← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 30179

معراج الدراية في شرح الهداية

الكاكي

Полный текст (7 597 стр.). Показаны 6791–6830 · переход к 6796.

стр. 6791

تَبَيَّنَ أَنَّهُ كَانَ تَرَكَ الأَكْلَ لِلشَّبَعِ لَا لِلْعِلْمِ، وَتَبَدَّلَ الِاجْتِهَادُ قَبْلَ حُصُولِ المَقْصُودِ؛ لِأَنَّهُ بِالأَكْلِ، فَصَارَ كَتَبَدُّلِ اجْتِهَادِ القَاضِي قَبْلَ القَضَاءِ (وَلَوْ أَنَّ صَقْرًا فَرَّ مِنْ صَاحِبِهِ فَمَكَثَ حِينًا، ثُمَّ صَادَ، لَا يُؤْكَلُ صَيْدُهُ)؛ لِأَنَّهُ تَرَكَ مَا صَارَ بِهِ عَالِمًا، فَيُحْكَمُ بِجَهْلِهِ، كَالكَلْبِ إِذَا أَكَلَ مِنْ الصَّيْدِ (وَلَوْ شَرِبَ الكَلْبُ مِنْ دَمِ الصَّيْدِ، وَلَمْ يَأْكُلْ مِنْهُ، أُكِلَ)؛ لِأَنَّهُ مُمْسِكُ لِلصَّيْدِ عَلَيْهِ، وَهَذَا مِنْ غَايَةِ عِلْمِهِ، حَيْثُ شَرِبَ مَا لَا يَصْلُحُ لِصَاحِبِهِ وَأَمْسَكَ عَلَيْهِ مَا يَصْلُحُ لَهُ (وَلَوْ أَخَذَ الصَّيْدَ مِنْ المُعَلَّمِ، ثُمَّ قَطَعَ مِنْهُ وفي المبسوط (١): من أصحابنا من قال: هذا إذا كان العهد قريبًا بأخذ تلك الصيود، وأما إذا تطاول العهد بأن أتى عليه شهر ونحو ذلك، وقدد صاحبه صيوده لم تحرم تلك الصيود؛ لأن في المدة الطويلة يتحقق النسيان، فلا يكون ذلك دليل كونه غير معلم. وفي المدة القصيرة لا يتوهم نسيان الحرفة، فتبين أنه كان غير معلّم، والأظهر أن الخلاف في الفصلين جميعًا. وفي الذخيرة: أما ما باع مما قدد من صيوده، فعندهما: لا ينقض البيع، وعند أبي حنيفة ﵀: ينبغي أن ينقض البيع إذا تصادق المشتري والبائع على كون الكلب جاهلا. قوله: (فمكث حينا ثم صاد)؛ معناه رجع إلى صاحبه ثم صاد لا يؤكل، أما ما صاد قبل الرجوع إلى صاحبه فلا شك أنه لا يؤكل؛ لعدم الإمساك. قوله: (ولو شرب الكلب من دم الصيد ولم يأكل منه أُكل)، وبه قال أكثر أهل العلم. وعن الشعبي، والثوري: كره أكله؛ لأنه في معنى الأكل منه، ولنا ما ذكر في المتن. قوله: (ولو أخذ الصيد)؛ أي: صاحب الكلب أخذ الصيد من الكلب (المعلم).

стр. 6792

قِطْعَةً وَأَلْقَاهَا إِلَيْهِ فَأَكَلَهَا، يُؤْكَلُ مَا بَقِيَ)؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ صَيْدًا، فَصَارَ كَمَا إِذَا أَلْقَى إِلَيْهِ طَعَامًا غَيْرَهُ، وَكَذَا إِذَا وَثَبَ الكَلْبُ فَأَخَذَهُ مِنْهُ وَأَكَلَ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ مَا أَكَلَ مِنْ الصَّيْدِ، وَالشَّرْطُ تَرْكُ الأَكْلِ مِنْ الصَّيْدِ، فَصَارَ كَمَا إِذَا افْتَرَسَ شَاتَهُ، بِخِلَافِ مَا إِذَا فَعَلَ ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يُحْرِزَهُ المَالِكُ؛ لِأَنَّهُ بَقِيَتْ فِيهِ جِهَةُ الصَّيْدِيَّةِ (وَلَوْ نَهَسَ الصَّيْدَ فَقَطَعَ مِنْهُ بِضْعَةً فَأَكَلَهَا، ثُمَّ أَدْرَكَ الصَّيْدَ فَقَتَلَهُ، وَلَمْ يَأْكُلْ مِنْهُ لَمْ يُؤْكَلْ)؛ لِأَنَّهُ صَيْدُ كَلْبِ جَاهِلٍ، حَيْثُ أَكَلَ مِنْ الصَّيْدَ (وَلَوْ أَلْقَى مَا نَهَسَهُ وَاتَّبَعَ الصَّيْدَ فَقَتَلَهُ وَلَمْ يَأْكُلْ مِنْهُ، وَأَخَذَهُ صَاحِبُهُ، ثُمَّ مَرَّ بِتِلْكَ البِضْعَةِ فَأَكَلَهَا، يُؤْكَلُ الصَّيْدُ)؛ لِأَنَّهُ لَوْ أَكَلَ مِنْ نَفْسِ الصَّيْدِ فِي هَذِهِ الحَالَةِ لَمْ يَضُرَّهُ، فَإِذَا أَكَلَ مَا بَانَ مِنْهُ وَهُوَ لَا يَحِلُّ لِصَاحِبِهِ أَوْلَى بِخِلَافِ الوَجْهِ الأَوَّلِ؛ لِأَنَّهُ أَكَلَ فِي حَالَةِ الاِصْطِيَادِ فَكَانَ جَاهِلًا مُمْسِكًا لِنَفْسِهِ، وَلِأَنَّ نَهْسَ البِضْعَةِ قَدْ يَكُونُ لِيَأْكُلَهَا، وَقَدْ يَكُونُ حِيلَةٌ فِي الإِصْطِيَادِ لِيَضْعُفَ بِقَطْعِ القِطْعَةِ مِنْهُ فَيُدْرِكَهُ، فَالأَكْلُ قَبْلَ الأَخْذِ يَدُلُّ عَلَى الوَجْهِ الْأَوَّلِ، وَبَعْدَهُ عَلَى الوَجْهِ الثَّانِي فَلَا يَدُلُّ عَلَى جَهْلِهِ. (وكذا إذا وثب الكلب فأخذه بعد أخذ صاحبه وأكل يؤكل ما بقي؛ لتحقق الإمساك عليه وخروج الصيد عن الصيدية، فلا يخرج من كونه معلّمًا، بخلاف ما لو أكل قبل أخذ صاحبه، فإنه يخرج عن كونه معلما، ولأن هذا من عادة الصيادين بعد أخذ الصيد أن يرموا بقطعة منه إلى الكلب، فكان الكلب طالبا لهذه العادة، وهو دليل حذقه لا دليل جهله، وأما قبل الأخذ لم تجر العادة، فكان أكله في ذلك الوقت دليل جهله، إليه أشار في المبسوط (١). قوله: (فلا يدل على جهله)؛ بل يدل على حذاقته، حيث تناول ما يعلم أن صاحبه لم يرغب فيه، فهو كما لو شرب من دمه، وإن أدرك المرسل الصيد حيًّا وجب عليه أن يذكيه إلى آخره. الكلام في مثله في أربعة مواضع: أحدها: الشاة أو غيرها إذا مرض وبقي فيها من الحياة ما بقي في المذبوح.

стр. 6793

قَالَ: (وَإِنْ أَدْرَكَ المُرْسِلُ الصَّيْدَ حَيًّا، وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يُذَكِّيَهُ، وَإِنْ تَرَكَ تَذْكِيَتَهُ حَتَّى مَاتَ لَمْ يُؤْكَلْ، وَكَذَا البَازِيُّ وَالسَّهْمُ)؛ لِأَنَّهُ قَدَرَ عَلَى الأَصْلِ قَبْلَ حُصُولِ المَقْصُودِ بِالبَدَلِ، إذ المَقْصُودُ هُوَ الإِبَاحَةُ وَلَمْ تَثْبُتْ قَبْلَ مَوْتِهِ، فَبَطَلَ حُكْمُ البَدَلِ، وَهَذَا إِذَا تَمَكَّنَ مِنْ ذَبْحِهِ، أَمَّا إِذَا وَقَعَ فِي يَدِهِ وَلَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ ذَبْحِهِ وَفِيهِ مِنْ الحَيَاةِ فَوْقَ مَا يَكُونُ فِي المَذْبُوحِ، لَمْ يُؤْكَلْ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ، وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ: أَنَّهُ يَحِلُّ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الأَصْلِ، فَصَارَ كَمَا إِذَا رَأَى المَاءَ وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى الاسْتِعْمَالِ، … ... … ... … .. والثاني: إذا قطع الذئب بطن الشاة وبقي فيها من الحياة مقدار ما بقي في المذبوح فأخذه المالك. والثالث: الكلب المعلم والبازي المعلم فإذا أخذ المالك صيده وبقي فيه من الحياة بقدر حياة المذبوح. والرابع: الصيد بعد رميه وإصابته السهم وبقي من الحياة فيه بقدر المذبوح فرماه آخر وقتله. ففي الأول والثاني عندهما: لا تقبل الذكاة حتى لو ذكاها لا يحل، واختلف المشايخ على قول أبي حنيفة. قال الإسبيجابي: فقيل لو ذكاها تحل، وبه كان يفتي شمس الأئمة السرخسي، والصدر الشهيد. وقال شيخ الإسلام: لا تقبل حتى لو ذبحها لا تحل على قوله. فالحاصل أن للحياة عبرة عنده وإن قلت، وعندهما لا يعتبر القليل، وقدر القليل بما تبقى في المذبوح، واتفق مع أبي حنيفة في أكثر منه. ومحمد ﵀ فرق بين القليل والكثير بيوم. وفي الثالث والرابع إذا بقي من الحياة بقدر حياة المذبوح لا تقبل الذكاة بالإجماع، حتى لو لم يذبحه يحل كذا في الذخيرة، وبه قالت الأئمة الثلاثة، وأكثر أهل العلم. قوله: (وهو قول الشافعي)، وبه قال مالك، وأحمد أيضًا. (ولم يقدر على الاستعمال) فإن كان بينه وبين الماء سبع أو عدو، أو البئر

стр. 6794

وَوَجْهُ الظَّاهِرِ، أَنَّهُ قَدَرَ اعْتِبَارًا؛ لِأَنَّهُ ثَبَّتَ يَدَهُ عَلَى حَسَبٍ تَفَاوُتِهِمْ فِي الكِيَاسَةِ وَالهِدَايَةِ فِي أَمْرِ الذَّبْحِ، فَأُدِيرَ الحُكْمُ عَلَى مَا ذَكَرْنَا، بِخِلَافِ مَا إِذَا بَقِيَ فِيهِ مِنْ الحَيَاةِ مِثْلُ مَا يَبْقَى فِي المَذْبُوحِ؛ لِأَنَّهُ مَيْتٌ حُكْمًا، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ وَقَعَ فِي المَاءِ وَهُوَ بِهَذِهِ الحَالَةِ لَمْ يَحْرُمْ، كَمَا إِذَا وَقَعَ وَهُوَ مَيْتٌ، وَالمَيِّتُ لَيْسَ بِمَذْبَحٍ، وَفَصَّلَ بَعْضُهُمْ فِيهَا تَفْصِيلًا، وَهُوَ أَنَّهُ إِنْ لَمْ يَتَمَكَّنْ لِفَقْدِ الآلَةِ لَمْ يُؤْكَلْ، وَإِنْ لَمْ يَتَمَكَّنْ لِضِيقِ الْوَقْتِ لَمْ يُؤْكَلْ عِنْدَنَا، خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُ إِذَا وَقَعَ فِي يَدِهِ لَمْ يَبْقَ صَيْدًا، فَبَطَلَ حُكْمُ ذَكَاةِ الاضْطِرَارِ، وَهَذَا إِذَا كَانَ يُتَوَهَّمُ بَقَاؤُهُ، أَمَّا إِذَا شَقَّ بَطْنَهُ وَأَخْرَجَ مَا فِيهِ ثُمَّ وَقَعَ فِي يَدِ صَاحِبِهِ، حَلَّ؛ لِأَنَّ مَا بَقِيَ اضْطِرَابُ المَذْبُوحِ فَلَا يُعْتَبَرُ، كَمَا إِذَا وَقَعَتْ شَاةٌ فِي المَاءِ بَعْدَمَا ذُبِحَتْ، وَقِيلَ: هَذَا قَوْلُهُمَا، أَمَّا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ فَلَا يُؤْكَلُ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ وَقَعَ فِي يَدِهِ حَيًّا (*)، فَلَا يَحِلُّ إِلَّا بِذَكَاةِ الاخْتِيَارِ رَدًّا إِلَى المُتَرَدِّيَةِ عميق وليس له آلة النزح. قوله: (لا يمكن اعتباره)؛ إذ اعتبار التمكن حقيقة، فمن الناس من يتمكن من الذبح في ساعة لطيفة، ومنهم من لا يتمكن بأكثر من ساعة على حسب تفاوتهم في الكياسة، فأدير الحكم على ما ذكر، وهو إثبات يده عليه بقدر ما يتمكن من الذبح في الجملة، وأقمنا ذلك مقام التمكن حقيقة، كما أقمنا السفر مقام المشقة؛ لتفاوت الناس في لحوق المشقة. قوله: (ليس بمذبح)؛ أي محل للذبح. قوله: (خلافًا للشافعي) ومالك، وأحمد، والحسن بن زياد، ومحمد بن مقاتل أيضًا، فإن عندهم: يؤكل استحسانًا؛ لأنه لم يقدر على الأصل، وهو ذكاة الاختياري لضيق الوقت، وما جاء منه تفريط، وبه أخذ الإمام قاضي خان ﵀. قوله: (يتوهم بقاؤه)؛ أي: حيًا مع الجرح الذي جرحه الكلب. قوله: (لأنه وقع في يده حيا فلا يحل إلا بالذكاة).

стр. 6795

عَلَى مَا نَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، هَذَا الَّذِي ذَكَرْنَا إِذَا تَرَكَ التَّذْكِيَةَ، فَلَوْ أَنَّهُ ذَكَّاهُ حَلَّ أَكْلُهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَكَذَا المُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَالمَوْقُوذَةُ، وَالَّذِي يَبْقُرُ الذِّئْبُ بَطْنَهُ، وَفِيهِ حَيَاةٌ خَفِيَّةٌ، أَوْ بَيِّنَةٌ، وَعَلَيْهِ الفَتْوَى لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة: ٣] اسْتَثْنَاهُ مُطْلَقًا مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ، إِذَا كَانَ بِحَالٍ لَا يَعِيشُ مِثْلُهُ لَا يَحِلُّ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَوْتُهُ بِالذَّبْحِ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ: إِنْ كَانَ يَعِيشُ فَوْقَ مَا يَعِيشُ المَذْبُوحُ يَحِلُّ وَإِلَّا فَلَا؛ لِأَنَّهُ لَا مُعْتَبَرَ بِهَذِهِ الحَيَاةِ عَلَى مَا قَرَّرْنَاهُ (وَلَوْ أَدْرَكَهُ وَلَمْ يَأْخُذْهُ، فَإِنْ كَانَ فِي وَقْتٍ لَوْ أَخَذَهُ أَمْكَنَهُ ذَبْحُهُ، لَمْ يُؤْكَلْ)؛ لِأَنَّهُ صَارَ فِي حُكْمِ المَقْدُورِ عَلَيْهِ (وَإِنْ كَانَ لَا يُمْكِنُهُ ذَبْحُهُ أُكِلَ)؛ لِأَنَّ اليَدَ لَمْ تَثْبُتْ بِهِ، وَالتَّمَكُنُ مِنْ قوله: (هذا الذي ذكرنا)، وهو أنه لا يؤكل عندهما فيما إذا شق بطنه وأخرج ما فيه حل أكله عند أبي حنيفة ﵀؛ لأنه إن كانت فيه حياة مستقرة فالذكاة وقعت موقعها بالإجماع، وإن لم يكن فيه حياة مستقرة فعند أبي حنيفة: ذكاته الذبح، وقد وجد عندهما حل بلا ذبح. قوله: (حياة خفية)؛ أي: دون حياة المذبوح (أو بينة)؛ أي: فوق حياة المذبوح. وقيل: الخفية بأن لم يتحرك ولكن يتنفس بالحياة، والحياة البينة بأن يتحرك يحل إذا ذكاه وعليه الفتوى على قول أبي حنيفة؛ (لأنه تعالى استثناه) [بقوله] (١): ﴿إِلَّا مَا ذَكَيْتُمْ﴾ [المائدة: ٣] (مطلقًا بلا فصل)، ولأن المقصود تسييل الدم النجس بفعل الذكاة وقد حصل، كذا في المبسوط (٢). قوله: (لأنه) أي (لم يكن موته بالذبح) أي: مضافا إلى الذبح، وبه قالت الأئمة الثلاثة. قوله: (وإن كان لا يمكنه ذبحه) أكل ولا يعلم فيه خلاف، وإن أدركه فذكاه حل ولا يعلم فيه خلاف أيضًا.

