← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 30179

معراج الدراية في شرح الهداية

الكاكي

Полный текст (7 597 стр.). Показаны 7561–7597 · переход к 7566.

стр. 7561

قال شيخي العلامة الصحائفي: لم يعرف مقصود العلماء من تلك المحاسبات والأعمال، [فنشرع] (١) في طعنهم من غير روية، أو لا يتم مقصودهم إلا بتلك المحاسبات، وذلك أن غرضهم بيان نصيب كل واحد من الورثة على سبيل التحقيق والتوضيح شائعًا من غير نظر منهم إلى القسمة، وأفراد الأنصباء إذا ترك بنتا وابنا فقيل: للابن سهمان من ثلاثة، وللبنت سهم، فهذا ليس بقسمة بل بيان نصيب كل واحد منهما من التركة على الشيوع. ثم القسمة أمر آخر بعد ذلك، ولها أحكام على حدة، ولا يتم مقصودهم في هذا البيان إلا بالطريق الذي اختاروه، فهذه الضرورة دعتهم إلى ذلك، ويبين هذا في صورة، وهي ما إذا ترك خمس بنات وجدتين وثلاثة أعمام، فسألوا عن نصيب كل فريق، فلا بد من أن يقال للبنات الثلثان، وللجدتين واحد من ستة، وللأعمام منهم واحد منها أيضًا، فإن سألوا عن نصيب كل منهم من التركة لا يستقيم أن يقال: لكل بنت أربعة أخماس من (٢) ستة، ولكل عم ثلث سهم من ستة، ولكل جدة نصف سهم، منها واحد من اثني عشر وثلث سهم، منها واحد من ثمانية عشر، وأربعة أخماس سهم، منها واحد من سبعة ونصف، أو اثنان من خمسة عشر. وهذه مخارج مختلفة، فاضطروا إلى التجنيس ليتبين نصيب كل واحد على التحقيق من مخرج واحد بدون التلفظ بكسر، وليظهر التفاوت بين الأنصباء في نسبة واحدة؛ إذ نسبته كل إلى المخرج فرد على السواء فبلغ المخرج بالتجنيس مائة وثمانين ضرورة، فتبين بهذا أن نصيب كل بنت أربعة وعشرون من هذا المخرج، ونصيب كل واحدة من الجدتين خمسة عشر، ونصيب كل عم عشرة، وهذا ليس بقسمة، بل هو بيان الأنصباء على الشيوع، وتعريفها على السائلين. فأما القسمة فتمييز الأنصباء، وذلك أمر آخر بعد معرفة الأنصباء، ألا ترى أنه لو أمكن لهم بيان الأنصباء من مخرج لم يعتبروا فيه أكثر من ذلك؛ لعدم دعاء الضرورة إليه. وفي الحقيقة ما قال الصحائفي راجع إلى ما قاله العلماء يعرف بالتأمل،

стр. 7562

ولهذا قال بعض مشايخنا: لا يحتاج في الفتوى إلى ذلك، وإنما احتاج إليه القسام، فإذا أمكنه قسمة نصيب الشائع بأن تكون التركة قابلة للقسمة، قسمه على قدر الأنصباء وإن لم يمكنه بأن تكون التركة غير قابلة للقسمة، فقد بينه في كتاب القسمة، بأن يقسمه بالقيمة عند البعض، أو يتركه شائعًا على قدر الأنصباء، والله أعلم. فصل في قسمة التركات بين الورثة والغرماء التركة: اسم من الترك، فَعِلَة بمعنى مفعول، كالطلبة اسم من الطلب، بمعنى المطلوبة. وفي الصحاح: تركة الميت، يراد به المتروك. اعلم أن القسمة بين الغرماء على قدر حقوقهم، ثم إن فضل شيء من التركة يقسم بين الورثة، فصحح المسألة أولا كما ذكرنا، ثم إذا أردت أن تعرف نصيب كل فريق من التركة اطلب الوفق بين التصحيح وبين التركة، فإن كان بينهما مباينة فاضرب سهام كل وارث من التصحيح في جميع التركة، ثم اقسم المبلغ على جميع التصحيح، كزوج وأبوين وابن وبنتين، والتركة سبعة عشر دينارًا، فصحح المسألة أولًا من اثني عشر كما ذكرنا، تبلغ ثمانية وأربعين، للزوج اثني عشر، ولكل واحد من الأبوين ثمانية، وللابن عشرة، ولكل بنت خمسة، ثم اطلب الوفق بين ثمانية وأربعين وبين التركة، وهي سبعة عشر ولا موافقة بينهما، فاضرب سهام الزوج وهي اثني عشر في التركة وهو سبعة عشر، واقسم الحاصل وهو مائتان وأربعة على التصحيح، وذلك ثمانية وأربعون تخرج أربعة دنانير وربع دينار، وهي للزوج من التركة، ثم اضرب سهام الأب من التصحيح، وذلك ثمانية في السبعة عشر، واقسم الحاصل وهو مائة وستة وثلاثون على الثمانية والأربعين، يخرج ديناران وخمسة أسداس دينار، وهي للأب من التركة، وكذلك [للأم، ثم] (١) اضرب سهام ابن، وهي عشرة في سبعة عشر، واقسم الحاصل وهي مائة وسبعون على الثمانية والأربعين، يخرج ثلاثة دنانير ونصف دينار وطسوج، وهي للابن من التركة، ثم اضرب سهام كل بنت في

стр. 7563

سبعة عشر، واقسم الحاصل وهو خمسة وثمانون على الثمانية والأربعين، يخرج دينار وثلاثة أرباع دينار وحبة، وهي لكل بنت. أما إذا كان [بين] (١) التصحيح من التركة موافقة، فاضرب سهام كل وارث من التصحيح في وفق التركة، ثم اقسم المبلغ على وفق التصحيح، فالخارج نصيب ذلك، هذا لمعرفة نصيب كل فرد. أما لمعرفة نصيب كل فريق فاضرب ما كان لكل فريق من أصل المسألة على وفق التركة إن كانت موافقة بين التركة، والمسألة كما ذكرنا، ثم اضرب المبلغ على وفق المسألة، وإن كان بينهما مباينة فاضرب سهام كل فريق في كل التركة، ثم اقسم الحاصل على جميع المسألة، فالخارج نصيب ذلك الفريق. أما في قضاء الديون إذا كانت التركة لم تف بالديون، والغريم أكثر من واحد اطلب الوفق بين مجموع الديون وبين التركة، فإن كانت بينهما مباينة فاضرب دين كل فريق في مجموع التركة، ثم اقسم الحاصل على مجموع الديون، كما لو كانت التركة سبعة عشر والديون ثمانية وأربعون دينارًا، لزيد اثني عشر، ولعمرو ستة عشر دينارًا، ولبكر عشرون دينارًا، وبين سبعة عشر وثمانية وأربعين مباينة، فاضرب دين زيد في جميع التركة، واقسم الحاصل على ثمانية وأربعين، يخرج أربعة دنانير وربع دينار، وعلى هذا إلى آخر ما ذكرنا في تصحيح التركة. فصل في مقاسمة الجد قال أبو بكر الصديق ﵁ ومن تابعه من الصحابة والتابعين عبد الله بن عباس، وعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن عمر، وعثمان، وعائشة، وأبي بن كعب، وأبو الدرداء، ومعاذ بن جبل، وأبو موسي الأشعري، وعمران بن الحصين، وجابر بن عبد الله، وأبو الطفيل، وعبادة بن الصامت، وأبو هريرة، وعطاء، وطاوس، وجابر بن زيد، وقتادة، وإسحاق، ونعيم بن حماد، وأبو ثور، وأبو حنيفة، وأحمد، والمزني، وابن سريج، وابن اللبان، وابن المنذر، وداود، وعبد الله بن عيينة، وعمر بن عبد العزيز، والحسن، وابن سيرين

стр. 7564

﵃: الجد يسقط جميع الإخوة والأخوات من جميع الجهات، كما يسقطهم الأب، وبقول أبي حنيفة يفتى. وقال علي، وزيد بن ثابت، وابن مسعود ﵃: يرثون معه ولا يحجبون به، وبه قال الشافعي، ومالك، والأوزاعي، والنخعي، وأبو يوسف، ومحمد ﵏. قال شيخ الإسلام في فرائضه: إنما المختار قول أبي بكر؛ لأنه ثبت على هذا، ولم تتعارض عنه الرواية، فأما من غيره فقد تعارضت الروايات. قال عبيدة السلماني: حفظت عن عمر في الجد سبعين قضية يخالف بعضها بعضًا، وفي رواية عنه أن عمر قضى في الجد بمائتي قضية، وفي رواية أن عمر جمع الصحابة في بيت فقال: لا بد لكم أن تتفقوا في الجد على شيء، فسقطت حية من سقف البيت وحملت عليهم فخرجوا مذعورين وتفرقوا، فقال عمر: فأبى الله ارتفاع هذا الخلاف. واجتمعت الصحابة على أن عمر مات وليس له في الجد قول، ولاختلاف الصحابة امتنع بعض العلماء عن الفتوى في الجد، وكره الكلام فيه، وأما عامة العلماء فأفتوا فيه، فأفتى فيه محمد بن سلمة بالاصطلاح، وأبو نصير الدبوسي بأن الإخوة أولى، والمرغيناني بأن الجد أولى، وبه قال محمد بن إبراهيم الميداني، والفقيه أبو إسحاق الضرير، واختار شمس الأئمة السرخسي قولهما. قال التمرتاشي: الأفضل عندي ما اختاره الفضلي، أن يدفع إليه ما اجتمعت عليه الصحابة وهو السدس، ويصطلح منه عن الباقي، واحتج من ورثهم مع الجد بما روي عن علي ﵁ أنه شبه الأخوين بشجرة أنبتت غصنين، والجد مع النافلة شجرة نبت منها غصن، ثم نبت من غصنها غصن، فالفرق (١) [بين] (٢) غصني الشجرة أظهر من الفرق بين أصلي الشجرة والغصن النابت من غصنها؛ لأن بين الغصنين مجاورة بغير واسطة، وبين الغصن الثاني وأصل

