شرك بينهم لم يعط كل واحد منهما حقه، كان مخالفًا لظاهر النص وقوله ﷺ : «ألحقوا الفرائض بأهلها».
ولأن ولد الأبوين عصبة لا فرض لهم، وقد تم المال بالفروض، فوجب أن يسقطوا كما لو كان مكان ولد الأم ابنتان، ولأن الإجماع منعقد على أنه لو كان في هذه المسألة واحد من ولد الأم ومائة من ولد الأبوين لكان للواحد السدس، وللمائة السدس الباقي، فإذا جاز أن يفضلهم الواحد هذا الفضل كله لم يجز للاثنين إسقاطهم.
وأما قولهم: تساووا في قرابة الأم فتساووا في الميراث منتقض بما قلنا الآن في مسألة الواحد من ولد الأم، على أنا نقول نعم تساووا في قرابة الأم لكن فارقوهم في كونهم عصبة من غير ذوي الفروض، فالشرع ورد بتقديم ذوي الفروض على العصبة كما قلنا في مسألة الواحد من ولد الأم.
وما ذكره من القياس طردي لا معنى تحته، قيل: القياس ما قال علي، والاستحسان ما قال عمر.
قلنا: هذا استحسان مخالف للآية والحديث كما قلنا، والعجب من الشافعي أنه قال: من استحسن فقد شَرَّع، وقد عمل به مع كونه مخالفًا للكتاب والسنة، ويلزمهم في زوج وأخت من أبوين وأخت من أب مع أخيها أن الأخ يسقط وحده وترث أخته السُّبُعَ؛ لأن قرابتها مع وجود أخيها كقرابتها مع عدمه، وهو لم يحجبها فهلا عدوه حمارًا أو ورثوها معه كميراثها مع عدمه، وسميت حمارية ومشركة لما ذكرنا.
هب أبانا أنه حمار، ومن لا فرض له من الإناث لا تتعصب مع أخيها كالعمة مع العم، فالمال كله للعم، وكذا ابن العم مع بنت العم، وبنت الأخ مع ابن الأخ؛ لأن النص ورد في أن الإناث يَصِرْنَ عصبة بالذكور في الموضعين البنات بالبنين، والأخوات مع الإخوة.
وقال تعالى في حق الأولاد ﴿يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١١]، وقال تعالى في حق الإخوة ﴿وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً﴾ [النساء: ١٧٦] الآية، فمن كان في معنى هذين الفريقين فالنص متناول له.
أما من لا فرض له من الإناث فليس في معنى من له فرض، فلا يتناول
стр. 7527
النص، وإن الأخت إنما تصير عصبة بأخيها إذا كانت صاحبة فرض حالة الانفراد حتى ينتقل حقها من الفرض إلى العصوبة، فأما أن (١) يوجب لها حقا لم يكن ثابتا في الأصل فلا، ولأن الأنثى إنما تصير عصبة بأخيها كي لا يؤدي إلى تفضيل الأنثى على الذكر أو المساواة، وهذا لا يوجد فيمن لا فرض له حالة الانفراد.
وأما الثالث: وهي العصبة مع غيره، فكل أنثى تصير عصبة مع أنثى أخرى كالأخت مع البنت كما ذكرنا، وهو قوله ﵊: «اِجْعَلُوا الأخوات مع البناتِ عَصَبَةً».
والفرق بين العصبة بغيره ومع غيره أن الباء للإلصاق، والإلصاق يقتضي الملصق والملصق به، وذا لا يتحقق إلا عند المشاركة في الاستحقاق؛ فيكون ذلك الغير عَصَبَةٌ بخلاف كلمة " مع " فإنها للقِرَانِ، والقران يتحقق بينهما بغير المشاركة؛ فلا يكون ذلك الغير عَصَبَة، كذا قيل.
وذكر الصحائفي: العَصَبَةُ بغيره هو الذي يصير عصبة بعصبة بنفسه، والعصبة مع غيره هو الذي يصير عصبة مع عصبة بغيره، فإن الأخت تصير عصبة مع البنت، والبنت عصبة بأخيها.
قال شيخي العلامة: هذا لا يستقيم؛ لأن البنت عند عدم الابن لا تكون عصبة، ومع الابن لا تصير الأخت عصبة منها.
فإن قيل: جعل الأخوات مع البنات عصبة بخلاف القياس بالنص، فيقتصر على مورد النص، وهو قوله ﷺ : «اِجْعَلُوا الأخوات مع البناتِ عَصَبَةً»، فينبغي أن لا تصير الأخت الواحدة عصبة مع بنت واحدة.
قلنا: هذا مقابلة الجمع بالجمع يقتضي انقسام الآحاد على الأحاد، ولأنه ﷺ أدخل اللام في الجمع ولا معهود، فصار اللام للجنس، وبطل معنى الجمعية كما في قوله تعالى: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ﴾ [الأحزاب: ٥٢]، فكان تقديره اجعلوا جنس الأخوات مع جنس البنات عصبة، فيستوي فيه الواحد والجمع، وإذا اجتمعت العصبات وهم في درجة واحدة قسم المال عليهم باعتبار أبدانهم دون أصولهم.
стр. 7528
مثاله: ابن أخ، وعشرة بني أخ آخر، وعشرة بني عم، وابن عم آخر، فالمال بينهم على أحد عشر سهما لكل منهم سهم.
وفي المبسوط: رجل تزوج امرأةً وابنهُ أمَّها، فولد لكل واحد غلام، فقرابة ما بين الولدين أن ابن الأب عم ابن الابن، وابن الابن خال ابن الأب وابن أخيه، فأيهما مات ورث صاحِبَهُ بالعصوبة، وهي مسألة يا خالي وأنا عمك يدعوك أبي وهو جدك.
وفيه حكاية عبد الملك بن مروان، فإنه جلس يوما للمظالم فقام رجل وقال: إني تزوجت امرأة، وزوجتُ أمَّها من ابني، فمُرْ بعطائي، فقال: لو كان عكس هذا كان أولى، وأنا أسألك عن مسألة فإن أحسنت جوابها (أمرتك) (١) بعطائك، وإن لم تحسن لا أعطيك شيئًا، فقال: هات، فقال: إن ولدك غلام، ولابنك غلام، فما قرابة بين الغلامين؟ فلم يحسن الجواب، فقال: سل القاضي الذي وليته، فإن أحسن الجواب فاصرف عطائي إليه وإلا فاعذرني، فلم يحسن القاضي ولا أحد من القوم إلا رجل في أخريات الناس، فقال: أنا إن أجبتُ هل تقضي حاجتي؟ قال: نعم، فأجاب كما ذكرنا، فقال: الله دَرُّ هذا العلم، وقال: ما حاجتك؟ فقال: إن عاملك يسقط حرفًا من كتاب الله تعالى، قال: وما ذاك؟ قال: قال الله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة: ١٠٣]، فهو يسقط حرف "من" ويأخذ كل مالنا، قال: هذا أحسن من الأول، فعزل ذلك العامل.
ولو أن أخوين ادعيا غلامًا ولدته جارية مشتركة بينهما حتى ثبت نسبه منها، فمات الرجلان ثم مات أبوهما وترك ابن ابن له آخر، وابن ابنيه فإنهما يرثان مال جدهما نصفين، ولا يرث هذا من وجهين، بخلاف الجدة فإنها ترث من الجهتين؛ لأن للجدة نسبين معروفين، وهذا الولد لواحد منهما، إلا أنا لا نعرفه فنسبه نسب واحد، ولو ثبتت حرمة المصاهرة بين الزوجين ثم حدث ولد قيل: لا يرث الولد عنه كولد الملاعنة فإنه يرث عن أمه دون أبيه، وقيل: يرث؛ لأنه ثابت النسب لاختلاف العلماء في الحرمة ومثلها لا يمنع النسب، بخلاف ولد الملاعنة، وبه قالت الأئمة الثلاثة.
стр. 7529
اعلم أن الملاعن لا يرث ولده الملاعن به ولا أحد من عصباته، وانقطع تعصيبه من جهته، وترثه أمه، وذوو الفروض منه فروضهم، فينقطع التوارث بين الزوجين، ولا خلاف بين أهل العلم في هذه الجملة، فلو مات أحدهم قبل تمام اللعان بين الزوجين ورثه الآخر في قول الجمهور.
