← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 30179

معراج الدراية في شرح الهداية

الكاكي

Полный текст (7 597 стр.). Показаны 6931–6970 · переход к 6936.

стр. 6931

لَهَا مِمَّا يُقَابَلُ بِالأَصْلِ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَدْخُلْ تَحْتَ العَقْدِ مَقْصُودًا؛ إذ اللَّفْظُ لَا يَتَنَاوَلُهَا (وَإِنْ هَلَكَ الْأَصْلُ وَبَقِيَ النَّمَاءُ: افْتَكَّهُ الرَّاهِنُ بِحِيَّتِهِ، يَقْسِمُ الدَّيْنُ عَلَى قِيمَةِ الرَّهْنِ يَوْمَ القَبْضِ، وَقِيمَةِ النَّمَاءِ يَوْمَ الفَكَاكِ)؛ لِأَنَّ الرَّهْنَ يَصِيرُ مَضْمُونَا بِالقَبْضِ، وَالزِّيَادَةُ تَصِيرُ مَقْصُودَةٌ بِالفِكَاكِ إِذَا بَقِيَ إِلَى وَقْتِهِ، وَالتَّبَعُ يُقَابِلُهُ شَيْءٌ إِذَا صَارَ مَقْصُودًا كَوَلَدِ المَبِيعِ، فَمَا أَصَابَ الأَصْلَ يَسْقُطُ مِنْ الدَّيْنِ؛ لِأَنَّهُ يُقَابِلُهُ الأَصْلُ مَقْصُودًا، وَمَا أَصَابَ النَّمَاءَ افْتَكَّهُ الرَّاهِنُ، لِمَا ذَكَرْنَا. وَصُوَرُ المَسَائِلِ عَلَى هَذَا الْأَصْلِ تُخَرَّجُ، وَقَدْ ذَكَرْنَا بَعْضَهَا فِي «كِفَايَةِ المُنْتَهَي»، وَتَمَامُهُ فِي الجَامِعِ وَالزِّيَادَاتِ (وَلَوْ رَهَنَ شَاةً بِعَشَرَةٍ، وَقِيمَتُهَا عَشَرَةٌ، وَقَالَ الرَّاهِنُ لِلْمُرْتَهِنِ: احْلِب الشَّاةَ، فَمَا حَلَبَتْ فَهُوَ لَكَ حَلَالٌ، فَحَلَبَ وَشَرِبَ، فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ) أَمَّا الْإِبَاحَةُ: فَيَصِحُ تَعْلِيقُهَا بِالشَّرْطِ وَالخَطَرِ؛ لِأَنَّهَا إِطْلَاقُ وَلَيْسَ بِتَمْلِيكِ، فَتَصِحٌ مَعَ الخَطَرِ (وَلَا يَسْقُطُ برضاه، ولأنه غير متأكد كما ذكرنا. قوله: (لأنها لم تدخل)؛ أي: الأتباع لم تدخل في العقود مقصودا، كولد المبيع؛ فإنه يصير مبيعًا تبعًا، ولا يكون له حصة من الثمن، إلا إذا صار مقصودًا بالقبض عندنا، فكذا في الرهن إذا صار مقصودًا بالفكاك، فلا يكون له حصة من الضمان قبله. كذا في المحيط، والإيضاح. وفي زيادات قاضي خان: إنما يقسم الدين في الحال على الأصل والتبع بناء على الظاهر؛ إذ الظاهر بقاؤه إلى وقت الفكاك، فتعتبر قيمة الأصل يوم العقد، وقيمة الولد يوم الفكاك، حتى لو هلك قبل الفكاك لم يصر أصلا، فتبطل تلك القسمة، فهلك بغير شيء. قوله: (احلب الشاة) وإنما تظهر فائدة التقييد بالشاة في جانب الضمان بلا إذن؛ إذ لو كان المرهون أمة، فأرضعت صبي المرتهن بغير إذن الراهن؛ لم يحتسب به؛ لأن لبن الآدمي لا ثمن له. قوله: (فيصح تعليقها بالشرط)؛ لأن كلمة (ما) في قوله: (فما حلبت) متضمنة معنى الشرط، بدليل دخول الفاء في جوابه، كقوله: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل: ٥٣].

стр. 6932

شَيْءٌ مِنْ الدَّيْنِ؛ لِأَنَّهُ أَتْلَفَهُ بِإِذْنِ المَالِكِ (فَإِنْ لَمْ يَفْتَكَّ الشَّاةَ حَتَّى مَاتَتْ فِي يَدِ المُرْتَهِنِ، قُسِمَ الدَّيْنُ عَلَى قِيمَةِ اللَّبَنِ الَّذِي شَرِبَ، وَعَلَى قِيمَةِ الشَّاةِ، فَمَا أَصَابَ الشَّاةَ سَقَطَ، وَمَا أَصَابَ اللَّبَنَ أَخَذَهُ المُرْتَهِنُ مِنْ الرَّاهِنِ)؛ لِأَنَّ اللَّبَنَ تَلِفَ عَلَى مِلْكِ الرَّاهِنِ بِفِعْلِ المُرْتَهِنِ، وَالفِعْلُ حَصَلَ بِتَسْلِيطٍ مِنْ قِبَلِهِ، فَصَارَ كَأَنَّ الرَّاهِنَ أَخَذَهُ وَأَتْلَفَهُ فَكَانَ مَضْمُونًا عَلَيْهِ، فَيَكُونُ لَهُ حِصَّتُهُ مِنْ الدَّيْنِ فَبَقِيَ بِحِيَّتِهِ، وَكَذَلِكَ وَلَدُ الشَّاةِ إِذَا أَذِنَ لَهُ الرَّاهِنُ فِي أَكْلِهِ، وَكَذَلِكَ جَمِيعُ النَّمَاءِ الَّذِي يَحْدُثُ عَلَى هَذَا القِيَاسِ، قَالَ: (وَتَجُوزُ الزِّيَادَةُ فِي الرَّهْنِ، وَلَا تَجُوزُ فِي الدَّيْنِ) عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ، وَلَا يَصِيرُ الرَّهْنُ رَهْنَا بِهَا، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: تَجُوزُ الزِّيَادَةُ فِي الدَّيْنِ أَيْضًا (*)، قوله: (أتلفه بإذن المالك) فيه دليل أنه لو أتلفه بغير إذن الراهن، كما لو حلبه وشربه بغير إذن الراهن؛ يسقط من الدين بقدره، وبه قالت الأئمة الثلاثة، إلا أحمد في رواية عنه: أنه لو حلبه بعوض نفقته؛ فإنه لا يحتسب عليه. وفي الذخيرة: لو فعل ذلك بغير إذن الراهن؛ وجب عليه الضمان، فيكون رهنا عند المرتهن، محبوسا بالدين مع الشاة. قوله: (على هذا القياس)؛ يعني: إن كان بإذن الراهن لا يضمن، وإن كان بغير إذنه يضمن، ولا يعلم فيه خلاف، ويكون ضمانه رهنا عندنا. قوله: (وتجوز الزيادة في الرهن): وصورته: أن يرهن ثوبا بعشرة، قيمته [عشرة] (١) ثم زاد الراهن ثوبا ليكون رهنا مع الأول بعشرة. وبه قالت الأئمة الثلاثة، كما لو رهنه ابتداء ثوبين (٢)، وهذا يكون خلاف مقتضى العقد، بل يؤكده توثيقا. (ولا تجوز في الدين عند أبي حنيفة ومحمد) وبه قال الشافعي في الجديد. (وقال أبو يوسف: تجوز الزيادة في الدين أيضا): بأن رهن عبدا بألف، ثم حدث للمرتهن دين آخر بالشراء أو الاستقراض؛ فيجعلان العبد رهنا بالدين

стр. 6933

وَقَالَ زُفَرُ وَالشَّافِعِيُّ: لَا تَجُوزُ فِيهِمَا، وَالخِلَافُ مَعَهُمَا فِي الرَّهْنِ، وَالثَّمَنُ وَالمُثَمَّنُ وَالمَهْرُ وَالمَنْكُوحَةُ سَوَاءٌ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي البُيُوعِ، وَلِأَبِي يُوسُفَ فِي الخِلَافِيَّةِ الأُخْرَى: أَنَّ الدَّيْنَ فِي بَابِ الرَّهْنِ كَالثَّمَنِ فِي البَيْعِ، وَالرَّهْنُ كَالمُثَمَّنِ فَتَجُوزُ الزِّيَادَةُ القديم والحادث. وبه قال مالك والشافعي في القديم، واختاره المزني. وعن بعض أصحابه: أن للشافعي قولا فيه كالقديم. قوله: (وقال زفر والشافعي) إلى آخره: ثم في كتب أصحاب الشافعي ما ذكر خلافه في زيادة الرهن، وجوزوه قولًا واحدًا، وذكر قوله القديم والجديد في زيادة الدين، وما عرفت بأن الشيخ من أين أخذ بهذا. قوله: (والمنكوحة سواء): صورة المنكوحة بأن زوج أمته بألف من رجل، ثم زوجه أمة أخرى بتلك الألف، وقَبِلَ الزوج؛ يصح وتنقسم الألف عليهما. ولو قال المولى: زدتك أمة أخرى بتلك الألف لا يجوز. كذا وجد بخط العلامة مولانا حافظ الدين. وفي النهاية في الأسرار ما يدل على جوازه. قوله: (وقد ذكرناه في البيوع)؛ أي: في الفصل الذي ذكره في باب المرابحة والتولية. قوله: (في الخلافية الأخرى)؛ وهي الزيادة في الدين، والخلافية الأولى؛ هي الزيادة في الرهن، فعندنا يجوز خلافًا لزفر. قوله: (أن الدين في باب الرهن كالثمن في البيع)؛ يعني: يتحاذيان محاذاة المبيع مع الثمن، حتى يكون الرهن محبوسًا بالدين مضمونا به، كالمبيع بالثمن. ثم الزيادة في الرهن ملحقة بأصل العقد، فكذلك الزيادة في الدين، كزيادة في المبيع والثمن؛ وهذا لأن الحاجة تمس إلى زيادة الدين كما تمس إلى زيادة الرهن بأن يكون في مالية الرهن فضل، ويحتاج الراهن إلى مال آخر، فيأخذه من المرتهن، فيجعلانه رهنا بهما، والالتحاق بأصل العقد ممكن؛ لأن العقد بعد الالتحاق يتغير إلى وصف مشروع؛ بأن تصير قيمة الرهن مثل الدين أو أقل، فإنه مشروع في الابتداء، فكذا إذا تغير في الانتهاء.

стр. 6934

فِيهِمَا كَمَا فِي البَيْعِ، وَالجَامِعُ بَيْنَهُمَا: الالتِحَاقُ بِأَصْلِ العَقْدِ لِلْحَاجَةِ وَالإِمْكَانِ، وَلَهُمَا: وَهُوَ القِيَاسُ، أَنَّ الزِّيَادَةَ فِي الدَّيْنِ تُوجِبُ الشُّيُوعَ فِي الرَّهْنِ، وَهُوَ غَيْرُ مَشْرُوعِ عِنْدَنَا، وَالزِّيَادَةُ فِي الرَّهْنِ تُوجِبُ الشُّيُوعَ فِي الدَّيْنِ، وَهُوَ غَيْرُ مَانِعٍ مِنْ صِحَّةِ الرَّهْنِ؛ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ رَهَنَ عَبْدًا بِخَمْسِمِائَةٍ مِنْ الدَّيْنِ جَازَ، وَإِنْ كَانَ الدَّيْنُ أَلْفًا وَهَذَا شُيُوعٌ فِي الدَّيْنِ، وَالِالتِحَاقُ بِأَصْلِ العَقْدِ غَيْرُ مُمْكِنٍ فِي طَرَفِ الدَّيْنِ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَعْقُودٍ عَلَيْهِ وَلَا مَعْقُودٍ بِهِ، (ولهما)؛ أي: لأبي حنيفة ومحمد. (توجب الشيوع في الرهن)؛ لأن بعض الرهن تفرع (١) من الدين الأول، ويثبت فيه ضمان الدين، فيبقى حكم الأول في البعض، ويثبت فيما يقابل الزيادة مشاعًا، والشيوع في الرهن [غير] (٢) مشروع عندنا، وعند الشافعي، وإن كان لا يجوز الشيوع في الدين، ولكن نقول: الزيادة في الرهن شغل فارغ فيجوز، والزيادة في الدين شغل مشغول، فلا يجوز. قوله: (ألا ترى أنه لو رهن عبدًا بخمسمائة من الدين الذي هو ألف (جاز) وبه فارق البيع والشيوع، وتفرق التسمية لا يؤثر في إفساد البيع، يعني: على تقدير الالتحاق والالتحاق بأصل العقد غير ممكن هاهنا. (لأنه)؛ أي: الدين غير معقود عليه ولا معقود به)؛ لأن المعقود به ما يكون وجوبه بالعقد، والدين كان واجبًا قبل عقد الرهن بسببه، ويبقى بعد فسخ الرهن، فعلم أنه ليس بمعقود به فلا يمكن إثبات الزيادة فيه ملحقا بأصل العقد؛ لأن الإلحاق في بدل العقد. أما الرهن فمعقود عليه؛ لأنه لم يكن محبوسًا قبل العقد، ولا يبقى محبوسًا بعد فسخ الرهن، فالزيادة فيه تكون زيادة في المعقود عليه، فيلتحق بأصل العقد. إليه أشار في المبسوط (٣).

