التِّجَارَةِ)؛ لِأَنَّهُ إِنْ أَخْبَرَ بِالإِذْنِ فَالإِخْبَارُ دَلِيلٌ عَلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يُخْبِرْ فَتَصَرُّفُهُ دَلِيلٌ عَلَيْهِ، إِذْ الظَّاهِرُ أَنَّ المَحْجُورَ يَجْرِي عَلَى مُوجِبِ حَجْرِهِ، وَالعَمَلُ بِالظَّاهِرِ هُوَ الْأَصْلُ فِي المُعَامَلَاتِ كَيْ لَا يَضِيقَ الأَمْرُ عَلَى النَّاسِ، (إِلَّا أَنَّهُ لَا يُبَاعُ فِي الدَّيْنِ حَتَّى يَحْضُرَ مَوْلَاهُ)؛ لِأَنَّهُ لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي الرَّقَبَةِ؛ لِأَنَّهَا خَالِصُ حَقِّ الْمَوْلَى، بِخِلَافِ الكَسْبِ؛ لِأَنَّهُ حَقُّ العَبْدِ عَلَى مَا بَيَّنَّا (فَإِنْ حَضَرَ فَقَالَ: هُوَ مَأْذُونُ، بِيعَ فِي الدَّيْنِ)؛ لِأَنَّهُ ظَهَرَ الدَّيْنُ فِي حَقِّ المَوْلَى (وَإِنْ قَالَ: هُوَ مَحْجُورٌ، فَالقَوْلُ قَوْلُهُ)؛ لِأَنَّهُ مُتَمَسِّكُ بِالأَصْلِ.
على الناس أمره وعمت بليته سقطت قضيته، وكذا هذا القياس.
والاستحسان في دعوى الوكالة والمضاربة والشركة والبضاعة وما أشبهها، والثاني أن يبيع ويشتري ولا يخبر بشيء إلا بالإذن ولا بكونه عبدا.
فالقياس فيه أن لا يثبت الإذن؛ لأن السكوت محتمل، وبه قال الشافعي في الأظهر، والعمل بالظاهر هو الأصل، إذا الظاهر أنه مأذون؛ لأن أمور المسلمين محمولة على الصلاح، ولا يثبت الجواز بالإذن، فوجب أن يحمل عليه، إذ الظاهر هو الأصل في المعاملات دفعا للضرر عن الناس.
والقياس أن يشترط عدالة المخبر؛ لأن خبر العدل حجة، وفي الاستحسان لا يشترط للضرورة والبلوى، فإذا ثبت كونه مأذونا بالنظر إلى الظاهر صحت تصرفاته، ولزمته الديون فيستوفي من كسبه.
قوله: (إلا أنه لا يباع) يعني إذا لم يكن في كسبه وفاء لم تبع رقبته حتى يحضر سيده؛ لأنه لم يصدق على مولاه لأن بيع الرقبة ليس من لوازم الإذن، كما في المدبر وأم الولد المأذونين، لا تباع رقبتهما في الدين.
وقوله: (على ما بينا إشارة إلى قوله لتعلق الدين بكسبه)؛ لأنه من لوازم الإذن بالتجارة.
(فإن حضر) أي: مولاه، (بيع في الدين) أي: إذا لم يقض المولى بينهما دينه لظهور دينه في حقه.
قوله: (فالقول له) أي: للمولى مع يمينه، وعلى الغرماء البينة؛ لأن دعوى العبد الإذن عليه كدعواه العتق والكفالة، فلا يقبل قوله عند جحود المولى إلا بالبينة.
стр. 6267
فَصْلٌ: [أَحْكَامُ إِذْنِ الصَّبِيِّ وَالمَعْتُوهِ]
(وَإِذَا أَذِنَ وَلِيُّ الصَّبِيِّ لِلصَّبِيِّ فِي التِّجَارَةِ، فَهُوَ فِي البَيْعِ وَالشِّرَاءِ كَالعَبْدِ المَأْذُونِ إِذَا كَانَ يَعْقِلُ البَيْعَ وَالشَّرَاءَ حَتَّى يَنْفُذُ تَصَرُّفُهُ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يَنْفُذُ؛ لِأَنَّ حَجْرَهُ لِصِبَاهُ فَيَبْقَى بِبَقَائِهِ، وَلِأَنَّهُ مُوَلَّى عَلَيْهِ حَتَّى يَمْلِكَ الوَلِيُّ التَّصَرُّفَ عَلَيْهِ وَيَمْلِكَ حَجْرَهُ فَلَا يَكُونُ وَالِيًا لِلْمُنَافَاةِ وَصَارَ كَالطَّلَاقِ وَالعَتَاقِ، بِخِلَافِ الصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ؛
فَصْلٌ
لما فرغ من بيان أحكام العبد في الإذن شرع في أحكام إذن الصغير، وقدم الأول لكثرة وقوعه.
قوله: (إذا كان يعقل البيع) أي: يعرف أن البيع سلب للملك، والشراء جالب للملك، ويعرف الغبن اليسير والفاحش لا نفس العبارة، فإن كل صبي لو لقن البيع والشراء يتلقنه، كذا في المغنى.
قوله: (وقال الشافعي: لا ينفذ) تصرفه بإذنه، وبه قال مالك، وأحمد في رواية، وقال أحمد في رواية، وبعض أصحاب الشافعي في وجه: كقولنا.
قوله: (فيبقى الحجر ببقائه) أي: ببقاء الصبا، ولا ينتقض بالرق، فإنه يصير مأذونا مع بقاء الرق؛ لما أن حجر الصبي لنقصان عقله لا لِحَقِّ غيره، بخلاف العبد فإن حجره لِحَقِّ مولاه لا لنقصان عقله، فبالإذن صار المولى راضيا بتصرفه وكسبه.
(حتى يملك الولي التصرف) أي: التصرف الذي أذن له فيه، (ويملك حجره) أي: حجر الصبي عن ذلك التصرف، فلا يكون واليا فيه إذ كونه موليا عليه في هذا التصرف سمة عجزه فيه، وكونه واليًا فيه سمة القدرة، وهما متضادان فلا يجتمعان في فعل واحد، ولأنه تعالى قال: ﴿فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا﴾ [النساء: ٦] فقد شرط البلوغ وإيناس الرشد لدفع المال إليهم، فدل أنه ليس بأهل للتصرف؛ لأنه باع واشترى ثم بلغ فأجاز لم يجز، ولو صح كلامه لتوقف كالعبد يتزوج ثم يعتق، فإنه يصح، وكذا إذن الأب لو صح في حقه يملك الإقرار عليه بالدين، كما يملك في حق العبد، وكذا عدم وجوب الفرائض عليه يدل أنه غير أهل للتصرف، وأيضًا قال تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ﴾ [النساء: ٥]
стр. 6268
لِأَنَّهُ لَا يُقَامُ بِالوَلِيِّ، وَكَذَا الوَصِيَّةُ عَلَى أَصْلِهِ، فَتَحَقَّقَتْ الضَّرُورَةُ إِلَى تَنْفِيذِهِ مِنْهُ.
الآية، والمراد بها الصبيان والمجانين.
قوله: (على أصلي) (١) فإن من أصله أن يكون كل تصرف يتحقق من الولي لا يصح كمباشرة الصبي؛ لأن تصرفه فيه بسبب الضرورة، ولا ضرورة فيما يتصرف فيه الولي، وكل تصرف (٢) لا يتحقق بمباشرة الولي جعل عقله في ذلك معتبرًا، فلهذا تعتبر وصيته بأعمال البر واختيار الأبوين، ولا تتحقق الضرورة فيما يمكن تحصيله برأي الولي، ولهذا لم يصحح الشافعي إسلامه بنفسه لتحقق إسلامه بإسلام أحد أبويه، كذا في المبسوط.
قلنا: قوله تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا﴾ [النساء: ٦] الآية، والابتلاء: الاختبار، والامتحان.
واختباره بتفويض التصرفات إليه، فإن كان من أولاد التجار فوض إليه البيع والشراء، وإن كان من أولاد الدهاقين والكبراء يصان أمثالهم عن الأسواق، دفعت إليه نفقته مدة لينفقها في مصالحه، فإن صرفها في موقعه ويستقصي عليه فهو رشد.
فظاهر الآية يقتضي ابتلاءهم قبل البلوغ؛ لأنه مدة الابتلاء إلى البلوغ بلفظة ﴿حتى﴾ فيدل على أن الاختبار قبله، فعلم أن دفع المال إليه، وتمكينه من التصرفات جائز قبل البلوغ إذا صار عاقلا، ولأن التصرف المشروع صدر من أهله في محله فوجب تنفيذه، ولا خفاء في شرعية التصرف والمحلية.
وكذا في الأهلية؛ لأن الأهلية للتصرف في التكلم عن تمييز وبيان، لا عن تلقين وهذيان والكلام فيه فتثبت الولاية، وهذا لأن الصبي يقرب من المنافع، ويبعد من المضار؛ لأن الصبا سبب المرحمة، واعتبار كلامه في التصرف محض منفعة؛ لأن الآدمي باين سائر الحيوانات بالبيان، وهو من أعظم المنافع عند العقلاء، وهذه منفعة لا يمكن تحصيلها بمباشرة الولي فيجب أن يعتبر.
стр. 6269
أَمَّا بِالبَيْعِ وَالشَّرَاءِ: فَيَتَوَلَّاهُ الوَلِيُّ فَلَا ضَرُورَةَ هَاهُنَا. وَلَنَا: أَنَّ التَّصَرُّفَ المَشْرُوعَ صَدَرَ مِنْ أَهْلِهِ فِي مَحَلِّهِ عَنْ وِلَايَةٍ شَرْعِيَّةٍ، فَوَجَبَ تَنْفِيذُهُ عَلَى مَا عُرِفَ تَقْرِيرُهُ فِي الخِلَافِيَّاتِ. وَالصِّبَا سَبَبُ الحَجْرِ لِعَدَمِ الهِدَايَةِ لَا لِذَاتِهِ، وَقَدْ ثَبَتَتْ نَظَرًا
قوله: (والصبا سبب الحجر لعدم الهداية) أي: إلى التصرفات لا لذاته، وهو جواب عن قول الشافعي: أن الصبا سبب الحجر فيبقى ببقائه، يعني الصبا سبب الحجر؛ لعدم هدايته إلى التصرفات لا لذاته، وبإذن الولي يستدل على ثبوت هدايته فيها؛ لأن الظاهر أن لا يأذن له حتى يعرف هدايته فيها، وبقاء ولاية الولي لنظر الصبي؛ لتوسع طريق النيل في الإصابة، فيستوفي المصلحة بطريق مباشرة الولي، وبمباشرة الصبي، ويمكنه من حجره؛ لاحتمال تبدل حاله من الهداية إلى غيرها، ومتى جعلنا وليا باعتبار أصل الأهلية لم نجعله فيه موليًا عليه، ومتى جعلناه موليًا عليه باعتبار قصور الأهلية لم نجعله وليا فيه، والحاصل أن الصبي مستحق النظر مصون عن الضرر.
والتصرفات ثلاثة أنواع:
ضار محض: كالطلاق والعتاق، والهبة، والصدقة، فلا يملكه الصبي، وإن أذن له الولي.
ونافع محض: كقبول الهدية، والصدقة، فيملكه بغير إذنه.
ودائر بين النفع والضرر كالبيع والشراء، والإجارة، والنكاح، فيملكه بإذنه؛ لأن الصبي العاقل يشبه البالغ من حيث إنه عاقل مميز، ويشبه الطفل الذي لا عقل له من حيث إنه لم يتوجه عليه الخطاب، وفي عقله قصور، وللغير عليه ولاية، فألحقناه بالبالغ في النافع المحض، وبالطفل في الضار المحض، وفي الدائر بينهما بالطفل عند عدم الإذن، وبالبالغ عند الإذن؛ لرجحان جهة النفع على الضرر بدلالة الإذن، ولكن قبل الإذن يكون منعقدا موقوفًا على إجارة الولي.
وأما الجواب عن قوله: إذا باع الصبي ثم بلغ فأجاز لم يجز؛ لأن عدم الجواز باعتبار أنه حين عقد بغير إذن الولي ملحق بالأطفال، فلا يقبل الجواز بعد بلوغه؛ لأن اشتراط توقف التصرف لأجل شيء يجب أن يكون ذلك الشيء
стр. 6270
إِلَى إِذْنِ الوَلِيِّ، وَبَقَاءُ وِلَايَتِهِ لِنَظَرِ الصَّبِيِّ لِاسْتِيفَاءِ المَصْلَحَةِ بِطَرِيقَيْنِ وَاحْتِمَالِ تَبَدُّلِ الحَالِ، بِخِلَافِ الطَّلَاقِ وَالعَتَاقِ؛ لِأَنَّهُ ضَارٌّ مَحْضٌ فَلَمْ يُؤَهَّلْ لَهُ. وَالنَّافِعُ المَحْضُ كَقَبُولِ الهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ يُؤَهَّلُ لَهُ قَبْلَ الإِذْنِ، وَالبَيْعُ وَالشَّرَاءُ دَائِرٌ بَيْنَ النَّفْعِ وَالضَّرَرِ فَيُجْعَلُ أَهْلًا لَهُ بَعْدَ الإِذْنِ لَا قَبْلَهُ، لَكِنْ قَبْلَ الإِذْنِ يَكُونُ مَوْقُوفًا مِنهُ عَلَى إِجَازَةِ الوَلِيِّ لِاحْتِمَالِ وُقُوعِهِ نَظَرًا، وَصِحَّةُ التَّصَرُّفِ فِي نَفْسِهِ، وَذِكْرُ الوَلِيِّ فِي الْكِتَابِ يَنْتَظِمُ الأَبَ وَالجَدَّ عِنْدَ عَدَمِهِ وَالوَصِيَّ.
موجودًا في نفسه على ما مر في مسائل تصرف الفضولي، أما لو أجاز الولي جاز؛ لأن الولي موجود فجاز أن يتوقف تصرفه إلى رأيه، وبإذنه يرفع الحاجز شرعًا، ثم تبين أنه كالبالغ.