وقال الشافعي: إذا كمل الزوج لعانه لم يتوارثا.
وقال مالك: إن مات الزوج بعد لعانه فإن لاعنت المرأة لم ترث ولم تحد، وإن لم تلاعن ورثت وحدت، وإن ماتت هي بعد لعان الزوج ورثها في قول جميعهم إلا الشافعي.
ولو تم اللعان بينهما فمات أحدهما قبل تفريق الحاكم لا يتوارثان عند مالك، وزفر، وأحمد في رواية، وداود.
ومثله روي عن الزهري، والأوزاعي، وربيعة؛ لأن اللعان يقتضي التحريم المؤبد بالنص، فلا يعتبر الحكم بالتفريق.
وعندنا: يتوارثان ما لم يفرق الحاكم بينهما؛ لأنه ﷺ فرق بين المتلاعنين، فلو حصل التفريق بمجرد اللعان لم يحتج إلى تفريقهم، وقد مر في اللعان، ثم لا قرابة له من قبيل أبيه، ولا قرابة من جهة أمه، ولا يكون عصبة أمه عصبته، ولا أمه عصبة له عند الجمهور.
وعن ابن مسعود وابن عمر: أن عصبة أمه عصبته، وبه أخذ عطاء، ومجاهد، والشعبي، والنخعي.
وعن ابن مسعود في رواية أخرى عنه أن أمّه عصبته؛ لما روى واثلة بن الأسقع عن النبي ﷺ أنه قال: «تَحْرُزُ المرأةُ ثلاث مواريث عتيقها ولقيطها وولدها الذي لاعَنَتْ عليهِ».
وعن ابن عباس أنه قال: أم ولد الملاعنة أبوه وأمه، وإن لم تكن فعصبتها عَصَبَتُهُ؛ لما روي عن داود بن أبي (١) هند أنه كتب إلى صديق له بالمدينة أن يسأل من بقي من أصحاب النبي ﷺ عن ولد الملاعنة مَنْ عَصَبَتُهُ؟ فذكروا أنه ﵊ جعل عصبته عصبة أمه.
стр. 7530
وقلنا: الميراث إنما ثبت بالنص، ولا نص في توريث الأم أكثر من الثلث، وفي توريث أخ من أم أكثر من السدس، ولا في توريث أبي الأم وأشباهه من عصبات الأم، وفيه خلاف النص.
ولأن العصوبة أقوى أسباب الإرث، والإدلاء بالأم أضعف فلا يجوز أن يستحق به أقوى أسباب الإرث.
وفي الحديث بيان أنها تحرز، والإحراز لا يدل على العصوبة، فإنها تجوز أن تحرز فرضًا وردا لا تعصيبًا.
ومعنى حديث ابن أبي هند أن عصبة قوم أمه في الاستحقاق بمعنى العصوبة، وهي الرحم (١) لا في إثبات حقيقة العصوبة، وولد الملاعنة إذا كان توأما فعندنا وعند الشافعي وأحمد والجمهور من العلماء هما كالأخوين لأم.
وقال مالك: هما كالأخوين لأبوين، وهو وجه لأصحاب الشافعي؛ لأن نسبهما ثابت؛ لأنهما خُلقا من ماء واحد، ويقطع النسب باللعان ضرورة؛ فيتقدر بقدرها، وهو قطع النسب لا في كونهما خلقا من ماء واحد، فكانا أخوين لأبوين بخلاف ولد الزنا؛ لأن هناك لم يثبت النسب أصلا؛ لانعدام الفراش، ولهذا لا يثبت من الزاني وإن ادعاه.
وقلنا: الأُخُوَّة لأب لا تثبت إلا بواسطة الأب، ولا أب لهما، فلا تثبت الأخوة لأب كما في ولد الزنا وإن خلقا من ماء واحد إذا كانا توأمين، وبالقضاء تبين أن النسب لم يكن ثابتا من الملاعن لا أن كان ثابتا فانقطع إذا عرفت هذا، فلو ترك ابن الملاعنة بنتًا وأما فالمال بينهما أرباعًا فرضًا وردا عند علي، وهو مذهبنا.
وعند زيد: للبنت النصف، وللأم السدس، والباقي لبيت المال.
وفي رواية عن ابن مسعود: الباقي للأم عصوبة، وهو رواية عن أحمد، وقول الحكم بن عيينة.
وفي رواية عن ابن مسعود: الباقي لأقرب عصوبة أمه كما قلنا، وهو قول إبراهيم.
стр. 7531
ولو ترك بنتا وأما وأخا توأما فعندنا المال بين البنت والأم أرباعًا فرضًا وردا، ولا شيء للتوأم كما ذكرنا.
وعلى قول مالك الباقي للتوأم بالعصوبة، وعلى قول إبراهيم الباقي للأخ توأما كان أو غيره؛ لأنه أقرب عصوبة لأمه.
ولو ترك ابن ابن الملاعنة بنتا وأما وعما، فعندنا هذا والأول سواء، ولا شيء للعم، وهو قول الجمهور؛ لأنه عم لأم، فلا يكون عصبة، وعلى قول مالك إن كان العم توأما مع أبيه الباقي للعم؛ لأنه عصبة.
وعند إبراهيم الباقي للعم؛ لأنه أقرب عَصَبَةَ أمه، فلو لم يترك ابن الملاعنة ذا سهم، فعندنا هو بين ذوي الأرحام كميراث غيره. وهكذا روي عن علي.
وعند من جعل عصبة أمه عصبته فالمال لعصبة أمه.
مثاله: ترك خالا وخالة فعندنا: هو بينهما نصفين، وعندهم: هو للخال، ولو أكذب الملا عن نفسه لا يلحقه النسب بعد موته إلا أن يكونا توأمين مات أحدهما وأكذب نفسه، والآخر باق.
وعند الأكثر يلحقه وقد مر في اللعان.
والحكم في ميراث ولد الزنا كالحكم في ولد الملاعنة على ما ذكرنا من الأقوال والاختلاف، إلا أن الحسن بن صالح قال: عصبة ولد الزنا سائر المسلمين؛ لأن أمه ليست بفراش، بخلاف ولد الملاعنة، والجمهور على التسوية بينهما؛ لانقطاع النسب كما ذكرنا، وولد الزنا لا يلحق الزاني إذا استلحقه عند الجمهور.
وعن الحسن وابن سيرين يلحق الواطئ إذا أقيم عليه الحد أو ملك الموطوءة.
وروى ابن عاصم عن أبي حنيفة ﵀ أنه قال: لا أرى بأسا إذا تزوجها الزاني مع حملها وتستر عليها، والولد ولده.
النوع الثاني العصبة السببية، وهو المعتق ثم عصبته من الذكور على الترتيب المذكور في العصبات، وقد مر الكلام فيه على الاستقصاء في كتاب الولاء، ثم آخر العصبات مولى العتاقة، وهو مقدم على ذوي الأرحام، والرد عند الجمهور من الصحابة والتابعين.
стр. 7532
وعن عمر وعلي ﵄: تقديم الردّ على المولى، وعنهما وعن ابن مسعود: تقديم ذوي الأرحام على المولى، وبه أخذ إبراهيم النَّخَعِي؛ لما روي أنه ﷺ قال في المعتق: «هو أخوك ومولاك، فإِنْ شَكَرَكَ فهو خيرٌ لَهُ وشَرُّ لك، وإنْ كَفَرَكَ فهو شَرٌّ له وخير لك، وإن مات ولم يترك وارثًا كنتَ أنتَ عَصَبَتَهُ» فقد شرط في توريث مولى العتاقة أن لا يدع المعتق وارثا؛ فيكون الردّ مقدما، وذوو الأرحام أيضًا؛ لأنهم من جملة الورثة، قال الله تعالى: ﴿وَأُولُوا الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ [الأنفال: ٧٥].