стр. 6796

الذَّبْحِ لَمْ يُوجَدْ (وَإِنْ أَدْرَكَهُ فَذَكَاهُ حَلَّ لَهُ)؛ لِأَنَّهُ إِنْ كَانَ فِيهِ حَيَاةٌ مُسْتَقِرَّةٌ فَالذَّكَاةُ وَقَعَتْ مَوْقِعَهَا بِالإِجْمَاعِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ حَيَاةٌ مُسْتَقِرَّةٌ؛ فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لَهُ ذَكَاتُهُ الذَّبْحُ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ وَقَدْ وُجِدَ، وَعِنْدَهُمَا: لَا يُحْتَاجُ إِلَى الذَّبْحِ وَإِذَا أَرْسَلَ كَلْبَهُ المُعَلَّمَ عَلَى صَيْدٍ وَأَخَذَ غَيْرَهُ حَلَّ وَقَالَ مَالِكٌ: لَا يَحِلُّ؛ لِأَنَّهُ أَخَذَهُ بِغَيْرِ إِرْسَالٍ؛ إذ الإِرْسَالُ مُخْتَصُّ بِالمُشَارِ إِلَيْهِ، وَلَنَا: أَنَّهُ شَرْطٌ غَيْرُ مُفِيدٍ؛ لِأَنَّ مَقْصُودَهُ حُصُولُ الصَّيْدِ، إِذْ لَا يَقْدِرُ عَلَى الوَفَاءِ بِهِ؛ إذْ لَا يُمْكِنُهُ تَعْلِيمُهُ عَلَى وَجْهِ يَأْخُذُ مَا عَيَّنَهُ، قوله: (وإذا أرسل كلبه المعلم على صيد) وفي بعض النسخ (كلبه على صيد)؛ أي: على صيد معين (وأخذ غيره حل)؛ أي: ما دام في سنن إرساله، ذكره في المبسوط. وفي المحيط: أرسل كلبه إلى صيد فأخذ آخر أو عددًا من الصيد واحدًا بعد واحد في ذلك الفور فكله حلال، ولو قتل صيدا وجثم عليه طويلا ثم أخذ آخر لم يحل، وكذا لو عدل عن ذلك الصيد يمنة ويسرة وتشاغل في غير طلب الصيد ثم اتبع صيدا أو أخذه لم يؤكل إلا إذا زجره صاحبه فانزجر ثم أخذ حَلَّ، وبه قال الشافعي، وأحمد في قول. وقال في قول: إن كان عدوله لصيد حل، وإن كان لغير صيد لم يحل؛ لخروجه عن كونه معلمًا. وقال الماوردي من أصحابه: والأصح عندي أنه إن خرج وعاد لا عن جهة إرساله إلى غيرها لم يؤكل صيده فيها، وإن خرج في جهة إرساله خلف صيد فعدل إلى غيرها فأخذ صيدا حل. قال بعض أصحابه: هذا ليس بجيد، فإن كان عدوله عند إرساله في طلب صيد سنح له فلا فرق بين أن يكون في جهة إرساله وبين أن يكون في غيرها عند ابتداء إرساله، وإن كان عدوله لغير صيد يخرج عن كونه معلما؛ لأن من شرط التعلم أن يطلب صيدا إذا أرسله، فإذا عاد عن الصيد إلى غير صيد دل على عدم تعلمه، كذا في الحلية. وقال مالك: لا يحل، فإنه إذا غَيَّرَ وترك المعين صار كترك الإرسال.

стр. 6797

فَسَقَطَ اعْتِبَارُهُ (وَلَوْ أَرْسَلَهُ عَلَى صَيْدٍ كَثِيرٍ، وَسَمَّى مَرَّةً وَاحِدَةً حَالَةَ الإِرْسَالِ، فَلَوْ قَتَلَ الكُلَّ يَحِلُّ بِهَذِهِ التَّسْمِيَةِ الوَاحِدَةِ)؛ لِأَنَّ الذَّبْحَ يَقَعُ بِالْإِرْسَالِ عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ، وَلِهَذَا: تُشْتَرَطُ التَّسْمِيَةُ عِنْدَهُ وَالفِعْلُ وَاحِدٌ فَيَكْفِيهِ تَسْمِيَةٌ وَاحِدَةٌ، بِخِلَافِ ذَبْحِ الشَّاتَيْنِ بِتَسْمِيَةٍ وَاحِدَةٍ؛ لِأَنَّ الثَّانِيَةَ تَصِيرُ مَذْبُوحَةٌ بِفِعْلٍ غَيْرِ الْأَوَّلِ، فَلَا بُدَّ مِنْ تَسْمِيَةٍ أُخْرَى، حَتَّى لَوْ أَضْجَعَ إِحْدَاهُمَا فَوْقَ الأُخْرَى، وَذَبَحَهُمَا بِمَرَّةٍ وَاحِدَةٍ تَحِلَّانِ بِتَسْمِيَةٍ وَاحِدَةٍ (وَمَنْ أَرْسَلَ فَهْدًا فَكَمَنَ حَتَّى يَسْتَمْكِنَ، ثُمَّ أَخَذَ الصَّيْدَ فَقَتَلَهُ يُؤْكَلُ)؛ لِأَنَّ مُكْثَهُ ذَلِكَ حِيلَةٌ مِنْهُ لِلصَّيْدِ لَا اسْتِرَاحَةُ، فَلَا يَقْطَعُ الإِرْسَالَ (وَكَذَا الكَلْبُ إِذَا اعْتَادَ عَادَتَهُ، … ... … ... … ... … ... … ... … ... … ... … وقال ابن أبي ليلى: التعيين ليس بشرط، لكن إذا عين اعتبر تعينه، والإرسال شرط وقد وجد، ولأن تعيين الصيد غير مفيد في حقه؛ إذ الصيود كلها فيما يرجع إلى مقصوده سواء، وكذا في حق الكلب؛ لأن قصده إلى أخذ كل صيد يتمكن من أخذه، كذا في المبسوط (١). قوله: (على ما بيناه)؛ أي: في أول كتاب الذبائح حيث قال: (وفي الصيد يشترط التسمية عند الإرسال والرمي) (ولهذا تشترط التسمية عنده) أي: عند الإرسال. [قوله] (٢) (فَكَمَنَ) (٣) أي: توارى واستخفى (حتى يستمكن)؛ أي: يطلب المكنة، وفي بعض النسخ (حتى يتمكن). (وكذا الكلب إذا اعتاد عادته)؛ أي: عادة الفهد، قال الإمام السرخسي ناقلاً عن شيخه شمس الأئمة الحلواني رحمهما الله: إنه قال: للفهد خصال ينبغي لكل عاقل أن يأخذ ذلك منه: منها؛ أنه يكمن للصيد حتى يستمكن، وهذا حيلة منه للصيد، فينبغي للعاقل ألا يجاهر الخلاف مع عدوه، ولكن يطلب الفرصة حتى يحصل مقصوده من غير إتعاب نفسه.

стр. 6798

وَلَوْ أَخَذَ الكَلْبُ صَيْدًا فَقَتَلَهُ، ثُمَّ أَخَذَ آخَرَ فَقَتَلَهُ، وَقَدْ أَرْسَلَهُ صَاحِبُهُ أُكِلَا جَمِيعًا)؛ لأَنَّ الإِرْسَالَ قَائِمٌ لَمْ يَنْقَطِعْ، وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ رَمَى سَهْمَا إِلَى صَيْدٍ فَأَصَابَهُ وَأَصَابَ آخَرَ (وَلَوْ قَتَلَ الأَوَّلَ فَجَثَمَ عَلَيْهِ طَوِيلًا مِنْ النَّهَارِ، ثُمَّ مَرَّ بِهِ صَيْدٌ آخَرُ فَقَتَلَهُ، لَا يُؤْكَلُ الثَّانِي) لِانْقِطَاعِ الإِرْسَالِ بِمُكْثِهِ، إِذْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ حِيلَةٌ مِنْهُ لِلْأَخْذِ وَإِنَّمَا كَانَ اسْتِرَاحَةٌ، بِخِلَافِ مَا تَقَدَّمَ (وَلَوْ أَرْسَلَ بَازِيَهُ المُعَلَّمَ عَلَى صَيْدٍ فَوَقَعَ عَلَى شَيْءٍ، ثُمَّ اتَّبَعَ الصَّيْدَ فَأَخَذَهُ وَقَتَلَهُ: فَإِنَّهُ يُؤْكَلُ) وَهَذَا إِذَا لَمْ يَمْكُثْ زَمَانًا طَوِيلًا لِلِاسْتِرَاحَةِ، وَإِنَّمَا مَكَثَ سَاعَةً لِلتَّمْكِينِ لِمَا بَيَّنَّاهُ فِي الكَلْبِ (وَلَوْ أَنَّ بَازِيًا مُعَلَّمًا أَخَذَ صَيْدًا فَقَتَلَهُ، وَلَا يُدْرَى أَرْسَلَهُ إِنْسَانٌ أَمْ لَا، لَا يُؤْكَلُ) لِوُقُوعِ الشَّكٍّ فِي الإِرْسَالِ، وَلَا تَثْبُتُ الإِبَاحَةُ بِدُونِهِ. قَالَ: (وَإِنْ خَنَقَهُ الكَلْبُ وَلَمْ يَجْرَحْهُ، لَمْ يُؤْكَلْ)؛ لِأَنَّ الجَرْحَ شَرْطُ عَلَى ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ، وَهَذَا يَدُلُّكَ عَلَى أَنَّهُ لَا يَحِلُّ بِالكَسْرِ، وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ: أَنَّهُ ومنها؛ أنه لا يعدو خلف صاحبه حتى يركبه، وهو يقول: هو المحتاج إلي فلا أذل له، وهكذا ينبغي للعاقل ألا يذل نفسه فيما يفعل لغيره. ومنها؛ ألا يتعلم بالضرب، لكن يضرب الكلب بين يديه إذا أكل من الصيد؛ فيتعلم بذلك، وهكذا ينبغي للعاقل أن يتعظ بغيره، كما قيل: السعيد من وعظ بغيره. ومنها؛ ألا يتناول الخبيث، وإنما يطلب من صاحبه اللحم الطيب، وهكذا ينبغي للعاقل ألا يتناول إلا الطيب. ومنها؛ أنه يثب ثلاثًا أو خمسا، فإن تمكن من الصيد أخذ وإلا ترك، ويقول: لا أقتل نفسي فيما أعمل لغيري، وهكذا ينبغي للعاقل، كذا في المبسوط (١). قوله: (لوقوع الشك) في كونه ميتة أم لا؛ لأنه مال الغير. (ولا تثبت الإباحة بدونه)؛ أي: بدون الإرسال ولا يعلم فيه خلاف.

стр. 6799

إِذَا كَسَرَ عُضْرًا فَقَتَلَهُ: لَا بَأسَ بِأَكْلِهِ؛ لِأَنَّهُ جِرَاحَةٌ بَاطِنَةٌ فَهِيَ كَالجِرَاحَةِ الظَّاهِرَةِ، وَجْهُ الأَوَّلِ: أَنَّ المُعْتَبَرَ جَرْحٌ يَنْتَهِضُ سَبَبًا لِإِنْهَارِ الدَّمِ، وَلَا يَحْصُلُ ذَلِكَ بِالكَسْرِ فَأَشْبَهَ التَّخْنِيقَ، قَالَ: (وَإِنْ شَارَكَهُ كَلْبٌ غَيْرُ مُعَلَّمٍ، أَوْ كَلْبُ مَجُوسِيِّ أَوْ كَلْبٌ لَمْ يُذْكُرُ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ يُرِيدُ بِهِ عَمْدًا: (لَمْ يُؤْكَلْ) لِمَا رَوَيْنَا فِي حَدِيثِ عَدِيٌّ ﵁، وَلِأَنَّهُ اجْتَمَعَ المُبِيحُ وَالمُحَرِّمُ فَيَغْلِبُ جِهَةُ الحُرْمَةِ نَصَّا، أَوْ احْتِيَاطًا وَلَوْ رَدَّهُ عَلَيْهِ الكَلْبُ الثَّانِي، وَلَمْ يَجْرَحْهُ مَعَهُ، وَمَاتَ بِجَرْحِ الأَوَّلِ يُكْرَهُ أَكْلُهُ) لِوُجُودِ المُشَارَكَةِ فِي الأَخْذِ وَفَقْدِهَا فِي الجَرْحِ، وَهَذَا بِخِلَافِ مَا إِذَا رَدَّهُ المَجُوسِيُّ بِنَفْسِهِ حَيْثُ لَا يُكْرَهُ؛ لِأَنَّ فِعْلَ المَجُوسِيِّ لَيْسَ مِنْ جِنْسِ فِعْلِ الكَلْبِ، فَلَا تَتَحَقَّقُ المُشَارَكَةُ وَتَتَحَقَّقُ بَيْنَ فِعْلَيْ الكَلْبَيْنِ لِوُجُودِ المُجَانَسَةِ (وَلَوْ لَمْ يَرُدَّهُ الكَلْبُ الثَّانِي عَلَى الأَوَّلِ، قوله: (فيغلب جهة الحرمة نصا) وهو قوله ﷺ : «ما اجتمع الحرام والحلال (١) إلا وقد غلب الحرام الحلال» (٢). قوله: (ما إذا رده) أي: الصيد (الكلب الثاني عليه) أي: على الكلب الأول، يعني الصيد يفر من الكلب الأول فاستقبله كلب آخر غير معلم أو كلب مجوسي فرده حتى أخذه الكلب الأول يكره أكله؛ لوجود المشاركة في الأخذ لا في الجرح. ثم قيل: كراهة تنزيه. وقيل: كراهة تحريم، وهو اختيار الإمام السَّرَخْسِي، والحلواني. وعند الأئمة الثلاثة: يحل؛ لأن كلب المسلم انفرد بجرحه، وصار كما لو رمى المجوسي سهمه فرد الصيد، أو أمسك مجوسي شاة فذبحها المسلم، ولهذا لو صاد مسلم بكلب مجوسي يحل عند أكثر أهل العلم. وعن أحمد في رواية: لا يباح، وكرهه جابر، والحسن، والنخعي، والثوري،

