قَالَ: (وَلَوْ امْتَنَعَ رَبُّ الأَرْضِ وَالبَدْرُ مِنْ قِبَلِهِ، وَقَدْ كَرَبَ المُزَارِعُ الْأَرْضَ: فَلَا شَيْءَ لَهُ فِي عَمَلِ الكِرَابِ) قِيلَ: هَذَا فِي الحُكْمِ، فَأَمَّا فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى يَلْزَمُهُ اسْتِرْضَاءُ العَامِلِ، لِأَنَّهُ غَرَّهُ فِي ذَلِكَ.
قَالَ: (وَإِذَا مَاتَ أَحَدُ المُتَعَاقِدَيْنِ: بَطَلَتِ المُزَارَعَةُ) اعْتِبَارًا بِالإِجَارَةِ، وَقَدْ مَرَّ الوَجْهُ فِي الإِجَارَاتِ، فَلَوْ كَانَ دَفَعَهَا فِي ثَلَاثِ سِنِينَ، فَلَمَّا نَبَتَ الزَّرْعُ فِي السَّنَةِ الأُولَى وَلَمْ يَسْتَحْصِدُ الزَّرْعَ حَتَّى مَاتَ رَبُّ الأَرْضِ: تَرَكَ الْأَرْضَ فِي يَدِ المُزَارِعِ حَتَّى يَسْتَحْصِدَ الزَّرْعَ وَيَقْسِمَ عَلَى الشَّرْطِ، وَتَنْتَقِضُ المُزَارَعَةُ فِيمَا بَقِيَ مِنَ السَّنَتَيْنِ، لِأَنَّ فِي إِبْقَاءِ العَقْدِ فِي السَّنَةِ الأُولَى مُرَاعَاةٌ لِلْحَقَّيْنِ، بِخِلَافِ السَّنَةِ الثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةِ، لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ ضَرَرٌ بِالعَامِلِ فَيُحَافِظُ فِيهِمَا عَلَى القِيَاسِ (وَلَوْ مَاتَ رَبُّ الْأَرْضِ قَبْلَ الزِّرَاعَةِ بَعْدَ مَا كَرَبَ الأَرْضَ وَحَفَرَ الأَنْهَارَ: انْتَقَضَتِ المُزَارَعَةُ) لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ إِبْطَالُ مَالٍ عَلَى المُزَارِعِ وَلَا شَيْءَ لِلْعَامِلِ بِمُقَابَلَةِ مَا عَمِلَ لِمَا نُبَيِّنُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
(ولا شيء له) أي: للعامل أي: لو امتنع رب المال من العقد والبذر منه قبل إلقاء البذر لا شيء للعامل في عمل الكراب؛ لأن عمله إنما يقوم بالعقد، والعقد قَوَّمَه بجزء من الخارج، ولا خارج بعده، فلا يستوجب شيئًا، ولأن المزارع عامل لنفسه؛ لأنه استأجر الأرض ليقيم العمل فيها لنفسه، فلا يستوجب الأجر على غيره.
قال مشايخنا: هذا الجواب في الحكم، أما ديانة يفتى بأنه يعطيه أجر مثل عمله؛ لأنه إنما اشتغل بالعمل ليحصل له نصيب من الخارج، فإذا أخذ منه الأرض بعد العمل فقد غَرَّهُ، والغرور مدفوع؛ فيفتى بأن يطلب رضاه، كذا في المبسوط.
قوله: (كما في الإجارة) (١)، في المبسوط، والذخيرة: هذا جواب القياس.
وفي الاستحسان: يبقى عقد المزارعة إلى أن يستحصد الزرع، معناه يبقى بلا إجارة مبتدأة، حتى لا يجب الأجر على المزارع؛ لأنا بقينا عقد المزارعة نظرا للمزارع؛ لأن عقد المزارعة لو لم يبق لقلع ورثة رب الأرض الزرع؛ فيتضرر المزارع به، وهو غير متعد في هذه الزراعة.
стр. 6512
(وَإِذَا فُسِخَتِ المُزَارَعَةُ بِدَيْنِ فَادِحٍ لِحَقَّ صَاحِبِ الْأَرْضِ فَاحْتَاجَ إِلَى بَيْعِهَا فَبَاعَ: جَازَ) كَمَا فِي الإِجَارَةِ (وَلَيْسَ لِلْعَامِلِ أَنْ يُطَالِبَهُ بِمَا كَرَبَ الْأَرْضَ وَحَفَرَ الأَنْهَارَ بِشَيْءٍ) لِأَنَّ المَنَافِعَ إِنَّمَا تَتَقَوَّمُ بِالعَقْدِ، وَهُوَ إِنَّمَا قُوَّمَ بِالخَارِجِ فَإِذَا انْعَدَمَ الخَارِجُ لَمْ يَجِبْ شَيْءٌ
وعند الأئمة الثلاثة: يبقى العقد، وقد مر في الإجارات الاختلاف مع وجهه.
قوله: (بدين فادح) أي: ثقيل يقال: فَدَحَهُ الأمرُ، أثقله.
وقوله: (لحق صاحب الأرض) صفة دين كفادح، فكان صفة بعد صفة (فاحتاج) رب الأرض (إلى بيعها) أي: مع الأرض (جاز) أي: الفسخ يعني الدين الفادح يصير عذرًا في فسخ عقد المزارعة؛ لأن في المضي على العقد يلحقه ضرر، وهو الحبس، فإذا لحقه ضرر في إتلاف ماله بإلقاء بذره له الفسخ، فبلحوق الضرر في نفسه وهو حبسه في الدين أولى، إذ البيع قد تمتنع صحته في الابتداء، لدفع الضرر بأن باع جذعًا في سقف.
وكذا إذا أجر ما يلحقه ضرر في تسليمه لا تلزم الإجارة، فكذلك هاهنا تنعدم صفة اللزوم بعذر الدين لدفع الضرر، كذا في المبسوط (١).
وفي الذخيرة: لا بد لفسخ المزارعة من القضاء أو الرضا على رواية الزيادات؛ لأنها في معنى الإجارة، وعلى رواية مزارعة المبسوط والجامع الصغير لا يحتاج إلى الرضا أو القضاء، فبعض المتأخرين أخذ برواية الزيادات، وبعضهم برواية الأصل [والجامع] (٢).
ثم لو طلب من القاضي الفسخ قبل البيع لا يجيبه بل يبيعها بنفسه، ويثبت الدين عند القاضي حتى يمضي بيعه وينتقض العقد حكمًا.
قوله: (ليس للعامل أن يطالبه بما كَرَبَ) إلى قوله: (لم يجب شيء)، وهذا هو الموعود، وهذا الجواب بهذا التعليل إنما يستقيم أن لو كان البذر من قبل
стр. 6513
(وَلَوْ نَبَتَ الزَّرْعُ، وَلَمْ يُسْتَحْصَدْ: لَمْ تُبَعِ الأَرْضُ فِي الدَّيْنِ حَتَّى يَسْتَحْصِدَ الزَّرْعُ)
العامل، أما لو كان من قبل رب الأرض فللعامل أجر مثل عمله؛ لأن البذر إذا كان من قبل العامل يكون مستأجرًا للأرض، فيكون العقد واردا على منفعة الأرض لا على عمل العامل، فيبقى عمله من غير عقد، فلا يتقوم على رب الأرض.
أما إذا كان البذر من رب الأرض فيكون هو مستأجرًا للعامل، فكان العقد واردا على منافع العمل، ويتقوَّم منافعه وعمله على رب الأرض، فيرجع عليه بأجر مثل عمله، كذا في الذخيرة.
قوله: (ولو نبت الزرع) إلى آخره، لم يذكر في الكتاب إذا زرع العامل ولم ينبت، ثم لحق لرب الأرض دين فادح ما حكمه.
وفي الذخيرة: اختلف المشايخ فيه، قال أبو بكر العتابي: له ذلك؛ لأنه ليس لصاحب البذر في الأرض عين مال قائم؛ لأن التبذير استهلاك، ولهذا قالوا: لِصاحِبِ البذر فسخ المزارعة؛ لأنه لا يحتاج في استهلاك ماله من غير عوض يحصل له في الحال، وحصوله في الثاني غير معلوم، فكان هذا بمنزلة ما قبل التبذير.
وقال الشيخ أبو إسحاق الحافظ: ليس له ذلك؛ لأن التبذير استنماء لا استهلاك، ألا ترى أن الأب والوصي يملكان زراعة أرض الصبي مع أنهما لا يملكان استهلاك ماله، فإذا كان كذلك كان للمزارع عين مال قائم.
وفي فتاوى العتابي: لو أجاز العامل البيع والبذر منه فله حصة البذر مبذورًا، فتتقوم الأرض مبذورة وغير مبذورة، فله حصة الفضل من الثمن، ولو كان البذر من رب الأرض فباعه قبل النبات لا يدخل البذر بدون ذكره.
وقيل: إن حفر في الأرض يدخل، وإن سقاه المشتري حتى نبت وأدرك فهو للبائع والمشتري متطوع، ولو باع رب الأرض الأرض ولم ينفذ بدون إجازة المزارع أو المستأجر أو المرتهن ليس لهم نقض بيعه؛ لأن ضررهم يندفع بالتوقف.
وكذا للبائع وللشفيع أن يأخذها، ويقوم مقام المشتري في التوقف، وكذا
стр. 6514
لِأَنَّ فِي البَيْعِ إِبْطَالَ حَقِّ المُزَارِعِ، وَالتَّأْخِيرُ أَهْوَنُ مِنْ الإِبْطَالِ (وَيُخْرِجُهُ القَاضِي مِنْ الحَبْسِ إِنْ كَانَ حَبَسَهُ بِالدَّيْنِ، لِأَنَّهُ لَمَّا امْتَنَعَ بَيْعُ الْأَرْضِ لَمْ يَكُنْ هُوَ ظَالِمًا وَالحَبْسُ جَزَاءُ الظُّلْمِ).
قَالَ: (وَإِذَا انْقَضَتْ مُدَّةُ المُزَارَعَةِ، وَالزَّرْعُ لَمْ يُدْرَكْ، كَانَ عَلَى المُزَارِعِ أَجْرُ مِثْلِ نَصِيبِهِ مِنْ الْأَرْضِ إِلَى أَنْ يُسْتَحْصَدَ، وَالنَّفَقَةُ عَلَى الزَّرْعِ عَلَيْهِمَا عَلَى مِقْدَارِ حُقُوقِهِمَا) مَعْنَاهُ: حَتَّى يُسْتَحْصَدَ، لِأَنَّ فِي تَبْقِيَةِ الزَّرْعِ بِأَجْرِ المِثْلِ تَعْدِيلَ النَّظَرِ مِنْ الجَانِبَيْنِ فَيُصَارُ إِلَيْهِ، وَإِنَّمَا كَانَ العَمَلُ عَلَيْهِمَا، لِأَنَّ العَقْدَ قَدْ انْتَهَى بِانْتِهَاءِ المُدَّةِ، وَهَذَا عَمَلٌ فِي المَالِ المُشْتَرَكِ، وَهَذَا بِخِلَافِ مَا إِذَا مَاتَ رَبُّ الْأَرْضِ وَالزَّرْعُ بَقْلُ حَيْثُ يَكُونُ العَمَلُ فِيهِ عَلَى العَامِلِ، لِأَنَّ هُنَاكَ أَبْقَيْنَا العَقْدَ فِي مُدَّتِهِ وَالعَقْدُ يَسْتَدْعِي العَمَلَ عَلَى العَامِلِ، أَمَّا هَاهُنَا: العَقْدُ قَدْ انْتَهَى فَلَمْ يَكُنْ هَذَا إِبْقَاءَ ذَلِكَ العَقْدِ فَلَمْ يَخْتَصَّ العَامِلُ بِوُجُوبِ العَمَلِ عَلَيْهِ (فَإِنْ أَنْفَقَ أَحَدُهُمَا بِغَيْرِ إِذْنِ صَاحِبِهِ وَأَمْرِ القَاضِي: فَهُوَ مُتَطَوِّعٌ).
لو أجرها رب الأرض بعد الزرع أو قبله والبذر من المزارع يتوقف على إجازته كالبيع.
قوله: (إن كان حبسه)، وفي بعض النسخ (بالدين).
قوله: (وإذا انقضت مدة المزارعة) قيد بالانقضاء احترازا عن مسألة الموت كما يجيء.
قوله: (معناه) أي: التبقية للزرع عليهما حتى يستحصد.
وفي المُغرِب: أحصد الزرع واستحصد: حان له أن يحصد.
فإن أنفق أحدهما بغير إذن صاحبه أي: فيما إذا انقضت المدة.
قوله: (فهو متطوع) كما إذا أنفق أحد الشريكين على المال المشترك.
فإن قيل: [هو] (١) مضطر في الإنفاق؛ لأنه يحيي حق نفسه، فلا يوصف بالتبرع.
стр. 6515
لِأَنَّهُ لَا وِلَايَةَ لَهُ عَلَيْهِ (وَلَوْ أَرَادَ رَبُّ الأَرْضِ أَنْ يَأْخُذَ الزَّرْعَ بَقْلًا: لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ) لِأَنَّ فِيهِ إِضْرَارًا بِالمُزَارِعِ، وَلَوْ أَرَادَ المُزَارِعُ أَنْ يَأْخُذَهُ بَقْلًا قِيلَ لِصَاحِبِ الْأَرْضِ: «اقْلَعْ الزَّرْعَ فَيَكُونُ بَيْنَكُمَا أَوْ أَعْطِهِ قِيمَةَ نَصِيبِهِ أَوْ أَنْفِقْ أَنْتَ عَلَى الزَّرْعُ وَارْجِعْ بِمَا تُنْفِقُهُ فِي حِيَّتِهِ»، لِأَنَّ المُزَارِعَ لَمَّا امْتَنَعَ مِنْ العَمَلِ لَا يُجْبَرُ عَلَيْهِ، لِأَنَّ إِبْقَاءَ العَقْدِ بَعْدَ وُجُودِ المَنْهِيِّ نَظَرٌ لَهُ وَقَدْ تَرَكَ النَّظَرَ لِنَفْسِهِ.
وَرَبُّ الْأَرْضِ مُخَيَّرٌ بَيْنَ هَذِهِ الخِيَارَاتِ، لِأَنَّ بِكُلِّ ذَلِكَ يُسْتَدْفَعُ الضَّرَرُ (وَلَوْ مَاتَ المُزَارِعُ بَعْدَ نَبَاتِ الزَّرْعِ، فَقَالَتْ وَرَثَتُهُ: نَحْنُ نَعْمَلُ إِلَى أَنْ يَسْتَحْصِدَ الزَّرْعُ، وَأَبَى رَبُّ الْأَرْضِ، فَلَهُمْ ذَلِكَ لِأَنَّهُ لَا ضَرَرَ عَلَى رَبِّ الْأَرْضِ وَلَا أَجْرَ لَهُمْ بِمَا عَمِلُوا) لِأَنَّا أَبْقَيْنَا العَقْدَ نَظَرًا لَهُمْ، فَإِنْ أَرَادُوا قَلْعَ الزَّرْعِ لَمْ يُجْبَرُوا عَلَى العَمَلِ لِمَا بَيَّنَا، وَالمَالِكُ عَلَى الخِيَارَاتِ الثَّلَاثِ لِمَا بَيَّنَّا.