ولأن ذا الرحم قريب، والميراث ينبني على القرب، وبالولاء لا تثبت القرابة، فيكون مقدمًا عليه كما في ولاء [الموالاة] (١) لأن الولاء أضعف وجوه الميراث؛ لما أنه ﷺ قال: «الولاء لُحْمَةٌ كلحمَةِ النَّسب» فشبهه بالنسب، وما يشبه الشيء لا يكون أقوى منه، ولهذا يستحق بالقرابة الإرث من الجانبين، وبالولاء لا يستحق من الجانبين.
والولاء يحتمل الرفع في الجملة كما في جرّ الولاء، والقرابة لا تحتمل الرفع؛ فكانت القرابة أقوى من الولاء، وبخلاف الزوجية فإنها تحتمل الرفع ويورث بها من الجانبين؛ لما أن الزوجية أصل القرابات، والقرابات تتفرع عليها، وحكم الفرع يثبت في الأصل وإن انعدم فيه معناه، كما يعطى لبيض الصيد حكم الصيد في حق المحرم، مع أن بالزوجية لا تثبت العصوبة وكلامنا فيه.
وللعامة ما روي أنه ﷺ أعطى بنت حمزة نصف مال مولاها، ونصفه لبنت المولى، وهذا نص في الباب أن المولى مقدم على الرد وعلى ذوي الأرحام؛ لأن من ضرورة أن يكون مقدمًا على الرد أن يكون مقدما على ذوي الأرحام؛ لأن الرد مقدم عليهم، ولهذا تبين أن مراده ﵊ في قوله: «وإن مات ولم يدع وارثًا» العصبة، إليه أشار ﵊ بقوله: «كنتَ أنتَ عصبته»، ولم يقل: كنت أنت وارثه.
يؤيده ما روي عن الحسن أنه قال ﷺ : «الميراثُ للعَصَبَةِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَصَبةً فللمولى». وأما قوله ﴿وَأُولُوا الْأَرْحَامِ﴾ الآية فسبب نزوله ما روي أنه ﵊ لما قدم المدينة أخى بين المهاجرين والأنصار، فكانوا يتوارثون بذلك،
стр. 7533
فنسخ الله تعالى ذلك بهذه الآية، وبيَّن أن الرحم مقدم على المؤاخاة والموالاة، وبه نقول.
ولأن ولاء العتاقة بمنزلة الأبوة صورةً؛ لأن المعتق ينسب إلى معتقه بالولاء كما ينسب الابن الى الأب، وكذا معنى؛ لأن الأب سبب لحياة الولد كما أن المعتق سبب لحياة المعتق معنى، فإن الحرية حياة، والرق بمنزلة الموت باعتبار عدم قدرته على التصرف، كالحر بالمالكية غاير الإنسان الحيوانات إليه أشار النبي ﷺ : «لن يُجزي ولدٌ والدَهُ» الحديث. فعرفنا أنه بمنزلة الولاية، إلا أن هذا المعنى يوجد من الأعلى خاصة دون الأسفل، بخلاف الولاية فإن حقيقة البعضية تشمل الجانبين، فلهذا يثبت الإرث هناك من الجانبين.
وإذا تبين ذلك كان المستحق بالولاء العصوبة، وتقديم العصبة على ذوي الأرحام ثابت بالنص والإجماع، كذا في شرح السرخسي.
ولا شيء للإناث من ورثة المعتق وقد مر في الولاء.
وقيل: لو لم يترك إلا بنت المعتق يدفع المال إليها لا إرثا بل لأنها أقرب، وكذا الفاضل عن فرض أحد الزوجين يدفع إليه بالرد، وكذا يدفع إلى البنت والابن من الرضاع، وبه يفتى؛ لعدم بيت المال وقصور احتياط القضاة.
وفي المستصفى: والفتوى اليوم على الرد على الزوجين عند عدم المستحق؛ لعدم بيت المال والظلمة لا يصرفون مال بيت المال إلى مصرفه، وهذا كما نقل عن بعض أصحاب الشافعي أنهم يفتون بتوريث ذوي الأرحام بهذا المعنى.
فصل في الموانع من الإرث
وهي أربعة:
الأول: الكفر، أجمع أهل العلم على أن الكافر لا يرث من المسلم، وكذا المسلم لا يرث من الكافر عند جمهور الصحابة، وأكثر التابعين والفقهاء.
وفي رواية عن أحمد أنه قال: يرث بالولاء لا غير، وهو قول مالك في مولاة النصراني، وهو قول أصحاب الظاهر، وروي ذلك عن علي، وعمر بن عبد العزيز.
стр. 7534
فقال علي: الولاء شعبة من الرق، ومال المرقوق لمولاه، وللجمهور عموم قوله ﷺ : «لا يرث المسلمُ الكافِرَ»، ولأنه ميراث فيمنعه اختلاف الدين كميراث النسب، ولأنه ﷺ قال: «الولاء لحمةٌ كلحمةِ النّسبِ» فلا يرث به هو (١)، وعليه العمل.
وعن معاذ ومعاوية أنهما ورثا المسلم من الكافر، وهو أحد قولي أبي بن كعب، وبه قال محمد بن الحنفية، ومحمد بن علي بن الحسين، وابن المسيب، ومسروق، والشعبي، والنخعي، وعبد الله بن مغفل، ويحيى بن يعمر.
واحتج يحيى بما روي عن معاذ أنه قال: قال ﵊: «الإسلام يزيد ولا ينقص» يعني يزيد في حقوق من أسلم، ولا ينقص شيئًا من حقه.
وقال ﵊: «الإسلامُ يَعْلو ولا يُعلى عليه» ومن العلو أن يرث المسلم من الكافر، ولا يرث الكافر من المسلم، ولأن مبنى الميراث على الولاية، والمسلم من أهل الولاية على الكافر من غير العكس.
ألا ترى أن شهادته تقبل على الكافر، ولهذا لو مات الذمي ولم يترك وارثًا يرثه المسلمون بأن يوضع في بيت المال، وكذا يرث المسلم من المرتد وقد مر، وهذا قياس، وقول العامة استحسان.
ووجه قوله ﷺ : «لَا يتوارث أهلُ مِلَّتِينِ شَتّى»، وقوله ﷺ : «لا يرث الكافر المسلم ولا المسلم الكافر» متفق عليه رواهما أبو داود.
ولما مات أبو طالب ترك عليا وجعفرًا وعقيلا وطالبًا، فوَرَّث النبي ﷺ عقيلا وطالبًا؛ لأنهما كافران، قال رسول الله ﷺ : «هل ترك لنا عقيل من دارٍ» فإنه كان على دين أبيه مقيمًا بمكة، فباع رباعه بمكة، ولم يورث عليا وجعفرًا؛ لأنهما مسلمان.
ولأن الولاء منتف بين الكافر والمسلم قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [الأنفال: ٧٣] فدل أن لا ولاء بين المسلم والكافر، فإن كان المراد به الإرث فهو إشارة إلى أنه لا يرث المسلم الكافر، وإن كان المراد متعلق الولاية
стр. 7535
ففي الإرث معنى الولاية؛ لأنه يخلف المورث في ماله ملكًا ويدًا وتصرفًا، ومع اختلاف الدين لا يثبت، ولأن مبنى الميراث على الولاية [واتفاق الملة] (١) لما روينا.
وأما [حديثهم] (٢) أنه أراد أن الإسلام يزيد بمن يسلم وبما يفتح من البلاد، ولا يقل الإسلام ولا ينقص بمن يرتد لقلة من يرتد وكثرة من يسلم، فكان حديثهم [مجملا] (٣) وحديثنا مفسرا، وحديثهم لم يتفق على صحته، وحديثنا متفق عليه.
وأما قوله ﷺ : «الإسلامُ يَعْلو ولا يُعلى» في المولود بين مسلم وكافر، فيعتبر جانب الإسلام ويحكم بإسلامه، ولهذا قال محمد ﵀ في الدعوى: رجل مات وله ابنان أحدهما مسلم والآخر كافر فادعى المسلم أنه مات مسلمًا وادعى الكافر أنه مات كافرًا وبَرْهَنَا، فالبينة بينة المسلم عندنا، فيرجح الإسلام عملا بهذا الحديث؛ إذ المراد منه العلو من حيث الحجة أو من حيث القهر والغلبة، فيكون المراد أن النصر في العاقبة للمسلم.