стр. 6800

لَكِنَّهُ اشْتَدَّ عَلَى الأَوَّلِ حَتَّى اشْتَدَّ عَلَى الصَّيْدِ، فَأَخَذَهُ وَقَتَلَهُ (لَا بَأْسَ بِأَكْلِهِ)؛ لِأَنَّ فِعْلَ الثَّانِي أَثَرُ فِي الكَلْبِ المُرْسَلِ دُونَ الصَّيْدِ، حَيْثُ ازْدَادَ بِهِ طَلَبًا فَكَانَ تَبَعًا لِفِعْلِهِ؛ لِأَنَّهُ بِنَاءٌ عَلَيْهِ فَلَا يُضَافُ الأَخْذُ إِلَى التَّبَعِ، بِخِلَافِ مَا إِذَا كَانَ رَدَّهُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَصِرْ تَبَعًا فَيُضَافُ إِلَيْهِمَا. قَالَ: (وَإِذَا أَرْسَلَ المُسْلِمُ كَلْبَهُ، فَزَجَرَهُ مَجُوسِيٌّ فَانْزَجَرَ بِزَجْرِهِ، فَلَا بَأْسَ بِصَيْدِهِ) وَالمُرَادُ بِالزَّجْرِ الإِغْرَاءُ بِالصِّيَاحِ عَلَيْهِ، وَبِالِانْزِجَارِ إِظْهَارُ زِيَادَةِ الطَّلَبِ وَوَجْهُهُ: أَنَّ الفِعْلَ يُرْفَعُ بِمَا هُوَ فَوْقَهُ أَوْ مِثْلُهُ كَمَا فِي نَسْخِ الآي، وَالزَّجْرُ دُونَ الإِرْسَالِ لِكَوْنِهِ بِنَاءً عَلَيْهِ. قَالَ: (وَلَوْ أَرْسَلَهُ مَجُوسِيٌّ، فَزَجَرَهُ مُسْلِمٌ فَانْزَجَرَ بِزَجْرِهِ ومجاهد؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْتُم مِنَ الْجَوَارِح﴾ [المائدة: ٤]، وهذا لم يُعلِّمُهُ. وقلنا: يحل كما لو صاد بقوسه أو سهمه أو ذبح بشفرته. قوله: (رده المجوسي بنفسه حيث لا يكره) (١) وكذا لو رد عليه دابة أو طيرا لا يكره؛ لأن فعل هؤلاء ليس من جنس فعل الكلب، أما لو رده كلب آخر غير معلم، أو سبع، أو ذو مخلب من الطير مما يجوز أن يتعلم فيصاد به، فرد الصيد على الكلب أو فعل ما يكون معونة للكلب فأخذه الأول لم يؤكل؛ لأن مشاركة الكلب هكذا تكون كذا في الإيضاح. قوله: (اشتد عليه أو صال؛ يعني صال كلب المجوسي على كلب المسلم حتى ازداد طلب كلب المسلم. (فكان تبعا لفعله)؛ أي: لفعل الأول؛ لأنه مؤكد للأول. قوله: (لم يصر تبعًا)؛ لأنه غير مؤكد للأول فيضاف القتل إليهما فلا يحل. قوله: (فرده مجوسي). وفي الطلبة: زجر الكلب فانزجر؛ أي هيجه فهاج. قوله: (كما في نسخ الآي)، وعرف ذلك في أصول الفقه. قوله: (لكونه) أي: لكون الزجر (بناء عليه)؛ أي: على الإرسال، والإرسال يشترط دون الزجر، ولهذا تشترط التسمية عند الإرسال دون الزجر، فكان الاعتبار للإرسال.

стр. 6801

(لَمْ يُؤْكَلْ)؛ لِأَنَّ الزَّجْرَ دُونَ الإِرْسَالِ، وَلِهَذَا لَمْ تَثْبُتْ بِهِ شُبْهَةُ الحُرْمَةِ فَأَوْلَى أَنْ لَا يَثْبُتَ بِهِ الحِلُّ، وَكُلُّ مَنْ لَا تَجُوزُ ذَكَاتُهُ كَالمُرْتَدٌ وَالمُحْرِمِ وَتَارِكِ التَّسْمِيَةِ عَامِدًا فِي هَذَا بِمَنْزِلَةِ المَجُوسِيِّ (وَإِنْ لَمْ يُرْسِلْهُ أَحَدٌ فَزَجَرَهُ مُسْلِمٌ فَانْزَجَرَ، فَأَخَذَ الصَّيْدَ. فَلَا بَأْسَ بِأَكْلِهِ)؛ لِأَنَّ الزَّجْرَ مِثْلُ الانْفِلَاتِ؛ … ... … ... … ... … ... … ... … ... … ... … ... … ... … قوله: (ولهذا لم تثبت به) أي: بالزجر (شبهة الحرمة) وهو الكراهة مع أن الحرمة أسرع ثبوتا. فإن قيل: يشكل عليه أن المحرم لو زجر كلب حلال يجب عليه الجزاء، فلو كان الاعتبار للإرسال ينبغي ألا يجب، وكذا يشكل عليه المسألة الثانية، وهي قوله: (وإن لم يرسله أحد فزجره مسلم … ) إلى آخره، فاعتبر الزجر كالإرسال، فعلم أن له اعتبارا. قلنا: الجزاء يجب على المحرم بما هو أقل من الزجر وهو الدلالة، فبالزجر أولى. وفي المسألة الثانية: الزجر إنما يعتبر مع الإرسال؛ لأنه أقوى منه، أما إذا لم يعارضه ما هو أقوى منه فله اعتبار مع أن ما ذكر في مسألة الانفلات جواب الاستحسان. وفي القياس: لا يحل؛ لأن الإرسال قام مقام الذكاة، ولم توجد حقيقة وحكما. وفي الاستحسان: انزجاره عقب الزجر طاعة دلالة، فيجب اعتباره ويجعل كالإرسال؛ لأنه ما فيه إبطال السبب فيجعل إرسالا، إليه أشار في جامع قاضي خان والمحبوبي. ولأن فيه ضرورة؛ لأن الصائد كثيرا ما يبتلى بهذا، فلو اشتغل بأخذه ليرسله يفوته الصيد، فاكتفى بالزجر. الانفلات: خروج الشيء بغتة، والمراد هاهنا: خروج الكلب من يد صاحبه بغتة. قوله: (لأن الزجر مثل الانفلات) من حيث إن كل واحد منهما غير مشروط

стр. 6802

لِأَنَّهُ إِنْ كَانَ دُونَهُ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ بِنَاءٌ عَلَيْهِ، فَهُوَ فَوْقَهُ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ فِعْلُ المُكَلَّفِ، فَاسْتَوَيَا فَصَلُحَ نَاسِخًا (وَلَوْ أَرْسَلَ المُسْلِمُ كَلْبَهُ عَلَى صَيْدٍ وَسَمَّى، فَأَدْرَكَهُ فَضَرَبَهُ وَوَقَذَهُ، ثُمَّ ضَرَبَهُ فَقَتَلَهُ: أُكِلَ، وَكَذَا إِذَا أَرْسَلَ كَلْبَيْنِ فَوَقَذَهُ أَحَدُهُمَا ثُمَّ قَتَلَهُ الْآخَرُ أُكِلَ)؛ لِأَنَّ الاِمْتِنَاعَ عَنِ الجَرْحِ بَعْدَ الجَرْحِ لَا يَدْخُلُ تَحْتَ التَّعْلِيمِ فَجُعِلَ عَفْوًا (وَلَوْ أَرْسَلَ رَجُلَانِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا كَلْبًا، فَوَقَذَهُ أَحَدُهُمَا، وَقَتَلَهُ الْآخَرُ أُكِلَ) لِمَا بَيَّنَّا (وَالمِلْكُ لِلْأَوَّلِ)؛ لِأَنَّ الأَوَّلَ أَخْرَجَهُ عَنْ حَدِّ الصَّيْدِيَّةِ، إِلَّا أَنَّ الإِرْسَالَ مِنْ الثَّانِي بَعْدَ الخُرُوجِ عَنِ الصَّيْدِيَّةِ بِجُرْحِ الكَلْبِ الأَوَّلِ. في حل الصيد بخلاف الإرسال؛ (لأنه إن كان دونه) أي: لأن الزجر إن كان دون الانفلات من وجه (من حيث إن الزجر بناء على الانفلات فهو فوقه)؛ أي: الزجر فوق الانفلات من وجه آخر. (من حيث إنه)؛ أي: الزجر (فعل المكلف فاستويا فصلح ناسخا)؛ أي: صلح الزجر ناسخًا للانفلات؛ لأن الزجر آخر المستويين، والنسخ يثبت بمثل بعده، كما في نسخ الآي، فلذلك زجر المسلم بعد الانفلات، وإنما يغلب المحرم على المبيح إذا لم يعرف تأخر المبيح، أما إذا علم أن المبيح مؤخر يجعل ناسخا للأول لا محالة، وبقولنا قال أحمد، ومالك في رواية. وقال الشافعي: إن وقف بعده وأخره، ثم أشلاه فأشْلَى وأخذ الصيد حَلَّ، وإن لم يقف لكن زاد في عدوه بزجره لم يحل، وبه قال مالك؛ لما ذكرنا من وجه القياس. قوله: (ووقذه) يقال: وقذ الصيد إذا أثخنه أي: ضعفه ووهنه. قوله: (لأن الامتناع عن الجرح بعد الجرح لا يدخل تحت التعليم)؛ لأنه في وسعه تعليمه على وجه يمتنع عن الجرح بعد جرح فجعل عفوًا، وهذا يشمل فصل كلب وكلبين، وهذا جواب شبهة ترد فيهما، وهي أن الضربة الثانية التي قتل الكلب بها إنما حصل بعد الإثخان الذي أخرجه من الصيدية، فينبغي ألا يحل. فأجاب عنه وقال: (لأن الامتناع … ) إلى آخره. قوله: (لما بينا) وهو أن جرح الكلب مما لا يمكن الاحتراز عنه، فصار كأنه حصل بفعل واحد.

стр. 6803

فَصْلٌ فِي الرَّمْيِ (وَمَنْ سَمِعَ حِسًّا ظَنَّهُ حِسَّ صَيْدٍ فَرَمَاهُ، أَوْ أَرْسَلَ كَلْبًا أَوْ بَازِيًا عَلَيْهِ فَأَصَابَ صَيْدًا، ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُ حِسُّ صَيْدٍ، حَلَّ المُصَابُ) أَيَّ صَيْدٍ كَانَ؛ لِأَنَّهُ قَصَدَ الاِصْطِيَادَ، وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ: أَنَّهُ خَصَّ مِنْ ذَلِكَ الخِنْزِيرَ لِتَغْلِيظِ التَّحْرِيمِ؛ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا تَثْبُتُ فَصْلٌ فِي الرَّمْيِ أخَّر الرمي لما ذكرنا أنه يحصل بالجماد وهو دون الحيوان. وفي [الصحاح] (١): الحس والحسيس: الصوت الخفي. قوله: (أي صيد كان) وانتصاب أي بأنه خبر كان، تقديره بأن المسموع (حس)؛ أي صيد كان، سواء كان مأكول اللحم أو غيره، كذا في مبسوط شيخ الإسلام، والمحيط، وبه قالت الأئمة الثلاثة. وفي النهاية: لا بد هاهنا من قيد، وإلا يلزم على إطلاقه ما لو كان المسموع حس سمكة فظنه طير الماء، أو حس جراد فظنه صيدا، ثم أصاب الرمي الصيد لم يحل المصاب، ذكره في المغني. فيزيد قيدا عليه بأن يقول: تبين أنه حس صيد يحتاج في أكله إلى الذبح أو الجراد كان حلالا، وترك المصنف ذلك القيد لتسارع أفهام الناس في الاصطياد إلى ما يشترط ذبحه أو جرحه [من] (٢) الصيود، ثم لما ظهر أن المسموع حس سمكة أو جراد لا يحل المصاب؛ لأنه لا تقع عليهما الذكاة والرمي، فكان الرمي وتركه سواء، فلو ترك الرمي ثم وجد صيدا ميتًا لا يحل، فكذا هذا، إليه أشار في الذخيرة. قوله: (وعن أبي يوسف أنه خص من ذلك الخنزير) حتى لو كان الحس حس خنزير لا يحل المصاب، بخلاف سائر السباع؛ لأن فعله في سائر السباع مؤثر في طهارة الجلد، فجاز أن يؤثر في إباحة لحم ما أصابه، كذا في الذخيرة، والمحيط.

стр. 6804

الإِبَاحَةُ فِي شَيْءٍ مِنْهُ بِخِلَافِ السِّبَاعِ؛ لِأَنَّهُ يُؤْثَرُ فِي جِلْدِهَا، وَزُفَرُ خَصَّ مِنْهَا مَا لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ؛ لِأَنَّ الإِرْسَالَ فِيهِ لَيْسَ لِلْإِبَاحَةِ، وَوَجْهُ الظَّاهِرِ: أَنَّ اسْمَ الِاصْطِيَادِ لَا يَخْتَصُّ بِالمَأكُولِ، فَوَقَعَ الفِعْلُ اصْطِيَادًا وَهُوَ فِعْلٌ مُبَاحٌ فِي نَفْسِهِ، وَإِبَاحَةُ التَّنَاوُلِ تَرْجِعُ إِلَى المَحَلِّ فَتَثْبُتُ بِقَدْرِ مَا يَقْبَلُهُ لَحْمًا وَجِلْدًا، وَقَدْ لَا تَثْبُتُ إِذَا لَمْ يَقْبَلْهُ، وَإِذَا وَقَعَ اصْطِيَادًا صَارَ كَأَنَّهُ رَمَى إِلَى صَيْدٍ فَأَصَابَ غَيْرَهُ (وَإِنْ تَبَيَّنَ أَنَّهُ حِسُّ آدَمِيٌّ أَوْ حَيَوَانٍ أَهْلِيَّ، لَا يَحِلُّ المُصَابُ)؛ لِأَنَّ الفِعْلَ لَيْسَ بِاصْطِيَادٍ (وَالطَّيْرُ الدَّاجِنُ الَّذِي يَأْوِي البُيُوتَ أَهْلِيُّ، وَالظَّبْي المُوَثَّقُ بِمَنْزِلَتِهِ لِمَا بَيَّنَّا (وَلَوْ رَمَى إِلَى طَائِرٍ، فَأَصَابَ صَيْدًا، وَمَرَّ الطَّائِرُ وَلَا يَدْرِي وَحْشِيٌّ هُوَ أَوْ غَيْرُ وَحْشِيِّ حَلَّ الصَّيْدُ)؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ فِيهِ التَّوَحُشُ وَلَوْ رَمَى إِلَى بَعِيرٍ فَأَصَابَ صَيْدًا وَلَا يَدْرِي نَاةٌ هُوَ أَمْ لَا، لَا يَحِلُّ الصَّيْدُ)؛ لِأَنَّ الأَصْلَ فِيهِ الاسْتِثْنَاسُ (وَلَوْ رَمَى إِلَى سَمَكَةٍ أَوْ جَرَادَةٍ فَأَصَابَ صَيْدًا (وزفر خص منها)؛ أي (١): من جملة المسموع حسه؛ لأن الإرسال فيما لا يؤكل لحمه لا يتعلق له حكم الإباحة، فكان هو والآدمي سواء. ووجه الظاهر وهو الصحيح: أن فعل الإنسان في كل متوحش اصطياد، فأما حل التناول فباعتبار صفة في المحل، وقد صادف رميه محل الحل فيحل. وقوله: (ما بيناه) إشارة إلى قوله: (لأن الفعل ليس باصطياد). قوله: (والظبي الموثق) أي: المشدود، يقال: وثقه أي: شده بالوثاق (بمنزلته) أي: بمنزلة الآدمي. (ولو رمى [إلى] (٢) طائر) إلى آخره في الذخيرة. نظيره ما إذا سمع حسا ظن أنه حس صيد، فأرسل كلبه أو بازيه أو رماه، ولكن لم يتبين صاحب الحس لا يحل المصاب؛ لاحتمال أن يكون صاحب الحس آدميا.