ولكن ذكر في الكافي: لو بلغ فأجازه جاز عندنا، خلافا لزفر؛ لأنه توقف على إجازة وليه، وقد صار وليا بنفسه، بخلاف العبد إذا تزوج ثم عتق؛ لأن عدم الجواز كان لحق المولى لا لنقصان فيه، فإذا زال حقه بالعتق نفذ التصرف، وأما عدم وجوب الفرائض مع صحة النوافل على ما ذكرنا أن الصبي يقرب من المنافع، ويبعد من المضار، وفي توجه الخطاب إضرار عاجل؛ لأنه لو توجه عليه ثم لا يؤدي يبقى في وباله، بخلاف النوافل.
وأما الآية الأولى فحجة لنا كما ذكرنا، وكذا المراد من السفهاء الذين لا يعقلون البيع أو النساء، وهو أن الرجل يدفع المال إلى زوجته، ويجعل التصرف فيه إليها، وذلك منهي عنه.
قوله: (والجد عند عدمه والوصي) الواو هاهنا ليس للترتيب؛ لأن وصي الأب مقدم على الجد.
وفي المبسوط (١): وليه أبوه، ثم وصيه، ثم الجد أب الأب، ثم وصيه، ثم القاضي أو وصي القاضي، فأما الأم أو وصيها فلا ولاية لهما عليه، فلا يصح الإذن منهما، ولا يقال وصي الأم لو باع العروض التي ورث الصغير من أمه يجوز؛ لأن ذلك من باب الحفظ على الأم الميتة وعلى الصغير، لا لأنه تجارة
стр. 6271
وَالقَاضِي وَالوَالِي، بِخِلَافِ صَاحِبِ الشُّرَطِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ إِلَيْهِ تَقْلِيدُ القُضَاةِ، وَالشَّرْطُ أَنْ يَعْقِلَ كَوْنَ البَيْعِ سَالِبًا لِلْمِلْكِ جَالِبًا لِلرِّبْحِ، وَالتَّشْبِيهُ بِالعَبْدِ المَأْذُونِ لَهُ يُفِيدُ أَنَّ مَا يَثْبُتُ فِي العَبْدِ مِنْ الأَحْكَامِ يَثْبُتُ فِي حَقِّهِ؛ لِأَنَّ الإِذْنَ فَكُّ الحَجْرِ وَالمَأْذُونُ يَتَصَرَّفُ بِأَهْلِيَّةِ نَفْسِهِ عَبْدًا كَانَ أَوْ صَبِيًّا، فَلَا يَتَقَيَّدُ تَصَرُّفُهُ بِنَوْعٍ دُونَ نَوْعٍ.
وَيَصِيرُ مَأْذُونَا بِالسُّكُوتِ كَمَا فِي العَبْدِ.
حتى لو اشترى شيئًا آخر لليتيم لا يجوز، وليس في الآخر تحصين وحفظ، كذا في الذخيرة.
وعند الأئمة الثلاثة: وصي الصبي والمجنون: الأب، ثم الجد وإن عدما فالسلطان.
قوله: (بخلاف صاحب الشُّرَط) الشرطة بالسكون والحركة خيار الجند، وأول كتيبة تحضر الحرب، والجمع: شُرَط، وصاحب الشرطة يراد به أمير البلدة كأمير بخارى، كذا في المغرب.
فكان الوالي أكبر من صاحب الشرط، فإنه يتولى تقليد القضاء دون صاحب الشرط، بل فوض إليه أمر خاص لا تقليد القضاء، فلا يلي التصرفات على الناس.
قوله: (أن يعقل كون البيع) أي: عقد البيع والشراء إلى آخره، ويعرف الغبن الفاحش واليسير كما ذكرنا في رواية المغني.
(والتشبيه بالعبد) أي في قوله: (وهو في البيع والشراء كالعبد المأذون) بعقد.
(أن ما يثبت في العبد) إلى آخره، ولا يقال: لا يستقيم تعميم قوله: (أن ما يثبت في العبد) إلى آخره، فإن العبد المأذون متصرف في كسبه، ولا يتصرف فيه مولاه، أما ولي الصبي يتصرف في كسبه؛ لأنا نقول: تعميمه في تصرفات العبد وإعجازه، وعدم إعجازه، لا في إعجاز المولى وعدم إعجاز الولي، فلا يرد نقضا على العموم.
وفي المبسوط: إنما يملك وصي الصبي التصرف في كسبه، سواء كان على الصبي دين أو لا؛ لأن دين الحر في ذمته، لا تعلق له بماله بخلاف دن العبد
стр. 6272
وَيَصِحُّ إِقْرَارُهُ بِمَا فِي يَدِهِ مِنْ كَسْبِهِ، وَكَذَا بِمَوْرُوثِهِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ، كَمَا يَصِحُّ إِقْرَارُ العَبْدِ وَلَا يَمْلِكُ تَزْوِيجَ عَبْدِهِ و
المأذون، فإنه يتعلق بكسبه، ويصير المولى في التصرف كأجنبي آخر، إذا كان الدين مستغرقا (١).
قوله: (ويصح إقراره) أي إقرار الصبي وإنما ذكر هذا بعد ما ذكره بطريق التعميم؛ ليتناول الدين والعين؛ لأنه صار منفك الحجر بالإذن، فصار كما لو كان منفك الحجر بالبلوغ.
فإن قيل: الولاية المتعدية فرع ولاية القائمة، ثم إقرار الولي عليه باطل، فكيف يستفيد هو بإذنه ما لم يملكه الولي؟
قلنا: إقراره بعد الإذن على نفسه من صنيع التجار ومما لا تتم التجارة إلا به؛ لأن الناس إذا علموا أن إقراره لا يصح يحترزون عن معاملته، أما إقرار وليه عليه قول على الغير وهو شهادة، وشهادة الفرد لا تكون حجة، إذ إقرار المرء على نفسه حجة لا على غيره، وبقوله في ظاهر الرواية يحترز عما روى الحسن عن أبي حنيفة رحمهما الله: أن إقراره فيما ورثه لا يصح؛ لأن إقراره في كسبه كحاجته إلى التجارة، وهذه الخاصة تنعدم في الموروث.
وجه الظاهر: أن انفكاك الحجر بالإذن عنه كانفكاكه بالبلوغ فيصح في الكل؛ لأنه لما التحق إلى رأيه رأي وليه صار هو كالبالغ، ولهذا جوز أبو حنيفة ﵀ تصرفه بعد الإذن بالغبن الفاحش كالبالغ.
قوله: (ولا يملك تزويج عبده) قيد بالعبد؛ لأن عدم جوازه تزويجه بالإجماع، أما عدم جواز تزويج أمته خلاف بين أبي حنيفة، ومحمد، وبين أبي يوسف فعنده: يملك تزويج أمته؛ لأن فيه تحصيل المال، فيملكه كالعبد المأذون.
وعندهما لا يملكه؛ لأن النكاح ليس من عقود التجارة كالعبد المأذون وقد مر.
стр. 6273
لَا كِتَابَتِهِ كَمَا فِي العَبْدِ وَالمَعْتُوهِ الَّذِي يَعْقِلُ البَيْعَ وَالشِّرَاءَ بِمَنْزِلَةِ الصَّبِيِّ يَصِيرُ مَأْذُونَا بِإِذْنِ الأَبِ وَالجَدِّ وَالوَصِيِّ دُونَ غَيْرِهِمْ عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ، وَحُكْمُهُ حُكْمُ الصَّبِيِّ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قوله: (ولا كتابته) أي: لا يملك كتابته عنده كما في العبد المأذون، أما تملك إذن عبده في التجارة كالعبد.
فإن قيل: الأب والوصي يملكان الكتابة في عبد الصبي فينبغي أن يملكها الصبي بعد الإذن أيضًا؛ لأن ولايته مستفادة منهما.
قوله: (والمعتوه الذي) إلى آخره، يعني الجواب فيه كالجواب في الصبي المميز، ولا يعلم فيه خلاف.
وفي الذخيرة: المعتوه الذي يعقل البيع والشراء كالصبي إذا بلغ معتوها، أما إذا بلغ عاقلا (١) ثم عته، فأذن له الأب في التجارة هل يصح إذنه؟
فقال أبو بكر البلخي: لا يصح إذنه قياسًا، وهو قول أبي يوسف، ويصح استحسانًا، وهو قول محمد، وهذا بخلاف ما لو عته الأب أو جن، فإنه لا يثبت للابن الكبير ولاية التصرف في ماله، إنما تثبت له ولاية التزويج؛ لأن ولاية التصرف للقريب في مال القريب إنما تثبت إذا كان الولي كامل الرأي، وافر الشفقة، والأب كامل الرأي وافر الشفقة تثبت له ولاية التصرف في المال والنفس، أما إذا كان كامل الرأي تام الشفقة يثبت له الولاية في النفس دون المال كالأخ.
قوله: (وغيرهم) (٢) من الأقارب كالابن والأخ، والعم، وقيد بقوله: (من الأقارب) لأن للقاضي ولاية في إذن المعتوه، ذكره في المبسوط (٣).
وقوله: (على ما بينا) إشارة إلى قوله: (وذكر الولي في الكتاب ينتظم الأب والجد) (٤) إلى آخره، ولو اشترى أب أو وصي أمةٍ للصغير أو المعتوه، وهي ذات رحم محرم من الصغير أو المعتوه لا ينفذ عليهما، وإنما ينفذ على الأب والوصي؛ لأنه لا نظر في هذا والله أعلم.
стр. 6274
كِتَابُ الغَصْبِ
الغَصْبُ فِي اللُّغَةِ: أَخْذُ الشَّيْءِ مِنْ الغَيْرِ عَلَى سَبِيلِ التَّغَلُّبِ لِلِاسْتِعْمَالِ فِيهِ. وَفِي الشَّرِيعَةِ: أَخْذُ مَالٍ مُتَقَوِّمٍ مُحْتَرَمٍ بِغَيْرِ إِذْنِ المَالِكِ عَلَى وَجْهِ يُزِيلُ يَدَهُ.
كِتَابُ الْغَصْبِ
وجه مناسبة الغصب للإذن أن بالإذن يصح إقراره بالدين، وبالغصب كان ذكر النوع بعد الجنس، أو ما دام الغصب قائما في يد الغاصب لا يملكه كالعبد المأذون فإنه غير مالك لرقبة ما في يده من الكسب. اعلم أن محاسن الغصب من حيث الأحكام لا من حيث الإقدام كما في الجنايات، فلذا [أورد] (١) كتاب الغصب في الكتب.
ثم الغصب لغة: أخذ الشيء ظلما وقهرا، مصدر غصب غصبًا، وسمي المغصوب غصباً تسمية بالمصدر.
وشرعًا: أَخْذُ مال متقوم بغير إذن المالك على وجه يزيل يده.
(وقيد بمال محترم) أي: متقوم احترازًا عن غصب مال الحربي في دار الحرب. وقيد بقوله: (على وجه يزيل يد المالك) إذ الشرط فيه عندنا زوال اليد المحقة، وإثبات اليد المبطلة، وعلى هذا تخرج المسائل [عن] (٢) أن إزالة اليد المحقة بالنقل والتحويل.
وعند الشافعي وغيره: إثبات اليد في المنقول بالنقل إلا في الدابة، فيلزم فيها الركوب، وفي الفراش الجلوس عليه، وفي العقار الغصب يتحقق بالدخول
стр. 6275
حَتَّى كَانَ اسْتِخْدَامُ العَبْدِ وَحَمْلُ الدَّابَّةِ غَصْبًا دُونَ الجُلُوسِ عَلَى البِسَاطِ، ثُمَّ إِنْ كَانَ مَعَ العِلْمِ فَحُكْمُهُ المَأْثَمُ وَالمَغْرَمُ،
وإزعاج المالك حتى لو أزعج ولم يدخل لم يضمن، ولو دخل ولم يزعج ولم يقصد الاستيلاء لم يضمن، وإن قصد صار غاصبا للنصف، والنصف في يد المالك، والضعيف إذا دخل دار القوي وهو فيها وقصد الاستيلاء لم يضمن؛ لأن المقصود غير ممكن، وإن لم يكن القوي فيها ضمن كذا في الوجيز، وشرحه.
واستخدام العبد، وحمل الدابة غصب بلا خلاف؛ لأنه إثبات يد التصرف عليه وذلك يوجب قصر يد المالك عنه، ولو جلس على بساط غيره أو فراشه، أو ركب دابة غيره ولم يزله من مكانه لم يكن غاصبا؛ لأن جلوسه استعماله وهو تصرف فيه.
قلنا: البسط فعل المالك، وقد يقع أثر فعله في الاستعمال، فلم يكن الغاصب مزيلا يده.
وكذا لو غصب حمارًا، أو ساقه فانساق جحشه فأكله الذئب لا يضمنه [الغاصب] (١) إن لم يسق الجحش معه.
وكذا لو منع أصحاب المواشي حتى ضاعت لم يضمن عندنا، وعند الشافعي أيضًا.
ولكن ذكر في فتاوى قاضي خان مسألة تخالف هذا الأصل فإنه قال: لو غصب عجولا فاستهلكه حتى ييبس لبن أمه قال أبو بكر البلخي: يضمن قيمة العجول، ونقصان الأم وإن لم يفعل في الأم شيئًا.
وفائدة الخلاف بيننا وبين الشافعي: زوائد المغصوب كالولد والثمن فإنها غير مضمونة عندنا خلافًا له.
(ثم إن كان) أي: الغصب (مع العلم فحكمه المغرم والمأثم) بإجماع العلماء وبالكتاب قال تعالى: ﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ﴾ [النساء: ٢٩]
стр. 6276
وَإِنْ كَانَ بِدُونِهِ فَالضَّمَانُ؛ لِأَنَّهُ حَقُّ العَبْدِ فَلَا يَتَوَقَّفُ عَلَى قَصْدِهِ وَلَا إِثْمَ؛ لِأَنَّ الخَطَأَ مَوْضُوعٌ.
قَالَ: (وَمَنْ غَصَبَ شَيْئًا لَهُ مِثْلٌ كَالمَكِيلِ وَالمَوْزُونِ، فَهَلَكَ فِي يَدِهِ، فَعَلَيْهِ مِثْلُهُ) وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ:
والآيات كثيرة.
