← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 30179

معراج الدراية في شرح الهداية

الكاكي

Полный текст (7 597 стр.). Показаны 6301–6340 · переход к 6306.

стр. 6301

فَاحْفَظْهُ. وَقَوْلُهُ: «وَلَا يَحِلُّ لَهُ الِانْتِفَاعُ بِهَا حَتَّى يُؤَدِّيَ بَدَلَهَا» اسْتِحْسَانُ، وَالْقِيَاسُ: أَنْ يَكُونَ لَهُ ذَلِكَ، وَهُوَ قَوْلُ الحَسَنِ وَزُفَرَ، وَهَكَذَا عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ تَهُ، رَوَاهُ الفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ. وَوَجْهُهُ: ثُبُوتُ المِلْكِ المُطْلَقِ لِلتَّصَرُّفِ: أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ وَهَبَهُ أَوْ بَاعَهُ جَازَ. وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ: قَوْلُهُ ﵊: «فِي الشَّاةِ المَذْبُوحَةِ المَصْلِيَّةِ قوله: (في الشاة المَصْلِيَّة) أي: المشوية، من الصَّلْي، من حَدِّ ضَرَبَ. روى أبو حنيفة عن عاصم بن كليب الحرمي عن أبي بردة عن أبي موسى أنه ﵊ كان في ضيافة رجل من الأنصار، فقدم إليه شاة مصلية فأخذ منها لقمة فجعل يلوكها ولا يسيغه فقال ﵊: «إنّها تُخبِرُني أنّها ذُبِحَتْ بِغَيْرِ حَقٌّ»، فقال الأنصاري: كانت شاة أخي لو كانت أعز من هذا لم ينفس (١) عليَّ بها، وسأرضيه بخير منها إذا رجع، قال ﵊: «أطْعِموها الأسارى» رواه أبو داود نحوًا من هذا (٢). قال محمد: يعني المحبوسين قال محمد: هذا الحديث جعله أبو حنيفة أصلا في أكثر مسائل الغصب، كذا في المبسوط. فالأمر بالتصدق يدل على زوال ملك مالكها، وملك غاصبها، إذ لولاها لأمر بحفظها لمالكها وردها عليه، إذ ملك الغير يحفظ عليه، ويرد إليه إذا أمكن، ودل على حل الانتفاع للفقير، وعلى حرمة الانتفاع للغاصب قبل أداء الضمان بالتراضي أو بالقضاء، ولا ترد علينا اللقطة، فإن الشارع أمر بتصدقها مع أنها ملك مالكها؛ لأنه أمر بتصدقها بعد تعريفها وعجزها عن إصابة المالك، وعن صيانة المال. وهاهنا المالك معلوم، ويمكن الرد عليه، فلا يجوز التصدق بدون رضاه كما لو علم صاحب اللقطة، ويمكن الرد عليه كذا ذكره الإمام البرغري. وفي المبسوط: لو قضى القاضي بالضمان يحل الانتفاع بمجرد القضاء؛

стр. 6302

بِغَيْرِ رِضَاءِ صَاحِبِهَا: أَطْعِمُوهَا الأَسَارَى» أَفَادَ الأَمْرُ بِالتَّصَدُّقِ زَوَالَ مِلْكِ المَالِكِ، وَحُرْمَةَ الِانْتِفَاعِ لِلْغَاصِبِ قَبْلَ الإِرْضَاءِ، وَلِأَنَّ فِي إِبَاحَةِ الانْتِفَاعِ فَتْحُ بَابِ الغَصْبِ، فَيَحْرُمُ قَبْلَ الإِرْضَاءِ حَسْمًا لِمَادَّةِ الفَسَادِ، وَنَفَاذِ بَيْعِهِ وَهِبَتِهِ مَعَ الحُرْمَةِ لِقِيَامِ المِلْكِ كَمَا فِي المِلْكِ الفَاسِدِ. وَإِذَا أَدَّى البَدَلَ يُبَاحُ لَهُ؛ لِأَنَّ حَقَّ المَالِكِ صَارَ مُوَفَّى بِالبَدَلِ، فَحَصَلَتْ مُبَادَلَةٌ بِالتَّرَاضِي، وَكَذَلِكَ إِذَا أَبْرَأَهُ لِسُقُوطِ حَقِّهِ بِهِ، وَكَذَا إِذَا أَدَّى بالقَضَاءِ، أَوْ ضَمِنَهُ الحَاكِمُ، أَوْ ضَمِنَهُ المَالِكُ لِوُجُودِ الرِّضَا مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَقْضِي إِلَّا بِطَلَبِهِ، وَعَلَى هَذَا الخِلَافِ إِذَا غَصَبَ حِنْطَةٌ فَزَرَعَهَا، أَوْ نَوَاةٌ فَغَرَسَهَا، غَيْرَ أَنَّهُ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ يُبَاحُ الانْتِفَاعُ فِيهِمَا قَبْلَ أَدَاءِ الضَّمَانِ لِوُجُودِ الِاسْتِهْلَاكِ مِنْ كُلِّ وَجْهِ، بِخِلَافِ مَا تَقَدَّمَ لِقِيَامِ العَيْنِ فِيهِ مِنْ وَجْهِ. لوجود الرضا من المالك، إذ الحاكم لا يضمنه إلا بعد طلبه، فكان راضيا به. قوله: (وعلى هذا الخلاف إذا غصب حنطة فزرعها أو نواة فغرسها) ينقطع حق المالك عندنا خلافا للشافعي. قوله: (لوجود الاستهلاك من كل وجه) فحينئذ لم يبق عين يتعلق به حق المالك؛ فيباح به الانتفاع به. (بخلاف ما تقدم) أي: الحنطة فطحنها، وشاة فذبحها وطبخها (لقيام العين فيه من وجه) لما ذكرنا أن أثر الطحن في تفريق الأجزاء، فيكون العين باقيا من وجه. ولهذا قال أبو يوسف: إذا غصب نواة فغرسها، وصار شجرا لا يكره الانتفاع بها، كما في الحنطة إذا زرعها؛ لأن الحب بالزرع يعفن، فإذا عفن لم يبق متقوما، فلم يبق تعلق حق مالكها، فكذا النواة بعد الغرس تُعفّن، فلا يبقى حق مالكها فيها، أما لو غصب الودي وغرسه وصار نخلا يكره الانتفاع بها حتى يرضى صاحبه؛ لأن الودي يزيد في [نفسه] (١) ولا يهلك، فبقي حق مالكها من وجه.

стр. 6303

وَفِي الحِنْطَةِ يَزْرَعُهَا لَا يَتَصَدَّقُ بِالفَضْلِ عِنْدَهُ خِلَافًا لَهُمَا، وَأَصْلُهُ مَا تَقَدَّمَ. قَالَ: (وَإِنْ غَصَبَ فِضَّةٌ أَوْ ذَهَبًا، فَضَرَبَهَا دَرَاهِمَ أَوْ دَنَانِيرَ أَوْ آنِيَةٌ، لَمْ يَزُلْ مِلْكُ مَالِكِهَا عَنْهَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، فَيَأْخُذُهَا وَلَا شَيْءَ لِلْغَاصِبِ، وَقَالَا: يَمْلِكُهَا الغَاصِبُ وَعَلَيْهِ مِثْلُهَا) (*)؛ لِأَنَّهُ أَحْدَثَ صَنْعَةٌ مُعْتَبَرَةً صَيَّرَ حَقَّ الْمَالِكِ هَالِكًا مِنْ وَجْهِ؛ أَلَا تَرَى أَنَّهُ كَسَرَهُ وَفَاتَ بَعْضُ المَقَاصِدِ، وَالتِّبْرُ لَا يَصْلُحُ رَأْسَ المَالِ فِي المُضَارَبَاتِ وَالشَّرِكَاتِ وَالمَضْرُوبُ يَصْلُحُ لِذَلِكَ. وَلَهُ: أَنَّ العَيْنَ بَاقٍ مِنْ كُلِّ وَجْهِ؛ أَلَا تَرَى أَنَّ الاِسْمَ بَاقٍ وَمَعْنَاهُ الأَصْلِيُّ الثَّمَنِيَّةُ، وَكَوْنُهُ مَوْزُونًا، وَأَنَّهُ بَاقٍ حَتَّى يَجْرِيَ فِيهِ الرِّبَا بِاعْتِبَارِهِ وَصَلَاحِيَّتِهِ لِرَأسِ المَالِ مِنْ أَحْكَامِ الصَّنْعَةِ دُونَ العَيْنِ، وَكَذَا قوله: (وأصله) أي: أصل هذا الخلاف ما تقدم في مسألة من غصب عبدا فاشتغل فالطيب يدير على الضمان عبده؛ لنهيه ﵊ عن ذبح ما لم يضمن وعندهما على رضى من له الحق. قوله: (فيأخذها ولا شيء للغاصب)، وبه قالت الأئمة الثلاثة، وقيد بضمانهما دراهم أو دنانير؛ لأن في كسر الدراهم والدنانير وقلبهما يضمن مثله بالاتفاق؛ لأنه غُيّر بصَنْعَةٍ (١) ولا يتم دفع الضرر عن صاحبه إلا بإيجاب المثل، والمكسور للكاسر بعد الضمان، وإن شاء صاحبه أخذ المكسور ولم يرجع عليه بشيء، ويستوي إن انتقصت ماليته بالكسر أو لم ينتقص؛ لأن صفة العين تغيرت بفعله وذلك كاف لإثبات الخيار له. أما لو استهلك القلب فعليه قيمته مصوعًا من غير جنسه، وعند الشافعي من جنسه، وقد مر، ألا ترى أنه كسره يعني بالكسر يتبدل الاسم والمقصود، فإن قبل الضرب يسمى ذهبًا وفضة وبعده درهما ودينارا، والكسر لا يصلح رأس المال في المضاربات والدرهم والدينار يصلح، فثبت أنهما اختلفا حكمًا فصار كالمسائل المتقدمة. قوله: (ألا ترى أن الاسم باقٍ) بعد الصنعة يقال: ذهب وفضة. قوله: (من حكم الصنعة لا من حكم العين) ولهذا نقول ما لا يتفاوت من

стр. 6304

الصَّنْعَةُ فِيهَا غَيْرُ مُتَقَوِّمَةٍ مُطْلَقًا؛ لِأَنَّهُ لَا قِيمَةَ لَهَا عِنْدَ المُقَابَلَةِ بِجِنْسِهَا. قَالَ: (وَمِنْ غَصَبَ سَاجَةٌ فَبَنَى عَلَيْهَا، زَالَ مِلْكُ مَالِكِهَا عَنْهَا، وَلَزِمَ الغَاصِبَ قِيمَتُهَا) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لِلْمَالِكِ أَخْذُهَا، وَالوَجْهُ مِنْ الجَانِبَيْنِ قَدَّمْنَاهُ. الفلوس الرائجة في هذا الحكم كالدراهم، فلا اعتبار ولا قيمة للصنعة في هذه الأموال منفردة عن الأصل، وبه فارق الحديد والصفر، فإن الصنعة هناك تخرجه من الوزن، وجب أن يكون مال الربا حتى لو باع قمقمة بقمقمتين يدا بيد يجوز ذكره في كتاب الصرف. وللصنعة في غير مال الربا قيمة، مع أن اسم العين وحكمهم قد تبدل هناك، أما هاهنا فلم يتبدل الاسم بالصنعة وحكم العين، فلما بقي العين وحكمه فللمالك أخذه، وإن وجد صنعة الصرف لما أنه لا قيمة للصنعة في هذه الأموال، إليه أشار في المبسوط. قوله: (وكذا الصنعة فيها) أي عين الفضة والذهب. وقوله: (مطلقًا) يحترز عن كسر إنائهما وقلبهما يضمن قيمته من خلاف جنسه على ما ذكرناه. قوله: (ومن غصب ساجة)، في المغرب: الساجة، بالجيم: الخشبة العظيمة، أي: الخشبة المنحوتة المهيأة للأساس ونحوه (١). وأما مسألة الساحة، بالحاء المهملة فتجيء. قوله: (ولزم الغاصب قيمتها)، وفي الذخيرة هذا إذا كانت قيمة البناء أكثر من قيمة الساجة، أما إذا كانت قيمة الساجة أكثر من قيمة البناء لم يزل ملك مالكها عنها بالإجماع، ويجيء بتمامه في مسألة الساجة إن شاء الله تعالى. (والوجه من الجانبين قدمناه) أي: في مسألة، وإذا تغيرت العين المغصوبة بفعل الغاصب في أول الفصل وبقوله قال مالك، وأحمد، وزفر وافق الشافعي في هذه المسألة، والفرق لزفر أن في مسألة غصب الحنطة تصير مستهلكة بالطحن، وهاهنا زيادة وصف من غير استهلاك، وعلى هذا الخلاف لو غصب

стр. 6305

وَوَجْهُ آخَرُ لَنَا فِيهِ: أَنَّ فِيمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ إِضْرَارًا بِالغَاصِبِ بِنَقْضِ بِنَائِهِ الحَاصِلِ مِنْ غَيْرِ خَلَفٍ، وَضَرَرُ المَالِكِ فِيمَا ذَهَبْنَا إِلَيْهِ مَجْبُورٌ بِالقِيمَةِ، فَصَارَ كَمَا إِذَا خيطا وخاط به مساو (١) وهو بحاله فإنه يجب نقض ذلك ورد الخيط على صاحبه عندهم، وعندنا لا. أما لو خاط بالخيط جرح حيوان يؤكل ففيه للشافعي وأحمد قولان: في قول: يجب رده، وفي الثاني ينتقل حقه إلى القيمة. وفي المغني لابن قدامة: فإن خاط به جرح حيوان لا حرمة له كالمرتد والخنزير والكلب العقور يجب نزعه ورده، وإن خاط به جرح حوان محترم لا يحل أكله كالآدمي والبغل والحمار الأهلي، وخيف من نزعه الهلاك وإبطاء برئه لا يجب نزعه. وإن خاط جرح حيوان مأكول لغير الغاصب وخيف التلف بنزعه لم ينزع؛ لأن فيه إضرارًا بصاحبه، ولا يزال الضرر بالضرر. ولو كان الحيوان للغاصب فقال القاضي: يجب نزعه ورده (٢). وقال أبو الخطاب فيه وجهان: أحدهما: هذا، والثاني: لا؛ لأن الحيوان حرمته في نفسه، ونهيه ﷺ عن ذبح الحيوان لا لمأكله (٣). ولأصحاب الشافعي وجهان كهذين. ولو أدخل اللوح المغصوب في السفينة فإن كان في الساحل لزمه رده وقلعه، وبه قال الشافعي، ومالك، وإن كان في لجة البحر، واللوح في أعلاها بحيث لا تغرق بقلعه يقلع، وإن خيف غرقها لم يقلع حتى يخرج إلى الساحل، ولصاحب اللوح طلب القيمة، فإذا أمكن رد اللوح استرجعه ورد القيمة، وبه قال أصحاب الشافعي. قوله: (وآخر لنا) أي: دليل آخر لنا.

