الأَمْرُ، وَلِأَنَّهُ عَقْدُ تَبَرُّعِ لِمَا أَنَّ الرَّاهِنَ لَا يَسْتَوْجِبُ بِمُقَابَلَتِهِ عَلَى المُرْتَهِنِ شَيْئًا، وَلِهَذَا لَا يُجْبَرُ عَلَيْهِ، فَلَا بُدَّ مِنْ إِمْضَائِهِ كَمَا فِي الوَصِيَّةِ، وَذَلِكَ بِالقَبْضِ، ثُمَّ يَكْتَفِي فِيهِ بِالتَّخْلِيَةِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ؛ لِأَنَّهُ قَبْضٌ بِحُكْمِ عَقْدِ مَشْرُوعِ، فَأَشْبَهَ قَبْضَ المَبِيعِ، وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ ﵀: أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ فِي المَنْقُولِ إِلَّا بِالنَّقْلِ؛
والأمر للزوم ولم يعمل بموجبه في نفس الرهن حيث لا يلزم الرهن بإجماع العلماء؛ فوجب أن يعمل في شرطه وهو القبض كما قلنا في قوله ﵊: «الحنطة بالحنطَةِ مِثلًا بمثل» (١) بالنصب؛ أي بيعوا فلم يعمل الأمر في نفس البيع فصرف إلى شرطه وهو المماثلة.
وفي النهاية: في تسمية الرهان بالمصدر نظر؛ لأن الرهان جمع رهن كالنعل والنعال هكذا في كتب اللغة ويدل عليه قوله: مَقْبُوضَةٌ بالتأنيث فدل أنه جمع.
وفي الفوائد الشاهية: يجوز أن يكون الرهان مصدرا من باب المفاعلة كالقتال والضراب والعراك و ﴿مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣] صفة لموصوف محذوف وهو فرهان مرهونة، مقبوضة، وأنَّثَ المرهون بتأويل السلعة والعين كما يؤنث الصوت بتأويل الصيحة، ويجوز أن يكون الرهان مصدرا بمعنى المرهون، وأنث المرهون؛ لما ذكرنا، ويجوز أن يكون الرهان مقام مصدر محذوف، وهو فرهن رهان مقبوضة؛ فيكون مصدرا تقديرا لا تحقيقا.
قوله: (ولا يجبر عليه)؛ أي على عقد الرهن كما في الوصية فإنه يحتاج فيها إلى إمضائه وهو ألا يرجع عنها، وهاهنا إمضاء الرهن بالقبض كما في الهبة أو أراد به الوصية بالتبرع فصار كالصدقة؛ لما أنه عقد تبرع؛ لأنه شرع وثيقة بالدين غير واجبة التحصيل بالإجماع، أما البيع فإنه عقد معاوضة لا تبرع، والكفالة ضم الذمة إلى الذمة في المطالبة أو الدين، وكلاهما لازم.
قوله: (يكتفي فيه) أي: في القبض بالتخلية، وهي رفع الموانع في زمان يمكنه القبض فيه وبه قال الشافعي ومالك وعن أبي يوسف أنه لا يثبت في المنقول إلا بالنقل وبه قال أحمد.
стр. 6827
لِأَنَّهُ قَبْضٌ مُوجِبٌ لِلضَّمَانِ ابْتِدَاءً بِمَنْزِلَةِ الغَصْبِ، بِخِلَافِ الشِّرَاءِ؛ لِأَنَّهُ نَاقِلٌ لِلضَّمَانِ مِنْ البَائِعِ إِلَى المُشْتَرِي، وَلَيْسَ بِمُوجِبِ ابْتِدَاءٌ، وَالأَوَّلُ أَصَحٌ.
قَالَ: (فَإِذَا قَبَضَهُ المُرْتَهِنُ مَحُوزًا مُفْرَغًا مُتَمَيِّزًا: تَمَّ العَقْدُ فِيهِ لِوُجُودِ القَبْضِ بِكَمَالِهِ فَلَزِمَ العَقْدُ وَمَا لَمْ يَقْبِضْهُ فَالرَّاهِنُ بِالخِيَارِ، إِنْ شَاءَ سَلَّمَهُ، وَإِنْ شَاءَ رَجَعَ عَنِ الرَّهْنِ) لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ اللُّزُومَ بِالقَبْضِ، إذ المَقْصُودُ لَا يَحْصُلُ قَبْلَهُ.
قَالَ: (وَإِذَا سَلَّمَهُ إِلَيْهِ فَقَبَضَهُ: دَخَلَ فِي ضَمَانِهِ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: هُوَ أَمَانَةٌ فِي يَدِهِ، وَلَا يَسْقُطُ شَيْءٌ مِنْ الدَّيْنِ بِهَلَاكِهِ، لِقَوْلِهِ ﵊: «لَا يَغْلَقُ الرَّهْنُ - قَالَهَا ثَلَاثَةٌ
قوله: (موجب للضمان ابتداء) أراد بابتداء الضمان ألا يكون مضمونا قبل العقد، والرهن بهذه المثابة كما في الغصب، وكما أن المغصوب لا يصير مضمونا بالتخلية فكذا الرهن.
قوله: (والأول أصح)؛ أي ظاهر الرواية لأن حقيقة الاستيفاء تثبت بالتخلية؛ فالقبض الموجب ليد الاستيفاء يثبت بالتخلية.
قوله: (وإذا قبضه المرتهن محوزًا)، ويحترز به عن رهن التمر على رؤوس النخيل بدون النخيل و (مفرغا) احتراز عن عكسه و (متميزا) احتراز عن رهن المشاع فإنها لا تجوز عندنا كما يجيء.
قوله: (إذ المقصود) وهو إضجار الراهن ليتسارع إلى قضاء الدين، وذا لا يحصل إلا بثبوت يد المرتهن على الرهن، ومنع الرهن منه؛ لأن الرهن لاستيفاء الدين حكما، والاستيفاء حقيقة لا يكون بدون القبض؛ فكذا الاستيفاء حكما.
قوله: (وقال الشافعي أمانة في يده)، وبه قال أحمد وأصحاب الظاهر.
وقال مالك: إن كان تلفه بأمر ظاهر كالموت والحريق فضمانه على الراهن حتى يرجع المرتهن بحقه، وإن ادعى تلفه بأمر خفي كما في الثياب ونحوها؛ لم يقبل قوله وضمن؛ لأنه موضع تهمة فلا يقبل قوله.
قوله: (قالها ثلاثا) (١) أنثه بتأويل الكلمات.
стр. 6828
لِصَاحِبِهِ غُنْمُهُ وَعَلَيْهِ غُرْمُهُ» قَالَ: وَمَعْنَاهُ لَا يَصِيرُ مَضْمُونًا بِالدَّيْنِ، وَلِأَنَّ الرَّهْنَ وَثِيقَةٌ بِالدَّيْنِ، فَبِهَلَاكِهِ لَا يَسْقُطُ الدَّيْنُ اعْتِبَارًا بِهَلَاكِ الصَّكَ، وَهَذَا؛ لِأَنَّ بَعْدَ الوَثِيقَةِ يَزْدَادُ مَعْنَى الصِّيَانَةِ، وَالسُّقُوطُ بِالهَلَاكِ يُضَادُّ مَا اقْتَضَاهُ العَقْدُ إِذَا لَحِقَ بِهِ يَصِيرُ بِعَرْضِ الهَلَاكِ وَهُوَ ضِدُّ الصِّيَانَةِ، وَلَنَا: قَوْلُهُ ﵊ لِلْمُرْتَهِنِ بَعْدَ مَا نَفَقَ فَرَسُ الرَّهْنِ عِنْدَهُ: ذَهَبَ حَقَّكَ وَقَوْلُهُ ﵊: «إِذَا عُمِّيَ الرَّهْنُ فَهُوَ
(لصاحبه)؛ أي: لصاحب الرهن وهو الراهن (غنمه) أي: الزوائد، (وعليه غرمه) أي: ضمانه إن هلك.
(قال)؛ [أي] (١) الشافعي (ومعناه) أي: معنى قوله: «لا يَعْلَقُ الرهن» لا يصير مضمونًا بالدين بدليل قوله: لصاحبه غنمه والزوائد للراهن وعليه غنمه (٢).
وَفَارَقَتْكَ بِرَهْنِ لَا فِكَاكَ لَهُ … يَوْمَ الْوَدَاعِ فَأَمْسَى الرَّهْنُ قَدْ غَلِقَا (٣)
قوله: (وهو) أي: كونه بِعَرْضِ الهلاك (ضد الصيانة)، ألا ترى أن ما زاد على قدر الدين أمانة في يد المرتهن والقبض في الكل واحد فلا يجوز أن يثبت حكم الضمان بهذا القبض في البعض دون البعض.
ولنا؛ ما ذكر في المتن من الحديث، ولا يجوز أن يراد بقوله: «ذهب حَقَّكَ» (٤) في الحبس؛ لأن هذا مما لا يشكل فلا يحتاج إلى البيان، ولأنه ذكر الحق منكرًا بقوله: إن رجلا رهن فرسا عند رجل بحق له عليه؛ فنفق فرسه عند المرتهن فاختصما إلى رسول الله ﷺ فقال رسول الله ﷺ للمرتهن: «ذهب حُقُكَ» (٥) مُعرّفًا بالإضافة؛ فذكر الحق في أول الحديث منكرا ثم أعاده مُعرَّفًا؛ فيكون عين الأول كقوله تعالى: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا * فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ﴾ [المزمل: ١٥ - ١٦].
стр. 6829
بِمَا فِيهِ مَعْنَاهُ: عَلَى مَا قَالُوا: إِذَا اشْتَبَهَتْ قِيمَةُ الرَّهْنِ بَعْدَ مَا هَلَكَ، وَإِجْمَاعُ
قوله: (معناه)؛ أي: معنى قوله ﷺ : «عُمِّيَ الرّهنُ»؛ أي إذا اشتبهت قيمة الرهن بعدما هلك بأن قال الراهن: لا أدري كم كانت قيمته، وقال المرتهن كذلك فهو بما فيه كذا في المبسوطين، يؤيده قوله تعالى: ﴿فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الأَنْبَاءُ يَوْمَئِذٍ﴾ [القصص: ٦٦].
قال أبو جعفر الطحاوي قال: عبد الرحمن بن أبي زياد عن أبيه قال: أدركت فقهاءنا الذين ينتهى إلى قولهم؛ مثل سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير والقاسم بن محمد، وأبي بكر بن عبد الرحمن وخارجة بن زيد وعبيد الله في مشيخة من نظرائهم أهل صلاح وفضل فذكر جميع ما جمع من أقاويلهم في كتابه على هذه الصفة قالوا: الرهن بما فيه إذا هلك وعميت قيمته، ورفع ذلك منهم الثقة إلى رسول الله ﷺ ؛ فهؤلاء أئمة الدين فأيهم حكاه حجة؛ لأنه فقيه ثقة إمام فقولهم جميعا بذلك أولى [أن] (١) يكون حجة.
قوله: وإجماع الصحابة والتابعين … إلى آخره واختلفوا في كيفية الضمان قال أبو بكر وعلي: مضمون بالقيمة، وقال عمر وابن مسعود وابن عمر في رواية عنه: هو مضمون بأقل من قيمته ومن الدين.
قال ابن عباس: هو مضمون بالدين، وهو قول شريح قلت قيمته أو كثرت، وهكذا اختلف التابعون باختلافهم على ذلك؛ إجماع منهم على أنه ليس قول رابع إلى أن أحدث الشافعي قولا رابعا أنه أمانة فيكون خرقا للإجماع كذا في المبسوط (٢).
قوله: والمراد بقوله ﵊: «لَا يُغْلَقُ الرَّهْنُ» (٣)؛ أي لا يحبس الرهن عند المرتهن؛ بل للراهن أخذه بقضاء الدين، وكان ذلك نفيا لما في الجاهلية في أنهم إذا اشترطا إذا لم يؤد الدين إلى مدة كذا يكون الرهن ملكا للمرتهن؛ فأبطل رسول الله ﷺ ذلك بقوله: «لَا يُغْلَقُ الرّهنُ» (٤) ولم يفهم أحد
стр. 6830
الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ ﵃ عَلَى أَنَّ الرَّاهِنَ مَضْمُونٌ مَعَ اخْتِلَافِهِمْ فِي كَيْفِيَّتِهِ، وَالقَوْلُ بِالأَمَانَةِ خَرْقٌ لَهُ، وَالمُرَادُ بِقَوْلِهِ ﵊ «لَا يَغْلَقُ الرَّهْنُ» عَلَى مَا
من أهل العربية من قوله: «لا يغلق» أن المراد نفي الضمان.
وذكر الكرخي عن السلف مثل طاوس وإبراهيم وغيرهما أنهم قالوا: إن المراد به لا يحبس الرهن عند المرتهن احتباسا لا يمكن فكاكه بأن يصير ملكا للمرتهن؛ فيكون ذلك نفيا لما في الجاهلية، كذا روى الزهري عن سعيد بن المسيب.
قال الطحاوي: روي عن أنس بن مالك وطاوس وسفيان بن سعيد وأبو عبيد مثله؛ فهؤلاء المتقدمون يقولون كما ذكرنا، والعجب من الشافعي أنه لا يعمل بالمنقطع، وهذا الحديث منقطع لو قال: إني أقبل منقطع ابن المسيب مع أنه روي عن ابن المسيب أنه قال كذلك، فمن أين وقع له أن منقطع سعيد يقبل دون غيره؟ وقوله تتبعت مراسيل ابن المسيب فوجدتها مسانيد لا يكون حجة على الغير.
ولو قال: حديثكم منقطع أيضًا.
قلنا: فلو كان المنقطع حجة لك علينا فالمنقطع حجة لنا عليك، وقد روي عن رسول الله ﷺ من جهة أخرى ما يوافق بقولنا؛ فلو صح الحديث فمعنى قوله: «لِصاحِبِهِ غُنْمُهُ وعَلَيهِ غُرْمُهُ» (١) يحتمل أن المراد من الصاحب المرتهن؛ لأن الرهن في يده حقيقة والراهن صاحب الدين لوجود الدين في ذمته، وغنم الرهن للمرتهن فإن به يُحيي حقه وعليه غرمه (٢)؛ فإذا هلك يذهب دينه فعلى هذا حجة على الشافعي.
ولئن كان محتملا فالمحتمل لا يكون حجة، وذكر ابن قدامة في المغني وابن حزم في المحلى أن حديث أبي حنيفة مرسل، وهو ليس بحجة؛ أجيب عن هذا أن المرسل عندنا كالمسند؛ بل أقوى كما ذكر في الأصول خصوصا إذا كان مؤيدا بإجماع الصحابة والتابعين، مع أن حديثكم أيضًا مرسل فكيف يكون ذلك
стр. 6831
قَالُوا: الاحْتِبَاسُ الكُلِّيُّ وَالتَّمَكُنُ بِأَنْ يَصِيرَ مَمْلُوكًا لَهُ، كَذَا ذَكَرَ الكَرْخِيُّ عَنْ السَّلَفِ، وَلِأَنَّ الثَّابِتَ لِلْمُرْتَهِنِ يَدُ الاسْتِيفَاءِ، وَهُوَ مِلْكُ اليَدِ وَالحَبْسِ؛ لِأَنَّ الرَّهْنَ يُنْبِئُ عَنْ الحَبْسِ الدَّائِمِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ [المدثر: ٣٨] وَقَالَ قَائِلُهُمْ:
وَفَارَقَتْكَ بِرَهْنِ لَا فِكَاكَ لَهُ … يَوْمَ الوَدَاعِ فَأَمْسَى الرَّهْنُ قَدْ غَلِقَا
وَالْأَحْكَامُ الشَّرْعِيَّةُ تَنْعَطِفُ عَلَى الأَلْفَاظِ عَلَى وَفْقِ الْأَنْبَاءِ، وَلِأَنَّ الرَّهْنَ وَثِيقَةٌ لِجَانِبِ الِاسْتِيفَاءِ، وَهُوَ أَنْ تَكُونَ مُوصِلَةٌ إِلَيْهِ، وَذَلِكَ ثَابِتٌ لَهُ بِمِلْكِ اليَدِ وَالحَبْسِ، لِيَقَعَ الأَمْنُ مِنْ الجُحُودِ مَخَافَةَ جُحُودِ المُرْتَهِنِ الرَّهْنَ، وَلِيَكُونَ عَاجِزًا عَنِ الِانْتِفَاعِ
حجة دون حديثنا.