وبالسنة: قال ﵊ في خطبته يوم النحر: «إِنَّ دِماءَكم وأموالَكُم حَرامٌ كَحُرمَةِ يومِكُم هَذا في شَهْرِكُم هَذا وَبَلَدِكُم هَذا» رواه مسلم وغيره (١)، وقال ﷺ : «مَنْ أَخَذَ شِبْرًا مِنَ الأرضِ ظُلْمًا طَوَّقَهُ اللهُ مِنْ سَبْعِ أَرَضِين» متفق عليه (٢). وقال ﷺ : «لا يَحِلُّ مالُ امرئ مسلم إلا بطيبِ نَفْسِهِ منه» (٣).
(وإن كان بدونه) أي: بدون العلم بأن ظن المأخوذ ماله، أو اشترى عينًا، ثم ظهر استحقاقه (فالضمان).
وكذا إن كان الآخذ مغرورا لجهله، وعدم قصده دون الإثم بالإجماع؛ لأن الخطأ مرفوع شرعًا، قال ﷺ رُفِعَ عَنْ أمتي الخطأ الحديث، وقال تعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُم بِهِ، وَلَكِن مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [الأحزاب: ٥].
قوله: (وفي بعض النسخ) أي: نسخ القدوري قوله: ﴿فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤]، سمى الفعل الثاني اعتداء بطريق المعاملة كقوله: ﴿وَجَزَاؤُا سَيِّئَةِ سَيِّئَةُ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠]، والمجازاة لا تكون سيئة، ولأن المثل أعدل لأن الواجب ضمان الجبر، والجبر إنما يتحقق بإيجاب المثل صورة
стр. 6277
فَعَلَيْهِ ضَمَانُ مِثْلِهِ، وَلَا تَفَاوُتَ بَيْنَهُمَا، وَهَذَا لِأَنَّ الوَاجِبَ هُوَ المِثْلُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤] وَلِأَنَّ المِثْلَ أَعْدَلُ، لِمَا فِيهِ مِنْ مُرَاعَاةِ الجِنْسِ وَالمَالِيَّةِ فَكَانَ أَدْفَعَ لِلضَّرَرِ. قَالَ: (فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى مِثْلِهِ فَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ يَوْمَ يَخْتَصِمُونَ) وَهَذَا (عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: يَوْمَ الغَصْبِ. وَقَالَ مُحَمَّدٌ: يَوْمَ الِانْقِطَاعِ) (*) لِأَبِي يُوسُفَ: أَنَّهُ لَمَّا انْقَطَعَ التَحَقَ بِمَا لَا مِثْلَ لَهُ، فَتُعْتَبَرُ قِيمَتُهُ يَوْمَ انْعِقَادِ السَّبَبِ، إِذْ هُوَ المُوجِبُ. وَلِمُحَمَّدٍ: أَنَّ الوَاجِبَ المِثْلُ فِي الذِّمَّةِ.
ومعنى، وذلك بالحبس والمالية؛ لأن حق المستحق في [الصورة] (١) والمعنى، وفيه اعتبارهما فكان أعدل من القيمة التي فيها مراعاة [المعنى وهو المالية] (٢) فحسب.
قوله: (وهذا) أي: وجوب قيمته يوم الخصومة عند أبي حنيفة، وبه قال أكثر أصحاب الشافعي، ومالك. وقال [محمد: يوم] (٣) الانقطاع، وبه قال أحمد، وبعض أصحاب الشافعي.
وحد الانقطاع ما ذكره أبو بكر البلخي هو أن لا يؤخذ في السوق الذي باع فيه، وإن كان يوجد في البيوت، وعلى هذا انقطاع الدراهم. وفي الجواهر المالكية: ليس له إلا مثله، ويصير حتى يوجد، قاله ابن القاسم.
وقال أشهب: المالك بالخيار إن شاء صبر وإن شاء أخذ القيمة، وهو قول علمائنا، وقد مر قول أبي يوسف في التعليل باعتبار ترتيب الأوقات، فإن أول الأوقات الثلاثة يوم الغصب، ثم يوم الانقطاع، ثم يوم الخصومة.
قوله: (إذ هو) أي: الغصب (الموجب) للأصل، والخلف يجب بالسبب
стр. 6278
وَإِنَّمَا يُنْتَقَلُ إِلَى القِيمَةِ بِالِانْقِطَاعِ فَتُعْتَبَرُ قِيمَتُهُ يَوْمَ الِانْقِطَاعِ. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ: أَنَّ النَّقْلَ لَا يَثْبُتُ بِمُجَرَّدِ الِانْقِطَاعِ، وَلِهَذَا لَوْ صَبَرَ إِلَى أَنْ يُوجَدَ جِنْسُهُ لَهُ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا يَنْتَقِلُ بِقَضَاءِ القَاضِي، فَتُعْتَبَرُ قِيمَتُهُ يَوْمَ الخُصُومَةِ وَالقَضَاءِ، بِخِلَافِ مَا لَا مِثْلَ لَهُ؛ لِأَنَّهُ مُطَالَبٌ بِالقِيمَةِ بِأَصْلِ السَّبَبِ كَمَا وُجِدَ فَتُعْتَبَرُ قِيمَتُهُ عِنْدَ ذَلِكَ.
قَالَ: (وَمَا لَا مِثْلَ لَهُ فَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ يَوْمَ غَصْبِهِ) مَعْنَاهُ: العَدَدِيَّاتُ المُتَفَاوِتَةُ، لِأَنَّهُ لَمَّا تَعَذَّرَ مُرَاعَاةُ الحَقِّ فِي الجِنْسِ، فَيُرَاعَى فِي المَالِيَّةِ وَحْدَهَا دَفْعًا لِلضَّرَرِ بِقَدْرِ الإِمْكَانِ. أَمَّا العَدَدِيُّ المُتَقَارِبُ فَهُوَ كَالمَكِيلِ،
الذي يجب به الأصل فتصير قيمته يوم الغصب.
قوله: (لا يثبت بمجرد الانقطاع) إذ النقل باعتبار العجز عن الأصل، والعجز يتحقق عند القضاء؛ لأن احتمال أن يوجد قبل القضاء بعد الانقطاع باق، ولأنه [لا يتحقق] (١) العجز قبله.
قوله: (معناه العدديات المتفاوتة) كالبطيخ والرمان.
(إنما العدد) أي: المتقارب، كالجوز والبيض والفلوس (فهو كالمكيل) وبه قال مالك.
وفي الكافي: وقال مالك: في العدديات المتفاوتة يضمن مثله بصورة من جنس ذلك لما تلوناه.
ولكن ذكر في كتاب الجواهر للمالكية: وكذا العدد الذي يستوي آحاد جملته في الصفة غالبًا كالبيض، والجوز، ونحوه، وهذا يدل على أن قوله في العدديات المتقاربة كقولنا.
وقال زفر: في العدديات المتقاربة تجب القيمة أيضًا؛ لأن المماثلة فيه بالاجتهاد لا بالنص، ولهذا لا يجري فيه الربا فيصار إلى القيمة لتعذر المثل قطعا.
وقلنا: المماثلة في أحاده ثابتة بالعرف فكان كالثابت بالنص في المقصود
стр. 6279
حَتَّى يَجِبُ مِثْلُهُ لِقِلَّةِ التَّفَاوُتِ. وَفِي البُرِّ المَخْلُوطِ بِالشَّعِيرِ القِيمَةُ؛ لِأَنَّهُ لَا مِثْلَ لَهُ. قَالَ: (وَعَلَى الغَاصِبِ رَدُّ العَيْنِ المَغْصُوبَةِ)
وهو جبر النقصان للمغصوب ما أمكن، كذا في المبسوط.
وفي المبسوط: في العدديات المتفاوتة كالثياب والدواب تجب القيمة فيه، وبه قالت الأئمة الثلاثة، وأكثر الفقهاء.
وقال أهل المدينة: الواجب هو المثل، وبه قال أصحاب الظاهر، لكن قالوا: إذا لم يوجد مثله فيصبر حتى يوجد أو يأخذ القيمة؛ لحديث أنس قال: كنت في حجرة عائشة ﵂ قبل أن يضرب الحجاب، فأتي بقصعة من ثريد من عند بعض أزواجه ﷺ ، فضربت عائشة القصعة بيدها فانكسرت، فجعل النبي ﷺ يأكل من الأرض ويقول: «غارت أمكم» (١)، ثم جابت عائشة قصعة مثل تلك القصعة فردّتها، واستحسن رسول الله ﷺ .
وقال علي ﵁ في المغدور: يُفَكُّ الغلامُ بالغلام، والجارية بالجارية.
ولنا: حديث معروف أنه ﷺ قال في عبد بين شريكين: «يُعتِقُهُ أَحدُهُما فَإِنْ كان موسرًا ضمن قيمةَ نَصيب شريكه، وإن كانَ مُعسِرًا اسْتَسْعَى العبدُ غير مشقوق عليه» (٢)، وهذا تنصيص على اعتبار القيمة فيما لا مثل له.
وتأويل حديث أنس أن الرد كان بطريق المروءة ومكارم الأخلاق، لا على طريق أداء الواجب، وكانت القصعتان لرسول الله ﷺ قال ﵊ لعائشة: تلك التي كسرت، لا يقضون بالمكسور للكاسر وإن كان ملكها كان برضاها فلا يكون حجة لأنه محتمل.
ومعنى قول علي: يُفَكُ الغلامُ بالغلام أي: بقيمة الغلام وقد صح عن عمر، وعلي أنهما قضيا في ولد المغدور بالقيمة.
وما قال ابن حزم في هذه المسألة كلام لا طائل تحته، وتشنع بالتعصب بلا وقوف على المعنى بأنه ﷺ استسلف بعيرا ورد مثله.
стр. 6280
مَعْنَاهُ: مَا دَامَ قَائِمًا، لِقَوْلِهِ ﵊: «عَلَى اليَدِ مَا أَخَذَتْ حَتَّى تَرُدَّ» وَقَالَ ﵊: «لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يَأْخُذَ مَتَاعَ أَخِيهِ لَاعِبًا وَلَا جَادًّا،
وقضى عثمان وابن مسعود فيمن استهلك فصلانًا بفصلان مثلها؛ لأن هذا حكاية حال لا يحتج به؛ لأنه يمكن أن يكون بالتراضي. ثم عندنا تلزم قيمته يوم الغصب، وبه قال مالك.
وقال الشافعي: أكثر ما كانت حين الغصب إلى حين التلف؛ لأنه في حال زيادة القيمة غاصب مطالب بالرد، فإذا لم يرد ضمن بدله.
قال أحمد: يضمن قيمته يوم التلف؛ لأن الرد واجب عليه، ويصار إلى القيمة يوم التلف فتعتبر قيمته يوم التلف.
وعندنا: الغصب لا يتحقق في الزوائد، فتعتبر قيمته يوم الغصب، وفي الإتلاف يضمن قيمته يوم الإتلاف بلا خلاف.
قوله: (معناه ما دام) أي: المغصوب (قائما) ولا خلاف للعلماء فيه.
قوله: (لاعبا ولا جادا)، وفي رواية المصابيح، والفائق: (لاعبا جادا) بدون (ولا) وزاد في المصابيح: «فَمَنْ أَخَذَهُ فَلْيَرُدَّهُ عليهِ» (١)، ولفظ الحديث جاء في القضاء.
ومعنى قوله: (لاعبًا) أي: لا يريد سرقته، ويريد إدخال الغيظ على أخيه فهو لاعب في مذهب السرقة، جاد في إدخال الغيظ على أخيه، وقال ﷺ : «مَنْ وَجدَ عين مَالِهِ في يَدِ رَجُلٍ فَهْوَ أَحقُّ بهِ» (٢) ومن ضرورة كونه أحق بالعين وجوب الرد على الآخذ.
стр. 6281
فَإِنْ أَخَذَهُ فَلْيَرُدَّهُ عَلَيْهِ» وَلِأَنَّ اليَدَ حَقٌّ مَقْصُودٌ، وَقَدْ فَوَّتَهَا عَلَيْهِ، فَيَجِبُ إِعَادَتُهَا بِالرَّدِّ إِلَيْهِ، وَهُوَ المُوجِبُ الأَصْلِيُّ عَلَى مَا قَالُوا، وَرَدُّ القِيمَةِ مُخَلِّصٌ خَلَفًا؛ لِأَنَّهُ قَاصِرٌ، إذ الكَمَالُ فِي رَدِّ العَيْنِ وَالمَالِيَّةِ.
وَقِيلَ: المُوجِبُ الأَصْلِيُّ القِيمَةُ وَرَدُّ العَيْنِ مُخَلِّصٌ، وَيَظْهَرُ ذَلِكَ فِي بَعْضِ
قوله: (ولأن اليد حق مقصود) بدليل جواز الكتابة وإذن العبد في التجارة، إذ ليس في مباشرة عقد الكتابة سوى التصرف باليد، وعقود الشرعية مع الفائدة، فلو لم يفد عقد الكتابة ملك اليد بالتصرف لخلا عن الحكم، ألا ترى أن أسباب العبادات لما لم يوجب حكمها الذي هو الابتلاء بالأداء في حق الصبي والمجنون لم تنعقد أسبابًا في حقهما.
وكذا في المأذون بل باليد يحصل الانتفاع أي: ثمرات الملك، فكان اليد حقا مقصودا فيجب [نسخ] (١) فعله دفعا للضرر.
وفي المبسوط: والضمان في المدبر ليس إلا لتفويت اليد، فعلم أن اليد حق مقصود.
قوله: (وهو) أي: رد العين
(على ما قالوا) أي: المشايخ.