стр. 6935

بَلْ وُجُوبُهُ سَابِقٌ عَلَى الرَّهْنِ، وَكَذَا يَبْقَى بَعْدَ انْفِسَاخِهِ، وَالِالتِحَاقُ بِأَصْلِ العَقْدِ فِي بَدَلَي العَقْدِ، بِخِلَافِ البَيْعِ؛ لِأَنَّ الثَّمَنَ بَدَلٌ يَجِبُ بِالعَقْدِ، ثُمَّ إِذَا صَحَّتْ الزِّيَادَةُ فِي الرَّهْنِ - وَتُسَمَّى هَذِهِ زِيَادَةٌ قَصْدِيَّةٌ -: يُقَسَّمُ الدَّيْنُ عَلَى قِيمَةِ الأَوَّلِ يَوْمَ القَبْضِ، وَعَلَى قِيمَةِ الزِّيَادَةِ يَوْمَ قُبِضَتْ، حَتَّى لَوْ كَانَتْ قِيمَةُ الزِّيَادَةِ يَوْمَ قَبْضِهَا خَمْسَمِائَةِ، وَقِيمَةُ الأَوَّلِ يَوْمَ القَبْضِ أَلْفًا، وَالدَّيْنُ أَلْفًا: يُقَسَّمُ الدَّيْنُ أَثْلَاثًا، فِي الزِّيَادَةِ ثُلُثُ الدَّيْنِ، وَفِي الأَصْلِ ثُلُثَا الدَّيْنِ، اعْتِبَارًا بِقِيمَتِهِمَا فِي وَقْتَي الِاعْتِبَارِ، وَهَذَا؛ لِأَنَّ الضَّمَانَ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَثْبُتُ بِالقَبْضِ فَتُعْتَبَرُ قِيمَةُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَقْتَ القَبْضِ (وَإِذَا وَلَدَتْ المَرْهُونَةُ وَلَدًا، ثُمَّ إِنَّ الرَّاهِنَ زَادَ مَعَ الوَلَدِ عَبْدًا، وَقِيمَةُ كُلِّ وَاحِد أَلْفُ، فَالعَبْدُ رَهْنٌ مَعَ الوَلَدِ خَاصَّةً، يُقَسَّمُ مَا فِي الوَلَدِ عَلَيْهِ، وَعَلَى العَبْدِ الزَّيَادَةُ)؛ لِأَنَّهُ جَعَلَهُ زِيَادَةٌ مَعَ الوَلَدِ دُونَ الأُمِّ وَلَوْ كَانَتْ الزِّيَادَةُ مَعَ الأُمِّ، يُقَسَّمُ الدَّيْنُ عَلَى قِيمَةِ الأُمِّ يَوْمَ العَقْدِ، وَعَلَى قِيمَةِ الزِّيَادَةِ يَوْمَ القَبْضِ، … ... … ... … ... … ... .. قوله: (وتسمى هذه الزيادة)؛ أي: الزيادة في الرهن (زيادة قصدية) بخلاف النماء، فإن ذلك زيادة في الرهن ضمنًا لا قصدًا، فيختلف حكمه أيضًا، فيقسم الدين على قيمة الرهن يوم القبض، وعلى قيمة النماء يوم الفكاك. قوله: (وإذا ولدت المرهونة)؛ يعني: رهن أمة بألف، وقيمتها ألف، وولدت ولدًا يساوي ألفًا، ثم إن الراهن زاد المرتهن مع الولد عبدًا يساوي ألفًا، فإن قال: زدتك هذا العبد مع الولد؛ فذلك جائز، وهو رهن مع الولد خاصة. كذا في الإيضاح. قوله: (ولو كانت الزيادة مع الأم): بأن قال: زدتك هذا العبد مع الأم، فينظر إلى قيمة الأم يوم العقد، وإلى قيمة الزيادة يوم القبض، بخلاف ما لو كان زيادة مع الولد؛ حيث (يقسم الدين على قيمة الأم يوم العقد)، وعلى قيمة النماء يوم الفكاك، فما أصاب الولد يقسم على قيمته يوم الفكاك، (وعلى قيمة الزيادة يوم القبض)؛ لأن الردة دخلت في ضمانه يوم القبض، فلو كان الولد بعد الزيادة بطلت الزيادة؛ لأن الولد إذا هلك خرج من العقد، فصار كأن لم يكن، فبطل الحكم في الزيادة.

стр. 6936

فَمَا أَصَابَ الأُمَّ قُسِمَ عَلَيْهَا وَعَلَى وَلَدِهَا)؛ لِأَنَّ الزِّيَادَةَ دَخَلَتْ عَلَى الأُمِّ. قَالَ: (فَإِنْ رَهَنَ عَبْدًا يُسَاوِي أَلْفًا بِأَلْفٍ، ثُمَّ أَعْطَاهُ عَبْدًا آخَرَ قِيمَتُهُ أَلْفٌ رَهْنًا مَكَانَ الأَوَّلِ، فَالأَوَّلُ رَهْنٌ حَتَّى يَرُدَّهُ إِلَى الرَّاهِنِ، وَالمُرْتَهِنُ فِي الْآخَرِ أَمِينٌ حَتَّى يَجْعَلَهُ مَكَانَ الأَوَّلِ)؛ لِأَنَّ الأَوَّلَ إِنَّمَا دَخَلَ فِي ضَمَانِهِ بِالقَبْضِ وَالدَّيْنِ وَهُمَا بَاقِيَانِ، فَلَا يَخْرُجُ عَنْ الضَّمَانِ إِلَّا بِنَقْضِ القَبْضِ مَا دَامَ الدَّيْنُ بَاقِيًا، وَإِذَا بَقِيَ الأَوَّلُ فِي ضَمَانِهِ لَا يَدْخُلُ الثَّانِي فِي ضَمَانِهِ؛ لِأَنَّهُمَا رَضِيَا بِدُخُولِ أَحَدِهِمَا فِيهِ لَا بِدُخُولِهِمَا، فَإِذَا رُدَّ الأَوَّلُ دَخَلَ الثَّانِي فِي ضَمَانِهِ، ثُمَّ قِيلَ: يُشْتَرَطُ تَجْدِيدُ القَبْضِ؛ لِأَنَّ يَدَ المُرْتَهِنِ عَلَى الثَّانِي يَدُ أَمَانَةٍ وَيَدُ الرَّهْنِ بَعْدَ اسْتِيفَاء وَضَمَانٍ، فَلَا يَنُوبُ عَنْهُ، كَمَنْ لَهُ عَلَى آخَرَ جِيَادٌ، فَاسْتَوْفَى زُيُوفًا ظَنَّهَا جِيَادًا ثُمَّ عَلِمَ بِالزِّيَافَةِ وَطَالَبَهُ بِالجِيَادِ وَأَخَذَهَا، فَإِنَّ الجِيَادَ أَمَانَةٌ فِي يَدِهِ مَا لَمْ يَرُدَّ الزُّيُوفَ، وَيُجَدِّدَ القَبْضَ، وَقِيلَ: لَا يُشْتَرَطُ؛ لِأَنَّ الرَّهْنَ تَبَرُّعُ كَالهِبَةِ عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ مِنْ قَبْلُ. وَقَبْضُ الأَمَانَةِ يَنُوبُ عَنْ قَبْضِ الهِبَةِ، … .. أما لو كانت الزيادة مع الأم؛ صارت كأنها كانت في أصل العقد، فيكون الولد داخلا في حصة الأم خاصة، فإن ماتت الأم بعد الزيادة؛ ذهب ما كان فيها، وبقي الولد والزيادة بما فيها؛ لأن هلاك الأم لا يوجب سقوط الضمان، بل يتناهى الضمان ويتقرر، فلا يبطل الحكم في الزيادة، وفي الزيادة مع الولد بعد موت الولد، فذهب بغير شيء، فتبقى الأم ولا ولد معها. كذا في الإيضاح. قوله: (فلا يخرج عن الضمان إلا بنقض القبض): وهذا احتراز عن الإبراء على ما يجيء، فإن بالإبراء يرتفع الضمان، وإن لم ينتقض بالقبض بالرد إلى الرهن. قوله: (فلا ينوب)؛ أي: يد الأمانة (عنه) عن يد الضمان؛ لأن الأدنى لا ينوب عن الأعلى. وبه قال الشافعي، والقاضي الحنبلي، إلا أن عندهما يصير رهنا بمضي مدة يمكن فيها قبضه؛ إذ التخلية تكفي في القبض. وقيل: لا يشترط، وبه قال أحمد. قوله: (على ما بيناه)؛ أي: في صدر الكتاب في تعليل أن تمام الرهن

стр. 6937

وَلِأَنَّ الرَّهْنَ عَيْنَهُ أَمَانَةٌ، وَالقَبْضُ يُرَدُّ عَلَى العَيْنِ، فَيَنُوبُ قَبْضُ الأَمَانَةِ عَنْ قَبْضِ العَيْنِ (وَلَوْ أَبْرَأَ المُرْتَهِنُ الرَّاهِنَ عَنْ الدَّيْنِ، أَوْ وَهَبَهُ مِنْهُ، ثُمَّ هَلَكَ الرَّهْنُ فِي يَدِ المُرْتَهِنِ، يَهْلِكُ بِغَيْرِ شَيْءٍ اسْتِحْسَانًا) خِلَافًا لِزُفَرَ،؛ لِأَنَّ الرَّهْنَ مَضْمُونٌ بِالدَّيْنِ أَوْ بِجِهَتِهِ عِنْدَ تَوَهُمِ الوُجُودِ كَمَا فِي الدَّيْنِ المَوْعُودِ، وَلَمْ يَبْقَ الدَّيْنُ بِالإِبْرَاءِ، أَوْ الهِبَةِ، وَلَا جِهَتِهِ لِسُقُوطِهِ، إِلَّا إِذَا أَحْدَثَ مَنْعًا؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ بِهِ غَاصِبًا إِذَا لَمْ تَبْقَ لَهُ وِلَايَةُ المَنْعِ (وَكَذَا إِذَا ارْتَهَنَتِ المَرْأَةُ رَهْنَا بِالصَّدَاقِ فَأَبْرَأَتْهُ، أَوْ وَهَبَتْهُ، أَوِ ارْتَدَّتْ - وَالعِيَاذُ بِاللَّهِ - قَبْلَ الدُّخُولِ، أَوِ اخْتَلَعَتْ مِنْهُ عَلَى صَدَاقِهَا، ثُمَّ هَلَكَ الرَّهْنُ فِي بالقبض، والقبض يرد على العين، والعين أمانة لما بينا. قوله: (خلافًا لزفر): وهو القياس؛ لأن القبض وقع مضمونًا، فيبقى الضمان ما بقي القبض كما في البيع الفاسد لو قضى القاضي بالرد؛ فإنه يبقى مضمونًا على المشتري ما بقي في يده. وكما لو اشترى عبدا بخيار البائع وقبضه، ثم فسخ البائع البيع بحكم الخيار؛ يبقى العبد مضمونًا على المشتري بالقيمة؛ لبقاء القبض. وإن كان الخيار للمشتري، وقد فسخ البيع بحكم الخيار؛ يبقى مضمونًا على المشتري بالثمن؛ لبقاء القبض. وكما لو رهن شيئًا بدين ظناه، ثم تصادقا على أن لا دين؛ بقي الرهن مضمونًا لبقاء القبض، وإن لم يكن على الراهن شيء، فكذلك هاهنا. وجه الاستحسان: ما ذكر في المتن بقوله: (لأن الرهن) إلى آخره، وهو قول الأئمة الثلاثة. وحاصله: أن ضمان الرهن بشيئين: قبض الرهن والدين؛ لأنه ضمان استيفاء، وذا لا يتحقق إلا باعتبار الدين، وبالإبراء إن لم يبق أحدهما، والحكم الثابت بعلة ذات وصفين تزول بزوال أحدهما، ولهذا لو رد الرهن يسقط الضمان لعدم القبض، وإن بقي الدين فكذا إذا سقط الدين، وإن بقي القبض. (ولا جهته)؛ أي جهة الدين (لسقوطه)؛ أي: لسقوط الدين. قيد به؛ لأن الدين بالاستيفاء ينتهي ولا يسقط - كما يجيء في مسألة الاستيفاء -.