стр. 7565

الشجرة مجاورة بواسطة الغصن الأول، فعلى هذا ينبغي أن يُقدَّمَ الأخ على الجد؛ لأن العصوبة تبنى على القرب، إلا أن في جانب الجد معنى آخر وهو الولاد، فتأبد بذلك المعنى اتصاله بالنافلة، وبالولاد يستحق الفريضة وهو السدس من له اسم الأبوة، قال تعالى: ﴿وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ﴾ [النساء: ١١] فلا يستقيم نصيب الجد عن السدس باعتبار الولاد بحال، وتأبد بهذا الولاد وقرابته من الميت؛ فيكون مزاحمًا للإخوة يقاسمهم إذا كانت المقاسمة خيرًا له من السدس. وعن زيد أنه شبه الأخوين بواد يتشعب منه نهران، والجد مع النافلة بواد يتشعب منه نهر، ثم يتشعب من النهر جدول، فالقرب بين النهرين أظهر منه بين الجدول وأصل الوادي، وهذا التشبيه من حيث المعنى نظير التشبيه من الشجرة، يقول: ابن الأخ والجد إذا استويا في الإدلاء إذ كل واحد يدلي إلى الميت بواسطة الأب، ثم للأخ زيادة ترجيح من وجه وهو الإدلاء بالبنوة، وللجد بالأبوة، والبنوة في العصوبة مقدمة على الأبوة، ولكن للجد ترجيح آخر وهو الولاء، فإنه مقدم في استحقاق الميراث على غير الولاد، ولهذا يقدم البنون على الإخوة في العصوبة، والبنات على الأخوات في الفرض، وبذلك الولاد استحق الجد الفريضة، وصاحب الفرض مقدم على العصبة. فقلنا: في الفرض المستحق بالولاد يجعل الجد مقدما، وإذا آل الأمر إلى العصوبة يعتبر الولاد، وهو مستوفي في ذلك، ولكل واحد منهما ترجيح، فيقع التعارض ويكون المال بينهما بالمقاسمة، ولهذا لا يثبت المزاحمة لأولاد الأم مع الجد؛ لأن إدلاءهم بالأم، ولا تأثير لقرابة الأم في استحقاق العصوبة بها. واحتج من ذهب إلى مذهب أبي بكر ﵁ بقوله ﷺ : «أَلْحِقُوا الفَرائِضَ بأهلها» وما بقي فلأولى عصبة ذكر، والجد أولى من الأخ، أولى في العصوبة؛ لما ذكرنا أن قرابته قرابة الولاد والبعضية. وبما نقل عن ابن عباس ﵄ أنه قال: ألا يتقي الله زيد، يجعل ابن الابن ابنا أي: في سقوط الأخ (١)، ولا يجعل أب الأب أبا، معناه ابن الابن يحجب

стр. 7566

جميع الإخوة لاتصاله بالميت بالولادة والبنوة، فكذلك أب الأب؛ لأن اتصاله وقربه بالولادة، والأبوة كما ذكرنا مع أن الجد يستحق اسم الأب عند عدم الأب، قال تعالى: ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ﴾ [الحج: ٧٨]، وقول يوسف ﴿وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَاءِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ﴾ [يوسف: ٣٨]. وقال ﷺ : «ارْمُوا بَني إسماعيل فإنّ أباكُم كان راميا» وقال: «سام أبو العرب، وحام أبو الحَبشِ، ويافِثُ أبو التُّركِ»، كذا في شرح السرخسي. وفي شرح خواهر زاده: أما القول بمشاركة الجد مع الإخوة بالتعصيب كما قال زيد فمتعذر؛ لأن سبب عصوبتهما مختلفة، فإن سبب عصوبة الجد الجزئية والبعضية، وسبب عصوبة الأخ المجاورة في صلب ورحم، أو في صلب، والمشاركة في العصوبة إذا اختلف جهة العصوبة غير مشروع، فإن العصبتين إنما تشتركان إذا استويا في القرب واتحد سبب عصوبتهما، وكذا القول بالفرض كما قاله زيد متعذر لوجهين: أحدهما: أن الفرض إنما ثبت بالنص أو الإجماع ولم توجد، ولأنه لو جعل صاحب فرض استدلالًا بالأب فمتعذر أيضًا؛ لأن الأب حال وجود الولد جعل صاحب فرض، فأما حال عدم الولد جعل عصبة، فإذا كان كذلك تعذر توريث الجد بالفرض وبالعصوبة مع الإخوة، وإذا تعذر توريثهما جميعًا وجب اعتبار أحدهما وإسقاط الأخ، فإسقاط الأخ أولى؛ لأن إسقاط الجد متعذر (١) بالإجماع، ولا إجماع في الأخ. هذه المسألة من المعضلات، عن علي أنه قال: سلوني عن جميع المعضلات إلا عن مسألة الجد. وعنه أنه قال: من أراد أن يقتحم في جراثيم جهنم فليقض في الجد. قيل: إذا سئل الشعبي عن مسألة الفرائض هاب إن لم يكن جدًا، ثم اختلف القائلون بتوريثهم مع الجد في كيفية القسمة، فقال علي ﵁: يقاسمهم ما لم ينتقص حظه من السدس، فإذا انتقص يعطى له السدس والباقي بين الإخوة؛ لأن فرض الأب السدس لا ينتقص حقه منه، فكذا الجد.

стр. 7567

وروي عن علي ﵁ أنه كان يقاسمهم إلى الثلث في زمن عمر بالمدينة، فلما حصل إلى العراق قاسمهم إلى السدس. وقال زيد: إذا اجتمعوا مع الجد كان الجد كأحدهم يقاسمهم ما لم تنقص المقاسمة من الثلث، فإن نقصه فرض له الثلث والباقي بين الإخوة ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ﴾، وبنو العلات يدخلون في القسمة مع بني الأعيان إضرارا للجد، فإذا أخذ الجد نصيبه يخرجون خائبين، والباقي لبني الأعيان؛ لأن بني العلات يرثون مع الجد حال عدم بني الأعيان، وإن لم يرثوا معهم فيجب اعتبارهم في حق الجد كما اعتبروا في حق حجب الأم، كما لو ترك أما وأخوين أحدهما لأب، فللأم السدس، والباقي للأخ لأب وأم، وكما في أبوين وأخوين يعتبران لتنقيص نصيب الأم دون الاستحقاق، كذا ذكره التمرتاشي. ولأنه إذا كانت أخت واحدة من بني الأعيان تأخذ نصف الكل بعد نصيب الجد؛ لأن حظها لا يزاد على النصف، ولا ينقص منه مع وجود بني العلات، فإن بقي شيء فلبني العلات كما لو كان مكان الجد صاحب فرض آخر. مثال ذلك: جد وأخ، المال بينهما نصفان؛ لأن المقاسمة خير له، جد وأخوان المال بينهم أثلاث؛ لاستواء المقاسمة والثلث هاهنا، جد وثلاثة إخوة، ففرض الجد الثلث، والباقي بين الإخوة؛ لأن المقاسمة في هذه الصورة تنقصه من الثلث، فلو كانت الأخت لأب وأم وأختين لأب تأخذ الأخت لأب وأم النصف بعد نصيب الجد، والباقي للأختين لأب، فإن كان فيهم ذو فرض يعطى فرضه ثم ينظر في الباقي للجد بثلاثة أحوال المقاسمة، أو ثلث ما يبقى، أو سدس جميع المال، فيعطى ما يتوجب له منها، والباقي بين الإخوة والأخوات ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ﴾. مثال ذلك: جد، وأخ، وزوج للزوج النصف، والباقي بين الجد والأخ؛ لأن المقاسمة خير له، وكذا مع الزوجة جدة وجد وأخوان وأخت، للجدة السدس، وللجد ثلث ما يبقى، والباقي للأخوة ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ﴾؛ لأن ثلث ما يبقى خير له. جد وجدة وبنت وأخوان للجدة السدس، وللبنت النصف، وللجد السدس؛ لأن السدس خير له.

стр. 7568

بنت وجد وأخت، فللبنت النصف، والباقي بين الجد والأخت ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ﴾ عند زيد، وعند علي: للبنت النصف، والباقي بين الجد والأخت نصفان، وهذه فريعات ابن مسعود. ثم اعلم أن زيد بن ثابت لا يجعل الأخت لأب وأم أو لأب صاحبة فرض مع الجد إلا في الأكدرية، وهي زوج وأم وجد وأخت لأب وأم أو لأب، للزوج النصف، وللأم الثلث، وللجد السدس، وللأخت النصف، ثم يضم الجد نصيبه إلى نصيب الأخت، فيقسمان ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ﴾؛ لأن المقاسمة خير للجد بعد ما أعطى فرضيهما. فأصل المسألة من ستة، وتعول إلى تسعة، وتصح من سبعة وعشرين؛ لأن سهام الأخت والجد أربعة بينهما على ثلاثة، ولا يستقيم الأربعة على ثلاثة، فضربنا الثلاثة في أصل المسألة وهو تسعة بلغ سبعة وعشرين، ومنها تصح المسألة، وإنما جعلها صاحبة فرض في الابتداء؛ لأنه لو لم يجعلها صاحبة فرض في الابتداء تحرم عن الميراث ولا وجه لحرمانها؛ لأنه لم يوجد من يحجبها، وإنما جعلها (١) عصبة في الانتهاء؛ إذ لو لم يجعلها عصبة صارت (٢) نصيبها ثلاثة أمثال نصيب الجد، وذلك لا يجوز؛ لأن الجد بمنزلة الأخ عنده، ولا يجوز أن يكون نصيب الأخت أكثر من نصيب الأخ. وسميت هذه المسألة أكدرية؛ لأنها واقعة [امرأة من بني] (٣) أكدر، واشتبه على زيد مذهبه فيها فنسبت إليها. وقيل: سميت أكدرية؛ لأن عبد الملك بن مروان سأل فقيها اسمه أكدر عنها، فأفتى فيها على مذهب زيد وأخطأ. وقيل: سميت بها لتكديرها لأصول زيد في الجد، فإنه أعالها ولا عول عنده في مسائل الجد، وفرض الأخت معه، ولا يفرض لأخت مع جد، وجمع سهامه وسهامها فقسمه بينهما ولا نظير لذلك. وقيل: هذا لا يصح؛ لأن الأكدر لم يؤخذ من التكدير.

стр. 7569

والصحيح: أنها منسوبة إلى صاحبة الواقعة، وأهل العراق يسمونها أم الفروخ؛ لأنها لو حركت ازدادت بنتا، ولو كانت مكان الأخت أخ أو أختان فلا عول ولا أكدرية؛ لأن السدس خير للجد، ولأن الأخ عصبة، فلم يمكن لزيد أن يجعله صاحب فرض، فاضطر إلى حرمانه بخلاف الأكدرية، فإنه يمكنه جعل الأخت صاحبة فرض، وكذا إذا كانت مكانها أختان فلا عول؛ لأن الأختين يحجبان الأم من الثلث إلى السدس، والأكدرية أيضًا؛ لأن أصول زيد فيها مستقيمة. واختلف أهل العلم في الأكدرية فقال أبو بكر ومن تبعه: يسقط ويجعل الثلث للأم، وما بقي للجد. وقال عمر وابن مسعود: للزوج النصف، وللأخت النصف، وللأم السدس، وللجد السدس، وعالت [المسألة] (١) إلى ثمانية، وجعلوا للأم السدس؛ كيلا يفضلوها على الجد. وقال عليّ: للزوج وللأخت النصف، وللأم الثلث، وللجد السدس، كقول زيد إلا أنه أبقى للأخت النصف، وللجد السدس، ولا يضم نصفها إلى سدس الجد حتى تقاسمه كما فعل زيد، ولو كانت أم وأخت وجد، فللأم الثلث، وما بقي بين الجد والأخت على ثلاثة أسهم للجد سهمان، وللأخت سهم. وسميت هذه المسألة خرقاء؛ لكثرة اختلاف الصحابة فيها، فكأن الأقوال خرقتها، وفيها سبعة أقوال: قال أبو بكر ومن تبعه: للأم الثلث، والباقي للجد. وقال زيد ومن تبعه: للأم الثلث، والباقي بين الجد والأخت على ثلاثة أسهم. أصل المسألة من ثلاثة، وتصح. وقال علي: للأخت النصف، وللأم الثلث، وللجد السدس. وقال عثمان: المال بينهم أثلاثا للأم الثلث، وللأخت الثلث، وللجد الثلث، وهي مثلثة عثمان. وعن عمر، وعبد الله بن مسعود: للأخت النصف، وللأم ثلث ما بقي، وما بقي للجد.