стр. 6306

خَاطَ بِالخَيْطِ المَغْصُوبِ بَطْنَ جَارِيَتِهِ، أَوْ عَبْدِهِ، أَوْ أَدْخَلَ اللَّوْحَ المَغْصُوبَ فِي سَفِينَتِهِ. ثُمَّ قَالَ الكَرْخِيُّ وَالفَقِيهُ أَبُو جَعْفَرَ: إِنَّمَا لَا يُنْقَضُ إِذَا بَنَى فِي حَوَالِي السَّاجَةِ، مَا إِذَا بَنَى عَلَى نَفْسِ السَّاجَةِ يُنْقَضُ؛ لِأَنَّهُ مُتَعَدٌ فِيهِ. وَجَوَابُ الكِتَابِ يَرُدُّ ذَلِكَ وَهُوَ الْأَصَحُّ. قوله: (وأدخل اللوح المغصوب في سفينته) وفي الأسرار: صورة المجمع عليها فيما إذا كانت السفينة مع من عليها في لجة البحر، وخيف الغرق لما ذكرنا أن عند الشافعي إذا كانت السفينة ساكنة في جانب البحر نزعه، وكذا قيد بقوله: (خاط بطن عبده أو جاريته)؛ لأن فيه إجماعا؛ لأن فيه تلف النفس كما نقلنا من مذهبهم. وقلنا: بالبناء أثبت لنفسه حقًا محترمًا، فلا يجوز إبطاله، إذ الظالم لا يُظلم، فلما حرم إبطاله وصار بحال لا يمكن التمييز بينهما، ولا سبيل للاشتراك بالإجماع، فحق الغاصب أولى بالاعتبار، إذ في نقضه إضرار للغاصب بإهلاكه بلا خلف. أما ضرر المالك مجبور بالضمان، ولا يقال: صاحب السلعة صاحب الأصل، إذ البناء تابع له، ولا شك أن صاحب الأصل يرجح بمراعاة جانبه على جانب صاحب الوصف؛ لأن الوصف هو البناء قائم من كل وجه، والأصل قائم من وجه هالك من وجه؛ لأنه صار تبعًا لملك غيره، وهذا صار بحيث يستحق بالشفعة بعد أن كان منقولا لا يستحق بالشفعة، فانعدم فيه سائر وجوه الانتفاع سوى هذا، والقائم من كل وجه يرجح على القائم من وجه. وفي الذخيرة: لو أراد الغاصب نقض البناء ورد الساحة مع تملكها بالضمان بعد القضاء بقيمتها لا يحل، وقبل القضاء بها قيل: يحل، وقيل: لا يحل؛ لأنه تضييع المال بلا فائدة. قوله: (في حوالي الساجة) بأن يجعله عمادًا للجدار، أما إذا بنى على نفس الساجة ينقض؛ لأنه متعد فيه، والساحة من وجه كالأصل فتهدم للرد كما في مسألة الساجة وجواب الكتاب وهو قوله: (بني عليها) يرد ذلك لأنه قال بني عليها. (وهو الأصح) (١) أي جواب الكتاب؛ لأن محمدًا ذكر في كتاب الغصب:

стр. 6307

قَالَ: (وَمِنْ ذَبَحَ شَاةً غَيْرِهِ فَمَالِكُهَا بِالخِيَارِ، إِنْ شَاءَ ضَمَّنَّهُ قِيمَتَهَا وَسَلَّمَهَا إِلَيْهِ، وَإِنْ شَاءَ ضَمَّنَّهُ نُقْصَانَهَا، وَكَذَا الجَزُورُ، وَكَذَا إِذَا قَطَعَ يَدَهُمَا) هَذَا هُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ. وَجْهُهُ: أَنَّهُ إِتْلَافُ مِنْ وَجْهِ بِاعْتِبَارِ فَوْتِ بَعْضِ الْأَغْرَاضِ مِنْ الحَمْلِ وَالدَّرِّ وَالنَّسْلِ وَبَقَاءِ بَعْضِهَا، وَهُوَ اللَّحْمُ، فَصَارَ كَالخَرْقِ الفَاحِشِ فِي الثَّوْبِ، وَلَوْ كَانَتْ الدَّابَّةُ غَيْرَ مَأْكُولِ اللَّحْمِ لو غصب بقرة واتخذ منها [عروة] (١) مرادة انقطع حق المالك، وهو في العمل هنا متعد؛ لأن عمله في ملك الغير، فدل أنه لا فرق بين أن يكون عمله في ملك الغير أو ملك نفسه، وهو الصحيح، كذا في المبسوط (٢). قوله: (وكذا الجزور) أي: الإبل، وهو ما أعد للجزر وهو القطع، أي: الذبح، يُذَكَّر ويُؤنَّث، كذا في المغرب. وقد بينا أن في رواية الحسن لا يضمن النقصان إذا أخذ الشاة، وإنما ذكر الجزور بعدما ذكر حكم الشاة من الاختيار بين تضمين القيمة وتضمين النقصان؛ لدفع شبهة ترد على اختيار النقصان بأن يقال: والنقصان بالذبح في الشاة إنما كان يسبب تفويت صلاحيتها للدر والنسل، والجمل والجزور هي التي أعدت للذبح فلم يكن الدر والنسل مطلوبًا، فينبغي أن لا يضمن الغاصب النقصان بل استحق أجر المثل من جزارته على المالك؛ لأنه حق مقصود فيها، فكان زيادة فيها لا نقصانًا كما إذا غصب ثوبًا فصبغه أحمر حيث يضمن المالك للغاصب ما زاد الصبغ إذا اختار أخذ الثوب، فدفع تلك الشبهة بقوله: (وكذا الجزور)، وذلك لأن نفس إزالة الحياة عن الحيوان نقصان فكان المالك مخيرًا لأنه يحتمل أن يكون مقصوده فيها سوى الدر والنسل من الإسمان وتبقيتها إلى زمان ليحصل مقاصده منها. قوله: (ولو كانت الدابة غير مأكول اللحم)، وفي تقييد هذا الحكم بغير مأكول اللحم ليست زيادة فائدة؛ لما أن للحكم في مأكول اللحم كذلك؛ لأن

стр. 6308

فَقَطَعَ الغَاصِبُ طَرَفَهَا لِلْمَالِكِ أَنْ يُضَمِّنَهُ جَمِيعَ قِيمَتِهَا لِوُجُودِ الِاسْتِهْلَاكِ مِنْ كُلِّ وَجْهِ، بِخِلَافِ قَطْعِ طَرَفِ العَبْدِ المَمْلُوكِ حَيْثُ يَأْخُذُهُ مَعَ أَرْشِ المَقْطُوعِ؛ لِأَنَّ الآدَمِيَّ يَبْقَى مُنْتَفَعًا بِهِ بَعْدَ قَطْعِ الطَّرَفِ. قَالَ: (وَمَنْ خَرَقَ ثَوْبَ غَيْرِهِ خَرْقًا يَسِيرًا: ضَمِنَ نُقْصَانَهُ، وَالثَّوْبُ لِمَالِكِهِ)؛ لِأَنَّ العَيْنَ قَائِمٌ مِنْ كُلِّ وَجْهِ، وَإِنَّمَا دَخَلَهُ عَيْبٌ فَيَضْمَنُهُ (وَإِنْ خَرَقَ خَرْقًا كَبِيرًا يُبْطِلُ عَامَّةَ مَنَافِعِهِ: فَلِمَالِكِهِ أَنْ يُضَمِّنَهُ جَمِيعَ قِيمَتِهِ)؛ لِأَنَّهُ اسْتِهْلَاكُ مِنْ هَذَا الوَجْهِ فَكَأَنَّهُ أَحْرَقَهُ. قَالَ ﵁: مَعْنَاهُ يَتْرُكُ الثَّوْبَ عَلَيْهِ: وَإِنْ شَاءَ أَخَذَ الثَّوْبَ وَضَمَّنَهُ النُّقْصَانَ؛ لِأَنَّهُ تَعْيِيبُ مِنْ وَجْهِ، مِنْ حَيْثُ إِنَّ العَيْنَ بَاقٍ، وَكَذَا بَعْضُ المَنَافِعِ قَائِمٌ، ثُمَّ إِشَارَةُ الكِتَابِ إِلَى أَنَّ الفَاحِشَ مَا يَبْطُلُ بِهِ عَامَّةُ المَنَافِعِ، وَالصَّحِيحُ: أَنَّ الفَاحِشَ مَا يَفُوتُ بقطع الطرف للمالك اختيار تضمين جميع القيمة في المأكول وغيره، ذكره في المبسوط. وفي الذخيرة والمغني وفي المنتقى هشام عن محمد فيمن قطع يد حمار أو رجله، فكان لِما بَقِي [قيمة، فله] (١) أن يمسكه ويأخذ النقصان، أما لو ذبحه وكذلك الخيار، ولو قتله فليس له الخيار؛ لأن جلده لا قيمة له حينئذ، أما في الذبح بمنزلة الذبائح. وفي النوادر: قطع أذن الدابة أو ذنبها يضمن النقصان لا غير. قوله: (لأن الآدمي يبقى منتفعا به بعد قطع طرفه) فلا يكون مستهلكا من كل وجه؛ لبقائه صالحًا لعامة ما كان صالحًا له من قبل. (ومن خرق ثوبًا) المراد (٢) من الثوب ما يلبس، وما لا يلبس كالكرباس بدليل وضع محمد في المبسوط، وبدليل تعليل شمس الأئمة في مبسوطه. وقوله: (والصحيح) إلى آخره، احتراز عما ذكر قبله أن الفاحش ما تبطل به عامة منافعه، وعما ذكروا غير ذلك، بعضهم قالوا: ما أوجب نقصان ربع القيمة فصاعدا فاحش، وقيل: ما أوجب نقصان نصف القيمة فاحش، وقيل: الفاحش

стр. 6309

بِهِ بَعْضُ العَيْنِ، وَجِنْسُ المَنْفَعَةِ، وَيَبْقَى بَعْضُ العَيْنِ وَبَعْضُ المَنْفَعَةِ، وَاليَسِيرُ مَا لَا يَفُوتُ بِهِ شَيْءٌ مِنْ المَنْفَعَةِ، وَإِنَّمَا يَدْخُلُ فِيهِ النُّقْصَانُ؛ لِأَنَّ مُحَمَّدًا جَعَلَ فِي الأَصْلِ قَطعَ الثَّوْبِ نُقْصَانَا فَاحِشًا وَالفَائِتُ بِهِ بَعْضُ المَنَافِعِ. قَالَ: (وَمَنْ غَصَبَ أَرْضًا، فَغَرَسَ فِيهَا، أَوْ بَنَى، قِيلَ لَهُ: اقْلَعِ البِنَاءَ وَالغَرْسَ ما لا يصلح لثوب، واليسير ما يصلح. قال شيخ الإسلام: ما ذكره لا يصح بدليل أن محمدًا جعل في الأصل قطع الثوب نقصانا فاحشا، والفائت به بعض المنافع، فعلم أن الصحيح ما ذكره محمد أن الفاحش ما يفوت به بعض العين وبعض المنفعة بأن فات جنس المنفعة، وتبقى العين وبعض المنفعة، واليسير ما لا يفوت به شيء من المنفعة. (وإنما يدخل فيه النقصان) أي: في المالية. قوله: (جعل في الأصل) أي: المبسوط (قطع الثوب) بدون الخياطة (نقصانا فاحشا) أما لو خاطه ينقطع حق المالك عندنا، ذكره في الذخيرة. وعند الأئمة الثلاثة: لا ينقطع، وقالوا: في الشق اليسير يأخذ الثوب ويضمنه النقصان، وفي الفاحش كذلك عند الشافعي وأحمد، وعند مالك يخير كقولنا. قال شمس الأئمة: هذا الحكم الذي ذكرناه في الخرق في الثوب فهو الحكم في كل عين من الأعيان إلا في الأموال الربوية، فإن التعييب هناك فاحشا أو يسيرًا - لصاحبه الخيار بين الإمساك والدفع وتضمين قيمته، وفي الإمساك لا يضمن النقصان؛ لأنه يؤدي إلى الربا. قوله: (قيل له اقلع البناء والغرس)، ولا يعلم فيه خلاف؛ لقوله ﷺ : «ليس لِعَرْقٍ ظالم حَقٌّ» (١) وفي النهاية: بتنوين عرق على الصفة لا غير، ورواية الفقهاء

стр. 6310

وَرُدَّهَا) لِقَوْلِهِ ﵊: «لَيْسَ لِعِرْقٍ ظَالِمٍ حَقٌّ» وَلِأَنَّ مِلْكَ صَاحِبِ الأَرْضِ بَاقٍ، فَإِنَّ الأَرْضَ لَمْ تَصِرْ مُسْتَهْلَكَةٌ وَالغَصْبُ لَا يَتَحَقَّقُ فِيهَا، وَلَا بُدَّ لِلْمِلْكِ على الصفة والإضافة. وفي المغرب: أي: لذي عرق ظالم حق (١). وصف العرق بالظلم الذي هو صفة صاحبه مجازا كأنه غرسها على وجه الاغتصاب ليستوجبها به، رواه أبو داود والترمذي وقال: حديث حسن. وقال أبو داود وأبو عبيد في هذا الحديث: أنه قال: فلقد أخبرني الذي حدثني هذا الحديث أن رجلًا غرس في أرض رجل من الأنصار من بني بياضة، فاختصما إلى النبي ﷺ فقضى للرجل بأرضه، وقضى للآخر بنزع نخله، قال: ولقد رأيتها يضرب في أصولها بالفؤوس وإنها لنخل عم (٢). وفي الفائق والغريبين: أول الحديث: «مَنْ أحيَى أرضًا ميتةً فهيَ لَهُ، وليس لعرق ظالم حق»، ثم قال في الغريبين: قال هشام بن عروة: وهو أن يجيء الرجل إلى أرض قد أحياها رجل قبله فيغرس فيها غرسا؛ ليستوجب به الأرض. وفي الذخيرة، والمحيط، والمغني: لو غصب ساحة وبنى عليها لا ينقطع حق المالك، ثم قال: وكان الإمام أبو علي النسفي يحكي عن الكرخي أنه ذكر في بعض كتبه مفصلًا فقال: إن كانت قيمة الساحة أقل من قيمة البناء ليس للمالك أن يأخذها، وإن كانت قيمة الساحة أكثر فله أن يأخذها، وكذا في الساجة، وقال: المراد مما ذكر في الكتاب ما قلنا، وزعم أن هذا هو المذهب. قال مشايخنا: وهذا قريب من مسائل حفظت عن محمد ﵀، قال: من كان في يده لؤلؤة فسقطت فابتلعتها دجاجة إنسان ينظر إلى قيمة الدجاجة واللؤلؤة، فإن كانت قيمة الدجاجة أقل يخير صاحب اللؤلؤة بين أخذ الدجاجة بقيمتها، وبين ترك اللؤلؤة وأخذ قيمتها.