قال السرخسي: ولأن الإرث نوع ولاية بالسبب الخاص وهو القرابة، فلا يثبت بين المسلم والكافر؛ لقوله ﷺ : لا قرابة بيني وبين أبي جهل، ولهذا لا يثبت ولاء التزويج بينهما في ظاهر الرواية.
أما التوريث بالسبب العام وهو بيت المال يثبت للمسلم على الكافر كولاية الشهادة وولاية السلطنة، ولا يثبت للكافر على المسلم بحال، وأما المرتد فالإرث للمسلم منه يستند إلى حال إسلامه.
ولهذا قال أبو حنيفة ﵀: يرث منه كسب إسلامه، ولهذا لا يرث هو من المسلم، وقد مر في باب المرتدين.
أما الكفار يتوارثون بينهم إذا كان دينهم واحدًا بإجماع أهل العلم، أما لو اختلفت أديانهم فعندنا يتوارثون؛ لأن الكفر كله ملة واحدة، وبه قال الشافعي، وأحمد في رواية، وحماد، وابن شبرمة، وداود.
стр. 7536
وعن بعض أصحاب الشافعي: أنهم لا يتوارثون إلا عند اتفاق الاعتقاد.
وقال مالك، وأحمد في رواية، وابن أبي ليلى، وشريح، والحسن بن صالح، وعطاء، وعمر بن عبد العزيز، والضحاك، والحكم، والثوري، والليث، ووكيع، وشريك والزهري، وربيعة، وطائفة من أهل المدينة، وأهل البصرة، وإسحاق: لا يتوارثون عند الاختلاف.
وروي ذلك عن علي ﵁؛ لأن الكفر ملل، وقد قال رسول الله ﷺ : «لَا يتوارث أهلُ مِلَّتِينِ شَتَّى» واستدلوا على تغاير مللهم بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى﴾ [الحج: ١٧]، وقال تعالى: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَرَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ [البقرة: ١٢٠].
ومعلوم أن اليهود لا ترضى إلا بأن نتبع اليهودية، وكذا النصارى، وأن النصارى يقرون بنبوة عيسى ﵇، واليهود ينكرون، فكان ملة أحدهم غير ملة الآخر، كالمسلمين مع النصارى، وبه فارق أهل الأهواء؛ لأنهم يتفقون على الإقرار بالرسل والكتب وإنما الاختلاف بينهم في تأويل الكتاب والسنة، وذلك لا يوجب اختلاف الملة فيما بينهم، وقد يوجد مثل ذلك فيما بين النصارى كالنسطورية والملكانية واليعقوبية، وفيما (١) بين اليهود أيضًا كالفرعية والسامرية.
وقال ابن أبي ليلى: اتفق اليهود والنصارى على دعوى التوحيد وإن اختلفت نحلهم بخلاف المجوس، فإنهم يدعون الاثنين ولا يقرون بنبوة نبي ولا بكتاب منزل، ولا يوافقهم أهل الكتاب في ذلك، فكانوا أهل ملتين.
ولنا أن الكفر كله ملة واحدة كالإسلام؛ لقوله تعالى: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ [الكافرون: ٦] خاطب جميع الكفار وجعل الله الناس فريقين حيث قال ﴿فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ﴾ [الشورى: ٧]، وقوله تعالى: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ [الحج: ١٩]، ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ﴾ يعني الكفار أجمع مع المؤمنين، ولأن قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [الأنفال: ٧٣] عام في جميع الكفار، ولأن الكفار بأسرهم ينكرون رسالة محمد ﷺ والقرآن فكانوا في حق
стр. 7537
المسلمين أهل ملة واحدة وإن اختلفت نحلهم فيما بينهم.
ألا ترى أن من يعبد الشمس ومن يعبد الزهرة وغيرها من الكواكب أهل ملة واحدة في الشرك وإن اختلفت نحلهم فيما بينهم، وكذا من يعبد صنما ومن يعبد صنما آخر ويُكَفِّر كل واحد صاحبه وهم أهل ملة واحدة بالإجماع، فصاروا كأهل الأهواء من المسلمين.
وأما المراد من قوله ﷺ : «لا يتوارث (١) أهلُ مِلَّتِينِ شَتَّى» الكافر والمسلم، حيث فسر الملتين بقوله: «لا يَرِثُ الكافر المسلم ولا المسلم الكافِرَ»؛ إذ في تنصيصه على الوصف العام في موضع التفسير بيان أنهم في حكم التوريث أهل ملة واحدة دون حل الذبيحة والمناكحة؛ لما أن حل الذبيحة والمناكحة في الكتابي بناء على إظهار التوحيد وادعائه، وإن كانوا يضمرون الشرك بخلاف المجوس فإنهم لا يدعون التوحيد، فلا يصح منهم تسمية الله تعالى وهو شرط الحل، كذا في شرح السرخسي.
أجمع أهل العلم أن الكفار لا يرثون بنكاح المحارم، وبنكاح اعتقدوا صحته وأقروا عليه بعد إسلامهم يتوارثون به، وبنكاح لم يقروا بعد إسلامهم فهم لا يتوارثون، ولو طلق الكافر امرأته ثلاثا ثم أسلما ومات أحدهما لم يتوارثا به؛ لأنه لم يقرا عليه، ولو مات أحدهما قبل إسلامهما لم يتوارثا في قول الجميع، ولو تزوجها بغير شهود ثم مات أحدهما ورثه الآخر عندنا، وبه قال الشافعي، وأحمد. وعند زفر: [لا] (٢) وقد مر شيء من ذلك في النكاح.
ويرث الكافر بالسببين كالمسلم وبه قال الشافعي في قول، وأحمد، وإسحاق، وداود والنخعي، والثوري، وابن أبي ليلى، ويحيى بن آدم، وقتادة.
وقال الشافعي في الصحيح: يرثه بأقوى القرابتين، وهي التي لا تسقط بحال، وبه قال مالك، والأوزاعي، والزهري والحسن، والليث، وحماد؛ لأنهما قرابتان لا يورث بهما في الإسلام؛ فلا يورث بينهما في غيره، كما لو أسقطت إحداهما الأخرى.
стр. 7538
وقلنا قرابتان يرث بكل واحدة منهما منفردة لا يحجب إحداهما الأخرى فيرث بهما مجتمعين، كزوج هو ابن عم، أو ابن عم هو أخ من أم.
وقياسهم فاسد؛ لأن القرابتين في الأصل تسقط إحداهما الأخرى إذا كانا في شخصين، وقولهم: لا يرث بهما في الإسلام ممنوع كما قلنا في [ابن عم] (١) هو زوج أو أخ من أم.
الثاني: اختلاف الدارين حقيقة، كما في الذمي والحربي في دار الحرب [أو الحربيين] (٢) من دارين مختلفين، واختلاف الدار باختلاف المنعة والملك؛ لانقطاع العصمة فيما بينهم [حتى يستحل] (٣) أحدهما القتال مع الآخر.
أما لو كان بين الملتين (٤) نصرة وأمانة حتى لو ظهر عدو لأحدهما ينصره [الآخر لا تختلف] (٥) الدار، وكانا كدار واحدة، أما أهل العدل والبغي يتوارثون وإن اختلفت المنعة والملك؛ لأن دار الإسلام كدار واحدة، أما دار الإسلام ودار الحرب ليستا كدار واحدة؛ لأن أحدهما دار الأحكام، والأخرى دار قهر وغلبة، أو حكما كالذمي والمستأمن، وكالحربيين من دارين مختلفين، أو دخلا دارنا بأمان فإن أحدهما لا يرث الآخر وإن كانا على دين واحد؛ إذ المستأمن أهل داره حكمًا لا حقيقة، ولهذا يتمكن من الرجوع إلى داره.