стр. 6938

يَدِهَا: يَهْلِكُ بِغَيْرِ شَيْءٍ فِي هَذَا كُلِّهِ، وَلَمْ تَضْمَنْ شَيْئًا) لِسُقُوطِ الدَّيْنِ كَمَا فِي الإِبْرَاءِ، (وَلَو اسْتَوْفَى المُرْتَهِنُ الدَّيْنَ بِإِيفَاءِ الرَّاهِنِ، أَوْ بِإِيفَاءِ مُتَطَوّع، ثُمَّ هَلَكَ الرَّهْنُ فِي يَدِهِ: يَهْلِكُ بِالدَّيْنِ، وَيَجِبُ عَلَيْهِ رَدُّ مَا اسْتَوْفَى إِلَى مَنِ اسْتَوْفَى مِنْهُ، وَهُوَ مَنْ عَلَيْهِ، أَوْ المُتَطَوِّعُ، بِخِلَافِ الإِبْرَاءِ) وَوَجْهُ الفَرْقِ: أَنَّ بِالإِبْرَاءِ يَسْقُطُ الدَّيْنُ أَصْلًا كَمَا ذَكَرْنَا، وَبِالِاسْتِيفَاءِ لَا يَسْقُطُ لِقِيَامِ المُوجِبِ، إِلَّا أَنَّهُ يَتَعَذَّرُ الاسْتِيفَاءُ لِعَدَمِ الفَائِدَةِ؛ لِأَنَّهُ يَعْقُبُ مُطَالَبَةَ مِثْلِهِ، فَأَمَّا هُوَ فِي نَفْسِهِ فَقَائِمٌ، فَإِذَا هَلَكَ يَتَقَرَّرُ الاسْتِيفَاءُ الأَوَّلُ، فَانْتَقَضَ الاسْتِيفَاءُ الثَّانِي. (وَكَذَا إِذَا اشْتَرَى بِالدَّيْنِ عَيْنًا أَوْ صَالَحَ عَنْهُ عَلَى عَيْنٍ)؛ لِأَنَّهُ اسْتِيفَاءُ (وَكَذَلِكَ إِذَا أَحَالَ الرَّاهِنُ المُرْتَهِنَ بِالدَّيْنِ عَلَى غَيْرِهِ، وأما مسائل البيوع، فهو أن المبيع مضمون على المشتري بعد الفسخ، كما كان مضمونًا على البائع المبيع بالثمن، وضمان الثمن قائم على البائع ما بقي المشترى في يده، فيبقى الضمان، فأما هاهنا ضمان الرهن ضمان دين، وقد زال الدين من كل وجه، وفي الرهن بدين مظنون اعتبر جهة الرهن؛ لأن الرهن حصل بدين يتوهم وجوبه للحال، وبتصادقهما على أن لا دين لا يزول التوهم؛ لجواز أن يتصادقا على القيام، وإذا بقي التوهم بعد التصادق بقيت جهة الدين، أما في مسألة الإبراء والهبة لا يبقى الدين ولا جهته، وفي مسألة البيع الفاسد بعد القضاء بالرد يبقى القبض، وهو مضمون بالقبض إليه أشار في المبسوطين. قوله: (يتقرر الاستيفاء الأول)؛ وهو الاستيفاء الحكمي (فانتقض الاستيفاء الثاني)؛ وهو الاستيفاء الحقيقي، ولا يتكرر الاستيفاء. قوله: (ويجب عليه؛ أي: على المرتهن رد ما استوفى) من الدين. وقال زفر، والأئمة الثلاثة: لا يجب؛ لأن الرهن بعد الاستيفاء أمانة في ده. قوله: (وكذا إذا اشترى) إلى آخره؛ يعني على هذا الخلاف بعدما يجب على المرتهن رد قيمة الرهن خلافًا لزفر والأئمة الثلاثة؛ لما ذكرنا أنه أمانة عندهم.

стр. 6939

ثُمَّ هَلَكَ الرَّهْنُ، بَطَلَتْ الحَوَالَةُ، وَيَهْلِكُ بِالدَّيْنِ؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى البَرَاءَةِ بِطَرِيقِ الأَدَاءِ؛ لِأَنَّهُ يَزُولُ بِهِ عَنْ مِلْكِ المُحِيلِ مِثْلَ مَا كَانَ لَهُ عَلَى المُحْتَالِ عَلَيْهِ، أَوْ مَا يَرْجِعُ عَلَيْهِ بِهِ إِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْمُحِيلِ عَلَى المُحْتَالِ عَلَيْهِ دَيْنٌ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الوَكِيلِ وَكَذَا لَوْ تَصَادَقَا عَلَى أَنْ لَا دَيْنٌ، ثُمَّ هَلَكَ الرَّهْنُ يَهْلِكُ بِالدَّيْنِ لِتَوَهُمِ وُجُوبِ الدَّيْنِ وقلنا: شراء العين بالدين لو صلح الدين بالعين استيفاء، فيجب الرد عليه، ولا يلزم تكرر الاستيفاء. قوله: (ثم هلك)؛ أي: الرهن في يد المرتهن (بطلت الحوالة ويهلك) الرهن (بالدين) عندنا، خلافا لهم؛ لأن الدين بالحوالة لا يسقط، ولكن ذمة المحتال عليه تقوم مقام ذمة المحيل، وهو يعرض أن يعود إلى ذمة المحيل إذا مات المحتال عليه مفلسا، فلهذا بقي ضمان الرهن. كذا في المبسوط (١). قوله: (لأنه)؛ أي: الحوالة، على تأويل عقد الحوالة (في معنى البراءة بطريق الأداء) مكان الاستيفاء. قوله: (وما يرجع به عليه): معطوف على (ما كان له)؛ يعني: ما كان له أن يزول بعقد الحوالة عن ملك المحيل على المحتال عليه، مثل الذي يرجع المحتال عليه على المحيل. (لأنه)؛ أي: المحتال عليه بمنزلة الوكيل بقضاء الدين عن المحيل. قوله: (تصادقا على أن لا دين ثم هلك الرهن يهلك بالدين): خلافا لهم، هذا مخالف لرواية مبسوط شمس الأئمة، فإنه قال: يبقى الضمان إذا كان التصادق بعد هلاك الرهن، أما إذا كان التصادق عند قيام الرهن، ثم هلك الرهن؛ فإن هناك يهلك أمانة؛ لأن بتصادقهما يتبقى الدين من الأصل، وضمان الرهن لا يبقى بدون الدين، بخلاف ما لو تصادقا بعد هلاك الرهن؛ فإن الدين عند الهلاك كان واجبًا ظاهرًا، ووجوب الدين ظاهرًا يكفي لضمان الرهن، فصار مستوفيا (٢). وذكر شيخ الإسلام: فلو تصادقا قبل الهلاك؛ اختلف مشايخنا،

стр. 6940

بِالتَّصَادُقِ عَلَى قِيَامِهِ، فَتَكُونُ الجِهَةُ بَاقِيَةً بِخِلَافِ الإِبْرَاءِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. والصواب: أنه لا يهلك مضمونًا. وهذه المسائل كلها من قوله (ولو استوفى المرتهن الدين) (١) إلى هذا يرد نقضًا لجواب الاستحسان من حيث الظاهر، فأجاب عنها بما ذكر في الكتاب. قوله: اختلفا في قيمة الرهن بعد الهلاك؛ فالقول للمرتهن، وبه قالت الأئمة الثلاثة في صورة ضمان الرهن؛ بأن تعدى المرتهن في الرهن. ولو اختلفا في قدر الدين بأن يقول الراهن: رهن بألف، ويقول المرتهن: بألفين؛ فالقول للراهن، وبه قال الشافعي، وأحمد، وأبو ثور، والنخعي، والثوري، والبتي. وقال مالك: القول للمرتهن ما لم يجاوز ثمن الرهن أو قيمته، وبه قال الحسن، وقتادة. ولو اختلفا في قدر الرهن، بأن يقول المرتهن: الرهن هذين العبدين (٢)، وقال الراهن: أحدهما معينًا؛ فالقول للراهن، ولا يعلم فيه خلاف. وكذا لو اختلفا في رد الرهن؛ فالقول للراهن بلا خلاف؛ لأنه منكر، فالقول له مع اليمين. ولو أعتق الراهن المرهون وادعى أنه أعتقه بإذن المرتهن، والمرتهن منكر؛ فالقول للمرتهن. فلو قال الراهن: رهن بالدين المؤجل، وقال المرتهن: بل بالحال؛ فالقول للراهن، كما لو أنكر أصل الدين. ولو كان لأحدهما بينة؛ حكم بها بغير خلاف في جميع المسائل، والله أعلم.

стр. 6941

كِتَابُ الجِنَايَاتِ قَالَ: (الْقَتْلُ عَلَى خَمْسَةِ أَوْجُهِ: عَمْدٌ، وَشِبْهُ عَمْدٍ، وَخَطَةٌ، وَمَا أُجْرِيَ مَجْرَى كِتَابُ الجِنَايَاتِ لما كان ملاك الولاية الدينية والدنياوية، والرئاسة، والإحسان، والعدل، والسياسة، فإن بالإحسان يستعبد الإنسان، ويدفع التباغض والعدوان، وبالسياسة ينزجر السفهاء عن الطغيان، وبالعدل يستقيم الملك وتعمر البلدان، فكان شرع أحكام الجنايات من معظم معاقد الأمور، فأتبعها المصنف العبادات والمعاملات، وأخرها؛ لأنها ترجع إلى العارض، فأوردها عقيب الرهن؛ إذ كل واحد للوقاية والصيانة، فإن الرهن وثيقة لصيانة الدين عن الهلاك، فكذا حكم الجناية مشروعة لصيانة المكلف عن الهلاك، وفيما ذكرنا إشارة إلى محاسن أحكام الجنايات. ثم الجناية لغة: اسم لما يجنيه من شر، أي: يكسبه، تسمية بالمصدر؛ إذ هي بالأصل مصدر جنى عليه شرا. وأصله من جنى الثمر؛ وهو أخذه من الشجرة، وهو عام، إلا [أنه] (١) خص بما يحرم من الفعل شرعًا، سواء حل بنفس أو مال. ويراد بإطلاق اسم الجناية عند الفقهاء: فعل حَلَّ في النفس أو الطَّرَفِ. قال شيخ الإسلام: الجناية على النفس يسمى قتلا، وفيما دون النفس قطعًا وجرحًا، والقتل فعل يضاف إلى العباد، بحيث تزول به الحياة، وزوال الحياة بدون فعل العباد يسمى موتا. وركنه: هذا أيضًا. وشرطه: كون محله حيوانا. ثم لما كان قتل النفس المعصومة من أجل الكبائر وأخبثها؛ ابتدأ المصنف بتنويعه؛ فقال: (القتل على خمسة أوجه) إلى آخره.

стр. 6942

الخَطَأ، وَالقَتْلُ بِسَبَبٍ) وَالمُرَادُ بَيَانُ قَتْلِ تَتَعَلَّقُ بِهِ الْأَحْكَامُ. [أَوَّلاً: القَتْلُ العَمْدُ] قَالَ: (فَالعَمْدُ: مَا تَعَمَّدَ ضَرْبَهُ بِسَلَاحٍ، أَوْ مَا أُجْرِيَ مَجْرَى السِّلَاحِ، كَالمُحَدَّدِ من الخَشَبِ وَلِيطَةِ القَصَبِ، في المبسوط: هذا تقسيم أبو (١) بكر الرازي (٢)، أما في الأصل: قسم أبو حنيفة ﵀ القتل على ثلاثة: عمد، وخطأ، وشبه عمد. (٣) قوله: (المراد بيان قتل) إلى آخره: قيد به؛ لما أن أنواع القتل أكثر من خمسة، فقد ذكر في مبسوط شيخ الإسلام: أنواع القتل أكثر من خمسة؛ من رجم، وقصاص، وقتل حربي، وقتل بقطع الطريق، فعلم أن المراد به القتل الموجب للضمان، وهو خمسة. قيل في وجه الانحصار: أن القتل لا يخلو إما أن صدر بسلاح أو بغيره، فإن صدر بسلاح، فلا يخلو إما أن يكون به قصد أو لا، فإن كان فهو عمد، وإلا فهو خطأ. وإن صدر بغير سلاح، فإما أن يكون معه قصد التأديب أو الضرب، أم لا، فإن كان فهو شبه العمد، وإلا فلا يخلو إما أن يكون جاريًا مجرى الخطأ، فإن كان فهو هو، وإن لم يكن؛ فهو القتل بالسبب، وبهذا الانحصار يعرف أيضًا تفسير كل واحد منهما. وقيل: وجه الانحصار: الاستقراء التام. قوله: (مجرى السلاح)؛ يعني: في تفريق الأجزاء. (وليطة القصب): قشره. وفي المغني، والمحيط: الحدة ليست بشرط إذا كانت الآلة من الحديد، فقال: العمد: أن يتعمد الإنسان قتل من لا يحل قتله بالحديد، سواء كان

стр. 6943

وَالمَرْوَةِ المُحَدَّدَةِ وَالنَّارِ)؛ لِأَنَّ العَمْدَ هُوَ القَصْدُ، وَلَا يُوقَفُ عَلَيْهِ إِلَّا بِدَلِيلِهِ، وَهُوَ اسْتِعْمَالُ الآلَةِ القَاتِلَةِ، فَكَانَ مُتَعَمِّدًا فِيهِ عِنْدَ ذَلِكَ (وَمُوجِبُ ذَلِكَ المَأْثَمُ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ [النساء: ٩٣] الآيَةَ، وَقَدْ نَطَقَ بِهِ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ السُّنَّةِ، … ... … .. سلاحًا، نحو: السيف، والسكين، والرمح، أو لم يكن سلاحا كالإبرة والإِشْفَى (١)، وسواء كان له حدة تبضع أو لا، كالعمود، وسنجة الميزان. وسواء كان الغالب منه الهلاك أو لم يكن؛ لقوله ﵊: «لا قوة إلا بالحديد» (٢). وعنه ﷺ «كل شيءٍ خطأً إلا الحديد» (٣) فدل أن العبرة للحديد. هذا كله على رواية الأصل. وذكر الطحاوي عن أبي حنيفة ﵀: لو قتله بسنجة حديد، أو عمود ولا حِدَّةَ له؛ فهو ليس بعمد محض، فلا يجب القصاص، بل هو خطأ عمد. وفي فتاوى قاضي خان: في ظاهر الرواية: في الحديد وما يشبه الحديد؛ كالنحاس، والصفر، والرصاص، والذهب والفضة، والآنك؛ لا يشترط الجرح لوجوب القصاص (٤). وفي المبسوط: عن أبي حنيفة: قتله بعمود أو سنجة حديد؛ لا حد له، فليس بعمد عنده، بل هو خطأ عمد. وعندهما: إن كان الغالب منه الهلاك؛ فعمد محض، وإلا فخطأ عمد (٥). قوله: (وموجب ذلك)؛ أي: حكم العمد (المأثم). قوله: (وقد نطق به غير واحد من السنّة)؛ أي: السنة فيه أكثر من أن

стр. 6944

وَعَلَيْهِ انْعَقَدَ إِجْمَاعُ الأُمَّةِ: قَالَ: (وَالقَوَدُ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ [البقرة: ١٧٨] إِلَّا أَنَّهُ تَقَيَّدَ بِوَصْفِ العَمْدِيَّةِ لِقَوْلِهِ ﵊ «العَمْدُ قَوَدٌ» أَيْ مُوجِبُهُ، وَلِأَنَّ الجِنَايَةَ بِهَا تَتَكَامَلُ، وَحِكْمَةُ الزَّجْرِ عَلَيْهَا تَتَوَفَّرُ، وَالعُقُوبَةُ تحصى، وأظهر من أن تخفى منها: ما قال ﵊: «لزوال الدنيا أهون على الله تعالى مِنْ قتل امرئ مسلم» (١) وما قال ﵊: «سِبابُ المُسلم فسقٌ وقتالُهُ كُفر» (٢) وهذا وإن كان تأويله: قتاله لإسلامه؛ فظاهره يدل على عظم الجناية. وما قال ﵊ في خطبته بعرفات: «أَلَا إِنَّ دماءَكُم ونفوسَكُم مُحرَّمةٌ عليكم؛ كحرمة يومي هذا، وشهري هذا، في مقامي هذا» (٣) ولهذا كان ابن عباس، وزيد بن ثابت، والضحاك بن مزاحم؛ لا يرون التوبة لقاتل العمد، وقالوا: يخلد في النار، ونحن لا نأخذ بذلك. كذا في المبسوط (٤). قوله: (والقود) معطوف على قوله: (المأثم). قوله: (إلا أنه تقيد بوصف العمدية): فإن ظاهر الآية يوجب القول بالقصاص أينما يوجد القتل بأي وجه وجد، لكن السنة المشهورة وهو قوله ﵊: «الحَمدُ قَوَدٌ» (٥) يدل على أن حكم القصاص مخصوص بالقتل العمد فيزاد على الكتاب، ولأن قتل الخطأ خرج منها بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَا﴾ [النساء: ٩٢] الآية، فما بقي النص على إطلاقه، فصار كالمجمل، فيجوز أن يكون الحديث بيانًا له وإن كان خبر واحد، كما في بيان قدر مسح الرأس.