قلنا: غير مضطر؛ لأنه يمكنه الإنفاق بأمر القاضي، ولأنه غير مجبر على الإنفاق، ولأن له ولاية أخذ الزرع نقلًا كما يجيء، كذا في الذخيرة، والمبسوط.
(لم يكن له) أي: لرب الأرض (ذلك) أي: بعد انقضاء المدة.
فإن قيل: كما أن في هذا إضرارًا بالمزارع، فكذا في قلع المزارع إضرار برب الأرض، ومع ذلك جاز للمزارع قلعه، ذكره في المبسوط آنفًا.
قلنا: المزارع لو لم يقلع الزرع يسلم لرب الأرض أجر مثل نصف الأرض، ثم هو مع ذلك كان في المطالبة بالقلع متعنتا قاصدًا إلى الإضرار بالمزارع فيرد عليه قصده، أما المزارع إنما يترك الزرع لدفع الضرر عنه، وقد رضي بالتزام الضرر، ولأنه نظر لنفسه في هذا من وجه فإنه يمتنع أجر مثل نصف الأرض مخافة أن لا يفي نصيبه منه بذلك، إليه أشار في المبسوط (١).
(بعد وجود المنهي)، وهو مضي المدة.
قوله: (لم يجبروا) إلى آخره، (لما بينا)، وهو أن في إبقاء العقد بعد وجود
стр. 6516
قَالَ: (وَكَذَلِكَ أُجْرَةُ الحَصَادِ وَالرِّفَاعِ وَالدِّيَاسِ وَالتَّذْرِيَةِ عَلَيْهِمَا بِالحِصَصِ. فَإِنْ شَرَطَاهُ فِي المُزَارَعَةِ عَلَى العَامِلِ: فَسَدَتْ) وَهَذَا الحُكْمُ لَيْسَ بِمُخْتَصُّ بِمَا ذَكَرَ مِنَ
المنهي نظرًا للعامل.
قوله: (على الخيارات الثلاث)، القلع، أو إعطاء قيمة نصيب المزارع، أو الإنفاق على الزرع.
(على ما بينا) وهو قوله: (لأن المزارع لما امتنع عن العمل) إلى آخره.
(أجرة الحصاد) الحصاد بفتح الحاء وكسرها لغتان، وقرئ بهما في قوله تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١].
وأما الرفاع: فهو أن يرفع الزرع إلى البيدر، والكسر لغة فيه.
والدياس: أن يوطأ بقوائم الدواب أو يكرر عليه الدَّوْسَ، يعني يجرجر حتى يصير تبنا، والدياس: صقل السيف، واستعمال الفقهاء إياه في موضع الدياسة جائز.
قال الأزهري: دياس الكدس ودواسه واحد، كذا في المغرب (١). (فإن شرطاه) أي: في العقد (على العامل فسدت المزارعة) وعند الشافعي: لا تفسد؛ لأنه بدون الشرط على العامل، وكذا لو شرطا على رب الأرض، وكذا لو شرطا في العقد عملا ليس من أعمال المزارعة على العامل أو رب الأرض فسدت؛ لأن المزارعة تنعقد إجارة، والإجارة تفسد بمثل هذا الشرط، فكذا المزارعة.
أما لو شرطا ما كان من أعمال المزارعة لا تفسد؛ لأنه شرط يقتضيه العقد، وشرط ما يقتضيه العقد تأكيد العقد لا فساده، والفاصل بين عمل المزارعة وبين غيره، فإن [كان] (٢) عملًا يثبت به أو يَنْمَى أو يزيد في الخارج فهو من أعمال المزارعة وإلا فلا، وهذا الحكم وهو أن اشتراط الحصاد مفسد ليس بمختص كما ذكرنا، وهو انقضاء المدة بل عام في جميع المزارعات، وفيه
стр. 6517
الصُّورَةِ، وَهُوَ انْقِضَاءُ المُدَّةِ وَالزَّرْعُ لَمْ يُدْرَكْ، بَلْ هُوَ عَامٌ فِي جَمِيعِ المُزَارَعَاتِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ: أَنَّ العَقْدَ يَتَنَاهَى بِتَنَاهِي الزَّرْعِ لِحُصُولِ المَقْصُودِ فَيَبْقَى مَالٌ مُشْتَرَكْ بَيْنَهُمَا وَلَا عَقْدَ، فَيَجِبُ مُؤنَتُهُ عَلَيْهِمَا. وَإِذَا شَرَطَ فِي العَقْدِ ذَلِكَ، وَلَا يَقْتَضِيهِ، وَفِيهِ مَنْفَعَةٌ لِأَحَدِهِمَا: يَفْسُدُ العَقْدُ كَشَرْطِ الحَمْلِ، أَوْ الطَّحْنِ عَلَى العَامِلِ.
وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ: أَنَّهُ يَجُوزُ إِذَا شَرَطَ ذَلِكَ عَلَى العَامِلِ لِلتَّعَامُلِ اعْتِبَارًا بِالاسْتِصْنَاعِ، وَهُوَ اخْتِيَارُ مَشَايِخِ بَلْخِ. قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ: هَذَا هُوَ الأَصَحُ فِي دِيَارِنَا. فَالحَاصِلُ: أَنَّ مَا كَانَ مِنْ عَمَلٍ قَبْلَ الإِدْرَاكِ كَالسَّقْيِ وَالحِفْظِ فَهُوَ عَلَى العَامِلِ، وَمَا كَانَ مِنْهُ بَعْدَ الإِدْرَاكِ قَبْلَ القِسْمَةِ فَهُوَ عَلَيْهِمَا فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ، كَالحَصَادِ وَالدِّيَاسِ وَأَشْبَاهِهِمَا عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ، وَمَا كَانَ بَعْدَ القِسْمَةِ فَهُوَ عَلَيْهِمَا. وَالمُعَامَلَةُ عَلَى قِيَاسِ هَذَا، مَا كَانَ قَبْلَ إِدْرَاكِ الثَّمَرِ مِنْ السَّقْيِ وَالتَّلْقِيحِ وَالحِفْظِ فَهُوَ عَلَى العَامِلِ، وَمَا كَانَ بَعْدَ الإِدْرَاكِ كَالجِدَادِ وَالحِفْظِ فَهُوَ عَلَيْهِمَا؛
منفعة لأحدهما كحمل الحنطة إلى رب الأرض أو تنقيته أو طحنه.
قوله: (وهو اختيار مشايخ بلخ) كمحمد بن سلمة، وأبي بكر البلخي، وغيرهما للتعامل والعرف والمعروف كالمشروط، وصار كشرط حذو النعل في الاستصناع حتى قالوا: يجوز بشرط التنقية والحمل إلى منزل رب الأرض للتعارف كذا في الذخيرة.
قوله: (والمعاملة إلى المساقاة قياس هذا ما كان) أي: الذي كان من العمل (قبل إدراك الثمر كالسقي، والتلقيح، والحفظ) وضرب الجريد، وإصلاح الأحاجين، وتنقية السواقي، وقطع الحشائش المضرة (على العامل) ولا خلاف فيه للأئمة الثلاثة فيه.
والأحاجين: هي الحفر التي يجتمع فيه الماء على أصول النخيل.
وقوله: (كالجداد) الجداد بالدال المهملة: القطع، والمراد قطع ثمرة النخل.
وفي المغرب الجزاز كالجذاذ بالفتح والكسر، إلا أن الجذاذ خاص في
стр. 6518
وَلَوْ شُرِطَ الجِدَادُ عَلَى العَامِلِ لَا يَجُوزُ بِالاتِّفَاقِ، لِأَنَّهُ لَا عُرْفَ فِيهِ.
وَمَا كَانَ بَعْدَ القِسْمَةِ فَهُوَ عَلَيْهِمَا، لِأَنَّهُ مَالٌ مُشْتَرَكٌ وَلَا عَقْدَ، وَلَوْ شُرِطَ الحَصَادُ فِي الزَّرْعِ عَلَى رَبِّ الأَرْضِ لَا يَجُوزُ بِالإِجْمَاعِ لِعَدَمِ العُرْفِ فِيهِ، وَلَوْ أَرَادَا فَصْلَ القَصِيلِ، أَوْ جِدَادَ التَّمْرِ بُسْرًا، أَوْ التِقَاطَ الرُّطَبِ، فَذَلِكَ عَلَيْهِمَا، لِأَنَّهُمَا أَنْهَيَا العَقْدَ لَمَّا عَزَمَا عَلَى القَصْلِ وَالجِدَادِ بُسْرًا فَصَارَ كَمَا بَعْدَ الإِدْرَاكِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قطع الثمر، والأول عام (١).
وعند الشافعي وأحمد الجذاذ والحصاد واللقاط على العامل؛ لأنه من العمل كالقسمة، وقال الشافعي في وجه، وأحمد في رواية: عليهما.
قوله: (ولو اشترط الجداد على العامل لا يجوز بالاتفاق لأنه لا عرف فيه) وعن أحمد يجوز، وكذا لو اشترط الحمل إلى منزل رب الأرض، وبه قال بعض الشافعية كما في قصة أهل خيبر، وجوابه مر أن هذا بطريق المن والجزية.
قوله: (لأنه مال مشترك)، وكان التدبير في ملك كل واحد إليه، كذا في المبسوط.
وسماه مشتركا بعد القسمة باعتبار ما كان، ولو شرطا الحصاد في الزرع على رب الأرض لم يجز إجماعًا؛ لأنه لا عرف فيه ولا من مقتضيات العقد، ولا خلاف للأئمة الثلاثة.
ولو أراد قصل القصيل أو جد التمر بسرًا فهو عليهما بلا خلاف.
стр. 6519
كِتَابُ المُسَاقَاةِ
آخَر المساقاة عن المزارعة، وكان من حقها أن تقدم لكثرة قائلها بالجواز، ولورود الأحاديث بجوازها لكثرة وقوع المزارعة في جميع البلاد أو لكثرة تفريع المزارعة بالنسبة إلى المساقاة.
ثم المساقاة لغة: مفاعلة من السقي.
وفي الصحاح، وغيره: هو أن يستعمل رجلا في نخيل أو كرم أو غيرهما لسقيهما، وعمل يحتاج إليه بجزء من التمر (١).
وفي شرح الطحاوي: المساقاة هي المعاملة بلغة أهل المدينة، ولهم لغات يختصون بها، يقولون للمعاملة مساقاة، وللمزارعة مخابرة، وللإجارة بيعًا، وللمضاربة مقارضة، وللصلاة سجدة.
ثم اسم المفاعلة يقع على حدائق الأعناب والأشجار المثمرة، ثم المساقاة فاسدة عند أبي حنيفة، وزفر رحمة الله عليهما.
وعند الشافعي، ومالك: [جائزة] (٢) بخلاف المزارعة، وعندهما (٣) وأحمد وأكثر العلماء يجوز كلاهما.
وعند الشافعي، ومالك: تجوز المزارعة تبعًا للمساقاة، وشرط التبعية عند مالك أن يكون الأصل ضعف التبع؛ لأنه به تتحقق التبعية، والمعاملة إنما تصح عنده إذا شرط النفقات والمؤن فيما تحتاج إليه الثمرة على العامل كلها، وقد بينا الوجه من الجانبين في المزارعة.
стр. 6520
(قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: المُسَاقَاةُ بِجُزْءٍ مِنْ الثَّمَرِ بَاطِلَةٌ، وَقَالَا: جَائِزَةٌ إِذَا ذُكِرَ مُدَّةٌ مَعْلُومَةٌ، وَسُمِّيَ جُزْءٌ مِنْ الثَّمَرِ مُشَاعًا) (*) وَالمُسَاقَاةُ: هِيَ المُعَامَلَةُ في الأشجار، وَالكَلَامُ فِيهَا كَالكَلَامِ فِي المُزَارَعَةِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ رَحْمَلهُ: المُعَامَلَةُ جَائِزَةٌ، وَلَا تَجُوزُ المُزَارَعَةُ إِلَّا تَبَعًا لِلْمُعَامَلَةِ، لِأَنَّ الأَصْلَ فِي هَذَا المُضَارَبَةُ، وَالمُعَامَلَةُ أَشْبَهُ بِهَا، لِأَنَّ فِيهِ شَرِكَةً فِي الزِّيَادَةِ دُونَ الأَصْلِ. وَفِي المُزَارَعَةِ لَوْ شَرَطَا الشَّرِكَةَ فِي الرِّبْحِ دُونَ البَدْرِ بِأَنْ شَرَطَا رَفْعَهُ مِنْ رَأسِ الخَارِجِ تَفْسُدُ، فَجَعَلْنَا المُعَامَلَةَ أَصْلًا، وَجَوَّزْنَا المُزَارَعَةَ تَبَعًا لَهَا كَالشِّرْبِ فِي بَيْعِ الأَرْضِ وَالمَنْقُولِ فِي وَقْفِ العَقَارِ، وَشَرْطُ المُدَّةِ قِيَاسٌ فِيهَا، لِأَنَّهَا إِجَارَةٌ مَعْنَى كَمَا فِي الْمُزَارَعَةِ.
وَفِي الاسْتِحْسَانِ: إِذَا لَمْ يُبَيِّنُ المُدَّةَ: يَجُوزُ، وَيَقَعُ عَلَى أَوَّلِ ثَمَرٍ يَخْرُجُ، لِأَنَّ
قوله: (والمعاملة أشبه بها) أي: بالمضاربة من المزارعة؛ (لأن فيه) أي: في عقد المعاملة الشركة في الزيادة، وهو الثمر دون الأصل وهو الشجر كما في المضاربة، الشركة في الربح دون رأس المال.
قوله: (وشرط المدة) أي: شرط بيان المدة (قياس فيه) أي: في عقد المعاملة؛ لأنه استئجار للعامل، وفي هذا لا يصير المعقود عليه معلومًا إلا ببيان المدة، فإذا لم يبينا لم يجز، وبه قال الشافعي وأحمد، إلا أنه ينبغي أن تكون أقل المدة ما يمكن إدراك الثمر فيه، وبه قال أحمد، واختلف أقوال الشافعي في أكثر مدة الإجارة والمساقاة، قال في موضع: سنة، وقال في موضع: إلى ثلاثين سنة - وقال ابن قدامة في المغني: وهذا تحكم -، وقال في موضع إلى ما شاء، وبه قال أحمد، ومالك، وأكثر العلماء.