стр. 6311

مِنْ سَبَبٍ فَيُؤْمَرُ الشَّاغِلُ بِتَفْرِيغِهَا، كَمَا إِذَا شَغَلَ ظَرْفَ غَيْرِهِ بِطَعَامِهِ (فَإِنْ كَانَتْ الْأَرْضُ تَنْقُصُ بِقَلْعِ ذَلِكَ فَلِلْمَالِكِ أَنْ يُضَمِّنَ لَهُ قِيمَةَ البِنَاءِ وَالغَرْسِ مَقْلُوعًا وَيَكُونَانِ لَهُ)؛ لِأَنَّ فِيهِ نَظَرًا لَهُمَا وَدُفِعَ الضَّرَرُ عَنْهُمَا. وَقَوْلُهُ: «قِيمَتُهُ مَقْلُوعًا» مَعْنَاهُ: قِيمَةُ بِنَاءٍ أَوْ شَجَرٍ يُؤْمَرُ بِقَلْعِهِ؛ لِأَنَّ حَقَّهُ وكذا لو أودع رجلا فصيلًا، فَكَبُرَ الفصيل حتى لم يمكن إخراجه من البيت إلا بنقض الجدار ينظر إلى أكثرها قيمة، ويخير صاحب الأكثر على ما قلنا، وفي كتاب الحيطان: دخل قرن الشاة في قِدْرِ الباقلاني وتعذر إخراجه، ينظر أيهما أكثر قيمة فيؤمر صاحب الأكثر بدفع قيمة الآخر إلى صاحبه، ويتملك مال صاحبه. وكذا لو كان للمستأجر جب في الدار المستأجرة لا يمكن إخراجها إلا بهدم شيء من الحائط ينظر أيهما أكثر قيمة، وكذا لو أدخل رجل أترجة في قارورة غيره فكبرت الأترجة فلا خيار لأحد، وضمن الفاعل كصاحب الأترجة، ولصاحب القارورة قيمة الأترجة وقيمة القارورة، وتكون الأترجة والقارورة له بالضمان. وقيل: يمكن أن نجيب عن هذه المسائل بأنه لا تعدي فيها، ويمكن دفع الضرر عنها بتملك صاحب الإكراه، وفي مسألة الغصب متعد فلا يراعى حقه. وفي الكافي: ثم في وضع المسألة إشكال؛ لأنا بينا أن الغصب لا يتصور في العقار، والجواب أن الغصب الموجب للضمان لا يتصور فيه لا أصل الغصب، فيجوز أن يستعمل لفظ الغصب مجازًا كما في قوله: «مَنْ غصبَ شِبْرًا من أرض» الحديث (١)، لتصوره بصورة الغصب. قوله: (معناه قيمة بناء أو شجر يؤمر بقلعه) فعلى هذا كانت قيمة الشجر المقلوع أكثر من قيمة الشجر الذي أمر بقلعه؛ لأن المؤنة صرفت في قلع المقلوع دون القائم، وازدادت قيمة المقلوع لذلك (لأن حقه) أي: حق الغاصب

стр. 6312

فِيهِ، إِذْ لَا قَرَارَ لَهُ فِيهِ، فَتَقُوَّمُ الأَرْضُ بِدُونِ الشَّجَرِ وَالبِنَاءِ وَتَقَوَّمُ وَبِهَا شَجَرٌ أَوْ بِنَاءُ، لِصَاحِبِ الْأَرْضِ أَنْ يَأْمُرَهُ بِقَلْعِهِ فَيَضْمَنُ فَضْلَ مَا بَيْنَهُمَا. قَالَ: (وَمَنْ غَصَبَ ثَوْبًا، فَصَبَغَهُ أَحْمَرَ، أَوْ سَوِيقًا، فَلَتَّهُ بِسَمْنٍ: فَصَاحِبُهُ بِالخِيَارِ، إِنْ شَاءَ ضَمَّنَهُ قِيمَةَ ثَوْبٍ أَبْيَضَ، وَمِثْلَ السَّوِيقِ، وَسَلَّمَهُ لِلْغَاصِبِ، وَإِنْ شَاءَ أَخَذَهُمَا وَغَرِمَ مَا زَادَ الصَّبْغُ وَالسَّمْنُ فِيهِمَا) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الثَّوْبِ: لِصَاحِبِهِ أَنْ يَمْسِكَهُ وَيَأْمُرَ الغَاصِبَ بِقَلْعِ الصَّبْغِ بِالقَدْرِ المُمْكِنِ اعْتِبَارًا بِفَصْلِ السَّاحَةِ بَنَى فِيهَا؛ لِأَنَّ التَّمْيِيزَ مُمْكِنٌ، (فيه) أي: في البناء والشجر الذي يؤمر بقلعه (إذ لا قرار له) أي: للبناء والشجر. قوله: (فَلَتَّ السَّوِيقَ) اللَّتُّ: الخَلْط، من باب طَلَبَ. وبقولنا قال مالك وأصبغ، وبقول الشافعي قال أحمد (١). قوله: (لأن التمييز ممكن)، أي: بالغسل والعصر، وكذا في الخلط إذا كان التمييز ممكنا يجب التمييز والرد، وإن كان غير ممكن يجب رد مثله، وملك في الخلط بهما، وفي الوجيز وشرحه: لو كان قيمة الصبغ بقدر قيمة الثوب فهما شريكان، يباع ويقسم الثمن عليهما. وفي الحلية: إذا طالبه صاحب الثوب بقلع صبغه وامتنع الغاصب من ذلك ففيه وجهان: أحدهما: لا يجبر، وهو قول أبي العباس، والثاني: يجبر، وهو قول ابن خيران، وأبي إسحاق (٢). ولو طلب الغاصب بيع الثوب وامتنع صاحبه ففيه وجهان: يجبر ليصل الغاصب إلى حقه، والثاني: لا يجبر، وفي الخلط إن كان بمثله وطلب المالك أن يدفع إليه حقه وامتنع الغاصب: في المنصوص الخيار للغاصب، وفي وجه يلزمه دفعه إلى المالك، ولو خلطه بأجود وبدله الغاصب صاعا مثله ففيه وجهان: في المنصوص الخيار للغاصب، والثاني أنه يباع الجميع ويقسم الثمن

стр. 6313

بِخِلَافِ السَّمْنِ فِي السَّوِيقِ؛ لِأَنَّ التَّمْيِيزَ مُتَعَذِّرٌ. وَلَنَا: مَا بَيَّنَّا أَنَّ فِيهِ رِعَايَةَ الجَانِبَيْنِ، وَالخِيَرَةُ لِصَاحِبِ الثَّوْبِ لِكَوْنِهِ صَاحِبَ الأَصْلِ، بِخِلَافِ السَّاحَةِ بَنَى فِيهَا؛ لِأَنَّ النَّقْضَ لَهُ بَعْدَ النَّقْضِ؛ أَمَّا الصِّبْغُ فَيَتَلَاشَى، وَبِخِلَافِ مَا إِذَا انْصَبَغَ بِهُبُوبِ الرِّيحِ؛ لِأَنَّهُ لَا جِنَايَةَ مِنْ صَاحِبِ الصَّبْغِ بينهما، ولو خلطه بما دونه أجبر الغاصب على دفع ملك المالك. وعند مالك: أخذه بالمثل من غيره، ومن أصحابنا من قال: يباع الجميع ويقسم الثمن على قدر القيمتين، ولو خلطه بغير جنسه لزمه صاع من مثله. ومن أصحابنا من قال: يباع الجميع ويقسم الثمن على قدر قيمتها، وبه قال مالك في الصورتين، وعن أحمد: مثله. وفي المغني لابن قدامة: لو خلطه بما لا قيمة له كالزيت بالماء فإن أمكن تخليصه خلصه ورده ورد نقصه، وإن لم يمكن تخليصه أو كان ذلك يفسده رجع عليه بمثله؛ لأنه صار مستهلكا، وإن لم يفسده رده ورد ما نقصه، وإن احتيج في تخليصه إلى غرامة لزم الغاصب؛ لأنه بسببه، ولأصحاب الشافعي: في هذا الفصل نحو مما ذكرنا (١). قوله: (ولنا: أن فيه) أي في ثبوت الخيار للمالك (رعاية للجانبين) جانب المالك والغاصب؛ لأن صنيعه مال متقوم كالثوب، وتغصيبه لا يسقط حرمة ماله، فيجب صيانته ما أمكن، وذا فيما قلنا من التخيير، وأثبتنا الخيار لرب الثوب؛ لكونه صاحب أصل، والغاصب صاحب وصف، فكان إثبات الخيار لصاحب الأصل أولى؛ لأن الأصل قائم بنفسه، والوصف تابع له، والشافعي أهدر جانب الغاصب من كل وجه. قوله: (بخلاف الساحة) بالحاء المهملة أي: البناء في الساحة، حيث يؤمر بالقلع من غير إثبات الخيار؛ لأنه أمكن إيصال حق كل واحد منهما إلى صاحبه بالنقض. (لأن النقض) أي: المنقوض كالخشب والآجُرّ (له) أي: للغاصب، فيصل

стр. 6314

لِيَضْمَنَ الثَّوْبَ، فَيَتَمَلَّكُ صَاحِبُ الأَصْلِ الصِّبْغَ. قَالَ أَبُو عِصْمَةَ فِي أَصْلِ المَسْأَلَةِ: وَإِنْ شَاءَ رَبُّ الثَّوْبِ بَاعَهُ، وَيَضْرِبُ بِقِيمَتِهِ أَبْيَضَ، وَصَاحِبُ الصَّبْغِ بِمَا زَادَ الصَّبْغُ فِيهِ؛ لِأَنَّ لَهُ أَنْ لَا يَتَمَلَّكَ الصَّبْغَ بِالقِيمَةِ، وَعِنْدَ امْتِنَاعِهِ تَعَيَّنَ رِعَايَةُ الجَانِبَيْنِ فِي البَيْعِ وَيَتَأَنَّى، هَذَا فِيمَا إِذَا انْصَبَغَ الثَّوْبُ بِنَفْسِهِ، وَقَدْ ظَهَرَ بِمَا ذَكَرْنَا لِوَجْهِ فِي السَّوِيقِ، غَيْرَ أَنَّ السَّوِيقَ مِنْ ذَوَاتِ الأَمْثَالِ، فَيَضْمَنُ مِثْلَهُ، وَالثَّوْبُ مِنْ ذَوَاتِ القِيَمِ فَيَضْمَنُ إليه عين حقه، أما الصبغ يتلاشى بالغسل ولم يحصل للغاصب شيء، فلذا أثبتنا الخيار له وبخلاف ما إذا انصبغ بهبوب الريح، حيث لا يثبت الخيار لرب الثوب بل يؤمر بدفع قيمته، إذ لا جناية من صاحب الصبغ ليضمن الثوب، فيتملك صاحب الأصل الصبغ كذا في المبسوط. وقوله: (لِيُضْمَنَ) على بناء المفعول، و (الثوبَ) بالنصب؛ لأنه مفعول ثان أي: ليضمن من التضمين صاحب الصبغ الثوب. وفي الإيضاح: ولو انصبغ بغير فعل أحد فهو لرب الثوب، ولا شيء عليه من قيمة الصبغ في قول أبي حنيفة، وإن كان عصفرًا أو زعفرانا فرب الثوب بالخيار إن شاء أعطاه ما زاد الصبغ فيه، وإن شاء امتنع، فيباع الثوب فيصرف بقيمة ثوبه أبيض، وصاحب الصبغ بقيمة الصبغ في الثوب؛ لأنه لم يوجد من أحد فعل هو سبب للضمان، فانتفى الضمان وصارا شريكين، وبه قالت الأئمة الثلاثة. قوله: (وقال أبو عصمة) أي: المروزي (في أصل المسألة) أي: في قوله: (ومن غصب ثوبًا فصبغه أحمر) (١)، وإنما ذكر في أصل المسألة لئلا يتوهم أن هذا الحكم الذي ذكره أبو عصمة متصل بما يليه من مسألة الانصباغ، وإن كان حكم مسألة الانصباغ كذلك على ما ذكر في الكتاب، ويتأتى هذا فيما انصبغ الثوب بنفسه. (وقد ظهر بما ذكرنا الوجه في السويق) أي: الجواب، والتعليل في السويق كالجواب، والتعليل في الصبغ والانصباغ.

стр. 6315

قِيمَتُهُ. وَقَالَ فِي الأَصْلِ: يَضْمَنُ قِيمَةَ السَّوِيقِ؛ لِأَنَّ السَّوِيقَ يَتَفَاوَتُ بِالقَلْيِ، فَلَمْ يَبْقَ مِثْلِيًّا. وَقِيلَ: المُرَادُ مِنهُ المِثْلُ سَمَّاهُ بِهِ لِقِيَامِهِ مَقَامَهُ، وَالصُّفْرَةُ كَالحُمْرَةِ. وَلَوْ صَبَغَهُ أَسْوَدَ فَهُوَ نُقْصَانٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَعِنْدَهُمَا زِيَادَةٌ. وَقِيلَ: هَذَا اخْتِلَافُ عَصْرٍ وَزَمَانٍ. وَقِيلَ: إِنْ كَانَ ثَوْبًا يُنْقِصُهُ السَّوَادُ فَهُوَ نُقْصَانٌ، وَإِنْ كَانَ ثَوْبًا يُزِيدُ فِيهِ السَّوَادُ فَهُوَ كَالحُمْرَةِ وَقَدْ عُرِفَ فِي غَيْرِ هَذَا المَوْضِعِ. وَلَوْ كَانَ ثَوْبًا تُنْقِصُهُ الحُمْرَةُ بِأَنْ كَانَتْ قِيمَتُهُ ثَلَاثِينَ دِرْهَمًا فَتَرَاجَعَتْ بِالصَّبْغِ إِلَى عِشْرِينَ، فَعَنْ مُحَمَّدٍ: أَنَّهُ يُنْظَرُ إِلَى ثَوْبٍ تُزِيدُ فِيهِ الحُمْرَةُ، فَإِنْ كَانَتْ الزِّيَادَةُ خَمْسَةٌ يَأْخُذُ ثَوْبَهُ وَخَمْسَةَ دَرَاهِمَ؛ لِأَنَّ إِحْدَى الخَمْسَتَيْنِ جُبِرَتْ بِالصَّبْغِ. قوله: (سماه به) أي: سمى المثل به أي بالقيمة على تأويل ما (يقوم به) (١) أي: لقيام المثل مقام المغصوب (وهذا اختلاف عصر) فإن أبا حنيفة في زمن بني أمية، وكانوا يمتنعون عن لبس السواد، فأجاب على ما شاهد، وهما أجابا على ما شاهدا من عادة بني العباس بلبس السواد، وكان أبو يوسف يقول أولا بقول أبي حنيفة، فلما قلد القضاء أمر بلبس السواد، احتاج إلى التزام مؤنة في ذلك، فرجع وقال: السواد زيادة. قوله: (يزيد فيه السواد) كالغصب ونحوه. قوله: (فعن محمد) إلى قوله (يأخذ) أي: رب الثوب (ثوبه وخمسة دراهم) من الغاصب أيضًا؛ لأنه استوجب على الغاصب نقصان قيمة ثوبه عشرة دراهم؛ واستوجب الصباغ عليه قيمة الصبغ خمسة، فالخمسة بالخمسة قصاص، ويرجع عليه بما بقي من النقصان وهو خمسة، وهذا رواية هشام عن محمد، كذا في المبسوط (٢). فالحاصل: أن الصبغ لا يخلو إما أن يكون بالسواد أو غيره، وكل واحد لا يخلو إما أن يوجب الزيادة أو النقصان، ثم كل واحد من السواد وغيره بفعل أحد أو لا.