стр. 6945

المُتَنَاهِيَةُ لَا شَرْعَ لَهَا دُونَ ذَلِكَ. قَالَ: (إِلَّا أَنْ يَعْفُوَ الْأَوْلِيَاءُ أَوْ يُصَالِحُوا)؛ لِأَنَّ الحَقَّ لَهُمْ، ثُمَّ هُوَ وَاجِبٌ عَيْنًا، وَلَيْسَ لِلْوَلِيِّ أَخْذُ الدِّيَةِ إِلَّا بِرِضَا القَاتِلِ، وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ، إِلَّا أَنَّ لَهُ حَقَّ العُدُولِ إِلَى المَالِ مِنْ غَيْرِ مَرْضَاةِ القَاتِلِ؛ لِأَنَّهُ تَعَيَّنَ مَدْفَعًا لِلْهَلَاكِ، فَيَجُوزُ بِدُونِ رِضَاهُ، وَفِي قَوْلِ: الوَاجِبِ أَحَدُهُمَا لَا بِعَيْنِهِ، وَيَتَعَيَّنُ قوله: (وهو أحد قولي الشافعي): وبه قال مالك في رواية، وهو قول النخعي، وأبي زياد، وسفيان الثوري، وابن شبرمة، والحسن بن حي. وقال الشافعي في قول: فالولي مخير بين القصاص وأخذ الدية بغير رضى القاتل، وبه قال أحمد، ومالك في رواية، وأبو ثور، وإسحاق، وابن سيرين، وابن المسيب، والأوزاعي، وأبو سليمان، وجمهور أصحاب الحديث؛ لقوله ﵊: «مَنْ قتل قتيلًا فأهلُهُ بينَ خِيْرَتِينِ، إِنْ أَحَبُّوا قتَلُوا، وإن أحَبّوا أخَذوا العَقْلَ - أي: الدِّيةَ» (١) فهذا تنصيص على أن كل واحد منهما موجب القتل. رواه شريح الكعبي. وقال ﵊: «مَنْ قُتِلَ لهُ قتيل فهوَ بخَيرِ النَّظَرين: إِمَّا أَنْ يُودَى، وَإِمَّا أَنْ يُقادوا» (٢) رواه أبو هريرة. ولأن الشرع أوجب القصاص لمعنى الانتقام والتشفي للولي، وهو ثابت بخلاف القياس؛ لأنه إتلاف لا يكون واجبًا بمقابلة الإتلاف، وهو ليس بمثل؛ ألا ترى أن الجماعة يقتلون بالواحد ولا مماثلة بين الواحد والعشرة، فعرف أن القصاص مشروع بمعنى النظر للولي. ولا يجب أن يكون مضمونًا بالمال وهو القيمة؛ لأن الحيوان ليس من ذوات الأمثال، ولهذا يجب المال في الخطأ، والإتلاف في العمد والخطأ على نمط واحد؛ إذ الدية إنما تجب بالإتلاف لا بصفة الخطأ، والمتلف في العمد ما

стр. 6946

بِاخْتِيَارِهِ؛ لِأَنَّ حَقَّ العَبْدِ شُرِعَ جَابِرًا، وَفِي كُلِّ وَاحِدٍ نَوْعُ جَبْرٍ فَيَتَخَيَّرُ. وَلَنَا: مَا تَلَوْنَا مِنْ الكِتَابِ، وَرَوَيْنَا مِنْ السُّنَّةِ، وَلِأَنَّ المَالَ لَا يَصْلُحُ مُوجِبًا لِعَدَمِ المُمَاثَلَةِ، وَالقِصَاصُ يَصْلُحُ لِلتَّمَاثُلِ، وَفِيهِ مَصْلَحَةُ الأَحْيَاءِ زَجْرًا وَجَبْرًا فَيَتَعَيَّنُ، وَفِي الخَطَإِ هو المتلف في الخطأ، وإذا ثبت أن القصاص شرع بمعنى النظر للولي، فشرعه لا ينفي الضمان الأصلي، ولم يمكن الجمع بينهما، فخير الولي بينهما. ولأنه تعالى قال: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ﴾ إلى قوله: ﴿فَمَنْ عُفِى لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَأَنْبَاعُ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ١٧٨] فعلم أن للولي أن يعفو ويتبع القاتل بإحسان، فيأخذ الدية من القاتل، وإن لم يكن اشتراطه ذلك في عفوه، ولهذا إذا عفا أحد الوليين؛ صار نصيب الآخر مالا وإن لم يشترط ذلك. ولنا: ما تلونا؛ وهو قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾، فإيجاب المال زيادة عليه بخبر الواحد، فلا يجوز. وما روينا من السنة؛ وهو قوله ﵊: «الحَمدُ قَوَدٌ» (١) وحرف التعريف للجنس؛ لعدم المعهود، ففيه تنصيص على أن موجب جنس العمد القود، فإيجاب المال في القود زيادة عليه. ولأن المال وهو الدية لا يصلح موجبًا، والقصاص [مثل له] (٢)، فتعين موجبا له؛ وهذا لأنه لا مماثلة بين الآدمي والمال، لا صورة ولا معنى؛ إذ الآدمي خلق لتحمل أمانة الله تعالى، والاشتغال بعبادته، والمال خلق لإقامة مصالحه، وهو مملوك بالآدمي، فأنى يتشابهان، وإنما التماثل في القصاص؛ لأنه أخذ روح بإزاء روح مثله. (وفيه مصلحة الأحياء زجرًا)؛ يعني: قال تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [البقرة: ١٧٩] فالحياة بطريق [الزجر: أن من قصد القتل تفكر في عاقبته، أنه إذا قتل؛ قتل به، انزجر عن قتله، فكان حياة لهما، أي: إبقاء لهما على الحياة. وبطريق] (٣) الجبر، أي: جابرًا للفائت؛ وذلك أنه لما قتل به؛ سلم حياة

стр. 6947

وُجُوبُ المَالِ ضَرُورَةَ صَوْنِ الدَّمِ عَنْ الإِهْدَارِ، وَلَا يُتَيَقَّنُ بِعَدَمِ قَصْدِ الوَلِيِّ بَعْدَ أَخْذِ الأولياء، فإن القاتل يصير حربًا على أولياء القتيل خوفًا على نفسه منهم، فهو يقصد قتالهم؛ لإزالة الخوف على نفسه، فالشرع أمكنهم من قتله قصاصا دفعا لشره عن أنفسهم، وإحياء الحي في دفع سبب الهلاك عنه. فالحاصل: أن القصاص حياة، وإنما يجب ضمان الجبر بقدر الإمكان في جبر الحياة، ولا يمكن بأكثر من هذا، فأما المال فليس فيه من معنى الحياة شيء، ولا المماثلة من وجه، وإنما تجب الدية في الخطأ بخلاف القياس منه على القاتل والمقتول؛ لأن الخاطئ معذور، ونفس المقتول محرمة، تسقط حرمتها، فلم يهدر دمه - كما ذكر في الأصول - فشرع المال عند عدم الإمكان؛ لا يدل على شرعه عند الإمكان. قوله: (ولا يُتيقن بعدم قصد الولي)؛ يعني: يجوز أن يأخذ المال، ثم تهيجه الضغينة وتحركه العداوة على ارتكاب قتله، وإن لم يكن ذلك شرعًا، فلم يتعين مدفعا للهلاك. وأما الجواب عن الحديث: أنه محمول على رضى القاتل، وإنما لم يذكر رضى القاتل؛ لأن ذلك معلوم ببديهة العقل، فإن من أشرف على الهلاك إذا تمكن من دفع الهلاك عن نفسه بأداء المال؛ لا يمتنع من ذلك إلا من سفهت نفسه؛ لأن امتناعه لإبقاء منفعة المال لنفسه، ولا يتصور ذلك بعدما تلفت نفسه، وهو نظير قوله ﷺ : «خُذْ سَلَمَكَ أو رأسَ مالِكَ» (١)، وهو في أخذ رأس المال يحتاج إلى رضى المسلم إليه، ولم يذكره؛ لأنه غير محتاج؛ لأنه معلوم بطريق الظاهر. يؤيده: ما جاء في بعض الروايات: «إن أحَبُّوا قَتَلُوا وإِن أَحَبُّوا تَفادُوا» والمفاداة مفاعلة، فتقتضي الفعل من الجانبين، وذلك بطريق الصلح.

стр. 6948

المَالِ، فَلَا يَتَعَيَّنُ مَدْفَعًا لِلْهَلَاكِ، أو المراد: ألا يجبر الولي على أخذ الدية، شاء أو أبى. يؤيده: ما روى البخاري، أن الربيع بنت النَّضْر لطمت جارية، فكسرت سنها، فطلبوا العفو، فأبوا، فعرضوا عليهم الأرش، فأبوا إلا القصاص، فجاء أخوها أنس بن النضر، وقال: يا رسول الله، أتكسر سن الربيع، والذي بعثك بالحق؛ لا تكسر سنها، فقال ﷺ : «يا أنس، كتاب الله القصاص» فرضي القوم، فعفوا، فقال ﷺ : «إن من عبادِ اللهِ مَنْ لو أقسم علَى اللهِ لأبره» (١) فلما كان كذلك؛ علم أن الذي يجب بكتاب الله وسنة رسوله القصاص في العمد؛ لأنه لو كان يجب الخيار للولي بين القصاص وأخذ الدية؛ لخيرها ﷺ ، ولأعلمها بما تختار من ذلك؛ ألا ترى أن حاكما لو تقدم إليه رجل في شيء؛ يجب له شئين (٢)، وثبت عنده، لا يحكم له بأخذ الشيئين، بل يحكم له بأن يختار أحدهما ما أحب، فإن تعدّى فقد قصر في الحكم، خصوصا عن رسول الله ﷺ ، فعلم أن المراد من حديث شريح وأبي هريرة بطريق الرضى؛ لما ذكرنا أن المفاداة من الجانبين. ويؤيده: ما روى البخاري، عن ابن عباس أنه قال: كان في بني إسرائيل القصاص، ولم تكن فيهم الدية، فقال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ﴾ إلى قوله: ﴿فَانْبَاعُ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءُ إِلَيْهِ بِإِحْسَانِ﴾ [البقرة: ١٧٨] أي: لولي الجناية. ﴿وَأَدَاءُ إِلَيْهِ﴾ أي: أداء للقاتل، يعني: يؤديه بإحسان بعد قبول الدية، ويحتمل أن يكون ذلك في الدم كما تمسك الخصم، ويحتمل أن يكون ذلك في الدم الذي بين جماعة فعفا أحدهم، وقد تأولت العلماء هذه الآية عليها، ولا حجة فيها لبعض على بعض إلا بدليل. وقد روى الترمذي عن أبي شريح الخزاعي، أنه ﷺ قال: «مَنْ قُتِلَ لَهُ قتيل؛ فهو بالخيار بين أن يَعفُو، أو يقتص، أو يأخذ الدية» (٣) فقد جعل عفو