قوله: (في الحبس الدائم) قال تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ [المدثر: ٣٨] أي محبوسة، وقال قائلهم وهو زهير:
وَفَارَقَتْكَ بِرَهْنٍ لَا فَكَاكَ لَهُ
............... … يوم الوداع فأمْسَى الرهن قد غلقا (١)
تمامه:
أي ارتهنت قلبه؛ فذهبت واحتبست قلب المحب عندها على وجه لا يمكن فكاكه يوم الوداع.
(والأحكام الشرعية تنعطف)؛ أي تبتنى وتنسحب (على الألفاظ) اللغوية؛ أي الأصل ورود الشرع على مطابقة الحقيقة اللغوية؛ فدل أن الرهن يوجب الحبس بالدين دائما، وذا إنما يكون بملك الحبس واليد، وذا لا يكون إلا بالضمان، وهذا كالكفالة والحوالة؛ فإنهما للضم والنقل لغة ولضم الذمة في المطالبة أو في الدين، ونقل الدين من ذمة إلى ذمة شريعة؛ فيطابق الشرعي اللغوي.
قوله: (ولأن الرهن وثيقة لجانب الاستيفاء) حتى اختص بما يمكن استيفاء
стр. 6832
بِهِ، فَيَتَسَارَعُ إِلَى قَضَاءِ الدَّيْنِ لِحَاجَتِهِ أَوْ لِضَجَرِهِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ، يَثْبُتُ الِاسْتِيفَاءُ مِنْ وَجْهِ وَقَدْ تَقَرَّرَ بِالهَلَاكِ، فَلَو اسْتَوْفَاهُ ثَانِيًا يُؤَدِّي إِلَى الرِّبَا، بِخِلَافِ حَالَةِ القِيَامِ؛
الدين منه، وهو المال المتقوم، واختص بحق يمكن استيفاؤه من الرهن وهو الدين حتى لا يصح الرهن بالأعيان، ولا بالعقوبات كالقصاص والحدود، وكان لصاحب الحق قبله حقان: وجوب الدين وهو مختص بالذمم، واستيفاؤه وهو مختص بالأموال.
وعقد الرهن يختص بالمال دون الذمة فعلم أنه وثيقة لجانب الاستيفاء، والوثيقة بالشيء إنما تكون بزيادة من جنسه فعلم أن حكم الرهن ثبوت ملك اليد أو الحبس، وكونه مضمونا على القابض بما استوفى به، كما في حقيقة الاستيفاء؛ فإن المستوفى ثمة يكون مضمونا على المستوفي.
وله على الموفي مثل ذلك فصار قصاصا به؛ فكذا إذا قبضه رهنا، وصار مضمونا عليه بهذه اليد فإذا هلك وجب على المرتهن للراهن مثل ما كان للمرتهن على الراهن؛ فصار قصاصًا، وفي المقاصة آخر الدينين يكون قصاصا بأولهما؛ فيكون المرتهن مستوفيا حقه.
ولهذا يثبت الضمان بقدر حقه؛ لأن الاستيفاء يتحقق، وكأن الراهن جعل قدر الدين في وعاء، وسلمه إلى رب الدين؛ ليستوفي حقه منه فعند هلاكه في يده يتم استيفاؤه في مقدار حقه، ولهذا كان الفضل أمانة كما لو جعل الراهن خمسة عشر في كيس، ودفعه إلى رب الدين ليستوفي دينه عشرة منه؛ فيكون أمينا في الزيادة، والعين أمانة في يده؛ لأن الاستيفاء يحصل بالمالية؛ إذ الاستيفاء بالعين يكون استبدالا والمرتهن عندنا مستوف لا مستبدل.
وقال زفر: بطريق البراءة في رواية، وبطريق الاستبدال في رواية.
وقلنا: الاستيفاء يقع بجنس الحق والمجانسة بين الأموال باعتبار صفة المالية دون العين؛ فكان هو أمينًا في حق العين؛ كالكيس في حقيقة الاستيفاء حتى كان نفقة الرهن على الراهن إلى آخر ما ذكر في المتن.
وهذا في الحقيقة جواب عما تعلق الشافعي به فقال: كيف يكون الرهن
стр. 6833
لِأَنَّهُ يَنْقُضُ هَذَا الاسْتِيفَاءَ بِالرَّدِّ عَلَى الرَّاهِنِ فَلَا يَتَكَرَّرُ، وَلَا وَجْهَ إِلَى اسْتِيفَاءِ البَاقِي بِدُونِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُتَصَوَّرُ، وَالِاسْتِيفَاءُ يَقَعُ بِالمَالِيَّةِ، أَمَّا العَيْنُ فَأَمَانَةٌ حَتَّى كَانَتْ نَفَقَةُ المَرْهُونِ عَلَى الرَّاهِنِ فِي حَيَاتِهِ وَكَفَنِهِ بَعْدَ مَمَاتِهِ، وَكَذَا قَبْضُ الرَّهْنِ لَا يَنُوبُ عَنْ
وثيقة لجانب الاستيفاء، وكيف يتحقق الاستيفاء بالهلاك مع أن العين أمانة في يده حتى لا يضمن الزائد من الدين عندكم وبالأمانة لا يتحقق الاستيفاء، وعما تعلق بأن المستحق لو استحق الرهن؛ يرجع المرتهن بالضمان والدين جميعا على الراهن فلو كان قبضه قبض ضمان لما رجع بالضمان عند الاستحقاق كالغاصب.
وعما تعلق أن المرتهن لو اشترى المرهون لا يصير قابضا بنفس الشراء، ولو كان مضمونا عليه بالقبض؛ لناب قبضه عن الشراء كقبض الغاصب، وعما تعلق أن المرهون بالرهن الفاسد لا يكون مضمونا، والفاسد معتبر بالجائز، وعما تعلق بأن نفقة الرهن على الراهن؛ فصار كالوديعة.
وكيف يستقيم قولكم من ضرورة ثبوت حق الحبس الضمان؛ فإن المستأجر بعد فسخ الإجارة محبوس عند المستأجر بالأجرة المعجلة بمنزلة المرهون، حتى إذا مات الآجر كان المستأجر أحق به من سائر غرمائه، ثم هو لم يكن هو مضمونا إذا هلك، وكذا زوائد الرهن عندكم أمانة، ومع ذلك لها حكم الضمان؛ علم أن معنى الأمانة لا ينافي حكم الرهن فأجاب عن هذا كله، والاستيفاء يقع بالمالية كما ذكرنا، أما العين أمانة كما قررناه.
وأما رجوع المرتهن بالدين والضمان عند الاستحقاق؛ فباعتبار الغرور؛ فالراهن هو المنتفع بقبض المرتهن حيث يصير موفيا عند الهلاك؛ فيصير المرتهن مغرورا من جهته من هذا الوجه، والمغرور يرجع على الغار بما ضمن، وبالاستحقاق يعلم أنه لم يكن رهنا فيرجع بدينه.
وفي رهن الفاسد غير مضمون غير مسلم؛ فإنه عندنا مضمون مع أنا لا نسلم ثبوت يد الاستيفاء في الرهن الفاسد، وفي مسألة الإجارة يد المستأجر بعد فسخ الإجارة ليست يد الاستيفاء؛ لأنها هي اليد التي كانت قبل الفسخ، وإنما قبض المستأجر لاستيفاء المنفعة لا لاستيفاء الأجرة من المالية؛ فلم يصر مستوفيا بهلاكه.
стр. 6834
قَبْضِ الشِّرَاءِ إِذَا اشْتَرَاهُ المُرْتَهِنُ؛ لِأَنَّ العَيْنَ أَمَانَةٌ فَلَا تَنُوبُ عَنْ قَبْضِ ضَمَانٍ، وَمُوجِبُ العَقْدِ ثُبُوتُ يَدِ الِاسْتِيفَاءِ وَهَذَا يُحَقِّقُ الصِّيَانَةَ، وَإِنْ كَانَ فَرَاغُ الذِّمَّةِ مِنْ
وأما اختصاصه به دون سائر غرمائه؛ لأنه كان مخصوصا به قبل الفسخ؛ لاستيفاء المنفعة، وبعد الفسخ يبقى الاختصاص في حق استرداد الأجرة، أما زوائد الرهن كالولد، وكأن اليد في الزوائد تثبت بحكم السراية من الأصل لا بالعقد، ومتى ثبت حكم بطريق السراية لا يثبت فيها ضمان العقد، وإن كان يثبت فيها حكم العقد كولد المبيعة قبل القبض سرى إليه حكم العقد وهو الملك، ولا يثبت ضمان العقد فيه حتى لو هلك في يد البائع لا يسقط بإزائه شيء من الثمن.
قوله: (ولا وجه إلى استيفاء الباقي بدونه) (١)؛ أي: لا وجه لاستيفاء ملك الرقبة بدون استيفاء ملك اليد لمكان الاستحالة.
قوله: (موجب العقد وجوب يد الاستيفاء)، وهذا أيضًا جواب عن قول الشافعي أن القول بكون الرهن وثيقة كانت (٢) الاستيفاء يضاد الغرض في الرهن، وهو الصيانة.
قلنا: معنى الصيانة يتحقق فيما قلنا؛ لأن الاستيفاء ليس بإتواء للحق بل فيه يتحقق معنى الصيانة، ومن ضرورته فراغ ذمة الراهن عند الهلاك؛ فبذلك لا يخرج من كونه وثيقة لصيانة حق المرتهن كالحوالة؛ فإنها توجب الدين في ذمة المحتال عليه لصيانة حق الطالب، وإن كان من ضرورته فراغ ذمة المحيل، وبه لا ينعدم معنى الوثيقة.
و به فارق هلاك الشهود والصك؛ لأن سقوط الدين عندنا باعتبار ثبوت يد الاستيفاء عند الهلاك، وذا يوجد في الصك والشهود.
فإن قيل: لو كانت هذه يد استيفاء؛ لأوجب الملك في المستوفى.
قلنا: لم نقل إنه يد استيفاء بل يد وثيقة للاستيفاء، والاستيفاء حقيقة يثبت الملك، وهو متأخر بالهلاك إلى الكل أشار في المبسوطين.
стр. 6835
ضَرُورَاتِهِ كَمَا فِي الحَوَالَةِ، فَالحَاصِلُ: أَنَّ عِنْدَنَا حُكْمَ الرَّهْنِ صَيْرُورَةُ الرَّهْنِ مُحْتَبِسًا بِدَيْنِهِ بِإِثْبَاتِ يَدِ الِاسْتِيفَاءِ عَلَيْهِ، وَعِنْدَهُ تَعَلَّقُ الدَّيْنِ بِالعَيْنِ اسْتِيفَاءَ مِنْهُ عَيْنَا بِالبَيْعِ، فَيُخَرَّجُ عَلَى هَذَيْنِ الْأَصْلَيْنِ عِدَّةٌ مِنْ المَسَائِلِ المُخْتَلَفِ فِيهَا بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ، عَدَدْنَاهَا فِي كِفَايَةِ المُنْتَهِي جُمْلَةٌ، مِنْهَا: أَنَّ الرَّاهِنَ مَمْنُوعٌ عَنْ الِاسْتِرْدَادِ لِلِانْتِفَاعِ؛ لِأَنَّهُ يَفُوتُ مُوجَبُهُ، وَهُوَ الِاحْتِبَاسُ عَلَى الدَّوَامِ، وَعِنْدَهُ: لَا يَمْنَعُ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُنَافِي مُوجِبَهُ وَهُوَ تَعَيَّنُهُ لِلْبَيْعِ، وَسَيَأْتِيكَ البَوَاقِي فِي أَثْنَاءِ المَسَائِلِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
قَالَ: (وَلَا يَصِحُ الرَّهْنُ إِلَّا بِدَيْنِ مَضْمُونٍ)؛ لِأَنَّ حُكْمَهُ ثُبُوتُ يَدِ الِاسْتِيفَاءِ،
قوله: (وسيأتيك البواقي في أثناء المسائل) من البواقي؛ رهن المشاع فإنه لا يصح عندنا؛ لأن قبضه على الدوام لا يوجد فيه؛ إذ في المهايأة ثبوت حبسه يوم قبض الراهن.
وعنده يصلح؛ لما أن حكم الرهن تعيينه للبيع والمشاع غير مانع لجواز البيع بالاتفاق؛ فكذا لجواز الرهن.
قوله: (ولا يصح الرهن إلا بدين مضمون) وفي شرح الأقطع: هذا [للتأكيد] (١) وإلا فجميع الديون مضمون.
قيل: هو احتراز عن ضمان الدرك؛ لأن الرهن بضمان الدرك باطل؛ لأن ضمان الدرك ليس بمال مستحق يمكن استيفاء [الرهن من الراهن] (٢)؛ فلو هلك في يد المرتهن لم يضمن؛ لأن ضمان الرهن ضمان استيفاء، والاستيفاء لا يسبق الوجوب كذا في المبسوط (٣).
وما قيل: أنه احتراز عن بدل الكتابة غير صحيح؛ لأنه ذكر في فتاوى قاضي خان وغيره: أن المولى لو أخذ رهنا ببدل الكتابة جاز، ولا يجوز أخذ الكفيل ببدل الكتابة، وعند الأئمة الثلاثة؛ لا يجوز أخذ الرهن ببدل الكتابة بعد لزومه.
стр. 6836
وَالاسْتِيفَاءُ يَتْلُو الوُجُوبَ. قَالَ ﵁: وَيَدْخُلُ عَلَى هَذَا اللَّفْظِ الرَّهْنُ بِالْأَعْيَانِ المَضْمُونَةِ بِأَنْفُسِهَا، فَإِنَّهُ يَصِحُّ الرَّهْنُ بِهَا وَلَا دَيْنَ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ الوَاجِبَ الأَصْلِيَّ فِيهَا هُوَ القِيمَةُ وَرَدُّ العَيْنِ مُخَلِّصٌ عَلَى مَا عَلَيْهِ أَكْثَرُ المَشَايِخِ وَهُوَ دَيْنٌ، وَلِهَذَا تَصِحُّ الكَفَالَةُ بِهَا، … ... … ...
قوله: (والاستيفاء يتلو الوجوب)؛ فلا بد من وجوب سابق ليكون الاستيفاء مبنياً عليه، ولا يلزم الرهن بدين موعود فإنه [يصح] (١) عندنا كما يجيء، وقد حصل رهن قبل وجود الدين؛ لأنا جعلنا فرضاً سابقاً على عقد الرهن تصحيحاً لوعده؛ فكان الدين كالثابت تقديراً.
قوله: (ويدخل)؛ أي يشكل ويلزم (على هذا اللفظ) وهو قوله: (إلا بدين مضمون).
(الأعيان المضمونة بأنفسها)؛ أي: بالقيمة كالمغصوب والمقبوض على سوم الشراء، والمقبوض في البيع الفاسد؛ فإنه يجوز الرهن بها عندنا خلافاً للشافعي وأحمد.
لهما: أن غرض الرهن بيع المرهون، واستيفاء الحق من قيمته عند الحاجة، ويستحيل استيفاء الأعيان من ثمن المرهون. وعن مالك؛ أن الرهن بالأعيان المضمونة يجوز، وهو وجه لأصحاب الشافعي؛ لأنه يمكن أن يستوفى ضمانه من ثمن الرهن، ولهذا تصح الكفالة بالأعيان المضمونة.
أما الرهن بعين غير مضمونة مثل الأمانات لا يجوز بالإجماع، وبالأعيان المضمونة يجوز عند مالك، وعندنا يجوز بالعين المضمونة بغيرها كالمبيع في يد البائع؛ فإنه مضمون بالثمن ذكره في المبسوط (٢) ويجيء بعد.
وقوله: (ويمكن أن يقال إن الواجب الأصلي) إلى آخره جواب عما يشكل على هذا اللفظ (فيها)؛ أي في الأعيان المضمونة بنفسها (هو القيمة) إن لم يكن لها مثل والقيمة أو المثل دين فيمكن استيفاؤه من مال الرهن.