стр. 7570

وعن ابن مسعود رواية أخرى: للأخت النصف، والباقي بين الجد والأم نصفان؛ فتكون من أربعة، وهي من فريعات ابن مسعود، وتسمى هذه المسألة مسبعة أقوال، والمسدسة أيضًا؛ لأن معنى الأقوال ترجع إلى ستة. وسأل الحجاج الشعبي عنها، فقال: اختلف فيها خمس من الصحابة، وذكر له عثمان وعليًا وابن مسعود وزيدًا وابن عباس. قال ابن حزم: فالعجب ممن ترك رواية صحت عن طائفة من الصحابة، ووردت عن جمهورهم وجمهور التابعين، وهو قول أبي بكر لرواية فاسدة لم تصح قط من أحد من الصحابة؛ لأن ما نقلوا عن زيد وعلي وعمر وعثمان وابن مسعود أسانيد غير صحيحة، واشتغل بهذه الفريعات المتناقضة بعضها [من] (١) بعض. فصل في ذوي الأرحام هي جمع ذي رحم، والرحم في الأصل منبت الولد ووعاؤه، فسميت القرابة والوصلة من جهة الولاد رَحِمًا، كذا في المغرب. وفي الاصطلاح: كل قريب ليس بذي سهم ولا عصبة، سواء كانت قرابة (٢) من جهة الولاد أو من غيرها. فعامة الصحابة يورثونهم وهم عمر، وعلي، وابن مسعود، ومعاذ بن جبل، وأبو الدرداء، وأبو عبيدة بن الجراح، وابن عباس في أشهر الروايتين عنه، ومن التابعين شريح، وعلقمة، والأسود، وعطاء، وطاووس، والحسن، وابن سيرين، ومجاهد، وإبراهيم، وعبيدة السليماني، وجابر بن زيد، وعمر بن عبد العزيز، وبه أخذ علماؤنا، وأحمد. وكان زيد يورثهم ويجعل الباقي لبيت المال، ومثله عن ابن عباس في رواية شاذة، وبه قال سعيد بن المسيب، وسعيد بن جبير، والثوري في رواية، والشافعي، ومالك، وأبو ثور، وداود، وابن جرير. قال عطاء بن يسار روي أن رسول الله ﷺ ركب إلى قباء ليستخير الله تعالى

стр. 7571

في العمة والخالة فأنزل عليه: «أن لا ميراث لهما» رواه سعيد بن [منصور] (١) في سننه. ولأن العمة والخالة لا ترثان مع أخويهما، فلا ترثان منفردتين كالأجنبيات، وذلك لأن انضمام الأخ إليهما يؤكدهما ويقويهما، ولأن الميراث ثبت نصا ولا نص في هؤلاء. ولنا قوله تعالى: ﴿وَأُولُوا الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ [الأنفال: ٧٥]، والمراد بالحلف بعضهم أولى بميراث بعض. قال أهل العلم كان التوارث في بدء الإسلام ثم نسخ ذلك، وصار التوارث بالإسلام والهجرة، فلو كان له ولد ولم يهاجر لا يورثه، ويرثه المهاجر، وذلك قوله ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِم مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾ [الأنفال: ٧٢]، ثم نسخ ذلك بقوله تعالى: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾. فإن قيل: المراد من الآية ذو رحم له فرض أو تعصيب بدليل قوله تعالى في كتاب الله وهو القرآن، وذكر في الكتاب ذو رحم له فرض وتعصيب. قلنا: أراد بكتاب الله حكم الله، قال ﷺ : «كلُّ شرط ليس في كتاب الله فهو باطِلٌ» أي: حكم الله؛ لأن حكمه ﵊ كحكم الله؛ لإجماعنا أن من ذوي الأرحام من يرث وإن لم يكن له ذكر في القرآن، كالجد والجدة وابن الابن وفيه نوع تأمل. ولأن الكتاب متى حمل على القرآن يلزم التكرار والإعادة بلا فائدة؛ لأن ذلك يستفاد [بآية] (٢) المواريث، فالحمل على الإفادة أولى من الإعادة، وروى أحمد بإسناده عن سهل بن حنيف: أن رجلًا رمي بسهم فقتله، ولم يترك إلا خالا، فكتب فيه أبو عبيدة إلى عمر، فكتب إليه عمر: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «الخال وارثُ مَنْ لا وارِثَ لَهُ يَعْقِلُ عنهُ ويَرِثُهُ» أخرجه أبو داود، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. فإن قيل: المراد به من ليس له إلا خال فلا وارث له، كما يقال: الجوع

стр. 7572

زاد من لا زاد له، والماء طِيبُ من لا طِيبَ له، والصبر حيلة من لا حيلة له، أو المراد بالخال السلطان. قلنا: هذا لا يصح؛ لأنه قال: يرث ماله وفي لفظ قال: يرثه، ولأن الصحابة فهموا ذلك فكتب عمر بهذا جوابًا إلى أبي عبيدة بن الجراح حين سأله عن ميراثه، وهم أحق بالفهم والصواب من غيرهم. ولأنه ﷺ سماه وارثا، والأصل الحقيقة. وقولهم: إن هذا يستعمل للنفي، قلنا: يستعمل للإثبات أيضًا كقولهم: يا عماد من لا عماد له، ويا سند من لا سند له، ويا ذخر من لا ذخر له، مع أنه لا يجوز في بيان إثبات حكم الشرع النفي؛ لأنه يلزم الالتباس، وهذا لا يجوز من صاحب الشرع. وقد روي أن ثابت الدحداح لما مات ولم يدع وارثا ولا عصبة فقضى ﵊ بميراثه لابن أخته أبي لبابة بن عبد الله بن المنذر، رواه أبو عبيد إلا أنه قال: لم يُخلّف إلا ابنة أخ، ولأنه ذو قرابة فيرث كذوي الفروض، وذلك لأنه ساوى الناس في الإسلام، وزاد عليهم بالقرابة فكان أولى بماله منهم، ولهذا كان في حياته أحق بصدقته وصلته. وأما حديثهم لم يكن في درجة حديثنا في الصحة، ولئن كان فرجح حديثنا؛ لأنه مثبت، والمثبت أولى من النافي، ولأن حديثنا موافق لقوله تعالى: ﴿وَأُولُوا الْأَرْحَامِ﴾ الآية وهو بعد نزول الآية، أو يحمل ما روى الخصم على نفي توريث الخالة حال وجود صاحب فرض أو عصبة. وقولهم: لا يرثان مع أخيهما، قلنا: لأن الأخ أقوى منهما، وأما قولهم: إن الميراث ثبت نصّا، قلنا: قد ذكرنا نصوصًا، ثم التعليل واجب مهما أمكن هاهنا، فلا يصار إلى التعبد المحض، ثم إنهم لا يرثون مع ذي سهم ولا عصبة ولا مع أحد الزوجين، فالباقي منه لهم، والرد مقدم عليهم، وإذا انفرد واحد منهم يأخذ الكل ذكرًا كان أو أنثى، قريبًا كان أو بعيدًا، ولا يعلم في هذا خلاف بين من ورثهم، وهم أربعة أصناف: صنف ينتمي إلى الميت وهم أولاد البنات، وأولاد بنات الابن. وصنف ينتمي الميت إليهم: وهم الأجداد الفاسدون، والجدات الفاسدات.

стр. 7573

وصنف ينتمي إلى أبوي الميت: كبنات الإخوة لأب وأم، أو لأب، أو لأم، وأولاد الأخوات كلها. وصنف ينتمي إلى جدي الميت: كالأعمام لأم، والعمات، وبنات الأعمام كلهم، وأولادهم، والأخوال، والخالات، وأولادهم. فهؤلاء وكل من يدلي بهم ذوو الأرحام وأولاهم بالميراث الصنف الأول وإن كان أبعد، ثم الثاني ثم الثالث ثم الرابع على ترتيب العصبات؛ لأن قرابة الولاد أقرب من غيرها كما في أصولهم، وهو ظاهر الرواية، وعليه الفتوى. وروى أبو سليمان عن محمد عن أبي حنيفة ﵏ أن أقرب الأصناف الثاني وإن علوا، ثم الأول وإن سفلوا، ثم الثالث وإن نزلوا، ثم الرابع وإن بعدوا، وتابعه في ذلك عيسى بن أبان عن أبي حنيفة. قال شيخ الإسلام: حكي عن أبي عبد الله الفرضي ما رواه أبو سليمان عن محمد عن أبي حنيفة قوله الأول، وما رواه أبو يوسف عن أبي حنيفة قوله الآخر، وعليه الفتوى. وعن أبي يوسف ومحمد: أن أولاد الإخوة والأخوات أولى من الجد الفاسد، أب الأم أي: الصنف الثالث أولى من الصنف الثاني؛ لأنهما أولاد عصبة أو ذي سهم، ولا يقدم على أصولهم في التعصيب جد الأب عندهما بل يقاسمهم، فكذا في ذوي الأرحام، جد أبي الأم الذي هو في درجة أب الأب لا يقدم على أولادهم، إلا أن الجد والأخ استويا في العصوبة، فإن كل واحد ذكر يدلي إلى الميت بذكر عصبة، ولا يتصل كل واحد منهما بالميت بواسطة واحدة، وهاهنا لم يستويا، فإن أولاد الأخوات وبنات الإخوة لأب وأم والإخوة لأب أولاد العصبات والجدات والجد أب الأم ولد ذوي الرحم؛ لأنه ولد أب أب الأم. وفي ذوي الأرحام متى استوت درجاتهم يقدم ولد صاحب الفرض أو العصبية على ولد ذوي الرحم، فصاروا مقدمين على الجدات الأم وأبو حنيفة مر على أصله أن الجد أب الأب في العصبات من كل وجه مقدم، ويحجب أولاد ابنه، وكذا في ذوي الأرحام يكون الجد أب الأم الذي هو في درجة أب الأب مقدما على أولاد الأخوات وبنات الإخوة وكذا ولد البنت، وإن سفل مقدم على

стр. 7574

الجد أب الأم في قوله الآخر؛ لأن في العصبات الحقيقية الابن الصلبي وإن سفل مقدم على الجد وأولاد ابنه، فكذا في ذوي الأرحام. وفي الحقيقة هذه المسألة فرع تلك المسألة، وهذا الترتيب المذكور عندنا، ويسمون مذهبنا مذهب أهل القرابة. وقال أحمد: ينزل كل واحد منهم منزلة من سمت به من الورثة، فيجعل له نصيبه فإن بعدوا درجة درجة حتى يصلوا إلى من يتمون به، فيأخذون ميراثه، فإن كان واحدًا أخذ المال كله، وإن كانوا جماعة قسمت المال بين من يتمون به، فما حصل لكل وارث جعل لمن تمت به، فإن بقي من سهام المسألة شيء رد عليهم على قدر سهامهم، وبه قال النخعي، والشعبي، وعلقمة، ومسروق، وحماد، ونعيم، وشريك، وابن أبي ليلى، والثوري والحسن بن زياد، وسائر من ورثهم. وعن علي وعبد الله بن مسعود أنهما نزلا بنت البنت منزلة البنت وبنت الأخ منزلة الأخ، وبنت الأخت منزلة الأخت، والعمة منزلة الأب والخالة منزلة الأم. وروي ذلك عن عمر. وعن علي أيضًا أنه نزل العمة منزلة العم، وهو رواية عن أحمد، وعن الثوري وأبي عبيد أنهما نزلا العمة منزلة الجد مع الإخوة والأخوات، ونزلها آخرون منزلة الجد وإنما صار هذا الاختلاف في العمة لإدلائها بأربع جهات، فالأب والعم أخواها والجد والجدة أبواها، ونزل قوم الخالة منزلة الجدة. والصحيح أنها منزلة الأب، والخالة بمنزلة الأم؛ لما روي أنه ﷺ قال: «العمَّةُ بمنزلة الأب إذا لم يكُن بينَهُما أب والخالة بمنزلة الأم إذا لم يكن بينهما أم» ولأن الأب أقوى جهات العمة والأم أقوى جهات الخالة، فتعين تنزيلهما منزلتهما دون غيرهما، فإذا لم يكن توريثهما لجميع الجهات ورثنا بأقواهما، فاحتجوا بأنهم فرع في الميراث على غيرهم، فوجب إلحاقهم بمن هو فرع له، وقد ثبت أن ولد الميت من الإناث لا يسقط ولد ابنه، فأولى أن لا يسقطهم ولد، فلو كانت بنت بنت (١) وبنت بنت ابن، المال بينهما على أربعة،