стр. 6316

فَصْلٌ غَصَبَ عَيْنًا فَغَيَّبَهَا (وَمَنْ غَصَبَ عَيْنًا، فَغَيَّبَهَا، فَضَمَّنَهُ المَالِكُ قِيمَتَهَا: فالأول: لا يخلو إما أن يكون بفعل صاحب الثوب أو صاحب الصبغ أو غيرهما، وذلك الغير إما أن يكون حاضرًا أو غائبًا، فالأقسام كلها مذكورة في الإيضاح. ثم الذي ذكر في الكتاب هو الذي ذكرنا فلا يحتاج إلى إعادته، وأما الذي لم يذكره في الكتاب فهو أن صاحب الثوب لو غصب العصفر، وصبغ به ثوبه فهو ضامن لمثل ما أخذ؛ لأنه استهلكه إن قدر عليه، وإن لم يقدر عليه فهو مسألة المثلي إذا انقطع من أيدي الناس، وليس لصاحب العصفر أن يحبس الثوب؛ لأن الثوب أصل، فصار الصبغ كالهالك، والسواد في هذا الوجه بمنزلة العصفر على قول أبي حنيفة ﵀؛ لأن صاحب الثوب مستهلك للسواد، فلا فرق بين أن يزيد قيمة الثوب أو ينقص. والثاني: ما لو وقع في صبغ أحد فانصبغ وقد ذكرناه، ولو غصب ثوبًا وصبغه بعصفر آخر ثم ذهب الفعل ولا يعرف، فالقول فيه كما لو انصبغ بغير فعل أحد استحسانًا. فالقياس: أن لا يكون لصاحب الصبغ على صاحب الثوب سبيل؛ لأنه وجب الضمان على الغاصب وانقطع حقه عن الصبغ. وفي الاستحسان: لما تقدر إيجاب الضمان على أحد صار كأنه حصل من غير فعل أحد، ومما يتصل بالمسائل فتح رأس تنور حتى برد فعليه قيمة الحطب، مقدار ما يسجر به التنور، ويمكن أن يقال: بكم يستأجر التنور المسجور للانتفاع؟ فيضمن ذلك القدر، أو ينظر إلى أجرته مسجورًا وغير مسجور فيضمن تفاوت ما بينهما. فَصْلٌ غَصَبَ عَيْنًا فَغَيَّبَهَا لما ذكر مقدمات الغصب وكيفية ما يوجب الضمان شرع في مسائل متفرقة تتصل بمسائل الغصب كما هو دأب المصنفين. قوله: (فَضَمَّنَهُ المالِكُ قيمتها)، يعني للمالك الخيار في تضمين قيمتها

стр. 6317

مَلَكَهَا) وَهَذَا عِنْدَنَا. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يَمْلِكُهَا لِأَنَّ الغَصْبَ عُدْوَانٌ مَحْضُ فَلَا يَصْلُحُ سَبَبًا لِلْمِلْكِ كَمَا فِي المُدَبَّرِ. وَلَنَا: أَنَّهُ مَلَكَ البَدَلَ بِكَمَالِهِ، وَالمُبَدَّلُ قَابِلٌ لِلنَّقْلِ مِنْ مِلْكِ إِلَى مِلْكِ، فَيَمْلِكُهُ دَفْعًا لِلضَّرَرِ عَنْهُ، والصبر إلى أن يوجد، فإذا ضمنه المالك (مسكها) (١) أي: العين المغصوب (عندنا) وبه قال مالك. وقال الشافعي وأحمد لا يملكها، حتى لو ظهرت يستردها، ويرد القيمة. فائدة الخلاف في الكسب ونفوذ البيع، ووجوب الكفن على الغاصب؛ لأنه ملكه عندنا، كذا ذكره البرغري. فلا يصلح سببًا للملك؛ لأن الملك مشروع والغصب عدوان محض، فلا يكون مفضيًا إلى الملك، إذ أدنى درجات السبب أن يكون مباحًا، فلا يملكه كما في ضمان المدبر. يؤيده قوله تعالى: ﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنكُمْ﴾ [النساء: ٢٩]، فالله تعالى جعل أكل مال الغير قسمين: قسما بالتجارة عن تراض، وقسما بالباطل، وهذا ليس بتجارة عن تراض؛ فيكون بالباطل، ولأن هذا الضمان جبران فيكون بمقابلة الفائت، والفائت اليد لا الملك. ولهذا لو هشم قلب فضة للغير، وقضي عليه بالقيمة، ثم افترقا من غير قبض لا يبطل القضاء، ولو كان بدلًا عن العين كان صرفًا، فيبطل بالافتراق. (وكما في المدبر) فإنه لا يقبل الفعل عندكم. ولنا أنه أي: المالك (ملك البدل) وهو القيمة. (بيده) (٢) أي: يدا ورقبة فوجب أن يزول ملكه عن البدل، فإذا زال ملكه عنه ملكه من وجب عليه بدله إذا كان البدل محتملا للنقل من ملك إلى ملك. (دفعا للضرر عنه) أي: الغاصب، وتحقيقا للعدل كما في سائر المبادلات، إذ الأصل في الضمان أن يجب بقدر ما فوَّتَ؛ لأن العدل إنما يتحقق بإيجاب مثل الفائت، فإذا ملك المالك البدل بكماله فيزول ملكه عن المغصوب شرطًا؛

стр. 6318

بِخِلَافِ المُدَبَّرِ، لِأَنَّهُ غَيْرُ قَابِلِ لِلنَّقْلِ لِحَقِّ المُدَبَّرِ، نَعَمْ قَدْ يُفْسَخُ التَّدْبِيرُ بِالقَضَاءِ، لَكِنَّ البَيْعَ بَعْدَهُ يُصَادِفُ القِنَّ. لحكم شرعي وهو الضمان؛ لأنه شرع جبرًا، ولا جبر في بقاء الأصل على ملكه؛ إذ الجبر يعتمد الفوات فصار حسنًا بحسنه، ولهما قبح أن لو ثبت الملك بالغصب مقصودا، كذا في الأسرار، والأصول. وفي المبسوط: بعض أصحابنا من المتقدمين يقول: سبب الملك بقدر الضمان على الغاصب كيلا يجتمع البدل والمبدل في ملك رجل واحد، وهو معنى قولهم: المضمونات تملك بالضمان، وهذا غلط؛ لأن الملك عندنا يثبت من وقت الغصب، ولهذا نفذ بيع الغاصب، وسلم الكسب له (١). وبعض المتأخرين قال: الغصب سبب موجب للملك عند أداء الضمان، وهذا أيضًا وهم، فإن الملك لا يثبت للغاصب عند أداء الضمان حقيقة، ولهذا لا يسلم له الولد، ولو كان كذلك ينبغي أن يملك الزوائد المتصلة والمنفصلة، كما في البيع الموقوف إذا تم بالإجارة، ومع [هذا] (٢) في العبارة بعض الشنعة، إذ الغصب عدوان محض، والملك مشروع مرغوب، فلا يصلح أن يجعل العدوان سببًا له، فإنه ترغيب للناس فيه، ولا يجوز إضافة مثله إلى الشرع، فالأسلم أن نقول: الغصب موجب لرد العين، ورد القيمة عند تعذر العين بطريق الجبران مقصود بهذا السبب، ثم يثبت الملك للغاصب شرطًا للقضاء بالضمان لا حكمًا ثابتًا مقصودًا بالغصب، ولهذا لا يملك الولد إلى آخر ما ذكرنا. قوله: (نعم قد يفسخ التدبير) جواب إشكال مقدر، وهو أن يقال: لا نسلم أن المدبر غير قابل للنقل بل قابل؛ لأن المولى لو باعه وقضى القاضي بجواز بيعه يجوز ويفسخ التدبير: فأجاب عنه وقال: نعم، إلا أن هناك انفسخ التدبير؛ لأن القضاء في فصل مجتهد؛ فينفذ ويفسخ التدبير، فحينئذ البيع يصادف القن لا في المدبر، وهاهنا الضمان يجب بمقابلة تفويت يد المالك عن المدبر لا بمقابلة الرقبة.

стр. 6319

قَالَ: (وَالقَوْلُ فِي القِيمَةِ قَوْلُ الغَاصِبِ مَعَ يَمِينِهِ) لِأَنَّ المَالِكَ يَدَّعِي الزِّيَادَةَ وَهُوَ يُنْكِرُ، وَالقَوْلُ قَوْلُ المُنْكِرِ مَعَ يَمِينِهِ (إِلَّا أَنْ يُقِيمَ المَالِكُ البَيِّنَةَ بِأَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ) لِأَنَّهُ أَثْبَتَهُ بِالحُجَّةِ المُلْزِمَةِ. قَالَ: (فَإِنْ ظَهَرَتِ العَيْنُ، وَقِيمَتُهَا أَكْثَرُ مِمَّا ضَمِنَ، وَقَدْ ضَمِنَهَا بِقَوْلِ المَالِكِ، وفي أصول فخر الإسلام: وهذا طريق جائز، ولكن لا يصار إليه إلا عند العجز عن المقابلة بالرقبة؛ لأن فيه اجتماع البدل والمبدل في ملك واحد، وهو عدول عن سنن العدل، وقد عجزنا في المدير عن المقابلة بالرقبة صيانة لحق المدبر، فجعلناه خلفًا عن النقصان الذي حل بيده. وفي المبسوط: ونظيره فصلان: أحدهما: ضمان العتق فإنه بمقابلة العين في كل محل يحتمل اتحاد شرطه، وهو ملك العين، وفيما لا يحتمل اتحاد الشرط كالمدبر وأم الولد عندهم، لا يجعل بدلا عن العين بل عن اليد. والثاني: ضمان الصلح، فإنه إذا أخذ بالتراضي كان المأخوذ بدلا عن العين في كل محل يحتمل بملك العين، يجعل المأخوذ بمقابلة الجناية التي حلت بيده. وأما الجواب عن الآية أنها تدل على أن الأكل بالتجارة عن تراض جائز، لا أن يكون الجواز مقصورًا عليه بالإجماع، مع أن معنى التجارة عن تراض هاهنا يوجد؛ لأن المالك يتمكن من أن يصبر حتى تظهر العين فيأخذ، فحين طالب بالقيمة مع علمه أن من شرطه انعدام ملكه في العين فقد صار راضيًا بذلك، كذا قيل. والجواب عن المعنى الذي ذكر أن الضمان بمقابلة ما هو المقصود، ومقصود صاحب الدراهم عين الدراهم لا امتلاء كيسه، ولهذا يسمى قيمة العين. وأما الجواب عن مسألة القلب أنه إنما لا يبطل بالافتراق هاهنا؛ لأنه ثبت شرطًا للضمان كما ذكرنا.

стр. 6320

أَوْ بِبَيِّنَةٍ أَقَامَهَا، أَوْ بِنُكُولِ الغَاصِبِ عَنْ اليَمِينِ: فَلَا خِيَارَ لِلْمَالِكِ، وَهُوَ الغَاصِبُ)؛ لِأَنَّهُ تَمَّ لَهُ المِلْكُ بِسَبَبِ اتَّصَلَ بِهِ رِضَا المَالِكِ حَيْثُ ادَّعَى هَذَا المِقْدَارَ. قَالَ: (فَإِنْ كَانَ ضَمِنَهُ بِقَوْلِ الغَاصِبِ مَعَ يَمِينِهِ: والجواب عن المدبر قد مر، ومما يؤيد قولنا قوله ﷺ : «أَطْعِمُوهَا الأَسَارَى» (١) فأمرهم بالتصدق ولو لم يملكوها لما أمرهم بالتصدق؛ لأن التصدق بملك الغير إذا كان مالكها معلومًا لا يجوز، بل يحفظ عليه عين ملكه، فإن تعذر يباع فيحفظ عليه ثمنه، كذا في المبسوط (٢). قوله: فالقول قول الغاصب مع يمينه ولا يعلم فيه خلاف إلا أن يقيم المالك منه والقول له. وفي المبسوط، والذخيرة في دعوى المغصوب ذكر الجنس والصفة ليس بشرط كما في سائر الدعاوى؛ لأن محمدًا ذكر في الأصل: أقام البينة على رجل أنه غصب جارية، لم يحبس المدعى عليه حتى يجيء بها ويردّها. قال الحلواني: في هذه المسألة مما تحفظ؛ لأنه قال: أقام بينة ولم يذكر جنسها وصفتها وقيمتها. قال بعض المشايخ: تأويل المسألة أنه ذكر الجنس والصفة والقيمة. وقال أبو بكر الأعمش: تأويلها أن الشهود شهدوا على إقرار الغاصب بذلك، فأما الشهادة على فعل الغصب فلا تقبل مع جهالة المغصوب، لأن القضاء بالمجهول غير ممكن، ولكن الأصح أن هذه الدعوى والشهادة مقبولة بدون ذكر الجنس والصفة للضرورة؛ لأن الغاصب ممتنع عن إحضار المغصوب عادة، وحين يغصب إنما يتأتى من الشهود معاينة فعل الغصب دون العلم بأوصاف المغصوب، فسقط اعتبار علمهم للتعذر، فصار ثبوت ذلك الغصب بالبينة؛ لثبوته بإقراره فيحبس، ولأن وجوب الرد عليه ثابت بنفس الفعل، وهذا