قوله: (وفي الاستحسان إذا لم تُبيَّن المدة يجوز ويقع على أول ثمر يخرج) وبه قال أبو ثور، وبعض أصحاب الحديث؛ لأن لإدراكها وقت معلوم عادة، والثابت عادة كالثابت شرطًا، فصارت المدة معلومة وإن تقدم [أو] (١) تأخر، وذلك يسير لا تقع بسببه منازعة عادة، وقد بينا أن العقد تناول أول ثمرة؛ فيثبت
стр. 6521
الثَّمَرَ لِإِدْرَاكِهَا وَقْتُ مَعْلُومٌ، وَقَلَّمَا يَتَفَاوَتُ، وَيَدْخُلُ فِيهَا مَا هُوَ المُتَيَقَّنُ، وَإِدْرَاكُ البَدْرِ فِي أُصُولِ الرَّطْبَةِ فِي هَذَا بِمَنْزِلَةِ إِدْرَاكِ الثَّمَارِ، لِأَنَّ لَهُ نِهَايَةٌ مَعْلُومَةً فَلَا يُشْتَرَطُ بَيَانُ المُدَّةِ، بِخِلَافِ الزَّرْعِ، لِأَنَّ ابْتِدَاءَهُ يَخْتَلِفُ كَثِيرًا خَرِيفًا وَصَيْفًا وَرَبِيعًا، وَالِانْتِهَاءُ بِنَاءٌ عَلَيْهِ، فَتَدْخُلُهُ الجَهَالَةُ، وَبِخِلَافِ مَا إِذَا دَفَعَ إِلَيْهِ غَرْسًا قَدْ عُلِّقَ وَلَمْ يَبْلُغُ الثَّمَرُ مُعَامَلَةٌ حَيْثُ لَا يَجُوزُ إِلَّا بِبَيَانِ المُدَّةِ، لِأَنَّهُ يَتَفَاوَتُ بِقُوَّةِ الْأَرَاضِي
المتيقن لا ما وراءه، فلو انقضت تلك السنة ولم يخرج الثمر فيها انقضت المعاملة.
قوله: (لأن له) أي: لإدراك البذر (نهاية معلومة) عند المزارعين، والبذر يحصل بعمل العامل فاشتراط المناصفة فيه يكون صحيحًا والرطبة لصاحبها، يعني لو دفع رطبة قد انتهى جذاذها على أن يقوم عليها ويسقيها حتى يخرج بذرها على أن البذر بينهما نصفان، ولم يبينا وقتا جاز استحبابا كذا في المبسوط.
قوله: (بخلاف الزرع) أي: يشترط في المزارعة بيان المدة (لأن ابتداءه) أي: ابتداء المزرع قد يكون في الخريف، أو الصيف، أو الربيع، وما يزرع في الربيع يدرك في آخر الصيف، وما يزرع في الخريف يدرك في آخر الربيع، وما يزرع في الصيف يدرك في آخر الخريف.
فلجهالة وقت ابتداء عمل المزارعة يصير وقت انتهائه مجهولا، وهذه جهالة مفضية الى المنازعة، فلا يجوز إلا ببيان المدة بخلاف النخيل، والكروم؛ لأن ابتداء الثمر مما لا يتقدم ولا يتأخر، ولو تقدم أو تأخر كان يسيرًا لا عبرة [به] (١) على ما ذكرنا، فلا تفضي إلى جهالة انتهائه.
قوله: (غرسًا قد علق) بكسر العين، ومعنى علق بالفارسية (بنج كرفت).
(ولم يبلغ الثمر) أي: لم يبلغ الغرس الثمر معاملة على أن يقوم عليها ويسقيها، فما خرج فهو بينهما نصفان فهي فاسدة، وبه قالت الأئمة الثلاثة.
(إلا أن يبينا المدة لأنه) أي: الغرس يتفاوت في ذلك بتفاوت الأرض في القوة والضعف.
стр. 6522
وَضَعْفِهَا تَفَاوُتًا فَاحِشًا، وَبِخِلَافِ مَا إِذَا دَفَعَ نَخِيلًا، أَوْ أُصُولَ رُطَبَةٍ عَلَى أَنْ يَقُومَ عَلَيْهَا، أَوْ أَطْلَقَ فِي الرُّطَبَةِ: تَفْسُدُ المُعَامَلَةُ، لِأَنَّهُ لَيْسَ لِذَلِكَ نِهَايَةٌ مَعْلُومَةٌ، لِأَنَّهَا تَنْمُو مَا تُرِكَتْ فِي الْأَرْضِ، فَجُهِلَتْ المُدَّةُ (وَيُشْتَرَطُ تَسْمِيَةُ الجُزْءِ مُشَاعًا) لِمَا بَيَّنَّا فِي المُزَارَعَةِ، إِذْ شَرْطُ جُزْءٍ مُعَيَّنٍ يَقْطَعُ الشَّرِكَةَ (فَإِنْ سَمَّيَا فِي المُعَامَلَةِ وَقْتًا يُعْلَمُ أَنَّهُ لَا يَخْرُجُ الثَّمَرُ فِيهَا: فَسَدَتْ المُعَامَلَةُ) لِفَوَاتِ المَقْصُودِ، وَهُوَ الشَّرِكَةُ فِي الخَارِجِ (وَلَوْ سَمَّيَا مُدَّةً قَدْ يَبْلُغُ الثَّمَرُ فِيهَا وَقَدْ يَتَأَخَّرُ عَنْهَا: جَازَتْ) لِأَنَّا لَا نَتَيَقَّنُ بِفَوَاتِ
قوله: (على أن يقوم عليها) أي: إلى أن تذهب أصولها، وينقطع نباتها أو أطلق في الرطبة، بأن دفع النخيل أو أصول الرطبة على أن يقوم عليها معاملة مطلقا تفسد المعاملة؛ لأنه ليس لانقطاعهما نهاية معلومة، سواء قيد بذهاب أصولها أو أطلق حتى كانت لجزازها وقت معلوم يجوز العقد بلا بيان المدة، ويقع على الجزة الأولى، أما في النخيل لو قيد بقوله: وبعتكها إلى أن تذهب أصولها لا يجوز، ولو أطلق جاز، ويقع العقد على أول ثمر يخرج، ذكره في الذخيرة، والمبسوط، والإيضاح.
قوله: (لما بينا في المزارعة) وهو قوله (ولا تصح المزارعة) إلى قوله: (إلا أن يكون الخارج بينهما مشاعا تحقيقا لمعنى الشركة).
قوله: (لا يخرج الثمر فيها) أي: الوقت على تأويل المدة فسدت المعاملة، وبه قالت الأئمة الثلاثة؛ لأن المقصود منها الشركة في الخارج، وهذا الشرط يمنع ما هو المقصود، فيكون مفسدًا للعقد.
قوله: (جازت) أي: المعاملة، وبه قال الشافعي في وجه، وأحمد في رواية؛ لعدم التيقن بفوات المقصود (١)، ولا يعتبر توهم عدم الخروج؛ لأن ذلك التوهم متحقق في كل معاملة ومزارعة، بأن تصطلم آفة.
وقال الشافعي في وجه، وأحمد في رواية: لا يصح؛ لأنها عقد على المعدوم، وليس الغالب وجوده كالسلم في مثل ذلك.
стр. 6523
المَقْصُودِ، (ثُمَّ لَوْ خَرَجَ فِي الوَقْتِ المُسَمَّى فَهُوَ عَلَى الشَّرِكَةِ) لِصِحَّةِ العَقْدِ، (وَإِنْ تَأَخَّرَ فَلِلْعَامِلِ أَجْرُ المِثْلِ) لِفَسَادِ العَقْدِ، لِأَنَّهُ تَبَيَّنَ الخَطَأُ فِي المُدَّةِ المُسَمَّاةِ فَصَارَ كَمَا إِذَا عَلِمَ ذَلِكَ فِي الابْتِدَاءِ، بِخِلَافِ مَا إِذَا لَمْ يَخْرُجْ أَصْلًا لِأَنَّ الذَّهَابَ بِآفَةٍ، فَلَا يَتَبَيَّنُ فَسَادُ المُدَّةِ فَيَبْقَى العَقْدُ صَحِيحًا، وَلَا شَيْءَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ.
قَالَ: (وَتَجُوزُ المُسَاقَاةُ فِي النَّخْلِ وَالشَّجَرِ وَالكَرْمِ وَالرِّطَابِ، وَأُصُولِ البَاذِنْجَانِ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الجَدِيدِ: لَا تَجُوزُ إِلَّا فِي الكَرْمِ وَالنَّخْلِ، لِأَنَّ جَوَازَهَا بِالأَثَرِ وَقَدْ خَصَّهُمَا وَهُوَ حَدِيثُ خَيْبَرَ. وَلَنَا: أَنَّ الجَوَازَ لِلْحَاجَةِ وَقَدْ عَمَّتْ، وَأَثَرُ خَيْبَرَ لَا يَخُصُّهُمَا،
قوله: (فللعامل أجر المثل) وبه قال الشافعي في الأصح، وأحمد في الأصح أيضًا.
وقال الشافعي في وجه، وأحمد في رواية: لا يجب شيء كأنه رضي بالعمل بغير عوض فصار كالمتبرع، وهو اختيار المزني.
وقلنا: إنه رضي بعوض، وهو جزء من الثمر، وذلك غير موجود فتعذر تسليمه كان له أجر مثله، وفي كل صورة فساد المعاملة يجب أجر المثل على هذا الخلاف.
قوله: (لأن الذهاب بآفة) يعني بما حدث من الآفة لا يتبين أن الثمار لا تخرج في المدة المذكورة، فلم يتبين المفسد فبقي العقد صحيحًا، وموجب الشركة في الخارج ولا خارج، فلم يكن لواحد على صاحبه شيء.
قوله: (وقال الشافعي: لا يجوز في الجديد)، وقال في القديم: يجوز في جميع الأشجار المثمرة، وبه قال مالك، وأبو يوسف، ومحمد، وأحمد، والثوري، وأبو ثور، والأوزاعي.
ولا يُجَوِّزُ الشافعي في الرطاب قولا واحدًا، وقال داود: لا يجوز إلا في النخيل خاصة؛ لأن الخبر إنما ورد في النخيل خاصة.
وعن مالك أنه جوز المساقاة في الميقاتي، والبطيخ، والباذنجان كمذهبنا، والشافعي يقول: الأثر ورد في النخيل والكروم؛ لأنه عامل أهل خيبر فيهما.
قوله: (وأثر خيبر لا يخصهما) أي: النخل والكرم؛ لأنه روي أنه ﷺ عامل
стр. 6524
لِأَنَّ أَهْلَهَا كَانُوا يَعْمَلُونَ فِي الأَشْجَارِ وَالرِّطَابِ أَيْضًا، وَلَوْ كَانَ كَمَا زَعَمَ، فَالْأَصْلُ فِي النُّصُوصِ أَنْ تَكُونَ مَعْلُولَةٌ سِيَّمَا عَلَى أَصْلِهِ (وَلَيْسَ لِصَاحِبِ الكَرْمِ أَنْ يُخْرِجَ العَامِلَ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ) لِأَنَّهُ لَا ضَرَرَ عَلَيْهِ فِي الوَفَاءِ بِالعَقْدِ (وَكَذَا لَيْسَ لِلْعَامِلِ أَنْ يَتْرُكَ العَمَلَ بِغَيْرِ عُذْرٍ) بِخِلَافِ المُزَارَعَةِ بِالإِضَافَةِ إِلَى صَاحِبِ البَدْرِ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ. قَالَ: (فَإِنْ دَفَعَ نَخْلًا فِيهِ تَمْرٌ مُسَاقَاةً، وَالتَّمْرُ يَزِيدُ بِالعَمَلِ: جَازَ، وَإِنْ كَانَتْ قَدْ انْتَهَتْ:
أهل خيبر بشطر ما يخرج منها زرع أو ثمر، ولفظ الثمر عام في كل ثمر، ولأنه جاء في لفظ بعض الأخبار أنه ﷺ عامل أهل خيبر بشطر ما يخرج من النخل والشجر، ولفظ الشجر عام.
(ولو كان كما زعم) أي: الشافعي أن أثر خيبر مخصوص بهما، فالأصل في النصوص التعليل، ولكن من إقامة الدليل على أن هذا النص في الحال معلول، وعنده يجوز التعليل بكل وصف أعم مما ذكرنا.
وقوله: غير متعدية ومتعدية أيضًا فكانت وجوه التعليل عنده أكثر، فكان هو أولى بالتعليل؛ لحاجة الناس.
قوله: (على ما بينا) (١) أي: في المزارعة لم يجبر صاحب البذر على العقد؛ لأنه لا يمكنه المضي في العقد إلا بضرر يلزمه، وهو إتلاف بذره، وهاهنا رب الكرم في المضي على العقد لا يحتاج إلى إتلاف شيء من ماله، فيلزمه العقد من الجانبين، ثم عذر صاحب الكرم أن يلحقه دين فادح، وعذر العامل أن يمرض، ولا يقال ينبغي أن يؤمر العامل في مرضه بأن يستأجر رجلًا ليقيم على عمله؛ لأن في ذلك ضرر به لم يلتزمه بالمعاملة فلأن (٢) في إبقاء العقد ضرر عليه فوق ما التزمه يصير ذلك عذرًا، كذا في المبسوط.
قوله: (والتمر يزيد به) أي: بالعمل (جاز)، وبه قال مالك، والشافعي، وأحمد في رواية، وأبو ثور.
وقال الشافعي في قول، وأحمد في رواية: لا يجوز؛ لأنه ليس بمنصوص
стр. 6525
لَمْ يَجُزْ) وَكَذَا عَلَى هَذَا إِذَا دَفَعَ الزَّرْعَ وَهُوَ بَقْلٌ: جَازَ، وَلَوِ اسْتُحْصِدَ وَأُدْرِكَ لَمْ يَجُزْ، لِأَنَّ العَامِلَ إِنَّمَا يَسْتَحِقُّ بِالعَمَلِ، وَلَا أَثَرَ لِلْعَمَلِ بَعْدَ التَّنَاهِي وَالإِدْرَاكِ، فَلَوْ جَوَّزْنَاهُ لَكَانَ اسْتِحْقَاقًا بِغَيْرِ عَمَلٍ، وَلَمْ يَرِدْ بِهِ الشَّرْعُ، بِخِلَافِ مَا قَبْلَ ذَلِكَ لِتَحَقُّقِ الحَاجَةِ إِلَى العَمَلِ.
قَالَ: (وَإِذَا فَسَدَتْ المُسَاقَاةُ: فَلِلْعَامِلِ أَجْرُ مِثْلِهِ) لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الإِجَارَةِ الفَاسِدَةِ، وَصَارَ كَالْمُزَارَعَةِ إِذَا فَسَدَتْ.
