِسَبَبِ السَّفَهِ بِمَنْزِلَةِ الحَجْرِ بِسَبَبِ الرِّقٌ، حَتَّى لَا يَنْفُذُ بَعْدَهُ شَيْءٌ مِنْ تَصَرُّفَاتِهِ إِلَّا الطَّلَاقَ كَالمَرْقُوقِ، وَالإِعْتَاقُ لَا يَصِحُّ مِنْ الرَّقِيقِ فَكَذَا مِنْ السَّفِيهِ (وَ) إِذَا صَحَّ عِنْدَهُمَا (كَانَ عَلَى العَبْدِ أَنْ يَسْعَى فِي قِيمَتِهِ) لِأَنَّ
الكفارة؛ لأن بدل السعاية بمنزلة العوض عن العتق؛ إليه أشار في المبسوط.
فإن قيل: يشكل على هذا الأصل الذي ذكرهما عدم (١) صحة يمين السفيه في حق التكفير بالعتق، حتى إذا حنث وهو موسر لا ينفذ القاضي أن يُكَفِّر بالمال وعدم صحة نذره من هدي أو صدقة، حتى لو نذر لا ينفذ له القاضي شيئًا من ذلك، مع أن اليمين لا يؤثر فيه الهزل، والنذر ملحق بها في رواية، وفي رواية هو يمين.
وكذا يشكل عليه أن عتق الهازل لا يوجب السعاية، وعتق السفيه المحجور يوجب ذلك.
قلنا: نعم كذلك، إلا أن القاضي لما حجره عن التصرف فيما يرجع إلى الإتلاف نظرًا له لم ينفذ تصرفه بالنذر في هذه الأشياء؛ لأنه لو لم يمنعه ذلك لم يحصل مقصود الحجر؛ لأنه يتيسر له حينئذ النذر بالتصرف بجميع ماله، ثم عليه وجوب الصوم في اليمين وإن كان موسرًا على ما يجيء.
وأما وجوب السعاية، فإن الحجر عليه لمعنى النظر، فيكون بمنزلة الحجر على المريض.
والحاصل: أن السفه (٢) لا يجعل كالهزل في جميع التصرفات، ولا كالصبا، ولا كالمريض، ولكن الحجر عليه لمعنى النظر، فالمعتبر فيه توفير النظر عليه، وتحسسه يلحق ببعض هذه الأصول في كل حادثة إليه أشار في المبسوط.
قوله: (والأصل عنده) أي: عند الشافعي.
стр. 6201
الحَجْرَ لِمَعْنَى النَّظَرِ، وَذَلِكَ فِي رَدّ العِتْقِ، إِلَّا أَنَّهُ مُتَعَذِّرٌ، فَيَجِبُ رَدُّهُ بِرَدِّ القِيمَةِ كَمَا فِي الحَجْرِ عَلَى المَرِيضِ. وَعَنْ مُحَمَّدٍ: أَنَّهُ لَا تَجِبُ السِّعَايَةُ، لِأَنَّهَا لَوْ وَجَبَتْ إِنَّمَا تَجِبُ حَقًّا لِمُعْتِقِهِ، وَالسِّعَايَةُ مَا عُهِدَ وُجُوبُهَا فِي الشَّرْعِ إِلَّا لِحَقِّ غَيْرِ المُعْتِقِ (وَلَوْ دَبَّرَ عَبْدَهُ: جَازَ) لِأَنَّهُ يُوجِبُ حَقَّ العِتْقِ فَيُعْتَبَرُ بِحَقِيقَتِهِ، إِلَّا أَنَّهُ لَا تَجِبُ السِّعَايَةُ مَا دَامَ المَوْلَى حَيًّا، لِأَنَّهُ بَاقٍ عَلَى مِلْكِهِ، وَإِذَا مَاتَ وَلَمْ يُؤْنَسْ مِنهُ الرُّشْدُ سَعَى فِي قِيمَتِهِ مُدَبَّرًا، لِأَنَّهُ عَتَقَ بِمَوْتِهِ وَهُوَ مُدَبَّرٌ، فَصَارَ كَمَا إِذَا أَعْتَقَهُ بَعْدَ التَّدْبِيرِ (وَلَوْ جَاءَتْ جَارِيَتُهُ بِوَلَدٍ فَادَّعَاهُ: يَثْبُتُ نَسَبُهُ مِنْهُ وَكَانَ الوَلَدُ حُرًّا وَالجَارِيَةُ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ) لِأَنَّهُ مُحْتَاجٌ إِلَى ذَلِكَ لِإِبْقَاءِ نَسْلِهِ فَأُلْحِقَ بِالْمُصْلِحِ فِي حَقِّهِ
قوله: (كما في الحجر على المريض) يعني لو أعتق عبده في مرضه تجب السعاية في كل قيمته للغرماء، أو ثلثي قيمته للورثة، إذا لم يكن عليه دين، ولا مال له سواه؛ لتعذر رد العتق، فكان رده بوجوب السعاية لِحَقِّ الغرماء أو الورثة، فكذا هاهنا رد العتق واجب لمعنى النظر، وقد تعذر رده، فيجب رده بإيجاب السعاية.
قوله: (وعن محمد) إلى آخره، جعل في المبسوط هذه الرواية عنه آخر قول أبي يوسف، وأما قوله الأول كقول محمد في وجوب السعاية.
قوله: (لأنه باق على ملكه)، فلا يمكن إيجاب السعاية، ولا إيجاب نقصان التدبير عليه؛ لأن المولى لا يستوجب على عبده دينا، ألا ترى أنه لو دبر عبده بمال وقبل العبد، صح التدبير ولم يجب المال، بخلاف ما لو كاتبه، أو أعتقه على مال حيث يصح؛ لأنه لم يبق على ملكه حقيقة أو يدًا، إليه أشار في المبسوط.
قوله: (أعتقه بعد التدبير) أي: في حياته تحتسب السعاية، فكذا هاهنا، ألا ترى أن مصلحا لو دبر عبده في صحته، ثم مات وعليه دين مستغرق يجب عليه السعاية في قيمته مدبرا لغرمائه، فكذا هاهنا إليه أشار في المبسوط.
قوله: (فألحق بالمصلح في حقه) أي: في حق الاستيلاد نظرا له، ولا يعلم فيه خلاف للأئمة الثلاثة؛ لأنه يحتاج إلى ذلك لإبقاء نسله وصيانة مائه، فيلحق
стр. 6202
(وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهَا وَلَدٌ وَقَالَ: هَذِهِ أُمُّ وَلَدِي، كَانَتْ بِمَنْزِلَةِ أُمِّ الوَلَدِ لَا يَقْدِرُ عَلَى بَيْعِهَا، وَإِنْ مَاتَ سَعَتْ فِي جَمِيعِ قِيمَتِهَا لِأَنَّهُ كَالإِقْرَارِ بِالحُرِّيَّةِ إِذْ لَيْسَ لَهُ شَهَادَةُ الوَلَدِ، بِخِلَافِ الفَصْلِ الأَوَّلِ، لِأَنَّ الوَلَدَ شَاهِدٌ لَهَا. وَنَظِيرُهُ: الْمَرِيضُ إِذَا ادَّعَى وَلَدَ جَارِيَتِهِ فَهُوَ عَلَى هَذَا التَّفْصِيلِ. قَالَ: (وَإِنْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً: جَازَ نِكَاحُهَا) لِأَنَّهُ لَا يُؤَثُرُ فِيهِ الهَزْلُ، وَلِأَنَّهُ مِنْ حَوَائِجِهِ الأَصْلِيَّةِ (وَإِنْ سَمَّى لَهَا مَهْرًا: جَازَ مِنهُ مِقْدَارُ مَهْرِ مِثْلِهَا) لِأَنَّهُ مِنْ ضَرُورَاتِ النِّكَاحِ وَبَطَلَ الفَضْلُ) لِأَنَّهُ لَا ضَرُورَةَ فِيهِ، وَهَذَا التِزَامُ بِالتَّسْمِيَةِ وَلَا نَظَرَ لَهُ فِيهِ، فَلَمْ تَصِحَ الزِّيَادَةُ وَصَارَ كَالمَرِيضِ مَرَضَ المَوْتِ وَلَوْ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ بِهَا: وَجَبَ لَهَا النِّصْفُ فِي مَالِهِ لِأَنَّ التَّسْمِيَةَ صَحِيحَةٌ إِلَى مِقْدَارِ مَهْرِ المِثْلِ (وَكَذَا إِذَا تَزَوَّجَ بِأَرْبَعِ نِسْوَةٍ، أَوْ كُلَّ يَوْمٍ وَاحِدَةٌ)
في حق هذا الحكم بالمريض المديون إذا ادعى نسب ولده، كان هو في ذلك كالصحيح، حتى إنها تعتق من جميع ماله بموته، ولا تسعى هي في شيء؛ لأن حاجته مقدمة على حق غرمائه، بخلاف ما لو أعتقها.
قوله: (لأنه كالإقرار بالحرية) أي: إقراره بأمومية الولد بدون الولد، كالإقرار بالحرية تسعى بعد موته في جميع قيمتها، فكذا هاهنا.
قوله: (على هذا التفصيل) وهو الفرق الذي ذكرناه بين الدعوة بالولد والدعوة بدون الولد؛ لحاجته إلى إبقاء نسله، فيكون مقدما على حق الغرماء.
قوله: (جاز نكاحها) ولفظ المبسوطين (جاز نكاحه) وبه قال أحمد، وقال الشافعي، ومالك، وأبو الخطاب الحنبلي: لا يجوز بغير إذن الولي؛ لأنه عقد معاوضة كالشراء، فلا يجوز بدون وليه.
قوله: (كالمريض مرض الموت) يعني لو تزوج بأكثر من مهر مثلها يلزمه بقدر مهر المثل لا الزيادة منه إذا لم يخرج من الثلث، وفي مسألتنا لا تصير الزيادة أصلا.
قوله: (وكذا إذا تزوج بأربع) يعتبر مهر المثل لا الزيادة، سواء كان نكاحهن في عقد واحد أو متفرقا.
وقوله: (أو كل يوم واحدة) ثم طلقها كذا يفعل مرارًا من غير حصر، فإنه
стр. 6203
لِمَا بَيَّنَّا.
قَالَ: (وَتُخْرَجُ الزَّكَاةُ مِنْ مَالِ السَّفِيهِ) لِأَنَّهَا وَاجِبَةٌ عَلَيْهِ وَيُنْفَقُ عَلَى أَوْلَادِهِ وَزَوْجَتِهِ وَمَنْ تَجِبُ نَفَقَتُهُ مِنْ ذَوِي أَرْحَامِهِ لِأَنَّ إِحْيَاءَ وَلَدِهِ وَزَوْجَتِهِ مِنْ حَوَائِجِهِ، وَالإِنْفَاقُ عَلَى ذِي الرَّحِمِ وَاجِبٌ عَلَيْهِ لِقَرَابَتِهِ، وَالسَّفَهُ لَا يُبْطِلُ حُقُوقَ النَّاسِ، إِلَّا أَنَّ القَاضِيَ يَدْفَعُ الزَّكَاةَ إِلَيْهِ لِيَصْرِفَهَا إِلَى مَصْرِفِهَا، لِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ نِيَّتِهِ لِكَوْنِهَا عِبَادَةٌ، لَكِنْ يَبْعَثُ أَمِينًا مَعَهُ كَيْ لَا يَصْرِفَهُ فِي غَيْرِ وَجْهِهِ. وَفِي النَّفَقَةِ يَدْفَعُ إِلَى أَمِينِهِ
تصح تسميته في مقدار مهر المثل، وتبطل الزيادة.
وقوله: (لما بينا) إشارة إلى قوله: (لأنه من ضرورات النكاح) إلى آخره، وبهذه المسألة يحتج أبو حنيفة أنه لا فائدة في الحجر عليه؛ لأنه لا ينسد باب إتلاف المال عليه، ولهذا لم يجوِّز الشافعي النكاح بغير إذن الولي.
قوله: (لأنه) أي: إخراج الزكاة واجب عليه؛ لأنه كامل العقل، مخاطب بحقوق الله تعالى، فلا تبطل بسفهه.
قوله: (يدفعها) أي: النفقة (إلى أمينها) أي: أمين المرأة وفي بعض النسخ (إلى أمينه) أي: أمين القاضي (لتصرفه) أي: المال المخرج للنفقة إلى مستحقه؛ لأنه ليس معتاده (١) أي صرف النفقة.
وفي المبسوط: فرق بين نفقة الوالدين وبين نفقة غيرهما فقال: ينبغي للقاضي أن لا يأخذ بقول السفيه في دفع المال إلى ذوي الأرحام للنفقة حتى يقيم القريب بينة على القرابة والعشرة؛ لأن إقراره بذلك بمنزلة إقراره بدين على نفسه، فلا يكون ملزما شيئًا إلا في الولد، فإنهما إذا تصادقا على السبب قبل قولهما فيه؛ لأن كل واحد منهما في تصديق صاحبه يقر على نفسه بالنسب، والسفه لا يمنع الإقرار بالنسب؛ لأن ذلك من حوائجه، ولكن لا يعتبر قوله في عسر المقر له كما في عسرة سائر الأقارب.