ولهذا (تَصحُّ الكفالة بها)؛ أي: بالأعيان المضمونة بنفسها وإن لم يهلك
стр. 6837
وَلَئِنْ كَانَ لَا يَجِبُ إِلَّا بَعْدَ الهَلَاكِ، وَلَكِنَّهُ يَجِبُ عِنْدَ الهَلَاكِ بِالقَبْضِ السَّابِقِ، وَلِهَذَا تُعْتَبَرُ قِيمَتُهُ يَوْمَ القَبْضِ فَيَكُونُ رَهْنًا بَعْدَ وُجُودِ سَبَبٍ وُجُوبِهِ فَيَصِحُ كَمَا فِي الكَفَالَةِ، وَلِهَذَا لَا تَبْطُلُ الحَوَالَةُ المُقَيَّدَةُ بِهِ بِهَلَاكِهِ، بِخِلَافِ الوَدِيعَةِ، قَالَ: (وَهُوَ مَضْمُونٌ بِالأَقَلِّ مِنْ قِيمَتِهِ وَمِنَ الدَّيْنِ، فَإِذَا هَلَكَ فِي يَدِ المُرْتَهِنِ، وَقِيمَتُهُ وَالدَّيْنُ سَوَاءٌ: صَارَ المُرْتَهِنُ مُسْتَوْفِيًا لِدَيْنِهِ، وَإِنْ كَانَتْ قِيمَةُ الرَّهْنِ أَكْثَرَ: فَالفَضْلُ أَمَانَةٌ فِي يَدِهِ)؛ لِأَنَّ المَضْمُونَ بِقَدْرِ مَا يَقَعُ بِهِ الاسْتِيفَاءُ، وَذَاكَ بِقَدْرِ الدَّيْنِ (وَإِنْ كَانَتْ أَقَلَّ: سَقَطَ مِنْ الدَّيْنِ بِقَدْرِهِ، وَرَجَعَ المُرْتَهِنُ بِالفَضْلِ)؛ لِأَنَّ الاِسْتِيفَاءَ بِقَدْرِ المَالِيَّةِ، وَقَالَ زُفَرُ:
لما أنه انعقد سبب وجوب القيمة، وصحة الكفالة دليل على أن الموجب الأصلي في العين المغصوبة هو القيمة؛ لأنه لو لم تكن لما صحت الكفالة؛ لأن الكفالة ضم الذمة إلى الذمة في المطالبة أو الدين في الانتهاء، ولهذا يصح رجوع الكفيل على الأصل فلو لم يكن في الانتهاء [ضم] (١) الذمة في الدين؛ لكان تمليك الدين من غير من عليه الدين.
وقوله: (ولهذا لا تبطل الحوالة المقيدة) مؤكد لقوله: (إن الموجب الأصلي القيمة)؛ فإن الحوالة المقيدة بعين على نوعين: مقيدة بعين وديعة، والثاني بعين مغصوبة.
وفي الوديعة تبطل الحوالة بهلاكها، وعاد الدين إلى المحيل؛ لأن الوديعة هلكت لا إلى خلف؛ ففات العين صورة ومعنى فتبطل الحوالة وفي العين المغصوبة لا تبطل الحوالة؛ لأن المغصوب هلك إلى خلف وهو الضمان، والضمان يقوم مقام المضمون؛ فكان المغصوب قائما معنى فلا تبطل الحوالة، كذا في الذخيرة.
قوله: (وهو)؛ أي الرهن مضمون بأقل من قيمته هكذا وقع في بعض نسخ القدوري، والصحيح بالأقل بالألف واللام، واعتبر هذا بقول الرجل: مررت بأعلم من زيد وعمرو، يكون الأعلم غيرهما، ولو قال: بالأعلم من زيد وعمرو يكون الأعلم واحدًا منهما، وكلمة من للتمييز، كذا في البدرية.
стр. 6838
الرَّهْنُ مَضْمُونٌ بِالقِيمَةِ، حَتَّى لَوْ هَلَكَ الرَّهْنُ، وَقِيمَتُهُ يَوْمَ الرَّهْنِ أَلْفٌ وَخَمْسُمِائَةٍ، وَالدَّيْنُ أَلْفُ رَجَعَ الرَّاهِنُ عَلَى المُرْتَهِنِ بِخَمْسِمِائَةِ. لَهُ: حَدِيثُ عَلِيَّ ﵁ قَالَ: يَتَرَادَّانِ الفَضْلَ فِي الرَّهْنِ وَلِأَنَّ الزِّيَادَةَ عَلَى الدَّيْنِ مَرْهُونَةٌ، لِكَوْنِهَا مَحْبُوسَةٌ بِهِ، فَتَكُونُ مَضْمُونَةٌ اعْتِبَارًا بِقَدْرِ الدَّيْنِ، وَمَذْهَبُنَا مَرْوِيٌّ عَنْ عُمَرَ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵃، وَلِأَنَّ يَدَ المُرْتَهِنِ يَدُ الاسْتِيفَاءِ، فَلَا تُوجِبُ الضَّمَانَ إِلَّا بِالقَدْرِ المُسْتَوْفِي كَمَا فِي حَقِيقَةِ الاسْتِيفَاءِ، وَالزِّيَادَةُ مَرْهُونَةٌ بِهِ ضَرُورَةَ امْتِنَاعِ حَبْسِ الْأَصْلِ بِدُونِهَا، وَلَا ضَرُورَةَ فِي حَقِّ الضَّمَانِ، وَالمُرَادُ بِالتَّرَادُ فِيمَا يُرْوَى حَالَةَ البَيْعِ، فَإِنَّهُ
قوله: (له)؛ أي لزفر حديث علي فإنه قال: يترادان الفضل في الرهن، والتراد ما يكون من الجانبين فلا جرم يردّ المرتهن فضل الرهن (١) كما يرد الراهن فضل الدين.
قوله: (كما في حقيقة الاستيفاء) فإنه إذا أوفاه ألفين في كيس وحقه ألف؛ يصير ضامنا قدر الدين والزيادة على قدر الدين أمانة في يده فكذلك الرهن.
وقوله: (والزيادة مرهونة … ) إلى آخره، جواب عن قول زفر؛ يعني لو لم يجعلها مرهونة يؤدي إلى الشيوع أو لأنه لا يمكنه حبس قدر الدين إلا بحبس الباقي كما إذا رهن عبدًا قيمته أزيد من الدين حتى لا تتميز الزيادة من الأصل؛ فيثبت له حبس الكل حتى لو ميز الزيادة من قدر الدين لا يثبت له حبس الزيادة؛ بأن رهن عبدا قيمته ألفا درهم فأخذ المرتهن الألفين من العامل، وأراد حبس الكل ليس له ذلك؛ لأنه أمكنه حبس قدر الدين بدون الزيادة بخلاف ما نحن فيه وفي مبسوط شيخ الإسلام وهذا الدليل هو الأصح.
قوله: (ولا ضرورة في حق الضمان)؛ لصحة الرهن مع عدم الضمان كما إذا استعار الراهن الرهن من المرتهن؛ فالرهن باق، والضمان من المرتهن منتف على ما يجيء.
قوله: (حالة البيع) يعني إذا باع المرتهن الرهن بإذن الراهن؛ يرد المرتهن ما زاد على الدين من ثمنه، ولو كان الدين زائدًا على الثمن يرد الراهن زيادة
стр. 6839
رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: المُرْتَهِنُ أَمِينٌ فِي الفَضْلِ.
قَالَ: (وَلِلْمُرْتَهِنِ أَنْ يُطَالِبَ الرَّاهِنَ بِدَيْنِهِ وَيَحْبِسَهُ بِهِ)؛ لِأَنَّ حَقَّهُ بَاقٍ بَعْدَ الرَّهْنِ، وَالرَّهْنُ لِزِيَادَةِ الصِّيَانَةِ فَلَا تَمْتَنِعُ بِهِ المُطَالَبَةُ، وَالحَبْسُ جَزَاءُ الظُّلْمِ، فَإِذَا ظَهَرَ مَطْلُهُ عِنْدَ القَاضِي يَحْبِسُهُ كَمَا بَيَّنَّاهُ عَلَى التَّفْصِيلِ فِيمَا تَقَدَّمَ (وَإِذَا طَلَبَ الْمُرْتَهِنُ دَيْنَهُ، يُؤْمَرُ بِإِحْضَارِ الرَّهْنِ)؛ لِأَنَّ قَبْضَ الرَّهْنِ قَبْضُ اسْتِيفَاءِ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَقْبِضُ مَا لَهُ مَعَ قِيَامِ يَدِ الِاسْتِيفَاءِ؛ لِأَنَّهُ يَتَكَرَّرُ الاسْتِيفَاءُ عَلَى اعْتِبَارِ الهَلَاكِ فِي يَدِ الْمُرْتَهِنِ، وَهُوَ مُحْتَمَلٌ (وَإِذَا أَحْضَرَهُ، أَمَرَ الرَّاهِنَ بِتَسْلِيمِ الدَّيْنِ إِلَيْهِ أَوَّلًا) لِيَتَعَيَّنَ حَقَّهُ كَمَا تَعَيَّنَ حَقُّ الرَّاهِنِ، تَحْقِيقًا لِلتَّسْوِيَةِ كَمَا فِي تَسْلِيمِ المَبِيعِ وَالثَّمَنِ، يُحْضَرُ المَبِيعُ ثُمَّ يُسَلَّمُ الثَّمَنُ أَوَّلًا (وَإِنْ طَالَبَهُ بِالدَّيْنِ فِي غَيْرِ البَلَدِ الَّذِي وَقَعَ العَقْدُ فِيهِ، إِنْ كَانَ الرَّهْنُ مِمَّا لَا حَمْلَ لَهُ وَلَا مُؤْنَةَ، فَكَذَلِكَ الجَوَابُ)؛ لِأَنَّ الأَمَاكِنَ كُلَّهَا فِي حَقِّ التَّسْلِيمِ كَمَكَانِ وَاحِدٍ فِيمَا لَيْسَ لَهُ حَمْلٌ وَمُؤْنَةٌ؛ وَلِهَذَا لَا يُشْتَرَطُ بَيَانُ مَكَانِ الإِيفَاءِ فِيهِ فِي بَابِ السَّلَمِ بِالإِجْمَاعِ (وَإِنْ كَانَ لَهُ حَمْلٌ وَمُؤْنَةٌ، يَسْتَوْفِي دَيْنَهُ وَلَا يُكَلِّفُ إِحْضَارَ الرَّهْنِ)؛ لِأَنَّ هَذَا نَقْلٌ، وَالوَاجِبُ عَلَيْهِ التَّسْلِيمُ بِمَعْنَى التَّخْلِيَةِ، لَا النَّقْلُ مِنْ مَكَانَ إِلَى مَكَان؛ لِأَنَّهُ يَتَضَرَّرُ بِهِ زِيَادَةَ الضَّرَرِ وَلَمْ يَلْتَزِمْهُ.
(وَلَوْ سَلَّطَ الرَّاهِنُ العَدْلَ عَلَى بَيْعِ المَرْهُونِ فَبَاعَهُ بِنَقْدٍ، أَوْ نَسِيئَةٍ جَازَ) لِإِطْلَاقِ الأَمْرِ (فَلَوْ طَالَبَ المُرْتَهِنُ بِالدَّيْنِ، لَا يُكَلَّفُ المُرْتَهِنُ إِحْضَارَ الرَّهْنِ)؛ ....
الدين وإنما حملناه على حالة توفيقا بين [حديثي علي] (١) فإنه روي عنه أنه قال: (المرتهن أمين في الفضل) رواه محمد بن الحنفية عن علي ﵄.
قوله: (فيما تقدم)؛ أي في فصل الحبس من كتاب أدب القاضي زيادة ضرر لم يلتزمه؛ فإن العين أمانة في يده، ولكن للراهن أن يحلفه بالله ما هلك.
قوله: (جاز لإطلاق الأمر) حتى لو قيده بالنقد لا يجوز بيعه نسيئة.
قال أبو علي النسفي: إذا تقدم من الراهن ما يدل على النقد بأن قال: إن المرتهن يطالبني بدينه ويؤذيني؛ فبعه حتى أنجو منه فباع نسيئة لا يجوز، كما لو قال
стр. 6840
لِأَنَّهُ لَا قُدْرَةَ لَهُ عَلَى الإِحْضَارِ (وَكَذَا إِذَا أَمَرَ المُرْتَهِنَ بِبَيْعِهِ فَبَاعَهُ، وَلَمْ يَقْبِضُ الثَّمَنَ)؛ لِأَنَّهُ صَارَ دَيْنَا بِالبَيْعِ بِأَمْرِ الرَّاهِنِ، فَصَارَ كَأَنَّ الرَّاهِنَ رَهَنَهُ وَهُوَ دَيْنٌ (وَلَوْ قَبَضَهُ، يُكَلَّفُ إِحْضَارَهُ لِقِيَامِ البَدَلِ مَقَامَ المُبْدَلِ)؛ لِأَنَّ الَّذِي يَتَوَلَّى قَبْضَ الثَّمَنِ هُوَ المُرْتَهِنُ؛ لِأَنَّهُ هُوَ العَاقِدُ فَتَرْجِعُ الحُقُوقُ إِلَيْهِ، وَكَمَا يُكَلِّفُ إِحْضَارَ الرَّهْنِ لِاسْتِيفَاءِ كُلِّ الدَّيْنِ، يُكَلِّفُ لِاسْتِيفَاءِ نَجْمِ قَدْ حَلَّ لِاحْتِمَالِ الهَلَاكِ،
لغيره: بع عبدي فإني محتاج إلى النفقة، ولو كان المرتهن هو العدل فقال الراهن: بعه واستوف دينك من ثمنه فباع بالنسيئة؛ يجوز كيفما باع، كذا في الذخيرة.
قوله: (لأنه لا قدرة له؛ أي: للمرتهن (على الإحضار))؛ لأنه باعه بإذن الراهن فصار الدين رهنا؛ فلا يجب عليه التسليم إلى أن يقبضه من مشتري الرهن، كذا في زيادات العتابي.
قوله: (فصار كأن الراهن رهنه وهو دين)، فإن قيل: لو وهب الدين ابتداء لا يصح إلا في وجه للشافعي؛ لأنه لا يكون محلا للراهن.
قلنا: نعم ولكن يبقى حكم الرهن في الدين؛ لكونه بدلا عن المقبوض، وهو قد كان صالحا كذلك فيثبت هذا الحكم في خلفه تبعا لا مقصودا، وإنما يصير كأن الراهن رهنه وهو دين؛ كأنه لما باعه بإذنه صار كأنهما تفاسخا الرهن فيه، وصار الثمن رهنا بتراضيهما ابتداء لا بطريق انتقال حكم الرهن إلى الثمن، ولهذا لو باعه بأقل من الدين لا يسقط شيء من دينه؛ فصار كأنه رهنه ولم يسلم؛ بل وضعه على يدي عدل، كذا في زيادات قاضي خان.
قوله: (لأن الذي (١) … ) إلى آخره، استثناء من قوله: (فصار كأن الراهن رهنه وهو دين) على تقدير جواب سؤال مقدر وهو أن يقال: لما صار كذلك ينبغي ألا يكون للمرتهن ولاية قبض الثمن من المشتري، كما لو كان الرهن في يد العدل فقال: ولايته لقبضه باعتبار أنه عاقد.
قوله: (لاستيفاء نجم قد حل) بأن كان الدين منجما فأدى نجمًا واحدًا؛ لأنه لا ضرر له في الإحضار، وفيه فراغ قلب الراهن عند توهم الهلاك، ولكن
стр. 6841
ثُمَّ إِذَا قَبَضَ الثَّمَنَ يُؤْمَرُ بِإِحْضَارِهِ لِاسْتِيفَاءِ الدَّيْنِ لِقِيَامِهِ مَقَامَ العَيْنِ، وَهَذَا بِخِلَافِ مَا إِذَا قَتَلَ رَجُلٌ عَبْدَ الرَّهْنِ خَطَأَ حَتَّى قَضَى بِهِ بِالقِيمَةِ عَلَى عَاقِلَتِهِ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ، لَمْ يُجْبَرُ الرَّاهِنُ عَلَى قَضَاءِ الدَّيْنِ حَتَّى يُحْضِرَ كُلَّ القِيمَةِ؛ لِأَنَّ القِيمَةَ خَلَفٌ عَنْ الرَّهْنِ، فَلَا بُدَّ مِنْ إِحْضَارِ كُلِّهَا، كَمَا لَا بُدَّ مِنْ إِحْضَارِ كُلِّ عَيْنِ الرَّهْنِ وَمَا صَارَتْ قِيمَةٌ بِفِعْلِهِ، وَفِيمَا تَقَدَّمَ صَارَ دَيْنَا بِفِعْلِ الرَّاهِنِ، فَلِهَذَا افْتَرَقَا (وَلَوْ وَضَعَ الرَّهْنَ عَلَى يَدِ العَدْلِ، وَأُمِرَ أَنْ يُودِعَهُ غَيْرَهُ، فَفَعَلَ، ثُمَّ جَاءَ المُرْتَهِنُ يَطْلُبُ دَيْنَهُ، لَا يُكَلَّفُ
لا يسلم إلى أن يقبض جميع الدين بإجماع العلماء.