стр. 6949

وَلَا كَفَّارَةَ فِيهِ عِنْدَنَا، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ ﵀: تَجِبُ؛ لِأَنَّ الحَاجَةَ إِلَى التَّكْفِيرِ فِي العَمْدِ أَمَسُّ مِنْهَا إِلَيْهِ فِي الخَطَأ، فَكَانَ أَدْعَى إِلَى إِيجَابِهَا، الولي عند أخذ الدية، فثبت أنه إذا عفا لا دية له، فإذا كان كذلك؛ ثبت أن الذي وجب له كان هو الدم، وإن أخذ الدية التي أبيحت له؛ فهو بمعنى أخذها بدلا عن القتل والإبدال لا يجب إلا برضى من يجب له، ورضى من يجب عليه. يؤيده: ما روي عن عمر أنه قال: " لا يمنع السلطان ولي الدم أن يعفو إن شاء، أو يأخذ العقل إن اصطلحوا عليه "، فعلم أن بالعفو لا تجب الدية بدون الاصطلاح، وما ذكر بن حزم من الطعن هذا من التعصب، وكل طعونه مبهمة، والجرح المبهم لا يعتبر. قوله: (ولا كفارة فيه)؛ أي: القتل العمد، سواء كان عمدًا يجب فيه القصاص، أو لا يجب، كالأب إذا قتل ابنه عمدًا، وكمسلم قتل من أسلم في دار الحرب ولم يهاجر إلينا عمدًا. وبه قال مالك، وأحمد في المشهور منه، والثوري، وأبو ثور، وابن المنذر. وقال الشافعي، وأحمد في رواية: في العمد الكفارة كما في الخطأ. ولا خلاف في وجوب الكفارة في الخطأ، إلا ما حكي عن مالك أنه قال: لا تجب الكفارة في قتل العبد أو الكافر خطأ. وللشافعي وجهان في سقوط الكفارة عن القاتل؛ إذا قتل قصاصا. والأصح: أنها لا تسقط، فتؤدى من تركته. قوله: (أمس منها)؛ أي: من الحاجة (إليه)؛ أي: إلى التكفير في الخطأ، وذلك أن الكفارة ماحية للإثم أو ساترة، والإثم في العمد أكبر، فكان أدعى إلى الوجوب، ولهذا عذر الخطأ في القتل الخطأ لا يؤثر في إسقاط حقوق الله تعالى، فلما صار مضمونًا بالكفارة ثمة فالعمد أولى؛ ألا ترى أن قتل المُحرِمِ الصيد خطأ أو عمدا يوجب الكفارة، فعلم أن الاعتبار لنفس القتل، سواء كان خطأ أو عمدا. كذا في مبسوط شيخ الإسلام. والمراد بالخطأ في الآية: ضد الصواب، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ قَتْلَهُمْ

стр. 6950

وَلَنَا: أَنَّهُ كَبِيرَةٌ مَحْضَةٌ، وَفِي الكَفَّارَةِ مَعْنَى العِبَادَةِ فَلَا تُنَاطُ بِمِثْلِهَا، وَلِأَنَّ الكَفَّارَةَ مِنْ المَقَادِيرِ، وَتَعَيَّنُهَا فِي الشَّرْعِ لِدَفْعِ الأَدْنَى لَا يُعَيِّنُهَا لِدَفْعِ الأَعْلَى. وَمِنْ حُكْمِهِ: كَانَ خِطَاً كَبِيرًا﴾ [الإسراء: ٣١] أي: ضد الصواب، والعمد ضد الصواب. وعن واثلة بن الأسقع، أتينا إلى النبي ﷺ بصاحب لنا استوجب النار بالقتل، فقال ﵊: «أعتقوا عنه يعتق اللهُ بِكُلِّ عضو منهُ عُضوًا مِنَ النارِ» (١)، وإيجاب النار بالعَمْدِ. ولنا: [أنه] (٢) أي: القتل العمد (كبيرة محضة)؛ أي: ليس فيه جهة الإباحة، والكفارة دائرة بين العبادة والعقوبة، فلا بد أن يكون سببها دائرة بين الحظر والإباحة، كما مر في الغموس. (فلا تناط بمثلها)؛ أي: بمثل الكبيرة المحضة، أما الخطأ؛ فإنه بالنظر إلى المحل الذي أصابه محظور، وباعتبار أصل (٣) الفعل مباح؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَأَصْطَادُوا﴾ [المائدة: ٢]. وكذا شبه العمد، فإن القصد التأديب، وهو مباح، والقتل بالمثقل عند أبي حنيفة ﵀ ليس بمحظور محض بالنظر إلى الآلة، فإنها ليست من آلة القتل، فيمكن فيه الشبهة. كذا في المبسوط (٤). قوله: (وتعينها في الشرع لدفع الأدنى) إلى آخره: هذا جواب (٥) إلحاق الشافعي العمد بالخطأ، إما بالقياس أو بدلالة النص، ولا يمكن الإلحاق بالدلالة؛ لأنه لا مماثلة بين العمد والخطأ، ولا يمكن أيضًا بالقياس؛ لأنه لا مدخل للرأي في تقدير العقوبات وإيجابه؛ [لأنها] (٦) من المقادير.

стр. 6951

حِرْمَانُ المِيرَاثِ، لِقَوْلِهِ ﵊: «لَا مِيرَاثَ لِقَاتِل». في المبسوط: قال الشافعي: المعنى في وجوب الكفارة: إقامة نفس مقام نفس المتلف الذي يشتغل بالعبادة، ولا يمكنه ذلك إحياء، فعليه تحرير نفس مقام ما أتلف؛ لأن الحرية حياة، والرق تلف، فلهذا أوجب الكفارة على القاتل (١). وقلنا: إنما وجب عليه الكفارة؛ لأن الشرع سلم [له] (٢) نفسه، حين أسقط عنه القود بعذر الخطأ، مع تحقق إتلاف النفس منه، فعليه إقامة نفس مقام نفسه؛ شكرا لله تعالى، وذلك في أن يحرر (٣) نفسًا لتشتغل بعبادته تعالى، ولهذا لو قتل مستأمنا أو ذميا خطأ تلزمه الكفارة، مع أنه ما أتلف نفسًا مشتغلا بالعبادة، فعلم أنه أوجبه شكرا لله تعالى. وأما الجواب عن قتل المُحْرِمِ الصيد: أن هذا كفارة محظور الإحرام، لا كفارة القتل؛ ألا ترى أنها تجب بإتلاف العضو والإشارة، والأخذ بلا قتل، فلم يصح الجمع؛ لأن قتل الصيد أو أخذه عمدًا وخطأ لا يخلو عن معنى الإباحة؛ لأن الصيد في نفسه مباح، أما الآدمي في نفسه محظور لم يخلق مباحًا، فلم تثبت الإباحة إلا بعارض، ولهذا لو قتل رجل من عليه القصاص عمدًا لا تجب عليه الكفارة؛ لأنه محظور في نفسه، وبوجوب القصاص عليه لآخر؛ لا تثبت فيه جهة الإباحة في حق غير الولي، وفي حق الولي يثبت استيفاء القصاص، لا لإباحته، كما يستوفي دينه من ماله المعصوم؛ لا يصير المال مباحًا في غيره. كذا في الأسرار. وأما قوله: إن المراد بالخطأ: ضد الصواب؛ غير مستقيم، بل المراد: الخطأ ضد القصد؛ لأنه عطف عليه العمد، ولو كان العمد ضد الصواب؛ يلزم عطف الشيء على نفسه؛ إذ العمد ضد الصواب (٤) أيضًا.

стр. 6952

[ثَانِياً: القَتْلُ شِبْهُ العَمْدِ] قَالَ: (وَشِبْهُ العَمْدِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ: أَنْ يَتَعَمَّدَ الضَّرْبَ بِمَا لَيْسَ بِسَلَاحٍ، وَلَا مَا وأما حديث واثلة: ففيه استوجب النار بدون ذكر القتل، فيحتمل أن ذلك بسبب آخر، ولو صح؛ فيحتمل أن يكون القتل بالحجر والعصا الكبير عمدًا، مع أن مراد النبي ﷺ التطوع بالإعتاق؛ ألا ترى أنه خاطب به غير القاتل، والكفارة لا تجب على غير القاتل. كذا في المبسوط (١)، والأسرار. وفيهما: الحجة لنا في ذلك: قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا﴾ [النساء: ٩٣] الآية، فهذا يقتضي أن يكون المذكور في الآية جميع جزائه، ولو أوجبنا عليه الكفارة؛ كان المذكور بعض جزائه، فيكون نسخا لذلك الحكم؛ لأن المعلق بالشرط كل جزائه، وبالزيادة يصير بعض جزائه. ولا وجه لحمل الآية على المستحل؛ لأن المذكور فيها جزاء قتل العمد، فلو حمل على المستحل؛ كان المذكور جزاء الردة. وأما تأويل الخلود على معنى أنه عامله بعدله، أو يحمل على معنى تطويل المدة مجازا له، يقال: خلد فلان في السجن؛ إذا طالت المدة. وعند الشافعي: الحكم المعلق بشرط، أو مخصوص بوصف؛ يوجب (٢) النفي عند عدم الشرط أو الوصف، والكفارة معلقة بشرط الخطأ، أو بوصف الخطأ في الآية، ومع ذلك لا يقول به. قوله: (وشبه العمد). وفي المبسوط: سمي به هذا الفعل الذي لا يوجب القود شبه العمد، أي: خطأ شبه العمد؛ لما فيه من معنى العمد بالنظر إلى قصد الفاعل إلى الضرب، ومعنى الخطأ باعتبار انعدام (٣) قصد القتل، وبالنظر إلى الآلة التي استعملها هي آلة الضرب، للتأديب دون القتل، والعامل إنما يقصد إلى كل فعل بآلته، فكان

стр. 6953

أُجْرِيَ مُجْرَى السِّلَاحِ) وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ: إِذَا ضَرَبَهُ بِحَجَرٍ عَظِيمٍ، أَوْ بِخَشَبَةٍ عَظِيمَةٍ: فَهُوَ عَمْدٌ. وَشِبْهُ العَمْدِ: أَنْ يَتَعَمَّدَ ضَرْبَهُ بِمَا لَا يُقْتَلُ بِهِ غَالِبًا؛ لِأَنَّهُ يَتَقَاصَرُ مَعْنَى العَمْدِيَّةِ بِاسْتِعْمَالِ آلَةٍ صَغِيرَةٍ لَا يُقْتَلُ بِهَا غَالِبًا، ذلك خطأ يشبه العمد (١). ثم لا قود في شبه العمد بلا خلاف. وعن مالك في رواية: إن قصد القتل يجب القود، والخلاف في تفسيره. وفي الأوضح: شبه العمد عند أبي حنيفة ﵀: أن يتعمده بكل آلة لم توضع للقتل. وعندهما: بكل آلة لا تقتل غالبًا. قال صاحب المجتبى: يشترط عند أبي حنيفة: أن يقصد التأديب دون الإتلاف. وعندهما: إن كان متعمدا بما كان الإتلاف غالبا؛ فعمد محض. وعند الشافعي، ومالك، وأحمد بكل آلة أو فعل لا يصلح للقتل. ولو ضربه بسوط صغير سوطًا أو سوطين فمات؛ فهو شبه العمد عند الكل؛ لوجود ما هو بمعنى شبه العمد عند الكل؛ لأن عند الشافعي: أمارة العمدية هو الفعل الصالح للموت غالبًا، وعندهما الآلة التي لا تلبث، وعند أبي حنيفة: الآلة الموضوعة للقتل، وكل ذلك مفقود هنا. ولو ضربه بسوط صغير، ووالى في الضربات إلى أن مات، فإن كان جملة ما والى، بحيث يقتل مثله غالبًا؛ فهو عمد محض على قولهما، وبه قالت الأئمة الثلاثة. وقال بعض المشايخ: هو شبه العمد على قولهما، كقول أبي حنيفة. ولو ألقاه من جبل أو سطح، أو غرقه في الماء؛ فهو شبه عمد عند أبي حنيفة، خلافًا لهما وللأئمة الثلاثة. ولو خنقه فمات؛ هو شبه عمد لا قصاص فيه، إلا أن يكون معروفًا بذلك.

стр. 6954

لِمَا أَنَّهُ يَقْصِدُ بِهَا غَيْرَهُ كَالتَّأْدِيبِ وَنَحْوِهِ فَكَانَ شِبْهَ العَمْدِ، وَلَا يَتَقَاصَرُ بِاسْتِعْمَالِ آلَةٍ لَا تَلْبَثُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَقْصِدُ بِهِ إِلَّا القَتْلَ كَالسَّيْفِ، فَكَانَ عَمْدًا مُوجِبًا لِلْقَوَدِ، وَلَهُ: قَوْلُهُ ﵊: «أَلَا إِنَّ قَتِيلَ خَطَأَ العَمْدِ قَتِيلُ السَّوْطِ وَالعَصَا، وَفِيهِ مِائَةٌ مِنْ وعند الأئمة الثلاثة: أنه يجب القود. وفصل بعض أصحاب الشافعي، إن خنقه زمانًا يموت في مثله غالبًا؛ يجب القود، وإلا لا. والأصح عنده: أنه يجب القود بالخنق مطلقا. ولو حبس إنسانًا، ومنعه الطعام والشراب حتى مات جوعًا وعطشا؛ لا يجب عليه شيء عند أبي حنيفة. وعندهما تجب الدية، [وبه] (١) قال الشافعي في وجه. وقال في الأصح: يجب القود؛ لأن عنده المسبب كالمباشر. وعندهما: لما كان مسببًا لتلفه؛ تجب الدية لا القود. وأبو حنيفة ﵀ يقول: هذا منع ما يدفع الهلاك عن نفسه، وهذا لا يعد سببًا إلى التلف. كذا في الذخيرة، والمغني. ثم في شبه العمد الدية لا القود عند أكثر الفقهاء، وأكثر التابعين، وأكثر الصحابة. وعند أصحاب الظاهر أن القتل نوعان: عمد، وخطأ. وفي العمد القود، وفي الخطأ الدية. قال ابن حزم: ما تمسك الحنفيون والشافعيون في شبه العمد ضعيف، وبَيَّنَ وجهه: بأن راويه مطعون. وهذا غاية تعصبه وسفاهته؛ لما قلنا: إن كل ما ذكره طعن فيهم، وهو لا يعتبر. ولمالك في شبه العمد روايتان، في إحداهما قال: القتل نوعان: عمد، وخطأ، فعلى هذا في شبه العمد قود عنده وفي رواية: شبه عمد تجب فيه الدية. قوله: «قتيل السوط والعَصَا» (٢) وفي رواية: «قتيل السوط والحَجَرِ». قاله ﵊ في خطبته يوم فتح مكة. ذكره الطحاوي.