وكذا يقبل إقراره بالزوجة؛ لأنه يملك إنشاء التزوج، فيملك الإقرار به،
стр. 6204
لِيَصْرِفَهُ، لِأَنَّهُ لَيْسَ بِعِبَادَةٍ فَلَا يَحْتَاجُ إِلَى نِيَّتِهِ، وَهَذَا بِخِلَافِ مَا إِذَا حَلَفَ أَوْ نَذَرَ أَوْ ظَاهَرَ، حَيْثُ لَا يَلْزَمُهُ المَالُ بَلْ يُكَفِّرُ يَمِينَهُ وَظِهَارَهُ بِالصَّوْمِ لِأَنَّهُ مِمَّا يَجِبُ بِفِعْلِهِ، فَلَوْ فَتَحْنَا هَذَا البَابَ يُبَدِّرُ أَمْوَالَهُ بِهَذَا الطَّرِيقِ، وَلَا كَذَلِكَ مَا يَجِبُ ابْتِدَاءً بِغَيْرِ فِعْلِهِ.
قَالَ: (فَإِنْ أَرَادَ حَجَّةَ الإِسْلَامِ لَمْ يُمْنَعْ مِنهَا) لِأَنَّهَا وَاجِبَةٌ عَلَيْهِ بِإِيجَابِ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ غَيْرِ صَنْعَةٍ وَلَا يُسَلِّمُ القَاضِي النَّفَقَةَ إِلَيْهِ، وَيُسَلِّمُهَا إِلَى ثِقَةٍ مِنْ الحَاجِّ يُنْفِقُهَا عَلَيْهِ فِي طَرِيقِ الحَجِّ كَيْ لَا يُتْلِفُهَا فِي غَيْرِ هَذَا الوَجْهِ (وَلَوْ أَرَادَ عُمْرَةً وَاحِدَةً: لَمْ يُمْنَعْ) مِنهَا اسْتِحْسَانًا، لِاخْتِلَافِ العُلَمَاءِ فِي وُجُوبِهَا، بِخِلَافِ مَا زَادَ عَلَى مَرَّةٍ وَاحِدَةٍ مِنْ الحَجِّ وَلَا يُمْنَعُ مِنْ القِرَانِ لِأَنَّهُ لَا يُمْنَعُ مِنْ إِفْرَادِ السَّفَرِ لِكُلِّ
ويجب عليه قدر مهر مثلها، ويعطيها القاضي ذلك، وإن كان قد مضى بعد إقراره أشهر، ثم أقر أنه كان قد فرض عليه نفقته في أول تلك الشهور لم يصدق على ما مضى؛ لأن هذا إقرار بالدين لها؛ لأن نفقة الزوجة في الماضي لا تصير دينا إلا بالقضاء، وإقراره بالدين باطل.
قوله: (لم يمنع منها) أي: من حجة الإسلام ولا يعلم فيه خلاف.
قوله: (استحسانًا) إذ في القياس يمنع؛ لأن العمرة عندنا تطوع، فصار كما لو أراد الخروج للحج تطوعًا بعد حجة الإسلام ولكن استحسانًا.
وقلنا: لا يمنع لاختلاف العلماء في وجوب العمرة، فعند الشافعي فريضة، والأخبار متعارضة فيها، ولظاهر قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦] فلهذا أخذ بالاحتياط في أمر الدين، ويكون فعله أقرب إلى فعل النبي ﵊ فلا يمنع من سوق البدنة.
أما لو اصطاد المحجور في إحرامه، أو حلق رأسه من أذى، أو صنع شيئًا يجب فيه الدم أمره أن يصوم لذلك، ولم يعطه من ماله إذا جاز الصوم فيه.
أما لو صنع شيئًا يلزمه الدم، ولا يجوز فيها الصوم فالدم لازم، ويؤدي عنه إذا صار مصلحا، ولا يؤدي عنه في حال فساده، كالمعسر الذي لا يجد شيئًا إذا صنع ذلك، وكالعبد المأذون في الإحرام إذا فعل شيئًا من ذلك، وكذا لو جامع امرأته بعد الوقوف يلزم بدنة، وتتأخر إلى أن يصير مصلحا، كذا في المبسوط.
стр. 6205
وَاحِدٍ مِنهُمَا فَلَا يُمْنَعُ مِنْ الجَمْعِ بَيْنَهُمَا (وَلَا يُمْنَعُ مِنْ أَنْ يَسُوقَ بَدَنَةً) تَحَرُّزًا عَنْ مَوْضِعِ الخِلَافِ، إِذْ عِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ لَا يُجْزِئُهُ غَيْرُهَا وَهِيَ جَزُورٌ أَوْ بَقَرَةٌ. قَالَ: (فَإِنْ مَرِضَ وَأَوْصَى بِوَصَايَا فِي القُرَبِ وَأَبْوَابِ الخَيْرِ: جَازَ ذَلِكَ فِي ثُلُثِهِ) لِأَنَّ نَظَرَهُ فِيهِ، إِذْ هِيَ حَالَةُ انْقِطَاعِهِ عَنْ أَمْوَالِهِ، وَالوَصِيَّةُ تَخْلُفُ ثَنَاءً أَوْ ثَوَابًا، وَقَدْ ذَكَرْنَا مِنْ التَّفْرِيعَاتِ أَكْثَرَ مِنْ هَذَا فِي «كِفَايَةِ المُنْتَهَى».
قوله: (فإن مرض وأوصى) إلى آخره، ذكر في المبسوط: فإن أوصى بوصايا مطلقا من غير القيد بحالة المرض، وهو الصحيح؛ لأن تنفيذ الوصية بعد الموت، فحينئذ لا تتفاوت بين أن تكون وصية في حال المرض، أو الصحة.
والقياس: أن وصاياه باطلة بمنزلة تبرعاته في حياته.
وفي الاستحسان: ما يكون على غير وجه الفسق، ويتقرب إلى الله تعالى، ولم يأت بذلك سرف ولا أمر يستقبحه المسلمون تنفذ من ثلث ماله؛ لأن الحجر عليه للنظر حتى لا يتلف ماله، فيبتلى بالفقر الذي هو الموت الأحمر.
وهذا المعنى لا يوجد في وصاياه؛ لأن أوان وجوبها بعد الموت، وبعدما وقع الاستغناء عن المال في أمر دنياه، فإذا حصلت وصاياه على وجه يكون سببًا للثواب في آخرته، أو لاكتساب الثناء الحسن بعد موته، كان النظر في تنفيذها، ولا يعلم فيه خلاف.
ثم اعلم أن عندنا كما تصح وصايا المحجور بالسفه تجوز وصايا الصبي إذا عقل ما يصنع فهما سواء في التصرفات إلا في أربعة مواضع:
منها: أنه يجوز للأب ولوصيه أن يتصرف في مال الصبي بالبيع والشراء، ولا يجوز في حق السفيه البالغ.
وثانيها: أنها يجوز نكاح السفيه، ولا يجوز نكاح الصبي العاقل بلا إذن.
وثالثها: أن طلاق السفيه وعتاقه يصحن وفي الصبي العاقل لا يصح.
ورابعها: يصح تدبير عبده، وللصبي العاقل لا يصح، الكل من المبسوط.
قوله: (أكثر من هذا) وهو ما ذكرنا.
стр. 6206
قَالَ: (وَلَا يُحْجَرُ عَلَى الفَاسِقِ إِذَا كَانَ مُصْلِحًا لِمَالِهِ عِنْدَنَا، وَالفِسْقُ الأَصْلِيُّ وَالطَّارِى سَوَاءٌ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يُحْجَرُ عَلَيْهِ زَجْرًا لَهُ وَعُقُوبَةٌ عَلَيْهِ كَمَا فِي السَّفِيهِ، وَلِهَذَا لَمْ يُجْعَلْ أَهْلًا لِلْوِلَايَةِ وَالشَّهَادَةِ عِنْدَهُ. وَلَنَا: قَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء: ٦] الآيَةَ. وَقَدْ أُونِسَ مِنهُ نَوْعُ رُشْدٍ فَتَتَنَاوَلُهُ النَّكِرَةُ المُطْلَقَةُ، وَلِأَنَّ الفَاسِقَ مِنْ أَهْلِ الوِلَايَةِ عِنْدَنَا لِإِسْلَامِهِ فَيَكُونُ وَالِيًا لِلتَّصَرُّفِ، وَقَدْ قَرَّرْنَاهُ فِيمَا تَقَدَّمَ، وَيَحْجُرُ القَاضِي عِنْدَهُمَا أَيْضًا
ومن التفريعات ما ذكرنا من أحكام الحج، وهو أنه لو اصطاد إلى آخره، وما ذكرنا من الفرق بين المراهق والمحجور بالسفه في المواضع الأربعة.
وفي الكافي: وقد ذكر في المبسوط فروعًا أكثر من هذا، فمن رامها فليطلب ثمة.
قوله: (ولهذا لم يجعل) أي: الفاسق أهلا للشهادة، ولأن الفاسق غير رشيد ولأن إفساده لدينه يمنع الثقة به في حفظ ماله، كما يمنع قبول قوله وثبوت ولايته على غيره؛ لعدم الثقة بصدقه.
قوله: (وقد أُونس منه) أي: من الفاسق (نوع رشد) فالله تعالى علق الدفع بإيناس رشد نكرة، فيتناول رشدًا ما؛ لأن النكرة في موضع الإثبات تخص، والرشد في المال مراد، فلا يكون الرشد في الدين مرادا؛ لأنه حينئذ يكون معلقا برشدين.
قال ابن عباس: المراد بالرشد الصلاح في المال. وقال مجاهد: العقل.
وفي شرح الطحاوي: المراد من الرشد الصلاح في المال، وبه قال مالك، وأحمد، وأكثر أهل العلم.
قوله: (وقد قررناه فيما تقدم) أي: في النكاح وفي أدب القاضي.
قوله: (عندهما أيضًا) أي: يحجر بسبب الغفلة، وهو قول الشافعي.
وعند مالك، وأحمد: لا يحجر بسبب الغفلة؛ لبلوغه وعقله ورشده.
ولو صالح السفيه لا يزول الحجر عنه إلا بالقضاء عند أبي يوسف، وبه قال الشافعي في وجه، وأحمد.
стр. 6207
وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ بِسَبَبِ الغَفْلَةِ، وَهُوَ أَنْ يُغْبَنَ فِي التِّجَارَاتِ وَلَا يَصْبِرُ عَنْهَا لِسَلَامَةِ قَلْبِهِ لِمَا فِي الحَجْرِ مِنَ النَّظَرِ لَهُ.
فَصْلٌ فِي حَدِّ البُلُوغِ
قَالَ: (بُلُوغُ الغُلَامِ بِالاحْتِلامِ، وَالإِحْبَالِ، وَالإِنْزَالِ إِذَا وَطِئَ، فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ ذَلِكَ فَحَتَّى يَتِمَّ لَهُ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ سَنَةٌ، وَبُلُوغُ الجَارِيَةِ بِالحَيْضِ، وَالاحْتِلَامِ، وَالحَبَلِ، فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ ذَلِكَ فَحَتَّى يَتِمَّ لَهَا سَبْعَ عَشْرَةَ سَنَةٌ، وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَا: إِذَا
وعند محمد: يزول بغير قضاء، وبه قال الشافعي في وجه آخر.
وفي الإفلاس لا يزول الحجر عنه إلا بالقضاء بالاتفاق.
فَصْلٌ فِي حَدِّ الْبُلُوغِ
لما ذكر أن الصغر من أسباب الحجر لا بد من بيان انتهائه فشرع في بيانه.
اعلم أن في بلوغ الغلام بالإحبال، وبلوغ الجارية بالحيض والاحتلام
والحبل إجماع العلماء؛ لقوله ﵊: «رُفِعَ القلمُ عَنِ الصَّبِيِّ حتّى يَحْتَلِمَ» (١).
وأما الإنبات: فهو نبت الشعر حول الذكر وفرج المرأة، بحيث يستحق أخذه بموسى.
علامة البلوغ عند أحمد ومالك والشافعي لا اعتبار له في قولنا.
وأما الزغب الضعيف لا اعتبار له بالاتفاق، إلا في قول من الشافعي، فإنه في حق المسلمين بلوغ.
لهم ما روي أنه ﵊ أمر بأن يقتل مقاتل بني قريظة، وتسبى ذراريهم، وأمر بأن يكشف عن مؤتزرهم، فمن أنبت فهو من المقاتلة،
стр. 6208
تَمَّ الغُلَامُ وَالجَارِيَةُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةٌ فَقَدْ بَلَغَا) (*)، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَعَنْهُ فِي الغُلَامِ تِسْعَ عَشْرَةَ سَنَةٌ. وَقِيلَ: المُرَادُ أَنْ يَطْعَنَ فِي التَّاسِعِ عَشْرَةَ سَنَةٌ، وَيَتِمُّ لَهُ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ سَنَةٌ فَلَا اخْتِلَافَ. وَقِيلَ: فِيهِ اخْتِلَافُ الرِّوَايَةِ، لِأَنَّهُ ذَكَرَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ: حَتَّى يَسْتَكْمِلَ تِسْعَ عَشْرَةَ سَنَةٌ، أَمَّا العَلَامَةُ: فَلِأَنَّ البُلُوغ بِالإِنْزَالِ حَقِيقَةٌ، وَالحَبَلُ وَالإِحْبَالُ لَا يَكُونُ إِلَّا مَعَ الإِنْزَالِ، وَكَذَا الحَيْضُ فِي أَوَانِ
ومن لم ينبت ألحقه بالذرية.