قَالَ: (وَتَبْطُلُ المُسَاقَاةُ بِالمَوْتِ) لِأَنَّهَا فِي مَعْنَى الإِجَارَةِ، وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِيهَا، فَإِنْ مَاتَ رَبُّ الأَرْضِ وَالخَارِجُ بُسْرٌ: فَلِلْعَامِلِ أَنْ يَقُومَ عَلَيْهِ كَمَا كَانَ يَقُومُ قَبْلَ ذَلِكَ إِلَى أَنْ يُدْرِكَ الثَّمَرَ، وَإِنْ كَرِهَ ذَلِكَ وَرَثَةُ رَبِّ الْأَرْضِ اسْتِحْسَانًا، فَيَبْقَى العَقْدُ دَفْعًا
عَلَيْهِ، وَلَا فِي مَعْنَى المنصوص؛ لأنه ﷺ عامل على الشطر مما يخرج، وهذا يستحق بالعمل عينًا موجودًا، فلم يصح كما لو بدأ صلاح الثمر، فإنه لا يجوز بلا خلاف.
وقلنا: العامل مستحق بالعمل، فإذا كان لعمله أثر يجوز، وإن لم يكن فلا، وبعد الانتهاء لا أثر لعمله، فلو جوزناه لكان استحقاقا بالعمل، ولم يرد به الشرع فلا يجوز.
أما قبل الانتهاء لعمله أثر فيكون في معنى المنصوص بل أولى؛ لأنه إذا جازت في المعدوم مع كثرة الضرر، فمع الموجود أولى.
(وقد بيناه فيها) أي: في الإجارة.
قوله: (استحسانًا) وفي القياس تنتقض المعاملة بينهما، [أو] (١) بين [ورثة] (٢) صاحب الأرض وبين العامل نصفان، أي: فيما إذا كان العقد على المناصفة؛ لانقضاء العقد بموت أحد المتعاقدين، كما لو نقضا العقد حال حياتهما.
стр. 6526
لِلضَّرَرِ عَنْهُ، وَلَا ضَرَرَ فِيهِ عَلَى الْآخَرِ (وَلَوْ التَزَمَ العَامِلُ الضَّرَرَ: يَتَخَيَّرُ وَرَثَةُ الْآخَرِ بَيْنَ أَنْ يَقْسِمُوا البُسْرَ عَلَى الشَّرْطِ، وَبَيْنَ أَنْ يُعْطُوهُ قِيمَةَ نَصِيبِهِ مِنْ البُسْرِ، وَبَيْنَ أَنْ يُنْفِقُوا عَلَى البُسْرِ حَتَّى يَبْلُغَ، فَيَرْجِعُوا بِذَلِكَ فِي حِصَّةِ العَامِلِ مِنَ الثَّمَرِ) لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ إلْحَاقُ الضَّرَرِ بِهِمْ، وَقَدْ بَيَّنَّا نَظِيرَهُ فِي المُزَارَعَةِ وَلَوْ مَاتَ العَامِلُ، فَلِوَرَثَتِهِ أَنْ يَقُومُوا عَلَيْهِ، وَإِنْ كَرِهَ رَبُّ الأَرْضِ لِأَنَّ فِيهِ النَّظَرَ مِنْ الجَانِبَيْنِ فَإِنْ أَرَادُوا أَنْ يَصْرِمُوهُ بُسْرًا، كَانَ صَاحِبُ الأَرْضِ بَيْنَ الخِيَارَاتِ الثَّلَاثَةِ الَّتِي بَيَّنَّاهَا.
(وَإِنْ مَاتَا جَمِيعًا: فَالخِيَارُ لِوَرَثَةِ العَامِلِ) لِقِيَامِهِمْ مَقَامَهُ، وَهَذَا خِلَافَةٌ فِي حَقٌّ مَالِيٍّ، وَهُوَ تَرْكُ الثَّمَارِ عَلَى الأَشْجَارِ إِلَى وَقْتِ الإِدْرَاكِ، لَا أَنْ يَكُونَ وَارِثُهُ فِي الخِيَارِ (فَإِنْ أَبَى وَرَثَةُ العَامِلِ أَنْ يَقُومُوا عَلَيْهِ، كَانَ الخِيَارُ فِي ذَلِكَ لِوَرَثَةِ رَبِّ الأَرْضِ) عَلَى مَا وَصْفنَا. قَالَ: (وَإِذَا انْقَضَتْ مُدَّةُ المُعَامَلَةِ وَالخَارِجُ بُسْرٌ أَخْضَرُ،
وفي الاستحسان: يقوم العامل عليه كما كان حتى يدرك وإن كره الورثة؛ لأن في انتقاض العقد إضرارًا بالعامل وإبطالاً لما هو مستحق، وهو ترك الثمار على الأشجار إلى وقت الإدراك، ولو انتقض العقد كُلِّف بالجذاذ قبل الإدراك، وفيه ضرر عليه، ولما جاز نقض العهد لدفع الضرر لأن يجوز بقاؤه لدفع الضرر أولى.
(ولو التزم العامل الضرر) وقال: أنا آخذ نصف البسر فله ذلك؛ لأن بقاء العقد لدفع الضرر عنه؛ فإذا التزم الضرر انتقض العقد بموت رب الأرض، إلا إنه لا يملك إلحاق الضرر بالورثة، فيثبت الخيار لهم بين الأشياء الثلاثة، كما ذكر في الكتاب، وقد بيناه في المزارعة في قوله: (إن أراد المزارع أن يأخذه نقلا) إلى آخره.
قوله: (وهذا خلافة في حق مالي) جواب سؤال مقدر وهو أن يقال: خيار الشرط لا يورث، وإذا ثبت للمورث فكيف يثبت هذا الخيار الثابت للمورث للورثة؟ فقال: هذا خلافة مالي، يعني خلافة فيما هو حق مالي مستحق عليه، وهو ترك الثمار على الأشجار إلى وقت الإدراك، كذا في المبسوط (١).
стр. 6527
فَهَذَا وَالْأَوَّلُ سَوَاءٌ، وَلِلْعَامِلِ أَنْ يَقُومَ عَلَيْهَا إِلَى أَنْ يُدْرِكَ، لَكِنْ بِغَيْرِ أُجْرٍ) لِأَنَّ الشَّجَرَ لَا يَجُوزُ اِسْتِئْجَارُهُ، بِخِلَافِ الْمُزَارَعَةِ فِي هَذَا، لِأَنَّ الْأَرْضَ يَجُوزُ اِسْتِئْجَارُهَا، وَكَذَلِكَ الْعَمَلُ كُلُّهُ عَلَى الْعَامِلِ هَاهُنَا، وَفِي الْمُزَارَعَةِ فِي هَذَا عَلَيْهِمَا، لِأَنَّهُ لَمَّا وَجَبَ أَجْرُ مِثْلِ الْأَرْضِ بَعْدَ اِنْتِهَاءِ الْمُدَّةِ عَلَى الْعَامِلِ لَا يَسْتَحِقُّ عَلَيْهِ الْعَمَلَ، وَهَاهُنَا لَا أَجْرَ، فَجَازَ أَنْ يَسْتَحِقَّ الْعَمَلَ كَمَا يَسْتَحِقُّ قَبْلَ اِنْتِهَائِهَا.
قَالَ: (وَتُفْسَخُ بِالْأَعْذَارِ) لِمَا بَيَّنَا فِي الْإِجَارَاتِ، وَقَدْ بَيَّنَا وُجُوهَ الْعُذْرِ فِيهَا.
وَمِنْ جُمْلَتِهَا: أَنْ يَكُونَ الْعَامِلُ سَارِقًا يَخَافُ عَلَيْهِ سَرِقَةَ السَّقْفِ وَالثَّمَرِ قَبْلَ الْإِدْرَاكِ، لِأَنَّهُ يَلْزَمُ صَاحِبَ الْأَرْضِ ضَرَرًا لَمْ يَلْتَزِمْهُ فَتُفْسَخُ بِهِ. وَمِنْهَا: مَرَضُ الْعَامِلِ إِذَا كَانَ يُضْعِفُهُ عَنِ الْعَمَلِ، لِأَنَّ فِي إِلْزَامِهِ اِسْتِئْجَارَ الْأُجَرَاءِ زِيَادَةَ ضَرَرٍ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَلْتَزِمْهُ فَيُجْعَلُ ذَلِكَ عُذْرًا، وَلَوْ أَرَادَ الْعَامِلُ تَرْكَ ذَلِكَ الْعَمَلِ هَلْ يَكُونُ عُذْرًا؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ.
وَتَأْوِيلُ إِحْدَاهُمَا: أَنْ يَشْتَرِطَ الْعَمَلَ بِيَدِهِ، فَيَكُونُ عُذْرًا مِنْ جِهَتِهِ (وَمَنْ دَفَعَ أَرْضًا بَيْضَاءَ إِلَى رَجُلٍ سِنِينَ مَعْلُومَةً يَغْرِسُ فِيهَا شَجَرًا عَلَى أَنْ تَكُونَ الْأَرْضُ وَالشَّجَرُ بَيْنَ رَبِّ الْأَرْضِ وَالْغَارِسِ نِصْفَيْنِ: لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ).
قوله: (لأن الشجر لا يجوز استئجاره) حتى لو اشترى ثمارا على رؤوس الأشجار، ثم استأجر الأشجار إلى وقت الإدراك لا يجوز، وقد مر في البيوع.
ويبني عليه فرق آخر، وهو أن هناك العمل عليهما بحسب ملكهما في الزرع؛ لأن رب الأرض لما استوجب الأجر على العامل لا يستوجب العمل في نصيبه بعد انتهاء المدة، وهاهنا العمل على العامل في الكل؛ لأنه لا يستوجب رب النخل عليه أجرا بعد انقضاء المدة كما قبلها، فيكون العمل كله عليه إلى وقت الإدراك كما قبل انقضاء المدة.
قوله: (وفي هذا) أي: فيما إذا انقضت المدة.
قوله: (وقد بيناه في الإجارات) السقف: جريد النخل يتخذ منه الثبل والمراوح.
قوله: (لم يجز ذلك) أي: هذا العقد، وبه قالت الأئمة الثلاثة؛ لاشتراط
стр. 6528
لاشتراط الشركة فيما كان حاصلا قبل الشركة لا بعمله (وجميع الثمر والغرس لرب الأرض، وللغارس قيمة غرسه وأجر مثله فيما عمل) لأنه في معنى قفين الطحان، إذ هو استنجار ببعض ما يخرج من عمله، وهو نصف البستان، فيفسد، وتعذر رد الغراس لاتصالها بالأرض فيجب قيمتها وأجر مثله، لأنه لا يدخل في قيمة الغراس لتقومها بنفسها، وفي تخريجها طريق آخر
الشركة فيما كان حاصلا قبل الشركة، وهو الأرض كما لو دفع النخل والشجر؛ ليكون الأصل والثمر بينهما، كما إذا دفع الأرض لتزرع ليكون الزرع والأرض بينهما.
قوله: (وقد تعذر ردها) أي: رد الغراس (للاتصال بالأرض) يعني لو قطع الغراس وسلمها، لم يكن تسليما لشجر الغراس، بل يكون تسليما لقطع خشبة الأرض، وهو ما شرط ذلك بل شرط تسليم الشجر بقوله: على أن يكون الأرض والشجر بينه وبين رب الأرض نصفين، فلما لم يكن تسليمها وهي ثابتة وجب قيمتها.
وفي المبسوط: وكذا لو لم يشترط له من الأرض شيئا، ولكن قال: على أن لك علي مائة درهم، أو كر حنطة، فالعقد فاسد أيضا.
قوله: (وأجر مثله) أي: فيما عمل؛ لأنه ابتغى من عمله عوضا ولم يسلم له ذلك، (لأنه) أي: أجر المثل (لابد (١) في قيمة الغراس) لتقوم الغراس بنفسها؛ لأنه عين مال قائمة، واحترز به عن شيء يكون تقومها بالصنعة كجلد الميتة.
قوله: (وفي تخريجها) أي: في تخريج هذه المسألة (طريق أخرى) أي: دليل آخر بأن هذا العقد لا يجوز سوى ما ذكرنا من الدليل من طريق قفيز الطحان ذكرناه في كفاية المنتهي.
وهو طريق شراء رب الأرض نصف الغراس بمقابلة نصف الأرض، أو شراء جميع الغراس بمقابلة نصف الأرض ونصف الخارج، فكان عدم جواز
стр. 6529
بَيَّنَّاهُ فِي كِفَايَةِ المُنْتَهِي، وَهَذَا أَصَحُّهُمَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
هذا العقد هناك لجهالة الغراس نصفها وجميعها لا لاعتبار معنى الاستئجار الذي هو في معنى قفيز الطحان.
فقد ذكر في المبسوط: لم يجز ذلك؛ لأنه يكون مشتريا نصف الغراس بنصف الأرض، والغراس مجهولة فلا يجوز ذلك، هكذا ذكره بعض المشايخ.
وأما الحاكم في المختصر فيقول: تأويل المسألة عندي أنه جعل نصف الأرض عوضًا عن جميع الغراس، ونصف الخارج عوضًا عن عمله، فعلى هذا الطريق اشترى العامل نصف الأرض بجميع الغراس، وهي مجهولة فكان العقد فاسدًا، فالشجر لرب الأرض؛ لأن العقد في الشجر كان فاسدًا وقد غرسه في أرضه بأمره، فكأن صاحب الأرض فعل ذلك بنفسه، فيصير قابضًا للغراس باتصالها بأرضه مستهلكا بالعرق (١)، فيجب عليه قيمة الشجر، وأجر ما عمل، وأجر عمله؛ لأنه ابتغى عوضه ولم ينل.
ثم قال بعده: والأصح عندي أن صاحب الأرض استأجره؛ ليجعل أرضه بستانا بآلات نفسه على أن يكون أجره بعض ما يحصل من عمله، وهو نصف البستان، فصار كما لو استأجر صباعًا ليصبغ ثوبه بصبغ نفسه على أن يكون نصف المصبوغ له، وذلك فاسد؛ لأنه في معنى قفيز الطحان.
وهذا لأن الغراس آلة تجعل الأرض بها بستانا، كالصبغ لثوب فيفسد، وبقيت الآلة متصلة بملك صاحب الأرض، وهي متقومة فيلزم عليه قيمتها، كما يجب على صاحب الثوب قيمة ما زاد الصبغ في ثوبه؛ لأن الغراس أعيان قائمة تقوم بنفسها، فلا يدخل أجر في قيمتها فيلزمه أجر عمله أيضًا؛ لأنه ابتغى منه عوضًا، ولم ينل، وهو معنى قول الشيخ (٢).
(وهذا أصحهما) أي: الذي ذكرناه في الكتاب من طريق قفيز الطحان أصح الطريقين، كما ذكر في المبسوط.
стр. 6530
كِتَابُ الذَّبَائِحِ
كِتَابُ الذَّبَائِحِ
أورد الذبائح بعد المزارعة لمناسبة خاصة، وهيض تحصيل الانتفاع باللحم والخبز في المال بإتلاف الموجود في الحال، ثم الذبح مباح شرعًا، وغير محظور عقلا.