стр. 6805

يَحِلُّ فِي رِوَايَةٍ عَنْ أَبِي يُوسُفَ)؛ لِأَنَّهُ صَيْدٌ، وَفِي أُخْرَى عَنْهُ: لَا يَحِلُّ؛ لِأَنَّهُ لَا ذَكَاةَ فِيهِمَا (وَلَوْ رَمَى فَأَصَابَ المَسْمُوعَ حِسُّهُ، وَقَدْ ظَنَّهُ آدَمِيًّا، فَإِذَا هُوَ صَيْدٌ يَحِلُّ)؛ قوله: (يحل في رواية عن أبي يوسف)، وفي فتاوى قاضي خان. (وإن رمى)؛ أي: السمكة والجراد بدون التسمية يحل في رواية عنه وهو الصحيح، وفي رواية ابن رستم عن أبي يوسف لا يحل، وبه قالت الأئمة الثلاثة؛ لأنه لا تقع الذكاة عليهما، فالرمي وعدمه سواء، فلا يحل بدون التسمية والرمي، ولو رمى إلى بعير أو بقر أو معز أهلي أو آدمي، فأصاب صيدا لا رواية في الأصل لهذا. ولأبي يوسف ﵀ قولان: في قول يحل، وفي قول لا يحل، وبه قالت الأئمة الثلاثة؛ لعدم قصده إلى الإرسال إلى صيد. قوله: (فأصاب)؛ أي: السهم المسموع حسه (وقد ظنه آدميا) أو بهيمة يحل؛ لأنه لا معتبر لظنه. وقال مالك، وأحمد، ومحمد في رواية: لا يحل. وقال الشافعي في الرمي يحل، وفي الكلب وجهان، وكذا لو ظنه خنزيرا أو كلبا لا يحل المصاب عندهم. لهم؛ أنه ما قصد الاصطياد فلم يحل، كما لو رمى هدفا فأصاب صيدا. وقلنا: رميه حقيقة اصطياد فلم يعتبر بالظن المخالف لفعله الذي هو اصطياد حقيقة، وهذا معنى قوله: ولا معتبر لظنه مع تعينه أي: تعينه اصطيادا حقيقة. فإن قيل: ما الفرق بين هذه المسألة والتي تقدمت من تبين أنه حس آدمي أو حيوان أهلي، حيث لا يحل المصاب مع أنه لم يقصد رمي الآدمي، وفي هذه المسألة قصد رميه، ورميه ليس باصطياد؛ لأنه لما حل المصاب مع اقتران ظنه بأنه آدمي ففي الذي لم يقترن به ظن الآدمي أولى؟ قلنا: مقتضى القياس ذلك، ولهذا ذكر الحرمة في الصورتين. في الذخيرة، والمغني: محالا إلى المنتقى فقال في التعليل في الصورتين؛

стр. 6806

لِأَنَّهُ لَا مُعْتَبَرَ بِظَنْهِ مَعَ تَعَيْنِهِ (فَإِذَا سَمَّى الرَّجُلُ عِنْدَ الرَّمْيِ أَكَلَ مَا أَصَابَ إِذَا جَرَحَ السَّهْمُ فَمَاتَ)؛ لِأَنَّهُ ذَابِحٌ بِالرَّمْيِ، لِكَوْنِ السَّهْمِ آلَةً لَهُ فَتُشْتَرَطُ التَّسْمِيَةُ عِنْدَهُ، وَجَمِيعُ البَدَنِ مَحَلَّ لِهَذَا النَّوْعِ مِنْ الزَّكَاةِ، وَلَا بُدَّ مِنْ الجُرْحِ لِيَتَحَقَّقَ مَعْنَى الزَّكَاةِ عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ قَالَ: (وَإِذَا أَدْرَكَهُ حَيًّا ذَكَّاهُ) وَقَدْ بَيَّنَّاهَا بِوُجُوهِهَا، وَالاخْتِلَافِ فِيهَا فِي الفَصْلِ الأَوَّلِ فَلَا نُعِيدُهُ. قَالَ: (وَإِنْ وَقَعَ السَّهْمُ بِالصَّيْدِ فَتَحَامَلَ حَتَّى غَابَ عَنْهُ، لأنه رمى وهو لا يريد الصيد، فعلى هذه الرواية لا فرق بينهما، وعلى رواية هذا الكتاب والمبسوط، وفتاوى قاضي خان. فالفرق هو الذي ذكره في الكتاب أن فعله وقع اصطيادا حقيقة، فلم يعتبر الظن المخالف للحقيقة؛ إذ قد وجد القصد حقيقة بخلاف المسألة الأولى، فإن سهمه أصاب إلى غير المسموع حسه، وكان قصده إلى المسموع، والمسموع حسه ليس بصيد، فكان فعله متوجهًا إلى غير الصيد بالنظر إلى فعله الذي توجه إلى المسموع حسه، وهو ليس بصيد فلم يكن اصطيادًا فلا يحل المصاب، كذا قيل وفيه نوع تأمل. قوله: (على ما بيناه)؛ إشارة إلى ما قال في فصل الجوارح بقوله: (ولا بد من الجرح في ظاهر الرواية) وهو قول أكثر أهل العلم. قوله: (فلا نعيده) أي: الاختلاف. وفي الذخيرة: إذا رمى صيدا فأصابه ووقع عند مجوسي مقدار ما يقدر على ذبحه ومات لا يحل؛ لأنه قادر على ذبحه بتقديم الإسلام، فلم يكتف بالذكاة الاضطرارية، وكذا لو وقع عند نائم، والنائم بحال لو كان مستيقظًا يقدر على تذكيته فمات لا يحل عند أبي حنيفة، فأبو حنيفة ﵀ يجعل النائم كاليقظان في مسائل منها هذه المسألة. (فتحامل) في المشي أن يتكلفه على مشقة وإعياء، ومنه تحامل الصيد أي: يتكلف الطيران من الحمل، يعني يحمل الصيد نفسه على تكلف المشي والطيران

стр. 6807

وَلَمْ يَزَلْ فِي طَلَبِهِ حَتَّى أَصَابَهُ مَيْتًا: أُكِلَ، وَإِنْ قَعَدَ عَنْ طَلَبِهِ ثُمَّ أَصَابَهُ مَيْتًا لَمْ يُؤْكَلْ)، لِمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﵊ «أَنَّهُ كَرِهَ أَكْلَ الصَّيْدِ إِذَا غَابَ عَنْ كذا في المغرب. وفي بعض الفوائد: فائدة ذكر التحامل أنه لو غاب وتوارى بدونه فوجده ميتا لا يحل ما لم يعلم جرحه يقينا. قوله: (لم يزل في طلبه حتى أصابه مَيّتًا أكل) استحسانا، والقياس: لا يحل، وهو قول الشافعي، وأحمد في رواية، وعطاء والثوري. وعن أصحاب الشافعي: فيه قولان؛ لاحتمال أنه كان بسبب آخر. يؤيده قول ابن عباس: كل ما أصميت وما أنميتَ فلا تأكل. والإنماء: أن يغيب عنك، والمراد بالإصماء؛ الموت في الحال. قلنا: إنه ﷺ مر بالروحاء على حمار وحش عقير فتبادر أصحابه إليه، فقال ﷺ : «دعوه فسيأتي صاحِبُهُ» (١) فجاء رجل فقال هذه [رميتي] (٢) وأنا في طلبها وقد جعلتها لك، فأمر رسول الله ﷺ أبا بكر فقسمها بين الرفاق. ولأن الاحتراز عنه غير ممكن؛ لأن الاصطياد غالبا يكون في المشاجر والبراري فلا بد من التواري، فأبحناه إذا لم يغفل عن طلبه، ولو قعد عن طلبه ثم أصابه ميتا لم يحل. وقال الشافعي في قول، وأحمد في رواية: يحل إذا غاب نهارًا؛ لأن لموته سببًا ظاهرًا وهو الجرح فيحلُّ، كما لو جرح إنسانًا، فلم يزل صاحب فراش حتى مات يُجعل قاتلا، وإن احتمل الموت بسبب آخر؛ إذ الموهوم لا يعارض

стр. 6808

الرَّامِي وَقَالَ: لَعَلَّ هَوَامَّ الأَرْضِ قَتَلَتْهُ وَلِأَنَّ احْتِمَالَ المَوْتِ بِسَبَبٍ آخَرَ قَائِمٌ، فَمَا يَنْبَغِي أَنْ يَحِلَّ أَكْلُهُ؛ ........... المتحقق. وعن مالك: إن وجد في يومه يحل، وبعده لا؛ لما روي عن ابن عباس أنه قال: إن رميت فوجدت فيه سهمك من يومك أو ليلتك فَكُلْ، وإن غاب عنك ليلة فلا تأكل فإنك لا تدري ما حدث فيه بعدك. وقال أحمد في رواية: يحل بعده أيضًا، وبه قال بعض أصحاب الظاهر، ولما روى عدي أنه ﷺ قال: «إذا رميت الصيد فوجدته بعد يوم أو يومين ليسَ بِهِ إلّا أثر سهمكَ فَكُلْ، وإن وجدته غريقًا في الماء لا تأكل» متفق عليه (١). وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: أن رجلا أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، أفتني في سهمي، فقال ﷺ : «ما ردَّ عليك سهمُكَ فَكُلْ»، قال: وإن تغيب عني؟ قال: «وإن تغيب عنك ما لم تَجِدْ أثرًا فيه غير سهمك وتجده قد ضَلَّ» رواه أبو داود (٢). ولنا؛ ما روي أنه ﷺ أُهدِي صيدا فقال للمُهدِي: «من أين لك هذا؟» قال: كنت رميته بالأمس وكنت في طلبه حتى حال بيني وبينه ظلمة الليل ثم وجدته اليوم ميتًا وفيه مَرْوِي - أي: رمحي الصغير؟ فقال: «لا أدري لعلَّ بعضَ هَوام الأرض أعانك على قتله فلا حاجة لي فيه» (٣). وما روي عن ابن عباس أنه قال: كُلْ ما أَصْمَيتَ ودَعْ ما أَنْمَيتَ، إلا [أن] (٤) ما لا يستطاع الامتناع عنه عفو، وترك الطلب مما يستطاع الامتناع عنه

стр. 6809

لِأَنَّ المَوْهُومَ فِي هَذَا كَالمُتَحَقِّقِ لِمَا رَوَيْنَا، إِلَّا أَنَّا أَسْقَطْنَا اعْتِبَارَهُ مَا دَامَ فِي طَلَبِهِ ضَرُورَةَ أَنْ لَا يَعْرَى الاِصْطِيَادُ عَنْهُ، وَلَا ضَرُورَةَ فِيمَا إِذَا قَعَدَ عَنْ طَلَبِهِ لِإِمْكَانِ التَّحَرُّزِ عَنْ تَوَارٍ يَكُونُ بِسَبَبِ عَمَلِهِ، وَالَّذِي رَوَيْنَاهُ حُجَّةٌ عَلَى مَالِكِ فِي قَوْلِهِ: إِنَّ مَا عفوا، والثابت بالضرورة لا يعدو موضعها، كذا في المبسوط (١). قوله: (لأن الموهوم في هذا) جواب عن سؤال الشافعي أن الموهوم لا يعارض المتحقق يعني الموهوم في باب الصيد كالمتحقق في حق الحل والحرمة بدليل قوله ﷺ : «لعل هوام الأرضِ قَتَلَهُ». وقوله: (لما روينا) إشارة إلى هذا الحديث (إلا أسقطنا اعتباره) (٢) أي: اعتبار الموهوم ما دام في طلبه. (ضرورة أن لا يعرى الاصطياد عنه)؛ أي عن التغييب عن بصره خصوصًا في الغياض والمشاجر والبراري والطير بعد إصابة السهم يتحامل ويطير حتى يغيب عن بصره؛ فيسقط اعتباره ضرورة إذا كان في طلبه؛ لأن الطالب كالواجد، ولا ضرورة فيما إذا قعد عن طلبه؛ لأنه لو لم يقعد عن طلبه، وجده حيا فذكاه؛ فمن هذا الوجه يكون بالقعود كالتارك للذكاة الاختيارية، ولأنه لو قعد يكون التواري بسبب عمله وممكن الاحتراز عن ذلك التواري؛ بأن يتبع أثره ولا يشتغل بعمل آخر، كذا في المبسوط (٣). ويحمل حديث علي وحديث عمرو بن شعيب على ما إذا لم يقعد عن طلبه؛ بدليل ما روينا من أثر ابن عباس حتى يكون عملا بالدلائل بقدر الإمكان، وما ذكر ابن حزم أن الذي رويتم مرسل غير مُسلَّم، ولئن سُلَّمَ فالمرسل عندنا حجة. قوله: (والذي رويناه) وهو أنه ﷺ كره أكل ما غاب … الحديث حجة على مالك، وفيه نوع تأمل.

стр. 6810

تَوَارَى عَنْهُ إِذَا لَمْ يَبِتْ يَحِلُّ، فَإِذَا بَاتَ لَيْلَةٌ لَمْ يَحِلُّ (وَلَوْ وَجَدَ بِهِ جِرَاحَةً سِوَى جِرَاحَةِ سَهْمِهِ لَا يَحِلُّ)؛ لِأَنَّهُ مَوْهُومٌ يُمْكِنُ الاحْتِرَازُ عَنْهُ فَاعْتُبِرَ مُحَرَّمًا، بِخِلَافِ وَهْمِ الهَوَامُ، وَالجَوَابُ فِي إِرْسَالِ الكَلْبِ فِي هَذَا كَالجَوَابِ فِي الرَّمْيِ فِي جَمِيعِ مَا ذَكَرْنَاهُ. قَالَ: (وَإِذَا رَمَى صَيْدًا، فَوَقَعَ فِي المَاءِ، أَوْ وَقَعَ عَلَى سَطْحٍ، أَوْ جَبَلٍ، ثُمَّ تَرَدَّى مِنْهُ إِلَى الْأَرْضِ لَمْ يُؤْكَلْ)؛ لِأَنَّهُ المُتَرَدِّيَةُ وَهِيَ حَرَامٌ بِالنَّيِّ، وَلِأَنَّهُ احْتَمَلَ المَوْتَ بِغَيْرِ الرَّمْيِ؛ إذ المَاءُ مُهْلِكَ، وَكَذَا السُّقُوطُ مِنْ عَالٍ، يُؤَيِّدُ ذَلِكَ قَوْلُهُ ﵊: لِعَدِيُّ ﵁: «وَإِنْ وَقَعَتْ رَمِيَّتُكَ فِي المَاءِ فَلَا تَأْكُلْ، فَإِنَّكَ لَا تَدْرِي أَنَّ المَاءَ قَتَلَهُ أَوْ سَهْمُك». ........................... قوله: (ولو وجد به جراحة)؛ أي فيما هو في طلبه عندنا، وعند أحمد إذا لم يكن في طلبه أيضًا لا يحل، ولا يعلم فيه خلاف. (ولأنه)؛ أي موته (بجراحة سوى جراحة سهمه موهوم يمكن الاحتراز عنه) إذ يتصور خروج الاصطياد عنه؛ فاجتمع فيه موجب الحل وموجب الحرمة؛ فيغلب المحرم احتياطا كذا في الإيضاح. مع أن الموهوم كالمتحقق في هذا الباب لما روينا (بخلاف وهم الهوام)؛ لأن الاحتراز عنه غير ممكن؛ لأن الصيد لا بد أن يقع على الأرض، والأرض لا تخلو عن الهوام فسقط اعتبار هذا الموهوم كذا في مبسوط شيخ الإسلام. (ثم تردى منه إلى الأرض) قيد به؛ لأنه لو وقع على الجبل أو السطح ابتداء، واستقر عليه ولم يتَرَدَّ يحلَّ بلا خلاف، وهذا أيضًا إذا تردى ولم يقع الجرح مُهلِكًا في الحال أما لو وقع الجرح مهلكا وبقي فيه من الحياة بقدر ما في المذبوح ثم تردى يحل أيضًا كما يجيء. قوله: (من عالٍ) وفي بعض النسخ (من علو) يروى بكسر الواو وضمها وفتحها، (ومن علي) وفيه ثمان لغات؛ من عل ومن علا ومن عل ومن علوّ بالحركات الثلاث كذا في الصحاح (١).