وكتب عمر إلى عامله أن لا يأخذ الجزية إلا ممن جرت عليه المواسي، ولأنه خارج علامة البلوغ غالبًا، ويستوي فيه الذكر والأنثى، فكان عَلَمًا على البلوغ كخروج المني.
ولنا قوله ﵊: «رُفِعَ عَنِ الصَّبِيِّ حتَّى يَحْتَلِمَ»، فعلم أن قبل الاحتلام بمجرد النبات لا يحكم ببلوغه، ولهذا لا يحكم بالزغب الضعيف، ولأنه نبات شعر فأشبه نبات سائر شعر الإنسان، ولأن البلوغ عبارة عن بلوغ الإنسان كمال الحال، وذلك بكمال القوة، والقوة من حيث الأسباب والآلات استعمال الجوارح وارتفاع الموانع، وذا لا يتحقق على الكمال إلا عند الاحتلام، إذ استعمال سائر الجوارح ثابت، إلا استعمال هذه الآلة فيما وضع له، وهو قضاء الشهوة على الكمال، وكمالها بالإنزال.
وما روى الخصم يمكن أن يكون قبل هذا الحديث، أو ألحقه بالمقاتلة باعتبار قتالهم، إذ في بعض ألفاظ الحديث فقتل من جرت عليه المواسي، وفي بعضها اخضر إزاره، ومعلوم أنه لا يبلغ هذا الحال إلا بعد البلوغ.
وفي هذا الحديث رجل مجهول لا يعرف إلا بهذا الخبر، مع أن الحديث يعارضه وهو قوله ﵊: «حَتّى يَحْتَلِمَ»، وأثر عمر يدل على أخذ الجزية ممن جرت به المواسي، وذلك يكون في الغالب بعد البلوغ، وأما قولهم: إنه يلازمه البلوغ غير مُسَلّم، فإنه قد يكون بدون البلوغ كما في الزغب الضعيف، فإذا لم توجد هذه العلامات يعتبر السن.
فعند أبي حنيفة حتى يتم الغلام ثماني عشرة سنة، وعن أبي حنيفة في
стр. 6209
الحَبَلِ، فَجُعِلَ كُلُّ ذَلِكَ عَلَامَةَ البُلُوغِ، وَأَدْنَى المُدَّةِ لِذَلِكَ فِي حَقِّ الغُلَامِ اثْنَتَا عَشْرَةَ سَنَةٌ، وَفِي حَقِّ الجَارِيَةِ تِسْعُ سِنِينَ. وَأَمَّا السِّنُّ: فَلَهُمْ العَادَةُ الفَاشِيَةُ
الغلام تسعة عشر سنة (١)، وفي الجارية حتى تتم سبع عشرة سنة. (وهو قول الشافعي) (٢) أي: قولهما قول الشافعي وأحمد، وعليه الفتوى. وقال داود: لا حد للبلوغ من السن؛ لقوله ﵊: «رُفِعَ القَلَمُ عَنِ الصَّبيّ حتّى يَحْتَلِمَ»، وإثبات البلوغ بغيره يخالف الخبر وهذا قول مالك وقال أصحاب مالك بسبع عشرة سنة أو ثماني عشرة كقول أبي حنيفة.
قوله: (ثماني عشرة (٣) سنة) (٤) بفتح العددين للتركيب، وحذف التاء من ثمانية وإثباتها في عشرة، وتكسر الشين في عشرة وتسكن، وكذلك في سبع عشرة. وفي ذيل المغرب: إذا جاوزت العشرة أسقطنا التاء من العشرة في المذكر، وأثبتناها في المؤنث، وكسرت الشين وأسكنتها، وما ضممت إلى العشرة باق على حاله أي: يثبت التاء في المذكر، ويسقطها في المؤنث، إلا الواحد يقول في المذكر: أحد عشر، وفي المؤنث أحد عشرة، وفي الثاني والثانية والعاشر والعاشرة عادوا إلى الأصل، يقولون في المذكر الثاني عشر، والتاسع عشر، وفي المؤنث: الثانية عشرة، والتاسعة عشرة، [يبني] (٥) الاسمين على الفتح، فعلى هذا القياس يجب أن يقال في قوله.
وقيل: المراد أن يطعن في التاسعة عشرة، إذ التمييز فيه السنة، فكان التمييز مؤنثا إلا إذا أريد بها العدد أي عدد السنين فحينئذ يجوز أن يقال في تاسع عشر. (وعنه) (٦) أي:: عن أبي حنيفة.
قوله: (ولهم) أي: لأبي يوسف، ومحمد، وأحمد، والشافعي: (العادة الفاشية) أي: الغالبة، أن العلامات تظهر في هذه المدة، فجعلناها علامة للبلوغ. ولأنه روي أن ابن عمر قال: عُرِضْتُ على النبي ﵊ يوم
стр. 6210
أَنَّ البُلُوغَ لَا يَتَأَخَّرُ فِيهِمَا عَنْ هَذِهِ المُدَّةِ. وَلَهُ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ … ﴾ [الإسراء: ٣٤] وَأَشُدُّ الصَّبِيِّ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ سَنَةٌ، هَكَذَا قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَتَابَعَهُ القُتَبِيُّ، وَهَذَا أَقَلُّ مَا قِيلَ فِيهِ، فَيُبْنَى الحُكْمُ عَلَيْهِ لِلتَّيَقُنِ بِهِ، غَيْرَ أَنَّ الإِنَاثَ نُشُوقُهُنَّ وَإِدْرَاكُهُنَّ أَسْرَعُ فَنَقَصْنَا فِي حَقِّهِنَّ سَنَةً لِاشْتِمَالِهَا عَلَى الفُصُولِ الْأَرْبَعَةِ الَّتِي يُوَافِقُ وَاحِدٌ مِنْهَا المِزَاجَ لَا مَحَالَةَ.
قَالَ: (وَإِذَا رَاهَقَ الغُلَامُ، أَوْ الجَارِيَةُ الحُلُمَ، وَأَشْكَلَ أَمْرُهُ فِي البُلُوغ، فَقَالَ:
أحد وأنا ابن أربع عشرة سنة فلم يقبلني، ولم يرني بلغت وعرضت عليه ﵊ يوم الخندق وأنا ابن خمس عشرة سنة فقبلني، ورآني بلغت.
وعن أنس أنه ﵊ قال: إذا استكمل المولود خمس عشرة سنةً كُتِبَ ما لَهُ وما عليه، وأُقيمَتْ عَلَيْهِ الحُدودُ (١).
قلنا: لا دلالة في حديث ابن عمر؛ لأنه ﵊ لم يسأله عن الاحتلام، ولا عن السن، وإنما اعتبر قوته وضعفه، ومعنى قوله رآني بلغت أي في القوة إلى حد القتال.
وحديث أنس غريب، فلم يعارض ظاهر الآية، والحديث المشهور وهو قوله «حتى يحتلم» اذ ظاهر قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنكُمْ﴾ [النور: ٥٨] ينفي أن يكون مدة البلوغ خمس عشرة سنة، وكذا الآية المذكورة في المتن.
قوله: (وهذا أقل ما قيل) أي: قول ابن عباس أقل ما قيل فيه.
فإن بعض السلف قال: أقله اثنان وعشرون سنة، فإنه حينئذ يصير جَدًّا فاسدًا، كما قلنا. وعن عمر: أقله خمس وعشرون سنة.
(فيبنى الحكم عليه) أي: على الأقل؛ لأنه هو المتيقن.
قوله: (لاشتمالها) أي: لاشتمال السنة على الفصول الأربعة، يعني زيادة سنة في حق الغلام؛ ليوافق فصلا من الفصول فيستوي مزاجه.
قوله: (وإذا راهق) أي: قرب ودنا، يقال: راهقه رهقا أي: دنا منه، كذا
стр. 6211
قَدْ بَلَغْتُ، فَالقَوْلُ قَوْلُهُ، وَأَحْكَامُهُ أَحْكَامُ البَالِغِينَ) لِأَنَّهُ مَعْنَى لَا يُعْرَفُ إِلَّا مِنْ جِهَتِهِمَا ظَاهِرًا، فَإِذَا أَخْبَرَا بِهِ وَلَمْ يُكَذِّبْهُمَا الظَّاهِرُ قُبِلَ قَوْلُهُمَا فِيهِ، كَمَا يُقْبَلُ قَوْلُ المَرْأَةِ فِي الحَيْضِ.
بَابُ الحَجْرِ بِسَبَبِ الدَّيْنِ
(قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا أَحْجُرُ فِي الدَّيْنِ، وَإِذَا وَجَبَتْ دُيُونٌ عَلَى رَجُلٍ وَطَلَبَ غُرَمَاؤُهُ حَبْسَهُ وَالحَجْرَ عَلَيْهِ: لَمْ أَحْجُرْ عَلَيْهِ) لِأَنَّ فِي الحَجْرِ إِهْدَارَ أَهْلِيَّتِهِ، فَلَا يَجُوزُ لِدَفْعِ ضَرَرٍ خَاصٌ.
(فَإِنْ كَانَ لَهُ مَالٌ لَمْ يَتَصَرَّفْ فِيهِ الحَاكِمُ) لِأَنَّهُ نَوْعُ حَجْرٍ، وَلِأَنَّهُ تِجَارَةٌ لَا عَنْ تَرَاضِ، فَيَكُونُ بَاطِلًا بِالنَّصِّ وَلَكِنْ يَحْبِسُهُ أَبَدًا حَتَّى يَبِيعَهُ فِي دَيْنِهِ إِيفَاءً لِحَقِّ
في المغرب. وَأَدْنَى السن الذي يعتبر قوله بالبلوغ اثني عشرة سنة، وفي حق الجارية تسع سنين، كذا في فتاوي قاضي خان، وفتاوى الظهيرية.
بَابُ الْحَجْرِ بِسَبَبِ الدَّيْنِ
وإنما أخر هذا الحجر من حجر السفيه؛ لأن هذا الحجر موقوف على طلب الغرماء، فيكون فيه وصف زائد يتوقف الحجر بعد المشاركة في سببية الحجر.
الكلام في هذا الحجر في موضعين: أحدهما: أن من ركبه الديون، وليس في ماله وفاء به، وخيف أن يلجئ ماله بطريق الإقرار، أو ببيع التلجئة، وطلب الغرماء من القاضي الحجر عليه لا يحجر عليه عند أبي حنيفة.
وقال أبو يوسف، ومحمد، والشافعي، ومالك، وأحمد: يحجر عليه. والثاني: أنه لا يباع على المديون ماله في قول أبي حنيفة، خلافا لهم العروض والعقار فيه سواء عنده، إلا مبادلة أحد النقدين بالآخر، فللقاضي أن يفعل ذلك عنده استحسانا؛ لقضاء دينه، كذا في المبسوط.
وفي الذخيرة: قال بعض مشايخنا: مسألة الحجر بسبب الدين بناء على مسألة القضاء بالإفلاس؛ لأن من شرط صحة الحجر على المديون القضاء
стр. 6212
الغُرَمَاءِ، وَدَفْعًا لِظُلْمِهِ (وَقَالَا: إِذَا طَلَبَ غُرَمَاءُ المُفْلِسِ الحَجْرَ عَلَيْهِ، حَجَرَ القَاضِي عَلَيْهِ، وَمَنَعَهُ مِنْ البَيْعِ وَالتَّصَرُّفِ وَالإِقْرَارِ حَتَّى لَا يَضُرَّ بِالغُرَمَاءِ) (*) لِأَنَّ الحَجْرَ عَلَى السَّفِيهِ إِنَّمَا جَوَّزَاهُ نَظَرًا لَهُ، وَفِي هَذَا الحَجْرِ نَظَرٌ لِلْغُرَمَاءِ، لِأَنَّهُ عَسَاهُ يُلْجِيُّ مَالَهُ فَيَفُوتُ حَقَّهُمْ، وَمَعْنَى قَوْلِهِمَا: وَمَنَعَهُ مِنْ البَيْعِ أَنْ يَكُونَ بِأَقَلَّ مِنْ ثَمَنِ المِثْلِ، أَمَّا
بإفلاسه أولا، ثم الحجر بناء عليه، ولهذا لا يصح حجره من غير القضاء بإفلاسه بالإجماع، والإفلاس لا يتحقق عنده حال حياته؛ لأن مال الله غاد ورائح.
وقال بعضهم: هذه مسألة ابتدائه، فعلى هذا القول المانع من الحجر عنده تضمنه إلحاق الضرر بالمحجور لا تعلق له بالقضاء بالإفلاس. لهم حديث معاذ روى الدارقطني عن كعب بن مالك، عن أبيه: أن رسول الله ﵊ حجر على معاذ ماله في دين كان عليه.
وعن عبد الرحمن بن كعب قال: كان معاذ شابا سخيًا، وكان لا يمسك شيئًا، فلم يزل يُدان حتى أغرق ماله في الدين، فأتى غرماؤه النبي ﵊ فكلمهم، فلو تُرِكَ أحدٌ لِأَجْلِ أَحَدٍ لَتُرِكَ معاذ لأَجْلِ رَسولِ اللهِ ﷺ ، فباع رسول الله ﷺ ماله حتى قام معاذ بغير شيء.
قال بعض أهل العلم: إنما لم يترك الغرماء لمعاذ حين كلمهم النبي ﵊؛ لأنهم كانوا يهودًا، ولأن في حَجْرِهِ نظرا للغرماء، فكما يحجر نظرا له لسفهه، فكذا يحجر عليه نظرًا للمسلمين، ولأنه امتنع عن إيفاء حق مستحق عليه، إذ بيع ماله بقضاء دينه مستحق عليه، بدليل أنه يحبس إذا امتنع منه، وهو مما تجري فيه النيابة، فناب القاضي منابه، كما في الذمي إذا أسلم عبده وأبى أن يبيعه، باعه القاضي عليه، وكما في العنين أو المجنون إذا أبي أن يفارق امرأته، ناب القاضي منابه.