(لأنه) أي: رد القيمة قاصر، والكمال في رد الصورة و [المعنى، و] (٢) قيل: الموجب الأصلي وجوب القيمة ورد العين يتخلص عنه، ولهذا لو أبرأ عن الضمان حال قيام العين يصح، حتى لو هلكت بعده لا يجب الضمان، ولولا أن الوجوب الأصلي القيمة لما صلح الإبراء، ولو كفل بالمغصوب يصلح، ولو لم يكن الضمان واجبًا لكان كفالة بالعين والكفالة بالدين تصلح لا بالعين، ولهذا لا تجب الزكاة على الغاصب في نصاب في يد الغاصب، إذا انتقص ذلك النصاب بمقابلة وجوب قيمة المغصوب حال قيام المغصوب، كذا ذكره في النهاية.
стр. 6282
الأَحْكَامِ، (وَالوَاجِبُ الرَّدُّ فِي المَكَانِ الَّذِي غَصَبَهُ) لِتَفَاوُتِ القِيَمِ بِتَفَاوُتِ الْأَمَاكِنِ (فَإِنْ ادَّعَى هَلَاكَهَا: حَبَسَهُ الحَاكِمُ حَتَّى يَعْلَمَ أَنَّهَا لَوْ كَانَتْ بَاقِيَةٌ لَأَظْهَرَهَا، ثُمَّ قَضَى عَلَيْهِ بِبَدَلِهَا)؛ لِأَنَّ الوَاجِبَ رَدُّ العَيْنِ، وَالهَلَاكُ بِعَارِضِ، فَهُوَ يَدَّعِي أَمْرًا عَارِضًا خِلَافَ الظَّاهِرِ، فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ، كَمَا إِذَا ادَّعَى الإِفْلَاسَ وَعَلَيْهِ ثَمَنُ مَتَاعٍ فَيُحْبَسُ إِلَى أَنْ يُعْلَمَ مَا يَدَّعِيهِ، فَإِذَا عَلِمَ الهَلَاكَ سَقَطَ عَنْهُ رَدُّهُ فَيَلْزَمُهُ رَدُّ بَدَلِهِ وَهُوَ القِيمَةُ.
قَالَ: (وَالغَصْبُ فِيمَا يُنْقَلُ وَيُحَوَّلُ)؛ لِأَنَّ الغَصْبَ بِحَقِيقَتِهِ يَتَحَقَّقُ فِيهِ دُونَ غَيْرِهِ؛ لِأَنَّ إِزَالَةَ اليَدِ بِالنَّقْلِ.
قوله: (فإن ادعى هلاكًا) أي: هلاك العين المغصوبة.
في المبسوط: غصب جارية فغيبها، فأقام المغصوب منه بينة أنه قد غصبها، فإنه يحبس حتى يجيء بها فيردها.
وقال أبو بكر الأعمش: تأويل المسألة أن الشهود على إقرار الغاصب بذلك لأن إقراره الثابت بالبينة كالثابت بالمعاينة، أما الشهادة على فعل الغصب لا يقبل مع جهالة المغصوب، إذ لا يتمكن القاضي من القضاء بالمجهول، فلا بد من الإشارة في الدعوى والشهادة.
والأصح أن هذه الدعوى والشهادة بالحاجة لأجل الضرورة، فيثبت غصبه بالبينة كثبوته بإقراره، فيحسن ولو قال الغاصب: فات، أو بعتها ولا أقدر عليها، تلوم القاضي يومين أو ثلاثة، ومقدار التلوم مفوض إلى رأي القاضي، ولو رضي المالك بالقضاء لا يتلوم.
وذكر في الذخيرة: ذكر محمد في السير: أنه يقضي عليه من غير تلوم.
قيل: في المسألة روايتان، وقيل: لا، لكن ما ذكر في السير جواب الجواز، معناه لو قضى بغير تلوم يجوز، وما ذكر في الأصل أن التلوم أفضل.
وقال الشافعي: القول للغاصب مع يمينه، وفي لزوم البدل وجهان: أحدهما: لا يلزمه حتى يصدقه المالك، والثاني: يلزمه، وهو الأصح، وهذا بعد الحبس، وبه قال مالك، وأحمد.
قوله: (والغصب فيما ينقل) فقوله (والغصب) مبتدأ و (فيما ينقل) خبره أي: الغصب يتحقق فيما ينقل، ويحول بدليل قوله: (لأن الغصب) إلى آخره.
стр. 6283
(وَإِذَا غَصَبَ عَقَارًا فَهَلَكَ فِي يَدِهِ: لَمْ يَضْمَنْهُ) وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ.
وَقَالَ مُحَمَّدٌ: يَضْمَنُهُ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ الأَوَّلُ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ، لِتَحَقُّقِ إثْبَاتِ اليَدِ،
قوله: (وبه قال الشافعي) وزفر، ومالك، وأحمد، أما ما تلف من الأرض والعقار بفعله، أو بسبب فعله يضمن بلا خلاف بين العلماء، والخلاف في الغصب لا في الإتلاف، وصورة الخلاف بأن غلب السيل على الأرض فبقيت تحت الماء، أو غصب دارا فانهدمت بآفة سماوية، أو جاء سيل فذهب بالبناء لم يضمن عند أبي حنيفة، وأبي يوسف خلافا لهم، أما لو هدم الحيطان، أو غرقها، أو كشط ترابها وألقى الحجارة فيها، أو نقص يحصل بغرسه أو بنائه فيضمنه بلا خلاف.
وفي المغرب: العقار: الضيعة. وقيل: كل مال له أصل كالدار والأرض.
لهم قوله ﵊: «مَنْ غَصَبَ شِبْرًا مِنَ الْأَرْضِ طَوَّقَهُ اللَّهُ تَعَالَى يوم القيامة من سَبْعِ أَرَضِينَ» (١) فقد أطلق لفظ الغصب على الأرض.
وكذا إطلاق قوله ﷺ : «عَلَى اليَدِ مَا أَخَذَتْ حَتَّى تَرُدَّ» (٢) إذ لا تفسد فيه بالمفعول، ولأنه يمكن الاستيلاء عليه على وجه يحول بينه وبين ملكه مثل أن يسكن الدار، ويمنع مالكها من دخولها، فصار كما لو أخذ الدابة أو المتاع، وهذا لأن المعتبر يد متصرفة، وقد تحققت منه إذا سكنها بأهله وأمتعته، أو زرعها لنفسه، وإذا تحققت يده انقطع يد المالك عنها ضرورة؛ لأن اجتماع اليدين على الكمال لا يتصور في محل واحد في حالة واحدة، وإذا ثبتت يده
стр. 6284
وَمِنْ ضَرُورَتِهِ زَوَالُ يَدِ المَالِكِ لِاسْتِحَالَةِ اجْتِمَاعِ اليَدَيْنِ عَلَى مَحَلٌ وَاحِدٍ فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ، فَيَتَحَقَّقُ الوَصْفَانِ وَهُوَ الغَصْبُ عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ فَصَارَ كَالمَنْقُولِ وَجُحُودِ الوَدِيعَةِ. وَلَهُمَا: أَنَّ الغَصْبَ إِثْبَاتُ اليَدِ بِإِزَالَةِ يَدِ المَالِكِ بِفِعْلٍ فِي العَيْنِ، وَهَذَا لَا
عليه وامتنعت يد المالك تحقق إثبات اليد المبطلة وإزالة اليد المحقة.
ولهذا يضمن العقار بالجحود، ولأن إزالة اليد ليست بشرط في الغصب كما لو ركب الدابة وهلكت من غير فعل، فإنه يضمنها بالإجماع، وكما لو وهب دارا لرجل بما فيها من الأمتعة، فهلكت الأمتعة قبل أن ينقلها الموهوب له ثم استحقت الدار، فللمستحق أن يضمن الموهوب له بلا خلاف.
والمسألة في الزيادات ولم تزل الأمتعة من يد المالك، فعلم أن إزالة يد المالك ليست بشرط، ولا الشهود بدار الإنسان لو رجعوا بعد القضاء يضمنها قيمتها للمشهود عليه، فلما ضمنوا بالشهادة الكاذبة فبالغصب أولى.
قوله: (ومن ضرورته (١)) أي: إثبات اليد (زوال يد المالك) إلى آخره، لتعليل قول محمد، لا لتعليل قول الشافعي عند تحقق الغصب بإثبات اليد بدون إزالة يد المالك.
قوله: (فيتحقق الوصفان) وهو إزالة يد المالك، وإثبات يد الغاصب. وفي الإيضاح: محمد يعتبر إزالة اليد من الوجه الذي ثبت والمحل كان في يد المالك انتفاعًا وارتفاعًا، وقد زالت تلك اليد بحدوث يد أخرى مثلها؛ لأنه لا يتصور اجتماع اليدين من جنس واحد في محل واحد.
ولنا: أن الغصب لا يتصور في العقار، فلا يجب ضمان الغصب، وهذا لأن الغصب إزالة اليد المحقة وإثبات اليد المبطلة؛ لأن الواجب ضمان جبر معتمد التفويت، وإزالة المحل عن يد المالك إنما تكون بالنقل والتحويل كما في المنقول، وذلك لا يتصور في العقار، وإنما يتصور منع المالك عنه، ومنع المالك يصرف في المالك لا في المحل، فلا يجب ضمان المحل كما لو بعد المالك عن المواشي حتى تلفت مواشيه.
стр. 6285
يُتَصَوَّرُ فِي العَقَارِ؛ لِأَنَّ يَدَ المَالِكِ لَا تَزُولُ إِلَّا بِإِخْرَاجِهِ عَنْهَا، وَهُوَ فِعْلٌ فِيهِ لَا فِي العَقَارِ، فَصَارَ كَمَا إِذَا بَعُدَ المَالِكُ عَنْ المَوَاشِي. وَفِي المَنْقُولِ: النَّقْلُ فِعْلٌ فِيهِ وَهُوَ الغَصْبُ. وَمَسْأَلَةُ الجُحُودِ مَمْنُوعَةٌ، وَلَوْ سُلِّمَ فَالضَّمَانُ
قوله: (لأن يد المالك لا تزول إلا بإخراجه) ولهذا لو دخل دار غيره بغير إذنه فسقط منها حائط لم يضمن بالاتفاق.
وفي المبسوط: إزالة اليد علة موجبة للضمان بدون إثبات اليد، حتى لو ضرب على يد آخر وفي يده درة فوقعت في البحر، أو في يده طير فطار الطير بضربه يجب الضمان، وقد عدم إثبات اليد ولو تجرد للإثبات عن الإزالة لم يصلح سببا للضمان، كما لو وضع يده على مال الغير فعلم أن إثبات اليد إذا تضمن إزالة يد المالك يصير سببا للضمان، فكان المعتبر في الضمان إزالة اليد؛ لأن الضمان دار معه وجودا وعدما.
ومسألة الجحود الوديعة في العقار ممنوعة لا يوجب الضمان في الأصح عندهما ذكره في المبسوط.
(ولئن سلم فالضمان) إلى آخره، وفي المبسوط: إنما يضمن بالمنع بعد الطلب لا بالجحود، وبالجحود يحصل المنع بعد الطلب، وعلى هذا إذا باع دارا لرجل، وأدخلها المشتري في بنائه لم يضمن البائع عندهما، وعند محمد يضمن قيمتها.
قال فخر الإسلام في الجامع الصغير: ومعنى المسألة إذا باعها ثم اعترف بالغصب وكذبه المشتري.
وقال شمس الأئمة في المبسوط: فإن كان غاصب الدار باعها وسلمها، ثم أقر بذلك ولا بينة لرب الدار، فإقراره باطل في حق المشتري؛ لأن المشتري صار مالكا بالشراء من حيث الظاهر فلا يقبل قول البائع بعد ذلك في إبطاله، ثم لا ضمان على الغاصب للمالك في قولهما؛ لأنه مقر على نفسه بالغصب، فإن البيع والتسليم غصب، والغصب الموجب للضمان عندهما لا يتحقق في العقار (١).
стр. 6286
هُنَاكَ بِتَرْكِ الحِفْظِ المُلْتَزَمِ وَبِالجُحُودِ تَارِكٌ لِذَلِكَ. قَالَ:
وَذكر محمد في الرجوع عن الشهادات: إذا شهدوا بدار لإنسان، ثم رجعوا بعد القضاء ضمنوا قيمتها للمشهود عليه.
فقيل: ذلك قول محمد، لا تسليطهم الغير على الدار بالشهادة كتسليط الغاصب الغير على الدار بالبيع والتسليم إليه.
وقيل: بل قولهم جميعًا، والفرق بين الفصلين لما أن الضمان الواجب بالشهادة ضمان إتلاف الملك على المشهود عليه، وذلك حصل بشهادتهم، حتى لو أقام بينة على الملك لنفسه لا تقبل بينته، وهاهنا إتلاف الملك لم يحصل بالبيع والتسليم، بل بعجز المالك عن إثبات ملكه بالبينة.
ألا ترى أنه لو أقام بينة على أنها ملكه قضى له بها؟ فلهذا لا يكون الغاصب ضامنًا، ويدخل عليه جحود الوديعة، فإن العقار يضمن بالجحود، وليس فيه إتلاف الملك حتى لو أقام المالك بينة قضي له بها.
والأصح أن نفوذ جحود الوديعة بمنزلة الغصب، فلا يوجب الضمان في العقار عندهما.
وأما الجواب عما تمسكوا أنه ﵊ قال «طَوَّقَهُ اللَّهُ» الحديث (١)، ولم يذكر الضمان، علم أن جزاء ذلك الفعل الوعيد لا الضمان، إذ المذكور جميع جزائه، فلو كان الواجب عليه الضمان لَبَيَّنَهُ، إذ الحاجة إليه أمس، فمن زاد عليه كان نسخا، وذا لا يجوز بالقياس، وإطلاق لفظة الغصب عليه لا يدل على تحقق الغصب الموجب للضمان، كما أنه ﷺ أطلق لفظ البيع على الحر بقوله: «مَنْ باعَ حُرَّا» (٢).