стр. 6955

الإِبِلِ» وَلِأَنَّ الآلَةَ غَيْرُ مَوْضُوعَةِ لِلْقَتْلِ وَلَا مُسْتَعْمَلَةٌ فِيهِ؛ إِذْ لَا يُمْكِنُ اسْتِعْمَالُهَا عَلَى وعن النعمان بن بشير، أنه عليه الصلاة السلام قال: «كُلُّ شيءٍ خطأً إِلَّا السيف، ولِكُلِّ خَطأ أرش»، وفي رواية عنه: قال ﵊: «كُلُّ شَيْءٍ خطأً إِلَّا الحديد» (١). وروى الطحاوي عن علي أنه قال: "شبه العمد: بالعصا والحجر الثقيل، وليس فيهما قود"، والصحابة اتفقوا على شبه العمد حين أوجبوا فيه دية مغلظة، مع اختلاف منهم في صفة التغليظ والتمسك: أنه ﵊ لم يفصل بين الصغير والكبير، فهو عليهما عملا بالإطلاق. وروى الطحاوي عن المغيرة بن شعبة: أن امرأتين ضربت إحداهما الأخرى بعود فُسْطَاط، فقضى ﵊ الدية على عَصَبَةِ القاتلة. متفق عليه (٢)، وهو حديث حَمَل بن مالك في الغُرَّة - كما يجيء -، فلم يفصل النبي ﷺ . والظاهر: أن عود الفسطاط لا يلبث. وفي حديث حجاج بن أرطاة، أن رجلًا قتل رجلًا على عهد رسول الله ﷺ بالحجارة، فقضى عليه بالدية، ولم يفصل بين الصغير والكبير. كذا في المبسوط (٣). قوله: (ولأن الآلة غير موضوعة) إلى آخره. في المبسوط والمعنى: أن هذه الآلة لا تجرح ولا تقطع، فالقتل بها لا يكون موجبًا للقود، كالقتل بعصا الصغير، بحقيقة أن وجوب القود يختص بقتل هو عمد محض، وصفة التمحض: أن يباشر القتل بآلة جارحة موضوعة للقتل، حتى يؤثر في الظاهر والباطن؛ إذ قوام الآدمي بهما، وإذا كان بآلة تعمل في الباطن دون الظاهر؛ فلا يكون قتلا من كل وجه، والثابت من وجه دون وجه

стр. 6956

غِرَّةٍ مِنْ المَقْصُودِ قَتْلُهُ، وَبِهِ يَحْصُلُ القَتْلُ غَالِبًا فَقُصِرَتِ العَمْدِيَّةُ نَظَرًا إِلَى الْآلَةِ، فَكَانَ شِبْهُ العَمْدِ كَالقَتْلِ بِالسَّوْطِ وَالعَصَا الصَّغِيرَةِ. قَالَ: (وَمُوجِبُ ذَلِكَ عَلَى القَوْلَيْنِ الإِثْمُ)؛ لِأَنَّهُ قَتْلٌ وَهُوَ قَاصِدٌ فِي الضَّرْبِ (وَالكَفَّارَةُ) لِشَبَهِهِ بِالخَطَةِ (وَالدِّيَةُ قاصر، فلا يصلح أن يجب به ما يندرئ بالشبهات، فلهذا أوجب الدية (١). ولأن آلة القتل الحديد، قال تعالى: ﴿فِيهِ بَأْسُ شَدِيدٌ﴾ [الحديد: ٢٥]، والمراد: القتل، وكذلك خزائن الملوك تكون من الحديد، أما الخشب والأحجار للأبنية ونحوها من المنافع لا للقتل، والحديد هو المستعمل للقتال؛ ألا ترى إذا حصل القتل به وجب القود، صغيرًا كان أو كبيرًا، حتى لو غرز بإبرة في مقتله يلزمه القود وما سوى الحديد الصغير لا يوجب القود، والفعل لا يتم إلا بالته، فبقصور في الآلة منه لا يوجب القود، فعلى هذا: الضرب بمثقل الحديد موجب القود؛ لعدم قصور في الآلة أيضًا؛ لأن الحديد في كونه آلة للقتل منصوص عليه، فيعتبر عين المنصوص، وفي غيره المعتبر المعنى، فيعتبر كونه محددًا، كما في شق العصا، والمروة، وليطة القصب. وعلى الطريق الأول: لا يجب القود إلا بما هو محدد، الحديد وغيره فيه سواء؛ لاشتراط الجرح فيه، وهو رواية الطحاوي عنه. (وبه)؛ أي: بالاستعمال على غيره. قوله: (فقصرت العمدية نظرًا إلى الآلة)؛ يعني: القصد إلى القتل أمر باطن لا يوقف عليه، فأقام (٢) الشرع الضرب بآلة وضعت للقتل مقام القصد إلى القتل، وأقام الضرب بآلة وضعت للتأديب مقام عدم القصد، فسقط اعتبار حقيقة القصد، واعتبر السبب القائم مقامه كذا في مبسوط شيخ الإسلام. قوله: (والكفارة لشبهه بالخطأ)؛ أي: بالنظر إلى الآلة، وبه قالت الأئمة الثلاثة، إلا أن عند أحمد ومالك: لا تجب الكفارة في صورة وجوب القود عندهما.

стр. 6957

مُغَلَّظَةٌ عَلَى العَاقِلَةِ) وَالأَصْلُ: أَنَّ كُلَّ دِيَةٍ وَجَبَتْ بِالقَتْلِ ابْتِدَاءً لَا بِمَعْنَى يَحْدُثُ مِنْ بُعْدِ فَهِيَ عَلَى العَاقِلَةِ اعْتِبَارًا بِالخَطَأ، وَتَجِبُ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ لِقَضِيَّةِ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ ﵁، وَتَجِبُ مُغَلَّظَةٌ، وَسَنُبَيِّنُ صِفَةَ التَّغْلِيظَ مِنْ بَعْدُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى (وَيَتَعَلَّقُ بِهِ حِرْمَانُ المِيرَاثِ)؛ لِأَنَّهُ جَزَاءُ القَتْلِ، وَالشَّبْهَةُ تُؤَثُرُ فِي سُقُوطِ القِصَاصِ دُونَ حِرْمَانِ المِيرَاثِ، وَمَالِكُ: وَإِنْ أَنْكَرَ مَعْرِفَةَ شِبْهِ العَمْدِ فَالحُجَّةُ عَلَيْهِ مَا أَسْلَفْنَاهُ. [ثَالِثاً: القَتْلُ الخَطَأُ] قَالَ: (وَالخَطَأُ عَلَى نَوْعَيْنِ: خَطَأً فِي القَصْدِ، وَهُوَ: أَنْ يَرْمِيَ شَخْصًا يَظُنُّهُ صَيْدًا، فَإِذَا هُوَ آدَمِيٌّ، أَوْ يَظُنُّهُ حَرْبِيًّا فَإِذَا هُوَ مُسْلِمٌ، وَخَطَأً فِي الفِعْلِ، وَهُوَ أَنْ وفي الإيضاح: وجدت في كتب أصحابنا: أن لا كفارة في شبه العمد عند أبي حنيفة ﵀؛ لأن الإثم كامل مبناه، وتناهيه يمنع شرع الكفارة؛ لأن ذلك من باب التخفيف، والشبهة إنما تؤثر في سقوط القود الذي يسقط بالشبهة، لا فيما وراء ذلك، ولهذا يحرم عن الميراث. وفي الكافي: والصحيح: أنها تجب عنده ذكره الطحاوي والجصاص؛ لأنه دخل تحت قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَئًا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢] الآية. قوله: (لا بمعنى يحدث من بعد كالواجب بالصلح، وبحرمة الأبوة، وبإقرار القاتل بالقتل الخطأ؛ فإنه يجب في مال القاتل والمقر. فالحجة عليه)؛ أي: على مالك (ما أسلفنا) وهو قوله ﵊: «ألا إن قتيل خط العمد» (١) (٢) وقد بينا قول مالك، وأصحاب الظاهر. وقوله: (ما أسلفناه)؛ إشارة إلى قوله: (تجب في ثلاث سنين بقضية عمر) ويجيء بيان الخلاف في الديات.

стр. 6958

يَرْمِيَ غَرَضًا فَيُصِيبَ آدَمِيًّا، وَمُوجَبُ ذَلِكَ الكَفَّارَةُ، وَالدِّيَةُ عَلَى العَاقِلَةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ [النساء: ٩٢] الآيَةَ، وَهِيَ عَلَى عَاقِلَتِهِ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ، لِمَا بَيَّنَّاهُ (وَلَا إِثْمَ فِيهِ) يَعْنِي فِي الوَجْهَيْنِ، قَالُوا: المُرَادُ إِثْمُ القَتْلِ، فَأَمَّا فِي نَفْسِهِ فَلَا يَعْرَى عَنْ الإِثْمِ مِنْ حَيْثُ تَرْكُ العَزِيمَةِ وَالمُبَالَغَةُ فِي التَّثَبُّتِ فِي حَالِ الرَّمْيِ، إِذْ شَرْعُ الكَفَّارَةِ يُؤْذِنُ بِاعْتِبَارِ هَذَا المَعْنَى (وَيُحْرَمُ مِنَ المِيرَاثِ)؛ لِأَنَّ فِيهِ إِثْمًا،، فَيَصِحٌ تَعْلِيقُ الحِرْمَانِ بِهِ، بِخِلَافِ مَا إِذَا تَعَمَّدَ الضَّرْبَ مَوْضِعًا مِنْ جَسَدِهِ فَأَخْطَأَ فَأَصَابَ مَوْضِعًا آخَرَ فَمَاتَ، حَيْثُ يَجِبُ القِصَاصُ؛ لِأَنَّ القَتْلَ قَدْ وُجِدَ بِالقَصْدِ إِلَى بَعْضِ بَدَنِهِ، وَجَمِيعُ البَدَنِ كَالمَحَلِّ الوَاحِدِ. [رَابِعًا: مَا أُجْرِيَ مَجْرَى الخَطَةِ مِنَ القَتْلِ] قَالَ: (وَمَا أُجْرِيَ مُجْرَى الخَطَأَ مِثْلُ النَّائِمِ يَنْقَلِبُ عَلَى رَجُلٍ فَيَقْتُلُهُ: فَحُكْمُهُ حُكْمُ الخَطَأَ فِي الشَّرْعِ). قوله: (فأصاب موضعا آخر). في الذخيرة: قصد أن يضرب يد رجل، فأصاب عنقه؛ فهو عمد وفيه القود. ولو أصاب عنق غيره؛ فهو خطأ. قال صاحب المجتبى: وهذا يبين أن قصد القتل ليس بشرط لكونه عمدًا. قوله: (فحكمه)؛ أي: حكم انقلاب النائم (حكم الخطأ)؛ لأنه لا يتصور القصد من النائم، حتى يتصور منه ترك القصد، أو ترك التحرز، لكن الانقلاب الموجب لتلف ما انقلب عليه يتحقق فكان كالخطأ في إيجاب الدية. كذا في جامع المحبوبي. وفي المبسوط: وإنما وجب عليه الدية لوجود التلف منه، ووجوب الكفارة وحرمان الميراث؛ لجواز أن يكون تناوم ولم يكن نائمًا حقيقة، وهذا الوهم يكفي لترك التحرز، ويمكنه أن يتحرز بنومه في موضع لا يصير بالانقلاب قاتلا، فكان كالخطأ (١).