стр. 6811

(وَإِنْ وَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ ابْتِدَاءً أُكِلَ)؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ الاحْتِرَازُ عَنْهُ، وَفِي اعْتِبَارِهِ سَدَّ بَابِ الإِصْطِيَادِ بِخِلَافِ مَا تَقَدَّمَ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ عَنْهُ، فَصَارَ الأَصْلُ: أَنَّ سَبَبَ الحُرْمَةِ وَالحِلِّ إِذَا اجْتَمَعَا وَأَمْكَنَ التَّحَرُّزُ عَمَّا هُوَ سَبَبُ الحُرْمَةِ تُرَجَّحُ جِهَةُ الحُرْمَةِ احْتِيَاطًا، وَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ عَنْهُ جَرَى وُجُودُهُ مَجْرَى عَدَمِهِ؛ لِأَنَّ التَّكْلِيفَ بِحَسَبِ الوُسْعِ، فَمِمَّا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ عَنْهُ إِذَا وَقَعَ عَلَى شَجَرٍ أَوْ حَائِطِ أَوْ آجُرَّةٍ ثُمَّ وَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ أَوْ رَمَاهُ، وَهُوَ عَلَى جَبَلٍ فَتَرَدَّى مِنْ مَوْضِعِ إِلَى مَوْضِعِ حَتَّى تَرَدَّى إِلَى الأَرْضِ، أَوْ رَمَاهُ فَوَقَعَ عَلَى رُمْحٍ مَنْصُوبٍ أَوْ عَلَى قَصَبَةٍ قَائِمَةٍ أَوْ عَلَى حَرْفِ آجُرَّةٍ، لِاحْتِمَالِ أَنَّ حَدَّ هَذِهِ الأَشْيَاءِ قَتَلَهُ، وَمِمَّا لَا يُمْكِنُ الاحْتِرَازُ عَنْهُ، إِذَا وَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ كَمَا ذَكَرْنَاهُ، أَوْ عَلَى مَا هُوَ مَعْنَاهُ كَجَبَلٍ، أَوْ ظَهْرِ بَيْتٍ، أَوْ لَبِنَةٍ مَوْضُوعَةٍ، أَوْ صَخْرَةٍ فَاسْتَقَرَّ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّ وُقُوعَهُ عَلَيْهِ وَعَلَى الْأَرْضِ سَوَاءٌ، وَذُكِرَ فِي المُنْتَقَى: لَوْ وَقَعَ عَلَى صَخْرَةٍ فَانْشَقَّ بَطْنُهُ، لَمْ يُؤْكَلْ، لِاحْتِمَالِ المَوْتِ بِسَبَبٍ آخَرَ، وَصَحَّحَهُ الحَاكِمُ الشَّهِيدُ، وَحُمِلَ مُطْلَقُ المَرْوِيِّ فِي الْأَصْلِ عَلَى غَيْرِ حَالَةِ الإِنْشِقَاقِ، وَحَمَلَهُ شَمْسُ الأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ ﵀ عَلَى مَا أَصَابَهُ حَدُّ الصَّخْرَةِ، قوله: (وإن وقع على الأرض ابتداء) يعني رمى صيدا على رأس الجبل أو على شجرة أو في الهواء؛ فوقع على الأرض ومات حَلَّ، وبه قال الشافعي وأحمد وأبو ثور. وقال مالك: لا يحل إلا أن تكون الجراحة مهلكة أو يموت قبل سقوطه لقوله تعالى: ﴿وَالْمُتَرَدِّيَة﴾ [المائدة: ٣]؛ لأنه اجتمع المبيح والمحرم فيغلب المحرم، كما لو غرق في الماء. وقلنا: إنه صيد مات بالإصابة، ولا يمكن الاحتراز عن سقوطه على الأرض بخلاف ما لو غرق؛ لأنه يمكن الاحتراز عنه وهو قاتل بخلاف الأرض فإنه غير قاتل. قوله: (وحمله شمس الأئمة) أي ما ذكر في المنتقى (على ما أصابه حد الصخرة) يعني ليس هذا اختلاف الرواية.

стр. 6812

فَانْشَقَّ بَطْنُهُ بِذَلِكَ، وَحَمَلَ المَرْوِي فِي الأَصْلِ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُصِبْهُ مِنْ الآجُرَّةِ إِلَّا مَا يُصِيبُهُ مِنْ الْأَرْضِ لَوْ وَقَعَ عَلَيْهَا، وَذَلِكَ عَفْرٌ، وَهَذَا أَصَحٌ، وَإِنْ كَانَ الطَّيْرُ مَائِيًّا، فَإِنْ كَانَتْ الجِرَاحَةُ لَا تَنْغَمِسُ فِي المَاءِ: أُكِلَ، وَإِنْ انْغَمَسَتْ لَا يُؤْكَلُ كَمَا إِذَا وَقَعَ فِي المَاءِ. قَالَ: (وَمَا أَصَابَهُ المِعْرَاضُ بِعَرْضِهِ لَمْ يُؤْكَلْ، وَإِنْ جَرَحَهُ يُؤْكَلُ) لِقَوْلِهِ ﵊ فِيهِ: «مَا أَصَابَ بِحَدِّهِ فَكُلْ، وَمَا أَصَابَ بِعَرْضِهِ فَلَا تَأْكُلْ» وَلِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ الجُرْحِ لِيَتَحَقَّقَ مَعْنَى الزَّكَاةِ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ. قَالَ: (وَلَا يُؤْكَلُ مَا أَصَابَتْهُ البُنْدُقَةُ، فَمَاتَ بِهَا)؛ لِأَنَّهَا تَدُقُّ وَتَكْسِرُ وَلَا تَجْرَحُ، فَصَارَ كَالمِعْرَاضِ إِذَا لَمْ يَخْزِقُ، وَكَذَلِكَ إِنْ رَمَاهُ بِحَجَرٍ، وَكَذَا إِنْ جَرَحَهُ قوله: (ولو وقع عليها)؛ أي على (ما يصيبه من الأرض وذلك عفو)؛ أي كما إذا وقع على الأرض انشق بطنه. قوله: (كما إذا وقع في الماء) يعني طير غير المائي إذا وقع في الماء لا يحل؛ لاحتمال الموت بسبب آخر؛ فكذا طير الماء إذا انغمست جراحته لا يحل لاحتمال الموت بالماء كذا في المبسوط (١)، وبه قالت الأئمة الثلاثة إذا كانت جراحة غير مهلكة، أما إذا كانت مهلكة يحل عند الشافعي ومالك. المعراض: سهم لا ريش له يمشي عرضا فيصيب بعرضه لا بحده، كذا في المغرب (٢). وفيه أيضًا: البندقة طينة مدورة يرمي بها، ويقال لها: الحلاهق (٣). قوله: (إذا لم يخزق) بالزاي، يقال: خزق المعراض أي نفذ، وبالراء المهملة تصحيف. وفي المبسوط (٤): بالزاي يُستعمل في الحيوان، وبالراء المهملة في الثوب، والأصل فيه ما روى عَدِيٌّ قال: سُئِلَ رسول الله ﷺ عن صيد المِعْرَاضِ؟ فقال: «ما خزق - بالزاي - فكُلْ، وما قتل بمعراضِهِ فهو وقيد لا تَأْكُلْ»، متفق

стр. 6813

قَالُوا: تَأْوِيلُهُ إِذَا كَانَ ثَقِيلًا وَبِهِ حِدَّةٌ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ قَتَلَهُ بِثِقَلِهِ، وَإِنْ كَانَ الحَجَرُ خَفِيفًا وَبِهِ حِدَّةٌ يَحِلُّ، لِتَعَيُّنِ المَوْتِ بِالجَرْحِ، وَلَوْ كَانَ الحَجَرُ خَفِيفًا، وَجَعَلَهُ طَوِيلًا كَالسَّهْمِ وَبِهِ حِدَّةٌ فَإِنَّهُ يَحِلُّ؛ لِأَنَّهُ يَقْتُلُهُ بِجَرْحِهِ، وَلَوْ رَمَاهُ بِمَرْوَةِ حَدِيدَةٍ وَلَمْ تُبْضِعْ بِضْعًا: لَا يَحِلُّ؛ لِأَنَّهُ قَتَلَهُ دَقًّا، وَكَذَا إِذَا رَمَاهُ بِهَا فَأَبَانَ رَأْسَهُ، أَوْ قَطَعَ أَوْدَاجَهُ؛ لِأَنَّ العُرُوقَ تَنْقَطِعُ بِثِقَلِ الحَجَرِ كَمَا تَنْقَطِعُ بِالقَطْعِ فَوْقَ الشَّكِّ، أَوْ لَعَلَّهُ مَاتَ قَبْلَ قَطْعِ الأَوْدَاجِ، وَلَوْ رَمَاهُ بِعَصًا، أَوْ بِعُودٍ حَتَّى قَتَلَهُ لَا يَحِلُّ؛ لِأَنَّهُ يَقْتُلُهُ ثِقَلًا لَا جُرْحًا، اللَّهُمَّ إِلَّا إِذَا كَانَ لَهُ حِدَّةٌ يُبْضِعُ بَضْعًا فَحِينَئِذٍ لَا بَأْسَ بِهِ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ السَّيْفِ وَالرُّمْحِ، وَالأَصْلُ فِي هَذِهِ المَسَائِلِ: أَنَّ المَوْتَ إِذَا كَانَ مُضَافًا إِلَى الجَرْحِ بِيَقِينِ كَانَ الصَّيْدُ حَلَالًا، وَإِذَا كَانَ مُضَافًا إِلَى الثَّقَلِ بِيَقِينِ: كَانَ حَرَامًا، وَإِنْ وَقَعَ الشَّقُّ وَلَا يَدْرِي مَاتَ بِالجُرْحِ، أَوْ بِالثَّقَلِ. كَانَ حَرَامًا احْتِيَاطًا، وَإِنْ رَمَاهُ بِسَيْفِ، أَوْ بِسِكِّينِ، فَأَصَابَهُ بِحَدِّهِ فَجَرَحَهُ: حَلَّ، وَإِنْ أَصَابَهُ بِقَفَا السِّكِّينِ، أَوْ بِمِقْبَضِ السَّيْفِ: لَا يَحِلُّ؛ لِأَنَّهُ قَتَلَهُ دَقًّا، وَالحَدِيدُ وَغَيْرُهُ فِيهِ سَوَاءٌ، وَلَوْ رَمَاهُ فَجَرَحَهُ وَمَاتَ بِالجُرْحِ، إِنْ كَانَ الجُرْحُ مُدْمِيًا: يَحِلُّ بِالاتِّفَاقِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُدْمِيًا فَكَذَلِكَ عِنْدَ بَعْضِ المُتَأَخِّرِينَ، سَوَاءٌ كَانَتْ الجِرَاحَةُ صَغِيرَةً أَوْ كَبِيرَةً؛ لِأَنَّ الدَّمَ قَدْ يَحْتَبِسُ بِضِيقِ المَنْفَذ أَوْ غِلَظِ الدَّمِ، وَعِنْدَ بَعْضِهِمْ يُشْتَرَطُ الإِدْمَاءُ لِقَوْلِهِ ﵊: «مَا عليه (١)، وهو قول أكثر أهل العلم. وقال الأوزاعي وأهل الشام: يباح ما قتله بعرضه وَحَدِّهِ، وقال ابن عمر: كلاهما موقوذة، وبه قال الحسن، ولا خلاف في سائر آلات الجراحة؛ لأنها إن قتلت بعرضها ولم يُجرَح لا يحل، وإن جرح لا يحل لأنها إذا لم تجرحه فإنما يقتل بثقله فأشبه ما أصاب بعرض المعراض. المروة؛ حجر أبيض رقيق كالسكين يذبح به والبضع القطع و (اللَّهُمَّ)؛ كلمة استثناء يؤتى بها فيما إذا كان المستثنى عزيزا نادرًا. قوله: (وغلظ الدم) إذ ليس في وسعه إنهار الدم حقيقة بل في وسعه

стр. 6814

أَنْهَرَ الدَّمَ وَأَفْرَى الأَوْدَاجَ فَكُلْ» شَرَطَ الإِنْهَارَ، وَعِنْدَ بَعْضِهِمْ: إِنْ كَانَتْ كَبِيرَةً حَلَّ بِدُونِ الإِدْمَاءِ، وَلَوْ ذَبَحَ شَاةٌ وَلَمْ يَسِلْ مِنْهُ الدَّمُ، قِيلَ: لَا تَحِلُّ، وَقِيلَ: تَحِلُّ وَوَجْهُ القَوْلَيْنِ دَخَلَ فِيمَا ذَكَرْنَاهُ وَإِذَا أَصَابَ السَّهْمُ خِلْفَ الصَّيْدِ أَوْ قَرْنَهُ، فَإِنْ أَدْمَاهُ حَلَّ، وَإِلَّا فَلَا، وَهَذَا يُؤَيِّدُ بَعْضَ مَا ذَكَرْنَاهُ قَالَ: (وَإِذَا رَمَى صَيْدًا، فَقَطَعَ عُضْوًا مِنْهُ: الجراحة الموجبة للإنهار وقد يكون عدم الإنهار بسبب بأن أكل ورق العناب حكي عن واحد من الثقات أنه ذبح عنزة وكان علفه ورق العناب فلم يخرج منه الدم، كذا في المبسوط (١). قوله: (وإن كانت صغيرة لا بد من الإدماء لأنها إذا كانت صغيرة فعدم الخروج لضيق لا لعدم الدم بخلاف ما إذا كانت كبيرة فلا يكون عدم الخروج لضيق المنفذ) بل لعدم الدم وخروج الدم حال وجود الدم في الحيوان شرط لا حال عدم وجوده. (قيل: لا تحل)، وهو قول أبي القاسم الصّفّار؛ لانعدام معنى الذكاة وهو إنهار الدم النجس، وقال ﷺ : «مَا أَنْهَرَ الدَّمَ وَأَفْرَى الأَوْدَاجَ فَكُلْ» (٢). (وقيل: تحل) وهو قول أبي بكر الإسكاف؛ لوجود فعل الذكاة على ما قال ﷺ : «الذَّكَاةُ ما بينَ اللَّبَّةِ واللَّحْيَيْنِ» (٣) وقد يمتنع خروج الدم لغلظه أو لحابس يحبسه، كما إذا أكل ورق العنّاب وذلك غير موجب للحرمة بالاتفاق، كذا في المبسوط (٤). قوله: (وهذا) أي ما ذكرناه مؤيد بعض ما ذكرنا؛ أي قول أبي القاسم