ولا [يدل] (٣) ذلك على البيع الموجب لحكم، مع أنه في الصحيحين جاء بلفظ أخذ فقال: «مَنْ أَخَذَ شِبْرًا مِنَ الأَرْضِ ظُلْمًا فإنهُ يُطَوِّقُهُ اللهُ يومَ القيامةِ مِنْ
стр. 6287
(وَمَا نَقَصَه مِنْهُ بِفِعْلِهِ، أَوْ سُكْنَاهُ، ضَمِنَهُ فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا)؛ لِأَنَّهُ إِتْلَافٌ، وَالعَقَارُ يُضْمَنُ بِهِ كَمَا إِذَا نَقَلَ تُرَابَهُ؛ لِأَنَّهُ فِعْلٌ فِي العَيْنِ، وَيَدْخُلُ فِيمَا قَالَهُ إِذَا انْهَدَمَتْ الدَّارُ بِسُكْنَاهُ وَعَمَلِهِ، فَلَوْ غَصَبَ دَارًا وَبَاعَهَا وَسَلَّمَهَا وَأَقَرَّ بِذَلِكَ، وَالمُشْتَرِي يُنْكِرُ غَصْبَ البَائِعِ، وَلَا بَيِّنَةَ لِصَاحِبِ الدَّارِ، فَهُوَ عَلَى الاخْتِلَافِ فِي الغَصْبِ
سَبْعِ أَرَضِينَ» فعلم أن المراد من الغصب الأخذ ظلمًا، لا غصبا موجبًا للضمان.
وأما قوله: (عَلَى اليَدِ ما أَخَذَتْ حَتَّى تَرُدَّ) مجاز لأن الأخذ حقيقة لا يتصور في العقار؛ لأن حدَّ الأخذ أن يصير المأخوذ تبعًا ليده؛ لأنه مفعول فيه، فكان هو منصرفًا إلى المنقول ضرورة ليعمل بالأخذ على حقيقته.
وأما الزيادات فقيل: ذلك الجواب غير مستقيم على أصل محمد؛ لأنه وافقنا على أنه يضمنه بدون النقل، بل الجواب فيه أن الواهب نقل يده إلى الموهوب له، ويد الواهب في الأمتعة كانت مفوتة يد المالك، فانتقلت بصفتها، والضمان في مسألة الراكب الضمان باعتبار الإتلاف لا الغصب، ولهذا لو ركب حُمُرًا (١) فتلف تحته ضمن وأما مسألة الشهادة فقد مرت فيما نقلنا من المبسوط، إليه أشار في المبسوط، والأسرار.
قوله: (يضمن به) أي: بالإتلاف فجاز ألا يضمن بالغصب ويضمن بالإتلاف كالحر.
قوله: (ويدخل فيما قاله) أي: التداوي بقوله: (وما نقصه منه بفعله وسكناه).
(انهدام الدار بسكناه) بأن كان عمل الحدادة والقصارة، حتى لو انهدم بغير سكناه وفعله بآفة سماوية لا يضمنه عندهما.
قوله: (فهو على الاختلاف في الغصب) أي: لا يضمنه البائع بالبيع والتسليم عندهما، خلافًا له في الصحيح كما ذكرنا في مسألة الجحود.
وقيد بقوله: (ولا بينة لصاحب الدار) إذ لو كان له بينة لا يضمن البائع بالاتفاق؛ لتمكنه من أخذ الدار بالبينة من المشتري.
стр. 6288
هُوَ الصَّحِيحُ. قَالَ: (وَإِذَا انْتَقَصَ الأرضَ بِالزِّرَاعَةِ، يَغْرَمُ النُّقْصَانَ)؛ لِأَنَّهُ أَتْلَفَ البَعْضَ، فَيَأْخُذُ رَأسَ مَالِهِ وَيَتَصَدَّقُ بِالفَضْلِ. قَالَ: (وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: لَا يَتَصَدَّقُ بِالفَضْلِ) (*) وَسَنَذْكُرُ الوَجْهَ مِنْ الجَانِبَيْنِ.
قَالَ: (وَإِذَا هَلَكَ النَّقْلِيُّ فِي يَدِ الغَاصِبِ بِفِعْلِهِ، أَوْ بِغَيْرِ فِعْلِهِ ضَمِنَهُ)
قوله: (وإن انتقص بالزراعة يغرم النقصان) ولا يعلم فيه خلاف؛ لأنه البعض، والعقار يضمن بالإتلاف بلا خلاف.
وفي التتمة: اختلفوا في تأويل نقصان الأرض.
قال نصير بن يحيى ينظر، بكم تستأجر قبل استعمالها؟ وبكم تستأجر بعده؟ فتفاوت ما بينهما نقصانها.
وقال محمد بن سلمة: ينظر، بكم تُشترى قبل استعمالها؟ وبكم تُشترى بعده؟ فتفاوت ما بينهما نقصانها.
قيل: رجع محمد بن سلمة إلى قول نصير.
قال السغدي: إن كان عرف أهل تلك القرية أنهم يزرعون أرض الغير بغير إذنه على وجه المزارعة من غير إذن وعقد، لِرَبِّ الأرض أن يطالبه بحصة الأرض.
وذكر أبو الليث في هذه الصورة: الزرع للزراع وعليه نقصان الأرض.
قوله: (يأخذ رأس ماله)، وهو البذر وما أنفق وما غرم أي: قدر ما غرم من نقصان الأرض، (ويتصدق بالفضل).
صورته مثلًا أخرجت أربعة أكرار ونقصها الزراعة وبذره كر ولحقته مؤنة كُرّ وقدر قيمة النقصان كرّ يفضل الخارج عن رأس ماله كُر فيتصدق به لأنه ربح ما لم يملك وعند أبي يوسف لم يتصدق لأن المنهي عنه ربح ما لم يضمن وهو قد ضمن.
стр. 6289
وَفِي أَكْثَرِ نُسَخِ المُخْتَصَرِ: وَإِذَا هَلَكَ الغَصْبُ، وَالمَنْقُولُ هُوَ المُرَادُ، لِمَا سَبَقَ: أَنَّ الغَصْبَ فِيمَا يُنْقَلُ، وَهَذَا؛ لِأَنَّ العَيْنَ دَخَلَ فِي ضَمَانِهِ بِالغَصْبِ السَّابِقِ إِذْ هُوَ السَّبَبُ. وَعِنْدَ العَجْزِ عَنْ رَدِّهِ: يَجِبُ القِيمَةُ، أَوْ يَتَقَرَّرُ بِذَلِكَ السَّبَبُ، وَلِهَذَا تُعْتَبَرُ قِيمَتُهُ يَوْمَ الغَصْبِ. (وَإِنْ نَقَصَ فِي يَدِهِ، ضَمِنَ النُّقْصَانَ)؛ لِأَنَّهُ يَدْخُلُ جَمِيعُ أَجْزَائِهِ فِي ضَمَانِهِ بِالغَصْبِ، فَمَا تَعَدَّرَ رَدُّ عَيْنِهِ يَجِبُ رَدُّ قِيمَتِهِ، بِخِلَافِ تَرَاجُعِ السِّعْرِ إِذَا رَدَّ فِي مَكَانَ الغَصْبِ؛
قوله: (وفي أكثر نسخ المختصر) أي: نسخ القدوري، وقوله: (عند العجز عن رده) يجب على هذا قول من قال: إن الموجب الأصلي في الغصب رد العين.
وقوله: (أو تتقرر القيمة بذلك) أي بالعجز على قول من يقول: الموجب الأصلي هو القيمة، وإنما ردد بينهما لاختلاف المشايخ في أن الرد هو الأصل أو القيمة، ولهذا يعتبر قيمته يوم الغصب فعلم أن الموجب الأصلي هو القيمة، وقد بينا اختلاف الأئمة الثلاثة في اعتبار القيمة.
قوله: (ضمن النقصان) سواء كان النقصان في يديه بأن كانت جارية فاعورت، أو شابة صارت عند الغاصب عجوزة، أو ناهدة الثديين فانكسر ثديها، أو لم تكن في يديه بأن كان عبدًا محترفًا فنسي ذلك عند الغاصب، أو قارئًا فنسي القرآن، ففي هذا كله يضمن النقصان، ولا يعلم فيه خلاف.
هذا إذا كان النقصان يسيرًا، أما إذا كان كثيرًا يتخير المالك بين الأخذ وتضمين النقصان، والترك تضمين جميع قيمته، كذا في المبسوط.
وعند الأئمة الثلاثة للمالك أخذ العين مع قيمة النقصان، سواء كان فاحشا أو يسيرا.
قوله: (بخلاف تراجع السعر) أي: لا يضمن الغاصب ما نقص من قيمته بتراجع السعر، ولا خلاف فيه للفقهاء، وأكثر العلماء؛ لأن الذات لم يتغير عما كان عليه، وتغير السعر يرجع إلى رغبات الناس دون فوت الجزء.
وقيد بقوله: (إذا رد في مكان الغصب) لا تراجع السعر إذا كان بسبب
стр. 6290
لِأَنَّهُ عِبَارَةٌ عَنْ فُتُورِ الرَّغَبَاتِ دُونَ فَوْتِ الجُزْءِ، وَبِخِلَافِ المَبِيعِ؛ لِأَنَّهُ ضَمَانُ عَقْدٍ. أَمَّا الغَصْبُ فَقَبْضُ، وَالأَوْصَافُ تُضْمَنُ بِالفِعْلِ لَا بِالعَقْدِ عَلَى مَا عُرِفَ. قَالَ ﵁: وَمُرَادُهُ غَيْرُ الرِّبَوِيِّ، أَمَّا فِي الرِّبَوِيَّات لَا يُمْكِنُهُ تَضْمِينُ النُّقْصَانِ مَعَ اسْتِرْدَادِ
اختلاف المكان، فالمالك بالخيار إن شاء أخذ القيمة في مكان الغصب، وإن شاء انتظر؛ لأنه إذا أخذ العين فقد وصل إليه عين ملكه مع ضرر يلحقه من نقل الغاصب، إذ القيمة تختلف باختلاف الأماكن، وهذا الفوات يحصل من قبيل الغاصب، وهو نقله إلى هذا المكان، فكان له أن لا يلتزم الضرر، ويطالبه بقيمة مكان الغصب أو ينتظر، كذا في الإيضاح.
وقوله: (وبخلاف المبيع) معطوف على (بخلاف تراجع السعر)، يعني المبيعة إذا اعْوَرَّتْ في يد البائع لا يجب شيء في مقابلته حتى لا يسقط شيء من الثمن بمقابلته، بل يتخير المشتري بين أن يأخذها بكل الثمن، وبين أن يتركها؛ لأنه ضمان وصفح؛ لما ذكرنا أن العقد يرد على الأعيان لا على الأوصاف.
أما ضمان الغصب فمتعلق بالفعل وهو القبض بغير حق، والفعل هل الذات بجميع أجزائها وأوصافها، فكانت مضمونة، وهو معنى قوله: (على ما عرف).
(ومراده) أي: مراد القدوري من قوله: (ضمن النقصان) في غير مال الربوي، أما في الربوي يجوز أن يغصب حنطة فعفنت عنده، أو إناء فضة فتهشم في يده، أو انكسر الدراهم أو الدنانير فصاحبه بالخيار، إن شاء أخذه ولا شيء له غيره، وإن شاء تركه وضمنه مثله تفاديًا عن الربا، كذا في الإيضاح.
وفي المبسوط: استهلك قلب فضة فعليه قيمته من الذهب مصوغا عنده، وقال الشافعي: يضمن قيمته - لأصحابه فيه وجهان: أصحهما: أنه يضمنه بحبسه، فتكون الزيادة بمقابلة الصنعة، وبه قال القاضي الحنبلي؛ لأن الربا يجري في العقود لا في الغرامات.
وفي وجه: يضمن نقصه بغير جنسه وبه قال أحمد؛ لأنه يستند إلى السبب الموجود في يد الغاصب -.
ولنا: أن للجودة والصنعة في الأموال الربوية لا قيمة، فلو أوجبنا مثل
стр. 6291
الأَصْلِ؛ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إِلَى الرِّبَا.
قَالَ: (وَمَنْ غَصَبَ عَبْدًا فَاسْتَغَلَّهُ، فَنَقَصَتْهُ الغَلَّةُ، فَعَلَيْهِ النُّقْصَانُ)؛ لِمَا بَيَّنَّا
قيمتها من جنسها يلزم الربا، فلمراعاة حقه والتحرز عن الربا (١)، قلنا: يضمن القيمة من الذهب مصوعًا، ولو وجده صاحبه مكسورًا لم يكن له فضل ما بين المكسور والصحيح خلالهما لما ذكرنا.
قوله: (لأنه يؤدي إلى الربا) أي: تضمين النقصان مع استرداد الأصل يؤدي إلى الربا؛ لأنه اعتياض عن الصنعة بانفرادها، ولا قيمة لها في الأموال الربوية، فكان له الخيار بين الأخذ مع النقصان وبين تركه وتضمين قيمته.
فإن قيل: الجودة ساقطة الاعتبار عند المقابلة بالجنس؛ ليتحقق إيجاب المماثلة، أما عند المقابلة بخلاف الجنس معتبرة حتى جاز بيع الحنطة الجيدة بالشعير كيفما كان، وكان للمالك تضمين الجودة بخلاف الجنس في الغصب دفعًا للضرر عنه، وليس في استرداد العين المتعينة مقابلة الجنس بالجنس، فلا يلزم الربا.
قلنا: مقابلة الجنس بالجنس موجودة فيما يجب فيه؛ لأنه إذا تغير صار شيئًا آخر؛ كالعصير إذا تخمّر فصار شيئًا آخر، وصار كأن المغصوب هلك، ولو هلك حقيقة وأخذ المالك مثل المتعينة ودرهما للنقصان كان ربا؛ فهذا منه، كذا أفاده شيخي العلامة ﵀.
قوله: (فاستغله) أي: أجره وأخذ الأجرة (فنقصته الغلة) أي: العمل في الإجارة جعله مهزولا، وهذه المسألة بهذا الوضع من مسائل الجامع الصغير.
وفي المبسوط: لم يذكر نقص الغلة.
قوله: (لما بينا) وهو أنه في ضمانه بجميع أجزائه، والغلة للغاصب.
وقال أحمد، والشافعي: الغلة للمالك؛ لأن الأجر عوض للمنافع المملوكة لرب العبد، فلم يملكها الغاصب كعوض الأجزاء.