وقال الشافعي، وأحمد: لا يرث حربي ذميًا، ولا ذمي حربيًّا؛ لانقطاع الولاية بينهما، فأما المستأمن يرثه أهل الحرب وأهل دار الإسلام، ويرث أهل الحرب بعضهم بعضًا وإن اختلفت دارهم، كالمسلمين وإن اختلفت الدار بهم لعمومات النصوص التي تقتضي توريثهم، ولم يرد بتخصيصهم نص ولا إجماع، ولا يصح فيهم قياس، فيجب العمل بعمومات النصوص.
ولأن مفهوم قوله ﷺ : ﴿لَا يَتَوارَثُ أَهْلُ مِلَّتَيْنِ شَتَّى﴾ دليل أن أهل ملة واحدة يرثه وإن اختلفت دارهم.
стр. 7539
وقلنا: قد ثبت أن الميراث مبني على الولاية واتفاق الملة، وهاهنا إن اتفقت ملتهم فقد انقطعت ولايتهم باختلاف الدارين، ألا ترى أنه يمنع قبول الشهادة؛ لأنها من الولاية، فيمنع التوارث أيضا، وما ذكر من العمومات لم يبق على عمومه بالإجماع؛ لخروج الرقيق والذمي والحربي؛ فيجوز أن يخرج من اختلف دارهم بالقياس.
وما ذكر ابن قدامة الحنبلي في المغني: فجعل أبو حنيفة ﵀ اختلاف الدار واتفاقها ضابطًا للتوريث وعدمه، ولا نعلم في هذا حجة من كتاب ولا سنة ضعيف؛ لأنا نقول: نعم أنت لا تعلم، ولكن أبو حنيفة ﵀ علم من إشارات النصوص والقياس عليها كما ذكرنا أن مبنى الميراث على الولاية واتفاق الملة، وقد عدم أحدهما.
وذكر في بعض شروح الفرائض: أن اختلاف الدار إنما يؤثر في حق الكفار لا في حق المسلمين، حتى يرث الباغي من العادل وعلى العكس وإن اختلفت مللهم ومنعتهم (١) إدخال المسلم في دار الحرب كحاله في دار الإسلام، والمسلم من أهل دار الإسلام حيثما يكون، ولهذا لو دخل مسلم دار الحرب بأمان ومات لم يرثه المسلم الذي في دارنا.
قال شيخي ﵀: هذا لا يكاد يصح؛ لما أن أبا اليسر ذكر في شرح فرائض المبسوط: المسلم لا يرث من المسلم الذي أسلم في دار الحرب ولم يهاجر إلينا، وكذا العكس، وإن كان المسلم الأصلي مستأمنا في دار الحرب؛ لأنه من أهل دار الإسلام، فاختلف بهما الداران، وهكذا ذكر في شرح فرائض السراجي لمصنفه.
وفي بعض شروح فرائض المبسوط لبعض المشايخ: وأما توريث المسلم الأصلي من المسلم المستأمن في دار الحرب باعتبار أنه من أهل دار الإسلام حكما وإن كان في دار الحرب حقيقة؛ لأنه إنما دخل في دار الحرب على سبيل العارية، فلم ينقطع حكم دار الإسلام، ولهذا لم تبن امرأته، ولو قتله مسلم تجب عليه الدية والكفارة، إليه أشار في الإيضاح.
стр. 7540
وأما المسلم الذي لم يهاجر إذا قتل لم تجب الدية، وأما مسألة العادل والباغي فجريان التوارث باعتبار الاختلاف لم يتحقق؛ لأن أهل البغي ملتزمون أحكام الإسلام، ودار الإسلام دار أحكام، فباختلاف المنعة والملك لا يتباين الدار فيما بين المسلمين؛ لأن حكم الإسلام يجمعهم بخلاف أهل الحرب إذا اختلفت منعتهم وملكهم، حيث تختلف به الدار؛ لأن دار الحرب دار قهر لا دار أحكام، فلهذا افترقا.
الثالث: الرق، وهو مانع وافرًا كان كالقِنِّ أو ناقصا كالمكاتب والمدبر وأم الولد.
أجمع أهل العلم أن العبد لا يرث؛ لقوله تعالى: ﴿عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ﴾ [النحل: ٧٥]، ومتى ورث صار قادرًا على شيء، ولقوله ﷺ العبد وما في يده لمولاه، فلو ورثناه كان لمولاه، ولا قرابة بين مُورّثه ومولاه، وكذا المدبر وأم الولد بالإجماع، [ولا يرث] (١) عنه بإجماع أهل العلم؛ لأنه لا مال له، فكيف يورث عنه؟
أما المكاتب هل يورث [عنه]، ولو مات (٢) رقًا؟ وقد مر في باب المكاتب.
وأما المستسعى كالمكاتب عند أبي حنيفة، [فللمستسعى من تركته] (٣) ونصف ولاية، فكان كالمكاتب في الإرث والحجب.
وعندهما: حُرٌّ مديون [فيرث ويورث منه] (٤) ويحجب، ذكره شمس الأئمة في شرحه. وبقولهما قال الحسن، وجابر بن زيد، والشعبي، والنخعي، والثوري، وابن أبي ليلى، والحكم، وحماد، ويحيى بن آدم، وداود، وابن عباس.
وقال مالك: لا يرث ولا يورث، وبه قال الشافعي في القديم، وهو قول زد.
وقال أحمد، والمزني، وابن المبارك، وحمزة الزيات، وأصحاب الظاهر:
стр. 7541
يرث ويورث عنه ويحجب على قدر ما فيه من الحرية، وهو قول عليّ، وابن مسعود.
وقال الشافعي في الجديد ما كسبه بحرية الجزء لورثته، ولا يرث هو ممن مات شيئًا، وبه قال طاووس، وعمرو بن دينار، وأبو ثور.
وفي الفرائض العثمانية: هذا الخلاف بين أصحابنا في الذي يسعى لفكاك رقبته كمعتق البعض، أما لو كان يسعى لحق رقبته كالعبد المرهون إذا أعتقه الراهن فهو كالحر يرث ويورث عنه بلا خلاف.
الرابع: القتل، أجمع أهل العلم على أن القاتل عمدًا لا يرث إلا ما حكي عن سعيد بن المسيب وابن جبير أنهما (١) ورثاه، وبه قال الخوارج، والأصم، وابن علية؛ لأن آية المواريث تتناوله بعمومها، ولا تعويل على هذا القول لشذوذه، وقيام الدليل على خلافه، وهو قوله ﷺ : «ليس لقاتل شيء من الميراث» رواه مالك في الموطأ، وأحمد بإسناده.
وعمر أعطى دية ابن قتادة المدلجي لأخيه دون ابنه، وكان ابنه حذفه بسيف فقتله، واشتهرت هذه القضية بين الصحابة فلم ينكر أحد؛ فكانت إجماعًا، أما القتل خطأ فذهب كثير من أهل العلم إلى أنه لا يرثه أيضًا.
وروى عن ابن المسيب، وعمرو بن شعيب، وعطاء، والحسن، ومجاهد، والزهري، ومكحول، والأوزاعي، ومالك، وأبي ثور، وابن المنذر، وابن أبي ذؤيب، وداود: أنهم قالوا: يرث من المال دون الدية.
ونحوه عن عليّ ﵁؛ لأن ميراثه ثابت بالكتاب والسنة، وخص قاتل العمد بالإجماع، فبقي على العموم فيما سواه. وللعامة عموم الأحاديث كما روينا.
لأن من لا يورث من الدية لا يرث من غيرها كقاتل العمد والمخالف في الدين، والعمومات مخصوصة بالإجماع.
وعن عثمان البتي: القتل الخطأ لا يوجب حرمان الميراث؛ لأن الإثم لم يتعلق به فصار كقتل الصبي والمجنون، ولأن قصد الاستعجال من المخطئ لا
стр. 7542
يتحقق كما في الصبي والمجنون فلا يحرم عن الميراث.
ولنا ما روي عن عَدِيٍّ الخُذَامِيّ قال: كان بين امرأتين مجاورة فرمى عدي إحداهما بحجر فماتت، فسأل عدي رسول الله ﷺ في غزوة عن شأن المرأة المقتولة، فقال النبي: «اِعْقِلُها ولَا تَرِتْها» ولم يفصل بين الدية وسائر أموالها، ولم يُفضّل أيضًا بين ما إذا كان القتل عمدًا أو خطأ، ولو كان الحكم يختلف لاستفسر.