стр. 6959

[خَامِساً: الْقَتْلُ بِسَبَبٍ] (وَأَمَّا الْقَتْلُ بِسَبَبٍ كَحَافِرِ البِثْرِ وَوَاضِعِ الحَجَرِ فِي غَيْرِ مِلْكِهِ: وَمُوجِبُهُ إِذَا تَلِفَ فِيهِ آدَمِيٌّ الدِّيَةُ عَلَى العَاقِلَةِ)؛ لِأَنَّهُ سَبَبُ التَّلَفِ، وَهُوَ مُتَعَدٌ فِيهِ، فَأُنْزِلَ مَوْقِعًا دَافِعًا، فَوَجَبَتِ الدِّيَةُ (وَلَا كَفَّارَةَ فِيهِ، وَلَا يَتَعَلَّقُ بِهِ حِرْمَانُ المِيرَاثِ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يُلْحَقُ بِالخَطَإِ فِي أَحْكَامِهِ؛ لِأَنَّ الشَّرْعَ أَنْزَلَهُ قَائِلًا. وَلَنَا: أَنَّ القَتْلَ مَعْدُومٌ مِنْهُ حَقِيقَةٌ، فَأُلْحِقَ بِهِ فِي حَقِّ الضَّمَانِ، فَبَقِيَ فِي حَقِّ غَيْرِهِ عَلَى الأَصْلِ، وَهُوَ إِنْ كَانَ يَأْثَمُ بِالحَفْرِ فِي غَيْرِ مِلْكِهِ لَا يَأْثَمُ بِالمَوْتِ عَلَى مَا قَالُوا، وَهَذِهِ كَفَّارَةُ ذَنْبِ القَتْلِ وَكَذَا الحِرْمَانُ بِسَبَبِهِ (وَمَا يَكُونُ شِبْهَ عَمْدٍ فِي النَّفْسِ، فَهُوَ عَمْدٌ فِيمَا سِوَاهَا)؛ لِأَنَّ إِثْلَافَ وفي الأصح: ولو وقع من سطح على إنسان فقتله، أو كان على دابة فأوطأت إنسانًا فمات، أو كان في يده لبنة أو خشبة، فسقط على إنسان فقتله؛ فهذا مثل النائم، ينقلب لكونه قتل معصوم، فأجري مجرى الخطأ. قوله: (وقال الشافعي: يُلحق بالخطأ) فتجب الكفارة، ويحرم عن الميراث، وبه قال مالك، وأحمد. (لأن الشرع أنزله قاتلًا) في الضمان، فكان كالمباشرة، وهذا كما لو أوطأت دابته إنسانًا؛ فعندهم المسبب كالمباشر. ولنا: أنه ليس بمباشر للقتل حقيقة؛ لأن مباشرة القتل اتصال فعل من القاتل بالمقتول، ولم يوجد، وإنما اتصل فعله بالأرض، وإنما ألحق المسبب بالمباشر في حق الضمان؛ صيانة للدم عن الهدر على خلاف الأصل، فبقي في حق الكفارة، وحرمان الميراث على الأصل، نعم هو يأثم بالحفر في ملك غيره على ما قالوا، ولكن لا يأثم بالموت، وهذا كفارة ذنب القتل. (وكذا الحرمان بسببه)؛ أي: بسبب القتل. فإن قيل: هو قاتل شرعًا في حق الدية، فينبغي أن يكون قاتلا في الكفارة وحرمان الميراث. قلنا: الكفارة جزاء القتل، والقتل معدوم؛ لما ذكرنا أن فعله لم يتصل بالمقتول، أما الدين ضمان المحل لا يعتمد الفعل، بل يعتمد عصمة المحل،

стр. 6960

النَّفْسُ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الآلَةِ، وَمَا دُونَهَا لَا يَخْتَصُّ إِتْلَافُهُ بِآلَةٍ دُونَ آلَةٍ. بَابُ مَا يُوجِبُ القَصَاصَ وَمَا لَا يُوجِبُهُ قَالَ: (القِصَاصُ وَاجِبٌ بِقَتْلِ كُلِّ مَحْقُونِ الدَّمِ عَلَى التَّأَبِيدِ إِذَا قُتِلَ عَمْدًا) أَمَّا كما في العاقلة يضمنون الدية بدون المباشرة، لا الكفارة. فإن قيل: الإثم موضوع في الخطأ مع أنه موجب للكفارة. قلنا: نعم الإثم مرفوع لعذر الخطأ، لكن نفس القتل ثابت، أما هاهنا نفس القتل غير ثابت. وفيه نوع تأمل. قوله: (يختلف باختلاف الآلة)؛ لأن القتل إزهاق الحياة، وهي غير محسوسة، فيكون القصد إليه بالضرب بالسلاح؛ لما ذكرنا أن القصد أمر مبطن، ويعلم بالضرب بالآلة القاتلة، أما الجرح ففعل محسوس، ولا يختلف بالآلة، فكان الضرب بالخشب والسوط فيما دون النفس عمدًا؛ باعتبار الإتلاف والضرب جميعًا، أما في النفس بقصد التأديب؛ فلا يكون عمدًا محضا. كذا في المبسوط (١)، والذخيرة، ولا يعلم فيه خلاف. بَابُ مَا يُوجِبُ الْقِصَاصَ وَمَا لَا يُوجِبُ لما فرغ من بيان أنواع القتل؛ شرع في بيان ما يوجب القصاص، وما لا يوجب. يقال: حقن دمه؛ إذا منعه أن يسفك من حد دخل. وسمي القصاص قودًا؛ لأن المقتص منه في الغالب يربط منه، ويقاد (٢) إلى القتل، فسمى القتل قودًا. وقوله: (على التأبيد)؛ احتراز عن المستأمن، ولا يشكل بقتل الأب ابنه؛ فإنه قتل مسلم المسلم محقون الدم، مع أنه لا يجب القصاص؛ لأن ذلك من العوارض، فلا يدخل تحت القواعد والكلام في الأصول لا في العوارض. ولأن القصاص واجب، ولكن سقط لحرمة الأبوة؛ كسقوطه بالصلح

стр. 6961

العَمْدِيَّةُ فَلِمَا بَيَّنَّاهُ، وَأَمَّا حَقْنُ الدَّمِ عَلَى التَّابِيدِ فَلِتَنْتَفِيَ شُبْهَةُ الإِبَاحَةِ وَتَتَحَقَّقَ المُسَاوَاةُ. قَالَ: (وَيُقْتَلُ الحُرُّ بِالحُرِّ وَالحُرُّ بِالعَبْدِ) لِلْعُمُومَاتِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: والعفو، فإنه ذكر في المبسوط: والولد شهيد لا يغسل. وقال في موضع آخر: وفي غسله روايتان، عن أبي يوسف: يغسل؛ لأن القتل موجب للمال. وفي الظاهر: لا يغسل؛ لأن وجوب المال باعتبار انعدام الأهلية للقصاص (١). قوله: (وتتحقق المساواة) بين القاتل والمقتول، ولا يشكل ما إذا قتل المستأمن المسلم أو الذمي؛ حيث يقتل المستأمن قصاصًا مع عدم المساواة بينهما؛ لأن هذا تفاوت نقصان، فكان وجوب القصاص فيه بالطريق الأولى. قوله: (والحر بالعبد) وكذا بالأمة، ولكن لا يقتل بعبد نفسه عندنا. وقال النخعي، وداود: يقتل بعبد نفسه أيضًا؛ لما روى الحسن عن سمرة، أنه عليه الصلاة السلام قال: «مَنْ قتل عبدَهُ قَتَلْناهُ، ومَن جَدَعَهُ جَدَعْناهُ» (٢). وقلنا: الحسن ما سمعه من سمرة، ولئن صح؛ كان محمولًا على الزجر دون إرادة الإيقاع. وقيل: هذا منسوخ، بدليل سقوط القصاص في الأطراف بين الحر والعبد بالإجماع؛ لأن الحكمين ثبتا معا ونسخا معًا. وقال الشافعي، ومالك، وأحمد: لا يقتل الحر بالعبد، بل يضمن قيمته؛ لقوله تعالى: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ﴾ [البقرة: ١٧٨]، وهذا يحتمل أن يكون تفسيرًا (٣) للقصاص المذكور في قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ﴾، فيكون بيانًا أن المساواة المعتبرة: أن يكون الحر بمقابل الحر، لا الحر بالعبد.

стр. 6962

لَا يُقْتَلُ الحُرُّ بِالعَبْدِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الحُرُّ بِالحُرِّ وَالعَبْدُ بِالعَبْدِ﴾ [البقرة: ١٧٨] وَمِنْ ضَرُورَةِ هَذِهِ المُقَابَلَةِ أَنْ لَا يُقْتَلَ حُرٌّ بِعَبْدِ، وَلِأَنَّ مَبْنَى القِصَاصِ عَلَى المُسَاوَاةِ، وَهِيَ مُنْتَفِيَةٌ بَيْنَ المَالِكِ وَالمَمْلُوكِ، وَلِهَذَا لَا يُقْطَعُ طَرَفُ الحُرِّ بِطَرَفِهِ، بِخِلَافِ العَبْدِ بِالعَبْدِ؛ لِأَنَّهُمَا يَسْتَوِيَانِ، وَبِخِلَافِ العَبْدِ حَيْثُ يُقْتَلُ بِالحُرِّ؛ لِأَنَّهُ تَفَاوُتُ إِلَى نُقْصَانِ. وَلَنَا: أَنَّ القِصَاصَ يَعْتَمِدُ المُسَاوَاةَ فِي العِصْمَةِ، وَهِيَ بِالدِّينِ، وَبِالدَّارِ … ... … . واحتج أصحاب الشافعي: بما روى ابن عباس: أنه عليه الصلاة السلام قال: «لَا يُقْتَلُ حَرٌّ بِعَبْدٍ» (١). قوله: (وهي)؛ أي: المساواة (منتفية بين المالك والمملوك)؛ لأن المالك قادر والمملوك عاجز، قال تعالى: ﴿عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ﴾ [النحل: ٧٥]، ولا مساواة بين القادر والعاجز. ولأن الرق موت حكمًا، حتى نسب المعتق بالولاء، فالولاء إلى المعتق، إليه أشار قوله ﷺ : «لا يجزي ولد والداً؛ إلا أن يَجِدَهُ … » (٢) الحديث. والحرية حياة، ولا مساواة بين الحي والميت شرعًا. (ولهذا لا يقطع طرف الحر بطرفه) مع أن حرمة الطرف دون حرمة النفوس؛ إذ الأطراف تابعة للنفوس، فالنفس أولى أن لا تقتل (٣). (لأنهما)؛ أي: العبدين (يتساويان) ولهذا يجري القصاص في الأطراف في العبد عند الأئمة الثلاثة. (لأنه)؛ أي: التفاوت بينهما (تفاوت إلى نقصان) فيجوز أن يستوفى بالكامل دون عكسه، كما في الطرف. قوله: (وهي)؛ أي: العصمة (بالدين)؛ أي: عند الشافعي (أو بالدار)؛

стр. 6963

وَيَسْتَوِيَانِ فِيهِمَا، … ... … ... … ... … ... … ... … ... .. أي: عندنا (ويستويان فيهما)؛ أي: في الدين والدار. وفي المبسوط لنا: قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ [البقرة: ١٧٨]، فهذا يقتضي القصاص في كل قتل إلا ما قام الدليل على منعه (١). وقوله [تعالى] (٢): ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ﴾ ذكر بعض ما اشتمله العام على موافقة حكمه، فلا يوجب تخصيص ما بقي؛ ألا ترى أنه كما قابل العبد بالعبد، قابل الأنثى بالأنثى، [ثم لا يمنع ذلك أن يقتل الذكر بالأنثى، فكذا هذا، وفي مقابلة الأنثى بالأنثى] (٣) دليل على وجوب قتل الحرة بالأمة. ثم فائدة التخصيص: سبب نزول الآية؛ وهو ما روي عن ابن عباس ﵄، أن بني النضير تدعي الفضل، فقالوا: لا نرضى إلا أن يقتل الذكر منهم بالأنثى منا، والحر منهم بالعبد مِنّا، فنزلت ردًّا عليهم، وبيانًا أن الحر بمقابلة الحر، والعبد بمقابلة العبد، فكان اللام لتعريف العهد، لا لتعريف الجنس. فإن قيل: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ﴾ إلى آخره، تفصيلا لإطلاق صدر الآية؛ يؤيده: حديث ابن عباس كما ذكرناه، وما روي عن عليّ أنه قال: "من السنة ألا يقتل الحر بالعبد". قلنا: هذا لا يكون تفسيرًا للإطلاق، حتى يرد إطلاق الآية، بل رد لقول العرب كما ذكرنا. ولأنه [لو] (٤) كان تفصيلا وتفسيرًا؛ ينبغي ألا يقتل الذكر بالأنثى، بل يقتل بالإجماع. وما روي عن علي ﵁ [لا يدل] (٥) على سنة رسول الله ﷺ ، فإن القياس من السنة، على أن محمدًا روى عنه بخلافه، وهو الصحيح. ولأنه محمول على السيد إذا قتل عبده، فإنهم كانوا مختلفين في ذلك، فمنهم من يوجب القصاص، وهذا محمل حديث ابن عباس إن صح.

стр. 6964

وَجَرَيَانُ القِصَاصِ بَيْنَ العَبْدَيْنِ يُؤْذِنُ بِانْتِفَاءِ شُبْهَةِ الإِبَاحَةِ، وَالنَّصُّ تَخْصِيصُ بِالذِّكْرِ فَلَا يَنْفِي مَا عَدَاهُ. قَالَ: (وَالمُسْلِمُ بِالذُّمِّيِّ) وقيل: في سند حديثه جوهير، وهو ضعيف عند النقلة. وأما قياس النفس على الطرف فغير صحيح؛ لأن وجوب القصاص هناك يعتمد المساواة في الجزء المبان، ولهذا لا تقطع الصحيحة بالشلاء، والرق ثابت في أجزاء الجسم، فتنعدم بسببه المساواة، ولا كذلك في النفوس؛ فإن الصحيح يقتصُّ بالزَّمن، فأظهرنا أثر الرق في الأطراف دون النفوس؛ لما أن العبد من حيث النفس آدمي مكلف، خلق معصوما من القتل؛ كرامة من الله تعالى على ما لزمه من حمل الأمانة، لتبقى بذلك العصمة، فيحملها ويؤديها. كذا في الأسرار، والمبسوط (١). وعرف جواب قوله: (وهي منتفية بين المالك والمملوك)؛ يعني: المساواة تعتبر في حقن الدم على التأبيد فقط، ولا تعتبر من حيث المالكية، ولهذا يقتل الرجل بالمرأة، وهي في المالكية دون الرجل. قوله: (وجريان القصاص بين العبدين) إلى قوله: (بانتفاء شبهة الإباحة) جواب عما يقال: الرق أثر الكفر، وحقيقة الكفر تورث شبهة إباحة دمه، ولهذا يقتل المسلم بالكافر مطلقًا عند الشافعي، فكذا أثره يورث شبهة الإباحة، فقال في جوابه: لا يورث شبهة الإباحة، بدليل جريان القصاص بين العبدين. قوله: (فلا ينفي ما عداه)؛ أي: ما عدا المنصوص. وفي مبسوط شيخ الإسلام: فائدة التخصيص: جعل ما وراء المنصوص موكولا إلى اجتهادنا، كتخصيص النبي ﷺ حكم الربا في الأشياء الستة. قوله: (والمسلم بالذمي)؛ أي: يقتل المسلم بالذمي عندنا، خلافًا للشافعي، ومالك، وأحمد وأبي ثور، والثوري، والأوزاعي، وزفر، وأصحاب الظاهر، وهو قول عطاء، والحسن البصري.