وقلنا: وجوب الأجر بالعقد؛؛ لأن المنافع لا تتقوم إلا بالعقد، والعاقد هو
стр. 6292
(وَيَتَصَدَّقُ بِالغَلَّةِ) قَالَ ﵁: وَهَذَا عِنْدَهُمَا أَيْضًا.
وَعِنْدَهُ: لَا يَتَصَدَّقُ بِالغَلَّةِ، وَعَلَى هَذَا الخِلَافِ: إِذَا أَجْرَ المُسْتَعِيرُ المُسْتَعَارَ. لأَبِي يُوسُفَ: أَنَّهُ حَصَلَ فِي ضَمَانِهِ وَمِلْكِهِ. أَمَّا الضَّمَانُ فَظَاهِرٌ، وَكَذَا المِلْكُ؛ لِأَنَّ المَضْمُونَاتِ تُمْلَكُ بِأَدَاءِ الضَّمَانِ مُسْتَنِدًا عِنْدَنَا. وَلَهُمَا: أَنَّهُ حَصَلَ بِسَبَبٍ خَبِيثٍ، وَهُوَ التَّصَرُّفُ فِي مِلْكِ الغَيْرِ، وَمَا هَذَا حَالُهُ فَسَبِيلُهُ التَّصَدُّقُ، إِذْ الْفَرْعُ يَحْصُلُ عَلَى وَصْفِ الأَصْلِ وَالمِلْكُ المُسْتَنِدُ نَاقِصٌ فَلَا يَنْعَدِمُ بِهِ الخَبَثُ.
(فَلَوْ هَلَكَ العَبْدُ فِي يَدِ الغَاصِبِ حَتَّى ضَمِنَهُ، لَهُ أَنْ يَسْتَعِينَ بِالغَلَّةِ فِي أَدَاءِ الضَّمَانِ)؛ لِأَنَّ الخَبَثَ لِأَجَلِ المَالِكِ، وَلِهَذَا لَوْ أُدِّيَ إِلَيْهِ يُبَاحُ لَهُ التَّنَاوُلُ، فَيَزُولُ الخَبَثُ بِالأَدَاءِ إِلَيْهِ، بِخِلَافِ مَا إِذَا بَاعَهُ فَهَلَكَ فِي يَدِ المُشْتَرِي، ثُمَّ اسْتُحِقَّ وَغَرِمَهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَسْتَعِينَ بِالغَلَّةِ فِي أَدَاءِ الثَّمَنِ إِلَيْهِ؛ لِأَنَّ الخَبَثَ مَا كَانَ لِحَقِّ المُشْتَرِي.
الغاصب، فهو الذي جعل منافعه بالعقد [مالًا، فكان هو أولى] (١)، لكن يتصدق بالغلة؛ لأنها حصلت بكسب خبيث.
(وهذا) أي: التصدق بالغلة عند أبي حنيفة، ومحمد، خلافًا لأبي يوسف هو يقول: هذا ربح حصل في ضمانه وملكه؛ فطب به ككسب المبيع بعد القبض.
وقلنا: إنه مستفاد بسبب خبيث، وهو التصرف في مال الغير، والحكم يثبت مضافًا إلى سببه، فلا بد من ثبوت الخبث فيما يحكم ذلك السبب، وسبيل مثلها التصدق.
نعم الملك يثبت فيها بالاستناد لكن الاستناد ثابت من وجه دون وجه، ولهذا يظهر في القائم لا في الفائت، فلا يزول به الخبث، وهذا معنى قوله في الكتاب: والملك المستند ناقص، وهذا جواب عن قول أبي يوسف: يملك مستندًا عندنا، وأصل هذا حديث الشاة المَصْلِيّة، وهو معروف.
قوله: (بخلاف ما إذا باعه) أي: الغاصب العبد المغصوب بعد الاستغلال.
قوله: (لأن الخبث ما كان لحق المشتري) يزول بالوصول إلى يده.
стр. 6293
إِلَّا إِذَا كَانَ لَا يَجِدُ غَيرَهُ؛ لِأَنَّهُ مُحتَاجٌ إِلَيهِ، وَلَهُ أَنْ يَصرِفَهُ إِلَى حَاجَةِ نَفسِهِ، فَلَو أَصَابَ مَالًا تَصَدَّقَ بِمِثلِهِ إِنْ كَانَ غَنِيًّا وَقتَ الاِستِعمَالِ، وَإِنْ كَانَ فَقِيرًا فَلَا شَيءَ عَلَيهِ لِمَا ذَكَرْنَا.
قوله: (إلا إذا كان) أي: الغاصب (لا يجد غيره) أي: غير الأجر مالا، فلا بأس أن يؤدي من الغلة؛ لأنه محتاج إليه في تفريغ ذمته وتخليص نفسه، فله أن يصرفه إلى حاجة نفسه مقدمة على حق الفقراء.
وقوله: (لما ذكرنا) إشارة إلى أنه ملكه ملكا خبيثا، وسبيله التصدق، وقد تصدق.
في الذخيرة: هذا إذا أجر الغاصب، أما إذا أجر العبد نفسه، وسلم من العمل صحت الإجارة، فإن أخذ العبد الأجرة [يأخذ] (١) المالك مع العبد بلا خلاف لأحد، ولو أخذ الغاصب الأجر من العبد وأتلفه لا ضمان عليه عند أبي حنيفة.
وقالا يجب عليه الضمان، وبه قالت الأئمة الثلاثة؛ لأنه أتلف مال الغير من غير تأويل، فيجب عليه ضمانه، ولا شك أن الأجر الذي أخذه العبد مال المولى؛ لأنه كسب عبده.
ولأبي حنيفة: نعم الكسب مال المالك، لكنه لا عصمة له في حق الغاصب بعد الغصب، فأشبه نصاب السرقة بعد القطع، وذلك لأن العصمة تثبت بيد حافظه بنفسه أو بيد نائبه، ويد المالك لم تثبت على هذا المال، ويد الغاصب ليس بيد ثابتة، ولا يقال الآخر في يد العبد، فكان في يد المولى؛ لأن العبد في يد الغاصب حتى كان مضمونا عليه، وإذا كان العبد في يد الغاصب فلم يكن العبد محرزا حافظا نفسه عن الغاصب فلا يكون محرزا حافظا ما في يده أيضا.
وكذا قلنا في كسب المبيع قبل القبض غير مضمون على البائع بالاتفاق، فكذا هنا أو نقول: للآخر منفعة العبد فلو استهلك الغاصب منفعته لم يضمن، وكذا إذا استهلك بدله.
стр. 6294
قَالَ: (وَمَنْ غَصَبَ أَلْفًا، فَاشْتَرَى بِهَا جَارِيَةٌ، فَبَاعَهَا بِأَلْفَيْنِ، ثُمَّ اشْتَرَى بِالأَلْفَيْنِ جَارِيَةٌ، فَبَاعَهَا بِثَلَاثَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ، فَإِنَّهُ يَتَصَدَّقُ بِجَمِيعِ الرِّبْحِ، وَهَذَا عِنْدَهُمَا) وَأَصْلُهُ: أَنَّ الغَاصِبَ أَوْ المُودَعَ إِذَا تَصَرَّفَ فِي المَغْضُوبِ أَوْ الوَدِيعَةِ وَرَبِحَ: لَا يَطِيبُ لَهُ الرِّبْحُ عِنْدَهُمَا، خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ، وَقَدْ مَرَّتْ الدَّلَائِلُ وَجَوَابُهُمَا فِي الوَدِيعَةِ أَظْهَرُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَسْتَنِدُ المِلْكُ إِلَى مَا قَبْلَ التَّصَرُّفِ لِانْعِدَامِ سَبَبِ الضَّمَانِ فَلَمْ يَكُنْ التَّصَرُّفُ فِي مِلْكِهِ، ثُمَّ هَذَا ظَاهِرٌ فِيمَا يَتَعَيَّنُ بِالإِشَارَةِ، أَمَّا فِيمَا لَا يَتَعَيَّنُ كَالثَّمَنَيْنِ فَقَوْلُهُ فِي الكِتَابِ: اشْتَرَى بِهَا، إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ التَّصَدُّقَ إِنَّمَا يَجِبُ إِذَا اشْتَرَى بِهَا وَنَقَدَ مِنهَا الثَّمَنَ. أَمَّا إِذَا أَشَارَ إِلَيْهَا وَنَقَدَ مِنْ غَيْرِهَا، أَوْ نَقَدَ مِنهَا وَأَشَارَ إِلَى غَيْرِهَا، أَوْ أَطْلَقَ إِطْلَاقًا وَنَقَدَ مِنهَا: يَطِيبُ لَهُ، وَهَكَذَا قَالَ الكَرْخِيُّ؛ لِأَنَّ الإِشَارَةَ إِذَا كَانَتْ لَا تُفِيدُ التَّعْيِينَ
قوله: (وهذا) أي: التصدق بجميع الربح للمالك والمشتري ملكه، ولو دفع المال في آخر مضاربة، فالحكم في الربح على ما ذكرنا من الخلاف، وليس على المالك من أجر العامل شيء عند أحمد؛ لأنه لم يأذن له العمل في ماله ولا على الغاصب إن كان المضارب عالمًا بالغصب، وإن لم يعلم لزم أجر عمله على الغاصب كالعقد.
(وقد مرت الدلائل) أي: في مثله ومن غصب عبدًا فاستغله.
(ثم هذا) أي: عدم طيب الربح ظاهر فيما يتعين كالعروض ونحوها؛ لأن العقد يتعلق بها، حتى لو هلك قبل القبض يبطل البيع، فتستند الرقبة واليد في البيع بملك خبيث فيتصدق به.
(أما فيما لا يتعين كالثمنين) أي: الدراهم والدنانير.
(فقوله في الكتاب) أي: الجامع الصغير (اشترى بها) يشير إلى أنه أشار إليها، ونقد منها، إذ ظاهر هذه العبارة يدل على أنه أراد به إذا أشار إليها ونقد منها.
قوله: (لأن الإشارة إذا كانت لا تفيد التعيين) فيستوي وجودها وعدمها، إلا أن تتأكد بالنقد منها، ولأنه لما أشار إليها صار مقصوده عينها، غير أنه يتخير
стр. 6295
لَا بُدَّ أَنْ يَتَأَكَّدَ بِالنَّقْدِ لِيَتَحَقَّقَ الخَبَثُ. وَقَالَ مَشَايِخُنَا: لَا يَطِيبُ لَهُ قَبْلَ أَنْ يَضْمَنَ، وَكَذَا بَعْدَ الضَّمَانِ بِكُلِّ حَالٍ، وَهُوَ المُخْتَارُ لِإِطْلَاقِ الجَوَابِ فِي الجَامِعَيْنِ والمضاربة.
قَالَ: (وَإِنْ اشْتَرَى بِالْأَلْفِ جَارِيَةٌ تُسَاوِي أَلْفَيْنِ، فَوَهَبَهَا أَوْ طَعَامًا فَأَكَلَهُ: لَمْ يَتَصَدَّقْ بِشَيْءٍ)، وَهَذَا قَوْلُهُمْ جَمِيعًا؛ لِأَنَّ الرِّبْحَ إِنَّمَا يَتَبَيَّنُ عِنْدَ اتِّحَادِ الجِنْسِ.
بين إيفاء عينها أو مثلها، فحين أوفاها فقد تم حكم الغرض منها، والمسألة بحالها يتصدق بالربح، كذا هذا، كذا ذكره المحبوبي.
قال مشايخنا: (لا يطيب) أي: الربح قبل أداء الضمان وبعده.
وقوله: (بكل حال) يتعلق بالصورتين لدفع العدوان (وهو المختار لإطلاق الجواب في الجامعين) أي الجامع الصغير، والجامع الكبير.
(والمضاربة) من المبسوط حيث قال: يتصدق بجميع الربح مطلقا.
وحاصله: أنه متى استفاد بالحرام ملكًا من طريق الحقيقة أي: فيما يتعين، أو الشبهة أي: فيما لا يتعين يثبت الخبث وقط (١) لا تثبت الشبهة إلا استفاد شيئًا؛ لأنه إذا أشار لم يتعين إلا في حكم جواز العقد بمعرفة النقد والقدر، وإذا نقد استفاد به سلامة المشترى، فأما أن يصير عينهما عوضًا فلا، فثبت أنه لا يثبت إلا بالشبهة، وإذا أشار ولم ينقد فقد استفاد جواز العقد، وإذا نقد ولم يُشِرْ فقد استفاد بها سلامة المشترى، فتمكنت الشبهة بكل حال فقد استوت الوجوه في الشبهة، فاستوت في الحرمة والخبث.
وفي الذخيرة: قال مشايخنا: الفتوى اليوم على قول الكرخي: لكثرة الحرام دفعًا للحرج عن الناس، وعلى هذا قرر أي: الصدر الشهيد وشمس الأئمة السرخسي.
قوله: (ولو اشترى بالألف) أي: الألف المغصوبة أو الحرام (جارية).
وفي جامع أبي اليسر: هل يباح له الوطء أو الأكل؟ الصحيح أنه لا يباح؛
стр. 6296
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لأن في السبب نوع خبث، ولهذا المعنى غاصب فيه قليل يقوى، يشتري شيئًا نسيئة ويصرفه إلى حوائجه لم يقض الثمن.
وفي جامع المحبوبي، ونوادر ابن سماعة: غصب ثوبًا أو كُرًّا فاشترى طعامًا لا يسعه أن يأكل حتى يؤدي قيمة الثوب أو مثل الكُرّ. ولو غصب دراهم فاشترى بها طعامًا وَسِعَه أكلُه؛ لأن الثوب إذا استحق [ينتقض البيع] (١) بخلاف ما إذا استحقت الدراهم، ولو اشترى بالثوب والكر المغصوبين جارية لا يحل وطؤها.