стр. 7575

فالنصف لبنت البنت، والسدس لبنت [بنت الابن] (١)، فالمال بينهما على أربعة، فإن كان معهما بنت أخ فالباقي لها، ويصح من ستة، فإن كان معها خالة فلبنت البنت النصف، ولبنت بنت الابن السدس تكملة للثلثين، وللخالة السدس، والباقي لبنت الأخ، فإن كان مكان الخالة عمة حجبت بنت الأخ، وأخذت الباقي؛ لأن العمة كالأب، فيسقط من هو بمنزلة الأخ، ومن نزلها عما جعل الباقي لبنت الأخ، وأسقط العمة، ومن نزلها جدا قاسم بنت الأخ الثلث الباقي بينهما نصفين، ومن نزلها جدة جعل لها السدس، ولبنت الأخ الباقي. وعندنا: لا ترث بنت الأخ مع بنت البنت، أو بنت بنت الابن، وكذا العمة والخالة معها، ومع بنت الأخ. وقلنا: إنهم يرثون باعتبار القرابة والعصوبة، ولهذا يستحق الكل إذا انفرد، وإليه أشار قوله تعالى: ﴿وَأُولُوا الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللهِ﴾ [الأنفال: ٧٥] فاعتبرنا ترتيب القرابات كما في العصبات؛ إذ هم يرثون باعتبار قرابة أصولهم كما ذكرنا وقول أهل التنزيل يؤدي إلى قول فاحش وهو حرمان الميراث بكون المدلى به رقيقًا أو كافرًا، ولا يجوز أن يكون الإنسان محروما عن الميراث باعتبار معنى في غيره، فعلم أن استحقاقه باعتبار [وصف] (٢) فيه وهو القرابة، لكن يقدم الأقرب بمعنى العصوبة. فصل في الصنف الأول أولاهم بالميراث أقربهم إلى الميت كبنت البنت أولى (٣) من بنت بنت الابن عندنا، وزفر، وعيسى بن أبان؛ لأنهم يرثون على سبيل التعصيب، فيعتبر الأقرب كما في العصبات. وعند أحمد وأهل التنزيل: المال بينهما أرباعًا على قياس قول علي ﵁ في الرد ثلاثة أرباعه كبنت البنت، وربعه لبنت بنت الابن؛ لأنه يرى الرد على بنت الابن مع بنت الصلب.

стр. 7576

وعلى قياس قول ابن مسعود المال بينهما أسداس، سدسه لبنت بنت الابن والباقي لبنت البنت ألا ترى الرد على بنت الابن مع بنت الصلب، وفي قول أهل الرحم نوح بن دراج وجيش بن مبشر: المال بينهما أنصافًا؛ لأن الاستحقاق بالوصف العام وهو الرحم ثابت بقوله تعالى: ﴿وَأُولُوا الْأَرْحَامِ﴾ [الأنفال: ٧٥]، وفيه الأقرب والأبعد سواء وإن استووا في الدرجة، فولد الوارث سواء كان ولد عصبية، أو ولد صاحبة فرض كبنت بنت الابن أولى من ابن بنت البنت وهي ذات رحم، وهذا لأن ولد الوارث أقرب حكمًا، والترجيح يكون بالقرب حقيقة، فإن لم يوجد فبالقرب حكمًا، وكذا ابن بنت ابن أولى من ابن بنت بنت وإن استوت درجاتهم، ولم يكن فيه ولد وارث، أو كان كلهم يدلون بوارث. ففي قول أبي يوسف الآخر تعتبر أبدان الأحياء نفسهم بينهم بالسوية، أو للذكر ضعفها، وهو رواية عن أبي حنيفة، سواء اتفقت صفة الأصول في الذكورة والأنوثة، بأن كان كلهم ذكورًا أو إناثًا، أو اختلفت بأن كان بعضهم ذكورا وبعضهم إناثًا. وما وقع في فرائض السرخسي أن قول الحسن بن زياد مع أبي يوسف غير صحيح؛ لأن المشهور أن الحسن من أهل التنزيل لا من أهل القرابة. وعند محمد وأبي يوسف أولا إن اتفقت صفة الأصول كقول أبي يوسف الآخر وإن اختلفت صفاتهم، يعطي الفروع ميراث (١) الأصول، فتعتبر الأصول لأبدان الأحياء، ويعتبر الأصل الواحد متعددا بتعدد أولاده، ثم يعطي بكل نوع ميراث أصله، ويجعل كل أنثى تدلي إلى الميت بذكر ذكر، أو كل ذكر يدلي إلى الميت بأنثى أنثى، سواء إدلاؤهما بابن واحد أو أكثر، ثم يقسم سهام كل فريق بالسوية إن اتفقت صفاتهم، وإن اختلفت ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ﴾. قال شيخي العلامة ﵀: الأصل في قسمة مسائل ذوي الأرحام عند محمد أن يقسم على أول بطن اختلف مع اعتبار الصفة من الأصل، والعدد من الفرع، واعتبار الجهات في الأصول، ثم يجعل الذكور طائفة، والإناث طائفة،

стр. 7577

[وينزل] (١) نصيب كل طائفة إلى فروعها جميعًا، ويقسم بهذا الطريق إلى أن ينتهي، ولا بد من اختصار الأبدان أولًا، والسهام ثانيًا إن أمكن تقليلًا للحساب. ومعنى اختصار الأبدان يحسب كل بنتين ابنا، ومعنى اختصار السهام أن تنسب نصيب كل فريق إلى المسألة وتأخذ جزء المسألة تطلب الموافقة بين النصيبين، وتأخذ وفقهما كما إذا كان عدد الذكور مساويًا لعدد الإناث. فالمسألة من ثلاثة النسبة، الثلثية (٢) بين النصيبين، وإن كان عدد الذكور نصف عدد الإناث فالمسألة من اثنين للمناسبة النصفين، وإن كان عددهم ضعف عدد الإناث فالمسألة من خمسة، وإن لم يمكن أحد الاختصارين فالطريق البسط، وهو أن يحسب كل ابن بنتين، وإن أمكن أحد الاختصارين ذلك، يؤدي ذلك إلى الضرر ثانيًا أو ثالثًا ببسط ابتداء قصرًا للمسافة وتيسيرًا للأمر. وقول محمد أشهر الروايتين. عن أبي حنيفة في جميع ذوي الأرحام عند البعض وجعل في القانون والمختلف قول أبي يوسف أشهرهما، وقال في الفرائض الجرجاني، وعليه الفتوى؛ لأنه أيسر. وفي المحيط: مشايخ بخارى أخذوا بقول أبي يوسف في جنس هذه المسائل. وقال الإسبيجابي في مبسوطه: قول أبي يوسف أصح؛ لأنه أسهل، وذكر في شرح فرائض السرخسي: الفتوى على قول محمد. وجه قول محمد أن الفروع إنما يستحقون بواسطة الأصول، ولهذا أجمعت الصحابة في العمة والخالة أن للعمة الثلثين، وللخالة الثلث، فلو كان المعتبر في القسمة الأبدان لكان المال بينهما نصفين؛ لاستواء درجتهم، ولهذا أجمعنا أن ولد عصبة أو وارث أولى، وإنما يترجح بمعنى في المدلى به، فإذا كان في الحرمان يعتبر المدلى به ففي النقصان أولى، فعلم أن المعتبر أول من يقع به

стр. 7578

الخلاف، ثم اعتبرنا من وقع به الخلاف في ترجيح أحدهما على الآخر، وهذا بخلاف العدد، فالمعتبر فيه أبدانهم دون المدلى به؛ لأن علة الاستحقاق كاملة في حق كل واحد منهم، وهي القرابة والعلة تحتمل التعدد، فجعل الأصول كالمتعدد حكمًا بتعدد الفروع، وكمال العلة لكل واحد منهما بمنزلة جماعة قتلوا رجلًا عمدًا يجعل كل واحد منهم قاتلًا على الكمال، وإن كان القول واحدًا يجعل متعددًا؛ لتكامل العلة في كل واحد منهم، بخلاف صفة الذكورة والأنوثة فالموجود من ذلك في الفرع لا يمكن أن يجعل كالموجود في الأصل مع تحقق يده فيه؛ لأنه لا احتمال لذلك، فيعتبر ما في الأصول من الصفة؛ لأن الاستحقاق للفروع بناء على ذلك، كذا في شرح السرخسي. وجه قول أبي يوسف: أن ذوي الأرحام إنما يرثون بالقرابة كالعصبات، وكل منهم يستبد بنفسه في أصل الاستحقاق، فتعتبر الأبدان وإن اختلفت صفة أصولهم كما في العصبات، ولهذا لو كان لبعض الأصول صفة الكفر أو الرق لم يعتبر ذلك، واعتبر صفة الأبدان، فكذا في الذكورة والأنوثة، ولهذا يعتبر العدد في الفروع، فإذا كان في العدد يعتبر فكذا في الذكورة والأنوثة، وفي الخالة والعمة فباعتبار القرابة، لكن بقرابته لا يستحق أكثر من ذلك، وكذا الترجيح بكونه ولد وارث باعتبار معنى العصوبة، ثم للجهات عبرة في التوريث عندنا، لكن في الأصول عن محمد، وفي الفروع عند أبي يوسف لما ذكرنا من الجانبين. صورة ما اتفقت صفة الأصول: ابن بنت، وبنت بنت، عند أبي يوسف: المال بينهما ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ﴾، وكذا عند محمد؛ لأن صفة الأصول متفقة. وذكر الطحاوي عند محمد المال بينهما نصفان باعتبار المدلى به، وهذا غلط، إنما هذا قول أهل التنزيل. وصورة ما اختلفت: بنت ابن بنت، وابن بنت بنت، فعند أبي يوسف المال بين الفروع ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ﴾، وعند محمد كذلك في البطن الثاني؛ لأن الاختلاف وقع هناك، ثم أنزلنا نصيب ابن إلى ابنته، ونصيب بنت إلى