والظاهر: أنه كان خطأ، فإن الظاهر أنه قصد تأديبها لا قتلها، فعلم أن قتل الخطأ يوجب حرمان الميراث من الدية ومن سائر أمواله.
وروى ابن أبي مليح في حديث المدلجي أن السيف أصاب رجليه بغير قصد، فغرمه عمر.
وروي عن علي ﵁ أنه قال لرجل رمى بحجر فأصاب أمة فماتت فقال له: ميراثك منها الحجر.
وروي أن رجلا قتل أخاه خطأ فسئل ابن عباس عن ذلك فلم يجعل له ميرانا، ولأن حرمان الميراث جزاء القتل المحظور شرعًا، والقتل الخطأ محظور؛ لأن ضد المحظور المباح، والمحل غير قابل للمباح، ولهذا تعلق به كفارة، وهي ستارة للذنب، وحرمان الميراث شرع عقوبة، والمخطئ يجوز أن يعاقب بعقوبة مالي أو بدني وحرمان الميراث نظير الكفارة لا نظير القصاص، والمخطئ إذا كان مكلفا يتهم في القصد إلى استعجال الميراث؛ لأن من الجائز أنه قصد إلا أنه أظهر الخطأ من نفسه، والقصد إلى استعجال الميراث صحيح إذا كان مكلفا، بخلاف الصبي والمجنون فإن التهمة منهما منتفية؛ لأنهما لا يعرفان ذلك، ولهذا لا تجب عليهما الكفارة إليه أشار في شرح خواهر زاده.
أما [القاتل بسبب] (١) كواضع الحجر وحافر البئر لا يحرم عن الميراث عندنا؛ لعدم وجوب القصاص والكفارة، [بخلاف الشافعي وقد] (٢) مر في أول الجنايات.
وأما القتل بحق كقتل مورثه قصاصا أو دفعًا عن نفسه، أو [قتل العادل
стр. 7543
مورّثه] (١) الباغي لا يحرم الميراث عندنا، وبه قال مالك.
وقال الشافعي: القتل يمنع الميراث بكل [حال] (٢) وبه قال أحمد في رواية، وقال بعض أصحابه: إن كان القتل بحق ولم تتمكن فيه شبهة الاستعجال للميراث فإنه لا يوجب حرمان الميراث، نحو الحاكم اذا قتل مورثه دفعا عن نفسه، أو شهد الشهود عند الحاكم بقصاص على مورثه أو بزنا فقضى بشهادتهم، فإنه يحرم عن الميراث؛ لأن حرمان الميراث زجرًا عن القصد إلى الاستعجال، ففي كل موضع تمكن قصد تهمة الاستعجال فيه يحرم وإلا لا.
ومن لم يُفضّل يحتج بظاهر قوله ﷺ : «لا ميراث لقاتل» ولم يفصل بين قتل وقتل.
وقلنا: حرمان الميراث حكم من أحكام القتل، فلا يتعلق بقتل حق كسائر أحكام القتل من القصاص والدية والكفارة.
والمراد في قوله ﷺ : «لا ميراث لقاتل» القتل بغير حق؛ لأنه شرع عقوبة على قصد الاستعجال، وذا يكون في القتل بغير حق، ولأن حرمان الميراث يمنع إقامة الحدود الواجبة، واستيفاء الحقوق المشروعة والحرمان شرع زاجرًا عن القتل المحرم، والتوريث به يفضي إليه.
وفي المجتبى: ذكر في الفرائض أن المانع من الإرث أربعة، وهو أكثر منها فإن جهالة تاريخ الموتى مانع كالحرقى ونحوه، وكذا جهالة الوارث، وذلك في خمس مواضع:
أحدها: ما لو وضع ولده ليلاً في فناء مسجد، ثم ندم وجاء ليرفعه فإذا فيه ولدان، ولا يعرف ولده ومات قبل الظهور لا يرثه واحد منهما، ويوضع ماله في بيت المال، ونفقتهما على بيت المال، ولا يرث أحدهما من صاحبه.
وثانيها: أرضعت صبيًا مع ولدها وماتت ولا يعلم ولدها، لا يرثها واحد منهما، ولا كل واحد من صاحبه.
وثالثها: حرة وأمة ولدت كل واحدة في بيت مظلم ولا يعرف ولد الحرة
стр. 7544
من الأمة لا يرث واحد منهما، ويسعى كل واحد منهما في نصف قيمته لمولى الأمة.
ورابعها: استأجر نصراني ومسلم ظئرا لولديهما وكبرا ولا يعرف ولد النصراني، فالولدان لا يرثان من أبويهما.
وخامسها: ابن أمة وابن حرة أرضعتهما ظئر حتى كبرا، ولا يعرف ولد الحرة، وهما حران ويسعى كل واحد منهما في نصف قيمته لمولى الأمة، ولا يرثان من أبويهما، كذا ذكره التمرتاشي.
فصل في الحجب (١)
الحَجب لغةً: المنع، ومنه الحجاب؛ لأنه يمنع الناس عن النظر إلى ما وراءه، وحاجب الأمير؛ لأنه يمنع الناس عن الدخول عليه والتكلم معه.
و شرعًا: حجب شخص مخصوص عن ميراثه، وهو نوعان:
حجب عن كل ميراثه، ويقال له حجب حرمان.
وعن سهم إلى سهم أقل منه، ويقال له حجب نقصان.
وهذا مبني على أصول وهو أن كل من يُدْلِي إلى الميت بشخص لا يرث بوجود ذلك سوى أولاد الأم، فذلك الشخص يُحجب حجب الحرمان كما في العصبات وبعض أهل الفرض، وقد مر في أثناء مسائل العصبات، وبعض مسائل أصحاب الفروض.
ولو كان يرث مع وجوده ولكن مع عدمه يأخذ أكثر فهو حجب نقصان، كالأم تأخذ الثلث عند عدم الولد وولد الابن والاثنين من الإخوة والأخوات، وعند وجود الولد، أو ولد الابن، أو الاثنين من الإخوة والأخوات السدس، كما مر في فصل أصحاب الفروض.
والمحروم لا يحجب عندنا، وهو قول علي وزيد وعامة الصحابة، وعند
стр. 7545
ابن مسعود يَحجُب حجب النقصان كالكافر والقاتل والرقيق، ذكره في الأسرار والمبسوط وشروح الفرائض.
وذكر محمد عن الشعبي في امرأة مسلمة ماتت وتركت زوجها مسلما، وأخوين من أمها مسلمين، وابنا نصرانيا أو يهوديًا أو مشركًا، قال علي وزيد: لزوجها النصف، ولأخويها الثلث، بقي سدس المال فهو للعصبة.
وعند ابن مسعود: للزوج الربع، وليس للأخوين لأم ميراث، وما بقي فهو للعصبة. وهذه الرواية تدل على أن عند ابن مسعود المحروم كما يحجب حجب النقصان يحجب حجب [الحرمان] (١)، فصار عنه في حجب الحرمان بالمحروم رواتان.
وجه قول ابن مسعود أن حجب النقصان ثابت بالنص باسم الولد والأخ وبالكفر والرق والقتل لا يتغير هذا الاسم (٢)، بخلاف حجب الحرمان؛ لأنه باعتبار تقديم الأقرب على الأبعد، وإنما يتحقق ذلك إذا كان الأقرب مُستحقا، وحجب النقصان باعتبار أن السبب مع وجود الولد والإخوة والأخوات لا يوجب له إلا الأقل، وفي هذا المعنى لا فرق بين أن يكون الولد والأخ وارثا أو لا، ولا يقال من لا يرث يجعل كالميت فلا يَحجُب؛ لأن هذا يشكل بما لو ترك أبوين وإخوة، فللأم السدس والباقي للأب، والإخوة حَجَبوا [الأمَّ] (٣) من الثلث إلى السدس ولم يرثوا، فجاز أن يحجب الكافر أو العبد وإن كان لا يرث.