أما لو تزوج (٢) بالثوب، أو بالكُرّ امرأة حل وطؤها؛ لأن باستحقاق المهر لا ينتقض النكاح؛ لأن الربح إنما يتبين عند اتحاد الجنس؛ لأن الربح فَضْلٌ وهو إنما يكون بعد المساواة، والمساواة إنما تتحقق عند اتحاد الجنس، ولا مجانسة هاهنا، فلا يثبت التساوي، فلا يثبت الفضل، ولأن الخبث يعمل في التصدق لا في التضمين، إذ الإنسان لا يضمن بالإتلاف ملك نفسه ولا يمكن التصدق هنا إلا بواسطة التضمين، فسقط أصلا بخلاف المضارب إذا اشترى بألف المضاربة عبدًا يساوي ألفين فأعتقه المضارب حيث جاز عتقه في ريعه، فقد أظهر الربح في الألف الزائد على الألف التي هي رأس المال، مع أن العبد غير الألف الذي أعطاه رب المال.
والمسألة في المبسوط: لما أن في المضاربة لما انقلب رأس المال عبدًا يتصرف المضارب، وفي العبد زيادة قيمة بضعف رأس المال، ظهر الربح لبقاء العبد، وظهور المجانسة بين رأس المال والربح؛ لأن نصف العبد بمقابلة رأس المال، والنصف الآخر بمقابلة الربح.
وفي مسألتنا ظهر الربح بزيادة القيمة عن الجارية على الألف المغصوبة، ولكن أزالها عن ملكه بغير عوض مالي، فلم يعمل ظهور الربح، فلا يجب التصدق بمقابلة الربح.
стр. 6297
فَصْلٌ فِيمَا يَتَغَيَّرُ بِفِعْلِ الغَاصِبِ
قَالَ: (وَإِذَا تَغَيَّرَتِ العَيْنُ المَغْصُوبَةُ بِفِعْلِ الغَاصِبِ، حَتَّى زَالَ اسْمُهَا وَأَعْظَمُ مَنَافِعِهَا: زَالَ مِلْكُ المَغْصُوبِ مِنهُ عَنْهَا، وَمَلَكَهَا الغَاصِبُ وَضَمِنَهَا، وَلَا يَحِلُّ لَهُ الانْتِفَاعُ بِهَا حَتَّى يُؤَدِّيَ بَدَلَهَا، كَمَنْ غَصَبَ شَاةً وَذَبَحَهَا وَشَوَاهَا، أَوْ طَبَخَهَا، أَوْ حِنْطَةٌ فَطَحَنَهَا، أَوْ حَدِيدًا فَاتَّخَذَهُ سَيْفًا، أَوْ صُفْرًا فَعَمِلَهُ آنِيَةٌ) وَهَذَا كُلُّهُ عِنْدَنَا.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: لَا يَنْقَطِعَ حَقُّ المَالِكِ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي يُوسُفَ ﵀
فَصْلٌ فِيمَا يَتَغَيَّرُ بِعَمَلِ الْغَاصِبِ
لما ذكر الغصب ومقدماته شرع في بيان أحكامه.
قوله: (بِفِعْلِ الغَاصِبِ) قَيَّدَ به؛ لأنه لو تغير بدون فعله بأن صار العنب زبيبا، أو الخمر خَلًّا بنفسه، والحليب لبنا، والرُّطَب تمرا، فالمالك بالخيار إن شاء أَخَذَ، وإن شاء ضَمَّنَه وتركه، ولو صار العنب زبيبا يجعله ملكه، كذا في فتاوى العتابي.
وقوله: (حتى زال اسمها) احتراز عما غَصَبَ شاةً وذَبَحَها، حيث لم يَزُلْ ملك مالكها؛ لأنه لم يَزُلِ اسمُها، يقال: شاة مذبوحة شاة حية. أما لو ذبحها وشواها أو طبخها، أو غصب حنطة فطحنها، أو حديدًا فاتخذه سيفا يزول ملك المالك عنه؛ لوجود المخالفة من (١) الحنطة والدقيق والحديد والسيف؛ لزوال اسم الشاة بعد الطبخ، واسم الحنطة بعد الطحن، واسم الحديد بعد اتخاذ السيف، وكذا لو غرس النواة.
قوله: (وقال الشافعي: حق المالك لا ينقطع)، وبه قال أحمد، وأبو يوسف في رواية، غير أنه إذا اختار المالك (٢) أَخْذَ الدقيق لا يُضَمِّنُهُ النقصان عند أبي يوسف؛ لأنه يؤدي إلى الربا؛ لأنه يأخذ عين حقه مع شيء آخر؛ إذ الدقيق غير الحنطة.
وعند مالك: لو ذبحها وشواها يُضَمَّنُ قيمتها، ولو ذبحها ولم يَشْوِها
стр. 6298
غَيْرَ أَنَّهُ إِذَا اخْتَارَ أَخْذَ الدَّقِيقِ لَا يُضَمِّنُهُ النُّقْصَانَ عِنْدَهُ؛ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إِلَى الرِّبَا، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ يُضَمِّنُهُ، وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ: أَنَّهُ يَزُولُ مِلْكُهُ عَنْهُ، لَكِنَّهُ يُبَاعُ فِي دَيْنِهِ، وَهُوَ أَحَقُّ بِهِ مِنْ الغُرَمَاءِ بَعْدَ مَوْتِهِ. لِلشَّافِعِيّ: أَنَّ العَيْنَ بَاقٍ فَيَبْقَى عَلَى مِلْكِهِ وَتَتْبَعُهُ الصَّنْعَةُ كَمَا إِذَا هَبَّتْ الرِّيحُ فِي الحِنْطَةِ وَأَلْقَتْهَا فِي طَاحُونَةٍ فَطُحِنَتْ. وَلَا مُعْتَبَرَ بِفِعْلِهِ؛ لِأَنَّهُ مَحْظُورٌ فَلَا يَصْلُحُ سَبَبًا لِلْمِلْكِ عَلَى مَا عُرِفَ، فَصَارَ كَمَا إِذَا انْعَدَمَ الفِعْلُ أَصْلًا وَصَارَ كَمَا إِذَا ذَبَحَ الشَّاةَ المَغْصُوبَةَ وَسَلَخَهَا وَأَرَّبَهَا.
وَلَنَا: أَنَّهُ أَحْدَثَ صَنْعَةً مُتَقَوِّمَةً
أَخَذَها مذبوحة وما نقصها الذبح كقولنا، وعندهم: يضمنه، وعند أبي يوسف: يزول ملكه عنه، لكنه يباع فيشترى له به حنطة مثل حنطته، فلو مات الغاصب فالمالك أحق به من سائر الغرماء؛ لأنه زال ملكه ويده بسبب لم يرض به، ولو زال ملكه بسبب هو راض به كالبيع لا ينقطع حقه إذا أزيلت يده بغير رضاه بأن [قبض] (١) المشتري بغير إذن البائع فهاهنا أولى لأن لا ينقطع حقه.
وفي الإيضاح: عن أبي يوسف ثلاث روايات أحدها كقولنا.
قوله: (وتتبعه الصنعة) لأن المالك صاحب الأصل، والغاصب صاحب صفة والصفة قائمة بالأصل مانعة له؛ فيترجح صاحب الأصل على صاحب التبع، وهذا لأن الدقيق حنطة فرقت أجزاؤها، وبتفريق (٢) الأجزاء لا ينقطع حق المالك كالقطع في الثوب، والذبح والسلخ والتأريب في الشاة بدون الطبخ.
(ولا يعتبر بفعله) أي: بفعل الغاصب؛ لأنه عدوان محض، فلا يصلح سببًا للملك، فلغي فعله والتحق بالعدم وصار كالحنطة وقعت في الطاحونة بهبوب الريح وصارت دقيقا حيث لا ينقطع حق المالك.
(ولنا أنه) أي: الغاصب (أحدث صفة (٣) متقومة)؛ لأن الحنطة تزداد قيمتها بالطحن، وكذا في ذبح الشاة مع طبخها، وكذا البواقي، فإذا ازدادت قيمتها
стр. 6299
صَيَّرَ حَقَّ المَالِكِ هَالِكًا مِنْ وَجْهِ،
بفعل الغاصب وزال اسمها وعظم منافعها صار مستهلكا، فصار كأنه استهلكه، والمستهلك مضمون عليه بمثله، والمحصول له لأنه كسبه، والكاسب أحق بكسبه، وهذا معنى قوله: (هالك من وجه) إذ قيام الشيء بصورته ومعناه، وقد انعدمت الصورة كتبدل الاسم وهو ظاهر، إذ هو الدقيق غير صورة الحنطة. وكذا انعدم المعنى لانعدام عظم منافعها، فإن الحنطة تصلح لأشياء كثيرة مثل البذر، والكشك، والهريسة، والنَّشاسْتَج (١) وغيرها، وبالطحن تهلك المنافع، وإذا ثبت المغايرة بينهما صورة ومعنى فيكون الأول مستهلكا ضرورة، إذ الشيء الواحد يستحيل أن [يكون] (٢) شيئين مختلفين في الصورة والمعنى، ولا يقال المقصود الأصلي بالحنطة التغذي؛ لأنها خلق لمصالح الأنفس، وكذا في سائر المطعومات، وبالطحن لم يَفُتْهُ ذلك، وكذا بالزراعة؛ لأن الزراعة استدامها فيكون وسيلة إليه.
ولهذا يجري الربا بين الدقيق والحنطة ولا ربا بدون المجانسة؛ لأنا نقول لا شك في فوات الصورة، وبفواتها يفوت المعنى، إذ المعنى قائم بالصورة، ولا نسلم أن المقصود من الحنطة الأكل، إذ العقلاء ما اعتادوا أكل غير الحنطة إلا بعد القلي، واتخاذ الهريسة أو الخبز يستدعي وجود الدقيق، والدقيق وجود الحنطة؛ فيكون وسيلة إلى هذا المقصود؛ فيكون المقصود الأصلي من عين الحنطة الزارعة، وكذا المقصود من عين السمسم الزراعة، ومن عين العنب التفكه.
فأما الخل والدقيق فمقصود من عين العصير لا من عين العنب، وجريان الربا بشبهة المجانسة لما أن عمل الطحن تفريق الأجزاء، وباب الربا مبني على الاحتياط، وإذا هلك الأول بفعله صار ضامنًا مثله، والدقيق حادث بفعله فيملكه والصنعة قائمة بذاتها من كل وجه والعين هالكة، وكانت الصنعة راجحة في الوجود، وترجيحه يرجع إلى الحال، وترجيحنا إلى الوجود، فالرجحان في الذات أحق من الرجحان بالحال؛ لأنها تابعة للذات.
стр. 6300
أَلَا تَرَى أَنَّهُ تَبَدَّلَ الاسْمُ وَفَاتَ مُعْظَمُ المَقَاصِدِ، وَحَقَّهُ فِي الصَّنْعَةِ قَائِمٌ مِنْ كُلِّ وَجْهِ، فَيَتَرَبَّحُ عَلَى الأَصْلِ الَّذِي هُوَ فَائِتٌ مِنْ وَجْهِ، وَلَا نَجْعَلُهُ سَبَبًا لِلْمِلْكِ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ مَحْظُورٌ، بَلْ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ إِحْدَاثُ الصَّنْعَةِ، بِخِلَافِ الشَّاةِ؛ لِأَنَّ اسْمَهَا بَاقٍ بَعْدَ الذَّبْحِ وَالسَّلْخِ، وَهَذَا الوَجْهُ يَشْمَلُ الفُصُولَ المَذْكُورَةَ وَيَتَفَرَّعُ عَلَيْهِ غَيْرُهَا
(ولا نجعله) أي: الغاصب من الطحن وغيره (سببًا للملك) إلى آخره، يعني فعله صار محظورًا من حيث تفويت يد المالك عن المحل لا من حيث إحداث الصنعة، إذ إحداث الصنعة مشروعة في نفسه، وإنما حرم هاهنا بأن جعل مال الغير بمنزلة آلة له، فأشبه الاحتطاب والاصطياد بقدوم الغير، وقوس الغير، وفرس الغير، وهذا جواب عن قول الخصم إنه [محظور فلا يعتبر (١)] به.
قوله: (بخلاف الشاة) أي: في ظاهر الرواية تضمنا النقصان لا قيمة الشاة. وفي رواية الحسن عن أبي حنيفة لا يضمنه النقصان، لأن الذبح والسلخ في الشاة زيادة، ولهذا يلتزم بمقابلته العوض. وجه الظاهر: أنه زيادة من حيث التفويت إلى الانتفاع باللحم، ولكنه نقصان بتفويت سائر الأعضاء من الحيوان فلأجله يثبت الخيار للمالك كما في قطع الثوب، كذا في المبسوط.
وفي طريقة بعض مشايخنا إذا ذبح الشاة ينقطع حق المالك، وكذا إذا أَرَّبَها؛ لفوات التركيب والمنافع على المالك، ولكن الصحيح أنه لا ينقطع لما ذكرنا أن بالذبح لا يفوت اسم الشاة ولاعظم منافعها، والتأريب لا يفوت ما هو المقصود بالذبح، بل يحققه ولا يكون ذلك تبدل العين فيبقى حق المالك.
قوله: (وهذا الوجه) أي: وجه الاستدلال ببقاء الاسم على عدم الانقطاع، وبفوات الاسم على الانقطاع شامل لعامة فصول مسائل الغصب. (ويتفرع عليها) أي: على الفصول المذكورة (غيرها) مثل: خبز الدقيق، ونسج الغزل، وغزل القطن، وعصر السمسم، فإنها تقطع حق المالك عندنا، ذكره في الإيضاح خلافا للشافعي ومن تابعه.
стр. 6301
فَاحْفَظْهُ. وَقَوْلُهُ: «وَلَا يَحِلُّ لَهُ الِانْتِفَاعُ بِهَا حَتَّى يُؤَدِّيَ بَدَلَهَا» اسْتِحْسَانُ، وَالْقِيَاسُ: أَنْ يَكُونَ لَهُ ذَلِكَ، وَهُوَ قَوْلُ الحَسَنِ وَزُفَرَ، وَهَكَذَا عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ تَهُ، رَوَاهُ الفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ. وَوَجْهُهُ: ثُبُوتُ المِلْكِ المُطْلَقِ لِلتَّصَرُّفِ: أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ وَهَبَهُ أَوْ بَاعَهُ جَازَ. وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ: قَوْلُهُ ﵊: «فِي الشَّاةِ المَذْبُوحَةِ المَصْلِيَّةِ
قوله: (في الشاة المَصْلِيَّة) أي: المشوية، من الصَّلْي، من حَدِّ ضَرَبَ.