стр. 6321

فَهُوَ بِالخِيَارِ، إِنْ شَاءَ أَمْضَى الضَّمَانَ، وَإِنْ شَاءَ أَخَذَ العَيْنَ وَرَدَّ العِوَضَ) لِأَنَّهُ لَمْ يَتِمَّ رِضَاهُ بِهَذَا المِقْدَارِ، حَيْثُ يَدَّعِي الزِّيَادَةَ وَأَخَذَهُ دُونَهَا لِعَدَمِ الحُجَّةِ. وَلَوْ ظَهَرَتْ العَيْنُ وَقِيمَتُهَا مِثْلَ مَا ضَمَّنَهُ، أَوْ دُونَهُ فِي هَذَا الفَصْلِ الأَخِيرِ، فَكَذَلِكَ الجَوَابُ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ، وَهُوَ الْأَصَحُ خِلَافًا لِمَا قَالَهُ الكَرْخِيُّ ﵀: أَنَّهُ لَا خِيَارَ لَهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتِمَّ رِضَاهُ حَيْثُ لَمْ يُعْطِ لَهُ مَا يَدَّعِيهِ وَالخِيَارُ لِفَوَاتِ الرِّضَا. قَالَ: (وَمَنْ غَصَبَ عَبْدًا فَبَاعَهُ فَضَمَّنَهُ المَالِكُ قِيمَتَهُ: فَقَدْ جَازَ بَيْعُهُ، وَإِنْ أَهْتَقَهُ، ثُمَّ ضَمِنَ القِيمَةَ، لَمْ يَجُزْ عِتْقُهُ) لِأَنَّ مِلْكَهُ الثَّابِتَ فِيهِ نَاقِصُ، معلوم بشهادتهم، فيتمكن القاضي من القضاء به، أما بينة الغاصب على القيمة لا تقبل لو كذبه المالك؛ لأنها على نفي الزيادة. وقيل: ينبغي أن تقبل بينته لإسقاط اليمين عنه، إذ البينة تقبل لإسقاط اليمين كما لو ادعى المودع رد الوديعة يقبل. قوله: (فلا خيار للمالك) (١) وبه قال مالك، وعند الشافعي، وأحمد: له الخيار؛ لعدم زوال ملكه عندهما عنه. قوله: (وأخذه) أي: أخذ المالك دونها؛ لعدم البينة لا بالرضا. قوله: (فكذلك الجواب) أي: للمالك الخيار، وقال الكرخي: لا خيار له، لأنه توفر عليه بدل ملكه بكماله. وقوله: (لأنه لم يتم رضاه) (٢) دليل الأصح، فإنه لم يعطه ما يدعيه، إذ جاز أن يكون قيمته مثل ما ضمنه عند المقومين، فلا يكون مثله عنده، فلا رض به بدلا، وقد لا يرضى الإنسان بزوال ملكه عن العين بقيمته أو أكثر، فلم يتم رضاه، فإذا اختار المالك أخذ المغصوب للغاصب أن يحبسه حتى يأخذ القيمة التي دفعها إليه؛ لأنها مقابلة بخلاف المدبر؛ لأنه ليس بمقابل به. قوله: (جاز) بيعه وبه قال أحمد في رواية، وقال في رواية: لا يجوز بيعه كالإعتاق، وبه قال الشافعي ومالك كتصرفات الفضولي. ولنا: الفرق أن الملك الثابت للغاصب ناقص.

стр. 6322

لِثُبُوتِهِ مُسْتَنِدًا أَوْ ضَرُورَةٌ، وَلِهَذَا يَظْهَرُ فِي حَقِّ الأَكْسَابِ دُونَ الْأَوْلَادِ، وَالنَّاقِصُ يَكْفِي لِنُفُودِ البَيْعِ دُونَ العِتْقِ كَمِلْكِ المُكَاتَبِ. (لثبوته مستندًا) والثابت بالاستناد ثابت من وجه حكما لا حقيقة، فيكون ناقصا يكفي نفوذ البيع دون العتق كملك المكاتب، فإنه يجوز بيعه لا عتقه. (أو ضرورة) يعني ثبت الملك للغاصب ضرورة، إذ الدليل يأبى ثبوت الملك له لكونه عدوانًا والملك نعمة، وإنما ثبت ضرورة القضاء بالضمان كما ذكرنا، والثابت ضرورة ثابت من وجه دون وجه. (ولهذا يظهر في حق الأكساب دون الأولاد) لأن الملك ثبت شرطا للقضاء بالقيمة والولد غير مضمون عليه بالقيمة، وهو بعد الانفصال ليس بتبع لأمه، ولا يثبت هذا الحكم فيه بخلاف الكسب؛ لأنه بدل المنفعة؛ فيكون تبعًا محضًا، وثبوت الحكم في التبع بثبوته في المتبوع، سواء ثبت في المتبوع ضمنا أو قصدًا، ولأن ملك الكسب أسرع نفوذًا من ملك الولد بدليل أن الغاصب إذا آجر المغصوب يملك الأجر، ولا يملك كسب الولد والملك. (الناقص يكفي لنفوذ البيع دون العتق) فالمكاتب يملك البيع ولا يملك العتق، وإنما قيد بإعتاق الغاصب ثم تضمنيه احترازًا عن إعتاق المشتري من الغاصب، ثم تضمن الغاصب، فإن فيه روايتين: يصح قياسًا على المشتري شراء موقوفا، فإن إعتاقه يصح إذا أجاز المالك، فكذا هاهنا؛ لأن عتقه ينفذ بعد نفوذ سبب الملك، وهو الشراء. وقياسًا على وقفه، فإنه لو وقفه ثم ضمن الغاصب يصح وقفه، بخلاف الغاصب إذا أعتق؛ لأن المستند له حكم الملك لا حقيقة الملك. وفي رواية: يصح على قول أبي حنيفة، وأبي يوسف -رحمهما الله - خلافا لمحمد، وزفر. أما لو أجاز المالك إعتاق المشتري من الغاصب، أو إعتاق الغاصب قبل أداء الضمان ينفذ الإعتاق بلا خلاف. والفرق لأبي حنيفة، وأبي يوسف بين إعتاق المشتري من الغاصب مع التضمين، وبين إعتاق المشتري من الغاصب مع إجازة المالك أن المشتري هناك

стр. 6323

قَالَ: (وَوَلَدُ المَغْصُوبَةِ وَنَمَاؤُهَا، وَثَمَرَةُ البُسْتَانِ المَغْصُوبِ: أَمَانَةٌ فِي يَدِ الغَاصِبِ، إِنْ هَلَكَ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ، إِلَّا أَنْ يُتَعَدَّى فِيهَا، أَوْ يَطْلُبَهَا مَالِكُهَا فَيَمْنَعَهَا إيَّاهُ). وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: زَوَائِدُ المَغْصُوبِ مَضْمُونَةٌ مُتَّصِلَةٌ كَانَتْ أَوْ مُنْفَصِلَةٌ، لِوُجُودِ الغَصْبِ، وَهُوَ إِثْبَاتُ اليَدِ عَلَى مَالِ الغَيْرِ بِغَيْرِ رِضَاهُ، كَمَا فِي الظَّبْيَةِ المُخْرَجَةِ مِنْ الحَرَمِ إِذَا وَلَدَتْ فِي يَدِهِ يَكُونُ مَضْمُونًا عَلَيْهِ. وَلَنَا: أَنَّ الغَصْبَ إِثْبَاتُ اليَدِ عَلَى مَالِ يملكه من جهة الغاصب، وملك الغاصب ناقص؛ لأنه مستند على ما بينا، فكيف يستند لمن ملكه من جهته؟ فلهذا لا ينفذ إعتاقه. أما في الإجازة يستند الملك له إلى وقت العقد من جهة المجيز، والمجيز كان مالكا حقيقةً؛ فيمكن إثبات حقيقة الملك للمشتري من وقت العقد فينفذ عتقه، كذا في المبسوط. قوله: (وولد المغصوبة ونماؤها) كالسِّمَن والجمال، سواء غصبها حاملا أو ولدت عنده أو حبلت في يد الغاصب أمانة في يد الغاصب لا يضمنها إلا بالتعدي أو بالمنع بعد الطلب، وبقولنا قال مالك. أما الكسب الحاصل باستغلال الغاصب ليس بنماء، وغير مضمون على الغاصب؛ لأنه بدل المنفعة، وهي غير مضمونة على الغاصب ويجيء. وقال الشافعي: زوائد الغصب مضمونة، وبه قال أحمد متصلة كانت كالسمن والجمال، أو منفصلة كالولد والثمر؛ لأنها حصلت من أصل مضمون عليه بالتعدي؛ فيكون مضمونه كولد ظبية مخرجة من الحرم، وهذا لأن ضمان الأصل باعتبار يد مبطلة عليه، وهذه اليد ثابت بعينها على الزيادة؛ لحدوثها في ملك اليد؛ فتصير مضمونة ضرورة. والدليل عليه أن العرف في الجاهلية يقبضون ويتملكون، قال بعضهم: بالاستيلاء عليها، فنقل الشرع حكم الغصب من الملك إلى الضمان، فأما الغصب فعلى ما كانوا يعتقدون ويباشرون الاستيلاء سببًا، فعلم أن حده هذا لا قطع يد المالك، ولهذا يضمن غاصب الغاصب، وقد عدم قطع يد المالك؛ لأن يده انقطعت بالغصب الأول.

стр. 6324

الغَيْرِ عَلَى وَجْهِ يُزِيلُ يَدَ المَالِكِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا، وَيَدُ المَالِكِ مَا كَانَتْ ثَابِتَةٌ عَلَى هَذِهِ الزِّيَادَةِ حَتَّى يُزِيلَهَا الغَاصِبُ، وَلَوْ اعْتُبِرَتْ ثَابِتَةٌ عَلَى الوَلَدِ لَا يُزِيلُهَا، إِذْ الظَّاهِرُ عَدَمُ قوله: (على ما ذكرنا) إشارة إلى ما ذكره في أول الغصب أنه في الشريعة أخذ مال محترم بغير إذن المالك على وجه يزيل يده. قوله: (لأن يد المالك ما كانت ثابتة على هذه الزيادة)، فإن قيل: إذا غصب حاملا ينبغي أن يضمن ولدها؛ لأن الغصب ورد على الجارية بجميع أجزائها، والولد جزء منها؛ فيجب أن يكون الولد مضمونا وليس كذلك، والرواية في الأسرار. ولأنه إذا لم تزل يد المالك عن الولد ينبغي أن لا يضمنه بعد الطلب؛ لأنه لم يكن في يده حتى يزيله مع ذلك، ولأن غاصب الغاصب يضمن مع أنه لا يزيل يد المالك؛ لأنه زال بالغصب الأول، ولأن الملتقط إذا لم يشهد يضمن معه أنه لا يزيل يد المالك، ولأن المغرور يضمن الولد وإن لم يوجد منه إزالة يد المالك في حق الولد، ولأن المال قد يضمن بالتسبيب على طريق التعدي في حفر البئر على قارعة الطريق. وإمساك الأم هاهنا سبب حصول الزيادة لا محالة، فإن أهل السوائم يمسكون السوائم للزيادة خصوصا إذا غصبها حاملًا، فكان الإمساك بطريق التغلب سببًا لإتلاف ملك المالك فيضمن، ولا الأوصاف القارة في الأمهات تسري إلى الأولاد كالحرية، والأم هاهنا مضمونة؛ فيجب أن يحدث الولد على هذه الصفة. قلنا: أما الجواب عن المسألة الأولى إنما لم يضمن ولدها لعدم تحقق الغصب في حقه؛ لأنه عبارة عن أخذ مال محترم متقوم بغير إذن المالك على وجه يزيل يد المالك، والولد قبل الانفصال لا يعدّ مالًا متقوما، ولهذا يعد عيبًا في الأم قبل الولادة، فلم يتحقق الغصب فيه كما لو حبلت في يد الغاصب وولدت. وعن المسألة الثانية والثالثة والرابعة: أن المنع بعد الطلب أو الفعل الذي يقوم مقام المنع كترك الإشهاد في اللقطة بمنزلة الغصب حقيقة؛ لأن المالك ولاية استرداده في كل وقت، فإذا منعه كان مزيلًا ليده

стр. 6325

المَنْعِ، حَتَّى لَوْ مَنَعَ الوَلَدَ بَعْدَ طَلَبِهِ يَضْمَنُهُ، وَكَذَا إِذَا تَعَدَّى فِيهِ كَمَا قَالَ فِي الكِتَابِ: وَذَلِكَ بِأَنْ أَتْلَفَهُ، أَوْ ذَبَحَهُ وَأَكَلَهُ، أَوْ بَاعَهُ وَسَلَّمَهُ، وَفِي الظَّبْيَةِ المُخْرَجَةِ لَا يَضْمَنُ وَلَدَهَا إِذَا هَلَكَ قَبْلَ التَّمَكَّنِ مِنْ الإِرْسَالِ لِعَدَمِ المَنْعِ، وَإِنَّمَا يَضْمَنُهُ إِذَا هَلَكَ بَعْدَهُ لِوُجُودِ المَنْعِ بَعْدَ طَلَبِ صَاحِبِ الحَقِّ وَهُوَ الشَّرْعُ، عَلَى هَذَا أَكْثَرُ مَشَايِخِنَا. وَلَوْ أَطْلَقَ الجَوَابَ، فَهُوَ ضَمَانُ جِنَايَةٍ، تقديراً، فوجد الغصب. والجواب عن التسبيب كما في حافر البئر؛ لأن الإتلاف في البئر حقيقي، أما بمجرد الأيدي في المال لا يحصل التلف بل المال يحصل بالأيدي ويحفظ بها، فالضمان للمالك هاهنا على من أزال يده عن ماله بالإتلاف، ولم توجد إزالة اليد في حق الزيادة، فلا يضمن. وأما الجواب عن فصل السراية فقلنا: الملك يسري؛ لأنه ثابت في رقبة الأم، فيكون صفة لها فيسري إلى الولد، أما الضمان عبارة عن لزوم الحق، واللزوم في ذمة الغاصب، وصفة له لا للمال، وإنما يوصف المال به مجازا كما يقال: فلان، مغصوب والغصب صفة للغاصب، بخلاف الملك فإنه وصف للمحل حيث يوصف بأنه مملوك حقيقة، فلذلك تعدى دون كونه مضمونًا إليه أشار في الأسرار، ولكن فيه نوع تأمل. قوله: (أو باعه وسلمه) وقيد بالتسليم؛ لأن بمجرد البيع لا يتحقق التعدي، بل بالبيع والتسليم، كما لو باع المودع الوديعة وسلمها ويحصل بها تفويت يد المالك؛ لأنه كان متمكنا من أخذه من الغاصب، وقد زال ذلك بالبيع والتسليم، كذا في المبسوط. قوله: (ولو أطلق الجواب) يعني لما قلنا بوجوب الضمان في ولد الظبية قبل التمكن من الإرسال وبعده. قوله: (فهو ضمان جناية) [أي] (١) الضمان في صيد الحرم ضمان إتلاف