стр. 7579

ابنها، فيصير عكس قول أبي يوسف للابن سهم، وللبنت سهمان. ولو كانت بِنْتَي (١) ابن بنت، وابن بنت بنت، فعند أبي يوسف: ظاهر، وعند محمد: للابن الخمس، وأربعة الأخماس للبنتين، كأنه مات عن ابني بنت وبنت بنت. ولو ترك بنت بنت بنت، وابن بنت بنت، وبنت ابن بنت، وابن بنت بنت، فعند أبي يوسف: ظاهر، وعند محمد: يقسم على الآباء على ستة، سهمان للأولين، (٢) فيكون بينهما ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ﴾، فصار المال بين الفريقين أثلاثاً وقد انكسر بالأثلاث، فاضرب ثلاثة في ثلاثة، فصار تسعة منها تصح المسألة، ولو وقع الاختلاف في بطن أو أكثر فأبو يوسف يرد (٣) على أصله، ومحمد يقسم المال على أول اختلاف وقع، فما أصاب الذكور ينقل إلى فروعهم، وما أصاب الإناث ينقل إلى فروعهن، مع اعتبار الاختلاف في البطن الثاني على الوجه الذي اعتبره في البطن الأول، حتى ينتهي إلى الأولاد الأحياء، فيقسم بينهم على اعتبار أبدانهم. مثاله: ترك بنت بنت بنت بنت، وبنت بنت ابن بنت، وبنت ابن بنت بنت، وابن بنت بنت بنت، فعند أبي يوسف: المال بينهم على خمسة أسهم، خمسان للابن، ولكل بنت خمس، وعند محمد: على عشرة أسهم: للأولى سهم، وللثانية أربعة أسهم، وللثالثة ثلاثة أسهم، وللرابعة سهمان؛ لأنه يعتبر الخلاف في أول بطن وقع، وفيه ابن بنت وثلاث بنات بنت، فيقسم عليهم، ثم ما أصاب الابن وهو خمسان ينقل إلى ابنته، وما أصاب البنات وهو ثلاثة أخماس ينقل إلى أولادهن، وهم ابن وبنتان ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ﴾، فيكون للابن خمس ونصف، وللبنتين خمس ونصف، فتصح من عشرة، ومن له قرابة من جهتين من ذوي الأرحام فله سهمان، ومن له قرابة واحدة فله سهم عند محمد، اعتبارًا بالأصول، وعند أبي يوسف: هما سواء؛ لأنهم يرثون بالتعصيب، وذلك لا يختلف كالعصبات حقيقة.

стр. 7580

مثال ذلك: بنت بنت بنت، وبنت بنت بنت، وهي بنت ابن بنت أخرى، فعند أبي يوسف: المال بينهما نصفان، وعند محمد: لذي القرابة الواحدة سهم، ولذي قرابتين ثلاثة أسهم، ولو كان مكان البنت من جهتين ابن (١) فعند أبي يوسف: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ﴾، وعند محمد: لذات القرابة سهم، ولذات القرابتين ثلاثة، سهمان من قبل أصله الذكر، وسهم (٢) له لتفرده بذلك الأصل، وسهم [من قبل] (٣) أصله الأنثى، فيضمه إلى ما في يد ذات قرابة، فيقسمان السهمين ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ﴾ [لا الحاجة] (٤) أصلهما في هذين السهمين واختلاف أبدانهما على ثلاثة فاضرب ثلاثة في أربعة يكن اثني عشر سهما (٥)، تصح المسألة. وفي فرائض (٦) السراج: قول أبي يوسف في هذا مختلف، وأهل العراق وخراسان يقولون: عند أبي يوسف: لا تعتبر الجهات بل يرث ذو (٧) جهتين لجهة واحدة؛ لأن الجهة اتحدت وهي الولادة، فهو نظير الجدات على مذهبه، فإن ذات الجهتين وذات جهة واحدة سواء في القسمة، فكذا هذا. قال مشايخ ما وراء النهر: تعتبر الجهات وترث (٨) بالجهتين عنده، وهو الصحيح، والفرق له بين هذا وبين الجدات أن الاستحقاق هنا بالفرضية وبتتعدد الجهات لا يزداد فرضهن، فإذا كانت الفرضية للواحدة منهن والعدد سواء لا يعتبر اجتماع جهتين، أما هاهنا فالاستحقاق بمعنى العصوبة، فيعتبر بالاستحقاق بحقيقة العصوبة، وفي حقيقة العصوبة تعتبر الجهات جميعًا، للترجيح تارة وللاستحقاق أخرى. فالترجيح كالإخوة لأب وأم مع الإخوة لأب، والاستحقاق كالأخ لأم إذا كان ابن عم، فإنه تعتبر الجهات في حقه الاستحقاق، وكذا ابن عم لو كان

стр. 7581

زوجًا يعتبر السببان فهاهنا أيضا يعتبر السببان، كذا في شرح السرخسي، فعلى ما قالت مشايخ ما وراء النهر عند أبي يوسف: المال بينهم أثلاثًا، وعلى ما قال أهل العراق: أنصافا هذا خلاصة ما ذكره الشارحون، فاعتبر أنت بعد ذلك، والسيف بضاربه. فصل في الصنف الثاني أولاهم بالميراث أقربهم من أي جهة كان أي: من جهة الأب أو من جهة الأم، كأب أم، وأب أم أم، وإن استووا في الدرجة، فمن كان يدلي بوارث كأب أم الأم أولى من أب أم الأم، ويليه لأب أم الأم؛ لأنا نعتبر في القسمة أول من يقع به الخلاف، ثم ينقل نصيبه إلى كل واحد منهما إلى من يدلي به. وقال الصدر الشهيد في فتاواه في الأجداد الفاسدة لا يترجح بكونه مدليًا إلى الميت بوارث. وذكر الغزنوي: أدى ذلك إلى جعل المتبوع وهو الجد تبعًا لتبعه، وهو خلاف الشرع، ومثل هذا لا يتأتى في الأولاد، فافترقا. وقلنا: ولد الوارث أولى؛ لأنه أقرب حكمًا كما ذكرنا بالاعتبار أنه تبع لتبعه وإن كان كلهم يدلون بوارث كأب أم الأم وأب أم أخرى بهذه الأم، وذلك يتحقق بطريق الدعوى بأن ادعت امرأتان ولدًا وقضي به لهما، وإلا لا يتصور أن يتوالد (١) أحد من أُمَّيْنِ، واتفقت صفة من يدلون بهم في الذكورة والأنوثة، واتحدت قرابتهم أي: كلهم من جانب الأب، أو كلهم من جانب الأم، يقسم على أبدان الأحياء على السواء إن كانوا ذكورًا أو إناثًا، وإن اختلطوا ﴿فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١٧٦]، وإن اختلفت صفة من يدلون يقسم المال على أعلى بطن اختلف كما في النصف الأول، كأب أب أب [الأم] (٢)، وأم أب أب الأم، هذا [أو] (٣) أب أب أم الأم هذا فتكون القسمة على البطن الثاني بين أب الأم وأم الأم أثلاثًا؛ لأن أول بطن [اختلف] (٤) هذا

стр. 7582

البطن، ثم ينتقل نصيب كل واحد منهما إلى البطون التي تدلي به. ولو اختلفت قرابتهم فالثلثان لقرابة الأب، والثلث لقرابة الأم؛ لأنهم يقومون مقام الأب والأم، ويقسم نصيب كل فريق بينهم … (١) اتحدت قرابتهم. مثاله: أب أم أب، وأب أب الأم، للأول الثلثان، وللثاني الثلث، وإذا كان لأبي الميت جدّان من جهتين وكذا [لأمه] (٢) فلقوم الأب الثلثان، ولقوم الأم الثلث، ثم ما أصاب قوم الأب ثلثاه لقرابته من جهة أبيه، وثلثه لقرابته من جهة أمه، فكذا ما أصاب قوم الأم. وروى الحسن عن أبي حنيفة أن ما أصاب قوم الأب فكله لقرابته (٣) من قبل أبيه، وما أصاب قوم الأم فلقرابته من قبل الأب أيضًا. مثاله: أب أم أب الأب، وأب أب أم الأب، وأب أم أب الأم، وأب أب الأم، فللأولين الثلثان، وللآخرين الثلث، [على] (٤) ما بينا. فصل في الصنف الثالث أولاهم أقربهم، كبنت الأخت أولى من بنت بنت الأخ؛ لأنها أقرب، فإن [استووا] (٥) في القرب فولد الوارث كبنت ابن الأخ، وابن بنت الأخت كلاهما لأب أو أحدهما لأب وأم [والآخر لأب] (٦)، فالمال لبنت ابن الأخ، ولو اجتمع ولد صاحب الفرض وولد العصبة كبنت [أخ] (٧) وابن أخت كلاهما لأب وأم أو لأب، فالعبرة لأبدان الأحياء عند أبي يوسف، فيكون الثلثان لابن الأخت، والثلث لبنت الأخ. وعند محمد: العبرة للآباء؛ فيكون الثلثان لبنت الأخ، والثلث لابن الأخت.

стр. 7583

وإن استووا في القرب، ولم يكن فيهم ولد [وارث] (١) وكلهم ذكور أو إناث يقسم بينهم بالسوية، وإن اختلطوا وقد اتفقت صفة الأصول للذكر ضعفها وإن اختلفت صفة الأصول، فكذلك عند أبي يوسف؛ لاعتبار أبدان الأحياء. وعند محمد: يعتبر أعلى بطن اختلف فيه كما عرف. وإن اجتمع أولاد أخوات متفرقات أو بنات إخوة متفرقين فعند أبي يوسف: من كان لأب وأم أولى ممن كان لأب، ومن كان لأب أولى ممن كان لأم، وعند محمد: تعتبر أصولهم. وأبو حنيفة مع أبي يوسف في رواية، وفي رواية مع محمد. مثاله: ثلاث بنات أخوات متفرقات، فالمال كله لبنت الأخت لأبوين عند أبي يوسف، وعند محمد لها ثلاثة أخماسه، ولبنت الأخت لأب خمسه، ولبنت الأخت لأم خمسه اعتبارا للأصول فرضًا وردا. ولو كانت ثلاث بنات إخوة متفرقين، المال كله لبنت الأخ لأبوين عند أبي حنيفة، وعند محمد: لبنت الأخ لأم السدس والباقي لبنت الأخ من الأبوين. بنت أخت لأب وبنت أخت لأم المال للأولى عند أبي يوسف؛ لقوتها، وعند محمد: للأولى ثلاثة أرباعه، وللأخرى الربع فرضا وردا اعتبارا للأصول. ابنا أخت لأبوين وبنت أخت لأم المال للابنين عند أبي يوسف، وعند محمد: ابنا الأخت بمنزلة الأختين؛ فيقسم المال بينهم على خمسة، وأولاد هؤلاء كأصولهم. ولو اجتمع أولاد الإخوة والأخوات لأم كابن الأخ لأم وبنت أخت لأم فعند أبي حنيفة ومحمد: لا فضل لذكرهم كأصلهم. وفي شرح المجمع: لا خلاف فيه أي: في ظاهر الرواية، وبه صرح في ضوء السراج. وفي رواية شاذة عن أبي يوسف: أنه يقسم بينهم ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِ الأُنْثَيَيْنِ﴾، ووجه هذه الرواية أن الأصل في المواريث تفضيل الذكر على الأنثى، إلا أن هذا الأصل ترك في الأخوات والإخوة لأم بالنص