стр. 6965

خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ، لَهُ: قَوْلُهُ ﵊: «لَا يُقْتَلُ مُؤْمِنٌ بِكَافِرٍ» وَلِأَنَّهُ لَا مُسَاوَاةَ بَيْنَهُمَا وَقْتَ الجِنَايَةِ، وَكَذَا الكُفْرُ مُبِيحٌ، فَيُورِثُ الشُّبْهَةَ. وفي المبسوط: الخلاف فيما إذا كان القاتل حال [القتل] (١) مسلما، أما لو قتل ذمي ذميا، ثم أسلم القاتل؛ يقتص بالإجماع (٢). وعن مالك: إذا قتل المسلم الذمي غيلة؛ يقتل به؛ لما روي أن عثمان أمر به في هذه الصورة. [الغيلة] (٣): أن يخدع الرجل حتى يدخل بيته أو نحوه، فيقتله أو يأخذ ماله إن كان معه. (له)؛ أي: للشافعي (قوله ﵊ الحديث. قال الطحاوي: روي عن قيس بن عباد قال: انطلقت أنا والأشتر إلى علي، فقلنا: هل عهد إليك رسول الله ﷺ عهدًا لم يعهد إلى الناس عامة؟ قال: لا، إلا ما كان في كتابي هذا، فأخرج كتابًا من قراب سيفه، فإذا فيه أنه ﷺ قال: «المؤمنون - وفي رواية: المسلمون - تتكافأ دماؤهم، ويسعى بذمتهم أدناهم، وهم يد علَى مَنْ سِواهُم، ولا يُقتَلُ مسلم بكافر، ولا ذو عهد في عهده، من أحدث حدثًا فعلى نفسِهِ، ومن أحدث حدثًا أو أَوَى مُحْدِثًا؛ فعليهِ لعنة الله والملائكة والناس أجمعين» (٤). ولأنه لا مساواة بين الكافر والمسلم وقت الجناية؛ لقوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَبُ الْجَنَّةِ﴾ [الحشر: ٢٠]. ولأن الكفر من أعظم النقائص، والكافر كالميت، قال الله تعالى: ﴿أَوَ مَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٢]، ولا مساواة بين الميت من وجه والحي من كل وجه، والقصاص يبتني على المساواة، وقال تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٤١].

стр. 6966

وَلَنَا: مَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَتَلَ مُسْلِمًا بِذِمِّي ولأن سبب إباحة دمه كفره، قال ﵊: «أُمِرتُ أن أقاتل الناسَ حتَّى يقولوا لا إله إلا الله» (١)، وبعقد الذمة الكفر قائم، فأورث شبهة، كالملك؛ فإنه يبيح الوطء، فإذا وجد في الأخت لم يبح الوطء، وصار شبهة دارئة للحد. ولنا: ما روي أنه ﵊ إلى آخره: روى الدارقطني عن عبد الرحمن بن البيلماني، عن عمر (٢): أنه ﵊ قتل مسلما بمعاهد، ثم قال: «أنا أحَقُّ من وفى بذِمَّتِهِ» (٣) وروي أيضًا عن ربيعة [عن] (٤) ابن البيلماني: أنه ﵊ أقاد مسلما قتل يهوديا، وقال: «أنا أحقُّ مَنْ وَفَى بِذِمَّتي» (٥). وروى أيضًا بإسناد آخر عن ابن البَيْلماني: أنه ﵊ قتل رجلا من أهل القبلة برجل من أهل الذمة، وقال: «[أنا] (٦) أحقُّ مَنْ وَفَى بِذِمَّتِه» (٧) وهذه الأحاديث صريح في دعوانا، مؤيد بعمومات الكتاب. وبما روي أن عبيد الله بن عمر لما قتل الهرمزان وصفِيَّه (٨) النصرانيين، فلما استخلف عثمان اجتمع المهاجرون والأنصار، وفيهم علي، فقال عثمان: أشيروا علي في قتل عبيد الله، فاجتمع المهاجرون على قتله، فقال عمرو بن العاص: "يا أمير المؤمنين، أعرض عن ذلك؛ إنما كان ذلك أمرا قبل

стр. 6967

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . مبايعتك" فمن المحال أن يكون المراد من قوله ﵊: «لا يُقتل مسلم بكافر (١) كافر غير حربي، وإلا لا يشير المهاجرون وفيهم علي وعثمان على قتل عبيد الله. وروى ابن ماجه عن ابن عباس أنه قال: لَا يُقْتَلُ مسلم بكافرٍ حَربي». ثم حديث الخصم غير صريح في دعواه، بل قابل للتأويل، فإنه لا يمكن إجراؤه على عمومه بالإجماع، بأن قتل ذمي ذميًا ثم أسلم؛ يقتص بالإجماع. وتأويله: أن المراد بالكافر: الكافر الحربي الذي دخل في دار الإسلام بالأمان، أو الحربي مطلقا؛ لما روي عن سعيد بن جبير أنه قال: إنما قال رسول الله ﷺ لَا يُقتَلُ مسلم بكافرٍ أن أهل الجاهلية كانوا يطالبون بالدماء، فلما جاء الإسلام قال ﵊: «لا يُقتَلُ مسلم بدم أصابَهُ في الجاهلية». والمراد من الحربي: من لا يحل قتله، كالنساء والصبيان، والمراهقين، فإن المسلم لا يقتل بهم، بدليل ولا ذو عهد في عهده (٢) أي: لا يقتل ذو عهد بالكافر الحربي. فإن قيل: قوله: «ولا ذو عَهْدٍ في عَهْدِهِ ابتداء كلام؛ أي: لا يقتل ذو عهد في مدة عهده. قلنا: الواو للعطف حقيقة، خصوصًا فيما لا يكون مستقلا بنفسه، وخبر الأول نفي القتل قصاصا لا نفي مُطلق القتل، فيكون الثاني نفي القتل قصاصًا، وإلا لا مناسبة بين الجملتين، فيصير كقولهم: في عين الذباب جحوظ، وكُم الخليفة في غاية الطول. فيكون ركيكا. كذا في المبسوط (٣)، والأسرار. وفي مبسوط شيخ الإسلام: ولا ذو عَهد في عهده» جملة ناقصة، فيكون خبره: خبر الجملة الكاملة، وخبر الكاملة في القتل قصاصًا، فيكون معناه: ولا

стр. 6968

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . يقتل ذو عهد بمطلق الكافر، وليس كذلك بالإجماع؛ فإن الذمي يقتل بالذمي بالإجماع. فإن قيل: قد روي في بعض الروايات: «ولا بذي عهد في عهده»؛ أي: لا يقتل مسلم بكافر، ولا ذي عهد. قلنا: هي رواية شاذة مجهولة، ولئن صح؛ فنقول: إنه معطوف على المؤمن لا الكافر، والجر على الجوار، كما في (جُحْر ضَبٌ خَرِب)، والمراد بذي عهد: المستأمن، وبه نقول: إن المستأمن لا يقتل بالمستأمن. قال ابن حزم وغيره: إن الدارقطني ما أسند عن ابن البيلماني غير إبراهيم بن يحيى (١)، وهو متروك الحديث، والصواب عن ربيعة عن ابن البيلماني، فهو مرسل، وابن البيلماني ضعيف. قلنا: ليس كذلك؛ لأن ابن البيلماني ثقة، ذكره ابن حنبل في الثقات. وقال غيره: إن روى عنه ابنه محمد لا تقبل روايته، وإن روى عنه غيره تقبل وابن البيلماني رجل معروف من التابعين. وأما إبراهيم بن أبي يحيى؛ فهو إبراهيم بن محمد بن سمعان الأسلمي، مولى بني أسلم، أحد الأئمة الأعلام، وقد وثقه الشافعي وغيره، فإذا ثبتت الروايتان (٢)؛ ثبتت صحة الأحاديث، فوجب القول به، سواء كان مسندًا أو مرسلًا، فإن المرسل حجة عندنا، ومالك، وأحمد، وأكثر العلماء، حتى قال محمد بن جرير الطبري: أجمع التابعون على قبول المرسل، ولم يزل الأمر كذلك إلى رأس المائتين، فحدث رد المرسل، حتى قيل: رد المرسل بدعة. قال ابن عبد البر: من رد المرسل؛ فقد رد كثيرا من السنن. وعند الشافعي: يقبل المرسل إذا أسند من وجه، أو عضده قول الصحابي، أو أرسل من وجه آخر، وقد روي مرسلًا من وجوه أخر، رواه أبو داود، وراوي

стр. 6969

وَلِأَنَّ المُسَاوَاةَ فِي العِصْمَةِ ثَابِتَةٌ نَظَرًا إِلَى التَّكْلِيفِ وَالدَّارِ، وَالمُبِيحُ كُفْرُ المُحَارِبِ حديث الشافعي علي، وقد عمل بخلافه، ثبت ذلك بطرق كثيرة. والشعبي أيضًا أحد رواة خبره، وهو قتل المؤمن بالذمي. قال ابن حزم: ما روى عن الشعبي ذلك إلا ابن أبي ليلى، وهو سَيِّئُ الحفظ. قيل: هذا غاية تعصبه وسفاهته؛ لأنه ما قال أحد من الثقات بسوء حفظ ابن أبي ليلى، وقد صح عن عمر وعثمان وعبيد الله بن عمر أنهم قتلوا مسلما بذمي، فعلم أن المراد بالكافر في حديثه: الكافر الحربي، مع أنا بينا أن بدون تأويل الكافر بالحربي لا يستقيم الكلام. ولا يقال: لم لا تخصون الكافر بالحربي في قوله ﵊: «لَا يَرِثُ المُسْلِمُ الكَافِرَ» (١) لأن مبنى الإرث على اتحاد الملة بالإجماع، فكل كافر يخالف ملة الإسلام، أما القصاص فمبناه على المساواة في أصل العصمة، والمسلم والذمي في ذلك سواء؛ لقوله ﵊: «إنما بذلوا الجزية لتكون دِمَاؤُهُم كدِمائِنَا، وأموالهم كأموالنا» (٢) مع أن الكافر في حديث الإرث مُحلّى باللام، التي هي من صيغ العموم، وأما في مسألتنا ليس كذلك. قوله: (ولأن المساواة في العصمة ثابتة نظرًا إلى التكليف أو الدار)؛ يعني: مستحق البقاء لإقامة التكاليف، ولا يمكن من إقامتها إلا بأن يكون محرم التعرض، مدفوع أسباب الهلاك، والكفر ليس بمبيح للقتل بنفسه، بل بواسطة الحراب، وقد سقط الحراب بعقد الذمة، وصار من أهل دارنا، فلم يبق الكفر مبيحًا، ولهذا كفر المرأة لا يبيح القتل؛ لأنه غير باعث على الحراب؛ لأنها بنفسها غير صالحة له، والعصمة بالدار مؤثر في النفس والمال جميعًا، حتى

стр. 6970

دُونَ المُسَالِمِ، وَالقَتْلُ بِمِثْلِهِ يُؤْذِنُ بِانْتِفَاءِ الشَّبْهَةِ، وَالمُرَادُ بِمَا رَوَى الحَرْبِيُّ، لِسِيَاقِهِ، وَلَا ذُو عَهْدٍ فِي عَهْدِهِ وَالعَطْفُ لِلْمُغَايَرَةِ، قَالَ: (وَلَا يُقْتَلُ بِالمُسْتَأْمَنِ)؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَحْقُونِ الدَّمِ عَلَى التَّابِيدِ، وَكَذَلِكَ كُفْرُهُ بَاعِثُ عَلَى الحِرَابِ؛ لِأَنَّهُ عَلَى قَصْدِ الرُّجُوعِ … ... يجب القطع بسرقة مال الذمي، وحقن دمه أيضًا بعقد الذمة؛ لأنه خلف الإسلام، حتى يفترض ذلك إذا طلبوا منا كقبول الإسلام والخلف يعمل عمل الأصل. كذا في المبسوط (١). قوله: (والقتل بمثله إلى آخره: قتل الذمي بالذمي دليل على أن كفره غير مبيح؛ إذ الشبهة تمكنت في محل لا يختلف باختلاف المتناول. قوله: (والمراد بما روى)؛ يعني: الشافعي (الحربي) كما ذكرنا (بسياقه)؛ أي: بسياق الحديث، وقد بيناه. وأما الجواب عن تمسكه بقوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ﴾ [الحشر: ٢٠] على عدم المساواة؛ وهو أن المراد بعدم المساواة: عدم المساواة في المعنى الخاص، وهو الفوز والنجاة، بدليل سياق الآية، وهو قوله ﴿أَصْحَبُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾، وإلا المساواة بينهما في بعض الوجوه ثابتة. وكذا المراد من قوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٤١] في حكم يوم القيامة، بدليل سياق الآية، وهو قوله تعالى: ﴿فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [البقرة: ١١٣]، والآن نحن نشاهد استيلاءهم على المسلمين وأموالهم. وكذا قوله تعالى: ﴿أَوَ مَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٢]؛ أي: ميتا بحسب الاعتقاد وحكم الآخرة، لا بحسب أحكام الدنيا. قوله: (لأنه)؛ أي: المستأمن على قصد الرجوع) فكان كفره باعثًا على الحراب، وإنما ترك الحراب زمانًا لمصلحة، فلم يكن قتله حرامًا محضًا، فلا ينتهض (٢) سببًا لوجوب القصاص.
следующие страницы →