قوله: (لأنه) أي: المفلس المديون (عساه يلجئ ماله) أي: ببيع تلجئة من عظيم، لا يمكن الانتزاع من يده، أو يقرُّ له بماله (فيفوت حقهم) أي: حق الغرماء، وله أن في الحجر عليه إهدار أقواله، وإلحاقه بالبهائم، فلا يجوز لدفع
стр. 6213
البَيْعُ بِثَمَنِ المِثْلِ لَا يُبْطِلُ حَقَّ الغُرَمَاءِ وَالمَنْعُ لِحَقِّهِمْ فَلَا يُمْنَعُ مِنْهُ. قَالَ: (وَبَاعَ مَالَهُ إِنْ امْتَنَعَ المُفْلِسُ مِنْ بَيْعِهِ، وَقَسَمَهُ بَيْنَ غُرَمَائِهِ بِالحِصَصِ عِنْدَهُمَا) لِأَنَّ البَيْعَ مُسْتَحَقُّ عَلَيْهِ لِإِيفَاءِ دَيْنِهِ حَتَّى يُحْبَسَ لِأَجْلِهِ، فَإِذَا امْتَنَعَ نَابَ القَاضِي مَنَابَهُ كَمَا فِي الجَبِّ وَالعِنَّةِ. قُلْنَا: التَّلْجِنَّةُ مَوْهُومَةٌ، وَالمُسْتَحَقُّ قَضَاءُ الدَّيْنِ، وَالبَيْعُ لَيْسَ بِطَرِيقِ مُتَعَيِّنِ لِذَلِكَ، بِخِلَافِ الجَبِّ وَالعِنَّةِ
ضرر خاص، ولا يجوز بيع ماله بغير رضاه؛ لأنه نوع حجر؛ لأن بيع ماله غير مستحق لقضاء الدين لإمكان أدائه بوجه آخر، فلا يكون للقاضي أن يباشر ذلك عليه عند امتناعه كما في الإجارة والتزويج، إذ يمكنه قضاؤه بالاستقراض والاستيهاب، ولأن بيع ماله بغر رضاه تجارة عن غير تراض، فيكون باطلا؛ لقوله تعالى: ﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَرَةً عَنْ تراض﴾ [النساء: ٢٩].
وقال ﵇: «لَا يَحِلُّ مالُ امرئ مسلم إلا بطيبة نفسٍ مِنهُ» (١) ونفسه لا تطيب ببيع القاضي ماله عليه، فلا ينبغي له أن يفعله، ولكن يحبسه حتى يبيع في دينه إبقاء لحق الغرماء، ودفعا (للظلمة) (٢) الذي تحقق بالامتناع عن قضاء الدين منه.
والحبس للدين مشروع بالإجماع، وأما حديث معاذ حكاية حال، فيحتمل أن يكون برضاه، مع أن حديثه مرسل، وهو ليس بحجة عند الخصم.
وأما خوف التلجئة فموهوم، فلا يجعل كالمتحقق، ثم الضرورة في إهدار قوله متحقق فلا يعارضه الموهوم، وهذا معنى قوله: (قلنا: التلجئة موهومة) إلى آخره.
قوله: (بخلاف الجَبِّ والعِنَّةِ) (٣) فإن التفريق متعين هناك؛ لأنه لم يمكنه
стр. 6214
وَالحَبْسُ لِقَضَاءِ الدَّيْنِ بِمَا يَخْتَارُهُ مِنْ الطَّرِيقِ، كَيْفَ وَلَوْ صَحَ البَيْعُ كَانَ الحَبْسُ إِضْرَارًا بِهِمَا بِتَأْخِيرِ حَقِّ الدَّائِنِ وَتَعْذِيبِ المَدْيُونِ فَلَا يَكُونُ مَشْرُوعًا. قَالَ: (وَإِنْ كَانَ دَيْنُهُ دَرَاهِمَ، وَلَهُ دَرَاهِمُ: قَضَى القَاضِي بِغَيْرِ أَمْرِهِ وَهَذَا بِالإِجْمَاعِ، لِأَنَّ لِلدَّائِنِ حَقَّ الأَخْذِ مِنْ غَيْرِ رِضَاهُ، فَلِلْقَاضِي أَنْ يُعِينَهُ وَإِنْ كَانَ دَيْنُهُ دَرَاهِمَ وَلَهُ دَنَانِيرُ، أَوْ عَلَى ضِدٌ ذَلِكَ: بَاعَهَا القَاضِي فِي دَيْنِهِ)
الإمساك بالمعروف، فناب القاضي منابه، أما هاهنا لقضاء الدين، فإنه يمكنه الاستقراض، والاستيهاب، وسؤال الصدقة من الناس، فلا يكون للقاضي تعيين هذه الجهة عليه بمباشرة بيع ماله، وكذا إخراج العبد المسلم عن ملك الذمي مستحق عليه بالبيع، فينوب القاضي منابه.
قوله: (والحبس لقضاء الدين) إلى آخره، جواب عن قولهما: حتى يحبس بالرفع، وليست حتى للغاية، بل الحبس ثابت مطلقا، يعني الحبس ليس لبيع ماله لقضاء الدين، بل الحبس لأجل أن يختار قضاء دينه بأي شيء كان من البيع والاستقراض والاستيهاب وسؤال الصدقة، فكان في جواز الحبس أقوى دليل لأبي حنيفة؛ لأن العلماء لما اتفقوا على جواز الحبس في الدين، يعلم أن ليس للقاضي ولاية بيع ماله؛ لأنه لو جاز لكان الاشتغال بالحبس إضرارًا بالغرماء بتأخر حقهم بغير حاجة، وتعذيب المديون بلا فائدة، فلا يكون مشروعًا، فكان جواز الحبس دليلًا واضحًا على عدم جواز بيع القاضي ماله، وهذا من أحاسن القلب، حيث جعل دليل الخصم دليل نفسه عليهم، كذا في المبسوط.
قوله: (بأقل من المثل) (١) حتى لو باع بأقل من ثمن المثل يخير المشتري بين إزالة الغبن وبين الفسخ، ولو باع من الغريم بثمن المثل، وجعل الثمن له بالدين، إن كان الغريم واحدًا يجوز، كما في المقاصة، وإلا يجوز البيع بثمن المثل كالأجنبي، ولا يجوز المقاصة لتعلق الغير به، ولو قضى دين بعض
стр. 6215
وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ اسْتِحْسَانُ. وَالقِيَاسُ: أَنْ لَا يَبِيعَهُ كَمَا فِي العُرُوضِ، وَلِهَذَا لَمْ يَكُنْ لِصَاحِبِ الدَّيْنِ أَنْ يَأْخُذَهُ جَبْرًا. وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ: أَنَّهُمَا مُتَّحِدَانِ فِي الثَّمَنِيَّةِ وَالمَالِيَّةِ مُخْتَلِفَانِ فِي الصُّورَةِ، فَبِالنَّظَرِ إِلَى الاتِّحَادِ يَثْبُتُ لِلْقَاضِي وِلَايَةُ التَّصَرُّفِ، وَبِالنَّظَرِ إِلَى الاخْتِلَافِ يُسْلَبُ عَنْ الدَّائِنِ وِلَايَةُ الأَخْذِ عَمَلًا بِالشَّبَهَيْنِ، بِخِلَافِ العُرُوضِ، لِأَنَّ الغَرَضَ يَتَعَلَّقُ بِصُوَرِهَا وَأَعْيَانِهَا، أَمَّا النُّقُودُ فَوَسَائِلُ فَافْتَرَقَا
الغرماء به، لا يملك فيه تخصيصه بقضاء دينه، وأنه محجور عنه كما في المريض مرض الموت، كذا في الذخيرة.
قوله: (وهذا عند أبي حنيفة استحسان) خص أبا حنيفة؛ لأن الشبهة ترد على قوله: (أنهما متحدان في الثمنية)، فإنهما خلقا للثمنية والمالية، ولهذا يضم أحدهما إلى الآخر في حكم الزكاة، ولو كان ماله من جنس الدين صورة كالدراهم كان للقاضي أن يقضي دينه، فكذا إذا كان من جنسه معنى.
وقوله: (بالنظر إلى الاختلاف) إلى آخره جواب سؤال يرد عليه، فإذا كان متحدا معنى ينبغي أن يكون لرب الدين أخذه متى ظفر به من غير قضاء، كما لو ظفر بجنس حقه، وبالإجماع ليس له ذلك فقال: هما جنسان: صورة، وحقيقة، ولهذا لا يجرى بينهما ربا الفضل للاختلاف، فبالنظر إلى الاتحاد يثبت للقاضي ولاء التصرف.
ولهذا جعل ابن أبي ليلى أن يأخذ رب الدين أحد النقدين بالآخر من غير قضاء ولا رضى، فجعلنا للقاضي ولاية الاجتهاد هنا في مبادلة أحد النقدين بالآخرين لقضاء الدين، ولا يوجد هذا المعنى في سائر الأموال، وفيه إضرار بالمديون؛ لإبطال حقه من عين ملكه في الأعيان، وللقاضي ولاية النظر للغرماء على وجه لا يلحق الضرر فوقه على المديون، بخلاف النقدين لما ذكرنا من الاتحاد، وبالنظر إلى الاختلاف حقيقة يسلب عن رب الدين ولاية الأخذ عملا بالشبهتين، ولم يعكس؛ لأنه حينئذ يلزم ترك الأخذ بأحد الشبهتين؛ لأن ولاية القاضي أعم وأقوى، فلو ثبت للغريم ولاية الأخذ مع قصور ولايته فيثبت للقاضي أيضًا لقوته أولى.
стр. 6216
(وَيُبَاعُ فِي الدَّيْنِ النُّقُودُ،
قوله: (ويباع في الدين النقود) إلى آخره، في الذخيرة: فعلى قولهما يبيع القاضي ماله، ولكن يبدأ بدنانيره إذا كان الدين دراهم، فإن فضل الدين عن ذلك يبيع العروض أولا لا العقار؛ لأن العروض معدة للتلف، والتصرف، والاسترباح عليه، فلا يلحقه كبير ضرر في بيعه وإن لم يف، فحينئذ يبيع العقار، وأما بدون ذلك فلا يبيعه؛ لأن العقار أعد للاقتناء، فيلحقه ضرر كبير، وهذا الذي ذكره رواية عنهما، وفي رواية يبدأ القاضي ببيع ما يخشى عليه التلف من عروضه، ثم يبيع ما لا يخشى عليه التلف، ثم يبيع العقار.
فالحاصل: أن القاضي نصب ناظرًا، فينبغي أن ينظر للمديون فيبيع ما كان أنظر له، وبيع ما يخشى عليه التلف أنظر، ثم قال: إذا كان للمديون ثياب يلبسها، ويمكنه أن يجتزئ بدون ذلك يبيع ثيابه، ويشتري بثمنه ثوبا يلبسه، وما فضل يقضي دينه؛ لأن ذلك للتجمل، وقضاء الدين فرض عليه، وعلى هذا لو كان له مسكن ويمكنه أن يجتزئ بما دون ذلك يبيع المسكن ويشتري بثمنه ما يجتزئ، وما فضل يقضي دينه ولا تباع داره التي لا غنى له عن سكناها، وبه قال أحمد.
وقال الشافعي، ومالك: تباع، ويستأجر من ثمنه مسكنا له، ويقضي بالفضل دينه لما روي أنه ﵊ قال في الذي في ثمار ابتاعها (١)، فكثر دينه فقال لغرمائه: «خُذُوا ما وَجَدْتُم» (٢)، وهذا مما وجدوه، ولأنه عين مال المفلس، فوجب صرفه في ديونه كسائر أمواله.
وقلنا هذا مما لا غنى للمفلس عنه، فلم يصرف في دينه كثيابه وقوته.
والحديث قضية في عين يحتمل أنه لم يكن عقارًا ولا خادمًا، ويحتمل أنه ﵊ [قال] (٣) «خُذُوا مَا وَجَدْتُم» مما تصدق به عليه، فإنه المذكور قبل ذلك، فقد روي أنه ﵊ قال: «تَصَدَّقُوا عَلَيْهِ»
стр. 6217
ثُمَّ العُرُوض، ثُمَّ العَقَارُ، يُبْدَأُ بِالأَيْسَرِ فَالأَيْسَرِ) لِمَا فِيهِ مِنْ المُسَارَعَةِ إِلَى قَضَاءِ الدَّيْنِ مَعَ مُرَاعَاةِ جَانِبِ المَدْيُونِ (وَيُتْرَكُ عَلَيْهِ دَسْتُ مِنْ ثِيَابِ بَدَنِهِ، وَيُبَاعُ البَاقِي) لِأَنَّ بِهِ كِفَايَةٌ، وَقِيلَ: دَسْتَانِ وَهُوَ اخْتِيَارُ شَمْسِ الأَئِمَّةِ الحَلْوَانِيِّ، لِأَنَّهُ إِذَا غَسَلَ ثِيَابَهُ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ مَلْبَسٍ.