وفي الزيادات وشرح الجامع والمحيط: لا يجبر على إحضاره لعدم فائدة الإحضار في القياس، وفي الاستحسان يجبر بإحضاره إذا كان في المصر الذي رهنه؛ لفراغ قلب الراهن عن توهم الهلاك، وهذا إذا ادعى الراهن هلاك الرهن، أما إذا لم يدع لا فائدة في الإحضار.
قوله: (يؤمر)؛ أي المرتهن (بإحضاره) أي بإحضار الثمن (لقيامه)؛ أي لقيام (العين)؛ أي الرهن.
قوله: (وهذا) إشارة إلى قوله: (يكلف لاستيفاء نجم قد حل) (١) بخلاف مسألة القتل؛ حيث لا يكلف المرتهن بإحضار الرهن عند كل نجم يؤديه (وما صارت)؛ أي عين العبد قيمة، أو قيمة العبد قيمة.
(بفعله)؛ أي: بفعل الراهن بل بفعل الأجنبي، وفيما تقدم وهو بيع العدل أو المرتهن؛ إنما صارت دينا بفعل الراهن؛ لأنه بتسليط من جهته.
قوله: (ففعل)؛ أي: أودعه.
وفي الإيضاح: وكذا إذا لم يودعه، وكان في يد العدل لا يؤمر المرتهن بإحضار الرهن وأمر الراهن بتسليم الدين؛ لأنه لم يرض بيد المرتهن؛ فلا يلزمه إحضار ما ليس في يده، ألا ترى أن المرتهن لو أخذه من يد العدل كان غاصبا ضامنا؛ فكيف يلزمه إحضار شيء لو أخذه يصير غاصبا.
стр. 6842
إِحْضَارَ الرَّهْنِ)؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُؤْتَمَنْ عَلَيْهِ حَيْثُ وُضِعَ عَلَى يَدِ غَيْرِهِ، فَلَمْ يَكُنْ تَسْلِيمُهُ فِي قُدْرَتِهِ (وَلَوْ وَضَعَهُ العَدْلُ فِي يَدِ مَنْ فِي عِيَالِهِ، وَغَابَ وَطَلَبَ الْمُرْتَهِنُ دَيْنَهُ، وَالَّذِي فِي يَدِهِ يَقُولُ: أَوْدَعَنِي فُلَانٌ وَلَا أَدْرِي لِمَنْ هُوَ، يُجْبَرُ الرَّاهِنُ عَلَى قَضَاءِ الدَّيْنِ)؛ لِأَنَّ إِحْضَارَ الرَّهْنِ لَيْسَ عَلَى المُرْتَهِنِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْبِضْ شَيْئًا.
(وَكَذَلِكَ إِذَا غَابَ العَدْلُ بِالرَّهْنِ، وَلَا يُدْرَى أَيْنَ هُوَ لِمَا قُلْنَا وَلَوْ أَنَّ الَّذِي أَوْدَعَهُ العَدْلُ جَحَدَ الرَّهْنَ، وَقَالَ: هُوَ مَالِي، لَمْ يَرْجِعِ الْمُرْتَهِنُ عَلَى الرَّاهِنِ بِشَيْءٍ، حَتَّى يَثْبُتَ كَوْنُهُ رَهْنًا)؛ لِأَنَّهُ لَمَّا جَحَدَ الرَّهْنَ فَقَدْ تَوَى المَالُ وَالتَّوَى عَلَى المُرْتَهِنِ، فَيَتَحَقَّقُ اسْتِيفَاءُ الدَّيْنِ وَلَا يَمْلِكُ المُطَالَبَةَ بِهِ. قَالَ: (وَإِنْ كَانَ الرَّهْنُ فِي يَدِهِ، لَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يُمَكِّنَهُ مِنْ البَيْعِ حَتَّى يَقْضِيَهُ الدَّيْنَ)؛ لِأَنَّ حُكْمَهُ الحَبْسُ الدَّائِمُ إِلَى أَنْ يَقْضِيَ الدَّيْنَ عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ (وَلَوْ قَضَاهُ البَعْضَ، فَلَهُ أَنْ يَحْبِسَ كُلَّ الرَّهْنِ حَتَّى يَسْتَوْفِيَ البَقِيَّةَ) اعْتِبَارًا بِحَبْسِ المَبِيعِ (فَإِذَا قَضَاهُ الدَّيْنَ، قِيلَ لَهُ: سَلَّمَ الرَّهْنَ إِلَيْهِ)؛ لِأَنَّهُ زَالَ المَانِعُ مِنْ التَّسْلِيمِ لِوُصُولِ الحَقِّ إِلَى مُسْتَحِقِّهِ (فَلَوْ هَلَكَ قَبْلَ التَّسْلِيمِ: اسْتَرَدَّ الرَّاهِنُ مَا قَضَاهُ)؛ لِأَنَّهُ صَارَ مُسْتَوْفِيًا عِنْدَ الهَلَاكِ بِالقَبْضِ السَّابِقِ، فَكَانَ الثَّانِي اسْتِيفَاءَ بَعْدَ اسْتِيفَاء فَيَجِبُ رَدُّهُ وَكَذَلِكَ لَوْ تَفَاسَخَا الرَّهْنَ: لَهُ حَبْسُهُ، مَا لَمْ يَقْبِضِ الدَّيْنَ، … ..
قوله: (لما قلنا)، وهو أن المرتهن لم يقبض شيئًا.
قوله: (حتى يقضيه الدين)؛ أي من ثمنه، وقد صرح في الزاد فقال: حتى يقضيه الدين من ثمنه لأن في هذا نقص يد الاستيفاء، وربما لا يصل إليه دينه من ثمنه.
قوله: (فلو هلك)؛ أي الرهن بعد قضاء الدين (قبل التسليم) إلى قوله: فيجب رده تفاديا عن الربا بخلاف ما لو وهب الدين أو أبرأ الراهن من الدين، ثم هلك الرهن قبل التسليم حيث لا يسترد الراهن؛ لما أن الرهن عقد استيفاء في حق ملك اليد والحبس، ويتقرر ذلك من وقت وجود القبض؛ فإذا هلك بعد قضاء الدين تقرر الاستيفاء من وقت وجود القبض؛ ظهر أن القضاء حصل بعد الاستيفاء مرة فيسترده تفاديا عن الربا.
أما الإبراء والهبة يقتصر على الحال وينعدم الدين؛ فلا يظهر أن الهلاك
стр. 6843
أَوْ يُبْرِثُهُ، وَلَا يَبْطُلُ الرَّهْنُ إِلَّا بِالرَّدْ عَلَى الرَّاهِنِ عَلَى وَجْهِ الفَسْخِ)؛ لِأَنَّهُ يَبْقَى مَضْمُونًا مَا بَقِيَ القَبْضُ وَالدَّيْنُ (وَلَوْ هَلَكَ فِي يَدِهِ سَقَطَ الدَّيْنُ إِذَا كَانَ بِهِ وَفَاءٌ بِالدَّيْنِ) لِبَقَاءِ الرَّهْنِ (وَلَيْسَ لِلْمُرْتَهِنِ أَنْ يَنْتَفِعَ بِالرَّهْنِ لَا بِاسْتِخْدَامٍ، وَلَا بِسُكْنَى وَلَا لُبْسٍ، إِلَّا أَنْ يَأْذَنَ لَهُ المَالِكُ)؛ لِأَنَّ لَهُ حَقَّ الحَبْسِ دُونَ الانْتِفَاعِ (وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَبِيعَ إِلَّا بِتَسْلِيطٍ مِنْ الرَّاهِنِ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُؤَاجِرَ وَيُعِيرَ)؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ وِلَايَةُ الانْتِفَاعِ بِنَفْسِهِ فَلَا يَمْلِكُ تَسْلِيطَ غَيْرِهِ عَلَيْهِ، فَإِنْ فَعَلَ كَانَ مُتَعَدِّيًا، وَلَا يَبْطُلُ عَقْدُ الرَّهْنِ بِالتَّعَدِّي.
كان استيفاء قبل القضاء؛ فلا يظهر بطلان استيفائه، ولأن مقصود الراهن عند تسليم الرهن إليه أن تتبرأ ذمته عند هلاك الرهن من غير أن يلزمه شيء آخر، وقد حصل له هذا المقصود بالإبراء قبل هلاك الرهن؛ فلا يستوجب عند هلاك الرهن شيئا آخر كمن عجل الدين المؤجل ثم حل الأجل، وكمن عجل الزكاة قبل الحول ثم تم الحول لا يلزمه شيء آخر لهذا المعنى؛ بخلاف ما لو استوفى الدين فهناك لم يحصل مقصوده؛ لأن ذمته إنما برئت بما أدى من المال كذا في المبسوط والذخيرة.
وعند الشافعي وأحمد؛ أمانة في يده في كل الصور.
قوله: (أو يبرئه) وذلك لأن الرهن لا ينفسخ مقصودا بالمناقضة بالقول حتى لا يكون للراهن حق الأخذ بغير رضى المرتهن بعد المناقضة، وصار وجود هذه المناقضة وعدمها بمنزلة، (إلا بالرّد على الراهن على وجه الفسخ) قيد به؛ لأن الرد على وجه العارية لا يبطل عقد الرهن؛ (لأنه)؛ أي: الرهن يبقى مضمونا ما بقي القبض (١).
قوله: (وليس للمرتهن أن ينتفع … ). إلى آخره ولا يعلم فيه خلاف وفي بعض النسخ: (وليس له أن يبيع) الرهن لا يقتضي البيع فلا يثبت بدون الوكالة كذا في الكافي.
أما يجوز الانتفاع للمرتهن بإذن الراهن بلا خلاف، وكذا البيع ولو انتفع بإذن الراهن، وهلك الرهن حالة استعماله يهلك أمانة بلا خلاف، أما لو هلك
стр. 6844
قَالَ: (وَلِلْمُرْتَهِنِ أَنْ يَحْفَظَ الرَّهْنَ بِنَفْسِهِ، وَزَوْجَتِهِ، وَوَلَدِهِ، وَخَادِمِهِ الَّذِي فِي عِيَالِهِ) قَالَ ﵁: مَعْنَاهُ أَنْ يَكُونَ الوَلَدُ فِي عِيَالِهِ أَيْضًا، وَهَذَا؛ لِأَنَّ عَيْنَهُ أَمَانَةٌ فِي يَدِهِ فَصَارَ كَالوَدِيعَةِ وَإِنْ حَفِظَهُ بِغَيْرِ مَنْ فِي عِيَالِهِ، أَوْ أَوْدَعَهُ، ضَمِنَ هَلْ يَضْمَنُ الثَّانِي؟ فَهُوَ عَلَى الخِلَافِ، وَقَدْ بَيَّنَّا جَمِيعَ ذَلِكَ بِدَلَائِلِهِ فِي الوَدِيعَةِ (وَإِذَا تَعَدَّى المُرْتَهِنُ فِي الرَّهْنِ، ضَمِنَهُ ضَمَانَ الغَصْبِ بِجَمِيعِ قِيمَتِهِ)؛ لِأَنَّ الزِّيَادَةَ عَلَى مِقْدَارِ الدَّيْنِ أَمَانَةٌ، وَالأَمَانَاتُ تُضْمَنُ بِالتَّعَدِّي (وَلَوْ رَهَنَهُ خَاتَمًا فَجَعَلَهُ فِي خِنْصِرِهِ، فَهُوَ ضَامِنٌ)؛ لِأَنَّهُ مُتَعَدِّ بِالاسْتِعْمَالِ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَأذُونٍ فِيهِ، وَإِنَّمَا الْإِذْنُ بِالحِفْظِ، وَاليُمْنَى وَاليُسْرَى فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ؛ لِأَنَّ العَادَةَ فِيهِ مُخْتَلِفَةٌ (وَلَوْ جَعَلَهُ فِي بَقِيَّةِ الأَصَابِعِ، كَانَ رَهْنَا بِمَا فِيهِ)؛ لِأَنَّهُ لَا يُلْبَسُ كَذَلِكَ عَادَةٌ، فَكَانَ مِنْ بَابِ الحِفْظِ، وَكَذَا الطَّيْلَسَانُ إِنْ لَبِسَهُ لُبْسًا مُعْتَادًا ضَمِنَ، وَإِنْ وَضَعَهُ عَلَى عَاتِقِهِ لَمْ يَضْمَنْ (وَلَوْ رَهَنَهُ سَيْفَيْنِ، أَوْ ثَلَاثَةً، فَتَقَلَّدَهَا، لَمْ يَضْمَنْ فِي الثَّلَاثَةِ، وَضَمِنَ فِي السَّيْفَيْنِ)؛ لِأَنَّ العَادَةَ جَرَتْ بَيْنَ الشَّجْعَانِ بِتَقَلُّدِ السَّيْفَيْنِ فِي الحَرْبِ، وَلَمْ تَجْرِ بِتَقَلُّدِ الثَّلَاثَةِ، وَإِنْ لَبِسَ خَاتَمًا فَوْقَ خَاتَمِ، إِنْ كَانَ هُوَ مِمَّنْ يَتَجَمَّلُ بِلُبْسِ خَاتَمَيْنِ ضَمِنَ، وَإِنْ كَانَ لَا يَتَجَمَّلُ بِذَلِكَ فَهُوَ
قبل الاستعمال أو بعده يهلك بالدين عندنا ذكره في الفصول.
وفي المبسوط: ولو كان الرهن أمَةً لا يحل وطؤها؛ لأن أمر الفرج أشد حرمة، ومع هذا لو وطئها المرتهن على ظن أنها تحل؛ لا يجب الحد، وبه قال أكثر أهل العلم إلا مالك فإنه يقول: يجب الحد عليه، وإن ظن حِلَّها. وقلنا بثبوت ملك اليد عليها له بعقد الرهن، وذلك مسقط للحد.
وهل يجب العقر عندنا يجب، وعند أحمد؛ إن وطئها بإذن الراهن لا يجب وإلا يجب، وعند الشافعي كالمذهبين، ولو استعار أمة ليرهنها فوطئها الراهن على ظن أنها تحل له يسقط الحد عندنا؛ لأن حقه فيها نظير حق المرتهن، أما ليس للراهن وطء الأمة المرهونة عند أكثر أهل العلم، وعن بعض أصحاب الشافعي له وطء الآيسة والصغيرة؛ لعدم تضرر المرتهن فيه.
قوله: (معناه أن يكون الولد في عياله أيضًا)، وفي الذخيرة: ذكر محمد ﵀ من جملة من في عياله زوجته وولده وأجيره الخاص الذي استأجره
فِي تَبْقِيَتِهِ، وَمِنْ هَذَا القِسْمِ جُعْلُ الآبِقِ، فَإِنَّهُ عَلَى الْمُرْتَهِنِ؛ لِأَنَّهُ مُحْتَاجٌ إِلَى إِعَادَةِ الاسْتِيفَاءِ الَّتِي كَانَتْ لَهُ لِيَرُدَّهُ، فَكَانَتْ مُؤْنَةُ الرَّدِّ فَيَلْزَمُهُ، وَهَذَا إِذَا كَانَتْ قِيمَةُ الرَّهْنِ وَالدَّيْنِ سَوَاءٌ، وَإِنْ كَانَتْ قِيمَةُ الرَّهْنِ أَكْثَرَ، فَعَلَيْهِ بِقَدْرِ المَضْمُونِ، وَعَلَى الرَّاهِنِ بِقَدْرِ الزِّيَادَةِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ أَمَانَةٌ فِي يَدِهِ، وَالرَّدُّ لِإِعَادَةِ اليَدِ، وَيَدُهُ فِي الزِّيَادَةِ يَدُ المَالِكِ، إِذْ هُوَ كَالمُودِعِ فِيهَا، فَلِهَذَا يَكُونُ عَلَى المَالِكِ، وَهَذَا بِخِلَافِ أُجْرَةِ البَيْتِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ، فَإِنَّ كُلَّهَا تَجِبُ عَلَى المُرْتَهِنِ، وَإِنْ كَانَ فِي قِيمَةِ الرَّهْنِ فَضْلٌ؛ لِأَنَّ وُجُوبَ ذَلِكَ بِسَبَبِ الحَبْسِ، وَحَقُّ الحَبْسِ فِي الكُلِّ ثَابِتٌ لَهُ، فَأَمَّا الجُعْلُ إِنَّمَا يَلْزَمُهُ لِأَجْلِ الضَّمَانِ، فَيَتَقَدَّرُ بِقَدْرِ المَضْمُونِ (وَمُدَاوَاةُ الجِرَاحَةِ وَالقُرُوحِ وَمُعَالَجَةُ الأَمْرَاضِ وَالفِدَاءُ مِنْ الجِنَايَةِ، تَنْقَسِمُ عَلَى المَضْمُونِ وَالأَمَانَةِ، وَالخَرَاجُ عَلَى الرَّاهِنِ خَاصَّةً؛ لِأَنَّهُ مِنْ مُؤَنِ المِلْكِ، وَالعُشْرُ فِيمَا يَخْرُجُ مُقَدَّمٌ عَلَى حَقٌّ المُرْتَهِنِ)، لِتَعَلُّقِهِ بِالعَيْنِ، وَلَا يَبْطُلُ الرَّهْنُ فِي البَاقِي؛ لِأَنَّ وُجُوبَهُ لَا يُنَافِي مِلْكَهُ،
قوله: (ومن هذا القسم)؛ أي من القسم الذي تجب مؤنته على المرتهن، وعند الأئمة الثلاثة الكل على الراهن؛ لأن الملك له فيما يجب من شأن الملك على المالك ولقوله ﵊: «لِصاحِبِهِ غُنْمُهُ وعَلَيْهِ غُرْمُهُ» (١)، والجعل والمداواة تنقسم على المضمونة والأمانة كما ذكر في المتن عندهما.