روى أبو حنيفة عن عاصم بن كليب الحرمي عن أبي بردة عن أبي موسى أنه ﵊ كان في ضيافة رجل من الأنصار، فقدم إليه شاة مصلية فأخذ منها لقمة فجعل يلوكها ولا يسيغه فقال ﵊: «إنّها تُخبِرُني أنّها ذُبِحَتْ بِغَيْرِ حَقٌّ»، فقال الأنصاري: كانت شاة أخي لو كانت أعز من هذا لم ينفس (١) عليَّ بها، وسأرضيه بخير منها إذا رجع، قال ﵊: «أطْعِموها الأسارى» رواه أبو داود نحوًا من هذا (٢).
قال محمد: يعني المحبوسين قال محمد: هذا الحديث جعله أبو حنيفة أصلا في أكثر مسائل الغصب، كذا في المبسوط.
فالأمر بالتصدق يدل على زوال ملك مالكها، وملك غاصبها، إذ لولاها لأمر بحفظها لمالكها وردها عليه، إذ ملك الغير يحفظ عليه، ويرد إليه إذا أمكن، ودل على حل الانتفاع للفقير، وعلى حرمة الانتفاع للغاصب قبل أداء الضمان بالتراضي أو بالقضاء، ولا ترد علينا اللقطة، فإن الشارع أمر بتصدقها مع أنها ملك مالكها؛ لأنه أمر بتصدقها بعد تعريفها وعجزها عن إصابة المالك، وعن صيانة المال.
وهاهنا المالك معلوم، ويمكن الرد عليه، فلا يجوز التصدق بدون رضاه كما لو علم صاحب اللقطة، ويمكن الرد عليه كذا ذكره الإمام البرغري. وفي المبسوط: لو قضى القاضي بالضمان يحل الانتفاع بمجرد القضاء؛
стр. 6302
بِغَيْرِ رِضَاءِ صَاحِبِهَا: أَطْعِمُوهَا الأَسَارَى» أَفَادَ الأَمْرُ بِالتَّصَدُّقِ زَوَالَ مِلْكِ المَالِكِ، وَحُرْمَةَ الِانْتِفَاعِ لِلْغَاصِبِ قَبْلَ الإِرْضَاءِ، وَلِأَنَّ فِي إِبَاحَةِ الانْتِفَاعِ فَتْحُ بَابِ الغَصْبِ، فَيَحْرُمُ قَبْلَ الإِرْضَاءِ حَسْمًا لِمَادَّةِ الفَسَادِ، وَنَفَاذِ بَيْعِهِ وَهِبَتِهِ مَعَ الحُرْمَةِ لِقِيَامِ المِلْكِ كَمَا فِي المِلْكِ الفَاسِدِ. وَإِذَا أَدَّى البَدَلَ يُبَاحُ لَهُ؛ لِأَنَّ حَقَّ المَالِكِ صَارَ مُوَفَّى بِالبَدَلِ، فَحَصَلَتْ مُبَادَلَةٌ بِالتَّرَاضِي، وَكَذَلِكَ إِذَا أَبْرَأَهُ لِسُقُوطِ حَقِّهِ بِهِ، وَكَذَا إِذَا أَدَّى بالقَضَاءِ، أَوْ ضَمِنَهُ الحَاكِمُ، أَوْ ضَمِنَهُ المَالِكُ لِوُجُودِ الرِّضَا مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَقْضِي إِلَّا بِطَلَبِهِ، وَعَلَى هَذَا الخِلَافِ إِذَا غَصَبَ حِنْطَةٌ فَزَرَعَهَا، أَوْ نَوَاةٌ فَغَرَسَهَا، غَيْرَ أَنَّهُ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ يُبَاحُ الانْتِفَاعُ فِيهِمَا قَبْلَ أَدَاءِ الضَّمَانِ لِوُجُودِ الِاسْتِهْلَاكِ مِنْ كُلِّ وَجْهِ، بِخِلَافِ مَا تَقَدَّمَ لِقِيَامِ العَيْنِ فِيهِ مِنْ وَجْهِ.
لوجود الرضا من المالك، إذ الحاكم لا يضمنه إلا بعد طلبه، فكان راضيا به.
قوله: (وعلى هذا الخلاف إذا غصب حنطة فزرعها أو نواة فغرسها) ينقطع حق المالك عندنا خلافا للشافعي.
قوله: (لوجود الاستهلاك من كل وجه) فحينئذ لم يبق عين يتعلق به حق المالك؛ فيباح به الانتفاع به.
(بخلاف ما تقدم) أي: الحنطة فطحنها، وشاة فذبحها وطبخها (لقيام العين فيه من وجه) لما ذكرنا أن أثر الطحن في تفريق الأجزاء، فيكون العين باقيا من وجه.
ولهذا قال أبو يوسف: إذا غصب نواة فغرسها، وصار شجرا لا يكره الانتفاع بها، كما في الحنطة إذا زرعها؛ لأن الحب بالزرع يعفن، فإذا عفن لم يبق متقوما، فلم يبق تعلق حق مالكها، فكذا النواة بعد الغرس تُعفّن، فلا يبقى حق مالكها فيها، أما لو غصب الودي وغرسه وصار نخلا يكره الانتفاع بها حتى يرضى صاحبه؛ لأن الودي يزيد في [نفسه] (١) ولا يهلك، فبقي حق مالكها من وجه.
стр. 6303
وَفِي الحِنْطَةِ يَزْرَعُهَا لَا يَتَصَدَّقُ بِالفَضْلِ عِنْدَهُ خِلَافًا لَهُمَا، وَأَصْلُهُ مَا تَقَدَّمَ.
قَالَ: (وَإِنْ غَصَبَ فِضَّةٌ أَوْ ذَهَبًا، فَضَرَبَهَا دَرَاهِمَ أَوْ دَنَانِيرَ أَوْ آنِيَةٌ، لَمْ يَزُلْ مِلْكُ مَالِكِهَا عَنْهَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، فَيَأْخُذُهَا وَلَا شَيْءَ لِلْغَاصِبِ، وَقَالَا: يَمْلِكُهَا الغَاصِبُ وَعَلَيْهِ مِثْلُهَا) (*)؛ لِأَنَّهُ أَحْدَثَ صَنْعَةٌ مُعْتَبَرَةً صَيَّرَ حَقَّ الْمَالِكِ هَالِكًا مِنْ وَجْهِ؛ أَلَا تَرَى أَنَّهُ كَسَرَهُ وَفَاتَ بَعْضُ المَقَاصِدِ، وَالتِّبْرُ لَا يَصْلُحُ رَأْسَ المَالِ فِي المُضَارَبَاتِ وَالشَّرِكَاتِ وَالمَضْرُوبُ يَصْلُحُ لِذَلِكَ. وَلَهُ: أَنَّ العَيْنَ بَاقٍ مِنْ كُلِّ وَجْهِ؛ أَلَا تَرَى أَنَّ الاِسْمَ بَاقٍ وَمَعْنَاهُ الأَصْلِيُّ الثَّمَنِيَّةُ، وَكَوْنُهُ مَوْزُونًا، وَأَنَّهُ بَاقٍ حَتَّى يَجْرِيَ فِيهِ الرِّبَا بِاعْتِبَارِهِ وَصَلَاحِيَّتِهِ لِرَأسِ المَالِ مِنْ أَحْكَامِ الصَّنْعَةِ دُونَ العَيْنِ، وَكَذَا
قوله: (وأصله) أي: أصل هذا الخلاف ما تقدم في مسألة من غصب عبدا فاشتغل فالطيب يدير على الضمان عبده؛ لنهيه ﵊ عن ذبح ما لم يضمن وعندهما على رضى من له الحق.
قوله: (فيأخذها ولا شيء للغاصب)، وبه قالت الأئمة الثلاثة، وقيد بضمانهما دراهم أو دنانير؛ لأن في كسر الدراهم والدنانير وقلبهما يضمن مثله بالاتفاق؛ لأنه غُيّر بصَنْعَةٍ (١) ولا يتم دفع الضرر عن صاحبه إلا بإيجاب المثل، والمكسور للكاسر بعد الضمان، وإن شاء صاحبه أخذ المكسور ولم يرجع عليه بشيء، ويستوي إن انتقصت ماليته بالكسر أو لم ينتقص؛ لأن صفة العين تغيرت بفعله وذلك كاف لإثبات الخيار له.
أما لو استهلك القلب فعليه قيمته مصوعًا من غير جنسه، وعند الشافعي من جنسه، وقد مر، ألا ترى أنه كسره يعني بالكسر يتبدل الاسم والمقصود، فإن قبل الضرب يسمى ذهبًا وفضة وبعده درهما ودينارا، والكسر لا يصلح رأس المال في المضاربات والدرهم والدينار يصلح، فثبت أنهما اختلفا حكمًا فصار كالمسائل المتقدمة.
قوله: (ألا ترى أن الاسم باقٍ) بعد الصنعة يقال: ذهب وفضة.
قوله: (من حكم الصنعة لا من حكم العين) ولهذا نقول ما لا يتفاوت من
стр. 6304
الصَّنْعَةُ فِيهَا غَيْرُ مُتَقَوِّمَةٍ مُطْلَقًا؛ لِأَنَّهُ لَا قِيمَةَ لَهَا عِنْدَ المُقَابَلَةِ بِجِنْسِهَا.
قَالَ: (وَمِنْ غَصَبَ سَاجَةٌ فَبَنَى عَلَيْهَا، زَالَ مِلْكُ مَالِكِهَا عَنْهَا، وَلَزِمَ الغَاصِبَ قِيمَتُهَا) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لِلْمَالِكِ أَخْذُهَا، وَالوَجْهُ مِنْ الجَانِبَيْنِ قَدَّمْنَاهُ.
الفلوس الرائجة في هذا الحكم كالدراهم، فلا اعتبار ولا قيمة للصنعة في هذه الأموال منفردة عن الأصل، وبه فارق الحديد والصفر، فإن الصنعة هناك تخرجه من الوزن، وجب أن يكون مال الربا حتى لو باع قمقمة بقمقمتين يدا بيد يجوز ذكره في كتاب الصرف.
وللصنعة في غير مال الربا قيمة، مع أن اسم العين وحكمهم قد تبدل هناك، أما هاهنا فلم يتبدل الاسم بالصنعة وحكم العين، فلما بقي العين وحكمه فللمالك أخذه، وإن وجد صنعة الصرف لما أنه لا قيمة للصنعة في هذه الأموال، إليه أشار في المبسوط.
قوله: (وكذا الصنعة فيها) أي عين الفضة والذهب.
وقوله: (مطلقًا) يحترز عن كسر إنائهما وقلبهما يضمن قيمته من خلاف جنسه على ما ذكرناه.
قوله: (ومن غصب ساجة)، في المغرب: الساجة، بالجيم: الخشبة العظيمة، أي: الخشبة المنحوتة المهيأة للأساس ونحوه (١).
وأما مسألة الساحة، بالحاء المهملة فتجيء.
قوله: (ولزم الغاصب قيمتها)، وفي الذخيرة هذا إذا كانت قيمة البناء أكثر من قيمة الساجة، أما إذا كانت قيمة الساجة أكثر من قيمة البناء لم يزل ملك مالكها عنها بالإجماع، ويجيء بتمامه في مسألة الساجة إن شاء الله تعالى.
(والوجه من الجانبين قدمناه) أي: في مسألة، وإذا تغيرت العين المغصوبة بفعل الغاصب في أول الفصل وبقوله قال مالك، وأحمد، وزفر وافق الشافعي في هذه المسألة، والفرق لزفر أن في مسألة غصب الحنطة تصير مستهلكة بالطحن، وهاهنا زيادة وصف من غير استهلاك، وعلى هذا الخلاف لو غصب
стр. 6305
وَوَجْهُ آخَرُ لَنَا فِيهِ: أَنَّ فِيمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ إِضْرَارًا بِالغَاصِبِ بِنَقْضِ بِنَائِهِ الحَاصِلِ مِنْ
غَيْرِ خَلَفٍ، وَضَرَرُ المَالِكِ فِيمَا ذَهَبْنَا إِلَيْهِ مَجْبُورٌ بِالقِيمَةِ، فَصَارَ كَمَا إِذَا
خيطا وخاط به مساو (١) وهو بحاله فإنه يجب نقض ذلك ورد الخيط على صاحبه عندهم، وعندنا لا.
أما لو خاط بالخيط جرح حيوان يؤكل ففيه للشافعي وأحمد قولان: في قول: يجب رده، وفي الثاني ينتقل حقه إلى القيمة.
وفي المغني لابن قدامة: فإن خاط به جرح حيوان لا حرمة له كالمرتد والخنزير والكلب العقور يجب نزعه ورده، وإن خاط به جرح حوان محترم لا يحل أكله كالآدمي والبغل والحمار الأهلي، وخيف من نزعه الهلاك وإبطاء برئه لا يجب نزعه.
وإن خاط جرح حيوان مأكول لغير الغاصب وخيف التلف بنزعه لم ينزع؛ لأن فيه إضرارًا بصاحبه، ولا يزال الضرر بالضرر. ولو كان الحيوان للغاصب فقال القاضي: يجب نزعه ورده (٢).
وقال أبو الخطاب فيه وجهان: أحدهما: هذا، والثاني: لا؛ لأن الحيوان حرمته في نفسه، ونهيه ﷺ عن ذبح الحيوان لا لمأكله (٣). ولأصحاب الشافعي وجهان كهذين.
ولو أدخل اللوح المغصوب في السفينة فإن كان في الساحل لزمه رده وقلعه، وبه قال الشافعي، ومالك، وإن كان في لجة البحر، واللوح في أعلاها بحيث لا تغرق بقلعه يقلع، وإن خيف غرقها لم يقلع حتى يخرج إلى الساحل، ولصاحب اللوح طلب القيمة، فإذا أمكن رد اللوح استرجعه ورد القيمة، وبه قال أصحاب الشافعي.
قوله: (وآخر لنا) أي: دليل آخر لنا.