стр. 6815

أُكِلَ الصَّيْدُ) لِمَا بَيَّنَّاهُ (وَلَا يُؤْكَلُ العُضْوُ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: أُكِلَا إِنْ مَاتَ الصَّيْدُ مِنْهُ لِأَنَّهُ مُبَانٌ بِذَكَاةِ الاضْطِرَارِ، فَيَحِلُّ المُبَانُ وَالمُبَانُ مِنْهُ كَمَا إِذَا أُبِينَ الرَّأْسُ بِذَكَاةِ الاخْتِيَارِ بِخِلَافِ مَا إِذَا لَمْ يَمُتْ؛ لِأَنَّهُ مَا أُبِينَ بِالزَّكَاةِ. وَلَنَا: قَوْلُهُ ﵊ مَا أُبِينَ مِنْ الحَيِّ فَهُوَ مَيْتٌ ذَكَرَ الحَيَّ مُطْلَقًا فَيَنْصَرِفُ إِلَى الحَيِّ حَقِيقَةٌ وَحُكْمًا، وَالعُضْمُ المُبَانُ بِهَذِهِ الصِّفَةِ؛ لِأَنَّ المُبَانَ مِنْهُ حَيٌّ حَقِيقَةٌ لِقِيَامِ الحَيَاةِ فِيهِ، وَكَذَا حُكْمًا؛ لِأَنَّهُ تُتَوَهَّمُ سَلَامَتُهُ بَعْدَ هَذِهِ الجِرَاحَةِ، وَلِهَذَا اعْتَبَرَهُ الشَّرْعُ حَيًّا، حَتَّى لَوْ وَقَعَ فِي المَاءِ وَفِيهِ حَيَاةٌ بِهَذِهِ الصِّفَةِ يَحْرُمُ، وَقَوْلُهُ: أُبِينَ بِالزَّكَاةِ، قُلْنَا: حَالَ وُقُوعِهِ لَمْ يَقَعْ ذَكَاةٌ، لِبَقَاءِ الرُّوحِ فِي البَاقِي، وَعِنْدَ زَوَالِهِ لَا يَظْهَرُ فِي المُبَانِ لِعَدَمِ الحَيَاةِ فِيهِ، وَلَا تَبَعِيَّةَ لِزَوَالِهَا بِالانْفِصَالِ، فَصَارَ هَذَا الحَرْفُ هُوَ الْأَصْلَ؛ لِأَنَّ المُبَانَ مِنْ الحَيِّ حَقِيقَةً وَحُكْمًا لَا يَحِلُّ، وَالمُبَانُ مِنْ الحَيِّ صُورَةً لَا حُكْمًا يَحِلُّ، وَذَلِكَ بِأَنْ يَبْقَى فِي المُبَانِ مِنْهُ حَيَاةٌ بِقَدْرِ مَا يَكُونُ فِي المَذْبُوحِ، فَإِنَّهُ حَيَاةٌ صُورَةً لَا حُكْمًا، وَلِهَذَا لَوْ وَقَعَ فِي المَاءِ وَبِهِ هَذَا القَدْرُ مِنْ الحَيَاةِ، أَوْ تَرَدَّى مِنْ جَبَلٍ، أَوْ سَطْحٍ، لَا يَحْرُمُ، فَتُخَرَّجُ عَلَيْهِ المَسَائِلُ، فَنَقُولُ: إِذَا قَطَعَ يَدًا أَوْ رِجْلًا أَوْ فَخِذَا أَوْ ثُلُثَهُ مِمَّا يَلِي القَوَائِمَ أَوْ أَقَلَّ مِنْ نِصْفِ الرَّأْسِ يَحْرُمُ المُبَانُ، وَيَحِلُّ المُبَانُ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ الصفار على ما ذكرناه من اشتراط تسييل الدم عنده. وفي فتاوى قاضي خان دليل على أن حياة المذبوح لو كانت متيقنا بها لا يشترط خروج الدم حيث ذكر فيه، ولو ذبح شاة أو غيرها فتحركت بعد الدم، وخرج منها دم مسفوح تؤكل، ولو لم تتحرك ولم يخرج منها الدم أكلت (١)؛ لأن الحركة وخروج الدم علامة الحياة، وإن لم يعلم حياتها عند الذبح لا تؤكل، وإن علم حياتها عند الذبح أكل، وإن لم يخرج الدم ولم تتحرك. قوله: (لما بيناه) وهو أن الرمي مع الجرح مبيح ولا يؤكل العضو لقوله ﷺ : ما أُبِينَ مِنَ الحَيِّ فهوَ مَيِّتٌ (٢).

стр. 6816

يُتَوَهَّمُ بَقَاءُ الحَيَاةِ فِي البَاقِي (وَلَوْ قَدَّهُ نِصْفَيْنِ، أَوْ قَطَعَهُ أَثْلَاثًا، وَالْأَكْثَرُ مِمَّا يَلِي العَجُزَ، أَوْ قَطَعَ نِصْفَ رَأْسِهِ، أَوْ أَكْثَرَ مِنْهُ، يَحِلُّ المُبَانُ وَالمُبَانُ مِنْهُ)؛ لِأَنَّ المُبَانَ مِنْهُ حَيٌّ صُورَةٌ لَا حُكْمًا؛ إذْ لَا يُتَوَهَّمُ بَقَاءُ الحَيَاةِ بَعْدَ هَذَا الجَرْحِ، وَالحَدِيثُ وَإِنْ تَنَاوَلَ السَّمَكَ وَمَا أُبِينَ مِنْهُ فَهُوَ مَيِّتُ، إِلَّا أَنَّ مَيْتَتَهُ حَلَالٌ. وهذا إذا أبان شيئًا يبقى المبان منه حيا بدونه عادة كاليد والرجل والفخذ وثلثه ما يلي القوائم والأول من نصف رأسه ولو قدَّده نصفين أو قطعه أثلاثا والأكثر ما يلي العجز أو قطع رأسه أو نصف رأسه أو أكثر حل المبان والمبان منه؛ إذ لا يتوهم بقاؤه حيًّا بعد هذا فكان قتلا، وهذا كله عندنا وأحمد في رواية عنه. وعند الشافعي وأحمد في رواية عنه: يحل كلاهما في الوجوه كلها إذا مات الصيد من ذلك القطع؛ لأن الفعل وقع ذكاة فظهر أثره في الكل كما في الذكاة الاختيارية إذا أبين رأسه لأنه إبانة جزء لا تبقى الحياة معه. والمراد من الحديث: «مَا أُبينَ … » لا بسبب الذكاة لإجماعنا أن المبان بسبب الذكاة كالرأس والنصف المساوي أو الأكثر حلال. ولنا قوله ﷺ : «مَا أُبِينَ من الحَيِّ فهو ميت»، ذكر الحي مطلقًا فانصرف إلى الحي حقيقةً وحكما؛ ليكون حيا من كل وجه، وفي النوع الأول المبان منه حي حقيقة لوجود الحياة فيه، وحكمًا لأنه يتوهم حياته بدون هذه الأعضاء، وقد اعتبره الشارع حي لو وقع في الماء وفيه حياة بهذه الصفة يحرم. وفي النوع الثاني؛ فالمبان منه حي صورة لا حكمًا؛ فإنه لا يتوهم بقاء الحياة فيه بعد هذا الجرح، حتى لو وقع في الماء وبه حياة بهذه الصفة. (أو تردى من جبل أو سطح لم يحرم) يؤيد ما ذكرنا أنه ﷺ قال ذلك؛ لتحريم ما كانوا يعتادون في الجاهلية؛ فإنهم كانوا يعتادون قطع الألية من الشاة، وربما يقطعون بعض لحم العجز فيأكلون فحرم النبي ﷺ ذلك. قوله: (لزوالها) (١)؛ أي لزوال التبعية بالانفصال، وهو جواب عن قول الشافعي.

стр. 6817

بِالحَدِيثِ الَّذِي رَوَيْنَاهُ (وَلَوْ ضَرَبَ عُنُقَ شَاةٍ، فَأَبَانَ رَأْسَهَا: يَحِلُّ لِقَطْعِ الْأَوْدَاجِ) وَيُكْرَهُ هَذَا الصَّنِيعُ لِإِبْلَاغِهِ النَّخَاعَ، وَإِنْ ضَرَبَهُ مِنْ قِبَلِ القَفَا، إِنْ مَاتَ قَبْلَ قَطْعِ الأَوْدَاجِ، لَا يَحِلُّ، وَإِنْ لَمْ يَمُتْ حَتَّى قَطَعَ الأَوْدَاجَ حَلَّ، (وَلَوْ ضَرَبَ صَيْدًا فَقَطَعَ يَدًا، أَوْ رِجْلًا وَلَمْ يُبِنْهُ إِنْ كَانَ يُتَوَهَّمُ الالتِنَامُ وَالانْدِمَالُ فَإِذَا مَاتَ حَلَّ أَكْلُهُ)؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ سَائِرِ أَجْزَائِهِ، وَإِنْ كَانَ لَا يُتَوَهَّمُ بِأَنْ بَقِيَ مُتَعَلِّقًا بِجِلْدِهِ حَلَّ مَا سِوَاهُ لِوُجُودِ الإِبَانَةِ مَعْنَى، وَالعِبْرَةُ لِلْمَعَانِي. قَالَ: (وَلَا يُؤْكَلُ صَيْدُ المَجُوسِيِّ وَالمُرْتَدٌ وَالوَثَنِي)؛ لِأَنَّهُمْ لَيْسُوا مِنْ أَهْلِ الزَّكَاةِ عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ فِي الذَّبَائِحِ، وَلَا بُدَّ مِنْهَا فِي إِبَاحَةِ الصَّيْدِ، بِخِلَافِ النَّصْرَانِي وَاليَهُودِيِّ؛ لِأَنَّهُمَا مِنْ أَهْلِ الذَّكَاةِ اخْتِيَارًا فَكَذَا اضْطِرَارًا. قَالَ: (وَمَنْ رَمَى صَيْدًا، فَأَصَابَهُ وَلَمْ يُنْخِنُهُ، وَلَمْ يُخْرِجُهُ عَنْ حَيِّنِ الِامْتِنَاعِ، فَرَمَاهُ آخَرُ فَقَتَلَهُ، فَهُوَ لِلثَّانِي وَيُؤْكَلُ)؛ لِأَنَّهُ هُوَ الآخِذُ، وَقَدْ قَالَ ﵊: «الصَّيْدُ لِمَنْ أَخَذَ» (وَإِنْ كَانَ الأَوَّلُ أَثْخَنَهُ فَرَمَاهُ الثَّانِي فَقَتَلَهُ: فَهُوَ لِلْأَوَّلِ، وَلَمْ يُؤْكَلْ) لِاحْتِمَالِ المَوْتِ بِالثَّانِي، وَهُوَ لَيْسَ بِذَكَاةٍ، لِلْقُدْرَةِ عَلَى ذَكَاةِ الِاخْتِيَارِ، بِخِلَافِ الوَجْهِ الأَوَّلِ، وَهَذَا إِذَا كَانَ الرَّمْيُ الأَوَّلُ بِحَالٍ يَنْجُو مِنْهُ الصَّيْدُ؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَكُونُ المَوْتُ مُضَافًا إِلَى الرَّمْيِ الثَّانِي، وَأَمَّا إِذَا كَانَ الْأَوَّلُ بِحَالٍ لَا يَسْلَمُ مِنْهُ قوله: (بالحديث الذي رويناه) وهو قوله: «أُحِلَّت لنا ميتتان» (١). (ولم يثخنه) في المغرب (٢): أثخنته الجراحات؛ ضعفته وأوهنته. قوله: (لم يؤكل لاحتمال الموت بالثاني) وبه قالت الأئمة الثلاثة. قوله: (وهذا)؛ أي قوله: (لم يؤكل) وحاصله أن الرجلين إذا رُمِيًا معًا أو بعد الأول قبل الإصابة فقتلا؛ فهو لهما جميعا وحلَّ؛ لأن كل واحد رمى إلى

стр. 6818

الصَّيْدُ، بِأَنْ لَا يَبْقَى فِيهِ مِنْ الحَيَاةِ إِلَّا بِقَدْرِ مَا يَبْقَى فِي المَذْبُوحِ، كَمَا إِذَا أَبَانَ رَأْسَهُ: يَحِلُّ؛ لِأَنَّ المَوْتَ لَا يُضَافُ إِلَى الرَّمْيِ الثَّانِي؛ لِأَنَّ وُجُودَهُ وَعَدَمَهُ بِمَنْزِلَةٍ، وَإِنْ كَانَ الرَّمْيُ الأَوَّلُ بِحَالٍ لَا يَعِيشُ مِنْهُ الصَّيْدُ إِلَّا أَنَّهُ بَقِيَ فِيهِ مِنْ الحَيَاةِ أَكْثَرُ مِمَّا يَكُونُ بَعْدَ الذَّبْحِ، بِأَنْ كَانَ يَعِيشُ يَوْمًا أَوْ دُونَهُ؛ فَعَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ: لَا يَحْرُمُ بِالرَّمْيِ الثَّانِي؛ لِأَنَّ هَذَا القَدْرَ مِنْ الحَيَاةِ لَا عِبْرَةَ بِهَا عِنْدَهُ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ: يَحْرُمُ؛ صيد مباح فيحل، وإصابة الرميتان فقد استوتا في سبب الملك؛ فيوجب المساواة في الملك. وإن رمياه معا أو متعاقبا فأصابه سهم أحدهما أولا وأثخنه، ثم أصابه السهم الآخر فهو للأول ويحل تناوله عندنا، وعند زفر؛ لا يحل. والأصل أن المعتبر في الرمي حالة الإرسال عند العلماء الثلاثة، وعند زفر حالة الاتصال بالمحل؛ فالسهم أصابه وهو غير ممتنع فصار كما لو رمى إلى شاة فلا يحل. وقلنا: الإصابة نتيجة الرمي فصار مضافا إليه، ولهذا تعتبر التسمية عند الإرسال لا عند الإصابة، وقد حصل الإرسال منهما والمحل صيد ممتنع فلم يتعلق بالإرسال الثاني خطر إلا أن الملك يثبت للأول؛ لأن سهمه أخرجه عن حيز الامتناع؛ فملكه قبل أن يتصل الثاني به؛ فالحل يتعلق بالإرسال، والملك يتعلق بالاتصال، نعم إرسال كلبيهما أو بإذنهما مثله في الحل والملك. وقال الشافعي وأحمد: إن تمكن من ذبحه بعد الجرح، ولم يذبحه حتى مات لم يحل، وإن لم يتمكن من ذبحه وجرحه الثاني؛ فعليه قيمته مجروحا واختلف أصحابه فيما يجب ضمانه. قال الإِصْطخري: يجب على الثاني كمال قيمته للأول بعد جراحته. وفي الحلية (١): والمذهب أنه يجب عليه ما يخص جنايته من قيمته، وتقسيط القيمة على الجانبين، وفرض أصحابنا ﵏ المسألة في جنايتين

стр. 6819

لِأَنَّ هَذَا القَدْرَ مِنْ الحَيَاةِ مُعْتَبَرٌ عِنْدَهُ عَلَى مَا عُرِفَ مِنْ مَذْهَبِهِ، فَصَارَ الجَوَابُ فِيهِ، وَالجَوَابُ فِيمَا إِذَا كَانَ الأَوَّلُ بِحَالٍ لَا يَسْلَمُ مِنْهُ الصَّيْدُ سَوَاءٌ، فَلَا يَحِلُّ. قَالَ: (وَالثَّانِي ضَامِنٌ لِقِيمَتِهِ لِلْأَوَّلِ، غَيْرَ مَا نَقَصَتْهُ جِرَاحَتُهُ)؛ لِأَنَّهُ بِالرَّمْيِ أَتْلَفَ صَيْدًا مَمْلُوكًا لَهُ؛ لِأَنَّهُ مَلَكَهُ بِالرَّمْيِ المُثْخِنِ وَهُوَ مَنْقُوصُ بِجِرَاحَتِهِ، وَقِيمَةُ المُتْلَفِ تُعْتَبَرُ يَوْمَ الإِتْلَافِ. قَالَ ﵁: تَأْوِيلُهُ إِذَا عُلِمَ أَنَّ القَتْلَ حَصَلَ بِالثَّانِي، بِأَنْ كَانَ الأَوَّلُ بِحَالٍ يَجُوزُ أَنْ يَسْلَمَ الصَّيْدُ مِنْهُ، وَالثَّانِي بِحَالٍ لَا يَسْلَمُ الصَّيْدُ مِنْهُ لِيَكُونَ الْقَتْلُ كُلُّهُ مضمونتين؛ ليعرف ما يجب على كل واحد منهما قسطه من الأول فقال: صيد مملوك يساوي عشرة، جرحه رجل فنقص درهم، وجرحه آخر فنقص من قيمته أيضًا درهم، ومات الصيد من [سراية] (١) الجنايتين فاختلف أصحابنا على ستة طرق؛ أصحها أن أرش جناية كل واحد يدخل في جنايته فيضم قيمة الصيد عند جناية الأول إلى قيمته عند جناية الثاني فيكون تسعة ثم تقسم قيمة الصيد وهو عشرة على تسعة عشر فما يقابل عشره يجب على الأول، وما يقابل تسعه يجب على الثاني هذا طريق ابن خيران. والثاني: وهو قول المزني أنه ست على كل واحد منهما أرش جناية ثم يجب عليهما قيمته بعد الجنايتين فيجب على كل واحد خمسة. والثالث: على كل واحد نصف أرش، ونصف قيمته يوم جنى عليه فيجب على الأول خمسة ونصف وعلى الثاني خمسة ثم يرجع الأول على الثاني بنصف درهم. والرابع: يجب على كل واحد منهما نصف قيمته حال جنايته، ونصف أرش جنايته، ولا يثبت الرجوع للأول على الثاني. والخامس: أنه يجب على الأول أرش جنايته، ثم يجب بعد ذلك قيمته بينهما نصفين ولا يجب على الثاني أرش جنايته. والسادس - وهو قول ابن أبي هريرة: أن الأرش يدخل في قيمة الصيد