قَالَ: (فَإِنْ أَقَرَّ فِي حَالِ الحَجْرِ بِإِقْرَارٍ: لَزِمَهُ ذَلِكَ بَعْدَ قَضَاءِ الدُّيُونِ)، لِأَنَّهُ تَعَلَّقَ بِهَذَا المَالِ حَقُّ الأَوَّلِينَ، فَلَا يَتَمَكَّنُ مِنْ إِبْطَالِ حَقِّهِمْ بِالْإِقْرَارِ لِغَيْرِهِمْ، بِخِلَافِ الاسْتِهْلَاكِ، لِأَنَّهُ مُشَاهَدٌ لَا مَرَدَّ لَهُ (وَلَوْ اسْتَفَادَ مَالًا آخَرَ بَعْدَ الحَجْرِ: نَفَذَ إِقْرَارُهُ
فتصدقوا عليه، فلم يبلغ ذلك وفاء دينه، فقال ﵊ «خُذُوا مَا وَجَدْتُم» (١) أي ما تصدق به عليه.
والظاهر: أنه لم يتصدق عليه بدار هو محتاج إلى سكناها، ولا خادم هو محتاج إلى خدمته، ولا الحديث مخصوص بثيابه وقوته، فيقيس عليه محل النزاع، وقياسهم ينتفض بذلك أيضًا.
وعن هذا قال مشايخنا: إنه يبيع ما لا يحتاج إليه في الحال كاللبد في الصيف، والنطع في الشتاء، ذكره في الخلاصة، والمنية أيضًا، ولا يعلم فيه خلاف.
وفي شرح الطحاوي: لو باع القاضي أو أمينه مال المديون، فالعهدة على المطلوب لا على القاضي وأمينه حتى لو استحق المبيع، فإنه يرجع بالثمن على المطلوب لا على القاضي وأمينه (٢).
وقال الشافعي، وأحمد على المديون، وقال مالك: على الغرماء إن كان الثمن جنس حقهم، وإلا على المديون.
قوله: (بخلاف الاستهلاك) حيث يصير المتلف عليه أسوة للغرماء بلا خلاف؛ لأن الحجر لا يصح في الفعل الحسي؛ لأنه لا مرد له.
وفي الذخيرة: لو كان سبب الدين ثابتًا عند القاضي بعلمه، أو بالشهادة بأن شهدوا على استقراضه، أو شرائه بمثل القيمة شارك الغرماء.
стр. 6218
فِيهِ) لِأَنَّ حَقَّهُمْ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ لِعَدَمِهِ وَقْتَ الحَجْرِ.
قَالَ: (وَيُنْفَقُ عَلَى المُفْلِسِ مِنْ مَالِهِ وَعَلَى زَوْجَتِهِ وَوَلَدِهِ الصِّغَارِ وَذَوِي أَرْحَامِهِ مِمَّنْ يَجِبُ نَفَقَتُهُ عَلَيْهِ) لِأَنَّ حَاجَتَهُ الأَصْلِيَّةَ مُقَدَّمَةٌ عَلَى حَقِّ الغُرَمَاءِ، وَلِأَنَّهُ حَقٌّ ثَابِتٌ لِغَيْرِهِ فَلَا يُبْطِلُهُ الحَجْرُ، وَلِهَذَا لَوْ تَزَوَّجَ امْرَأَةٌ كَانَتْ فِي مِقْدَارِ مَهْرِ مِثْلِهَا أُسْوَةٌ لِلْغُرَمَاءِ. قَالَ: (فَإِنْ لَمْ يُعْرَفْ لِلْمُفْلِسِ مَالٌ، وَطَلَبَ غُرَمَاؤُهُ حَبْسَهُ، وَهُوَ يَقُولُ: لَا مَالَ لِي، حَبَسَهُ
وعند الشافعي: لو أقر بدين لزمه قبل الحجر يلزمه في الأصح، وفي قول لا يلزمه، وهو قول مالك، وأحمد، وأبي يوسف، ومحمد.
وتصرفات المحجور من بيع أو هبة أو عتق لا تصح عند الشافعي في الأصح، وبه قال مالك، وأحمد في غير العتق، وفي قول تصح، ويكون موقوفا.
فإن قضى ديونه من غير نقض التصرف نفذ تصرفه، وإلا يفسخ منها الأضعف فالأضعف يبدأ بالهبة، ثم بالبيع، ثم بالعتق.
وعند أحمد، وأبي يوسف، يصح عتقه؛ لأنه صدر عن مالك رشيد، ولا يقبل الفسخ.
وقال أحمد في رواية: لا يصح كالبيع والهبة، وما فعله قبل الحجر يصح بلا خلاف.
قوله: (ويُنْفَقُ) على بناء المفعول (أي المفلس) المحجور المديون، (وعلى زوجته إلى آخره ولا يعلم فيه خلاف لأحد، وكذا كسوتهم.
لأنه حق ثابت لغيره) أي: لغير المفلس، وهو من تجب نفقته عليه فلا يبطله الحجر.
قوله: (حبسه) اعلم أن من وجب عليه دين حال فطولب به، ولم يؤده نظر الحاكم فإن كان له مال ظاهر أمره بالقضاء، وإن لم يكن له مال ظاهر وادعى الإعسار إن صدقه غريمه لم يحبس به، ووجب إنظاره لقوله تعالى: ﴿فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَة﴾ [البقرة: ٢٨٠] فإن لم يصدقه غريمه، أما إن عرف له مال أو لا، فإن عرف
стр. 6219
الحَاكِمُ فِي كُلِّ دَيْنِ التَزَمَهُ بِعَقْدِ كَالمَهْرِ وَالكَفَالَةِ) وَقَدْ ذَكَرْنَا هَذَا الفَصْلَ بِوُجُوهِهِ فِي كِتَابِ أَدَبِ القَاضِي مِنْ هَذَا الكِتَابِ، فَلَا نُعِيدُهَا، إِلَى أَنْ قَالَ: وَكَذَلِكَ إِنْ أَقَامَ البَيِّنَةَ أَنَّهُ لَا مَالَ لَهُ، يَعْنِي خَلَّى سَبِيلَهُ لِوُجُوبِ النَّظِرَةِ إِلَى المَيْسَرَةِ، وَلَوْ مَرِضَ فِي الحَبْسِ يَبْقَى فِيهِ إِنْ كَانَ لَهُ خَادِمٌ يَقُومُ بِمُعَالَجَتِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَخْرَجَهُ تَحَرُّزًا عَنْ هَلَاكِهِ، وَالمُحْتَرِفُ فِيهِ لَا يُمَكِّنُ مِنْ الاشْتِغَالِ بِعَمَلِهِ، هُوَ الصَّحِيحُ،
ماله، وثبت الدين بالمعاوضة حبسه، وإن لم يعرف وأقام بينة على إعساره وجب إنظاره، لما تلونا.
قال ابن المنذر: أكثر العلماء وفقهاء الأمصار يرون الحبس في الدين إلا عمر بن عبد العزيز، والليث بن سعد، وعبيد الله بن جعفر، ولا يحبس ويقسم ماله، إن كان وقد مر هذا الفصل بوجهه في كتاب القضاء ثم إقامة البينة على الإعسار مقبولة.
وبه قال الشافعي، وأحمد، إن كان الشاهد أهل خبرة ومخالطة.
وقال مالك: لا تقبل البينة على الإعسار؛ لأنه شهادة على النفي.
وقلنا: إن الشهادة على النفي إنما لم تقبل إذا لم تكن في ضمن حق.
قوله: (تحرزا عن الهلاك) لأنه لا يجوز الإهلاك لمكان الدين، ألا ترى أنه لو توجه إليه الهلاك بالمخمصة كان له أن يدفعه بمال الغير، فكيف يجوز إهلاكه لأجل مال الغير؟
وعن أبي يوسف: لا يخرجه أيضًا؛ لأن الهلاك لو كان بسبب المرض وأنه في الحبس وغيره سواء.
وقوله: (وهو الصحيح) احتراز عما قال بعض مشايخنا: لا يمنع من الاكتساب فيه.
وبه قال الشافعي في الأصح؛ لأن فيه نظرًا للجانبين؛ لأن نفقته ونفقة عياله عليه، فيمكن من الكسب.
وقال الخصاف: الأصح أنه يمنع منه، وبه قال الشافعي في قول، ليضجر
стр. 6220
لِيَضْجَرَ قَلْبُهُ فَيَنْبَعِثَ عَلَى قَضَاءِ دَيْنِهِ، بِخِلَافِ مَا إِذَا كَانَتْ لَهُ جَارِيَةٌ وَفِيهِ مَوْضِعُ يُمْكِنُهُ فِيهِ وَطْؤُهَا لَا يُمْنَعُ عَنْهُ، لِأَنَّهُ قَضَاءُ إِحْدَى الشَّهْوَتَيْنِ فَيُعْتَبَرُ بِقَضَاءِ الأُخْرَى. قَالَ: (وَلَا يَحُولُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غُرَمَائِهِ بَعْدَ خُرُوجِهِ مِنْ الحَبْسِ، بل يُلَازِمُونَهُ وَلَا يَمْنَعُونَهُ مِنْ التَّصَرُّفِ وَالسَّفَرِ) لِقَوْلِهِ ﵊: «لِصَاحِبِ الحَقِّ يَدٌ وَلِسَانُ» أَرَادَ بِاليَدِ المُلَازَمَةَ وَبِاللِّسَانِ التَّقَاضِيَ. قَالَ: وَيَأْخُذُونَ فَضْلَ كَسْبِهِ، يُقْسَمُ بَيْنَهُمْ بِالحِصَصِ لِاسْتِوَاءِ حُقُوقِهِمْ فِي القُوَّةِ (وَقَالَا: إِذَا فَلَّسَهُ الحَاكِمُ حَالَ بَيْنَ الغُرَمَاءِ
قلبه فيسارع إلى القضاء ولو لم يمنع منه لا يلحقه الضجر؛ لأن السجن حينئذ يصير له بمنزلة الحانوت، فلا يحصل المقصود، كذا في الذخيرة.
قوله: (يقسم بينهم بالحصص) هذا إذا أخذ أرباب الديون كسبه بغير اختياره، أو قسمه القاضي بغير اختياره، أما المديون لو أثر بعض غرمائه باختياره فله ذلك، ولهذا لو حبسوه بدينهم في مجلس القاضي فإذا كان المديون حاضرًا يقضي ديونهم بنفسه، وله أن يؤثر البعض على البعض، ولو كان غائبا فالقاضي يقسم بينهم بالحصص، وليس له أن يؤثر البعض على البعض عندنا، ذكره في الذخيرة، وفتاوى النسفي.
قوله: (وقالا) أي أبو يوسف، ومحمد (إذا فلسه الحاكم) يعني متى ثبت إعساره لم يمكن لأحد مطالبته وملازمته، وبه قالت الأئمة الثلاثة.
لأبي حنيفة قوله ﵊: «لِصَاحِبِ الحَقِّ»، الحديث.
ووجه التمسك به أن الحديث مطلق، فيتناول الزمان الذي بعد الإطلاق، والقضاء بالإفلاس لا يتحقق، فيكون معسرًا قطعًا، والآية تتناول المعسر قطعا، فلا يكون الحديث معارضًا للآية.
وهم يقولون: ليس لصاحب الحق بعد إعساره مطالبة بالنص، كما لو كان دينه مؤجلا.
قال في المغني لابن قدامة والحديث فيه مقال يحمل على الموسر، بدليل ما روي أنه ﵊ قال لغرماء الذي أصيب في ثمار ابتاعها فكثر دينه: «خُذوا مَا وَجَدْتُم وليسَ لَكُمْ إِلَّا ذَلِكَ» رواه مسلم، والترمذي.
стр. 6221
وَبَيِّنَهُ إِلَّا أَنْ يُقِيمُوا البَيِّنَةَ أَنَّ لَهُ مَالًا) (*) لِأَنَّ القَضَاءَ بِالإِفْلَاسِ عِنْدَهُمَا يَصِحُ، فَتَثْبُتُ العُسْرَةُ وَيَسْتَحِقُّ النَّظِرَةَ إِلَى المَيْسَرَةِ. وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀: لَا يَتَحَقَّقُ القَضَاءُ بِالإِفْلَاسِ، لِأَنَّ مَالَ اللَّهِ تَعَالَى غَادٍ وَرَائِحٌ، وَلِأَنَّ وُقُوفَ الشُّهُودِ عَلَى عَدَمِ المَالِ لَا يَتَحَقَّقُ إِلَّا ظَاهِرًا، فَيَصْلُحُ لِلدَّفْعِ لَا لِإِبْطَالِ حَقِّ المُلَازَمَةِ. وَقَوْلُهُ: «إِلَّا أَنْ يُقِيمُوا البَيِّنَةَ» إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ بَيِّنَةَ اليَسَارِ تَتَرَجَّحُ عَلَى بَيِّنَةِ الإِعْسَارِ، لِأَنَّهَا أَكْثَرُ إِثْبَاتًا، إِذْ الأَصْلُ هُوَ العُسْرَةُ. وَقَوْلُهُ فِي المُلَازَمَةِ: «لَا يَمْنَعُونَهُ مِنْ التَّصَرُّفِ وَالسَّفَرِ» دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يَدُورُ مَعَهُ أَيْنَمَا دَارَ وَلَا يُجْلِسُهُ فِي مَوْضِعِ، لِأَنَّهُ حَبْسٌ (وَلَوْ دَخَلَ دَارَهُ لِحَاجَتِهِ،
وفي كلامه نوع تأمل؛ لأنه ذكر قبل هذا أن ذلك فيما تصدق عليه إلى آخر ما ذكرنا.