стр. 7584

على خلاف القياس، وهو قوله تعالى: ﴿فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ﴾ [النساء: ١٢] فيقتصر عليه، ولا يلحق به ما ليس في معناه من كل وجه، والأولاد ليسوا في معنى الأصول، فإنهم لا يرثون بالفرضية شيئًا، فيعتبر فيهم الأصل. ثم توريث ذوي الأرحام بمعنى العصوبة، وفي حقيقة العصوبة يفضل الذكر، فكذا في معنى العصوبة. وجه ظاهر الرواية: أن استحقاقهم لقرابة الأم وباعتبار هذه القرابة لا (١) فضل للذكر على الأنثى بحال، وربما تفضل الأنثى على الذكر باعتبار هذه القرابة، فأم أم الأم صاحبة فرض دون أب الأم، وإذا كان كذلك فيسوى بين الذكر والأنثى اعتبارًا بالمدلى به، كذا في شرح السرخسي. وإذا عرفت الأصول فلا يحتاج إلى تصوير الصور والتطويل، والله أعلم. فصل في الصنف الرابع فأقربهم إلى الميت أولى بالميراث من أي جهة كان [كعمة (٢)] الأب أولى من عمة الجد، ولو اجتمعوا واستووا في القرب من جنس واحد كالعمات والخالات من كان لأب وأم أولى ممن كان لأب؛ لقوة قرابة الأب وأم، ومن كان لأب أولى ممن كان لأم لقوة السبب باختصاصه بقرابة الابن وهذا بالإجماع ذكورًا كانوا أو إناثًا. ولو كانوا ذكورًا وإناثًا واستوت قرابتهم، يعني كلهم لأب وأم، أو لأب، أو لأم، كعم وعمة كلاهما لأم، أو خال وخالة كلاهما لأب وأم، أو لأب، أو لأم، فللذكر ضعفها. وإن اختلف الجنس كالعمومة والخؤولة فلا عبرة لقوة القرابة، كعمة لأب وأم، والخالة لأم أو عكسه، بل الثلثان لقرابة الأب وهي جانب العمومة نصيب الأب والثلث لقرابة [الأم] (٣)، وهي الخؤولة نصيب الأم، ثم يقسم نصيب كل فريق بينهم، كما لو اتحدت قرابتهم.

стр. 7585

مثال ذلك: عمة وعشرة أخوال، للعمة الثلثان، وللأخوال الثلث. وكذا لو كان عم وخال أو خالة، فللعمة الثلثان، وللخال أو الخالة الثلث. والقياس أن يحرم الخال والخالة؛ لأن قرابة الأبوة أقوى، كما لا شيء للعمة من الأم مع العمة لأب، إلا أنه ترك القياس بإجماع الصحابة، فإنهم قالوا: للعمة الثلثان، وللخالة الثلث. فصل في أولادهم فأقربهم أولى من أي جهة كان، يعني من جهة الأبعد أو من وجهته، كبنت العمة أو ابنها أولى من بنت بنت العمة وابن بنتها وبنت ابنها وابن ابنها، وكذا الخالة أو ابنها أولى من بنت بنت الخالة وابن بنتها وبنت ابنها وابن ابنها، وكذا بنت العمة أولى من بنت بنت بنت الخالة وإن كانتا من جهتين؛ لأنها أقرب، وكذا بنت الخالة أولى من بنت بنت العمة وإن استووا في القرب فولد العصبة أولى في ظاهر الرواية، اتحدت جهة القرابة أو اختلفت. مثال الاتحاد: ترك بنت عم لأب وأم أو لأب وبنت عمة، فالمال كله لبنت العم؛ لأنها ولد عصبة. مثال الاختلاف: ترك بنت عم وبنت خال أو خالة، في ظاهر الرواية ولد العصبة أولى وإن اختلفت جهة القرابة. وفي الفرائض السراجي، والفرائض العثماني لصاحب الهداية: إذا اختلفت حيز قرابتهم فإن ولد العصبة هناك، وليس بأولى بل الثلثان لقرابة الأب والثلث القرابة الأم، كبنت عم لأب وأم وبنت خال أو خالة لأب وأم، فلبنت العم الثلثان، ولبنت الخال أو الخالة الثلث؛ لأن الحيز مختلف فلا يترجح بكونها ولد عصبة. قال شمس الأئمة في المبسوط: هذا رواية ابن أبي عمران عن أبي يوسف. أما في ظاهر الرواية: ولد العصبة أولى، سواء كان الحيز متحدًا أو مختلفًا حتى إن بنت العمة لأب وأم أولى من بنت الخال أو الخالة لأب وأم؛ لأن ولد العصبة أقرب اتصالاً بوارث الميت، وكان أقرب اتصالًا بالميت، وقد وافقه التمرتاشي.

стр. 7586

وفي ضوء السراج: الأخذ برواية شمس الأئمة أولى، ثم إن لم يكن فيهم ولد عصبة ولا الأقرب فالقسمة على أبدانهم أو للذكر ضعفها إن اتفقت صفة أصلهم في الذكورة والأنوثة، وإن اختلفت صفة الأصول فكما مر غير مرة من الاختلاف أن أبا يوسف يعتبر أبدان الأحياء مع اعتبار عدد الجهات في الفروع. وعند محمد: يقسم المال على أول بطن اختلف مع اعتبار عدد الفروع والجهات في الأصول، كما هو الأصل عنده في الصنف الأول، ثم ينتقل هذا الحكم إلى جهة عمومة أبوي الميت وخؤولتهما، ثم إلى أولادهم، ثم ينتقل إلى جهة أبوي أبويه، ثم إلى أولادهم كما ذكرنا في العصبات؛ لأن توريث ذوي الأرحام باعتبار معنى العصوبة؛ فيعتبر الحقيقة العصوبة لما عرف الحكم في أعمام الميت، أضيف ذلك الحكم إلى أعمام أبيه، ثم إلى أعمام جده، فكذلك في معنى العصوبة. ثم اعلم أنه إذا لم يكن ذو فرض ولا عصبة ولا ذو رحم فالمال لمولى الموالاة عندنا، وقد مر اختلاف العلماء مع دلائله في باب الولاء. أما عصبته لا ترث شيئًا بإجماع أهل العلم، ثم للمقر له بالنسب على الغير، بحيث لا يثبت نسبه من ذلك الغير بإقرار المقر، وقد مات في إصراره على إقراره، ثم للموصى له بجميع المال، وقد مر في الوصايا بيان الاختلاف وصحة هذه الوصية، ثم لبيت المال، ويوضع فيه المال بأنه مال ضائع لا بطريق الإرث، وإن كان بطريق الإرث ينبغي أن لا يوضع مال الذمي في بيت المال. والله تعالى أعلم. فصل في المناسخة وهي مفاعلة من النسخ، وهو النقل والتحويل، وسميت مناسخة؛ لأن نصيب الميت الثاني ينتقل إلى ورثته، أو الأنصباء بموت الميت الثاني ينتقل من عدد إلى عدد، ولو مات بعض الورثة قبل القسمة صحح المسألتين. ثم انظر بين نصيب الميت الثاني وتصحيحه ثلاث أحوال، فإن استقام فيها وإن وافق فاضرب وفق التصحيح في كل الأول، والمبلغ مخرج المسألتين، وإن مات ثالث أو رابع فاجعل المبلغ مقام الأول، والثالثة مقام الثانية في العمل،

стр. 7587

وهلم جرا، ثم أضف سهام التصحيح الأول في الثاني أو وفقه، وسهام التصحيح الثاني في كل ما في يد الثاني أو وفقه. مثال ذلك: امرأة وأم وأخت لأم وعم، مات العم عن ابن وبنت، فالمسألة الأولى من اثني عشر، والمسألة الثانية من ثلاثة، وسهام العم ثلاثة مستقيم على مسألته فقد صحت المسألتان من اثني عشر. زوجة وثلاث أخوات متفرقات وعم، ماتت الأخت لأبوين وخلفت هؤلاء، فالمسألة الأولى من ثلاثة عشر للأخت من الأبوين، ست تنقسم على تركتها فصحت المسألتان من ثلاثة عشر، للأخت من الأب خمسة أسهم، سهمان من الفريضة الأولى، وثلاثة من الثانية، وللأخت من الأم من الأول سهمان، ومن الثانية سهم، وللعم سهمان من الثانية، وللزوجة ثلاثة من الأولى. زوجة وثلاث أخوات متفرقات، ماتت الأخت لأبوين عن زوج وأخت لأب وأخت لأم، المسألة الأولى من ثلاثة عشر، والثانية عن سبعة، سهام الميت الثاني من التركة الأولى ستة، لا تستقيم على مسألتها سبعة فلا موافقة، فاضرب كل التصحيح الثاني في الأول، سبعة في ثلاثة عشر، فالمبلغ أحد وتسعون منها تصح المسألتان. زوجة وثلاث أخوات متفرقات وأم وأخ لأم، المسألة من سبعة عشر، ثم ماتت الأم عن أب وأم وابن وابنتين، فالمسألة من ستة، وسهامها من المسألة الأولى سهمان، لا تستقيم مسألتها وبينهما موافقة بالنصف، فاضرب وفق مسألتها، وهو ثلاثة في كل المسألة الأولى، فالمبلغ أحد وخمسون منها تصح المسألتان، وكل من له شيء في المسألة الأولى يضرب في وفق المسألة الثانية، وهو ثلاثة، ومن له شيء [من] (١) المسألة الثانية في واحد فيكون للمرأة تسعة، وللأخت من الأبوين ثمانية عشر، وللأخت من الأب ستة، وللأخ من الأم ستة، وللأخت من الأم ست أيضا، ولكل واحد من الأبوين سهم، وللابن سهمان، ولكل بنت سهم. ترك ابنين مات أحدهما عن بنت وأخ، ثم ماتت البنت عن زوج وبنت

стр. 7588

وعم، هو ابن الميت الأول المسألة الأولى من اثنين، وكذا الثانية والثالثة من أربعة، فاضرب الأربعة في الفريضتين الأوليين، يبلغ ستة عشر منها تصح المسائل، للعم من المسألتين الأوليين ثلاثة أسهم، سهمان من الأب، وسهم من الأخ، اضربها في أربعة تبلغ اثني عشر، وكان للبنت سهم من أبيها مضروب في أربعة يكن أربعة يقسم (١) على ورثتها، للبنت سهمان وللأخ سهم، وللعم الباقي سهم، فحصل للعم وهو ابن الميت الأول، وأخ الثاني ثلاثة عشر من المسائل الثلاث، من الأولى ثمانية، ومن الثانية أربعة، ومن الثالثة سهم. رجل مات عن ابنين وبنتين، ثم مات أحد الابنين عن زوجة وبنت وعصبة، المسألة الأولى من ستة، والثانية من ثمانية، وسهامه من الأولى سهمان، لا يستقيم على مسألته، ولكن بينهما موافقة بالنصف، فاضرب وفق فريضته، وهو أربعة في الفريضة الأولى فهي ستة تبلغ أربعة وعشرين منها تصح المسألتان، كان للابن من الميت الأول سهمان مضروب في أربعة يكن ثمانية، فقد مات عن ثمانية، للزوجة سهم مضروب في وفق فريضته وهو سهم يكن لها وللبنت أربعة مضروبة في سهم هي لها، وللعم ثلاثة مضروبة في سهم هي له، ولو ماتت (٢) الابنة عن أم وزوج وعصبة تصح من ستة، وسهامها في المسألة الثانية أربعة، وبينهما موافقة بالنصف، فاضرب وفق فريضتها وهي ثلاثة في مبلغ الفريضتين الأوليين، فهي أربعة وعشرون تكن اثنين وسبعين منها تصح المسألة. وهذه أمثلة يستعين بها الفرضي (٣) على العمل، ويستعين بها على أمثالها. قال الصحائفي في فرائضه: طول العلماء في المناسخة ويكفي أن تقسم تركة الميت السابق على ورثته، ويؤخذ نصيب الميت اللاحق ويقسم على ورثته، فإن لم يرث ورثه الميت السابق ثم العمل وإن ورثت بجمع سهام من كرر له النصيب بعلم نصيب كل واحد، ثم إنه قد يزيد نصيبه لمال آخر له أو ينقص لدينه أو وصيته أو تجهيزه، فينبغي أن يزاد أو ينقص ثم يقسم بين ورثته وحينئذ يحيل