وقالت المانوية (١) والديصانية (٢) - الضَّلَّالُ مِنَ المجوس -: هو محظور عقلا، فلا يرون إباحة ذبح الحيوان، قالوا فيه إذهاب الروح الذي هو من أجزاء النور.
وقلنا: غير محظور، لما فيه تحصيل الغذاء الذي هو المقصود من الحيوانات، وهو الآدمي، فإن العقلاء اتفقوا على حسن إيلام المريض بالحجامة ونحوه لو جاء شفاء بعقبه مع أن هذا إيلام في نفس المكلف، وهاهنا إيلام في غير المكلف؛ لانتفاع المكلف وبقاء مهجته فكان أولى.
وقال بعض مشايخنا العراقيون: إن التذكية محظور عقلا، لكنه [ثبت] (٣) نصا.
стр. 6531
قَالَ: (الذَّكَاةُ شَرْطُ حِلِّ الذَّبِيحَةِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة: ٣] وَلِأَنَّ بِهَا يَتَمَيَّزُ الدَّمُ النَّجِسُ مِنْ اللَّحْمُ الطَّاهِرُ. وَكَمَا يَثْبُتُ بِهِ الحِلُّ يَثْبُتُ بِهِ الطَّهَارَةُ فِي المَأْكُولِ وَغَيْرُهُ، فَإِنَّهَا تُنْبِئُ عَنْهَا. وَمِنهَا قَوْلُهُ ﵊: «ذَكَاةُ الْأَرْضِ يَبَسُهَا» وَهِيَ اخْتِيَارِيَّةٌ كَالجُرْحِ فِيمَا بَيْنَ اللَّبَّةِ وَاللَّحْيَيْنِ، وَاضْطِرَارِيَّةٌ، وَهِيَ الجُرْحُ فِي أَيِّ مَوْضِعٍ كَانَ مِنْ البَدَنِ. وَالثَّانِي: كَالبَدَلِ عَنْ الْأَوَّلِ، لِأَنَّهُ لَا يُصَارُ إِلَيْهِ إِلَّا
قال شمس الأئمة: وهذا عندي باطل: لأنه ﷺ كان يتناول من اللحم قبل مبعثه، ولا يظن أنه كان يتناول ذبائح المشركين؛ لأنهم كانوا يذبحون باسم الأصنام، فعرفنا أنه كان يذبح ويصطاد لنفسه، وما كان يفعل رسول الله ﷺ ما كان محظورًا (١).
الذبائح: جمع ذبيحة، وهي اسم لما يذبح.
الذبح: مصدر ذبح، إذا قَطَعَ الأوداج، والذكاة: الذبح، سمي به لأنه يجوز أن يكون في اللغة مأخوذ من أحد الأمرين:
إما من الحِدَّةِ، يقال: سراج ذكي إذا كان نيرا غاية؛ لأنه حينئذ في غاية الحدة، ويقال: فلان ذكي إذا كان سريع الفهم لِحِدَّةِ خاطره، ويقال: مسك ذكي إذا كان يفوح غاية.
وإما من الطهارة، قال ﷺ «دباغ الأديم ذكاته» (٢)، ويجوز إطلاقه على الذبح لكلا المعنيين؛ لما فيه من سرعة الموت، وطهارة المذبوح عن الدم المسفوح الذي هو نجس، كذا في مبسوط شيخ الإسلام.
قوله: (فإنها تنبئ عنه) أي: الذكاة تنبئ عن الطهارة على تأويل التطهير، وفي بعض النسخ (تنبئ عنها) أي: عن الطهارة.
стр. 6532
عِنْدَ العَجْزِ عَنْ الأَوَّلِ.
وَهَذَا آيَةُ البَدَلِيَّةِ، وَهَذَا لِأَنَّ الأَوَّلَ أَعْمَلُ فِي إِخْرَاجِ الدَّمِ، وَالثَّانِيَ أَقْصَرُ فِيهِ، فَاكْتَفَى بِهِ عِنْدَ العَجْزِ عَنْ الأَوَّلِ، إِذْ التَّكْلِيفُ بِحَسْبِ الوُسْعِ. وَمِنْ شَرْطِهِ: أَنْ يَكُونَ الذَّابِحُ صَاحِبَ مِلَّةِ التَّوْحِيدِ، إِمَّا اعْتِقَادًا كَالمُسْلِمِ أَوْ دَعْوَى كَالْكِتَابِيٍّ، وَأَنْ يَكُونَ حَلَالًا خَارِجَ الحَرَمِ عَلَى مَا نُبَيِّنُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
قَالَ: (وَذَبِيحَةُ المُسْلِمِ وَالكِتَابِيِّ حَلَالٌ) لِمَا تَلَوْنَا. وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٥].
قوله: (أو دعوى كالكتابي) فإن الكتابي يدعي أنه صاحب ملة التوحيد.
قوله: (لما تلونا)، وهو قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا ذَكَيْتُمْ﴾ [المائدة: ٣]، والأولى في حل ذبيحة أهل الكتاب ما تمسك به في المبسوط بقوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَبَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٥]؛ لأن قوله ﴿إِلَّا مَا ذَكَيْتُمْ﴾ كما يتناول المسلم والكتابي يتناول الوثني، والمرتد، والمجوس، ولا تحل ذبيحتهم بإجماع العلماء (١).
قوله وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَبَ حِلٌّ لَكُمْ والمراد طعام يلحقه الذكاة من جهتهم؛ لأنه خص الكتابي بالذكر، وفيما لا يلحقه الذكاة الكتابي وغيره فيه سواء، فعرف أن المراد ما قلنا، فصار كما لو نص عليه.
ثم ذبيحة الكتابي حلال مطلقا سواء كان قائلا بثالث ثلاثة أو بغيره.
وقال الشافعي في وجه: إذا اعتقد أن المسيح والعزير ابن الله لا يحل، ولا تفاوت في كون الكتابي حربيًا أو ذميًا بإجماع أهل العلم، فلو ترك الكتابي التسمية عمدًا أو ذبح وسمَّى اسم المسيح لم تحل ذبيحته بإجماع الفقهاء وأكثر أهل العلم.
وعن عطاء، ومجاهد، ومكحول إذا ذبح النصراني باسم المسيح حل؛ لأنه تعالى أحل لنا ذبيحته، وقد علم أنه سيقول ذلك.
ولنا: قوله تعالى: ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ [المائدة: ٣] والآية أريد بها ما ذبحوه بشرطه كالمسلم.
стр. 6533
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقال علي ﵁: إذا سمعتموه سمي لغير الله فلا تأكلوه، وهو قول عائشة، وابن عمر، وأبي الدرداء، والحسن في جماعة.
وفي المستصفى: هذا إذا لم يعتقد أن المسيح إله، فأما إذا اعتقد فهو والمجوس سواء، فلا تحل ذبيحته، وهذا مخالف لعامة الروايات ولظاهر الكتاب، وهو قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾ [المائدة: ٧٧] مع أنهم قالوا المسيح ابن الله.
وسئل ابن عباس عن ذبائحهم فقال: قد أحل الله لكم، فقيل: إنهم يهلون لغير الله؟ فقال: إن الذي أحل ذلك منهم هو أعلم بما يقولون.
ولو ذبح الكتابي ما حرم الله عليه مثل: كل ذي ظفر، قال قتادة: هي الإبل، والنعام، والبط، وما ليس بمشقوق الأصابع، أو ذبح دابة لها شحم محرم عليه يحل عند الأكثر.
وحكي عن مالك في اليهودي يذبح الشاة لا يؤكل من شحمها.
قال أحمد: هذا مذهب دقيق، فظاهر هذا أنه لم يره صحيحا؛ لأنه تعالى قال ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٥]، وهذا ليس من طعامهم، وكذا لا يحل ما حرم الله عليهم؛ لأنه ليس من طعامهم، وبه قال الضحاك، ومجاهد، وسوار، ومالك، والقاضي الحنبلي.
وقلنا: المراد من طعامهم من ذبائحهم، وهكذا فسره العلماء.
وروي عن عبد الله بن مغفل أنه قال: دلي جراب من شحم من قصر خيبر فنزوت لأخذه فإذا رسول الله ﷺ يتبسم إلي. متفق عليه (١).
ولأن المراد من طعامهم لا يجوز أن يكون عاما بالاتفاق؛ لأن الخنزير، والميتة، والدم، من طعامهم، وهو حرام بالإجماع.
ويشنع ابن حزم في ذلك الموضع على مالك ويقول: وهذا في غاية الفساد - وهذا من تعصبه وسخافة عقله - لأنه قال: طعامهم؛ فيكون على العموم، إلا
стр. 6534
وَيُحَلُّ إِذَا كَانَ يَعْقِلُ التَّسْمِيَةَ وَالذَّبِيحَةَ وَيَضْبِطُ، وَإِنْ كَانَ صَبِيًّا أَوْ مَجْنُونًا أَوْ امْرَأَةً، أَمَّا إِذَا كَانَ لَا يَضْبِطُ وَلَا يَعْقِلُ التَّسْمِيَةَ وَالذَّبِيحَةَ: لَا تَحِلُّ، لِأَنَّ التَّسْمِيَةَ عَلَى الذَّبِيحَةِ شُرِطَ بِالنَّصِّ وَذَلِكَ بِالقَصْدِ.
أن الميتة والدم خرجا بالنص والإجماع، فيبقى ما وراءه على عمومه (١).
وهذا الطعن في الحقيقة على بعض المفسرين مثل: الضحاك، ومجاهد، وسوار، وقتادة، وما ذكر في باب رده قول لا طائل تحته.
وقولنا: قول عمر، وعلي، وابن مسعود، وعائشة، وأبي الدرداء، وابن عباس، وابن عمر، وأبي أمامة الباهلي، وعبادة بن الصامت، والعرباض بن سارية، وأكثر الصحابة، وأكثر التابعين.
ثم عند الشافعي: كل من دخل في دين كتابي بعد النبي ﷺ ، وأولاده: لا تحل ذبيحته، ولا ذبيحة من يخرج من دين كتابي إلى كتابي، كالمرتد من الإسلام، والمتولد من كتابي، وغير كتابي يحل صيده وذبيحته، وبه قال الشافعي في قول، ومالك، وأحمد إذا كان الأب كتابيا وإلا لا، يحل في رواية عن أحمد، وفي قول لا يحل تغليبا.
وعندنا: يتبع خير الأبوين دينا، وقد مر في النكاح.
قوله: (إن كان يعقل الذبيحة) قيل: معناه أن حل الذبيحة بالتسمية والذبيحة وفي نسخة (والذبيحة) أي: يقدر على الذبح، ويعلم شرائط الذبح من فري الأوداج، والحلقوم، وصحة القصد بما ذكرنا من قوله: (يعقل التسمية والذبيحة ويضبط).
والمراد من قوله: (أو مجنونا) أي: معتوها كما ذكر في الحجر، هكذا وتحل ذكاة الصبي والمجنون إذا كانا يعقل الذبيحة، وبه قال الشافعي في الأظهر، ومالك، وأحمد.
وإذا كانا لا يعقلان لا يصح، وبه قال مالك، وأحمد، والشافعي في وجه، وفي وجه يصح؛ لعموم قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾.
стр. 6535
وَصِحَّةُ القَصْدِ بِمَا ذَكَرْنَا. وَالأَقْلَفُ وَالمَخْتُونُ سَوَاءٌ لِمَا ذَكَرْنَا، وَإِطْلَاقُ الكِتَابِيِّ: يَنْتَظِمُ الكِتَابِيَّ وَالذُّمِّيَّ وَالحَرْبِيَّ وَالعَرَبِيَّ وَالتَّغْلِبِيَّ، لِأَنَّ الشَّرْطَ قِيَامُ المِلَّةِ عَلَى مَا مَرَّ. قَالَ: (وَلَا تُؤْكَلُ ذَبِيحَةُ المَجُوسِيّ) لِقَوْلِهِ ﵊: «سُنُّوا
وقلنا: الذكاة، الذبح وهو يتحقق ممن له قصد، ولا يصح ممن لا قصد له ولا تمييز، وهو معنى قوله: (وصحة القصد بما ذكرنا) وهو يعقل التسمية والقصد والضبط.
(والأقلف والمختون سواء لما ذكرنا) من قوله: إن شرط الحل القصد والضبط؛ فيدخل في عمومات النصوص من قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَطَعَامُ الَّذِينَ﴾ الآية.
ولا خلاف فيه لعامة العلماء إلا ما روي عن ابن عباس أنه قال: شهادة الأقلف وذبيحته لا تجوز، وهو رواية عن أحمد.
وذبح الأخرس يجوز بإجماع العلماء ولا خلاف فيه.
وقلنا: الأقلف تارك السنة وبهذا لا يخرج عن كونه ذابحا أهل ملة، كذا ذكره الخصاف.
قوله: (ولا تؤكل ذبيحة المجوسي)، وعند بعض أصحاب الظاهر: حكمهم حكم أهل الكتاب، وبه قال أبو ثور؛ لأنه ﷺ قال: «سنوا بهم سنة أهل الكتاب» (١)، وروي ذلك عن سعيد بن المسيب، وقالوا «الحديث المذكور في
стр. 6536
بِهِمْ سُنَّةَ أَهْلِ الْكِتَابِ غَيْرَ نَاكِحِي نِسَائِهِمْ وَلَا آكِلِي ذَبَائِحِهِمْ» وَلِأَنَّهُ لَا يَدَّعِي التَّوْحِيدَ فَانْعَدَمَتْ المِلَّةُ اعْتِقَادًا وَدَعْوَى. قَالَ: (وَالمُرْتَدٌ) لِأَنَّهُ لَا مِلَّةَ لَهُ. فَإِنَّهُ لَا يُقِرُّ عَلَى مَا انْتَقَلَ إِلَيْهِ، بِخِلَافِ الكِتَابِيِّ إِذَا تَحَوَّلَ إِلَى غَيْرِ دِينِهِ،
الكتاب آخره مرسل، ولا حجة في مرسل.
قلنا: كونه مرسلًا غير مسلم، فإن سفيان رواه بإسناده، مع أن المرسل حجة عندنا، خصوصًا إذا عمل به أكثر الصحابة، وأكثر التابعين، والفقهاء، وموافقا لقوله ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَبَ﴾ [المائدة: ٥]، والمجوس ليس منهم؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا﴾ [الأنعام: ١٥٦].
وروى أحمد بإسناده أنه ﷺ قال: «إذا نَزَلْتُم بفارِسَ مِنَ النَّبَطِ فإِذا اشْتَرِيتُم لَحمًا فإن كانَ مِنْ يهودي أو نصراني فكلوا، وإن كانَ مِنْ مَجوسي لَا تَأْكلوا» (١).
قال إبراهيم الحربي: خرق أبو ثور الإجماع، وروى عن ابن المسيب خلافه، ولا خلاف أن صيدهم السمك والجراد يباح أكله.