قوله: (على بينة الإعسار) وفي بعض النسخ (على بينة اليسار) فاليسار اسم للإيسار من أيسر إذا استغنى والإعسار مصدر أعسر، أي: افتقر، واليسار (١) في معناه خطأ، كذا في المغرب (٢).
وقيل في جوابه: ذكر اليسار على طريق الازدواج، ويغير اللفظ عن موضوعه للازدواج كما ذكر في الكشاف في تقريره قوله تعالى: ﴿شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [المائدة: ٢] فقال: قد غَيَّروا كثيرًا من كلامهم عن قوانينه لأجل الازدواج.
قوله: (لأنه حبس) أي: إجلاسه في موضع حبس له، وليس له حبس الحق.
وعن محمد: للمدعي أن يجلسه في مسجد حيه، وإن شاء في بيته؛ لأنه ربما يطوف به في الأسواق والسكك من غير حاجة، فيتضرر به المدعي، وفي رواية منه يلازمه حيث أحب في المصر، ولو كان لا معيشة له إلا من كسبه لا يمنعه أن يسعى في مقدار قوته يومًا، فإذا حصل ذلك القدر في يومه فله منعه من الذهاب في ذلك ويحبسه.
стр. 6222
لَا يَتْبَعُهُ، بَلْ يَجْلِسُ عَلَى بَابِ دَارِهِ إِلَى أَنْ يَخْرُجَ) لِأَنَّ الإِنْسَانَ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ لَهُ مَوْضِعُ خَلْوَةِ، وَلَوْ اخْتَارَ المَطْلُوبُ الحَبْسَ وَالطَّالِبُ المُلَازَمَةَ فَالخِيَارُ إِلَى الطَّالِبِ، لِأَنَّهُ أَبْلَغُ فِي حُصُولِ المَقْصُودِ لِاخْتِيَارِهِ الأَضْيَقَ عَلَيْهِ، إِلَّا إِذَا عَلِمَ القَاضِي أَنْ يَدْخُلَ عَلَيْهِ بِالمُلَازَمَةِ ضَرَرٌ بَيِّنٌ بِأَنْ لَا يُمَكِّنَهُ مِنْ دُخُولِهِ دَارَهُ فَحِينَئِذٍ يَحْبِسُهُ دَفْعًا لِلضَّرَرِ عَنْهُ وَلَوْ كَانَ الدَّيْنُ لِلرَّجُلِ عَلَى المَرْأَةِ لَا يُلَازِمُهَا لِمَا فِيهَا مِنْ الخَلْوَةِ بِالأَجْنَبِيَّةِ، وَلَكِنْ يَبْعَثُ امْرَأَةً أَمِينَةٌ تُلَازِمُهَا.
قَالَ: (وَمَنْ أَفْلَسَ وَعِنْدَهُ مَتَاعٌ لِرَجُلٍ بِعَيْنِهِ: ابْتَاعَهُ مِنْهُ فَصَاحِبُ المَتَاعِ أُسْوَةٌ لِلْغُرَمَاءِ فِيهِ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: يَحْجُرُ القَاضِي عَلَى المُشْتَرِي بِطَلَبِهِ.
قوله: (لا يتبعه) وفي الذخيرة: هذا إذا لم يُعِدَّ له موضعا لغائط أو بول، فأما إذا أعدَّ موضعًا آخر له أن يمنعه عن الدخول في بيته، حتى لا يهرب من جانب آخر، وفي الأقضية: إذا كان عمل الملزوم سَقْيَ الماء ونحوه لا يمنعه من ذلك، إلا إذا كفاه نفقته ونفقة عياله، وهكذا في الدخول في البيت، كما ذكره في الذخيرة.
قوله: (لأنه أبلغ) أي: لأن ما اختاره الطالب من الملازمة أبلغ (في حصول المقصود) وهو قضاء الدين؛ لأن ملازمة من لا يجانسه أشد من كل شديد.
قوله: (ومن أفلس وعنده) أي: عند المفلس.
(ابتاعه منه) أي: اشتراه من ذلك الرجل (فصاحب المتاع أسوة للغرماء) أي: مساوٍ للغرماء (فيه) أي: في المتاع، وبه قال الحسن، والنخعي، وابن شبرمة.
(وقال الشافعي: يحجر القاضي على المشتري بطلبه) أي: بطلب البائع، إلا أن يشاركه، وبه قال مالك، وأحمد، والأوزاعي، وإسحاق، وأبو ثور، وابن المنذر.
وروي ذلك عن عثمان، وعلي، وأبي هريرة.
لهم حديث أبي هريرة أنه ﵊ قال: «مَنْ أدرك متاعَهُ بِعَيْنِهِ
стр. 6223
ثُمَّ لِلْبَائِعِ خِيَارُ الفَسْخِ، لِأَنَّهُ عَجَزَ المُشْتَرِي عَنْ إِيفَاءِ الثَّمَنِ فَيُوجِبُ ذَلِكَ حَقَّ الفَسْخِ كَعَجْزِ البَائِعِ عَنْ تَسْلِيمِ المَبِيعِ، وَهَذَا لِأَنَّهُ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ، وَمِنْ قَضِيَّتِهِ المُسَاوَاةُ وَصَارَ كَالسَّلَمِ. وَلَنَا: أَنَّ الإِفْلَاسَ يُوجِبُ العَجْزَ عَنْ تَسْلِيمِ العَيْنِ، وَهُوَ غَيْرُ مُسْتَحَقٍّ بِالعَقْدِ،
عِنْدَ إنسانٍ قَدْ أَفلس فهوَ أَحَقُّ بِهِ» متفق عيله (١).
وقد روي هذا الحديث في غير هذا الوجه بألفاظ غير ما ذكر في حديث أبي هريرة، فذكروا عن عبد الرحمن بن أبي بكر (٢) أنه ﵊ قال: «أيما رجل ابتاع مَتَاعًا، وأفلسَ الذِي ابْتَاعَهُ، وَلَمْ يقبض الذي باعَهُ مِنْ ثمنه شيئًا، فوجدهُ بِعَيْنِهِ فَهُوَ أَحقُّ بِهِ، فإن ماتَ المُشتري فصاحِبُ المَتاعِ أُسْوَةٌ لِلغُرَماءِ» (٣)، ولأن المشتري عجز عن تسليم أحد بدلي العقد وهو الثمن، فيثبت حق الفسخ للبائع، كما لو عجز البائع عن تسليم المبيع بالإباق ونحوه، والجامع بينهما أنه عقد معاوضة، فيقتضي المساواة، وصار كالسلم، فإن المسلم فيه دين كالثمن، وإذا انقطع المسلم فيه يثبت خيار الفسخ لرب السلم كذا هنا.
ولهذا لو كسدت فلوس الثمن يبطل البيع عندكم للعجز عن الثمن، وكذا المكاتب لو عجز يفسخ العقد؛ لعجز البدل فكذا بعجز الثمن.
ولنا قوله تعالى: ﴿فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠] والمشتري حين أفلس بالثمن فقد استحق النظرة شرعًا، ولو أجله البائع لم يكن له حق الفسخ قبل مضي الأجل، فكذا إذا صار منظرًا بإنظار الله تعالى.
(ولأن الإفلاس يوجب العجز عن تسليم العين) أي: عين الدراهم المنقودة، وعين الدنانير المنقودة (وهو) (٤) أي: عين الدراهم المنقودة (غير مستحق بالعقد) بل المستحق به الدين، وهو وصف في الذمة، فعلم أنه عجز عن
стр. 6224
فَلَا يَثْبُتُ حَقُّ الفَسْخِ بِاعْتِبَارِهِ، وَإِنَّمَا المُسْتَحَقُّ وَصْفٌ فِي الذِّمَّةِ: أَعْنِي الدَّيْنَ،
تسليم شيء غير مستحق بالعقد، فلا يثبت حق الفسخ باعتباره.
وفي الأسرار: المقبوض غير الواجب حقيقة؛ لأن الواجب دين، وهذا عين، وذلك في الذمة، وهذا في الكيس، وإنما جعل في حكم عين الواجب في باب السلم، بخلاف الحقيقة؛ لعدم جواز الاستبدال به، فأما غيره من الديون يصح الاستبدال به، فلا يضطرنا الشرع إلى أن نجعل العين في حكم الدين فيجوز، فيثبت بقبض العين مبادلة، إلا عند التعذر كما في السلم؛ لحرمة الاستبدال، فأعطى للعين حكم الدين، فيكون العين مُستَحَقًّا بالعقد، فصار العجز عنه كالعجز عن تسليم المبيع.
وأما الجواب عن حديث أبي هريرة: أن المبيع ليس عين ماله شرعًا لتبدل الملك، وإنما هو عين مال قد كان له، وإنما ماله بعينه يقع على المغصوب، والودائع والعواري وما أشبه ذلك، وفي ذلك جاء هذا الحديث.
وقد روي عن سمرة بن جندب أنه ﵊ قال: «مَنْ سُرِقَ لَهُ متاع أو ضاع له متاع فوجَدَهُ في يَدِ رَجُلٍ بِعَيْنِهِ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ وَيَرْجِعُ مُشتِرَيْهِ عَلَى البائع بالثمن» (١).
فإن قيل: هذا معلوم بدون ذلك الحديث، فأي فائدة في الحديث؟
قلنا: فائدته إعلام أن الرجل إذا أفلس يقسم ماله وما في يده بين غرمائه، إلا في متاع سرق أو ضاع من إنسان، واغتر المشتري فابتاعه، فإن صاحب العين أحق به، فأعلمهم بذلك الحديث ما أعلمهم بحديث سمرة.
وبقي أن الغرور والاغترار الذي بعين المشتري لا يستحق بذلك شيئًا.
وما روي في غير هذا الوجه معارض بما روى الخصاف بإسناده أنه ﵊ قال: «أَيُّمَا رَجُلٍ أفلسَ فَوَجَدَ رجلٌ متاعَهُ عِندَهُ بِعَيْنِهِ فَهْوَ أُسْوَةٌ غُرَمائِهِ».
стр. 6225
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقيل: هذا منقطع.
قلنا: ما روي عن عبد الرحمن منقطع أيضًا، ولا يمكن أن يبين ما أشكل في حديث أبي هريرة؛ لأنه محتمل بأنه ابتاعه مُغترًا بأنه ملك البائع كما ذكرنا في حديث سمرة، أو كان محمولا على أنه قبض المبيع بغير إذن البائع، وفي غير هذا الموضع له حق الاسترداد.
وأما قوله: (ومن قضيته) (١) أي: عقد المساواة، فقلنا: نعم كذلك، ولكن في الملك على ما ذكرنا، وهو حاصل لهما، ولئن سلمنا أن التسوية في القبض، لكن التسوية تنعدم فيه بتأجيل البائع، فتأجيل الله أولى، فلا يبقى له حق الفسخ، بخلاف الكساد لا موجب العقد فلوس هي ثمن، وبعد الكساد لا يبقى له في ذمة المشتري فلوس بهذه الصفة، فيبقى العقد بلا ثمن فيبطل.
أما بعد إفلاس المشتري يبقى الثمن في ذمته مملوكًا كما كان، وبخلاف الكتابة؛ لأن بعجز المكاتب بغير موجب العقد، إذ موجبه ملك المولى بدل الكتابة عند حلول الأجل، ولا يمكنه ذلك إلا بالقبض؛ لأن بدل الكتابة ليس بدين حقيقة، إذ المولى لا يستوجب على عبده دينا ولهذا لا تصح الكفالة والرهن به، فإذا كان ملك المولى يثبت بالقبض، فالتعجيز بغير موجب العقد، فيمكن من فسخ العقد، أما هاهنا بإفلاس المشتري لا يعتبر ملك البائع في الثمن، فإنه مملوك دينا.
وقولهم: إن الدين في ذمة المفلس تاو غير مسلم، إذا كان المفلس مقرا أو عليه بينة فهو قائم حقيقةً وحكمًا، مفلسا كان أو مَلِيًّا.
ولهذا قال أبو حنيفة: يجب على صاحب الدين الزكاة لما مضى إذا قبضه، فإذا لم يتغير موجب العقد لا يتمكن البائع من الفسخ، هذا كله مما أشار إليه في المبسوط والأسرار.
فقال في المبسوط: الإفلاس الطارئ لا يكون أولى من الإفلاس المقارن،
стр. 6226
وَبِقَبْضِ العَيْنِ تَتَحَقَّقُ بَيْنَهُمَا مُبَادَلَةٌ، هَذَا هُوَ الحَقِيقَةُ فَيَجِبُ اعْتِبَارُهَا، إِلَّا فِي مَوْضِعِ التَّعَدُّرِ كَالسَّلَم، لِأَنَّ الِاسْتِبْدَالَ مُمْتَنِعٌ فَأَعْطَى لِلْعَيْنِ حُكْمَ الدَّيْنِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَاب.
وبه لا ترتفع صفة اللزوم في العقد، فبالطارئ أولى بخلاف جانب المبيع، فإن ابتداء العقد مع العجز عن تسليمه بالإباق لا يجوز، وإن رضي به المشتري، فكذا إذا طرأ العجز يثبت للمشتري حق الفسخ.