قوله: «التعلقه»؛ أي لتعلق العشر (بالعين)؛ فيكون مقدما على حق المرتهن؛ لأن حق المرتهن متعلق بالرهن من حيث المالية لا من حيث العين، والعين متقدم على المالية؛ فكذا ما يتعلق به.
صورة المسألة؛ أن يرهن أرضا فيها نخل وشجر وزرع وارتهن ذلك معها، وهي من أرض العشر؛ فأخذ السلطان العشر من الريع؛ فإن ذلك لا يسقط شيئًا من الدين؛ لأن الراهن بقدر العشر من الغلة قضى حقًا واجبًا عليه؛ فلا يسقط الدين إذ لو سقط أدى إلى أن يصير قابضا بمال واحد حقين الدين، والعشر وقصد الأجور.
(ولا يبطل الرهن هذا لنفي شبهة ترد على قوله: لتعلقه بالعين) يعني لما
стр. 6847
بِخِلَافِ الِاسْتِحْقَاقِ، (وَمَا أَدَّاهُ أَحَدُهُمَا مِمَّا وَجَبَ عَلَى صَاحِبِهِ فَهُوَ مُتَطَوِّعٌ، وَمَا أَنْفَقَ أَحَدُهُمَا مِمَّا يَجِبُ عَلَى الْآخَرِ بِأَمْرِ القَاضِي رَجَعَ عَلَيْهِ)، كَأَنَّ صَاحِبَهُ أَمَرَهُ بِهِ؛ لِأَنَّ وِلَايَةَ القَاضِي عَامَّةٌ، وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ: أَنَّهُ لَا يَرْجِعُ إِذَا كَانَ صَاحِبُهُ حَاضِرًا،
كان متعلقا بالعين يصير كما لو استحق بعض العين فقال: وجوب العشر لا ينافي ملكه لما ذكرنا أن الراهن بقدر العشر قضى حقًا واجبًا وقدر العشر ملكه، ولهذا لو أدى العشر من موضع آخر أو باعه؛ جاز فإذا أخذه السلطان، والباقي مقسوم فلم يتمكن الشيوع في الرهن لا طارئا ولا مقارنا؛ فلا يبطل الرهن.
أما في الاستحقاق تبين أن قدر المستحق لم يصح الرهن في حقه؛ لأنه ملك الغير وإنما صح فيما وراءه، وما وراءه مشاع ورهن المشاع باطل كذا في المبسوطين، والخارج من أرض الرهن له حكم الرهن كولد المرهونة.
قوله: (وما أداه أحدهما)؛ أي: من الراهن والمرتهن ما وجب على صاحبه بغير إذنه؛ فهو متطوع لأنه قضى دين غيره بغير أمره.
قوله: (بأمر القاضي رجع عليه)، وفي الذخيرة: لا يكفي مجرد الأمر بالإنفاق، ولا بد من أن يجعله دينا على الراهن، والتنصيص بهذا؛ لأن الأمر يتردد بين الأمر بالإنفاق حسبة وبين الإنفاق ليكون دينا عليه؛ فعقد الإطلاق لا يثبت إلا أدناهما فلا يثبت دينا إلا بالتنصيص عليه، وعليه أكثر مشايخنا كما مر في اللقطة.
وهذا بخلاف صاحب العلو إذا بنى السفل بدون أمر القاضي فإنه يرجع على صاحب السفل؛ لأنه مضطر في بناء علوه سواء كان صاحب السفل حاضرًا أو غائبًا؛ لأنه لو رفع إلى القاضي لا يجبره على البناء حالة الحضور.
أما هاهنا يجبر الراهن والمرتهن فإذا كان أحدهما غائبا يأمر القاضي بالإنفاق للحاجة إذا كان فيه مصلحة؛ فلا يكون مضطرا فإذا كان بأمر القاضي يرجع وبغيره لا كذا في مبسوط شيخ الإسلام.
стр. 6848
وَإِنْ كَانَ بِأَمْرِ القَاضِي، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: إِنَّهُ يَرْجِعُ فِي الوَجْهَيْنِ (*)، وَهِيَ فَرْعُ مَسْأَلَةِ الحَجْرِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
بَابُ مَا يَجُوزُ ارْتِهَانُهُ وَالِارْتِهَانُ بِهِ وَمَا لَا يَجُوزُ
قَالَ: (وَلَا يَجُوزُ رَهْنُ المُشَاعِ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يَجُوزُ، وَلَنَا فِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا يَبْتَنِي عَلَى حُكْمِ الرَّهْنِ، فَإِنَّهُ عِنْدَنَا ثُبُوتُ يَدِ الِاسْتِيفَاءِ، وَهَذَا لَا يُتَصَوَّرُ
(وهي فرع مسألة الحجر) وأبو حنيفة ﵀ لا يرى حجر القاضي على الحر فلا يكون نافذا عليه حال غيبته وحضوره، وعندهما للقاضي ولاية حجره حال غيبته وحضوره فنفذ عليه أمر القاضي حال غيبته وحضوره.
بَابُ مَا يَجُوزُ الارْتِهَانُ بِهِ وَمَا لَا يَجُوزُ
لما ذكر مقدمات الرهن شرع في تفصيل ما يجوز رهنه وما لا يجوز.
قوله: (ولا يجوز رهن المشاع) سواء كان ما يحتمل القسمة أو لا يحتمل وسواء رهن من أجنبي أو شريكه، ثم ذكر عدم جواز رهن المشاع، ولم يتعرض أنه باطل أو فاسد.
وفي المغني والذخيرة إشارة إلى أنه فاسد لا باطل حيث قال: فالمقبوض بحكم الرهن الفاسد مضمون في الصحيح، وفي الرهن الباطل لا؛ لأن الباطل لا ينعقد أصلا فكان كالبيع الباطل والفاسد ينعقد فكان كالبيع الفاسد، وشرط انعقاد الرهن: أن يكون مالا والمقابل به مالا مضمونا فإذا وجد شرائط الجواز ينعقد صحيحًا وإذا فُقد شرط من شرائط جوازه ينعقد فاسدًا وفي كل موضع لم يكن الرهن مالا أو لم يكن المقابل مضمونا لا ينعقد الرهن أصلا.
قوله: (وقال الشافعي يجوز) وبه قال مالك وأحمد وأبو ثور والأوزاعي وابن أبي ليلى والبتي.
قوله: (وهذا)؛ أي: ثبوت يد الاستيفاء لا يتصور فيما يتناوله العقد وهو المشاع؛ لأن اليد حقيقة تثبت على المُعَيَّن لا على المشاع.
стр. 6849
فِيمَا يَتَنَاوَلُهُ العَقْدُ وَهُوَ المُشَاعُ، وَعِنْدَهُ: المُشَاعُ يَقْبَلُ مَا هُوَ الحُكْمُ عِنْدَهُ، وَهُوَ تَعَيُّنُهُ لِلْبَيْعِ، وَالثَّانِي: أَنَّ مُوجِبَ الرَّهْنِ هُوَ الحَبْسُ الدَّائِمُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُشْرَعْ إِلَّا مَقْبُوضًا بِالنَّص، أَوْ بِالنَّظَرِ إِلَى المَقْصُودِ مِنْهُ، وَهُوَ الِاسْتِيثَاقُ مِنْ الوَجْهِ الَّذِي بَيَّنَّاهُ، وَكُلُّ ذَلِكَ ..........
فإن قيل: كيف يستقيم قصدًا والشيوع لا يمنع الاستيفاء حقيقة؛ فإن من كان له على غيره عشرة؛ فدفع إليه المديون كيسًا فيه عشرون استوفى حقه منه يصير مستوفيًا حقه من النصف شيئًا شائعا؛ فإذا لم يمنع حقيقة الاستيفاء فلا يمنع ثبوت الاستيفاء.
قلنا: موجب حقيقة الاستيفاء ملك عين المستوفى واليد تنبني على الملك، ويمكن إثبات الملك في الشائع، أما موجب الرهن يُفَوِّتُ يد الاستيفاء فقط، وذا لا يتحقق في الشائع.
قوله: (وعنده)؛ أي: عند الشافعي يقبل ما هو الحكم عنده وهو بعينه للبيع، وكل محل يقبل البيع يجوز رهنه عندهم؛ لإمكان بيعه والاستيفاء من الثمن.
قوله: (بالنص) وهو قوله تعالى: ﴿فَرِهَانُ مَّقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣]؛ فهذا يقتضي ألا يكون مرهونا إلا في حال يكون مقبوضا.
أما عند الشافعي استدامة القبض ليس بشرط، وإن كان شرطا في الابتداء كما في الهبة.
وعند أحمد؛ استدامة القبض شرط، ولكن يصح عنده رهن المشاع.
وقلنا: القبض في الهبة لثبوت الملك؛ فإن أثبت الملك استغنى عنه، أما في الرهن للوثيقة ليتمكن من استيفاء حقه؛ فإذا لم يكن في يده لم يتمكن من استيفائه.
قوله: (من الوجه الذي بيناه وهو قوله: (ليكون عاجزا عن الانتفاع به فيتسارع إلى قضاء الدين لحاجته أو لضجره).
وقوله: (وكل ذلك)؛ أي من يد الاستيفاء والحبس الدائم) (والاستيفاء
стр. 6850
يَتَعَلَّقُ بِالدَّوَامِ، وَلَا يُفْضِي إِلَيْهِ إِلَّا اسْتِحْقَاقُ الحَبْسِ، وَلَوْ جَوَّزْنَاهُ فِي المُشَاعِ يَفُوتُ الدَّوَامُ؛ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ المُهَايَأَةِ، فَيَصِيرُ كَمَا إِذَا قَالَ: رَهَنْتُكَ يَوْمًا وَيَوْمًا لَا، وَلِهَذَا: لَا يَجُوزُ فِيمَا يَحْتَمِلُ القِسْمَةَ وَمَا لَا يَحْتَمِلُهَا، بِخِلَافِ الهِبَةِ، حَيْثُ يَجُوزُ فِيمَا لَا يَحْتَمِلُ القِسْمَةَ؛ لِأَنَّ المَانِعَ فِي الهِبَةِ غَرَامَةُ القِسْمَةِ، وَهُوَ فِيمَا يُقَسَّمُ، أَمَّا حُكْمُ الهِبَةِ المِلْكُ وَالمُشَاعُ يَقْبَلُهُ، وَهَا هُنَا الحُكْمُ ثُبُوتُ يَدِ الِاسْتِيفَاءِ وَالمُشَاعُ لَا يَقْبَلُهُ، وَإِنْ كَانَ لَا يَحْتَمِلُ القِسْمَةَ، وَلَا يَجُوزُ مِنْ شَرِيكِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُقْبَلُ حُكْمُهُ عَلَى الوَجْهِ الأَوَّلِ، وَعَلَى الوَجْهِ الثَّانِي: يَسْكُنُ يَوْمًا بِحُكْمِ المِلْكِ وَيَوْمًا بِحُكْمِ الرَّهْنِ، فَيَصِيرُ كَأَنَّهُ رَهَنَ يَوْمًا وَيَوْمًا لَا، وَالشُّيُوعُ الطَّارِئُ … ... ..
يتعلق بالدوام)؛ أي دوام اليد ولا يفضي [إليه أي] (١) إلى دوام الحبس إلا استحقاق الجنس ويعني به استحقاق دوام اليد لا وجود يد المرتهن حسا، وبالإعادة من الراهن أو الغصب لا يفوت الاستحقاق فلا يبطل به الرهن.
(ولو جوزناه)؛ أي: الرهن في المشاع يفوت استحقاق (دوام) اليد؛ لأنه يحتاج إلى المهايأة مع المالك في الإمساك فينتفع المالك يوما بحكم الملك، ويحفظ المرتهن يوما بحكم الرهن فهو بمنزلة قولك: رهنتك يوما ويوما لا، ولأنه لا يجوز لفوات استحقاق اليد في نوبة الراهن؛ فقد اقترن بالعقد ما يمنع موجبه فلا يصح العقد، ولهذا سوينا في الرهن بين ما يحتمل القسمة، وما لا يحتمل بخلاف الهبة؛ لأن المانع في الهبة (غرامة القسمة وهي فيما يقسم) لا فيما لا يقسم.
قوله: (والمشاع يقبله)؛ أي: الملك والقبض شرط تمام ذلك العقد فيراعي وجودًا في كل محل بحسب الإمكان، ولهذا لا يجوز رهن المشاع من الشريك أيضًا؛ لأن موجب العقد لا يتحقق في المشاع، سواء كان مع الشريك أو غيره كذا في المبسوط (٢).
قوله: (والشيوع الطارئ).
стр. 6851
يَمْنَعُ بَقَاءَ الرَّهْنِ فِي رِوَايَةِ الأَصْلِ، وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ: أَنَّهُ لَا يَمْنَعُ؛ لِأَنَّ حُكْمَ البَقَاءِ أَسْهَلُ مِنْ حُكْمِ الابْتِدَاءِ فَأَشْبَهَ الهِبَةَ، وَجْهُ الأَوَّلِ: أَنَّ الِامْتِنَاعَ لِعَدَمِ المَحَلِّيَّةِ وَمَا يَرْجِعُ إِلَيْهِ، فَالِابْتِدَاءُ وَالبَقَاءُ سَوَاءٌ كَالمَحْرَمِيَّةِ فِي بَابِ النِّكَاحِ، بِخِلَافِ الهِبَةِ؛ لِأَنَّ المُشَاعَ يَقْبَلُ حُكْمَهَا وَهُوَ المِلْكُ، وَاعْتِبَارُ القَبْضِ فِي الابْتِدَاءِ لِنَفْيِ الغَرَامَةِ عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ، وَلَا حَاجَةَ. .............................
وفي الذخيرة: صورته أن يرهن جميع العين ثم تفاسخا العقد في النصف، ورده المرتهن كالمقارن في رواية الأصل، وهو الصحيح حتى قالوا في العدل: إذا سلط على بيع الرهن كيف شاء فباع نصفه يبطل الرهن في الباقي.
قوله: (أسهل من حكم الابتداء) وفي بعض النسخ: (فأشبه الهبة) يعني (شيوع الطارئ لا يمنع بقاء الهبة؛ لأن البقاء أسهل من الابتداء) فكذا هذا.
ألا ترى أن صيرورة المرهون دينا في ذمة غير المرتهن، يمنع ابتداء الرهن ولا يمنع بقاءه حتى لو أتلف المرهون شخص أو بيع المرهون تكون القيمة أو الثمن رهنا في ذمة من عليه، وابتداء عقد الرهن مضافا إلى الدين في الذمة لا يجوز، ألا ترى أن معتدة الغير لا تكون محلا للنكاح ابتداء، ويقع النكاح في حقها بأن وطئت منكوحة الغير بشبهة فالنكاح فيها باق (لعدم المحلية)؛ أي محلية الاستيفاء.
(وما يرجع إليه)؛ أي: إلى المحل (فالابتداء والبقاء سواء كالمحرمية في باب النكاح).