قلنا: الكافر والعبد ليسا بأهل للميراث من المسلم والحرّ، والعلة (٤) تنعدم بفوات الأهلية، وبفوات شرط من شرائط الانعقاد، كما أن بيع المجنون غير منعقد؛ لفوات الأهلية، وبيع الحر غير منعقد؛ لفوات شرط الانعقاد، وإذا انعدمت الأهلية صار وجود من ليس بأهل كعدمه، ولهذا لو ترك أبا وجدا، وأبوه مملوك أو كافر فإن الحر (٥) يرث منه.
قال الطحاوي: أجمع العلماء على ذلك، بخلاف الإخوة مع الأب؛ لأن الأخ أهل للميراث؛ لأنه حي مسلم، وأهلية الإرث تثبت بهما، إلا أنه لم تعمل
стр. 7546
العلة عملها؛ لفوات شرط عملها، لا لعدم انعقادها، كما في البيع بالخيار، فلم يمكن أن يجعل الإخوة موتى، بخلاف ما نحن فيه فإنهم كالموتى في حق الميراث؛ لعدم الأهلية، فكذا في حق الحجب، وكما أن الرق لا يخرج من كونه ولدًا، وكذا بالموت لا يخرج منه، ثم يشترط كونه حيا للحجب، فكذا يشترط كونه أهلا للإرث.
والمراد بالولد المذكور ولد الوارث؛ لأنه عطف على الولد المذكور في أول الآية، وهو قوله ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ [النساء: ١١] فقد ذكر الولد الوارث في أولها، وذكر هذا الولد بعده، فصار [تقديره] (١) فإن لم يكن لهن ولد وارث، إليه أشار شيخ الإسلام وشمس الأئمة.
يؤيده أنه تعالى ذكر الأولاد في أول الآية معرفًا بالإضافة، ثم ذكر الولد منكرًا، والمعرفة إذا أعيدت مكررة كانت الثانية عين الأولى، كما في قول الشاعر (٢):
صَفَحْنَا عَنْ بَنِي ذُهْلٍ (٣) … وَقُلْنَا الْقَوْمُ إِخْوَانُ
عَسَى الْأَيَّامُ أَنْ يَرْجِعُ … نَ قَوْمًا كَالَّذِي كَانُوا
قيل: وفيه نوع تأمل، أما المحجوب يحجب بلا خلاف بين الصحابة؛ لأن عند ابن مسعود المحروم يحجب، فالمحجوب بالطريق الأولى.
فصل في العول (٤)
اعلم أن معرفة العول تحتاج إلى معرفة مخارج الفروض، فالفرض نوعان: الأول: النصف، والربع، والثمن.
стр. 7547
والثاني: الثلثان، والثلث، والسدس على التضعيف والتنصيف، وهو ظاهر.
وبعض الفرضيين جعلوا لكل نوع واحدًا (١)، فقال: نسبة الثمن إلى السدس كنسبة الربع إلى الثلث، وكنسبة النصف إلى الثلثين؛ لأن الثمن ثلاثة أرباع السدس، والربع ثلاثة أرباع الثلث، والنصف ثلاثة أرباع الثلثين، ويتضح هذا في أربعة وعشرين، فإنه مخرج لجميع الفروض حتى قيل: لو تصور اجتماع هذه الفروض في حادثة واحدة لكانت تخرج من أربعة وعشرين، فيخرج كل من النوعين مفردًا ومختلطا، أقل عدد يخرج منه ذلك الكسر صحيحًا، كالاثنين للنصف، والأربعة للربع والنصف، وثلاثة الأرباع والثمانية للنصف والربع والثمن، والسبعة للأثمان، والثلاثة للثلث والثلثين، والستة للنصف والثلث والسدس وخمسة أسداس.
ومخرج مختلطات النوعين ينحصر في ستة واثني عشر وأربعة وعشرين؛ لأن النصف إذا اختلط ببعض الصنف (٢) الثاني أو بجميعه يخرج من ستة، والربع (٣) إذا اختلط ببعضه أو بجميعه يخرج من اثني عشر، والثمن إذا اختلط ببعضه أو بجميعه يخرج من أربعة وعشرين، فمخارج الفروض هذه الثلاثة واثنان وثلاثة وأربعة وثمانية.
ولا يقال: لا يتصور أن يجتمع الثمن مع الثلثين، والثلث والسدس؛ لأن في حال ما يكون للمرأة الثمن يكون صاحب الثلثين بنتين وصاحب السدس أما أو جدة، إلا أنه [انعدم] (٤) صاحب الثلث؛ لأن صاحب الثلث إما الأم أو أولادها، والأم حجبت من الثلث إلى السدس، وأولاد الأم حجبوا من جميع
стр. 7548
الثلث، فانعدم صاحب الثلث؛ لأنا نقول يستقيم على أصل ابن مسعود، فإن الثمن يتصور أن يجتمع مع الثلث والثلثين والسدس على أصله، وهو أن المحروم يحجب حجب النقصان، كما لو ترك أمّا، وأختين لأب وأم، وأختين لأم، وامرأة، وابنا محروما.
فعندنا: أصل المسألة من اثني عشر، وتعول إلى سبعة عشر، والابن المحروم جعل كالمعدوم.
وعنده: من أربعة وعشرين، وتعول إلى إحدى وثلاثين؛ لأن الابن المحروم يحجب المرأة من الربع إلى الثمن، وذلك يكفي للتصور، ثم إن ضاق المخرج عن فرض يزاد ذلك على المخرج وهو العول.
والعَوْلُ لغةً: إما الميل إلى الجور ومنه قول أبي طالب:
بميزانِ صِدْقٍ لا يعولُ شَعِيرَةً … وَوَزَانِ صِدْقٍ وَزْنُهُ غير عائِلِ
أي: لا يميل مقدار شعيرة، ويقال: عالني يعولني أي: غلبني، ويقال: عال الميزان إذا ارتفع.
والعول أيضًا عول الفريضة، وأن يريد (١) بها ما يدخل النقصان على أهل الفرائض.
قال أبو عبيدة: أظنه مأخوذ من الميل؛ لأن الفريضة إذا عالت تميل على أهل الفرائض جميعًا فتنقصهم، كذا في الصحاح.
ثم العول ثابت عند عامة الصحابة ومن تبعهم، وهو مذهب عمر، وعلي، وابن مسعود، وزيد، والعباس، وفقهاء الأمصار.
وروي عن ابن عباس أنه قال في زوج وأخت لأم وأب وأم: من شاء باهلته أن المسائل لا تعول.
وسميت هذه المسألة مسألة الباهلة بذلك، وبقوله قال محمد بن الحنفية، ومحمد بن علي بن الحسين زين العابدين، وعطاء، وداود.
وروى الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة قال: لقيت زفر بن أوس النضري يمضي إلى ابن عباس يتحدث عنده، فقال ابن عباس: إن الذي أحصى
стр. 7549
رمل (١) عالج عددًا أعدل من أن يجعل في مال نصفًا ونصفا وثلثًا، هذان النصفان ذهبا بالمال، فأين موضع الثلث؟ وايم الله لو قدموا من قدَّمَ اللهُ وأخروا من أخر الله ما عالت فريضة أبدًا.
قال زفر: فمن الذي قدمه الله ومن الذي أخره الله؟
فقال: الذي أهبط من فرض إلى فرض فذلك الذي قدمه الله ومن الذي أخره أهبط من فرض إلى ما بقي، فذلك الذي أخره الله تعالى.
قال زفر: فمن أول من أعال الفرائض؟ قال: عمر، فقلت: ألا أشرت إليه؟ فقال: هبته، وكان امرءًا مهيبًا.
يريد بقوله: من أهبط من فرض إلى فرض فذلك الذي قدمه الله تعالى أن الزوجين والأم لكل واحد منهما فرض لم يحجب إلى فرض آخر لا ينقص منه، وأما من أهبط من فرض إلى ما بقي يريد البنات والأخوات، فيفرض بهن، فإذا كان معهن إخوتهن ورثوا بالتعصيب، فكان لهم ما بقي قل أو كثر، وكان هذا مذهبه، [ومذهبه] (٢) أن الفروض إذا ازدحمت رد (٣) النقص على البنات والأخوات؛ لأن أصحاب الفرائض مقدمون على العصبات؛ لقوتهم، ولا يعلم اليوم قائل بمذهبه.