стр. 6326

وَلهَذَا يَتَكَرَّرُ بِتَكَرُّرِهَا، معنى الصيدية به؛ لأنه بالحرم آمن صيدا وذا في تنفره وبعده عن أيدينا، فإثبات اليد عليه يكون إتلافا لمعنى الصيدية حكما، وقد تحقق ذلك في الولد بإثبات اليد عليه، فأما الأموال فمحفوظ بالأيدي، فإنما يجب الضمان فيها بتفويت الأيدي لا بإثبات اليد عليها، كذا في الأسرار. (ولهذا يتكرر) أي: الجزاء بتكرر الجناية، ثم لو أدى ضمانه، ثم أرسله في الحرم، ثم أخرجه من الحرم يجب ضمان آخر، ويحتمل أن يكون معناه حتى يتكرر وجوب الإرسال بتكرر هذه الجناية، التي هي الإخراج من الحرم، وهذا الوجه موافق لرواية المبسوط. ولو كانت الزوائد متصلة كالسمن والجمال فهو أمانة أيضا عندنا، ومالك، حتى لو هلكت الجارية بعد الزيادة ضمن قيمتها وقت الغصب، ولا يضمن الزيادة، وعند الشافعي، وأحمد يضمن كما في المتصلة. وكذا لو زادت قيمته بتعلم الصناعة أو بالشعر ثم هلكت لم يضمن إلا قيمتها يوم الغصب عندنا، ومالك. وعند الشافعي: يضمن قيمتها يوم الهلاك؛ لأن الزوائد عندهما مضمونة بغير المنع، وعند الضمان بالتعدي أو المنع ولم يوجد، أما لو باع الجارية بعدما ازدادت قيمتها بالزيادة المتصلة، أو زاد خيرا في يد الغاصب وسلمه فإن كان قائما في يد المشتري أخذه صاحبه بالإجماع، وإن كان هالكا فهو بالخيار إن شاء ضمن المشتري قيمة يوم الغصب، وإن شاء ضمن المشتري قيمة يوم القبض، ولا يضمن البائع قيمة الزيادة عند أبي حنيفة. وقال أبو يوسف، ومحمد: يضمن الزيادة بالبيع والتسليم، وبه قالت الأئمة الثلاثة. هذا رواية ابن سماعة عن محمد ﵀. وفي ظاهر الرواية إن اختار تضمين البائع له ذلك إن شاء ضمنه قيمتها وقت البيع والتسليم، وبه قال مالك، وعند الشافعي وأحمد: قيمتها يوم الهلاك. وجه قولهما: أنه تعدى في الزيادة بالبيع والتسليم فيضمن كما لو قبلها بعد

стр. 6327

وَيَجِبُ بِالإِعَانَةِ وَالإِشَارَةِ، فَلَأَنْ يَجِبَ بِمَا هُوَ فَوْقَهَا وَهُوَ إِثْبَاتُ اليَدِ عَلَى مُسْتَحِقٌ الْأَمْنِ أَوْلَى وَأَحْرَى. قَالَ: (وَمَا نَقَصَتْ الجَارِيَةُ بِالوِلَادَةِ فِي ضَمَانِ الغَاصِبِ، فَإِنْ كَانَ فِي قِيمَةِ الوَلَدِ وَفَاءً بِهِ: انْجَبَرَ النُّقْصَانُ بِالوَلَدِ، وَسَقَطَ ضَمَانُهُ عَنْ الغَاصِبِ). وَقَالَ زُفَرُ وَالشَّافِعِيُّ: لَا يَنْجَبِرُ النُّقْصَانُ بِالوَلَدِ؛ لِأَنَّ الوَلَدَ مِلْكُهُ، فَلَا يَصْلُحُ جَابِرًا لِمِلْكِهِ كَمَا فِي وَلَدِ الظَّبْيَةِ، وَكَمَا إِذَا هَلَكَ الوَلَدُ قَبْلَ الرَّدِّ أَوْ مَاتَت الأُمُّ الزيادة، وكما في الزيادة المتصلة. وجه قول أبي حنيفة: أن ضمان البيع والتسليم ضمان غصب، والغصب لا يتحقق في الزيادة، وإنما قلنا ضمان البيع والتسليم ضمان غصب؛ لأن ملك المالك في المغصوب باق بعد بيع الغاصب، ولا يمكن تضمين الزيادة مع الأصل؛ لأن ضمان الأصل ضمان واجب بالغصب، وذا لا يتصور إيجابه بالتسليم؛ لأن إثبات الثابت محال ولا يمكن تضمينها بدون الأصل؛ لأنها تبع للأصل فلا يفرد عن الأصل بضمان الغصب بخلاف القتل لأنه استهلاك لا غصب. ألا ترى أن الحر لا يضمن بالبيع والتسليم، ويضمن بالإتلاف، وبخلاف الزيادة المنفصلة؛ لأن بالبيع والتسليم قصدًا يصير غاصبا، ولهذا لا يدخل في البيع بدون الذكر؛ لأنه كان المالك متمكنا من أخذه من الغاصب، وقد زال ذلك البيع والتسليم فصار غاصبا كما في الوديعة بعد، كذا في المبسوط والإيضاح. قوله: (وما نقصت الجارية في ضمان الغاصب) فقوله: (في ضمان الغاصب) خبر ما يتم به حكم المسألة، وبقولنا قال مالك، إذا حبلت بعد الغصب، أما لو غصب حاملا نقصان الولادة ولا ينجبر بالولد، وعندنا ينجبر. قوله: (وقال زفر والشافعي: لا ينجبر) وبه قال أحمد؛ لأن الفائت ملكه، والولد ملكه، وملكه لا يكون جابرًا لملكه، إذ الضمان يجبر ما فات عنه أو (ماتت الأم) أي: بسبب الولادة، هكذا نص في الأسرار والإيضاح.

стр. 6328

وَبِالوَلَدِ وَفَاءٌ، وَصَارَ كَمَا إِذَا جَزَّ صُوفَ شَاةِ غَيْرِهِ، أَوْ قَطَعَ قَوَائِمَ شَجَرِ غَيْرِهِ، أَوْ خَصَى عَبْدَ غَيْرِهِ، أَوْ عَلَّمَهُ الحِرْفَةَ فَأَضْنَاهُ التَّعْلِيمُ. وَلَنَا: أَنَّ سَبَبَ الزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ وَاحِدٌ، وَهُوَ الوِلَادَةُ أَوْ العُلُوقُ عَلَى مَا عُرِفَ، وَعِنْدَ ذَلِكَ لَا يُعَدُّ نُقْصَانًا فَلَا يُوجِبُ ضَمَانًا، وَصَارَ كَمَا إِذَا غَصَبَ جَارِيَةٌ سَمِينَةٌ فَهَزَلَتْ، ثُمَّ سَمِنَتْ أَوْ سَقَطَتْ ثَنِيَّتُهَا، ثُمَّ نَبَتَتْ أَوْ قُطِعَتْ يَدُ المَغْصُوبِ فِي يَدِهِ وَأَخَذَ أَرْشَهَا وَأَدَّاهُ مَعَ العَبْدِ يُحْتَسَبُ عَنْ نُقْصَانِ القَطْعِ، وَوَلَدُ الظَّبْيَةِ مَمْنُوعٌ، (وبالولد وفاء) أي: بقيمته وفاء، وكما إذا جز صوف شاة أو قطع قوائم شجر غيره، يعني ثم نبت مكانها أخرى فإن بقيمتها لا ينجبر ما نقص بما نبت، أو خَصَى عبد غيره يعني فيه قطع جزء منه، وهو نقصان فيه، ولكن ازدادت فللمالك أن يضمنه نقصان الخصية، كما لو لم يردد قيمته أو علمه الحرفة فأضناه بسبب التعليم، فلا ينجبر ما أضناه بالتعليم بما ازدادت قيمته بسبب علم الحرفة. (ولنا أن سبب الزيادة والنقصان واحد وهو الولادة) أي: عندهما والعلوق عند أبي حنيفة على ما يجيء، وهذا لأن الولادة أوجبت فوات جزء من مالية الأصل وحدوث مالية الولد لأن الولد وإن كان موجودًا قبل الانفصال فلم يكن مالا حتى لم يجز بيعه وهبته، وإنما صار مالا مقصودًا بالانفصال، وإذا اتحد سببهما امتنع ظهور النقصان، فامتنع الضمان كالبيع، فإنه يزيل المبيع عن ملكه، ويدخل الثمن فلا يعد نقصانا حتى لو شهدا عليه ببيع شيء بمثل قيمته ثم رجعا لم يضمن شيئًا. فإن قيل: سلمنا أن الزيادة حصلت بالولادة ولا نسلم حصول النقصان بها بل بعلوق سابق؛ لأن حال الولادة حالة استراحة، وحال العلوق حالة مشقة فيضاف النقصان إلى المشقة. قلنا: حالة الاستراحة بعد الولادة، أما حالة الولادة حالة خروج الولد، فحالة مشقة فيحصل به النقصان على أنا نقول: النقصان مضاف إلى العلوق والزيادة مضافة إليه أيضًا؛ لأن به يحصل أصل الولد، ويصير مقصوده عند الولادة، كذا في طريقة مجد الأئمة. قوله: (وولد الظبية ممنوع) يعني لا نسلم أنه لا ينجبر به بل ينجبر، وكذا

стр. 6329

وَكَذَا إِذَا مَاتَتْ الأُمُّ. وَتَخْرِيجُ الثَّانِيَةِ: أَنَّ الوِلَادَةَ لَيْسَتْ بِسَبَبٍ لِمَوْتِ الأُمِّ، إِذْ الوِلَادَةُ لَا تُفْضِي إِلَيْهِ غَالِبًا، وَبِخِلَافِ مَا إِذَا مَاتَ الوَلَدُ قَبْلَ الرَّدِّ؛ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ رَدّ أَصْلِهِ لِلْبَرَاءَةِ، فَكَذَا لَا بُدَّ مِنْ رَدّ خَلَفِهِ، وَالخِصَاءُ لَا يُعَدُّ زِيَادَةٌ؛ لِأَنَّهُ غَرَضُ بَعْضٍ الفَسَقَةِ، وَلَا اتِّحَادَ فِي السَّبَبِ فِيمَا وَرَاءَ ذَلِكَ مِنْ المَسَائِلِ؛ لِأَنَّ سَبَبَ النُّقْصَانِ القَطْعُ وَالجَرُّ، وَسَبَبَ الزِّيَادَةِ النُّمُوُّ، وَسَبَبَ النُّقْصَانِ التَّعْلِيمُ، وَالزِّيَادَةُ سَبَبَهَا الفَهْمُ. قَالَ: (وَمَنْ غَصَبَ جَارِيَةً فَزَنَى بِهَا فَحَبِلَتْ ثُمَّ رَدَّهَا، وَمَاتَتْ فِي نِفَاسِهَا: يَضْمَنُ قِيمَتَهَا يَوْمَ عَلِقَتْ، وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فِي الحُرَّةِ، وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَا: لَا يَضْمَنُ فِي الأَمَةِ أَيْضًا) (*) لَهُمَا: أَنَّ الرَّدَّ قَدْ صَحَّ، وَالهَلَاكُ بَعْدَهُ بِسَبَبٍ حَدَثَ فِي لو ماتت الأم وبقيمة الولد وفاء ينجبر، فلا يرد نقصا وإن لم يكن وفاء ينجبر، تقدر قيمة الولد ويضمن ما زاد ذلك من قيمة الأم. قوله: (وتخريج الثانية) أي: الرواية فيما إذا ماتت الأم لا تنجبر بالولد، وهو ظاهر الرواية؛ لاختلاف السبب كما ذكر في المتن فلا يرد نقصا؛ لأن كلامنا فيما إذا اتحد سببهما، وذلك لأنه لما ماتت من الولادة كانت موتا من أصله، كالجرح إذا اتصل به زهوق الروح تبين أنه كان قتلا لا جرحًا فمن حيث إن الولادة موت لا تكون موجبة للزيادة، فلا يتحد السبب. قوله: (وكذا لا بد من رد خلفه) وهو الولد الذي خلف عن النقصان ولم يوجد. قوله: (والخَصْي) والأَوْلَى: خِصاءٌ، على فعالٍ، لأن مصدر خَصْي على فعل: قياس وإن لم يسمعه كذا في المُغْرِب. وفيه الهزال: خلاف السِّمَن، وقد هُزِلَ، بضم الهاء، فهو مهزول، والجمع مهازيل. (وسبب النقصان: التعليم)؛ لأن المشقة تحصل به (وسبب الزيادة الفهم)، ألا ترى أنه قد يشترك اثنان في التعلم والتعليم ويسبق أحدهما لحذاقته.

стр. 6330

يَدِ المَالِكِ وَهُوَ الوِلَادَةُ، فَلَا يَضْمَنُ الغَاصِبُ. كَمَا إِذَا حُمَّتْ فِي يَدِ الغَاصِبِ، ثُمَّ رَدَّهَا فَهَلَكَتْ، أَوْ زَنَتْ فِي يَدِهِ، ثُمَّ رَدَّهَا فَجُلِدَتْ فَهَلَكَتْ مِنْهُ، وَكَمَنْ اشْتَرَى جَارِيَةٌ قَدْ حَبِلَتْ عِنْدَ البَائِعِ فَوَلَدَتْ عِنْدَ المُشْتَرِي وَمَاتَتْ فِي نِفَاسِهَا، لَا يَرْجِعُ عَلَى البَائِعِ بِالثَّمَنِ. وَلَهُ: أَنَّهُ غَصَبَهَا وَمَا انْعَقَدَ فِيهَا سَبَبُ التَّلَفِ وَرُدَّتْ وَفِيهَا ذَلِكَ فَلَمْ يُوجَدْ الرَّدُّ عَلَى الوَجْهِ الَّذِي أَخَذَ فَلَمْ يَصِحَ الرَّدُّ، وقوله: (إن ملكه لا ينجبر بملكه) قلنا: نحن نسعى بمنع ظهور النقصان، فلا يحتاج إلى الجبر، إليه أشار في الأسرار، والمبسوط، والإيضاح. قوله: (فزني بها) (١) ثم وطئ المغصوبة يوجب الحد قبل الضمان بلا خلاف للأئمة، وبعد الضمان لا يوجب الحد عندنا وقد مر في حد الزنا. قوله: (وقالا: لا ثمن (٢) في الأمة) (٣) إلا نقصان الحبل، وبه قالت الأئمة الثلاثة؛ لأن الرد قد صح مع الحبل، ولكنها معيبة بعيب الحبل، وذلك موجب ضمان النقصان، وهلاكها بعد الرد سبب حادث في يد المالك وهو الولادة، إذ الولادة إنما تفضي إلى الهلاك بسبب كبر الولد وضيق المحل، وبهذا يقل الهلاك في النساء بالولادة، فلا يكون الهلاك مضافًا إلى العلوق، والعلوق لا يفضي إلى الهلاك. قوله: (أو زنت في يده) أي: في يد الغاصب (فجلدت فهلكت منه) أي: من الجلدة، ففي هذه المسائل الثلاث يرجع بالنقصان عندهما. قوله: (فلم يصح الرد) فلم يبرأ؛ لأن الرد إنما يصح إذا فسخ فعله الأخذ من جميع الوجوه، ولم يكن كذلك؛ لأنه أخذها (٤) فارغة عن الحبل، والرد وجد (٥) وهي حامل، قد انعقد سبب الهلاك في حقها، فكان الرد حين وجد مترددًا إن سلمت من الولادة ظهر أن الرد وقع صحيحًا، وإن اتصل به الهلاك ظهر أن الرد لم يصح، وكأنها هلكت عند الغاصب.