قوله: (وبقبض العين) إلى آخره، هذا جواب عن شبهة ترد على قوله: (إن الدين وصف، والمقبوض عين، وهو غير حقه) فيرد عليه أنه لو كان كذلك ينبغي أن لا يتمكن المديون من قضاء الدين أصلا؛ لأنه غير حقه، فقال: يقبض العين، يعني لما قبض رب الدين العين صارت ذمته مشغولة بدين المديون أيضًا؛ لأن هذا الذي قبضه رب الدين قبض مضمون؛ لأنه قبضه متملكا لا مستودعًا فوجب الضمان في الذمتين، فيلتقيان قصاصًا، فبرئت ذمة المديون. وهذا معنى قول المشايخ: إن آخر الدينين يكون قضاء عن الأول.
قوله: (هذا هو الحقيقة) أي: تسليم العين غير مستحق بالعقد، بل المستحق هو الدين، فيجب اعتبار الحقيقة.
стр. 6227
كِتَابُ المَأْذُونِ
الإِذْنُ: الإِعْلَامُ لُغَةٌ، وَفِي الشَّرْعِ: فَكُّ الحَجْرِ وَإِسْقَاطُ الحَقِّ عِنْدَنَا، وَالعَبْدُ
كِتَابُ الْمَأْذُونِ
إيراد المأذون بعد الحجر ظاهر التناسب إذ الإذن بعد الحجر.
ومن محاسن الإذن الإطلاق عن الحجر كإطلاق الأسير، ولأنه نوع من الاكتساب، والاكتساب ابتغاء الفضل، وفيه فتح باب التصرف، وحصول زيادة الاهتداء في التصرفات
ثم الإذن لغة: الإعلام.
وشرعًا: فك الحجر الثابت، ورفع المانع من التصرف، وإثبات اليد للعبد في كسبه بمنزلة المكاتب عندنا.
وعند الشافعي وأحمد: هو إنابة وتوكيل، وفائدة الخلاف أن الإذن بالتجارة لا يتخصص، حتى لو آذنه في نوع يكون مأذونا في أنواع التجارة كلها عندنا، خلافا له ولزفر كما يجيء.
وهو مشروع بالكتاب والسنة، والإجماع.
أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ١٠] والمراد الكسب، وإذن العبد من باب الاكتساب.
والسنة: ما روي أنه عليه الصلاة السلام: يُجيب دعوة المملوك (١)،
стр. 6228
بَعْدَ ذَلِكَ يَتَصَرَّفُ لِنَفْسِهِ بِأَهْلِيَّتِهِ؛ لِأَنَّهُ بَعْدَ الرِّقْ بَقِيَ أَهْلًا لِلتَّصَرُّفِ بِلِسَانِهِ النَّاطِقِ، وَعَقْلِهِ المُمَيِّزِ، وَانْحِجَارُهُ عَنْ التَّصَرُّفِ لِحَقِّ المَوْلَى؛ لِأَنَّهُ مَا عَهِدَ تَصَرُّفَهُ إِلَّا مُوجِبًا تَعَلَّقَ الدَّيْنِ بِرَقَبَتِهِ وَبِكَسْبِهِ، وَذَلِكَ مَالُ المَوْلَى فَلَا بُدَّ مِنْ إِذْنِهِ كَيْ لَا يَبْطُلَ حَقَّهُ مِنْ غَيْرِ رِضَاهُ، وَلِهَذَا لَا يَرْجِعُ بِمَا لَحِقَهُ مِنْ العُهْدَةِ عَلَى المَوْلَى، وَلِهَذَا لَا يُقْبَلُ
والمملوك لا يقدر على اتخاذ الضيافة ما لم يكن له كسب، وطريق الاكتساب التجارة، وتجارته بغير الإذن لا تصح.
وروي أنه ﵊، ولا أحد من الصحابة، ما أنكروا على عباس تجارته بعبيده، وله عشرون عبدًا، كل عبد يتجر بعشرة آلاف.
وأجمعت الأمة على جواز إذن العبد، ولا يقال: لا يصح الاستدلال على عدم التخصيص والتوقيت بأن الإذن عبارة عن فك الحجر، والإطلاق، وتمليك اليد، فإن القضاء إطلاق، وإثبات للولاية، مع أنه قابل للتخصيص.
وكذا الإعارة والإجارة تمليك للمنفعة، وإثبات اليد على العين، مع أنه قابل للتخصيص؛ لأنا نقول: القاضي لا يعمل لنفسه، بل هو نائب عن المسلمين، ولهذا يرجع بما لحقه من العهدة في مال المسلمين، بخلاف العبد فإنه لا يرجع على المولى بما لحقه من العهدة.
وأما المستأجر والمستعير فإنه يتصرف في محل هو ملك الغير بإيجاب صاحب الملك له، وإيجابه في ملك نفسه يقبل التخصيص، فأما العبد لا يتصرف بإيجاب المولى لما يجيء أن التصرف غير مملوك للمولى في ذمته، فكيف يوجب ما لا يملكه؟ كذا في المبسوط.
قوله: (لأنه) أي: العبد (بعد الرق بقي أهلا للتصرف) إذ ركن التصرف كلام معتبر شرعا؛ لصدوره عن مميز، ومحل التصرف ذمة صالحة لالتزام الحقوق، وهما لا يفوتان بالرق، إذ صلاحية الذمة للالتزام من كرامات البشرية، وبالرق لا يخرج عن كونه بشرًا، إلا أن ذمته ضعفت بالرق، فلا يجب المال فيها إلا شاغلا مالية الرقبة، وهي حق المولى، فحجر عن التصرف لِحَقِّ المولى؛ لكيلا يبطل حقه بغير رضاه، فإذا أذن فقد أسقط حقه، وكان العبد متصرفا، بالمالكية الأصلية وأهليته لنفسه.
стр. 6229
التَّأقِيتُ، حَتَّى لَوْ أَذِنَ لِعَبْدِهِ يَوْمًا، أَوْ شَهْرًا، كَانَ مَأذُونًا أَبَدًا حَتَّى يَحْجُرَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الإِسْقَاطَاتِ لَا تَتَوَقَّتُ،
قوله: (لأن الإسقاطات لا تتوقت) كالطلاق والعتاق، وتأجيل الدين، وتأخير المطالبة، إذ الساقط يتلاشى.
فإن قيل: فعلى هذا ينبغي أن لا يكون للمولى ولاية الحجر بعده؛ لأنه أسقطه وتلاشى، والساقط لا يعود.
قلنا: بقاء ولاية الحجر بسبب بقاء الرق، فكان في الحجر امتناع عن الإسقاط فيما يستقبل لا فيما مضى؛ لأن الساقط يعود.
فإن قيل: ينبغي أن تنعدم بالرق الأهلية لملك التصرف؛ لأنه صار مملوكًا للمولى تصرفًا حتى يملك المولى التصرفات عليه.
قلنا: إنما يصير مملوكًا تصرفًا في نفسه بيعًا أو تزويجا، فلا جرم تنعدم الأهلية لمالكية هذا التصرف، فيكون نائبًا فيه عن المولى متى باشره بأمره، بأن باع نفسه بأمره، ولكن لا يصير مملوكًا في ذمته، حتى إن المولى لا يملك الشراء بثمن يجب في ذمة عبده ابتداء، فتبقى له الأهلية في ملك هذا التصرف، كما أنه لم يصر مملوكًا تصرفًا عليه في الإقرار بالحدود والقصاص، يبقى مالكا لذلك التصرف.
فإن قيل: انعدام الأهلية لحكم التصرف، وهو الملك بسبب الرق، يقتضي أن يكون أهلا لنفس التصرفات؛ لأن التصرفات الشرعية لا تراد بعينها بل لحكمها، وهو ليس بأهل للحكم، فلا يكون أهلا لسببه كأسباب العبادات في حق الصبي والمجنون؛ لأنهما ليسا بأهل لحكمها، وهو الابتلاء.
قلنا: لا كذلك؛ لأن حكم التصرف ملك اليد والرقيق أهل لذلك، ألا ترى أن استحقاق ملك اليد يثبت للمكاتب مع قيام الرقيق فيه؟ وهذا لأنه مع الرق أهل للحاجة فيكون أهلا لقضائها، وأدنى طريق قضائها ملك اليد، فهو الحكم الأصلي للتصرف، وملك اليمين شرع للتوصل إليه، والحكم الأصلي يثبت للعبد، وما وراء ذلك يخلفه المولى فيه، فيكون كمن اشترى بخيار البائع فمات المشتري، فأجاز البائع البيع يثبت ملك العين للوارث على سبيل الخلافة
стр. 6230
ثُمَّ الإِذْنُ كَمَا يَثْبُتُ بِالصَّرِيحِ يَثْبُتُ بِالدَّلَالَةِ، كَمَا إِذَا رَأَى عَبْدَهُ يَبِيعُ وَيَشْتَرِي فَسَكَتَ يَصِيرُ مَأْذُونَا عِنْدَنَا، خِلَافًا لَزُفَرَ وَالشَّافِعِيِّ رَحِمَهُمَا اللَّهُ.
بتصرف باشره المُوَرّث.
بخلاف أسباب العبادات في حق الصبي والمجنون؛ لأن المراد بوجوب العبادات شغل الذمة لتحقيق الابتلاء، وهما ليسا بأهل له، فلا تثبت الأسباب الموجبة للابتلاء في حقهما، إذ ليس لهذه الأسباب أصل وخلف حتى يثبت ما هو الأصل لهما، والخلف لغيرهما في تصرف العباد فافترقا.
قوله: (خلافًا لزفر والشافعي)، وبه قال مالك، وأحمد؛ لأن السكوت لا يقوم مقام الإذن في التصرف؛ لأن الإذن إنابة، والإنابة لا تثبت بالسكوت، كما لو باع الراهن والمرتهن ساكت، أو باع المرتهن والراهن ساكت، أو رأى عبده يتزوج وهو ساكت، وكما لو رأى أجنبيا يتلف ماله وهو ساكت، وكما لو باع أجنبي والمالك ساكت، بخلاف السكوت في الشفعة، فإن الشفعة تسقط بمضي الزمان إذا علم؛ لأنها على الفور، وصار كما لو رأى القاضي الصغير أو المعتوه أو عبدهما يبيع ويشتري، فإنه لا يكون إذنًا، وهذا لأن السكوت يحتمل الرضى، ويحتمل السخط، فلا يثبت الإذن بالشك.
ألا ترى أنه لا يجوز بيعه الذي رآه فيه بالإجماع؟ فلأن لا يجوز بيعه مالا آخر بعده أولى، إذ لما لم يثبت الإذن فيه ففي غيره أولى.
ولنا أن العادة جرت بأن من لا يرضى بتصرف عبده ينهاه عنه (١) ويؤدبه عليه، فإذا لم ينهه علم أنه راضٍ، فجعل السكوت إذنا له دلالة؛ دفعًا للغرور عن الناس، فإنهم يعتقدون ذلك إطلاقا منه فيبايعونه حملا لفعله على ما يقتضيه الشرع والعرف كما في سكوت النبي ﵊ عند أمر يعاينه عن التعبير، وسكوت البكر، وسكوت الشفيع.
أما الجواب عن التصرف الذي رأى فيه حيث لا يكون مأذونا فيه بالإجماع؛ لأن تصرفه في ذلك العين بطريق الوكالة، والتوكيل لا يثبت
стр. 6231
وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَبِيعَ عَيْنًا مَمْلُوكًا، أَوْ لِأَجْنَبِيٍّ بِإِذْنِهِ أَوْ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، بَيْعًا صَحِيحًا أَوْ فَاسِدًا؛ لِأَنَّ كُلَّ مَنْ رَآهُ يَظُنُّهُ مَأْذُونَا لَهُ فِيهَا، فَيُعَاقِدُهُ، فَيَتَضَرَّرُ بِهِ لَوْ لَمْ يَكُنْ مَأْذُونَا لَهُ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ المَوْلَى رَاضِيًا بِهِ لَمَنَعَهُ دَفْعًا لِلضَّرَرِ عَنْهُمْ.
بالسكوت، ولكن يتضمن إذنًا في غيرها، بمنزلة ما لو رأى المولى عبده المسلم يشتري شيئًا بالخمر، أو بالخنزير فسكت، يصير مأذونا في التجارة، وإن كان لا يجوز هذا الشراء كذا هاهنا.
والمعنى أن في إثبات الإذن في هذا التصرف الذي يراه ضرر في حق المولى، وهو إزالة ملكه عما يبيعه، فلا يثبت بسكوته، وليس في ثبوت الإذن في الحال في حق غيره ضرر في حق المولى، إذ يملك حجره، أما في حق الناس ضرر بين في عدم ثبوت الإذن كما ذكرنا.
وكذا فيما رأى أجنبيا يبيع ملكه فسكت، فإن ضرر المالك متيقن في ثبوت الإذن بزوال ملكه عن العين في الحال، وإن كان بعوض ضرر حتى لا يملكه أحد عليه حالة الاختيار، وكذا لم يثبت الإذن في مسألة الرهن؛ لأن في ثبوت الإذن ضررًا في حق المرتهن بزوال حق الاستيفاء بثبوت يده عليه، فإذا زال عن يده ربما لا يصل إلى يده من محل آخر، فكان ضرر المرتهن أقوى من ضرر الراهن، فلذلك لم تثبت الإجازة.
وأما مسألة التزوج فإنا لو أثبتنا عدم الإذن يتضرر العبد ضررا موهومًا، فإن ضرر العبد في أن يدخل بها على حسبان أن المالك أجازه، وأنه موهوم، وضرر المرأة بزوال ملكها عن منافع بضعها للحال، وهي في حكم العين ضرر ثابت بيقين على تقدير ثبوت الإذن، فرجحنا جانب المرأة، ولم نقل بالإجازة.