قوله: (والمرتد) بالجر عطفا على قوله: (والمجوسي)، يعني لا تؤكل ذبيحة المجوسي وذبيحة المرتد، ولا خلاف أن ذبيحة المرتد لا تؤكل؛ لأنه لا ملة له، فكان كالكافر الأصلي، وإن كان ارتد إلى دين أهل الكتاب، فإنه غير مقر على ما أعتقده، وقد ترك ما كان عليه فلا ملة له والنكاح والذبيحة يبنى على الملة، كذا في المبسوط. (بخلاف الكتابي إذا تحول إلى غير دينه) أي: تؤكل ذبيحته عندنا، هذا إذا تحوَّل الكتابي إلى دين من هو من أهل الكتاب، كما إذا تهود النصراني، أو تنصر اليهودي، أما لو تمجس لا تؤكل ذبيحته بلا خلاف.
وعند الشافعي، وداود: لا تؤكل ذبيحته إلى (٢) غير دينه مطلقا؛ لأن بخروجه إلى غير دينه نقض الذمة يباح قتله وصار كالكافر الأصلي.
وقلنا: إذا تحول إلى دين كتابي فيكون من أهل الملة دعوى حالة الذبح وقبله ويُقرُّ على ما اعتقده، والكفر كله ملة واحدة فتحل ذبيحته، كذا في المبسوط.
стр. 6537
لِأَنَّهُ يُقَرُّ عَلَيْهِ عِنْدَنَا، فَيُعْتَبَرُ مَا هُوَ عَلَيْهِ عِنْدَ الذَّبْحِ لَا مَا قَبْلَهُ. قَالَ: (وَالوَثَنِي) لِأَنَّهُ لَا يَعْتَقِدُ المِلَّةَ.
قَالَ: (وَالمُحْرِمِ) يَعْنِي مِنْ الصَّيْدِ (وَكَذَا لَا يُؤْكَلُ مَا ذُبِحَ فِي الحَرَمِ مِنْ الصَّيْدِ) وَالإِطْلَاقُ فِي المُحْرِمِ يَنْتَظِمُ الحِلَّ وَالحَرَمَ، وَالذَّبْحُ فِي الحَرَمِ يَسْتَوِي فِيهِ الحَلَالُ وَالمُحْرِمُ، وَهَذَا لِأَنَّ الزَّكَاةَ فِعْلٌ مَشْرُوعٌ وَهَذَا الصَّنِيعُ مُحَرَّمٌ فَلَمْ تَكُنْ ذَكَاةً، بِخِلَافِ مَا إِذَا ذَبَحَ المُحْرِمُ غَيْرَ الصَّيْدِ، أَوْ ذَبَحَ فِي الحَرَمِ غَيْرَ الصَّيْدِ، صَحَّ، لِأَنَّهُ فِعْلٌ مَشْرُوعٌ، إِذْ الحَرَمُ لَا يُؤَمِّنُ الشَّاةَ، وَكَذَا لَا يَحْرُمُ ذَبْحُهُ عَلَى المُحْرِمِ.
قَالَ: (وَإِنْ تَرَكَ الذَّابِحُ التَّسْمِيَةَ عَمْدًا: فَالذَّبِيحَةُ مَيْتَةٌ لَا تُؤْكَلُ، وَإِنْ تَرَكَهَا نَاسِيًا: أُكِلَ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: أُكِلَ فِي الوَجْهَيْنِ. وَقَالَ مَالِكٌ: لَا يُؤْكَلُ فِي الوَجْهَيْنِ، وَالمُسْلِمُ وَالْكِتَابِيُّ فِي تَرْكِ التَّسْمِيَةِ سَوَاءٌ، وَعَلَى هَذَا الخِلَافِ إِذَا تَرَكَ التَّسْمِيَةَ عِنْدَ إِرْسَالِ البَازِي وَالكَلْبِ، وَعِنْدَ الرَّمْيِ، وَهَذَا القَوْلُ مِنْ الشَّافِعِيِّ مُخَالِفٌ لِلْإِجْمَاعِ،
قوله: (وهذا الصنيع) أي: قتل المحرم الصيد (محرم) بالنص وهو قوله تعالى: ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: ٩٥] نهى عن الفعل الحسي فتوجب انعدام المشروعية، والذكاة فعل مشروع فلا يكون فعله ذكاة، وكذا ذبح غير الصيد لا يحرم على المحرم؛ لأن الأصل حل الذبح والحرمة ثبتت بالنص وهو مخصوص بالصيد فلا يتعداه.
قوله: (وقال الشافعي: أكل في الوجهين) أي: في العمد والنسيان، وبه قال أحمد في رواية.
وفي الحلية: وبه قال مالك، وفي غيرها في المغني لابن قدامة: أن عند مالك يحل إذا تركها ناسيًا، ولا يحل عامدًا.
وذكر في الكتاب: عنده لا تؤكل في الوجهين موافقا لرواية المنظومة، والمشهور عن أحمد مثل قولنا، وهو قول ابن عباس، وطاوس، وابن المسيب، والحسن، والثوري، وإسحاق، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وجعفر.
وصورة متروك التسمية عمدًا: أن يعلم أن التسمية شرط وتركه مع ذكرها، أما لو تركها من لم يعلم باشتراطها فهو في حكم الناسي، ذكره في الحقائق.
стр. 6538
فَإِنَّهُ لَا خِلَافَ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَهُ فِي حُرْمَةِ مَتْرُوكِ التَّسْمِيَةِ عَامِدًا، وَإِنَّمَا الخِلَافُ بَيْنَهُمْ فِي مَتْرُوكِ التَّسْمِيَةِ نَاسِيًا.
فَمِنْ مَذْهَبِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّهُ يُحَرِّمُ، وَمِنْ مَذْهَبِ عَلِيٌّ وَابْنِ عَبَّاسٍ ﵃ أَنَّهُ يَحِلُّ، بِخِلَافِ مَتْرُوكِ التَّسْمِيَةِ عَامِدًا، وَلِهَذَا قَالَ أَبُو يُوسُفَ وَالمَشَايِخُ ﵏: إِنَّ مَتْرُوكَ التَّسْمِيَةِ عَامِدًا لَا يَسَعُ فِيهِ الاجْتِهَادُ، وَلَوْ قَضَى القَاضِي بِجَوَازِ بَيْعِهِ لَا يَنْفُذُ لِكَوْنِهِ مُخَالِفًا لِلْإِجْمَاعِ، لَهُ: قَوْلُهُ ﵊: المُسْلِمُ يَذْبَحُ
قوله: (له) أي: للشافعي قوله ﵊ «يذبح على اسم الله تعالى» الحديث رواه البراء (١).
وعن أبي هريرة سئل رسول الله ﷺ عمن نسي التسمية؟ فقال ﵊: «كُلُوا فَإِنَّ اسْمَ اللهِ في قَلْبِ كُلِّ مُؤْمِنٍ» (٢) فعلم أن الملة قامت مقام التسمية.
وعن عائشة أنها سألت رسول الله أن الأعراب قريب عهد إلى الإسلام يأتوننا بلحوم فلا ندري أَسَمَّوْا عليها أو لم يُسَمُّوا، فقال ﵊: «سَمُّوا أَنْتُمْ وَكُلُوا»، رواه البخاري (٣).
فلو كانت التسمية شرطًا للحل لما أمرها بالأكل عند الشك فيها، ولأن التسمية لو كانت شرطًا لكانت مأمورا بها، وفي المأمورات لا فرق بين النسيان
стр. 6539
عَلَى اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى سَمَّى أَوْ لَمْ يُسَمِّ، وَلِأَنَّ التَّسْمِيَةَ لَوْ كَانَتْ شَرْطًا لِلْحِلِّ لَمَا سَقَطَتْ بِعُذْرِ النِّسْيَانِ، كَالطَّهَارَةِ فِي بَابِ الصَّلَاةِ، وَلَوْ كَانَتْ شَرْحًا فَالمِلَّةُ أُقِيمَتْ مَقَامَهَا كَمَا فِي النَّاسِي، وَلَنَا: الكِتَابُ، وَهُوَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١٢١] الآيَةَ، نَهْيٌ وَهُوَ لِلتَّحْرِيمِ.
والعمد كقطع الحلقوم، والأوداج، وكالطهارة والتكبير والقراءة في الصلاة، وإنما يقع الفرق بينهما في المزجورات كالأكل والشرب في الصوم. ولأنها ذكاة لاستصلاح الأكل فكان ندبًا لا حتمًا كما في الخبز، والطبخ، والأكل، ولهذا حلت لنا ذبائح أهل الكتاب، وإن ذكروا اسم الله؛ لأنهم يريدون غير الله.
قوله: (نهي وهو) أي (١): النهي المطلق (للتحريم) فيدل عليه قول الله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ [الأنعام: ١٢١] كناية عن الأكل، والفسق أكل الحرام، ولو كان كناية عن المذبوح فالمذبوح الذي يسمى فسقا شرعًا يكون حراما. فإن قيل: النص مجمل لا يحتمل الذكر حالة الذبح، وحالة الطبخ، وحالة الأكل، فلم يصح الاحتجاج به. قلنا: حالة الطبخ، وحالة الأكل غير مراد بالإجماع بيننا، وبإجماع السلف أن المراد حالة الذبح. فإن قيل: الذكر يكون باللسان ويكون بالقلب كما في قوله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤].
وقال ﷺ : «من نام عن صلاةٍ أو نَسِيَها فَلْيُصَلِّها إذا ذَكَرَها» (٢) فيكون المراد مطلق الذكر سواء كان باللسان أو بالقلب.
وفي حالة العمد الذكر بالقلب موجود بدليل قوله ﵊: «اسْمُ اللهِ في قَلْبِ كُلِّ مُؤْمِنٍ» (٣)، ولأن الذكر بالقلب مراد بالإجماع، فلا يكون
стр. 6540
وَالإِجْمَاعُ وَهُوَ مَا بَيَّنَّا وَالسُّنَّةُ، وَهُوَ حَدِيثُ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمِ الطَّائِيِّ ﵁ فَإِنَّهُ ﵊ قَالَ فِي آخِرِهِ: فَإِنَّكَ إِنَّمَا سَمَّيْت عَلَى كَلْبِكَ وَلَمْ تُسَمٌ عَلَى
الذكر باللسان مرادًا وإلا لزم الجمع بين الحقيقة والمجاز؛ لأن الذكر من حيث القلب حقيقة؛ لأن ضده النسيان يكون بالقلب أو العموم للمشترك.
قلنا: في الآية المراد الذكر باللسان؛ لأنه ذَكَرَ الذِّكْرَ عليه، والذكر عليه يكون باللسان، فإنه يقال: ذكر عليه إذا ذكره باللسان، وإذا ذكره بالقلب يقال: ذكره، غير مقرون بكلمة على ولأن الذكر عليه أن يقصد إيقاع الذكر عليه، وإنما يقصد إلى الذكر بعد العلم؛ لأن القصد إلى ما لا يعلم محال، وهذا لا يتصور في الذكر بالقلب؛ لأنه يحصل بمجرد الوقوع في البال، فكيف يتصور القصد إلى إيقاعه عليه؟ كذا في المحيط، والفوائد الشاهية.
وأما قوله: لزم الجمع بين الحقيقة والمجاز، أو عموم المشترك غير مسلم، فإن الذكر للأمرين حقيقة؛ لوجود الاستعمال فيهما عرفًا، وضد الذكر السكوت أيضًا، وهو يكون باللسان، فكان حقيقة فيهما، ولا يلزم عموم المشترك؛ لأنه مشترك معنوي، وهو المطلق لا المشترك اللفظي.
فإن قيل: الناسي مخصوص بالإجماع، ولو أريد به ظاهره لجرت المحاجة في السلف، وظهر الانقياد، وارتفع الخلاف، فيختص العامل بالقياس وخبر الواحد.
قلنا: الناسي غير مخصوص؛ لأنه ذاكر تقديرًا لقيام الملة مقام الذكر. فإن قيل: في العام كذلك لقيام الملة مقام الذكر أيضًا.
قلنا: أقام الملة مقام الذكر في حق الناسي بالحديث، وهو معذور مستحق النظر والتخفيف، أما العامد غير معذور، ولأن الناسي لا يخلو من أن يكون مرادا منه أو لا، فإن كان مرادًا لا يكون مخصوصا، وحينئذ يلزم إرادة العامل صونا للنص عن التعطيل، وهذا البحث بتمامه مذكور في شرحنا بيان الأصول للبزدوي.
قوله: (فإنه ﷺ قال في آخره) أي: في آخر حديث عَدِيّ، أوله قوله ﵊: «إذا أَرْسَلْتَ كَلْبَكَ وسَمَّيْتَ فَكُلْ»، قلت: أرسل كلبي فأجد معه كلبا آخر، قال ﵊: «لا تَأْكُلْ فإنكَ إِنَّمَا سَمَّيْتَ عَلَى كَلبِكَ
стр. 6541
وَمَالِكٌ يَحْتَجُّ بِظَاهِرِ مَا ذَكَرْنَا، إِذْ لَا فَصْلَ فِيهِ وَلَكِنَّا نَقُولُ: فِي اعْتِبَارِ ذَلِكَ مِنْ الحَرَجِ مَا لَا يَخْفَى، لِأَنَّ الإِنْسَانَ كَثِيرُ النِّسْيَانِ، وَالحَرَجُ مَدْفُوعٌ وَالسَّمْعُ غَيْرُ مُجْرَى عَلَى ظَاهِرِهِ، إِذْ لَوْ أُرِيدَ بِهِ لَجَرَتْ المُحَاجَّةُ وَظَهَرَ الانْقِيَادُ وَارْتَفَعَ الخِلَافُ فِي الصَّدْرِ الأَوَّلِ. وَالإِقَامَةُ فِي حَقِّ النَّاسِي، وَهُوَ مَعْذُورٌ لَا يَدُلُّ عَلَيْهَا فِي حَقِّ العَامِدِ وَلَا عُذْرَ، وَمَا رَوَاهُ مَحْمُولٌ عَلَى حَالَةِ النِّسْيَانِ، ثُمَّ التَّسْمِيَةُ فِي ذَكَاةِ الِاخْتِيَارِ تُشْتَرَطُ عِنْدَ الذَّبْحِ.
ولَمْ تُسَمِّ عَلَى كَلْبِ غَيْرِكَ» متفق عليه (١)، وفي لفظ آخر «إذا خالط كلابًا لَمْ يُذكَرْ اسم الله عليها وقَتَلْنَ لَا تَأْكُلْ» (٢).
وروى سعيد بن منصور بإسناده عن راشد بن سعد قال: قال رسول الله ﷺ : «ذبيحةُ المُسلِم حلال وإنْ لَمْ يُسَمٌ إذا لم يَتَعمد» (٣).
قوله: (والسمع غير مجرى على ظاهره) جواب عن قول مالك.
وقوله: (والإقامة في حق الناسي) إلى آخره، عن قول الشافعي (وهو معذور لا في حق العامد كما ذكرنا، وما رواه الشافعي عن حالة النسيان بدليل ما روي في بعض الروايات، وإن تعمد لم يَحِلَّ، وحديث سعيد بن منصور.