стр. 6331

وَصَارَ كَمَا إِذَا جَنَتْ فِي يَدِ الغَاصِبِ جِنَايَةٌ فَقُتِلَتْ بِهَا فِي يَدِ المَالِكِ، أَوْ دُفِعَتْ بِهَا بِأَنْ كَانَتْ الجِنَايَةُ خَطَأَ يُرْجَعُ عَلَى الغَاصِبِ بِكُلِّ القِيمَةِ. كَذَا هَذَا بِخِلَافِ الحُرَّةِ؛ لِأَنَّهَا لَا تُضْمَنُ بِالغَصْبِ لِيَبْقَى ضَمَانُ الغَصْبِ بَعْدَ فَسَادِ الرَّدِّ. وَفِي فَصْلِ الشِّرَاءِ الوَاجِبُ ابْتِدَاءً التَّسْلِيمُ مَا ذَكَرْنَاهُ شَرْطُ صِحَّةِ الرَّدِّ، وَالزِّنَا سَبَبٌ لِجَلْدٍ مُؤْلِم لَا جَارِحٍ وَلَا مُثْلِفٍ، فَلَمْ يُوجَدُ السَّبَبُ فِي يَدِ الغَاصِبِ. قوله: (بخلاف الحرة) بأن كانت مكرهة على الزنا لا يضمن بالغصب والأخذ، ولهذا لو هلكت عنده بدون الزنا لا يضمن بالإجماع، وفي فصل الشراء قيل: هو ممنوع، ولئن سلم فالواجب على البائع ابتداء تسليم المبيع إلى المشتري على الوجه الذي تناوله العقد، وهو أنه مال متقوم وقد وجد ذلك باعتبار ظاهر الحال، إذ الغالب في الولادة السلامة، فأما على الغاصب يجب فسخ فعله - وهو الغصب- بالرد كما قبضها ولم يوجد ذلك، ألا ترى أن البائع لو قطع يده ثم باعه وسلمه إلى المشتري فمات من ذلك في يده لم يرجع بجميع الثمن، بخلاف الغاصب إذا قطع يدها ثم ردها فمات من ذلك يلزمه جميع قيمته، كذا في المبسوط (١). قوله: (وما ذكره شرط صحة الرد) أي: حاصل ما ذكرنا، وهو أن يردها كما غصبت سالمًا عن الحبل شرط صحة الرد، ولا تتحقق صحة الرد إلا بفسخ فعله. وقوله: (والزنا سبب موجب) جواب عن قولهما، يعني أن الزنا سبب لحد مؤلم لا جارح ولا متلف، ولهذا [يختار] (٢) سوطًا لا ثمرة له، فلم يكن الهلاك مضافًا إلى السبب الذي كان عند الغاصب، بل كان بسبب حادث في يد المالك فلا يضمنه الغاصب. وكذا الجواب عن مسألة الحمّى، فإن الهلاك لضعف الطبيعة عن دفع آثار الحمى المتوالية، وذلك لا يحصل بأول الحُمَّى الذي وجد في يد الغاصب وهي غير موجبة لما كان بعده.

стр. 6332

قَالَ: (وَلَا يَضْمَنُ الغَاصِبُ مَنَافِعَ مَا غَصَبَهُ، إِلَّا أَنْ يَنْقُصَ بِاسْتِعْمَالِهِ فَيَغْرَمَ النُّقْصَانَ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يَضْمَنُهَا، فَيَجِبُ أَجْرُ المِثْلِ، وَلَا فَرْقَ فِي المَذْهَبَيْنِ بَيْنَ مَا إِذَا عَطَّلَهَا أَوْ سَكَنَهَا. وَقَالَ مَالِكٌ: إِنْ سَكَنَهَا يَجِبُ أَجْرُ المِثْلِ، وَإِنْ عَطَّلَهَا لَا أما الحمل فيوجب انفصال الولد، وذلك يوجب ألم الولادة فما يحدث به يكون مضافًا إلى السبب الأول، كذا في شرح الجامع. وذكر التمرتاشي مسألة تحتاج المعرفة إليها، فقال: جامع امرأته فماتت منه أو أفضاها لم يضمن عندهما، وقال أبو يوسف ﵀ يضمن؛ لأنه مأذون بالجماع على وجه لا يتلف كالرمي إلى صيد، ولهما أن المجامع يعمل لها يقضي شهوتها ويؤكد حقها في المهر، فكان عمله كعملها بخلاف الرمي، ولو انكسرت فخذها أو يدها من الوطء أو ذهب عينها فأرش ذلك في ماله بالإجماع. قوله: (ولا فرق في المذهبين بين ما إذا عطلها أو سكنها) فإن عند الشافعي: يضمن، وبه قال أحمد، وعندنا: لا يضمن، واختلف أصحاب مالك ونصروا أنها لا يضمن كقولنا في صورة الغصب، وكذا في صورة الإتلاف. وعن ابن القاسم: يضمن علة الرباع والإبل والغنم، ولا يغرم غلة العبيد والدواب. وقال بعضهم: إن سكنها يجب أجر المثل، وإن عطلها لا، ونصروا أنها لا تضمن على الإطلاق كقولنا. للشافعي: أنها أموال متقومة، أما كونها (أموال) فإنها تصلح صداقًا، والمشروع هو الابتغاء بالمال، وألا ترى أن الإجارة من التجارة، وهي مبادلة مال بغير مال، والأعيان إنما كانت أموالا باعتبار منافعها، فلأن تكون المنافع أموالا بنفسها أولى. وهي متقومة؛ لأن التقوم عبارة عن العزة والمنافع عزيزة عند الناس، ولهذا يبذلون الأعيان لأجلها وتُقَوَّم فالأعيان بالعقد، فاستحال أن لا تكون متقومة بنفسها، ولا اعتياض المال عن المنفعة صحيح شرعًا، والاعتياض عما ليس بمتقوم لا يجوز كالخمر وحبة سمسم.

стр. 6333

شَيْءٍ عَلَيْهِ. لَهُ: أَنَّ المَنَافِعَ أَمْوَالٌ مُتَقَوَّمَةٌ حَتَّى تُضْمَنَ بِالعُقُودِ فَكَذَا بِالغُصُوبِ. وَلَنَا: أَنَّهَا حَصَلَتْ عَلَى مِلْكِ الغَاصِبِ لِحُدُوثِهَا فِي إِمْكَانِهِ إِذْ هِيَ لَمْ تَكُنْ حَادِثَةٌ فِي يَدِ المَالِكِ؛ لِأَنَّهَا أَعْرَاضٌ لَا تَبْقَى فَيَمْلِكُهَا دَفْعًا لِحَاجَتِهِ، وَالإِنْسَانُ لَا يَضْمَنُ مِلْكَهُ، كَيْفَ وَأَنَّهُ لَا يَتَحَقَّقُ غَصْبُهَا وَإِتْلَافُهَا؛ ولنا قوله ﵇ «الخَرَاجُ بِالضَّمانِ» (١) وضمانها على الغاصب، وما روي أن عمر وعليا حكما في ولد المغرور بالقيمة، وأوجبا على المغرور ردَّ الجارية مع عقرها، ولم يوجبا قيمة الخدمة مع علمهما أن المغرور كان يستخدمها، ومع طلب المدعي جميع حقه، ولو كان ذلك واجبًا لما حل لهما السكوت عن بيانه، وذلك بمحضر من الصحابة ولم ينكرهما أحد من الصحابة، فصار ذلك إجماعًا سكوتيًّا. ولأن المنافع حدثت على ملك الغاصب، فلا تكون مضمونة عليه، إذ الإنسان لا يضمن ملك نفسه، وهذا لأنها حدثت بفعله وكسبه وفي يده، والكسب للكاسب لقوله ﷺ : «كُلُّ الناس أحقُّ بكَسْبِهِ»، وهذا بمعنى قوله: (لحدوثها في إمكانه) أي: في تصرفه وقدرته، ولئن سلمنا حدوثها على ملك المالك فلا يتصور غصبها وإتلافها، فلا يجب عليه ضمان الغصب والإتلاف؛ لأنها أعراض لا تبقى، وما لا يبقى لا يتصور غصبه وإتلافه، إذ إتلاف الشيء وغصبه إنما يرد في حال بقائه، وهذا معنى قوله (كيف ولا يتحقق غصبها وإتلافها) إلى آخره. وفي المبسوط: إتلاف المنفعة لا يتصور إما أن يكون قبل وجودها أو مقارنا للوجود وبعد الوجود لا وجه للأول؛ لأنها معدومة، والمعدوم غير قابل الإتلاف، ولا وجه للثاني؛ لأنه إذا قارن الوجود يمنع الوجود، والإتلاف يرد على الموجود ولا وجه للثالث؛ لأنها إذا وجدت فنيت، فكانت بعد الوجود زمان الفناء، وزمان الفناء زمان العدم، فلا يتصور الإتلاف.

стр. 6334

لِأَنَّهُ لَا بَقَاءَ لَهَا، وَلِأَنَّهَا لَا تُمَائِلُ الأَعْيَانَ لِسُرْعَةِ فَنَائِهَا وَبَقَاءِ الْأَعْيَانِ، وَقَدْ عُرِفَتْ هَذِهِ المَآخِذَ فِي المُخْتَلِفِ، وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّهَا مُتَقَوَّمَةٌ فِي ذَاتِهَا، بَلْ تُقَوَّمُ ضَرُورَةٌ عِنْدَ وُرُودِ العَقْدِ وَلَمْ يُوجَدُ العَقْدُ، إِلَّا أَنَّ مَا انْتُقِصَ بِاسْتِعْمَالِهِ مَضْمُونٌ عَلَيْهِ لِاسْتِهْلَاكِهِ بَعْضَ أَجْزَاءِ العَيْنِ. (ولأنها) أي: ولو سلمنا تصور غصبها وإتلافها فلا يمكن تضمينها، إذ المماثلة شرط في ضمان العدوان لقوله تعالى: ﴿فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا أَعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤]، ولا مماثلة بين العين والعرض كما بين في الأصول وفي المختلف. وقوله: (ولا نسلم أنها متقومة) جواب عن قول الشافعي، يعني لا نسلم أنها مالية، إذ مال الشيء إنما يثبت بالتمول، وهو صيانة الشيء للحاجة، وذا لا يتصور فيها، ولا تكون متقومة في ذاتها أيضًا؛ لأن التقويم لا يسبق الوجود والإحراز، وذا لا يتصور فيما لا يبقى زمانين، وإنما يثبت حكم التقويم لها شرعًا عند ورود العقد عليها باعتبار إقامة العين مقام المنفعة للضرورة والحاجة، وبطلت المقايسة؛ لأن للرضا أثرا في إيجاب الأصول في الفصول جميعًا، فالمال يجب بالشرط مقابلا (١) بغير مال، ولهذا يجوز بيع عبد قيمته ألف بألوف، وشيء من ذلك لا يثبت بالعدوان، وكل قياس لا يقوم إلا بوصف (٢) يقع الفرق بين الفرع [والأصل] (٣) فهو باطل. قوله: إلا بما انتقص باستعماله مضمون عليه، وقيد باستعماله بحسب الغالب، لكن الحكم ثابت فيما إذا انتقص بدون استعماله؛ لفوات جزء العين في يد الغاصب. قال مشايخنا: هذا إذا لم يكن معدًا للاستغلال، فإن كان معدا له يضمن المنافع بالغصب والإتلاف. وفي فتاوى الكبرى: منافع عقار الموقوفة مضمونة سواء كان معدا

стр. 6335

فَصْلٌ: فِي غَصْبٍ مَا لَا يَتَقَوَّمُ قَالَ: (وَإِذَا أَتْلَفَ المُسْلِمُ خَمْرَ الذّمِّيِّ، أَوْ خِنْزِيرَهُ: ضَمِنَ قِيمَتَهُمَا، فَإِنْ أَتْلَفَهُمَا لِمُسْلِمٍ: لَمْ يَضْمَنْ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يَضْمَنُهَا لِلذَّمِّيِّ أَيْضًا، للاستغلال أو لا نظرًا للوقف. وفي المجتبى: وأصحابنا المتأخرون يفتون بقول الشافعي في المسبلات، والأوقاف، وأموال اليتامى، ويوجبون أجر منافعها على العصبية، ثم في مسألة فتح رأس التنور المسجور إنما يضمن قيمة الحطب مع أن غصب المنافع وإتلافها غير متصور؛ لما أنه أتلف ما هو المقصود من تسجير التنور، فصار هذا بمنزلة استهلاك العين، فلذلك ضمن الحطب. وأما قوله: إنها تصلح صداقًا: قلنا: لا نسلم أنها تصلح مهرا، ولهذا لو تزوج حر امرأة على خدمته سنة، أو على تعليم القرآن لا يصح عندنا، أما لو تزوجها على خدمة عبد سنة يجوز؛ لأن منفعة العبد وخدمته بأمر المولى تتضمن تسليم الرقبة، ورقبته مال. وأما إجارة العبد المأذون والشريك، والوصي، والأب باعتبار أن التفاوت الذي بين الجوهر والعرض لا يعد عينًا في الأسواق، وهذا لأن ضمان العقود في الأصل بني على التراضي لا التساوي، بل الأرباح إنما تحصل عند التفاوت، والشرط في الوصي وغيره أن يتجر بما يتعارف عينا في الأسواق لا المماثلة من كل وجه، أما ضمان العدوان فمبني على المماثلة في أصله، ولم يوجد هذا الوصف يقينًا، فلم يكن من موجب الغصب إليه أشار في الأسرار. فَصْلٌ فِي غَصْبٍ مَا لَا يُتَقَوَّمُ لما فرغ من بيان غصب ما يتقوم إذ هو الأصل شرع في بيان غصب ما لا يتقوم. قوله: (وقال الشافعي لم يضمنها لذمي أيضًا) أي: في جميع الصور، وبه قال أحمد، إنما ينهى عن تعرض خمر الذمي بالإجماع، ويجب ردها، وفي الغصب بالإجماع إذا كانت لذمي، ويجب إراقتها في المسلم، وعلى هذا الخلاف إذا أتلف ذمي خمر ذمي أو خنزيره، وبقولنا قال مالك، المسألة على