стр. 6820

مُضَافًا إِلَى الثَّانِيَ، وَقَدْ قَتَلَ حَيَوَانًا مَمْلُوكًا لِلْأَوَّلِ مَنْقُوصًا بِالجِرَاحَةِ فَلَا يَضْمَنُهُ كَمَلًا، كَمَا إِذَا قَتَلَ عَبْدًا مَرِيضًا: إِنْ عَلِمَ أَنَّ المَوْتَ يَحْصُلُ مِنْ الجِرَاحَتَيْنِ أَوْ لَا يَدْرِي، قَالَ فِي الزِّيَادَاتِ: يَضْمَنُ الثَّانِي مَا نَقَصَتْهُ جِرَاحَتُهُ، ثُمَّ يُضَمِّنُهُ نِصْفَ قِيمَتِهِ مَجْرُوحًا بِجِرَاحَتَيْنِ ثُمَّ يَضْمَنُ نِصْفَ قِيمَةِ لَحْمِهِ، أَمَّا الأَوَّلُ، فَلِأَنَّهُ جَرَحَ حَيَوَانًا مَمْلُوكًا لِلْغَيْرِ، وَقَدْ نَقَصَهُ، فَيَضْمَنُ مَا نَقَصَهُ أَوَّلًا، وَأَمَّا الثَّانِي: فَلِأَنَّ المَوْتَ حَصَلَ بِالجِرَاحَتَيْنِ، فَيَكُونُ هُوَ مُتْلِفًا نِصْفَهُ، وَهُوَ مَمْلُوكٌ لِغَيْرِهِ، فَيَضْمَنُ نِصْفَ قِيمَتِهِ مَجْرُوحًا بِالجِرَاحَتَيْنِ؛ لِأَنَّ الأُولَى مَا كَانَتْ بِصُنْعِهِ، وَالثَّانِيَةُ: ضَمِنَهَا مَرَّةٌ، فَلَا يَضْمَنُهَا ثَانِيًا، وَأَمَّا الثَّالِثُ: فَلِأَنَّ بِالرَّمْيِ الأَوَّلِ صَارَ بِحَالٍ يَحِلُّ بِذَكَاةِ الِاخْتِيَارِ لَوْلَا رَمْيُ الثَّانِي، فَهَذَا بِالرَّمْيِ الثَّانِي أَفْسَدَ عَلَيْهِ نِصْفَ اللَّحْمِ فَيَضْمَنُهُ، وَلَا يَضْمَنُ النِّصْفَ الآخَرَ؛ لِأَنَّهُ ضَمِنَهُ مَرَّةً فَدَخَلَ ضَمَانُ اللَّحْمِ فِيهِ، وَإِنْ كَانَ رَمَاهُ الأَوَّلُ ثَانِيَا، فَالجَوَابُ فِي حُكْمِ الإِبَاحَةِ كَالجَوَابِ فِيمَا إِذَا كَانَ الرَّامِي غَيْرَهُ، وَيَصِيرُ كَمَا إِذَا رَمَى صَيْدًا عَلَى قِمَّةِ جَبَلٍ فَأَنْخَنَهُ، ثُمَّ رَمَاهُ ثَانِيَا فَأَنْزَلَهُ: لَا يَحِلُّ؛ لِأَنَّ الثَّانِيَ مُحَرَّمٌ، كَذَا هَذَا. قَالَ: (وَيَجُوزُ اصْطِيَادُ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ مِنْ الحَيَوَانِ وَمَا لَا يُؤْكَلُ) لِإِطْلَاقِ مَا تَلُونَا، وَالصَّيْدُ لَا يَخْتَصُّ بِمَأْكُولِ اللَّحْمِ، قَالَ قَائِلُهُمْ: صَيْدُ المُلُوكِ أَرَانِبٌ وَثَعَالِبُ … وَإِذَا رَكِبْتُ فَصَيْدِيَ الأَبْطَالُ فيجب على الأول نصف قيمته حال جنايته، وعلى الثاني نصف قيمته حال جنايته فيذهب نصف درهم من قيمة الصيد. قَالَ قَائِلُهُمْ: صَيْدُ الْمُلُوكِ أَرَانِبٌ وَثَعَالِبُ … وَإِذَا رَكِبْتُ فَصَيْدِيَ الْأَبْطَالُ قوله: (في حكم الإباحة كالجواب) يعني لا في حكم الضمان لأن الإنسان لا يضمن ملك نفسه بفعله لنفسه. قوله: (لإطلاق ما تلونا) وهو قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: ٢]. (الأبطال) جمع بطل وهو رجل شجاع.

стр. 6821

وَلِأَنَّ صَيْدَهُ سَبَبٌ لِلانْتِفَاعِ بِجِلْدِهِ، أَوْ شَعْرِهِ أَوْ رِيشِهِ، أَوْ لِاسْتِدْفَاعِ شَرِّهِ، وَكُلُّ ذَلِكَ مَشْرُوعٌ. ولو نصب أحبولة فوقع فيها صيد ومات إن مات بالشبكة والحبل؛ لا يحل باتفاق أكثر أهل العلم إلا عند الحسن البصري فإنه قال: لو سمى على الحبل ودخل فيه وجرحه يحل، وهذا قول شاذ مخالف لعامة أهل العلم. أما لو كان فيها آلة جارحة مثل المنجل وسمى عليها وجرحه يحل عندنا وأحمد وبه قال الحسن وقتادة. وقال الشافعي: لا يحل؛ لأنه لم يُذَكِّهِ أحد، وإنما قتلته المناجل بنفسها، ولم يوجد من الصائد إلا السبب فصار كمن نصب سكينا فذبحت شاة، ولأنه لو رمى سهما وهو لا يرى صيدا فقتل صيدا لم يحل فهذا أولى. ولنا؛ قوله ﷺ : «كل ما ردت عليك يدك» (١) ولأنه قتل الصيد بحديدة على الوجه المعتاد فأشبه ما لو رماه بها، ولأنه قصد قتل الصيد بما له حد فأشبه قتله بالرمي؛ بخلاف ما لو رمى سهما ولم ير صيدا، ونصب سكينًا؛ فذلك ليس بمعتاد فالظاهر أنه لا يصيب صيدا فلم يصح، وهاهنا بخلافه فجعل التسبب بمنزلة المباشرة لصحة قصده إلى أخذ الصيد وجرت العادة بذلك. ولو تعلق صيد بشرك إنسان أو شبكته ملكه لثبوت يده على الصيد، وكل من أخذه بعده رَدَّه، ولو كان مشى أو طاف مع الشبكة على وجه لا يقدر على الامتناع فهو لصاحبها، ولو قدر على الامتناع لم يملكه صاحب الشبكة، وكذا لو رمي صيدا فأثخنه، ودخل الصيد في دار إنسان فأخذه صاحب الدار لم يملكه؛ لأنه ملك الرامي ولا يعلم فيه خلاف. ولو أرسل صيده لم يزل عن ملكه، وبه قال الشافعي في وجه وأحمد كما لو أرسل بعيره أو فرسه. وقال الشافعي في وجه: يزول ملكه وبه قال أحمد في رواية؛ لأن بالإرسال يرد إلى أصله، والأصل الإباحة بخلاف بهيمة الأنعام. ولو اصطاد طيورا وجعله في برج وطار منه إلى برج غيره لم يزل ملكه عنه. وقال مالك؛ إن لم يكن أَنِسَ ببرجه بطول ملكه صار ملكًا لمن انتقل إلى

стр. 6822

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . برجه وإن عاد إلى برج الأول عاد ملكه. ولو أرسل بازيه فأخذ صيدًا وأمسكه بمخلبه ولم يثخنه، ومسك بازي الثاني فالصيد لصاحب بازي الثاني وحل؛ لأن يد البازي الأول ليست بيد حافظة لتقام مقام يد المالك، أما القتل فهو إتلاف والبازي من أهل الإتلاف فينتقل إلى صاحبه. ولو رمى سهما إلى صيد، ورمى آخر سهما فأصاب السهم الثاني السهم الأول، وأمضاه حتى أصاب الصيد وقتله جرحًا حل؛ فإن كان السهم الأول بحال يعلم أنه لا يبلغ الصيد بدون السهم الثاني؛ فالصيد للثاني؛ لأنه الآخذ حتى لو كان الثاني محرما أو مجوسيا أو مرتدا لا يحل. وإن كان السهم الأول بحال يبلغ الصيد بدون السهم الثاني؛ فالصيد للأول؛ لأنه سبقه في الأخذ فإن كان الثاني مجوسيا أو مُحرِمًا لا يحل استحسانا؛ خلافا للشافعي وأحمد وأبي يوسف لأنه أوجب زيادة قوة في الأول فأوجب الحرمة احتياطا. ولو رمى مجوسي سهمًا أو أرسل كلبه فهرب الصيد، وأقبل مسلم فرماه، أو أرسل كلبه عليه فقتله، قبل وقوع سهم المجوسي على الأرض وقبل رجوع الكلب كره أكله؛ لأن فعل المجوسي أعانه عليه فيوجب الكراهة، أما إذا قتله بعد وقوع سهمه على الأرض ورجوع كلبه لا يكره. ولو صاد المجوسي بكلب مسلم لا يحل بإجماع العلماء، أما لو صاد المسلم بكلب المجوسي يحل عند أكثر العلماء، وكرهه جابر والحسن ومجاهد والنخعي والثوري؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْتُم مِنَ الْجَوَارِح﴾ [المائدة: ٤] وهذا لم يُعَلِّمه، وللعامة أنه آلة فلا يكره كالذبح بسكين المجوسي والرمي بقوس المجوسي والآية تدل على إباحة الصيد بما علمناه، وما علمه عرفا فهو في معناه فيلحق به؛ لأنه آلة. ولو رمى سهما فصرفته الريح يمنة ويسرة، ثم أصاب الصيد لا يحل لانقطاع الرمي فصار قتيل الرمح، ولو زاد بها قوة وهو على سننه فأصاب صيدا فقتله حل؛ لأنه لا يمكن الاحتراز عنه.

стр. 6823

كِتَابُ الرَّهْنِ الرَّهْنُ لُغَةٌ: حَبْسُ الشَّيْءِ بِأَيِّ سَبَبٍ كَانَ، وَفِي الشَّرِيعَةِ: جَعْلُ الشَّيْءِ مَحْبُوسًا بِحَقِّ، يُمْكِنُ اسْتِيفَاؤُهُ مِنْ الرَّهْنِ كَالدُّيُونِ، وَهُوَ مَشْرُوعٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَرِهَانٌ كِتَابُ الرَّهْنِ ذكر الرهن عقيب الصيد: إما لأن كل واحد وسيلة إلى تحصيل المال الذي يملك، وإما لأن الذي سيُمَلَك فيهما بفرضية الحصول. ثم من محاسنه النظر للجانبين؛ فمن جانب الراهن هو أن يكون المرتهن يمكن أن يكون ألد الخصام خصوصا إذا وجد رخصة من الشارع بقوله: «إنّ لصاحب الحَقِّ يدًا أو لسانًا» (١)؛ فربما يزيده في تشديده بحيث لا يدع الراهن؛ فالشرع شرع الرهن ليسهل أمره. ومن جانب المرتهن؛ أمن حقه عن التوى والتلف عند جحد الراهن الدين، ولا بينة له، أو يغرم عليه غرماء فيستحقون ماله أو يموت مفلسا ولا كفالة له، أو بظهوره مفلسا. ثم الرهن لغة وشرعًا ما ذكره في الكتاب والرهن يجيء بمعنى المرهون تسمية بالمصدر والجمع رهون ورهان، وقرئ بهما في الآية ورهن أيضًا، والرهين والرهينة الرهن أيضًا، والتركيب يدل على الثبات والدوام. وقيل: هو معناه لغة يقال ماء راهن؛ أي راكد، ونعمة راهنة؛ أي ثابتة. وسببه؛ مطالبة رب الدين الرهن، وركنه الإيجاب فقط عندنا، وعند بعض العلماء الإيجاب والقبول كما يجيء.

стр. 6824

مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣] وَبِمَا رُوِيَ «أَنَّهُ ﵊: اشْتَرَى مِنْ يَهُودِيٍّ طَعَامًا وَرَهَنَهُ بِهِ دِرْعَهُ» وَقَدْ انْعَقَدَ عَلَى ذَلِكَ الإِجْمَاعُ، وَلِأَنَّهُ عَقْدُ وَثِيقَةٍ لِجَانِبِ الاسْتِيفَاءِ. فَيُعْتَبَرُ بِالوَثِيقَةِ فِي طَرَفِ الوُجُوبِ وَهِيَ الكَفَالَةُ. قَالَ: (الرَّهْنُ يَنْعَقِدُ بِالإِيجَابِ وَالقَبُولِ، وَيَتِمُّ بِالقَبْضِ) … ... … .. قوله: (ورهنه) وفي بعض النسخ (بها)؛ أي: بالقيمة قالت أسماء بنت زيد (١) [﵂] (٢): إنه عليه الصلاة السلام: تُوفّي ودرعه مرهون عند يهودي بِوَسَقٍ من شعير (٣). قالوا: في الحديث دليل جواز الرهن بكل مال متقوم سواء كان معدا للطاعة أو لا، بخلاف ما يقوله المتقشفة أن ما يكون للطاعة لا يجوز رهنه كالمصحف؛ لأنه في صورة حبسه عن الطاعة. وقلنا: كان درعه معا للجهاد، وقد رهنه ﵊، وفيه دليل على جواز الرهن في الحضر والسفر خلافا لما يقوله داود الظاهري ومجاهد أن الرهن لا يجوز إلا في السفر لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِنَا فَرِهَانُ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣] والتعليق بالشرط ينفي الوجود عند عدمه. وقلنا: ليس المراد به الشرط حقيقة بل ذكر ما يعتاده الناس في المعاملة؛ فإنهم في الغالب يميلون إلى الرهن عند تعذر إمكان التوثق بالكتاب والشهود، والغالب أن ذلك يكون في السفر، وتوارثت من لدن رسول الله ﷺ إلى يومنا هذا جوازه في الحضر والسفر؛ فعلم أن ذلك على سبيل العادة. وفيه دليل على أنه [لا] (٤) بأس للإمام والقاضي أن يباشر البيع والشراء بنفسه في غير مجلس القضاء، خلافا لما يقوله الشافعي.

стр. 6825

قَالُوا: الرُّكْنُ الإِيجَابُ بِمُجَرَّدِهِ؛ لِأَنَّهُ عَقْدُ تَبَرُّعٍ فَيَتِمُّ بِالمُتَبَرَّعِ كَالهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ، وَالقَبْضُ شَرْطُ اللُّزُومِ عَلَى مَا نُبَيِّنُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَقَالَ مَالِكٌ: يَلْزَمُ بِنَفْسِ العَقْدِ؛ لِأَنَّهُ يَخْتَصُّ بِالمَالِ مِنْ الجَانِبَيْنِ فَصَارَ كَالبَيْعِ، وَلِأَنَّهُ عَقْدُ وَثِيقَةٍ فَأَشْبَهَ الكَفَالَةَ، وَلَنَا مَا تَلَوْنَا: وَالمَصْدَرُ المَقْرُونُ بِحَرْفِ الفَاءِ فِي مَحَلِّ الجَزَاءِ يُرَادُ بِهِ وفيه دليل على جواز الشراء بالنسيئة إن كان يمكنه الشراء بالنقد خلافًا لما يقوله المتقشفة فإنهم قالوا: يكره عند القدرة على النقد وقلنا: إنه ﵊ قادر على أن يشتري بالنقد بأن يبيع درعه ثم يشتري طعاما كذا في المبسوطين. قوله: (قالوا الركن الإيجاب بمجرده) اختلف المشايخ في القبول، قال بعضهم إنه شرط، وظاهر ما ذكر في المحيط يشير إلى أنه ركن فقال في الأيمان: الإجارة بدون القبول ليست بإجارة، وكذا الرهن حتى لا يحنث من حلف لا يؤجر أو لا يرهن بدون القبول وكذا ذكر في المنتقى. وقال بعضهم: الإيجاب ركن والقبول شرط، أما القبض فشرط اللزوم. وفي الذخيرة والمعنى قال محمد في الكتاب لا يجوز الرهن إلا مقبوضا فقد أشار إلى أن القبض شرط الجواز. وقال شيخ الإسلام: شرط اللزوم كما في الهبة، وبه قال أكثر أهل العلم والأول أصح. وقال مالك يلزم الرهن بالإيجاب والقبول لما ذكر في المتن وبه قال أحمد في رواية في غير المكيل والموزون. قوله: (والمصدر المقرون … ) إلى آخره. وفي الكشاف (١): نظيره قوله تعالى: ﴿فَضَرْبَ الرِّقَابِ﴾ [محمد: ٤]؛ أي فاضربوا وقوله ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢]؛ أي فعليه تحرير رقبة مؤمنة وقوله ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ﴾ [البقرة: ١٨٤]؛ أي فعليه عدة فكان بمعنى الأمر مر يؤيده أنه معطوف على قوله ﴿فَاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢].