وكذا لم نجعل السكوت رضًا في إتلاف المال؛ لأن الضرر هناك يتحقق في الحال، وسكوته لا يكون دليل التزام حقيقة، ولأنه لا حاجة إلى تعيين جانب الرضا هناك لدفع ضرر الغرور عن المتلف، وهو ملتزم للضرر بإقدامه على الإتلاف، وهو موجب للضمان بنفسه حقيقة بخلاف ما نحن فيه، وأما السكوت عن القاضي لا يكون إذنًا؛ لأن الإذن من القاضي قضاء، والقضاء لا يثبت بالسكوت، ولهذا ثبت الإذن بالسكوت من الأب، أما لو أذن القاضي
стр. 6232
قَالَ: (وَإِذَا أَذِنَ المَوْلَى لِعَبْدِهِ فِي التِّجَارَةِ إِذْنَا عَامًّا: جَازَ تَصَرُّفُهُ فِي سَائِرِ
التِّجَارَاتِ) وَمَعْنَى هَذِهِ المَسْأَلَةِ: أَنْ يَقُولَ لَهُ أَذِنْت لَكَ فِي التِّجَارَةِ وَلَا يُقَيِّدُهُ. وَوَجْهُهُ: أَنَّ التِّجَارَةَ اسْمٌ عَامٌ يَتَنَاوَلُ الجِنْسَ، فَيَبِيعُ وَيَشْتَرِي مَا بَدَا لَهُ مِنْ أَنْوَاعِ الأَعْيَانِ؛ لِأَنَّهُ أَصْلُ التِّجَارَةِ.
(وَلَوْ بَاعَ أَوْ اشْتَرَى بِالغَبْنِ اليَسِيرِ: فَهُوَ جَائِزٌ) لِتَعَذُّرِ الاحْتِرَازِ عَنْهُ (وَكَذَا
وأبى الأب صح إذن القاضي، ولا يعتبر إباء الأب.
والمسألة في تتمة الفتاوى: لأن القاضي لما أذن رأى المصلحة في الإذن بفعله، ذلك إذا طلب الإذن من الأب، وأبى الأب صار الأب عاضلا له، فتنتقل الولاية إلى القاضي بسبب العضل، كالولي في باب النكاح، فإنه إذا عضل تنتقل الولاية إلى القاضي؛ لما أن النكاح حقها قبل الولي، فإذا امتنع الولي عن الإيفاء نقلت الولاية إلى القاضي؛ إبقاء لِحَقِّها كذا هاهنا.
وأما قوله: السكوت يحتمل فقلنا: نعم، ولكن دليل العرف يرجح جانب الرضى كما في سكوت البكر لدفع الضرر، الكل من المبسوط، والذخيرة، والإيضاح.
قوله: (في سائر التجارات) أي: جميعها يقال سائر الناس أي: جميعهم كذا في الصحاح.
قوله: (فلا يقيده) [أي] (١): الإذن بنوع من التجارة، وهذا بلا خلاف، وإنما الخلاف في الإذن بنوع، فكان فائدة ذكر معنى المسألة؛ لبيان نفي الخلاف.
قوله: (لتعذر الاحتراز عنه) أي: عن غبن اليسير، وعند الشافعي، وأحمد: لا يجوز إلا بثمن المثل كما في الوكيل.
وعند أبي حنيفة: يجوز بالغبن الفاحش أيضًا، سواء كان عليه دين أو لا. وعندهما، والشافعي وأحمد، وزفر: لا يجوز بالغبن الفاحش؛ لأن المحاباة بالفاحش بمنزلة الهبة ابتداء، وهو لا يملكه كالأب، والوصي،
стр. 6233
بِالفَاحِشِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ خِلَافًا لَهُمَا) (*) هُمَا يَقُولَانِ: إِنَّ البَيْعَ بِالفَاحِشِ مِنهُ بِمَنْزِلَةِ التَّبَرُّعِ، حَتَّى اعْتُبِرَ مِنْ المَرِيضِ مِنْ ثُلُثِ مَالِهِ فَلَا يَنْتَظِمُهُ الإِذْنُ كَالهِبَةِ.
وَلَهُ: أَنَّهُ تِجَارَةٌ وَالعَبْدُ مُتَصَرِّفٌ بِأَهْلِيَّةِ نَفْسِهِ فَصَارَ كَالحُرِّ، وَعَلَى هَذَا الخِلَافِ الصَّبِيُّ المَأْذُونُ.
(وَلَوْ حَابَى فِي مَرَضِ مَوْتِهِ: يُعْتَبَرُ مِنْ جَمِيعِ مَالِهِ، إِذَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ، وَإِنْ
والقاضي في مال الصغير، ولهذا اعتبر الغبن الفاحش من المريض من ثلث ماله كالهبة.
(وله) أي: لأبي حنيفة (أنه) أي: التصرف بالغبن الفاحش (تجارة) لا تبرع؛ لأنه وقع في ضمن عقد التجارة، والواقع في ضمن الشيء له حكم ذلك الشيء، والمأذون في حق التجارة ملحق بالأحرار؛ لأنه متصرف لنفسه بأهلية نفسه لا بحكم الأمر، فصح منه كما يصح من الحر، ومن سواه يتصرف للغير فيتقيد بالنظر، والبيع بالغبن الفاحش من صنيع التجار لاستجلاب قلوب المجاهرين (١) ليربح في تصرف آخر.
قوله: (وعلى هذا الخلاف الصبي المأذون)، وكذا المكاتب والمعتوه المأذون.
ثم أبو حنيفة فرق بين البيع والشراء في تصرف الوكيل بالغبن، وسوى بينهما في تصرف المأذون؛ لأن الوكيل يرجع على الأمر بما يلحقه من العهدة، فكان الوكيل بالشراء متهما في أنه اشتراه لنفسه، فلما ظهر الغبن أراد أن يلزمه الأمر، وهذا لا يوجد في تصرف المأذون؛ لأنه لا يرجع بما لحقه من العهدة على أحد، فاستوى البيع والشراء في حقه، كذا في المبسوط.
قوله: (ولو حابي) أي: العبد المأذون (في مرض موته يعتبر من جميع المال) هذا إذا كان مولاه صحيحًا، أما لو كانت المحاباة منه في مرض المولى فمحاباته باليسير، والفاحش يعتبر من الثلث عند أبي حنيفة، كما لو حابي
стр. 6234
كَانَ فَمِنْ جَمِيعِ مَا بَقِيَ)؛ لِأَنَّ الاِقْتِصَارَ فِي الحُرِّ عَلَى الثُّلُثِ لِحَقِّ الوَرَثَةِ، وَلَا وَارِثَ لِلْعَبْدِ، وَإِنْ كَانَ الدَّيْنُ مُحِيطًا بِمَا فِي يَدِهِ يُقَالُ لِلْمُشْتَرِي: أَدِّ جَمِيعَ المُحَابَاةِ وَإِلَّا فَارْدُدْ البَيْعَ كَمَا فِي الحُرِّ.
(وَلَهُ أَنْ يُسْلِمَ وَيَقْبَلَ السَّلَمَ)؛ لِأَنَّهُ تِجَارَةٌ.
(وَلَهُ أَنْ يُوَكِّلَ بِالبَيْعِ وَالشِّرَاءِ)؛ لِأَنَّهُ قَدْ لَا يَتَفَرَّغُ بِنَفْسِهِ. قَالَ: (وَيَرْهَنُ وَيَرْتَهِنُ)؛ لِأَنَّهُمَا مِنْ تَوَابِعِ التِّجَارَةِ فَإِنَّهُ إِيفَاءٌ وَاسْتِيفَاءُ.
(وَيَمْلِكُ أَنْ يَتَقَبَّلَ الأَرْضَ وَيَسْتَأْجِرَ الأَجَرَاءَ وَالبُيُوتَ)؛ لِأَنَّ كُلَّ ذَلِكَ مِنْ صَنِيعِ
المولى بنفسه في مرضه، وعندهما محاباته باليسير كذلك، وبالفاحش باطل، وإن كان يخرج من ثلث مال المولى، لأنه لا يملك هذه المحاباة بالإذن في التجارة، كما لو باشره في صحة المولى.
قوله: (ولا وارث للعبد ولا يقال بأن المولى بمنزلة الوارث؛ لأنه رضي بسقوط حقه بالإذن، فصار كالوارث، إذ أسقط حقه في الثلثين بالإجازة، فإنه يتصرف المريض في الكل، فكذا هذا.
قوله: (وله) أي: للمأذون أن يسلم) أي: يجعل نفسه رب السلم والمسلم إليه.
قوله: (وله أن يتقبل الأرض) أي: يأخذها إجارة.
وفي المغرب: قبالة الأرض أن يتقبلها إنسان فيقبلها الإمام أي: يعطيها إياه مزارعة أو مساقاة، ويأخذ الأرض مزارعة؛ لأنه إن كان البذر من قِبَلِهِ فهو مستأجر الأرض، وأنه أنفع من الاستئجار بالدرهم، فإن هناك يلزمه الأجر، وإن لم يحصل الخارج، وهاهنا لا يلزمه شيء بدون الخارج، ولو كان البذر من قبل رب الأرض فهو آجر نفسه من رب الأرض لعمل الزراعة، فصار كما لو أجر نفسه بالدراهم فيجوز هذا فكذا هاهنا، وله أن يدفع الأرض مزارعة كما ذكرنا من الوجهين، أما ليس له أن يدفع طعامًا إلى رجل ليزرعه في أرضه بالنصف لفساد المزارعة على هذا الوجه فيكون كالقرض، والقرض تبرع، كذا في المبسوط.
стр. 6235
التَّجَّارِ (وَيَأْخُذَ الأَرْضَ مُزَارَعَةٌ)؛ لِأَنَّ فِيهِ تَحْصِيلَ الرِّبْحِ (وَيَشْتَرِي طَعَامًا فَيَزْرَعُهُ فِي أَرْضِهِ)؛ لِأَنَّهُ يَقْصِدُ بِهِ الرِّبْحَ قَالَ ﵊: «الزَّارِعُ يُتَاجِرُ رَبَّهُ».
(وَلَهُ أَنْ يُشَارِكَ شَرِكَةَ عَنَان، وَيَدْفَعَ المَالَ مُضَارَبَةٌ، وَيَأْخُذُهَا)؛ لِأَنَّهُ مِنْ عَادَةِ التَّجَّارِ (وَلَهُ أَنْ يُؤَاجِرَ نَفْسَهُ) عِنْدَنَا، خِلَافًا لِلشَّافِعِي وَهُوَ يَقُولُ: لَا يَمْلِكُ العَقْدَ عَلَى نَفْسِهِ فَكَذَا عَلَى مَنَافِعِهَا؛ لِأَنَّهَا تَابِعَةٌ لَهَا. وَلَنَا: أَنَّ نَفْسَهُ رَأْسُ مَالِهِ، فَيَمْلِكُ التَّصَرُّفَ فِيهِ، إِلَّا إِذَا كَانَ يَتَضَمَّنُ إِبْطَالَ الإِذْنِ كَالبَيْعِ؛ لِأَنَّهُ يَنْحَجِرُ بِهِ، وَالرَّهْنُ؛ لِأَنَّهُ يُحْبَسُ بِهِ فَلَا يَحْصُلُ مَقْصُودُ المَوْلَى أَمَّا الإِجَارَةُ: فَلَا يَنْحَجِرُ بِهِ وَيَحْصُلُ بِهِ المَقْصُودُ وَهُوَ الرِّبْحُ فَيَمْلِكُهُ.
قوله: (شركة عنان) قيد به لأنه ليس له شركة المفاوضة؛ لأن مبناه على الوكالة والكفالة، والوكالة داخلة تحت الإذن دون الكفالة، ثم تصح منه شركة العنان مطلقا عن ذكر الشراء بنقد ونسيئة، حتى لو اشترك المأذونان شركة على أن يشتريا بالنقد والنسيئة لم يجز من ذلك النسيئة، وجاز النقد؛ لأن في النسيئة معنى الكفالة عن صاحبه، والمأذون لا يملك الكفالة، ولو أذنا في الشركة بالنقد والنسيئة ولا دين عليهما فاشتركا جاز، كما لو أذنا في الكفالة، ولو اشتركا مفاوضة بالإذن تصير عنانا، كذا في المبسوط والذخيرة.
قوله: (وله) أي: للمأذون (أن يؤاجر نفسه).
قوله: (خلافًا للشافعي) وكذا لو وكل إنسانا لا يجوز عنده في قول، وفي الأصح يجوز. (وهو يقول) أي: الشافعي إنه لا يملك العقد على نفسه؛ لأنه آذنه بالتصرف في غير نفسه، ولهذا لا يملك البيع على نفسه إلى آخر ما ذكر في المتن.
ولنا: أن إجارة نفسه تجارة فيملكها، وهو تصرف على غير نفسه بل على منافعه، وإنما لا يجوز بيع نفسه؛ لأنه يبطل الإذن أصلا؛ لأنه ينحجر به، وكذا لا يملك رهن نفسه؛ لأنه إيفاء من وجه، فكان بيع نفسه من وجه، وبالإجارة لا ينحجر، ويحصل المقصود وهو الربح فيملكه، وما ذكر ينتقض بالحر، فإنه لا يملك بيع نفسه، ويملك إجارته، إليه أشار في المبسوط.