стр. 6336

وَعَلَى هَذَا الخِلَافِ، إِذَا أَتْلَفَهُمَا ذِمِّيٌّ عَلَى ذِمِّيِّ، أَوْ بَاعَهُمَا الذِّمِّيُّ مِنْ الدِّمِّيِّ. لَهُ: أَنَّهُ سَقَطَ تَقَوُّمُهُمَا فِي حَقِّ المُسْلِمِ فَكَذَا فِي حَقِّ الدِّمِّيِّ؛ لِأَنَّهُمْ أَتْبَاعٌ لَنَا فِي أربعة أوجه: أحدها: إتلاف المسلم خمر المسلم. والثاني: إتلاف الذمي خمر المسلم، ففي الصورتين لا ضمان بالإجماع. والثالث: إتلاف المسلم خمر الذمي. والرابع: إتلاف الذمي خمر الذمي، ففي الصورتين يجب الضمان عندنا، ومالك. وعند الشافعي، وأحمد: لا يضمن، وعلى هذا لو باع ذمي الخمر من ذمي يجوز عندنا، خلافًا للشافعي لسقوط تقومها في حق المسلم. (لأنهم) أي: أهل الذمة، أتباع لنا في الأحكام، قال ﷺ «فإذا قَبِلُوا عَقْدَ الذِّمَّةِ فَأَعْلَمَهُم أَنّ لَهُمْ مَا لِلْمُسْلِمين، وعَلَيْهِم مَا عَلَى المُسلمين» (١)، فبين أن كل حكم يثبت في حق الذمي، ولأن عقد الذمة خلف على الإسلام فكل حكم ثبت بالإسلام يثبت بعقد الذمة، فإذا سقط تقومها في حقهم أيضًا سقط الضمان، ولا يصلح بيعها، وصار كما لو باع مسلم من مسلم خمرًا وصارت كالميتة والدم والعبد المرتد للذمي، إذ اعتقاده لا يكون حجة على المتلف. ولنا: أن التقوم باقٍ في حقهم بدليل أن عمر أمر ببيعها لعماله، وأخذ العشرين ثمنها حين سألوه ماذا نصنع بما يمر به أهل الذمة من الخمور، فقالوا بعشرها، فقال عمر: لا، ولكن ولوهم بيعها وخذوا العشر من ثمنها، فقد جعلها مالا متقوما في حقهم حتى جوز بيعها، وأخذ العشر من ثمنها. ولأنه قال ﵇: «اترُكُوهُمْ ومَا يَدينون»، والخمر كانت متقومة في شريعة من كان قبلنا وفي صدر شريعتنا، والمزيل - وهو قوله تعالى: ﴿رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾ [المائدة: ٩٠]- وجد في حقنا بدليل السباق والسياق، فبقي في

стр. 6337

الأَحْكَامِ، فَلَا يَجِبُ بِإِتْلَافِهِمَا مَالٌ مُتَقَوِّمٌ وَهُوَ الضَّمَانُ. وَلَنَا: أَنَّ التَّقْوِيمَ بَاقٍ فِي حَقِّهِمْ، إِذْ الْخَمْرُ لَهُمْ كَالخَلِّ لَنَا وَالخِنْزِيرُ لَهُمْ كَالشَّاةِ لَنَا. وَنَحْنُ أُمِرْنَا بِأَنْ نَتْرُكَهُمْ وَمَا يَدِينُونَ، وَالسَّيْفُ مَوْضُوعٌ فَيَتَعَذَّرُ الإِلْزَامُ، وَإِذَا حق من لم يدخل تحت الخطاب على ما كان من قبل. قوله: (والسيف موضوع فتعذر الإلزام) لانقطاع ولاية المحاجة أو الإلزام بالسيف لمكان عقد الذمة، قال ﵇: «اتركوهمْ وَمَا يَدينون»، والسيف موضوع بعقد الذمة؛ لأنه خلف الإسلام، والخطاب عندنا نازل في حقهم كما بينا، فبقي الحكم على ما كان بخلاف الميتة والدم؛ لأن أحدًا من أهل دين سماوي لا يتمولها. وفي المبسوط (١): تَرْكُنا إياهم وما يدينون ليس لتوسعة الأمر عليهم بل فيه استدراج، وتركهم على الجهل، وتمهيد لعقوبة الآخرة، والخلود في النار، وتحقيق لقوله ﷺ : «الدُّنيا سِجْنُ المُؤْمِنِ وَجَنَّةُ الكَافِرِ» (٢). وقيل: المراد من الميتة الذي مات حتف أنفه، أما الذي خنقوه أو ضربوه حتى مات كما يفعله المجوس، فعند أبي يوسف يضمنها المسلم بالغصب والإتلاف. وقال محمد: لا يضمنها كالميتة؛ لأنها ليست [بمال] (٣) في اعتقاد أهل الذمة، وقد أُمِرْنا [أن نبني] (٤) أحكام المجوس على أحكام أهل الكتاب؛ لقوله ﷺ : «سنوا بالمجوس سُنَّةَ أهل الكتاب». وفي المبسوط: هذا ضعيف؛ فإن في حكم الأنكحة اعتبرنا اعتقاد المجوس من غير أن نبني ذلك على اعتقاد أهل الكتاب حتى جوزنا نكاح محارمهم، ولا يقال إذا مات المجوسي عن امرأتين وإحداهما منكوحته فإنها لا ترث بالزوجية، وقد اعتقدوا أن هذا النكاح صحيح؛ لأنا نقول: لا يلزم من

стр. 6338

بَقِيَ التَّقَوُّمُ فَقَدْ وُجِدَ إِتْلَافُ مَالٍ مَمْلُوكٍ مُتَقَوْمٍ فَيَضْمَنُهُ. بِخِلَافِ المَيْتَةِ وَالدَّمِ؛ لِأَنَّ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْأَدْيَانِ لَا يَدِينُ تَمَوُّلَهُمَا، إِلَّا أَنَّهُ تَجِبُ قِيمَةُ الخَمْرِ وَإِنْ كَانَ مِنْ ذَوَاتِ الأَمْثَالِ؛ لِأَنَّ المُسْلِمَ مَمْنُوعٌ عَنْ تَمْلِيكِهِ لِكَوْنِهِ إِعْزَازًا لَهُ، بِخِلَافِ مَا إِذَا جَرَتْ المُبَايَعَةُ بَيْنَ الذُّمِّيِّينَ؛ لِأَنَّ الدِّمِّيَّ غَيْرُ مَمْنُوعٍ عَنْ تَمْلِيكِ الخَمْرِ وَتَمَلُّكِهَا. وَهَذَا بِخِلَافِ الرِّبَا؛ صحة النكاح التوارث، فإنه ممتنع بالرق واختلاف الدين مع صحة النكاح، مع أن أهل الذمة لا يتوارثون بأنكحة المحارم فلذلك لم يرث بينه (١) بالزوجية. قوله: (لكونه) أي: لكون التمليك (إعزازًا له) أي: للخمر فتجب قيمته. فإن قيل: ما الفرق بين ما إذا أتلف مسلم خمر ذمي حيث تجب قيمته وبين ما إذا أتلف ذمي خمر ذمي ثم أسلم حيث لا يجب عليه شيء لا القيمة ولا الخمر عند أبي يوسف، وهو رواية عن أبي حنيفة، والرواية في المبسوط، وإسلام المقارن لا يمنع وجوب القيمة فالطارئ أولى؟ قلنا: الفرق أنه حين أتلفه لم يكن إتلافه سببًا لوجوب القيمة، ولم يوجد بعد ذلك سبب الوجوب، وعند محمد [وهو رواية عن] (٢) أبي حنيفة: عليه قيمة الخمر؛ لأنه لا يمكن إيجاب الخمر؛ لأنه مسلم، ولا يمكن إبراؤه عن الضمان؛ لأن المتلف عليه ذمي، والخمر في حقه مال متقوم، وقد أمكن إيجاب القيمة فتجب. أما في الخنزير يبقى الضمان بإسلامهما أو إسلام أحدهما بالاتفاق؛ لأن الواجب هو القيمة والإسلام لا ينافيها. قوله: (وهذا) أي: عدم التعرض في مبايعتهم (بخلاف الربا) فإنه يتعرض لهم في إبطال عقود الربا حتى لو باعا درهما بدرهمين يسترد الدرهم الزائد؛ لأنا لم نضمن له ترك التعرض في ذلك قال ﷺ : «إلَّا مَنْ أَرْبَى فَلَيْسَ بَيْنَنا وبينَهُ عَهْدٌ»، وهذا لأن ذلك فسق منهم في الاعتقاد لا ديانة، فقد ثبت بالنص حرمة

стр. 6339

لِأَنَّهُ مُسْتَثْنَى عَنْ عُقُودِهِمْ، وَبِخِلَافِ العَبْدِ المُرْتَدٌ يَكُونُ لِلذَّمِّيِّ؛ لِأَنَّا مَا ضَمِنَّا لَهُمْ تَرْكَ التَّعَرُّضِ لَهُ لِمَا فِيهِ مِنْ الِاسْتِخْفَافِ بِالدِّينِ، وَبِخِلَافِ مَتْرُوكِ التَّسْمِيَةِ عَامِدًا إِذَا كَانَ لِمَنْ يُبِيحُهُ؛ لِأَنَّ وِلَايَةَ المُحَاجَّةِ ثَابِتَةٌ. قَالَ: (فَإِنْ غَصَبَ مِنْ مُسْلِمٍ خَمْرًا فَخَلَّلَهَا، أَوْ جِلْدَ مَيْتَةٍ فَدَبَغَهُ: فَلِصَاحِبِ الخَمْرِ أَنْ يَأْخُذَ الخَلَّ بِغَيْرِ شَيْءٍ، وَيَأْخُذَ جِلْدَ المَيْتَةِ وَيَرُدَّ عَلَيْهِ مَا زَادَ الدِّبَاغُ فِيهِ)، الربا في اعتقادهم قال تعالى: ﴿وَأَخْذِهِمُ الرِّبَوْا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ﴾ [النساء: ١٦١]. قوله: (وبخلاف العبد المرتد) معطوف على قوله: (وبخلاف الربا) وكلاهما متعلقان بقوله: (لأن الذمي غير ممنوع عن تمليك الخمر) (١) لأنا أمرنا بتركهم وما يدينون؛ فأورد استحلالهم الربا، فأجاب عنه ثم أورد عليه العبد المرتد للذمي، فإن المسلم إذا [أتلفه] (٢) لا يضمن، وإن كان الذمي يعتقد أن العبد المرتد مال متقوم، ولذلك لم يعتبر اعتقاده في إيجاب الضمان، وهو المقيس عليه للشافعي، فأجاب عنه بقوله: (لأنا ما ضمنا) إلى آخره. فإن قيل: يشكل على هذا التعليل ما لو أتلف صليب نصراني حيث يضمن قيمته، مع أن في ترك التعرض في حقيقة عبادة الصليب على اعتقادهم استخفاف بالدين. قلنا: إن النصراني مقرّ على ذلك بخلاف الارتداد، كذا في الإيضاح. قوله: (وبخلاف متروك التسمية) أي: عامدا حيث لا يجب الضمان بإتلافه، مع أن الشافعي ومن تابعه قال: إنه قال: متقوم، ولم يعتبر اعتقاده بالاجتهاد، واعتبرنا اعتقاد أهل الكتاب. فأجاب بقوله: (لأن ولاية المحاجة باقية) (٣) معهم، إذ ثبت لنا بالنص أن متروك التسمية حرام ليس بمال، فلهذا لم يعتبر اعتقادهم في إيجاب الضمان.

стр. 6340

وَالمُرَادُ بِالفَصْلِ الأَوَّلِ: إِذَا خَلَّلَهَا بِالنَّقْلِ مِنْ الشَّمْسِ إِلَى الظَّلِّ وَمِنهُ إِلَى الشَّمْسِ، وَبِالفَصْلِ الثَّانِي: إِذَا دَبَغَهُ بِمَا لَهُ قِيمَةٌ كَالقَرَظِ وَالعَقْصِ وَنَحْوِ ذَلِكَ. وَالفَرْقُ: أَنَّ هَذَا التَّخْلِيلَ تَطْهِيرٌ لَهُ، بِمَنْزِلَةِ غَسْلِ الثَّوْبِ النَّجِسِ فَيَبْقَى عَلَى مِلْكِهِ إِذْ لَا تَثْبُتُ المَالِيَّةُ بِهِ وَبِهَذَا الدِّبَاغِ اتَّصَلَ بِالجِلْدِ مَالٌ مُتَقَوِّمٌ لِلْغَاصِبِ كَالصَّبْغِ فِي الثَّوْبِ فَكَانَ بِمَنْزِلَتِهِ، فَلِهَذَا يَأْخُذُ الخَلَّ بِغَيْرِ شَيْءٍ وَيَأْخُذُ الجِلْدَ وَيُعْطِي مَا زَادَ الدِّبَاغُ فِيهِ. وَبَيَانُهُ: أَنَّهُ يَنْظُرُ إِلَى قِيمَتِهِ ذَكِيًّا غَيْرَ مَدْبُوعٍ، وَإِلَى قِيمَتِهِ مَدْبُوغًا فَيَضْمَنُ فَضْلَ مَا بَيْنَهُمَا، وَلِلْغَاصِبِ أَنْ يَحْبِسَهُ حَتَّى يَسْتَوْفِيَ حَقَّهُ كَحَقِّ الحَبْسِ فِي البَيْعِ. قَالَ: (وَإِنْ اسْتَهْلَكَهُمَا: ضَمِنَ الخَلَّ وَلَمْ يَضْمَنْ الجِلْدَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَا: يَضْمَنُ الجِلْدَ مَدْبُوعًا، قوله: (والمراد بالفصل الأول إذا خللها) إلى آخره، وعند الشافعي، وأحمد: لا يصير الخمر طاهرا بالتخليل؛ فلا يجب ردها، بل يجب إراقتها كما قبل التخليل، أما لو خللت بنفسها يجب ردها بالإجماع، ويضمن متلفها بالإجماع، وفي جلد الميتة لو دبغه يلزم رده عند الشافعي في الأصح، وأحمد، وفي قول: لا يلزمه رده، وبه قال أحمد في وجه؛ لأنه صار مالًا متقومًا (١). (القرظ) بفتحتين: وَرَق السَّلَم يدبغ به، ومنه أديم مقروظ وبالفارسية: (بزغنج)، والعفص: (مازد). وقوله: (ويعطي) على بناء الفاعل، أي: يأخذ المالك الجلد ويعطي ما زاد الدباغ. وفي الذخيرة: قال القدوري: هذا إذا أخذ الجلد من منزل المالك، فأما إذا ألقى الميتة على الطريق فأخذها رجل ودبغ جلدها، فليس للمالك أن يأخذ الجلد. وعن أبي يوسف له أن يأخذه في هذه الصورة أيضًا. (وإن استهلكهما) أي: الغاصب الخل والجلد المدبوغ. (وقالا: يضمن الجلد مدبوعًا،) وبه قالت الأئمة الثلاثة في قول.
следующие страницы →