стр. 7589

عملهم؛ لأنهم ما اعتبروا في عملهم هذا وطريقها أن يأخذ نصيبه من السابق إن (١) بقي وحده أو بعد الزيادة والنقصان، ويقسم على ورثته كالعمل لو مات بعد القسمة، كما إذا ترك ابنين أو بنتين، ومات أحد الابنين عن ابن وبنت، فيأخذ نصيب هذا الميت من الميراث، وهو الثلث فيضم أو ينقص إن احتجنا إلى ذلك، ثم يقسم الحاصل بين ورثته ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ﴾ على هذا الطريق ذكر المسائل. قال شيخي العلامة ﵀: هذا بناء على عدم وقوفه على المراد، فإنه يوهم أن ما قالوه في المناسخة قسمة وليس كذلك، بل هو بيان ما يستحقه ورثة الأموات من تركة الميت الأول، ويعين نصيب كل واحد منهم شائعًا، وذلك لا يتأتى إلا بالطريق التي اختاروها، فيؤدي إلى التطويل في بعض الصور ضرورة، فلا وجه للطعن عليهم بذلك، وما ذكر أنه يزيد في نصيب السابق أو ينقص وهم؛ لأن ما ذكروه ليس بقسمة تركة الميت الثاني أو الثالث لتعتبر الزيادة بمال آخر، بل هو بيان ما انتقل من نصيب الميت الثاني إلى ورثته من تركة الميت الأول، ولا تعلق لمال آخر به بوجه. وكذا النقصان الذي ذكره غير معتبر؛ لأن نصيب الميت الثاني إنما ينتقل إلى ورثته بعد الفراغ من تلك الحوائج، والتقدير أنه قد انتقل فيما نحن فيه، واحتجنا إلى بيان النصيب، فلا وجه لاعتبار النقصان بالدين وغيره بعد تحقق الانتقال، فتبين بهذا أن الاختلال ليس في عملهم، بل الاختلال في طريقته التي اختارها؛ لأنه اعتبر المناسخة قسمة، وليست بقسمة، واعتبر الزيادة والنقصان في المناسخة من غير أن يكون للمناسخة تعلق بذلك الوجه. ذيل الكتاب للخنثى المشكل أقل النصيبين لتيقنه، وعليه الفتوى، وإذا ظهر ذكورية يسترد ما أخذوا من نصيبه، ثم هو في أحد الزوجين ليس بمشكل؛ لأن الباقي له (٢) فرضا وردا إن كان بنتا وتعصيبًا إن كان ذكرًا، وكذا لو كان ولدًا لأم، لأن ذكرهم وأنثاهم سواء، وقد مر بيان الخلاف في الخنثى المشكل.

стр. 7590

ثم الحمل يرث بإجماع الصحابة، وله نصيب إن طلبوا القسمة وإلا يوقف المال ولا يقسم بغير خلاف لأحد إلا ما نقل عن داود أنه قال: يعطوا الورثة كل المال، ولا يوقف له نصيب. والصحيح عن داود مثل قول الجماعة، ولكن يدفع إلى من لا ينقصه كمال ما يصيبه، وإلى من ينقصه أقل ما يصيبه، ولا يدفع شيء إلى من يسقطه الحمل، فأما من يشاركه فأكثر أهل العلم يوقف للحمل شيء، ويدفع إلى شركائه الباقي، وهو رواية الربيع عن الشافعي. والمشهور: أنه لا يدفع إلى شركائه شيء؛ لأن الحمل لا حد له، ولا يعلم كم يترك. وقد حكى الماوردي قال: أخبرني رجل من أهل اليمن جاء طالبا للعلم وهو ثقة أن المرأة ولدت باليمن شيئًا كالكرش، فظن أنه لا ولد فيه، فألقي على قارعة الطريق، فلما طلعت الشمس تحركت فأخذ وشق فخرج منه سبعة أولاد ذكور وعاشوا جميعًا، وكانوا خلقا سويًا إلا أنه كان في أعضائهم قصر. وحكي أن امرأة ضرير بدمشق ولدت سبعة أولاد ذكورا وإناثًا. وحكي أن جارية كانت تلد ثلاثة في كل بطن. قلنا: هذا نادر لا يعول عليه، فلا يجوز منع الميراث لأجله. واختلف القائلون بالوقف، روى ابن مبارك عن أبي حنيفة: أنه يوقف نصيب أربعة بنين أو أربع بنات أيهما أكثر، ويعطى الورثة أقل الأنصباء، وبه قال مالك، والشافعي في رواية الربيع عنه، وشريك، والنخعي للاحتياط. قال شريك: رأيت بالكوفة لأبي إسماعيل أربعة بنين من بطن واحد. وقال محمد: يوقف نصيب ابنين أو بنتين أيهما أكثر، وبه قال الحسن بن زياد، وأحمد، وأبو يوسف في رواية هشام عنه؛ لأن ولاد التوأمين كثير معتاد، وما زاد عليه نادر. وروى الخصاف عن أبي يوسف: يوقف نصيب ابن واحد أو ابنة واحدة أيهما أكثر، وهو الأصح، وعليه الفتوى؛ لأنه العام الغالب، وما عداه نادر لا يعارض الظاهر الغالب، وبه قال الليث في رواية.

стр. 7591

وعن محمد: يوقف نصيب ثلاثة أو ثلاث أيهما أكثر، وبه قال الليث في رواية، ولكن هذه الرواية غير مذكورة في روايات شروح الأصول، ولا في عامة الروايات. وفي فتاوى أهل سمرقند: إن كانت ولادتها قريبة يُنظر؛ لأنه لو قُسم تنقض بعد الولادة فلا تفيد القسمة. وقيل: حد القرب ما دون الشهر وإن كانت بعيدة لا ينتظر؛ لأن فيه إضرارًا بباقي الورثة. وفي الواقعات: لا يُعزل نصيب الحمل؛ لأنه لا يعرف أنه ولد أم لا ثم على قول أبي يوسف يؤخذ كفيل من الورثة؛ لأن القاضي يصون به قضاءه فينظر لمن وهو عاجز عن النظر لنفسه، وهو الحمل كما في إذا ترك ابنا وخنثى، فيجعل الخنثى أنثى، ويعطي الابن ثلثين، ويؤخذ الكفيل عنه عند أبي يوسف ومحمد. وقيل: بل هاهنا يحتاط في أخذ الكفيل عندهم جميعًا ليسترد ذلك من أخيه، فكذا في الحمل، ثم الحمل إن كان لميت، وجاءت بالولد لتمام أكثر مدة الحمل، وقد بينا الخلاف في أكثرها أو أقلها (١) منها يرث ويورث عنه؛ لأن وجوده في البطن وقت الموت متيقن. فإن قيل: الوراثة خلافة ولا تتحقق الخلافة إلا باعتبار صفة الحياة، والنطفة في الرحم [وقت الموت ولا حياة فيه أو فيه شك. قلنا: النطفة في الرحم] (٢) مُعدَّة للحياة في حكم شخص حي ما لم تفسد، فيعطى لها حكم الحياة، ولهذا جازت الوصية له وبه، فيجعل كالحي المنفصل اعتبارًا لمآله، كذا في شرح السرخسي. وإن كان الحمل من غير الميت كما إذا مات وأمه حامل من غير أبيه، وزوجها حي، فإن جاءت بالولد لستة أشهر أو أقل يرث؛ لأن الحمل يستند إلى أقرب الأوقات، وهو ستة أشهر للتيقن بوجوده في النظر إلا في موضع

стр. 7592

الضرورة، وهو إثبات نسب الولد منه بعد ارتفاع النكاح بموته، فإن العلوق هناك يستند إلى أبعد الأوقات وهو سنتان (١)، وفي حال قيام النكاح لا ضرورة وهو ما إذا كان الحمل من غيره؛ لأن نسب الولد ثابت من ذلك الغير، فلا حاجة إلى إثبات نسبة فأسندناه إلى أقرب الأوقات. فأما بعد ارتفاع النكاح بموته لا (٢) حاجة إلى إسناد العلوق إلى أبعد الأوقات لإثبات نسب الولد منه، وإذا أسندناه حكمنا بأن الولد كان موجودًا في البطن عند موته ورثه، فإن جاءت به لأكثر من أقل المدة لا يرث؛ لأنا أسندنا العلوق إلى أقرب الأوقات، فإذا جاءت لأكثر منه فقد وقع الشك في وجوده في البطن عند موته، فلا يرث بالشك، ثم إذا خرج حيًا يرث، ويعلم حياته بالاستهلال، ولا خلاف فيه لأحد؛ لما روى أبو داود عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ أنه قال: «إذا استهلَّ المولود صارِخًا وَرِثَ وَوَرَّثَ» (٣). واختلف العلماء فيما سوى الاستهلال، فقال طائفة: لا يرث حتى يستهل، ولا يقوم غيره مقامه. ثم اختلفوا في الاستهلال قالت طائفة: الاستهلال أن يستهل صارخًا، وبه قال مالك، وأحمد في رواية، وسعيد بن المسيب، وعطاء، والشعبي، والنخعي، والحسن، وابن سيرين، وربيعة، ويحيى، وشريح، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وأبو عبيد، وإسحاق. فقد ذكر ابن سَرَاقَةَ عنه ﷺ أنه قال في الصبي المنفوس: «إذا وقع صارخًا واسْتَهَلَّ وَرِثَ وتمَّتْ دِيَتُهُ وإن وقع حيًّا ولم يَسْتهِلَّ صَارِخًا لم تَتِمَّ ديتُهُ وفيه الغُرّة»، ولأن الاستهلال لا يكون إلا من حيّ، والحركة قد تكون من غير حيّ، فإن اللحم يختلج إذا خرج من مكان ضيق من غير حياة، ولو كان فيه حياة لا يعلم كونها مستقرة لاحتمال أن يكون المذبوح وهو في حكم الميت.