وأما حديث عائشة فدليلنا؛ لأنها سألت عن الأكل عند وقوع الشك في التسمية، فذلك دليل على أنه كان معروفًا عندها أن التسمية من شرائط الحل، وإنما أمرها بالأكل بناء على الظاهر أن المسلم لا يدع التسمية عمدًا، كمن اشترى لحمًا في السوق يباح له التناول بناء على الظاهر، وإن كان يتوهم أنه ذبيحة مجوسي.
وما ذكره من الفرق بين المأمور والمزجور غير معتبر، فإن الأكل في الصلاة مزجور، ويستوي فيه النسيان والعمد، وكذا الجماع في الإحرام كذلك.
قوله: (يشترط عند الذبح) وفي التحفة: ينبغي أن يريد بالتسمية التسمية على
стр. 6542
وَهِيَ عَلَى المَذْبُوحِ. وَفِي الصَّيْدِ تُشْتَرَطُ عِنْدَ الإِرْسَالِ وَالرَّمْيِ وَهِيَ عَلَى الْآلَةِ، لِأَنَّ المَقْدُورَ لَهُ فِي الأَوَّلِ: الذَّبْحُ، وَفِي الثَّانِي: الرَّمْيُ، وَالْإِرْسَالُ دُونَ الإِصَابَةِ، فَتُشْتَرَطُ عِنْدَ فِعْلٍ يَقْدِرُ عَلَيْهِ، حَتَّى إِذَا أَضْجَعَ شَاةٌ وَسَمَّى فَذَبَحَ غَيْرَهَا بِتِلْكَ التَّسْمِيَةِ: لَا يَجُوزُ. وَلَوْ رَمَى إِلَى صَيْدٍ وَسَمَّى وَأَصَابَ غَيْرَهُ: حَلَّ، وَكَذَا فِي الإِرْسَالِ، وَلَوْ أَضْجَعَ شَاةَ وَسَمَّى، ثُمَّ رَمَى بِالشَّفْرَةِ وَذَبَحَ بِالْأُخْرَى: أُكِلَ، وَلَوْ سَمَّى عَلَى سَهْمِ، ثُمَّ رَمَى بِغَيْرِهِ صَيْدًا: لَا يُؤْكَلُ.
قَالَ: (وَيُكْرَهُ أَنْ يَذْكُرَ مَعَ اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى شَيْئًا غَيْرَهُ. وَأَنْ يَقُولَ عِنْدَ الذَّبْحِ: اللَّهُمَّ تَقَبَّلْ مِنْ فُلَانٍ) وَهَذِهِ ثَلَاثُ مَسَائِلَ: إِحْدَاهَا أَنْ يَذْكُرَ مَوْصُولًا لَا مَعْطُوفًا:
الذبيحة، أما لو أراد التسمية عند افتتاح العمل لا يحل.
قوله: (المقدور له في الأول الذبح) أي: في ذكاة الاختيار، فيشترط عند فعل يقدر عليه، وهذا لأن التسمية تقترن (١) بفعله والقطع من فعله، والاصطياد فعله الإرسال والرمي يؤيده قوله ﷺ : «لأنكَ إنَّما سَمَّيْتَ على كلبِكَ» شرط التسمية على الكلب والسهم نظير الكلب؛ لأنه آلة يعمل منفصلا عن صاحبه، كذا ذكره شيخ الإسلام، ولا خلاف فيه للفقهاء.
قوله: (بتلك التسمية لا يجوز) ولا خلاف للأئمة الثلاثة فيه؛ لأن التسمية كانت الأولى لا عليها.
(أو أصاب غيره حل) أي: بلا خلاف؛ لأن التسمية هنا على الآلة، وهي لم تتبدل.
قوله: (وهذه ثلاث مسائل) ففي الأولى: يكره من غير تحريم، وفي الثانية: يحرم، وفي الثالثة: حلال.
ونظيره أن يقول: بسم الله محمد رسول الله برفع (محمد)، ولو قال بخفض محمد لا يحل، ذكره في النوازل.
وقيل: هذا إذا كان يعرف النحو. وقيل: على قياس ما روي عن محمد أنه لا يرى الخطأ في النحو معتبرًا في باب الصلاة ونحوها، كذا في الذخيرة، ذكره
стр. 6543
فَيُكْرَهُ، وَلَا تَحْرُمُ الذَّبِيحَةُ. وَهُوَ المُرَادُ بِمَا قَالَ. وَنَظِيرُهُ أَنْ يَقُولَ: بِاسْمِ اللَّهِ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ. لِأَنَّ الشَّرِكَةَ لَمْ تُوجَدْ فَلَمْ يَكُنْ الذَّبْحُ وَاقِعًا لَهُ إِلَّا أَنَّهُ يُكْرَهُ لِوُجُودِ القُرْآنِ صُورَةً فَيُتَصَوَّرُ بِصُورَةِ المُحَرَّمِ وَالثَّانِيَةُ: أَنْ يَذْكُرَ مَوْصُولًا عَلَى وَجْهِ العَطْفِ وَالشَّرِكَةِ بِأَنْ يَقُولَ: بِاسْمِ اللَّهِ وَاسْمِ فُلَانٍ، أَوْ يَقُولَ: بِاسْمِ اللَّهِ وَفُلَانٍ أَوْ بِاسْمِ اللَّهِ وَمُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ بِكَسْرِ الدَّالِ فَتَحْرُمُ النَّبِيحَةُ، لِأَنَّهُ أَهَلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ.
وَالثَّالِثَةُ: أَنْ يَقُولَ مَفْصُولًا عَنْهُ صُورَةً وَمَعْنَى بِأَنْ يَقُولَ قَبْلَ التَّسْمِيَةِ وَقَبْلَ أَنْ يُضْجِعَ الذَّبِيحَةَ، أَوْ بَعْدَهُ، وَهَذَا لَا بَأْسَ بِهِ لِمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ بَعْدَ الذَّبْحِ: «اللَّهُمَّ تَقَبَّلْ هَذِهِ عَنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ مِمَّنْ شَهِدَ لَكَ بِالوَحْدَانِيَّةِ وَلِي بِالبَلَاغِ» وَالشَّرْطُ هُوَ الذِّكْرُ الخَالِصُ المُجَرَّدُ عَلَى مَا قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ ﵁: «جَرِّدُوا التَّسْمِيَةَ»
التمرتاشي. لو ذكر مع اسم الله اسم محمد بغير واو إما أن ينصب محمدًا، أو يرفعه، أو يخفضه، يحل في كلها؛ لأن اسم الرسول مذكور على غير سبيل العطف؛ فيكون مبتدئًا، لكن يكره لوجود الوصل صورة، وإن ذكر مع الواو إن خفضه لا يحل، وإن رفعه يحل؛ لأنه كلام مبتدأ، وإن نصبوا اختلفوا فيه، وعلى هذا القياس ذكر اسما آخر مع اسم الله تعالى.
وفي مبسوط شيخ الإسلام: ولو قال: بسم الله، والله أكبر، وصلى الله على محمد، وإن أراد بذكر محمد الإشراك في التسمية لا يحل، وإن أراد التبرك دون الإشراك يحل.
قوله: (عن أمة محمد) إلى آخره، في المبسوط ولا ينبغي أن يذكر مع اسم الله غيره، إذا أراد أن يدعو فيقول: تقبل من فلان، وينبغي أن يقدم ذلك على الذبح أو يؤخره عنه، ولا يذكر مع الحز، وهو تأويل الحديث.
قوله: (جردوا التسمية) ولأنا أمرنا بذكر الله عند الذبح تحقيقا لمخالفة المشركين، فإنهم كانوا يذبحون بآلهتهم، ويجردون تسمية آلهتهم تعظيما فنحن أمرنا بتجريد اسم الله تعالى تعظيما له خلافًا لصنيعهم.
وقال ﷺ : «موطنان لا أُذكَرُ فيهما: عِنْدَ العُطاس، وعِندَ الذَّبح» (١)، كذا
стр. 6544
حَتَّى لَوْ قَالَ عِنْدَ الذَّبْحِ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي، لَا يَحِلُّ، لِأَنَّهُ دُعَاءٌ وَسُوَالٌ، وَلَوْ قَالَ الحَمْدُ لِلَّهِ، أَوْ سُبْحَانَ اللَّهِ، يُرِيدُ التَّسْمِيَةَ: حَلَّ، وَلَوْ عَطَسَ عِنْدَ الذَّبْحِ فَقَالَ: الحَمْدُ لِلَّهِ لَا يَحِلُّ فِي أَصَحُ الرِّوَايَتَيْنِ. لِأَنَّهُ يُرِيدُ بِهِ الحَمْدَ عَلَى نِعَمِهِ دُونَ التَّسْمِيَةِ. وَمَا تَدَاوَلَتْهُ الْأَلْسُنُ عِنْدَ الذَّبْحِ وَهُوَ قَوْلُهُ: بِاسْمِ اللَّهِ وَاللَّهُ أَكْبَرُ، مَنْقُولٌ عَنْ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ﴾ [الحج: ٣٦] قَالَ: (وَالذَّبْحُ بَيْنَ الحَلْقِ وَاللَّيَّةِ) وَفِي الجَامِعِ الصَّغِيرِ: لَا بَأْسَ بِالذَّبْحِ فِي الحَلْقِ كُلِّهِ وَسَطِهِ
في مبسوط شيخ الإسلام.
قوله: (أو سُبحانَ اللهِ يريد التسميةَ، حَلَّ) ويفرق أبو يوسف بين هذا وبين التكبير ويقول: المأمور به هاهنا الذكر، قال الله تعالى: ﴿فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ﴾ [الحج: ٣٦]، وهناك المأمور به التكبير، وبهذه الألفاظ لا يكون تكبيرا؛ فلا يكون شارعًا، أما يكون ذاكرًا بهما ولو عطس فقال: الحمد لله، يريد به التحميد على العطاس وذبح لم يحل في الأصح.
أما لو قال الخطيب الحمد لله، عند العطاس يجوز أن يصلي الجمعة بذلك القدر عند أبي حنيفة ﵀ في رواية ذكره في المبسوط؛ لأن هناك المأمور به ذكر الله تعالى مطلقا، وهاهنا الذكر على الذبح ولم يوجد.
قوله: (منقول عن ابن عباس) إلى آخره، وفي الذخيرة: قال البقالي: المستحب أن يقول: بسم الله، والله أكبر.
وقال الحلواني: المستحب أن يقول: بسم الله، الله أكبر بدون الواو، وقال: مع الواو يكره؛ لأنه يقطع فور التسمية.
قوله: (والحلق (١) بين الحلق واللبة)، وفي المبسوط: ما بين اللبة واللحيين (٢).
стр. 6545
وَأَعْلَاهُ وَأَسْفَلِهِ، وَالأَصْلُ فِيهِ: قَوْلُهُ ﵊: «الذَّكَاةُ مَا بَيْنَ اللَّبَّةِ وَاللَّحْيَيْنِ»، وَلِأَنَّهُ مَجْمَعُ المَجْرَى وَالعُرُوقِ، فَيَحْصُلُ بِالفِعْلِ فِيهِ إِنْهَارُ الدَّمِ عَلَى أَبْلَغِ الوُجُوهِ فَكَانَ حُكْمُ الكُلِّ سَوَاءٌ. قَالَ: (وَالعُرُوقُ الَّتِي تُقْطَعُ فِي الزَّكَاةِ أَرْبَعَةٌ: الحُلْقُومُ، وَالمَرِيءُ، وَالوَ دَجَانِ) لِقَوْلِهِ ﵊ «أَفْرِ الأَوْدَاجَ بِمَا شِئْتِ».
والأصل فيه قوله ﷺ : «[الذَّكَاةُ] (١) ما بينَ اللَّبَّةِ واللَّحْيَيْنِ» (٢) وفي رواية: قال ﷺ : «فِي الحَلْقِ واللَّبَّةِ» (٣) ولا يجوز الذبح في غير هذا المحل في الذكاة الاختياري بإجماع العلماء، وإنما أعاد لفظ الجامع لما أن بين رواية المبسوط والجامع الصغير اختلافًا من حيث الظاهر، فإن رواية المبسوط تقتضي الحل فيما إذا وقع الذبح فوق الحلق قبل العقدة؛ لأنه بين اللَّبةِ واللَّحْيَيْنِ فَيَحِلُّ.
وفي رواية الجامع يقتضي أن لا يحل؛ لأن على روايته محل الذبح الحلق، فلما وقع قبل العقدة لم يكن الحلق محل الذبح، فلا يجوز فتكون رواية الجامع مقيدة لإطلاق رواية المبسوط.
وقد صرح في الذخيرة أن الذبح إذا وقع أعلى الحلقوم قبل العقدة لا يحل، كذا ذكره في فتاوى أهل سمرقند، وبه قالت الأئمة الثلاثة.
ولكن ذكر الإمام الرُّسْتُغْفَنِي (٤) في فوائده: يحل؛ لأن المعتبر قطع أكثر الأوداج، وقد وجد سواء كان فوق العقدة أو تحته.
وفي الخلاصة: هذا خلاف فتوى عامة المشايخ، قال صاحب النهاية: كان شيخي يفتي به، وكان يقول الإمام الرُّسْتُغْفَنِي: معتمد في القول والعمل، فلو أخذنا يوم القيامة بسبب العمل بقوله نحن نأخذه أيضًا.
قوله: (فكان حكم الكل سواء) أي: الأعلى والأوسط والأسفل.
قوله: (أفرى) الإفراء القطع للإفساد والفري للإصلاح.
стр. 6546
وَهِيَ: اسْمُ جَمْعٍ، وَأَقَلُّهُ الثَّلَاثُ، فَيَتَنَاوَلُ الْمَرِيءَ وَالوَدَجَيْنِ، وَهُوَ حُجَّةٌ عَلَى الشَّافِعِي فِي الاكْتِفَاءِ بِالحُلْقُومِ وَالمَرِيءِ، إِلَّا أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ قَطْعُ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ إِلَّا بِقَطْعِ الحُلْقُومِ فَيَثْبُتُ قَطْعُ الحُلْقُومِ بِاقْتِضَائِهِ، وَبِظَاهِرِ مَا ذَكَرْنَا يَحْتَجُ مَالِكٌ، وَلَا يُجَوِّزُ الأَكْثَرَ مِنهَا، بَلْ يَشْتَرِطُ قَطعَ جَمِيعِهَا وَعِنْدَنَا: إِنْ قَطَعَهَا حَلَّ الأَكْلُ، وَإِنْ قَطَعَ أَكْثَرَهَا فَكَذَلِكَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَقَالَا: لَا بُدَّ مِنْ قَطْعِ الحُلْقُومِ وَالمَرِيءِ وَأَحَدِ الوَدَجَيْنِ. قَالَ ﵁: هَكَذَا ذَكَرَ القُدُورِيُّ الاخْتِلَافَ فِي مُخْتَصَرِهِ. وَالمَشْهُورُ فِي كُتُبِ مَشَايِخِنَا ﵏ أَنَّ هَذَا قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ وَحْدَهُ. وَقَالَ فِي الجَامِعِ
قوله: (وهي) [أي] (١) الأوداج (اسم جمع وأقله الثلاث)، ولا يقال: معنى الجمعية غير مراعى في الجمع المحلى بالألف واللام كما ذكر في الأصول؛ لأنا نقول معنى الجمعية إنما يلغى إذا كان الواحد يجوز أن يكون مرادًا والباقي محتملا.