فإن قيل: لو زوج الأب ابنته من مكاتبه جاز، ولا يبطل بموت الأب، ولو تزوجت مكاتبها ابتداء لا يجوز.
قلنا: لأن المكاتب لا يملك بسبب من أسباب الملك فكذا بالوراثة، وفيما إذا تزوجت مكاتبها ابتداء إنما لا يجوز؛ لأن الملك ثابت لها من وجه، ونكاح المملوك من وجه لا يجوز.
قوله: (على ما بيناه إشارة إلى قوله: غرامة القسمة وهي فيما يقسم).
قوله: (ولا حاجة)؛ أي اعتبار القبض في البقاء لما مر أنه شرط تمام العقد.
стр. 6852
إلَى اعْتِبَارِهِ فِي حَالَةِ البَقَاءِ، وَلِهَذَا يَصِحُّ الرُّجُوعُ فِي بَعْضِ الهِبَةِ، وَلَا يَجُوزُ فَسْخُ العَقْدِ فِي بَعْضِ الرَّهْنِ. قَالَ: (وَلَا رَهْنُ ثَمَرَةٍ عَلَى رُؤُوسِ النَّخِيلِ دُونَ النخيلِ، وَلَا زَرْعُ الْأَرْضِ دُونَ الْأَرْضِ، وَلَا رَهْنُ النَّخِيلِ فِي الأَرْضِ دُونَهَا)؛ لِأَنَّ المَرْهُونَ مُتَّصِلٌ بِمَا لَيْسَ بِمَرْهُونٍ خِلْقَةٌ، فَكَانَ فِي مَعْنَى الشَّائِعِ (وَكَذَا إِذَا رَهَنَ الْأَرْضَ دُونَ النَّخِيلِ، أَوْ دُونَ الزَّرْعِ، أَوْ النَّخِيلَ دُونَ الثَّمَرِ)؛ لِأَنَّ الاِتِّصَالَ يَقُومُ بِالطَّرَفَيْنِ، فَصَارَ الأَصْلُ أَنَّ المَرْهُونَ إِذَا كَانَ مُتَّصِلًا بِمَا لَيْسَ بِمَرْهُونٍ لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ قَبْضُ المَرْهُونِ وَحْدَهُ، وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ: أَنَّ رَهْنَ الأَرْضِ بِدُونِ الشَّجَرِ جَائِزٌ؛ لِأَنَّ الشَّجَرَ اسْمٌ لِلنَّابِتِ، فَيَكُونُ اسْتِثْنَاءُ الأَشْجَارِ بِمَوَاضِعِهَا، بِخِلَافِ مَا إِذَا رَهَنَ الدَّارَ دُونَ البِنَاءِ؛ لِأَنَّ البِنَاءَ اسْمٌ لِلْمَبْنَى، فَيَصِيرُ رَاهِنًا جَمِيعَ الْأَرْضِ، وَهِيَ مَشْغُولَةٌ بِمِلْكِ الرَّاهِنِ (وَلَوْ رَهَنَ النَّخِيلَ بِمَوَاضِعِهَا جَازَ)؛ لِأَنَّ هَذِهِ مُجَاوِرَةٌ، وَهِيَ لَا تَمْنَعُ الصِّحَّةَ (وَلَوْ كَانَ فِيهِ ثَمَرٌ يَدْخُلُ فِي الرَّهْنِ)؛ لِأَنَّهُ تَابِعٌ لِاِتِّصَالِهِ بِهِ، فَيَدْخُلُ تَبَعًا تَصْحِيحًا لِلْعَقْدِ، بِخِلَافِ البَيْعِ؛ لِأَنَّ بَيْعَ النَّخِيلِ بِدُونِ الثَّمَرِ جَائِزُ، وَلَا ضَرُورَةَ إِلَى
قوله: (فكان في المعنى الشائع)؛ لأنه لا يمكنه حبسه إلا بغيره وكان متصلا به خلقة فكان رهنه كرهن المشاع.
قوله: (فصار الأصل) عندنا (أن المرهون إذا كان متصلا بغيره) يكون كالمشاع.
وعند الأئمة الثلاثة؛ يجوز الرهن في هذه المسائل؛ فإن الأصل عندهم أن ما يجوز بيعه يجوز رهنه.
قوله: (وعن أبي حنيفة ﵀ وهو رواية الحسن عنه؛ لأن اسم الشجر يقع على النابت على الأرض، ولهذا يسمى بعد القطع جذعًا لا شجرا؛ فكأنه استثنى الأشجار بمواضعها من الأرض؛ فكان عقد الرهن متناولا ما سوى ذلك من الموضع من الأرض، وهو معنى معلوم غير مشاع بخلاف البناء؛ لأن البناء اسم للمبني دون أرضه فصار راهنا جميع الأرض، وهي مشغولة بملك الغير.
قوله: (مجاورة)؛ لأن مواضع النخيل بقعة معينة، ومجاورته لغيره لا يمنع صحة الرهن؛ لأنها لم تكن في معنى المشاع.
قوله: (تصحيحا للعقد) إذ لو لم يدخل الثمن في الرهن كان في معنى رهن
стр. 6853
إِدْخَالُهُ مِنْ غَيْرِ ذِكْرٍ، وَبِخِلَافِ المَتَاعِ فِي الدَّارِ، حَيْثُ لَا يَدْخُلُ فِي رَهْنِ الدَّارِ مِنْ غَيْرِ ذِكْرِهِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِتَابِعٍ بِوَجْهِ مَا، وَكَذَا يَدْخُلُ الزَّرْعُ وَالرَّطْبَةُ فِي رَهْنِ الْأَرْضِ، وَلَا يَدْخُلُ فِي البَيْعِ لِمَا ذَكَرْنَا فِي الثَّمَرَةِ وَيَدْخُلُ البِنَاءُ وَالغَرْسُ فِي رَهْنِ الْأَرْضِ وَالدَّارِ وَالقَرْيَةِ لِمَا ذَكَرْنَا (وَلَوْ رَهَنَ الدَّارَ بِمَا فِيهَا جَازَ، وَلَوْ اسْتُحِقَّ بَعْضُهُ، إِنْ كَانَ البَاقِي يَجُوزُ ابْتِدَاءُ الرَّهْنِ عَلَيْهِ وَحْدَهُ، بَقِيَ رَهْنَا بِحِيَّتِهِ، وَإِلَّا بَطَلَ كُلُّهُ)؛ لِأَنَّ
المشاع؛ لاتصاله خلقة مع أن الثمن لو دخل في الرهن لا يكون على الراهن ضرر؛ لأن ملكه لا يزول بخلاف البيع حيث لا تدخل الثمار تبعا للنخيل إلا بالذكر؛ لأن تصحيح البيع في النخيل بدون الثمار ممكن؛ لأن الشيوع لا يمنع صحة البيع، وفي إدخال الثمار تبعًا ضرر بالمالك بإزالة ملكه عنها فلا يدخل بغير تسمية (١)، كذا في المبسوط.
قوله: (بخلاف المتاع في الدار) يعني لو رهن الدار، وفيها متاع الراهن من الثياب والحبوب، وغير ذلك مما ينتفع به قليلا كان أو كثيرًا، لا يتم الرهن؛ لأن الدار مشغولة بما فيها فيمنع من التسليم فلا يدخل المتاع في الرهن تبعا كما في الثمار لأن اتصال الثمار خلقة، وإن كان غير لازم لأنها للقطع، أما الأمتعة متصلة بالدار خلقة ولا تابعة لها بوجه، ولهذا لو باع الدار يذكر حقوقها ومرافقها لا تدخل الأمتعة.
قوله: (لما ذكرنا)؛ أي: في الثمرة.
قوله: (ويدخل البناء والغرس) يعني لو قال: رهنتك هذه الدار وهذه الأرض أو هذه القرية وأطلق القول، ولم يخص شيئًا؛ دخل البناء والغرس؛ لما ذكرنا أنه تبع ويدخلان في البيع، وإن لم تفتقر صحة البيع إلى دخولهما؛ فلأن يدخل في الرهن وصحته مفتقرة إلى دخولهما أولى.
قوله: (وإلا بطل كله)، وفي مبسوط شيخ الإسلام: لو ارتهن دارًا أو أرضًا وقبضها ثم استحقت طائفة منها هل يبطل الرهن فيما بقي فهذا على وجهين: إما
стр. 6854
الرَّهْنُ جُعِلَ كَأَنَّهُ مَا وَرَدَ إِلَّا عَلَى البَاقِي، وَيَمْنَعُ التَّسْلِيمَ كَوْنُ الرَّاهِنِ أَوْ مَتَاعِهِ فِي الدَّارِ المَرْهُونَةِ، وَكَذَا مَتَاعُهُ فِي الوِعَاءِ المَرْهُونِ، وَيَمْنَعُ تَسْلِيمَ الدَّابَّةِ المَرْهُونَةِ الحَمْلُ عَلَيْهَا، فَلَا يَتِمُّ حَتَّى يُلْقِيَ الحِمْلَ؛ لِأَنَّهُ شَاغِلٌ لَهَا، بِخِلَافِ مَا إِذَا رَهَنَ الحِمْلَ دُونَهَا، حَيْثُ يَكُونُ رَهْنَا تَامَّا إِذَا دَفَعَهَا إِلَيْهِ؛ لِأَنَّ الدَّابَّةَ مَشْغُولَةٌ بِهِ، فَصَارَ كَمَا إِذَا رَهَنَ مَتَاعًا فِي دَارٍ، أَوْ فِي وِعَاءِ دُونَ الدَّارِ وَالوِعَاءِ، بِخِلَافِ مَا إِذَا رَهَنَ سَرْجًا عَلَى دَابَّةٍ، أَوْ لِجَامًا فِي رَأْسِهَا وَدَفَعَ الدَّابَّةَ مَعَ السَّرْجِ وَاللِّجَامِ، حَيْثُ لَا يَكُونُ رَهْنَا حَتَّى يَنْزِعَهُ مِنْهَا، ثُمَّ يُسَلِّمَهُ إِلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ تَوَابِعِ الدَّابَّةِ، بِمَنْزِلَةِ الثَّمَرَةِ لِلنَّخِيلِ، حَتَّى قَالُوا: يَدْخُلُ فِيهِ مِنْ غَيْرِ ذِكْرٍ.
أن المستحق بعض معين أو شائع؛ فإن كان شائعًا بأن استحق بعضًا غير معين شائع، يبطل الرهن في الباقي أو استحق البناء دون العرصة؛ لأن بالاستحقاق ظهر أن الرهن وقع ابتداء في الشائع، ولهذا تبطل الهبة باستحقاق البعض شائعا؛ فالرهن أولى، وإن استحق بعض معين بقي الرهن في الباقي؛ بأن استحق بيتا منها بعينه؛ إذ بالاستحقاق يظهر أنه رهن الباقي من الابتداء ورهن الباقي من الابتداء جائز؛ لأنه غير مشاع.
قوله: (ويمنع التسليم كون الراهن أو متاعه في الدار المرهونة)، وفي الإيضاح: وروى الحسن عن أبي حنيفة؛ لو رهن دارا وهما في جوفها لم يتم الرهن حتى يقول الراهن - بعدما خرج منها -: سلمتها إليك أن الراهن إذا كان في الدار؛ فليس بمسلم فإذا خرج يحتاج إلى تسليم جديد؛ لأنه شاغل لها كشغل الدار بالمتاع، وكذا متاعه في الوعاء المرهون يمنع التسليم.
وفي شرح الطحاوي والحيلة لصحة التسليم أن يودع أولا ما فيه عند المرتهن، ثم يسلم إليه [ما] (١) رهن.
قوله: (لأنه)؛ أي: الحمل (شاغل لها)؛ أي للدابة كشغل الدار بالمتاع. وقال الشافعي وأحمد: يصح تسليمه في جميع ما ذكر من المسائل إلى
стр. 6855
قَالَ: (وَلَا يَصِحُ الرَّهْنُ بِالأَمَانَاتِ كَالوَدَائِعِ وَالعَوَارِيِّ وَالمُضَارَبَاتِ وَمَالِ الشَّرْكَةِ)؛ لِأَنَّ القَبْضَ فِي بَابِ الرَّهْنِ قَبْضٌ مَضْمُونٌ، فَلَا بُدَّ مِنْ ضَمَانٍ ثَابِتٍ لِيَقَعَ القَبْضُ مَضْمُونًا، وَيَتَحَقَّقَ اسْتِيفَاءُ الدَّيْنِ مِنْهُ (وَكَذَلِكَ لَا يَصِحُ بِالْأَعْيَانِ المَضْمُونَةِ بِغَيْرِهَا، كَالمَبِيعِ فِي يَدِ البَائِعِ)؛ لِأَنَّ الضَّمَانَ لَيْسَ بِوَاجِبٍ، فَإِنَّهُ إِذَا هَلَكَ العَيْنُ لَمْ يَضْمَن البَائِعُ شَيْئًا، لَكِنَّهُ يَسْقُطُ الثَّمَنُ، وَهُوَ حَقُّ البَائِعِ، فَلَا يَصِحُ الرَّهْنُ، فَأَمَّا الأَعْيَانُ المَضْمُونَةُ بِعَيْنِهَا وَهُوَ أَنْ يَكُونَ مَضْمُونَا بِالمِثْلِ أَوْ بِالقِيمَةِ عِنْدَ هَلَاكِهِ مِثْلَ
قوله: (ولا يصح الرهن بالأمانات)؛ لأن القبض حصل فيهما جميعا فيكون موجودا في الرهن كما في المشاع، وكذا كونهما فيهما لا يمنع التخلية؛ إذ التخلية تصح بقوله مع التمكن منها وعدم المانع؛ فأشبه ما لو كانا خارجين.
قوله: (حتى قالوا؛ أي: المشايخ يدخل فيه)؛ أي: في الرهن من غير ذكر؛ يعني لو رهن دابة عليها سرج أو لجام دخل ذلك، ذُكر في الرهن [أو لم يُذكر] (١)، كذا في الإيضاح.
قوله: (بالأمانات كالودائع … ) إلى آخره، ولا خلاف فيه.
ولو قال المودع: ضاعت الوديعة أو رددتها وادعى المودع الاستهلاك أو كان المودع ساكنًا أو يقول: لا أدري لا يجوز الصلح عند أبي حنيفة وأبي يوسف.
وعند محمد؛ يجوز بناء على أن البراءة تقع لمجرد دعوى الرد عندهما؛ لأن المودع مسلط من جهة رب المال على الحفظ فيكون مسلطا على الخبر عن ذلك فيصير قوله: متعديا على المودع؛ فصار كأنه أقر. ولو كان كذلك بطل الصلح لبطلان الضمان.
وعند محمد؛ يشترط اليمين فهو بالصلح افتدى اليمين فصح بخلاف ما لو جحد الإيداع، وهو يدعي الوديعة أو ادعى الاستهلاك، وهو مقر بالإيداع (٢)
стр. 6856
المَغْضُوبِ وَبَدَلِ الخُلْعِ وَالمَهْرِ وَبَدَلِ الصُّلْحِ عَنْ دَمِ العَمْدِ: يَصِحُ الرَّهْنُ بِهَا؛ لِأَنَّ الضَّمَانَ مُتَقَرِّرٌ، فَإِنَّهُ إِنْ كَانَ قَائِمًا وَجَبَ تَسْلِيمُهُ، وَإِنْ كَانَ هَالِكًا تَجِبُ قِيمَتُهُ فَكَانَ رَهْنَا بِمَا هُوَ مَضْمُونٌ فَيَصِحٌ.
قَالَ: (وَالرَّهْنُ بِالدَّرَكِ بَاطِلٌ، وَالكَفَالَةُ بِالدَّرَكِ جَائِزَةٌ) وَالفَرْقُ: أَنَّ الرَّهْنَ لِلاسْتِيفَاءِ، وَلَا اسْتِيفَاءَ قَبْلَ الوُجُوبِ، وَإِضَافَةُ التَّمْلِيكِ إِلَى زَمَانٍ فِي المُسْتَقْبَلِ لَا تَجُوزُ، أَمَّا الكَفَالَةُ فَلِالتِزَامِ المُطَالَبَةِ، وَالتِزَامُ الأَفْعَالِ يَصِحُ مُضَافًا إِلَى المَالِ كَمَا فِي الصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ، ....................