стр. 6826

الأَمْرُ، وَلِأَنَّهُ عَقْدُ تَبَرُّعِ لِمَا أَنَّ الرَّاهِنَ لَا يَسْتَوْجِبُ بِمُقَابَلَتِهِ عَلَى المُرْتَهِنِ شَيْئًا، وَلِهَذَا لَا يُجْبَرُ عَلَيْهِ، فَلَا بُدَّ مِنْ إِمْضَائِهِ كَمَا فِي الوَصِيَّةِ، وَذَلِكَ بِالقَبْضِ، ثُمَّ يَكْتَفِي فِيهِ بِالتَّخْلِيَةِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ؛ لِأَنَّهُ قَبْضٌ بِحُكْمِ عَقْدِ مَشْرُوعِ، فَأَشْبَهَ قَبْضَ المَبِيعِ، وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ ﵀: أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ فِي المَنْقُولِ إِلَّا بِالنَّقْلِ؛ والأمر للزوم ولم يعمل بموجبه في نفس الرهن حيث لا يلزم الرهن بإجماع العلماء؛ فوجب أن يعمل في شرطه وهو القبض كما قلنا في قوله ﵊: «الحنطة بالحنطَةِ مِثلًا بمثل» (١) بالنصب؛ أي بيعوا فلم يعمل الأمر في نفس البيع فصرف إلى شرطه وهو المماثلة. وفي النهاية: في تسمية الرهان بالمصدر نظر؛ لأن الرهان جمع رهن كالنعل والنعال هكذا في كتب اللغة ويدل عليه قوله: مَقْبُوضَةٌ بالتأنيث فدل أنه جمع. وفي الفوائد الشاهية: يجوز أن يكون الرهان مصدرا من باب المفاعلة كالقتال والضراب والعراك و ﴿مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣] صفة لموصوف محذوف وهو فرهان مرهونة، مقبوضة، وأنَّثَ المرهون بتأويل السلعة والعين كما يؤنث الصوت بتأويل الصيحة، ويجوز أن يكون الرهان مصدرا بمعنى المرهون، وأنث المرهون؛ لما ذكرنا، ويجوز أن يكون الرهان مقام مصدر محذوف، وهو فرهن رهان مقبوضة؛ فيكون مصدرا تقديرا لا تحقيقا. قوله: (ولا يجبر عليه)؛ أي على عقد الرهن كما في الوصية فإنه يحتاج فيها إلى إمضائه وهو ألا يرجع عنها، وهاهنا إمضاء الرهن بالقبض كما في الهبة أو أراد به الوصية بالتبرع فصار كالصدقة؛ لما أنه عقد تبرع؛ لأنه شرع وثيقة بالدين غير واجبة التحصيل بالإجماع، أما البيع فإنه عقد معاوضة لا تبرع، والكفالة ضم الذمة إلى الذمة في المطالبة أو الدين، وكلاهما لازم. قوله: (يكتفي فيه) أي: في القبض بالتخلية، وهي رفع الموانع في زمان يمكنه القبض فيه وبه قال الشافعي ومالك وعن أبي يوسف أنه لا يثبت في المنقول إلا بالنقل وبه قال أحمد.

стр. 6827

لِأَنَّهُ قَبْضٌ مُوجِبٌ لِلضَّمَانِ ابْتِدَاءً بِمَنْزِلَةِ الغَصْبِ، بِخِلَافِ الشِّرَاءِ؛ لِأَنَّهُ نَاقِلٌ لِلضَّمَانِ مِنْ البَائِعِ إِلَى المُشْتَرِي، وَلَيْسَ بِمُوجِبِ ابْتِدَاءٌ، وَالأَوَّلُ أَصَحٌ. قَالَ: (فَإِذَا قَبَضَهُ المُرْتَهِنُ مَحُوزًا مُفْرَغًا مُتَمَيِّزًا: تَمَّ العَقْدُ فِيهِ لِوُجُودِ القَبْضِ بِكَمَالِهِ فَلَزِمَ العَقْدُ وَمَا لَمْ يَقْبِضْهُ فَالرَّاهِنُ بِالخِيَارِ، إِنْ شَاءَ سَلَّمَهُ، وَإِنْ شَاءَ رَجَعَ عَنِ الرَّهْنِ) لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ اللُّزُومَ بِالقَبْضِ، إذ المَقْصُودُ لَا يَحْصُلُ قَبْلَهُ. قَالَ: (وَإِذَا سَلَّمَهُ إِلَيْهِ فَقَبَضَهُ: دَخَلَ فِي ضَمَانِهِ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: هُوَ أَمَانَةٌ فِي يَدِهِ، وَلَا يَسْقُطُ شَيْءٌ مِنْ الدَّيْنِ بِهَلَاكِهِ، لِقَوْلِهِ ﵊: «لَا يَغْلَقُ الرَّهْنُ - قَالَهَا ثَلَاثَةٌ قوله: (موجب للضمان ابتداء) أراد بابتداء الضمان ألا يكون مضمونا قبل العقد، والرهن بهذه المثابة كما في الغصب، وكما أن المغصوب لا يصير مضمونا بالتخلية فكذا الرهن. قوله: (والأول أصح)؛ أي ظاهر الرواية لأن حقيقة الاستيفاء تثبت بالتخلية؛ فالقبض الموجب ليد الاستيفاء يثبت بالتخلية. قوله: (وإذا قبضه المرتهن محوزًا)، ويحترز به عن رهن التمر على رؤوس النخيل بدون النخيل و (مفرغا) احتراز عن عكسه و (متميزا) احتراز عن رهن المشاع فإنها لا تجوز عندنا كما يجيء. قوله: (إذ المقصود) وهو إضجار الراهن ليتسارع إلى قضاء الدين، وذا لا يحصل إلا بثبوت يد المرتهن على الرهن، ومنع الرهن منه؛ لأن الرهن لاستيفاء الدين حكما، والاستيفاء حقيقة لا يكون بدون القبض؛ فكذا الاستيفاء حكما. قوله: (وقال الشافعي أمانة في يده)، وبه قال أحمد وأصحاب الظاهر. وقال مالك: إن كان تلفه بأمر ظاهر كالموت والحريق فضمانه على الراهن حتى يرجع المرتهن بحقه، وإن ادعى تلفه بأمر خفي كما في الثياب ونحوها؛ لم يقبل قوله وضمن؛ لأنه موضع تهمة فلا يقبل قوله. قوله: (قالها ثلاثا) (١) أنثه بتأويل الكلمات.

стр. 6828

لِصَاحِبِهِ غُنْمُهُ وَعَلَيْهِ غُرْمُهُ» قَالَ: وَمَعْنَاهُ لَا يَصِيرُ مَضْمُونًا بِالدَّيْنِ، وَلِأَنَّ الرَّهْنَ وَثِيقَةٌ بِالدَّيْنِ، فَبِهَلَاكِهِ لَا يَسْقُطُ الدَّيْنُ اعْتِبَارًا بِهَلَاكِ الصَّكَ، وَهَذَا؛ لِأَنَّ بَعْدَ الوَثِيقَةِ يَزْدَادُ مَعْنَى الصِّيَانَةِ، وَالسُّقُوطُ بِالهَلَاكِ يُضَادُّ مَا اقْتَضَاهُ العَقْدُ إِذَا لَحِقَ بِهِ يَصِيرُ بِعَرْضِ الهَلَاكِ وَهُوَ ضِدُّ الصِّيَانَةِ، وَلَنَا: قَوْلُهُ ﵊ لِلْمُرْتَهِنِ بَعْدَ مَا نَفَقَ فَرَسُ الرَّهْنِ عِنْدَهُ: ذَهَبَ حَقَّكَ وَقَوْلُهُ ﵊: «إِذَا عُمِّيَ الرَّهْنُ فَهُوَ (لصاحبه)؛ أي: لصاحب الرهن وهو الراهن (غنمه) أي: الزوائد، (وعليه غرمه) أي: ضمانه إن هلك. (قال)؛ [أي] (١) الشافعي (ومعناه) أي: معنى قوله: «لا يَعْلَقُ الرهن» لا يصير مضمونًا بالدين بدليل قوله: لصاحبه غنمه والزوائد للراهن وعليه غنمه (٢). وَفَارَقَتْكَ بِرَهْنِ لَا فِكَاكَ لَهُ … يَوْمَ الْوَدَاعِ فَأَمْسَى الرَّهْنُ قَدْ غَلِقَا (٣) قوله: (وهو) أي: كونه بِعَرْضِ الهلاك (ضد الصيانة)، ألا ترى أن ما زاد على قدر الدين أمانة في يد المرتهن والقبض في الكل واحد فلا يجوز أن يثبت حكم الضمان بهذا القبض في البعض دون البعض. ولنا؛ ما ذكر في المتن من الحديث، ولا يجوز أن يراد بقوله: «ذهب حَقَّكَ» (٤) في الحبس؛ لأن هذا مما لا يشكل فلا يحتاج إلى البيان، ولأنه ذكر الحق منكرًا بقوله: إن رجلا رهن فرسا عند رجل بحق له عليه؛ فنفق فرسه عند المرتهن فاختصما إلى رسول الله ﷺ فقال رسول الله ﷺ للمرتهن: «ذهب حُقُكَ» (٥) مُعرّفًا بالإضافة؛ فذكر الحق في أول الحديث منكرا ثم أعاده مُعرَّفًا؛ فيكون عين الأول كقوله تعالى: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا * فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ﴾ [المزمل: ١٥ - ١٦].

стр. 6829

بِمَا فِيهِ مَعْنَاهُ: عَلَى مَا قَالُوا: إِذَا اشْتَبَهَتْ قِيمَةُ الرَّهْنِ بَعْدَ مَا هَلَكَ، وَإِجْمَاعُ قوله: (معناه)؛ أي: معنى قوله ﷺ : «عُمِّيَ الرّهنُ»؛ أي إذا اشتبهت قيمة الرهن بعدما هلك بأن قال الراهن: لا أدري كم كانت قيمته، وقال المرتهن كذلك فهو بما فيه كذا في المبسوطين، يؤيده قوله تعالى: ﴿فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الأَنْبَاءُ يَوْمَئِذٍ﴾ [القصص: ٦٦]. قال أبو جعفر الطحاوي قال: عبد الرحمن بن أبي زياد عن أبيه قال: أدركت فقهاءنا الذين ينتهى إلى قولهم؛ مثل سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير والقاسم بن محمد، وأبي بكر بن عبد الرحمن وخارجة بن زيد وعبيد الله في مشيخة من نظرائهم أهل صلاح وفضل فذكر جميع ما جمع من أقاويلهم في كتابه على هذه الصفة قالوا: الرهن بما فيه إذا هلك وعميت قيمته، ورفع ذلك منهم الثقة إلى رسول الله ﷺ ؛ فهؤلاء أئمة الدين فأيهم حكاه حجة؛ لأنه فقيه ثقة إمام فقولهم جميعا بذلك أولى [أن] (١) يكون حجة. قوله: وإجماع الصحابة والتابعين … إلى آخره واختلفوا في كيفية الضمان قال أبو بكر وعلي: مضمون بالقيمة، وقال عمر وابن مسعود وابن عمر في رواية عنه: هو مضمون بأقل من قيمته ومن الدين. قال ابن عباس: هو مضمون بالدين، وهو قول شريح قلت قيمته أو كثرت، وهكذا اختلف التابعون باختلافهم على ذلك؛ إجماع منهم على أنه ليس قول رابع إلى أن أحدث الشافعي قولا رابعا أنه أمانة فيكون خرقا للإجماع كذا في المبسوط (٢). قوله: والمراد بقوله ﵊: «لَا يُغْلَقُ الرَّهْنُ» (٣)؛ أي لا يحبس الرهن عند المرتهن؛ بل للراهن أخذه بقضاء الدين، وكان ذلك نفيا لما في الجاهلية في أنهم إذا اشترطا إذا لم يؤد الدين إلى مدة كذا يكون الرهن ملكا للمرتهن؛ فأبطل رسول الله ﷺ ذلك بقوله: «لَا يُغْلَقُ الرّهنُ» (٤) ولم يفهم أحد

стр. 6830

الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ ﵃ عَلَى أَنَّ الرَّاهِنَ مَضْمُونٌ مَعَ اخْتِلَافِهِمْ فِي كَيْفِيَّتِهِ، وَالقَوْلُ بِالأَمَانَةِ خَرْقٌ لَهُ، وَالمُرَادُ بِقَوْلِهِ ﵊ «لَا يَغْلَقُ الرَّهْنُ» عَلَى مَا من أهل العربية من قوله: «لا يغلق» أن المراد نفي الضمان. وذكر الكرخي عن السلف مثل طاوس وإبراهيم وغيرهما أنهم قالوا: إن المراد به لا يحبس الرهن عند المرتهن احتباسا لا يمكن فكاكه بأن يصير ملكا للمرتهن؛ فيكون ذلك نفيا لما في الجاهلية، كذا روى الزهري عن سعيد بن المسيب. قال الطحاوي: روي عن أنس بن مالك وطاوس وسفيان بن سعيد وأبو عبيد مثله؛ فهؤلاء المتقدمون يقولون كما ذكرنا، والعجب من الشافعي أنه لا يعمل بالمنقطع، وهذا الحديث منقطع لو قال: إني أقبل منقطع ابن المسيب مع أنه روي عن ابن المسيب أنه قال كذلك، فمن أين وقع له أن منقطع سعيد يقبل دون غيره؟ وقوله تتبعت مراسيل ابن المسيب فوجدتها مسانيد لا يكون حجة على الغير. ولو قال: حديثكم منقطع أيضًا. قلنا: فلو كان المنقطع حجة لك علينا فالمنقطع حجة لنا عليك، وقد روي عن رسول الله ﷺ من جهة أخرى ما يوافق بقولنا؛ فلو صح الحديث فمعنى قوله: «لِصاحِبِهِ غُنْمُهُ وعَلَيهِ غُرْمُهُ» (١) يحتمل أن المراد من الصاحب المرتهن؛ لأن الرهن في يده حقيقة والراهن صاحب الدين لوجود الدين في ذمته، وغنم الرهن للمرتهن فإن به يُحيي حقه وعليه غرمه (٢)؛ فإذا هلك يذهب دينه فعلى هذا حجة على الشافعي. ولئن كان محتملا فالمحتمل لا يكون حجة، وذكر ابن قدامة في المغني وابن حزم في المحلى أن حديث أبي حنيفة مرسل، وهو ليس بحجة؛ أجيب عن هذا أن المرسل عندنا كالمسند؛ بل أقوى كما ذكر في الأصول خصوصا إذا كان مؤيدا بإجماع الصحابة والتابعين، مع أن حديثكم أيضًا مرسل فكيف يكون ذلك
следующие страницы →