وهاهنا الواحد غير مراد بالإجماع، فلا يلغى مع الجمعية، وليس هذا الجمع من قبيل قوله ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ﴾؛ لأن هذا الجمع من باب التغليب للحلقوم، والمريء، والودجين، فلم يكن نظير سائر الجموع من العبيد والنساء؛ لما أن أفرادها ليست بمتحدة، فكان كل واحد مرادًا عند الألف واللام.
(وهو) أي: قوله ﷺ : «أَفْرَى الأَوْداجَ» (٢) (حجة على الشافعي في اكتفائه بالحلقوم والمريء)، وبه قال أحمد.
وعن الإِصْطخري من أصحاب الشافعي: يكفي قطع الحلقوم أو المريء.
وفي الحلية: وهذا خلاف نص الشافعي وخلاف الإجماع.
قوله: (أن هذا) أي: كون قطع الكل شرطًا (قول أبي يوسف وحده) كما قال مالك، وأحمد في رواية، يعني لا قول محمد معه كما ذكره في المختصر.
стр. 6547
الصَّغِيرِ: إِنْ قَطَعَ نِصْفَ الحُلْقُومِ وَنِصْفَ الأَوْدَاجِ: لَمْ يُؤْكَلْ. وَإِنْ قَطَعَ أَكْثَرَ الْأَوْدَاجِ وَالحُلْقُومَ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ أُكِلَ.
وَلَمْ يَحْكِ خِلَافًا فَاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ فِيهِ. وَالحَاصِلُ: أَنَّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ إِذَا قَطَعَ الثَّلَاثَ؛ أَيَّ ثَلَاثٍ كَانَ، يَحِلُّ، وَبِهِ كَانَ يَقُولُ أَبُو يُوسُفَ أَوَّلًا ثُمَّ رَجَعَ إِلَى مَا ذَكَرْنَا. وَعَنْ مُحَمَّدٍ: أَنَّهُ يَعْتَبِرُ أَكْثَرَ كُلِّ فَرْدٍ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ لَهُ، لِأَنَّ كُلَّ فَرْدٍ مِنهَا أَصْلُ بِنَفْسِهِ لِانْفِصَالِهِ عَنْ غَيْرِهِ، وَلِوُرُودِ الأَمْرِ بِفَرْيِهِ، فَيُعْتَبَرُ أَكْثَرُ كُلِّ فَرْدٍ مِنهَا. وَلِأَبِي يُوسُفَ: أَنَّ المَقْصُودَ مِنْ قَطْعِ الوَدَجَيْنِ إِنْهَارُ الدَّمِ، فَيَنُوبُ أَحَدُهُمَا عَنْ الآخَرِ، إِذْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَجْرَى الدَّمِ. أَمَّا الحُلْقُومُ فَيُخَالِفُ الْمَرِيءَ: فَإِنَّهُ مَجْرَى العَلَفِ وَالمَاءِ، وَالمَرِيءُ مَجْرَى النَّفَسِ فَلَا بُدَّ مِنْ قَطْعِهِمَا. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ: أَنَّ الْأَكْثَرَ يَقُومُ مَقَامَ الكُلِّ فِي كَثِيرٍ مِنْ الأَحْكَامِ، وَأَيُّ ثَلَاثٍ قَطَعَهَا فَقَدْ قَطَعَ الأَكْثَرَ مِنهَا، وَمَا هُوَ المَقْصُودُ يَحْصُلُ بِهَا، هُوَ إِنْهَارُ الدَّمِ المَسْفُوحِ وَالتَّوْحِيَةُ فِي إِخْرَاجِ الرُّوحِ، لِأَنَّهُ لَا يَحْيَا بَعْدَ قَطْعِ مَجْرَى النَّفَسِ أَوْ الطَّعَامِ، وَيَخْرُجُ الدَّمُ بِقَطْعِ أَحَدِ الوَدَجَيْنِ فَيُكْتَفَى بِهِ تَحَرُّزًا عَنْ زِيَادَةِ التَّعْذِيبِ،
والشافعي يقول: بقطع الحلقوم والمريء لا تبقى الحياة فيحصل المقصود، ولأنه قطع في محل الذبح فيكتفى بذلك.
قلنا: قال ﷺ «أَنْهَرَ الدَّمَ» (١) وإنهار الدم لا يحصل بدون أحد الودجين.
وروى أبو هريرة أنه ﷺ نهى عن شريطة الشيطان، وهي التي تذبح بقطع الجلد ولا تَفْري الأوداج ثم تترك حتى تموت، رواه أبو داود، وفي بعض نسخ الهداية (والمريء مجرى النَّفَسِ).
وقيل: هذا ليس بصحيح بل الحلقوم مجرى النفس، والمريء مجرى الطعام والماء، وهكذا ذكر في الإيضاح، والمُغرِب، وتاج الأسامي، وكُتُبِ أصحاب الشافعي، فيكون الصحيح والحلقوم مجرى النفس.
قوله: (والتوحية) التوحية بالحاء المهملة: تفعيل من الوحى بالقصر والمد،
стр. 6548
بِخِلَافِ مَا إِذَا قَطَعَ النِّصْفَ، لِأَنَّ الأَكْثَرَ بَاقٍ فَكَأَنَّهُ لَمْ يَقْطَعْ شَيْئًا احْتِيَاطًا لِجَانِبِ الحُرْمَةِ.
قَالَ: (وَيَجُوزُ الذَّبْحُ بِالظُّفْرِ وَالسِّنِّ وَالقَرْنِ إِذَا كَانَ مَنْزُوعًا، حَتَّى لَا يَكُونُ بِأَكْلِهِ بَأْسٌ، إِلَّا أَنَّهُ يُكْرَهُ هَذَا الذَّبْحُ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: المَذْبُوحُ مَيْتَةٌ، لِقَوْلِهِ ﵊: كُلُّ مَا أَنْهَرَ الدَّمَ وَأَقْرَى الأَوْدَاجَ مَا خَلَا الظُّفْرَ وَالسِّنَّ فَإِنَّهُمَا مُدَى الحَبَشَةِ وَلِأَنَّهُ فِعْلٌ غَيْرُ مَشْرُوعِ، فَلَا يَكُونُ ذَكَاةً، كَمَا إِذَا ذُبِحَ بِغَيْرِ الْمَنْزُوعِ، وَلَنَا: قَوْلُهُ ﵊: «أُنْهِرُ الدَّمَ بِمَا شِئْت» وَيُرْوَى: «أَفْرِ الْأَوْدَاجَ بِمَا
وهو السرعة، وَوَحَى الذبيحة إذا ذبحها وَحْيًا أي: سريعا، كذا في الصحاح.
قوله: (بخلاف ما إذا قطع النصف) أي: نصف الأربعة، وهي الاثنان من هذه العروق، وحيث لا يحل؛ (لأن الأكثر) أي: أكثر المرخص وهو الثلاث (باق) لأن الاثنين لما كانا باقيين كان أكثر المرخص وهو الثلاث باقيًا؛ فلا يحل.
وقيل: المعفو واحد من الأربعة، فإذا ترك اثنين فقد ترك أكثر المرخص المعفو فلا يحل، ولأن النصف ليس له حكم الكل، والمستحب عند جميع العلماء قطع الكل.
قوله: (وقال الشافعي: المذبوح ميتة) أي: المذبوح بالسن والظفر المنزوعين، وغير المنزوعين، وبه قال أحمد.
وعن مالك كقولنا لقوله ﵊: «كُلُّ ما أَنْهَرَ الدَّمَ» أي: ذبيحة ما أنهر الدم بطريق حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه أو معناه، كل ما أنهر دمه إطلاقًا لاسم الحال على المحل كما في قوله: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ﴾ [الأعراف: ٣١] كذا نقل عن العلامة حافظ الدين ﵀، أو معناه كل ما تحقق فيه إنهار الدم.
وروي عن الإسبيجابي: أنه قال: سئل رسول الله ﷺ عن آلة الذبح فقال: «كُلُّ ما أَنْهَرَ الدَّمَ وأَفْرَى الأوداج»، والفقهاء تركوا مقدمة الحديث، هكذا ذكر الحديث في غرائب الحديث أبو عبيدة، كذا في الخبازية.
стр. 6549
شِئْتَ» وَمَا رَوَاهُ مَحْمُولٌ عَلَى غَيْرِ المَنْزُوعِ، فَإِنَّ الحَبَشَةَ كَانُوا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ، وَلِأَنَّهُ آلَةٌ جَارِحَةٌ فَيَحْصُلُ بِهِ مَا هُوَ المَقْصُودُ، وَهُوَ إِخْرَاجُ الدَّمِ، وَصَارَ كَالحَجَرِ وَالحَدِيدِ، بِخِلَافِ غَيْرِ المَنْزُوعِ، لِأَنَّهُ يُقْتَلُ بِالتَّقْلِ فَيَكُونُ فِي مَعْنَى المُنْخَنِقَةِ، وَإِنَّمَا يُكْرَهُ، لِأَنَّ فِيهِ اسْتِعْمَالَ جُزْءِ الْآدَمِيّ، وَلِأَنَّ فِيهِ إِحْسَارًا عَلَى الحَيَوَانِ، وَقَدْ أُمِرْنَا فِيهِ بِالإِحْسَانِ.
قوله: (وما رواه) [أي] (١) الشافعي (محمول على غير المنزوع) إذ عادتهم أنهم يفعلون ذلك إظهارا للجلادة، فإنهم لا يقلمون ظفرا، ويحدون الأسنان بالمبرد، ويقاتلون بالخدش والعض، هكذا ذكره النسفي.
وفي الأسرار: فلو لم يكن تعليله عليهم بقوله: «فَإِنَّهُمَا مُدَى الحَبَشَة» (٢) لفهمنا عنه غير المنزوع؛ لأن السن والظفر مطلقا يذكر ويراد به غير المنزوع، أما المنزوع يذكر مقيدًا، يقال: سِنُّ منزوع، وظفر منزوع، ولم يذكر مطلقا، أما القرن ينبغي أن لا يكره بالنظر إلى تعليله ﵊.
قوله: (ولأنه) أي: المنزوع (آلة جارحة) إلى آخره.
(لأنه) [أي] (٣): غير المنزوع (يقتل بالثقل فيكون في معنى المنخنقة)؛ لأن الذبح انقطاع بالحِدَّة.
يؤيد ذلك ما روى الطحاوي عن أبي رجاء العطاردي قال: خرجنا حاجا فصاد رجل أرنبا فذبحها بظفره فأكلوها ولم أكل معهم، فلما قدمنا البلد سألنا ابن عباس عنها فقال: لَعَلّك أكلت معهم؟، قلت: لا، قال: أطيبت (٤)، إنما قتلها خنقا، فعلى هذه النكتة ينبغي أن لا يحل بالقرن الغير المنزوع.
قوله: (وإنما يكره) أي: الذبح (لأن فيه) أي: في الذبح بالمنزوع (استعمال جزء الآدمي) وآلة الذبح غير الذابح، والآدمي مكرم مع أجزائه، فلا ينبغي شيء أن يكون من أجزائه مهانًا وقد أمرنا فيه أي: في الذبح (بالإحسان)
стр. 6550
قَالَ: (وَيَجُوزُ الذَّبْحُ بِاللّيطَةِ وَالمَرْوَةِ، وَكُلِّ شَيْءٍ أَنْهَرَ الدَّمَ، إِلَّا السِّنَّ القَائِمَ وَالظُّفْرَ القَائِمَ) فَإِنَّ المَذْبُوحَ بِهِمَا مَيْتَةٌ لِمَا بَيَّنَّا، وَنَصَّ مُحَمَّدٌ فِي «الجَامِعِ الصَّغِيرِ» عَلَى أَنَّهَا مَيْتَةٌ، لِأَنَّهُ وَجَدَ فِيهِ نَصَّا. وَمَا لَمْ يَجِدْ فِيهِ نَصًّا يَحْتَاطُ فِي ذَلِكَ، فَيَقُولُ فِي الحِلِّ لَا بَأْسَ بِهِ، وَفِي الحُرْمَةِ يَقُولُ: يُكْرَهُ أَوْ لَمْ يُؤْكَلُ. قَالَ: (وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُحِدَّ الذَّابِحُ شَفْرَتَهُ) لِقَوْلِهِ ﵊: «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى كَتَبَ الإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا القِتْلَةَ، وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذَّبْحَةَ، وَلْيُحِدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ وَلْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ» وَيُكْرَهُ أَنْ يُضْجِعَهَا، ثُمَّ يُحِدَّ الشَّفْرَةَ لِمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﵊ أَنَّهُ رَأَى رَجُلًا أَضْجَعَ شَاةً وَهُوَ يُحِدُّ شَفْرَتَهُ فَقَالَ: لَقَدْ أَرَدْت أَنْ تُمِيتَهَا مَوْتَاتٍ، هَلَّا حَدَدْتهَا قَبْلَ أَنْ تُضْجِعَهَا قَالَ: (وَمَنْ بَلَغَ بِالسِّكِّينِ النُّخَاعَ، أَوْ
قال ﵇: «إذا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذِّبْحَةَ، وفي رواية فأحْسِنوا الذَّبْحَ» (١).
(الليطة) قشر القصب (والمروة) حجر أبيض رقيق يذبح بها.
وقوله: (لما بينا) إشارة إلى قوله (لأنه يقتل بالثقل) (٢).
قوله: (وَلْيُرِحْ ذبيحتَهُ) أي: ليعطه الراحة بالإسراع، رواه أبو داود وعنه ﷺ «ارْحَمُوا الشَّاة يرحَمُكُمُ اللَّهُ».
قوله: (أن يميتها موتات)، وقيل: كيف يكون ذلك ولا يعلم الحيوان ذبحها؛ لأنه لا عقل لها؟
قيل في جوابه: إنها تعرف ما يراد بها كما جاء في الخبر «أُبِهمَتْ البهائم إلا على أربعةٍ: خَالِقِها، ورَازِقِها، وحَتْفِها، وسِفادِها» فإذا كانت تعرف ذلك، وهو يحد الشفرة كان فيه زيادة إيلام غير محتاج إليه، كذا في المبسوط (٣).
وعن عمر ﵁ أنه رأى رجلًا وضع رجله على [شاة] (٤) ويحد السكين فضربه حتى أفلت الشاة، ولهذا قيل: يكره أن يذبح شاة والأخرى تنظر إليه.