ولم يدع الرد أو الهلاك؛ فاصطلحا يجوز الصلح بالاتفاق؛ لأن الصلح بناء على زعم المدعي وهو يدعي دينا عليه في الحاصل؛ لأن الوديعة في زعم مجحودة هالكة فيما إذا جحد الإيداع أو مستهلكة فيما إذا ادعى الاستهلاك؛ ففي كل موضع صح الصلح صح الرهن؛ لوجوب الدين ظاهرا وإلا لا؛ لحصول الرهن بلا دين.
قوله: (وبدل الخلع والمهر وبدل الصلح … ) إلى آخره، يعني إذا كان عينا فيصح الرهن بها عندنا، ومالك خلافًا للشافعي وأحمد وقد مر.
في شرح الطحاوي: لو هلك في يده قبل استرداد العين والعين المضمون قائما في يد الراهن يقال له: سلم العين الذي في يدك وخذ من المرتهن الأقل من قيمة الرهن، ومن قيمة ما رهن؛ لأن الرهن مضمون عندنا كذلك، ولو هلك العين المضمون قبل هلاك الرهن يصير الرهن رهنا بقيمة العين المضمون؛ فإذا هلك الرهن بعد ذلك هلك بالأقل من قيمته ومن قيمة الرهن الذي كان رهنا، وهذا في التحفة.
قوله: (والرهن بالدرك باطل)، وبه قالت الأئمة الثلاثة.
وصورته أن يأخذ المشتري من البائع رهنا لثمن لو أدركه درك، أما الكفالة بالدرك تصح بلا خلاف، وقال أبو العباس: قولًا من الشافعي لا يصح، والمنصوص الأول. وعن أحمد في رواية: لا يصح، وقد مر في الكفالة.
قوله: (كما في الصوم والصلاة) يعني لو نذر بالصوم والصلاة والصدقة
стр. 6857
وَلِهَذَا تَصِحُ الكَفَالَةُ بِمَا ذَابَ لَهُ عَلَى فُلَانٍ وَلَا يَصِحُ الرَّهْنُ، فَلَوْ قَبَضَهُ قَبْلَ الوُجُوبِ فَهَلَكَ عِنْدَهُ، يَهْلِكُ أَمَانَةٌ؛ لِأَنَّهُ لَا عَقْدَ حَيْثُ وَقَعَ بَاطِلًا، بِخِلَافِ الرَّهْنِ بِالدَّيْنِ المَوْعُودِ، وَهُوَ أَنْ يَقُولَ: رَهَنْتُكَ هَذَا لِتُقْرِضَنِي أَلْفَ دِرْهَمٍ، وَهَلَكَ فِي يَدِ المُرْتَهِنِ حَيْثُ يَهْلِكُ بِمَا سَمَّى مِنْ المَالِ بِمُقَابَلَتِهِ؛ لِأَنَّ المَوْعُودَ جُعِلَ كَالمَوْجُودِ بِاعْتِبَارِ الحَاجَةِ، وَلِأَنَّهُ مَقْبُوضُ بِجِهَةِ الرَّهْنِ الَّذِي يَصِحُّ عَلَى اعْتِبَارِ وُجُودِهِ، فَيُعْطَى لَهُ حُكْمُهُ كَالمَقْبُوضِ عَلَى سَوْمِ الشِّرَاءِ فَيَضْمَنُهُ.
يصح؛ لأنه التزام المطالبة بالقول، وكذا الكفالة التزام المطالبة لا التزام الدين والتزام الأفعال يصح مضافا إلى زمان الاستقبال، أما الرهن استيفاء والاستيفاء مفاوضة؛ فلا تحتمل الإضاعة إلى حال وجود الدين.
فإن قيل: ما فائدة ضمان الدرك؛ فإن المشتري يرجع على البائع بالثمن سواء ضمن الدرك البائع أو لا.
قلنا: فائدته أن المشتري لا يرجع على البائع إذا لم يضمن الدرك ما لم يقض القاضي بثبوت الدين للمشتري أو بفسخ البيع بينهما في الأصح، ذكر في الفصول للأَسْتَرَوْشَنِيّ؛ فإذا ضمنه يرجع عليه بالثمن قبل القضاء بفسخ البيع.
قوله: (فلو قبضه)؛ أي المشتري الرهن في الدرك (قبل الوجوب)؛ أي قبل حلول الدرك هلك أمانة، وكذا بعد حلول الدرك؛ لأنه [لَا] (١) عقد لوقوعه باطلا، ولهذا لا يملك جنس الرهن.
قوله: (لأن الموعود جعل كالموجود) في حالة عقد الرهن؛ إذ الظاهر أن الخلف لا يجري في الوعد؛ فكان مفضيا إلى الوجود غالبًا بخلاف الدرك؛ فإنه لا يكون موجودا غالبًا؛ إذ الظاهر أن المسلم يبيع مال نفسه.
قوله: (كالمقبوض على سوم الشراء) حيث أعطي له حكم الشراء إلا أن المقبوض على سوم الشراء [مضمون] (٢) بالقيمة بالغة ما بلغت لا بالمسمى من الثمن، والمقبوض على سوم الرهن مضمون بما سَمَّيا لا بالقيمة؛ لأن ضمان
стр. 6858
قَالَ: (وَيَصِحُ الرَّهْنُ بِرَأسِ مَالِ السَّلَمِ، وَبِثَمَنِ الصَّرْفِ وَالمُسْلَمِ فِيهِ) وَقَالَ زُفَرُ: لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ حُكْمَهُ الِاسْتِيفَاءُ، وَهَذَا اسْتِبْدَالٌ لِعَدَمِ المُجَانِسَةِ، وَبَابُ الاسْتِبْدَالِ فِيهَا مَسْدُودٌ، وَلَنَا: أَنَّ المُجَانَسَةَ ثَابِتَةٌ فِي المَالِيَّةِ، فَيَتَحَقَّقُ الاسْتِيفَاءُ مِنْ
الرهن ضمان استيفاء الدين، وليس بضمان مبتدأ فيتقدر بالدين، وضمان البيع ضمان مبتدأ يجب بالعقد إذ ليس للبائع على المشتري شيء قبل البيع؛ فيجعل مضمونا بالقيمة عند تعذر إيجاب المسمى كضمان الغصب.
وفي جامع المحبوبي والمقبوض من الرهن على وجه قرض فاسد يكون مضمونا أيضًا، وصورته؛ أن العبد التاجر إذا أخذ رهنا ليقرضه فهلك الرهن عنده فالعبد ضامن لقيمة الرهن، وإن كان قرضه فاسدًا؛ لأن العبد لا يملك الإقراض.
قوله: (ويصح الرهن برأس مال السلم … ) إلى آخره، ولا يعلم فيه خلاف للأئمة الثلاثة.
وقال زفر: لا يصح في رأس [مال] (١) السلم، وثمن الصرف، وله في المسلم روايتان ذكره في المبسوط.
(لأن حكمه)؛ أي: حكم كل واحد من الثلاثة (الاستيفاء).
(وهذا)؛ أي الرهن استبدال؛ لأنه لو صح لصار مستوفيا به، وهو استبدال لعدم المجانسة.
ولنا أن المجانسة ثابتة في المالية؛ يعني هذا رهن بدين مضمون فيصح وإنما يصير مستوفيا باعتبار ماليته لا عينه، والمجانسة ثابتة في المالية فتتحقق المالية، ولا يقال: المجانسة من حيث المالية ثابتة في جميع الصور؛ فينبغي أن يجوز الاستبدال برأس مال السلم وأخويه حيث لا يجوز.
لأنا نقول: المجانسة من حيث المالية إنما تعتبر في صورة الرهن لا في غيره؛ لأن المرتهن يصير مستوفيا حقه لا مستبدلا؛ لما ذكرنا أن عين الرهن لا يكون مملوكا له فإذا كان حكم الرهن الاستيفاء لا الاستبدال؛ فجاز الرهن بكل
стр. 6859
حَيْثُ المَالُ، وَهُوَ المَضْمُونُ عَلَى مَا مَرَّ. قَالَ: (وَالرَّهْنُ بِالمَبِيعِ بَاطِلٌ) لِمَا بَيَّنَّا: أَنَّهُ غَيْرُ مَضْمُونٍ بِنَفْسِهِ (فَإِنْ هَلَكَ ذَهَبَ بِغَيْرِ شَيْءٍ)؛ لِأَنَّهُ لَا اعْتِبَارَ لِلْبَاطِلِ، فَبَقِيَ قَبْضًا بِإِذْنِهِ (وَإِنْ هَلَكَ الرَّهْنُ بِثَمَنِ الصَّرْفِ، وَرَأسِ مَالِ السَّلَمِ فِي مَجْلِسِ العَقْدِ: تَمَّ الصَّرْفُ وَالسَّلَمُ، وَصَارَ المُرْتَهِنُ مُسْتَوْفِيًا لِدَيْنِهِ حُكْمًا) لِتَحَقُّقِ القَبْضِ حُكْمًا (وَإِنْ افْتَرَقَا قَبْلَ هَلَاكِ الرَّهْنِ، بَطَلَا) لِفَوَاتِ القَبْضِ حَقِيقَةً وَحُكْمًا (وَإِنْ هَلَكَ الرَّهْنُ بِالمُسْلَمِ فِيهِ بَطَلَ السَّلَمُ بِهَلَاكِهِ) وَمَعْنَاهُ: أَنَّهُ يَصِيرُ مُسْتَوْفِيًا لِلْمُسْلَمِ فِيهِ، فَلَمْ يَبْقَ السَّلَمُ، وَلَوْ تَفَاسَخَا السَّلَمَ وَبِالمُسْلَمِ فِيهِ رَهْنٌ، يَكُونُ ذَلِكَ رَهْنَا بِرَأْسِ المَالِ حَتَّى
دين يجب استيفاؤه، ورأس مال السلم وأخواه كذلك؛ فيجوز الرهن بها، كذا في المبسوط.
قوله: (لفوات القبض حقيقةً) وهو ظاهر وحكما؛ لأنه يكون بإهلاكه فلا يثبت قبله.
قوله: (يكون ذلك رهنا برأس المال) هذا جواب الاستحسان، وفي القياس؛ لا يكون رهنا به حتى لا يحبسه؛ لأن ذلك الرهن كان مرهونا بالسلم فيه وقد سقط لا إلى بدل، ورأس المال دين آخر واجب بسبب آخر وهو القبض؛ فلا يكون رهنا به كما لو كان لك على غيرك دراهم ودنانير فرهنه بالدنانير رهنا، ثم أبرأ المرتهن عن الدنانير لا يكون الرهن رهنا بالدراهم، وهذا قياس مذهب الأئمة الثلاثة.
وجه الاستحسان: أنه ارتهن بحقه الواجب بسبب العقد الذي جرى بينهما وحقه في المسلم فيه عند قيام العقد، وحقه في رأس المال عند فسخ العقد فيكون له أن يحبسه بكل واحد منهما؛ كمن ارتهن بالمغصوب فهلك المغصوب كان له حبس الرهن حتى يستوفي قيمته؛ لأن الواجب بالغصب استرداد العين عند قيامه والقيمة عند هلاكه، وهذا لأن المسلم فيه مع رأس المال أحدهما بدل عن الآخر، والرهن بالشيء يكون رهنا ببدله لقيامه مقام الأصل، كذا في المبسوط (١).
стр. 6860
يَحْبِسُهُ)؛ لِأَنَّهُ بَدَلُهُ فَصَارَ كَالمَغْصُوبِ إِذَا هَلَكَ وَبِهِ رَهْنٌ يَكُونُ رَهْنَا بِقِيمَتِهِ (وَلَوْ هَلَكَ الرَّهْنُ بَعْدَ التَّفَاسُخِ يَهْلِكُ بِالطَّعَامِ المُسَلَّمِ فِيهِ)؛ لِأَنَّهُ رَهَنَهُ بِهِ، وَإِنْ كَانَ مَحْبُوسًا بِغَيْرِهِ، كَمَنْ بَاعَ عَبْدًا وَسَلَّمَ المَبِيعَ، وَأَخَذَ بِالثَّمَنِ رَهْنَا، ثُمَّ تَقَابَلَا البَيْعَ، لَهُ أَنْ يَحْبِسَهُ لِأَخْذِ المَبِيعِ؛ لِأَنَّ الثَّمَنَ بَدَلَهُ، وَلَوْ هَلَكَ المَرْهُونُ يَهْلِكُ بِالثَّمَنِ لِمَا بَيَّنَّا؛ وَكَذَا لَوِ اشْتَرَى عَبْدًا شِرَاءٌ فَاسِدًا وَأَدَّى ثَمَنَهُ، لَهُ أَنْ يَحْبِسَهُ لِيَسْتَوْفِيَ الثَّمَنَ، ثُمَّ لَوْ هَلَكَ المُشْتَرَى فِي يَدِ المُشْتَرِي، يَهْلِكُ بِقِيمَتِهِ، فَكَذَا هَذَا. قَالَ: (وَلَا يَجُوزُ رَهْنُ الحُرِّ وَالمُدَبَّرِ وَالمُكَاتَبِ وَأُمِّ الوَلَدِ)؛ لِأَنَّ حُكْمَ الرَّهْنِ ثُبُوتُ يَدِ الِاسْتِيفَاءِ، وَلَا يَتَحَقَّقُ الاسْتِيفَاءُ مِنْ هَؤُلَاءِ لِعَدَمِ المَالِيَّةِ فِي الحُرِّ، وَقِيَامِ المَانِعِ فِي البَاقِينَ، (وَلَا
قوله: (يهلك بالطعام المسلّم فيه حتى لا يبقى لرب السلم مطالبة المسلم إليه بالطعام؛ بل عليه أن يعطى مثل الطعام الذي كان على المسلم إليه، ويأخذ رأس المال؛ لأن بهلاك الرهن يكون مستوفيا طعام السلم، ولو استوفاه حقيقة قبل الإقالة، ثم تقايلا أو بعد الإقالة لزمه رد المستوفى واسترداد المال؛ فكذلك هاهنا، وهذا لأن الإقالة في باب السلم لا تحتمل الفسخ بعد ثوبتها؛ فبهلاك الرهن تبطل الإقالة.
قوله: (لما بينا)؛ إشارة إلى قوله: (لأن الثمن بدله).
قوله: (وأدى ثمنه قيمة المشترى فاسدا) كذا في النهاية.
وقيل: لا يحتاج إلى هذا التأويل، ويمكن أن يجرى على حقيقته بأن أخذ ثمنه ثم علم بفساد البيع.
قوله: (يهلك بقيمته)؛ أي بقيمة المشترى شراءً فاسدًا، وفي بعض النسخ: فكذا هذا)، وهو بعيد يعرف بالتأمل.
قوله: (وقيام المانع في الباقين) وهو المدبر وأم الولد والمكاتب.
وقال مالك وأحمد: يجوز رهن المدبر.
واختلف أصحاب الشافعي فقال بعضهم: لا يجوز قولا واحدًا. وقال:
بعضهم يجوز قولا واحدًا. وقال بعضهم: فيه وجهان؛ أحدهما أنه يحكم بفساد
стр. 6861
يَجُوزُ الرَّهْنُ بِالكَفَالَةِ بِالنَّفْسِ، وَكَذَا بِالقِصَاصِ فِي النَّفْسِ وَمَا دُونَهَا) لِتَعَذَّرِ الاسْتِيفَاءِ، بِخِلَافِ مَا إِذَا كَانَتْ الجِنَايَةُ خَطَأً، لِأَنَّ اسْتِيفَاءَ الْأَرْشِ مِنْ الرَّهْنِ مُمْكِنٌ (وَلَا يَجُوزُ الرَّهْنُ بِالشَّفْعَةِ)؛ لِأَنَّ المَبِيعَ غَيْرُ مَضْمُونٍ عَلَى المُشْتَرِي (وَلَا بِالعَبْدِ الجَانِي وَالعَبْدِ المَأْذُونِ وَالمَدْيُونِ)؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَضْمُونٍ عَلَى الْمَوْلَى، فَإِنَّهُ لَوْ هَلَكَ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ (وَلَا بِأَجْرَةِ النَّائِحَةِ وَالمُغَنِّيَةِ، حَتَّى لَوْ ضَاعَ لَمْ يَكُنْ مَضْمُونًا)؛ لِأَنَّهُ لَا يُقَابِلُهُ شَيْءٌ مَضْمُونٌ وَلَا يَجُوزُ لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَرْهَنَ خَمْرًا، أَوْ يَرْتَهِنَهُ مِنْ مُسْلِمٍ، أَوْ
الرهن. والثاني وهو الأصح أنه يباع في الدين، وهذا بناء على جواز بيعه عندهم فكل ما يجوز بيعه يجوز رهنه عندهم؛ لإمكان استيفاء الدين من ثمنه.