стр. 7593

وعن أحمد في رواية: الاستهلال صياح أو بكاء أو عطس أو كل صوت يعلم منه حياة. وهو في حكم قول (١) الزهري والقاسم بن محمد؛ لأنه صوت علمت به حياة، فأشبه الصراخ. وعن أحمد: كل حركة تدل على حياته استهلال، كتنفسه بعد الخروج، أو بحركة عضو منه كعينيه أو شفتيه أو يديه أو رجليه، وهو قولنا، وقول الشافعي، والثوري، والأوزاعي، وداود. ثم لو خرج بعضه حيًّا فاستهل ثم انفصل باقيه ميتًا فعندنا: لو خرج أكثره ثم مات ورث؛ لظاهر قوله ﷺ : ﴿إذا استهلَّ المولود ورث﴾ يعني إذا خرج أكثره؛ لأن للأكثر حكم الكل، ولو خرج منكوسًا اعتبر خروج سرته. وقال الشافعي وأحمد ومالك: ولو استهل بعد خروج بعضه سواء كان أقل أو أكثر ثم انفصل باقيه ميتًا لا يرث للشك في حياته، ولو خرج توأمان فاستهل أحدهما ولم يعلم بعينه، فإن كانا ذكرين أو أنثيين أو ذكرًا وأنثى فالفرضيون قالوا: تجعل المسألة على الحالين، ويعطى كل وارث اليقين ويوقف الباقي حتى اصطلحوا، ولو سمع الاستهلال من أحدهما ثم سمع مرة أخرى ولم يدر هو من الأول أو من الثاني، فإن علم المستهل الأول كان له وحده؛ للشك في الثاني، وإن جهل عين الأول كان كما لو استهل أحدهما لا بعينه. ثم الأصل في تصحيح مسائل الحمل أن تصحح المسألة على تقدير أن الحمل ذكر، وعلى تقدير أنه أنثى، ثم ينظر بين المسألتين فإن توافقا فاضرب وفق أحدهما في جميع الآخر، وإن تباينا فاضرب كل واحد منهما في جميع الآخر، فالمبلغ تصحيح المسألة، ثم اضرب من كانت له في مسألة ذكورية في مسألة أنوثية في المباينة، أو في وقفها في الموافقة، ومن كان له شيء من مسألة أنوثية في مسألة ذكورية أو وفقها كما في الخنثى، ثم انظر الحاصلين من الضرب أيهما أقل يعطى لذلك الوارث والحمل. كما لو ترك بنتًا وأبوين وامرأة، فالمسألة من أربعة وعشرين، على أن الحمل ذكر؛ لأن فيها ثمنًا وسدسين، وما بقي، ومن سبعة وعشرين على تقدير

стр. 7594

أنه أنثى؛ لأن [فيها] (١) ثمنًا وسدسين وثلثين، فتصير منبرية وتعول إلى سبعة وعشرين، وبينهما موافقة بالثلث، فاضرب ثلث أحدهما في جميع الآخر، صار مائتين وستة وعشرين، فمنه تصح المسألة على تقدير ذكورته، للمرأة سبعة وعشرون، ولكل واحد من الأبوين ستة وثلاثون؛ لأن سهام المرأة من مسألة الذكورة ثلاثة، يضرب في وفق مسألة الأنوثة وهي تسعة، تبلغ سبعة وعشرين، وسهام كل واحد من الأبوين أربعة، تضرب في التسعة تبلغ ستة وثلاثين. وعلى تقدير الموارثة للمرأة أربعة وعشرون، ولكل واحد من الأبوين اثنان وثلاثون؛ لأن سهام المرأة من الأنوثة أيضًا ثلاثة تضرب في وفق مسألة الذكورة وهي ثمانية تبلغ أربعة وعشرين، وسهام كل واحد من الأبوين أربعة، تضرب في الثمانية تبلغ اثنين وثلاثين، فيعطى للمرأة أربعة وعشرون؛ لأنه أقل النصيبين، ويوقف من نصيبها ثلاثة، ومن نصيب كل واحد من الأبوين أربعة، ويعطى للبنت ثلاثة عشر سهمًا؛ لأن الموقوف في حقها نصيب أربعة بنين عند أبي حنيفة. وإذا كان البنون أربعة فنصيبها سهم وأربعة أتساع سهم من أربعة وعشرين، وهي مسألة الذكورة؛ لأن الباقي كان ثلاثة عشر يقسم على أربعة بنين وبنت أتساعًا، فيخرج من القسمة سهم وأربعة أتساع سهم مضروب في تسعة وهي وفق مسألة الأنوثة، فصار ثلاثة عشر، والباقي موقوف وهو مائة وخمسة عشر؛ لأن الحمل لما جعل أنثى في حق المرأة والأبوين فنصيبهن من المسألة الأنوثة ستة عشر، تضرب (٢) في وفق مسألة الذكورة، وهي ثمانية تبلغ مائة وثمانية وعشرين، وقد أخذت البنت ثلاثة عشر من هذه المائة والثمانية والعشرين، فيكون الباقي مائة وخمسة عشر. فإن ولدت بنتا واحدة أو أكثر فجميع الموقوف للبنات؛ لأنه ظهر أن الموقوف حقهن فيضم الثلاثة عشر التي أخذتها مع المائة والخمسة عشر، ويقسم المبلغ وهو مائة وثمانية وعشرون بينهن بالسوية.

стр. 7595

وإن ولدت ابنًا واحدًا أو أكثر يعطى للمرأة والأبوين ما كان موقوفًا من نصيبهم، للمرأة الثلاثة التي وقعت من نصيبها، ولكل واحد من الأبوين الأربعة التي وقعت من نصيبه؛ لأن الحمل جعلت أنثى في حقهم، وأعطوا أقل النصيبين فإذا ظهر الحمل ذكرًا علم أن حقهم أكثر النصيبين، فيعطى ما كان موقوفًا من نصيبه ليكمل، وما بقي يضم إلى الثلاثة عشر التي أخذتها البنت، ويقسم المبلغ وهو مائة وسبعة وعشرون للأولاد، يعني بين البنت والبنين المولودين ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ﴾؛ لأن الباقي من مسألة الذكورة ثلاثة عشر يضرب في وفق مسألة الأنوثة وهي تسعة، تبلغ مائة وسبعة وعشرين، فيقسم بينهم. وإن ولدت ميتًا يعطى للمرأة والأبوين ما كان موقوفًا من نصيبهم وهو أحد عشر، [وللبنت] (١) إلى تمام النصف خمسة وتسعون؛ لأنها حقها مائة وثمانية، وقد كانت أخذت ثلاثة عشر، فبقي من حقها خمسة وتسعون فيكمل حقها، والباقي للأب وهو تسعة؛ لأنه عصبة فإن له مع البنت فرضًا (٢) وتعصيبًا، وهذا إذا كانت الورثة ممن يتغير فرضه بالحمل، ولو كان الوارث ممن يسقط مع الحمل وإحدى الحالين لا يعطى للوارث منها شيء؛ لأن أصل استحقاقه مشكوك فيه، والتوريث في موضع الشك لا يجوز. كما لو ترك امرأة حاملًا وأخا أو عما، لا يعطى الأخ، أو العم شيئًا (٣)؛ لجواز أن يكون الحمل ابنًا فيسقط به الأخ أو العم، ولو كان الوارث ممن لا يتغير فرضه مع الحمل يعطى فرضه، كما لو ترك امرأة حاملا وجدة، فللجدة السدس؛ لأن فرضها لا يتغير بالحمل، وكذا لو ترك امرأة حاملا وابنا، فإنه يعطى للمرأة الثمن؛ لأن فرضها لا يتغير به، والله أعلم. فصل في الغرقى والحرقى والهدمي إذا لم يعلم من مات أولا يجعل كأنهم ماتوا معًا، ولا يرث بعضهم من بعض، بل يرثهم الأحياء، هو المختار، وهو قول أبي حنيفة ﵀ آخرًا، وبه قال الشافعي، ومالك، والأوزاعي، وعمر بن عبد العزيز، والزهري،

стр. 7596

والحسن البصري، وراشد بن سعيد، وحكيم بن عمير. وروي ذلك عن أبي بكر الصديق، وزيد بن ثابت، وابن عباس، ومعاذ، والحسن بن علي، وعبد الرحمن بن عوف. وعن عمر وابنه في رواية عنهما. وقال أبو حنيفة ﵀ أولا وأحمد: يرث بعضهم من بعض، وهو قول علي، وعمر، وابن مسعود، وشريح، وإبراهيم، والشعبي، وابن أبي ليلى. مثاله: غرق أخوان ولكل واحد منهما تسعون دينارًا، وخلف بنتا وأما وعمًا، فعند عمر وعلي وابن مسعود: يقسم التسعون للبنت النصف خمسة وأربعون، وللأم السدس خمسة عشر، والباقي وهو ثلاثون للأخ، ولا شيء للعم، ثم يقسم الثلاثون بين البنت والأم والعم أسداسًا كما عرف. وعند العامة: تقسم تركة كل واحد على ورثته الأحياء، البنت والأم والعم على ستة، ولا يرث أحد الأخوين من الآخر. وجه قول عمر وعلي: أن سبب الاستحقاق لكل منهم معلوم وهو حياته بعد موت صاحبه، وقد عرفنا حياته بيقين فيجب التمسك به، وفي سبب غرقانه وهو موته قبل موته شك، فلا يثبت الحرمان بالشك، ومتى حكمنا بميراث أحدهما صاحبه فقد حكمنا بموته قبله للضرورة، ولا ضرورة فيما سوى ذلك، فيتمسك بالأصل، وهو أصل كبير، أن اليقين لا يزول بالشك. وجه قول العامة: أن سبب استحقاق كل واحد منهما ميراث صاحبه غير معلوم يقينا، والاستحقاق مبني على السبب، فما لم يتيقن بالسبب لا يثبت الاستحقاق؛ لأن في الفقه أصلًا كبيرًا أن الاستحقاق لا يثبت بالشك، هذا إذا لم يعلم موت أحدهما أولاً، فإن علم ولكن جهل عينه أعطي كل واحد اليقين، ووقف المشكوك فيه حتى يتيقن أو يصطلحوا، كذا في شرح المجمع. وذكر في ضوء السراج: ويجعل كأنهما ماتا معًا؛ لتحقق التعارض بينهما. ذكر محمد ﵀ هذا الكتاب على هذا الاختلاف، وحكم الأسير حكم سائر المسلمين ما لم يفارق دينه، ولا خلاف فيه لأحد إلا ما روي عن ابن (١) المسيب والنخعي وقتادة: أنه لا يرث؛ لأنه عبد.

стр. 7597

والصحيح قول العامة؛ لأن الكفار لا يملكون أحرارنا، وإذا لم تعلم ردته ولا حياته ولا مماته فحكمه حكم المفقود؛ لأنه لا يوقف على أثره، ولا يرث المفقود ولا يورث، بل يوقف ماله حتى يثبت موته إما بالبينة على من في يده المال، أو على قيّم، أو يمضي عليه تسعون سنة من عمره في المختار، وقد مر في المفقود. بيان الخلاف: ولو جاء ورثة الأسير بعدلٍ واحد أنه ارتد في دار الحرب لا يقبل؛ لأن إسلامه كان معلومًا، وشهادة العدل على المسلم بالردة لا تقبل إلا إذا شهد عدلان، فقضى القاضي بالفرقة بينه وبين امرأته، ويقسم [ماله] (١) بين ورثته؛ لأنه ميت حكمًا عند القضاء حتى إذا لم يقض القاضي بردته لا يحكم بموته، ولا [بالفرقة؛ لأن] (٢) الردة موت حكما بالقضاء، كذا في السير الكبير. ولو صالح بعض الورثة عن حظه فأطرح سهامه من التصحيح، ثم أقسم باقي التركة على سهام الباقين، كزوج وأم وعم وصالح الزوج، فللعم سهم، وللأم سهم، وقد مر في فصل التخارج. ختم الكتاب بالصلح، إذ الصلح خير. والحمد لله تعالى والصلاة على نبيه محمد وآله وأصحابه أجمعين. كمل كتاب معراج الدراية في شرح الهداية، وكتب: بِرَسْمِ خزانةٍ كَرُمَتْ مَحِلا … لِنِسْبَتها إلى مولى كريم رئيس ما لجأت إليه إلا … وخَصَّكَ منه بالفضل العميم في سابع عشرين محرم الحرام سنة ثمان وأربعين وتسعمائة