وعندنا: لا يجوز بيعه فلا يمكن الاستيفاء منه. وعند الشافعي وإن كان يجوز بيعه لكن علق عتقه بصفة؛ فأشبه ما لو علق عتقه بصفة توجد قبل حلول الحق.
ورهن المكاتب يجوز عند مالك وأحمد في رواية يجوز بيعه، وعندنا والشافعي وأحمد في الأصح: لا يجوز بيعه.
قوله: (لتعذر الاستيفاء)؛ أي استيفاء القصاص من الرهن ولا المكفول به وهو القصاص غير مضمون في نفسه حتى لو مات من عليه القصاص لم يجب شيء، ولا يعلم فيه خلاف.
وإنما ذكر عدم جواز الرهن بمقابلة القصاص في النفس وما دونه لأنه لو رهن ببدل الصلح من دم العمد يصح؛ لأن البدل مضمون بنفسه، وهذا بخلاف ما لو كان القتل خطأ فصالحه على عين ثم رهن به رهنا لم يصح؛ لأنه غير مضمون فإنه إذا هلك ينفسخ الصلح فصار كالمبيع كذا في الإيضاح.
قوله: (ولا بأجر النائحة والمغنية، وكذا بثمن الخنزير (١)، والخمر.
(لو ضاع)؛ أي: الرهن لم يكن مضمونًا)؛ لأن الدين غير واجب، ولهذا لو تخاصما إلى القاضي قبل الرهن فالقاضي لا يأمر المستأجر بتسليم الأجر، كذا في الذخيرة، ولا يعلم فيه خلاف.
стр. 6862
ذِمِّي لِتَعَدُّرِ الإِيفَاءِ وَالاسْتِيفَاءِ فِي حَقِّ المُسْلِمِ، ثُمَّ الرَّاهِنُ إِذَا كَانَ ذِمِّيَّا، فَالخَمْرُ مَضْمُونٌ عَلَيْهِ لِلأُمِّيِّ كَمَا إِذَا غَصَبَهُ، وَإِنْ كَانَ المُرْتَهِنُ ذِمِّيًا، لَمْ يَضْمَنْهَا لِلْمُسْلِمِ كَمَا لَا يَضْمَنُهَا بِالغَصْبِ مِنْهُ، بِخِلَافِ مَا إِذَا جَرَى ذَلِكَ فِيمَا بَيْنَهُمْ؛ لِأَنَّهَا مَالٌ فِي حَقِّهِمْ، أَمَّا المَيْتَةُ فَلَيْسَتْ بِمَالٍ عِنْدَهُمْ، فَلَا يَجُوزُ رَهْنُهَا وَارْتِهَانُهَا فِيمَا بَيْنَهُمْ، كَمَا لَا يَجُوزُ فِيمَا بَيْنَ المُسْلِمِينَ بِحَالٍ وَلَو اشْتَرَى عَبْدًا وَرَهَنَ بِثَمَنِهِ عَبْدًا، أَوْ خَلَّا، أَوْ شَاةً مَذْبُوحَةً، ثُمَّ ظَهَرَ العَبْدُ حُرًّا، أَوْ الخَلُّ خَمَرًا، أَوْ الشَّاةُ مَيْتَةً، فَالرَّهْنُ مَضْمُونٌ؛ لِأَنَّهُ رَهَنَهُ بِدَيْنٍ وَاجِبِ ظَاهِرًا (وَكَذَا إِذَا قَتَلَ عَبْدًا وَرَهَنَ بِقِيمَتِهِ رَهْنَا، ثُمَّ ظَهَرَ أَنَّهُ حُرٌ) وَهَذَا كُلُّهُ عَلَى ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَكَذَا إِذَا صَالَحَ عَلَى إِنْكَارٍ وَرَهَنَ بِمَا صَالَحَ عَلَيْهِ رَهْنَا، ثُمَّ تَصَادَقَا أَنْ لَا دَيْنٌ فَالرَّهْنُ مَضْمُونٌ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ خِلَافُهُ،
قوله: (فالرهن مضمون)؛ أي: بالأقل من قيمته، ومن قيمة الرهن؛ لأنه رهنه بدين واجب ظاهرًا، ولهذا لو اختصما قبل ظهور الحرية والاستحقاق؛ فالقاضي يقضي بالثمن.
قوله: (ثم ظهر أنه)؛ أي العبد المقتول حر (١)، وكذا إذا استحق المشترى؛ لما ذكرنا من ظهور الدين فيكفي ذلك لصحة الرهن.
قوله: (تصادقا أن لا دين)، وفي الذخيرة: ذكر صورته محالا إلى الجامع الكبير (٢) فقال: رجل ادعى على آخر ألفًا فجحد الآخر فصالحه عن ذلك الدعوى على خمسمائة، وأعطاه رهنا يساوي خمسمائة فهلك الرهن عند المرتهن، ثم تصادقا على أن لا دين، فعلى المرتهن قيمة الرهن خمسمائة، وهذا الرهن جائز عندنا خلافًا للشافعي؛ لأن بدل الصلح على الإنكار يجب، وعنده لا يجوز الصلح فلا يجب (٣).
ولو استوفى بدل الصلح حقيقة ثم تصادقا على عدم الدين يجب رد ما استوفى حقيقة كذا هاهنا. (وعن أبي يوسف خلافه).
стр. 6863
وَكَذَا قِيَاسُهُ فِيمَا تَقَدَّمَ مِنْ جِنْسِهِ.
قَالَ: (وَيَجُوزُ لِلْأَبِ أَنْ يَرْهَنَ بِدَيْنٍ عَلَيْهِ عَبْدًا لِابْنِهِ الصَّغِيرِ)؛ لِأَنَّهُ يَمْلِكُ الإِيدَاعَ، وَهَذَا أَنْظَرُ فِي حَقِّ الصَّبِيِّ مِنْهُ؛ لِأَنَّ قِيَامَ المُرْتَهِنِ بِحِفْظِهِ أَبْلَغُ خِيفَةَ الغَرَامَةِ (وَلَوْ هَلَكَ يَهْلِكُ مَضْمُونًا، والوَدِيعَةُ تَهْلِكُ أَمَانَةً، وَالوَصِيُّ بِمَنْزِلَةِ الأَبِ) فِي هَذَا البَابِ، لِمَا بَيَّنَّا وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ وَزُفَرَ: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ مِنْهُمَا، وَهُوَ القِيَاسُ،
وفي الإيضاح: أن الرهن مضمون، ويجب عليه رد قيمته في قول محمد، وأما الرواية عن أبي يوسف؛ أنه لا يضمن قيمته؛ لأنهما لما تصادقا على عدم الدين فقد تصادقا على انعدام الضمان في الرهن وحكم الرهن يثبت فيما بينهما.
وجه قول محمد؛ أن القبض إنما وقع بمال مضمون في الظاهر؛ فصار كالدين الثابت حقيقة.
قوله: (وكذا قياسه)؛ أي قياس قول أبي يوسف (فيما تقدم)؛ أي في مسألة الخل والعبد، وظهور العبد حرا، والخل خمرًا، وإنما قال قياسه؛ لأن الرواية عنه محفوظة في مسألة الصلح دون مسألة (من اشترى عبدا … ) إلى آخره، ولكن وجدوا تلك المسألة كمسألة الصلح من حيث إنه قبضه، وليس هناك ضمان في الحقيقة، كذا في الإيضاح.
قوله: (بدين عليه)؛ أي على الأب (عبدًا لابنه الصغير) قيد بالصغير؛ لأنه لو رهن عبد ابنه الكبير لا يجوز بدون إذنه.
قوله: (لما بينا) وهو قوله: (وهذا نظر في حق الصبي وعن أبي يوسف وزفر لا يجوز) وهو قياس قول الأئمة الثلاثة؛ لأنه يقضي دينه من مال اليتيم فلا يجوز كما لو قضاه قصدًا.
قال التمرتاشي: ذكر في الأولى (١) الأب يضمن بقدر الدين؛ إذا كانت قيمة العبد أكثر، والوصي يضمن بقدر القيمة لأن للأب ولاية الانتفاع ولا كذلك الوصي.
стр. 6864
اعْتِبَارًا بِحَقِيقَةِ الإِيفَاءِ، وَوَجْهُ الفَرْقِ عَلَى الظَّاهِرِ وَهُوَ الِاسْتِحْسَانُ: أَنَّ فِي حَقِيقَةِ الإِيفَاءِ إِزَالَةَ مِلْكِ الصَّغِيرِ مِنْ غَيْرِ عِوَضٍ يُقَابِلُهُ فِي الحَالِ، وَفِي هَذَا نَصْبُ حَافِظ لِمَالِهِ نَاجِزًا مَعَ بَقَاءِ مِلْكِهِ، فَوَضَحَ الفَرْقُ (وَإِذَا جَازَ الرَّهْنُ يَصِيرُ المُرْتَهِنُ مُسْتَوْفِيًا دَيْنَهُ لَوْ هَلَكَ فِي يَدِهِ، وَيَصِيرُ الأَبُ أَوْ الوَصِيُّ (مُوفِيًا لَهُ، وَيَضْمَنُهُ لِلصَّبِيِّ)؛ لِأَنَّهُ قَضَى دَيْنَهُ بِمَالِهِ، وَكَذَا لَوْ سَلَّطَا المُرْتَهِنَ عَلَى بَيْعِهِ؛ لِأَنَّهُ تَوْكِيلٌ بِالبَيْعِ وَهُمَا يَمْلِكَانِهِ، قَالُوا: أَصْلُ هَذِهِ المَسْأَلَةِ البَيْعُ، فَإِنَّ الأَبَ أَوْ الوَصِيَّ إِذَا بَاعَ مَالَ الصَّبِيِّ مِنْ غَرِيمِ نَفْسِهِ جَازَ، وَتَقَعُ المُقَاصَّةُ وَيَضْمَنُهُ لِلصَّبِيِّ عِنْدَهُمَا، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ: لَا تَقَعُ المُقَاصَّةُ (*)، وَكَذَا وَكِيلُ البَائِعِ بِالبَيْعِ، وَالرَّهْنُ نَظِيرُ البَيْعِ نَظَرًا إِلَى عَاقِبَتِهِ مِنْ حَيْثُ وُجُوبُ الضَّمَانِ وَإِذَا رَهَنَ الأَبُ مَتَاعَ الصَّغِيرِ مِنْ نَفْسِهِ، أَوْ مِنْ ابْنِ لَهُ صَغِيرٍ، أَوْ عَبْدٍ لَهُ تَاجِرٍ لَا دَيْنَ عَلَيْهِ، جَازَ)؛ لِأَنَّ الْأَبَ لِوُفُورِ شَفَقَتِهِ أُنْزِلَ مَنْزِلَةَ
وسوى في الذخيرة والمغني حيث قال: يضمن الأب والوصي للصغير قيمة الرهن إذا كانت القيمة مثل الدين، وإن كانت أكثر من الدين يضمنان بقدر الدين لا الزيادة؛ إذ فيما زاد مودع مال الصغير، ولهما هذه الولاية.
قوله: (وإذا رهن الأب من نفسه)؛ أي مال الصغير (أو من ابن له آخر صغير أو عبد له)؛ أي للأب بأجر يعني بدين لهم على الصغير.
(ولا دين عليه) على العبد التاجر (جاز) قيد به؛ لأن الشبهة إنما ترد فيما إذا لم يكن على العبد دين لأنه حينئذ يكون بمنزلة أن يرهنه من نفسه؛ لأن كسب عبده الذي لا دين عليه له، ولكن هو غير مانع لما ذكرنا؛ أنه لو رهن متاع ابنه الصغير من نفسه يجوز فكذا هاهنا، أما إذا كان على العبد دين فلا شك في جواز الرهن حتى كان الأب والوصي سواء في هذه الصورة، ذكره في مبسوط شيخ الإسلام.
وعند الأئمة الثلاثة إنما يجوز رهن مال الصبي لهما بشرطين: أحدهما أن يرهنه عند ثقة. والثاني؛ أن يكون للصبي حاجة في نفقته وكسوته وإنفاقه على عقار مستهدم كما يجيء.
стр. 6865
شَخْصَيْنِ وَأُقِيمَتْ عِبَارَتُهُ مَقَامَ عِبَارَتَيْنِ فِي هَذَا العَقْدِ، كَمَا فِي بَيْعِهِ مَالَ الصَّغِيرِ مِنْ نَفْسِهِ فَتَوَلَّى طَرَفِي العَقْدِ (وَلَو ارْتَهَنَهُ الوَصِيُّ مِنْ نَفْسِهِ أَوْ مِنْ هَذَيْنِ، أَوْ رَهَنَ عَيْنًا لَهُ مِنْ اليَتِيمِ بِحَقِّ لِلْيَتِيمِ عَلَيْهِ، لَمْ يَجُزْ)؛ لِأَنَّهُ وَكِيلٌ مَحْضُ، وَالوَاحِدُ لَا يَتَوَلَّى طَرَفَي العَقْدِ فِي الرَّهْنِ، كَمَا لَا يَتَوَلَّاهُمَا فِي البَيْعِ، وَهُوَ قَاصِرُ الشَّفَقَةِ، فَلَا يَعْدِلُ عَنْ الحَقِيقَةِ فِي حَقِّهِ إِلْحَاقًا لَهُ بِالأَبِ، وَالرَّهْنُ مِنْ ابْنِهِ الصَّغِيرِ وَعَبْدِهِ التَّاجِرِ الَّذِي لَيْسَ عَلَيْهِ دَيْنٌ، بِمَنْزِلَةِ الرَّهْنِ مِنْ نَفْسِهِ، بِخِلَافِ ابْنِهِ الكَبِيرِ وَأَبِيهِ وَعَبْدِهِ الَّذِي عَلَيْهِ دَيْنٌ؛ لِأَنَّهُ لَا وِلَايَةَ لَهُ عَلَيْهِمْ، بِخِلَافِ الوَكِيلِ بِالبَيْعِ إِذَا بَاعَ مِنْ هَؤُلَاءِ؛ لِأَنَّهُ مُتَهَمْ فِيهِ، وَلَا تُهْمَةَ فِي الرَّهْنِ؛ لِأَنَّ لَهُ حُكْمًا وَاحِدًا.
(وَإِنْ اسْتَدَانَ الوَصِيُّ لِلْيَتِيمِ فِي كِسْوَتِهِ وَطَعَامِهِ، فَرَهَنَ بِهِ مَتَاعًا لِلْيَتِيمِ جَازَ)؛ لِأَنَّ الِاسْتِدَانَةَ جَائِزَةٌ لِلْحَاجَةِ، وَالرَّهْنُ يَقَعُ إِيفَاءً لِلْحَقِّ فَيَجُوزُ (وَكَذَلِكَ لَوْ اتَّجَرَ لِلْيَتِيمِ فَارْتَهَنَ، أَوْ رَهَنَ)؛ لِأَنَّ الأَوْلَى لَهُ التِّجَارَةُ تَثْمِيرًا لِمَالِ اليَتِيمِ، فَلَا يَجِدُ بُدًا
قوله: (ولو ارتهنه الوصي من نفسه)؛ أي: لأجل دين للوصي على الصغير (أو من هذين)؛ أي صغير للوصي له دين على الصغير أو عبد تاجر للوصي له على الصغير دين (أو رهن) الوصي (عينًا له)؛ أي لليتيم (بحق لليتيم عليه)؛ أي: على الوصي لا يجوز.
قوله: (والرهن من ابنه؛ أي: من ابن الوصي وعبده)؛ أي عبد الوصي بمنزلة الرهن من نفسه؛ فلا يجوز كما لو رهن من نفسه.
قوله: (لا ولاية له)؛ أي: للقاضي (عليهم)؛ أي: على الابن الكبير وابنه وعبده الذي عليه دين؛ لأنه في كسبهم بمنزلة الأجنبي وهم أحق بالكسب منه (لأنه)؛ أي: الوكيل عنهم (فيه)؛ أي في البيع ولا تهمة في الرهن لأن له؛ أي: للرهن حكمًا واحدًا، وهو أنه مضمون بأقل من قيمته، ومن الدين سواء رهنه عند هؤلاء أو عند الأجنبي، كذا في المبسوط (١).
قوله: (وإن استدان الوصي لليتيم)؛ أي: استقرض لأجله؛ لأن الاستدانة جائزة للحاجة، ولا يعلم فيه خلاف.