للعامة ما روي عن عمر ﵁ أنه حين وقع العول شاور الصحابة، فأشار العباس بصحة العول، قالوا: أعيلوا الفرائض فتابعوه ولم ينكروا عليه إلا ابنه، ولأن الله تعالى فرض للأخت أو البنت النصف كما فرض للزوج النصف، وفرض للبنتين أو الأختين الثلث كما فرض الثلث للأختين لأم، ولا يجوز إسقاط فرض بعضهم مع نص الله تعالى بالرأي والتحكم، ولم يكن الوفاء بها، فوجب أن يتساووا في النقص على قدر الحقوق كالوصايا والديون.
ويلزم على قول ابن عباس مسألة فيها زوج وأم وأخوان من أم، فإن حجب الأم إلى السدس خالف مذهبه في حجب الأم بأقل من ثلاثة من الإخوة، وإن نقص من الأخوين لأم فقد رد النقص على من لم يهبطه الله تعالى من فرض إلى
стр. 7550
ما بقي، وإن عال رجع إلى قول الجماعة.
وقوله: منعني هيبته غير مستقيم؛ لأن عمر لم يكن يزجر الناس عن الحق، وهو ألين لقبول الحق من الكل في العتبة في الأصول، ولئن ثبت هذا فمن الجائز أن لم يظهر؛ لأنه علم أن عمر أفقه منه فلم يظهر رأيه في مقابلة رأيه.
وما قال (١) ابن حزم في جواب مسألة زوج وأم وأخوان لأم، وتوريث من يرث بحال ويسقط بحال، وهم بنو الأم بعد توريث من نص الله تعالى على ميراثه، ولا يسقط بحال، وكانوا أسوأ حالا، وبعد استيفاء ما نص الله تعالى عليه إن فضل شيء أخذه وإلا لا؛ إذ ليس في وسع المكلف إلا هذا ممنوع وغير مستقيم؛ إذ في هذا اعتبار التفاوت في حالة الاستحقاق، وفي غير حالة الاستحقاق وهم أسوأ حالا، وفي وسع المكلف أن يقسم الحق على قدر حقوقهم كما في الوصايا والديون.
ثم اعلم أن مجموع المخارج سبعة، أربعة منها لا تعول: الاثنان، والثلاثة، والأربعة، والثمانية؛ لأن العول إنما يقع إذا اجتمعت الفرائض وضاق المال عن إيفاء الكل، وفي هذه المخارج إما أن يتم المال أو يبقى شيء من المال؛ لأن ما يخرج من سهمين نصفان، كزوج وأخت لأب وأم أو نصف، وما بقي كزوج وأخ لأب وأم، وما يخرج من ثلاثة ثلث، وما بقي كأم وأخ لأب وأم أو ثلثان، وما بقي كبنتين وأخ لأب وأم أو ثلث وثلثان كابنتين لأم وأختين لأب وأم، وما يخرج من أربعة ربع، وما بقي كزوج وابن أو ربع ونصف، وما بقي كزوج وبنت وأخ لأب وأم أو ربع وثلث، وما بقي كامرأة وأبوين، وما يخرج من ثمانية ثمن، وما بقي كامرأة وابن أو ثمن ونصف، وما بقي كامرأة وبنت وأخ لأب وأم، وثلاثة قد تعول الستة تعول إلى عشرة وترا وشفعا.
فلو اجتمع نصف وثلثان تعول إلى سبعة، كزوج وأختين لأب وأم، أو اجتمع نصفان وسدس كزوج وأخت لأب وأم وأخت لأب، وتعول أيضا إلى ثمانية، كزوج وأختين لأب وأم و [أختين] (٢) لأم، أو كزوج وأخت لأب وأم وأختين لأم، أو كزوج وأخت لأب وأم وأخت لأب وأخت لأم.
стр. 7551
وتعول أيضًا إلى تسعة كزوج وأختين لأب وأم وأختين لأم، أو كزوج وأخت لأب وأم وأختين لأم.
وسميت هذه المسألة مروانية؛ لأنها وقعت في أيام بني أمية، وكان الزوج بعض بني مروان فأراد أن يستبد بنصف المال كملا، فسألوا عنها فقهاء الحجاز فقالوا: ثلث المال. وسميت الغراء أيضًا؛ لاشتهارها بينهم.
أو كزوج وأخت لأب وأم وأختين لأم وأم، أو كزوج أم وثلاث أخوات متفرقات.
وتعول إلى عشرة كزوج وأختين لأب وأم وأختين لأم وأم، وسميت شريحية؛ لأنها وقعت في زمان قضائه، فأعطى للزوج ثلاثة من عشرة، وكان الزوج يطوف البلاد، ويقول ما تقولون في امرأة ماتت وتركت زوجا ولم تترك ولدا ولا ولد ابن فماذا يكون له؟ فقالوا: للزوج النصف، وهو يقول: إن شريحًا لم يجعل لي نصفًا ولا ثلثًا فبلغ ذلك شريحًا، فقال: أسأت القول وكتمت العول.
وفي شرح السرخسي: دعاه وقال للرسول: قل له: قد بقي لك شيء عندنا، فعزره، فقال الرجل: أهذا الذي كان بقي لي عندك؟ فأنشد:
وَحَقِّ اللَّهِ إِنَّ الظلم لُؤْمٌ … وما زال المسيء هو الظَّلوم
إلى دَيَّان يوم الدِّينِ نَمْضِي … وعند الله تَجْتَمِعُ الخُصومُ
فقال: ما أخوفني من هذا القضاء لولا أنه سبقني له إمام عادل ورع، وهو عمر ﵁.
وجواب لولا محذوف يعني لولا سبقني بهذا القضاء عمر ما قضيت به.
وسميت أم الفروخ أيضًا؛ لكثرة العول فيها.
وتعول إلى عشرة أيضًا في زوج وأم وثلاث أخوات متفرقات.
وأما اثني عشر فتعول إلى سبعة عشر وترا، وتعول إلى ثلاثة عشر كامرأة وأختين لأب وأم وأخت لأم، وتعول إلى خمسة عشر كامرأة وأختين لأب وأم وأختين لأم، وتعول إلى سبعة عشر كامرأة وأختين لأم وأم أو كنسوة ثلاث وجدتان وأربع أخوات لأم وثمان أخوات لأبوين، وتعول إلى سبعة عشر، وتسمى أم الأرامل؛ لأن في المسألة كلها إناث.
وأما أربعة وعشرون فتعول إلى سبعة وعشرين عولاً واحداً كامرأة وبنتان
стр. 7552
وأبوان، وسميت منبرية؛ لأنها وقعت في زمن عليٍّ ﵁ فصعد على منبر الكوفة ليخطب فقام رجل وسأل هذه المسألة فدرج الجواب في الخطبة على البديهة، فقال السائل أليس للزوجة الثمن؟ فقال: صار ثمنها تسعًا، ومضى على خطبته فعجبت الصحابة من دقة فهمه وسرعة جوابه، وكان عليٌّ فارها في علم الحساب، حتى روي أن نصرانيا جاء إليه فقال: في كتابكم ثلاثمائة سنين وازدادوا تسعًا، وفي كتابنا ثلاثمائة سنين فلا يستقيم فيخالف كتابنا كتباكم، فقال عليٌّ هذا مستقيم؛ لأن ثلاثمائة سنين في كتابكم على حساب اليونانيين، وفي كتابنا على حساب العرب، وثلاثمائة سنين في حساب اليونانيين على حساب العرب ثلاثمائة سنين وتسع، فتعجب النصراني من جوابه على البديهة فآمن.
ولهذا قيل: إن عليًّا كان معجزة من معجزات نبينا ﷺ ؛ لأنه مع تبحره في العلم وشجاعته في الحرب كان منقادًا مقرا بنبوته ﷺ ، كذا في شرح خواهر زاده.
ولا تعول إلى أكثر من هذا إلا على قول ابن مسعود؛ لأن عنده يحجب الزوجان، والأم بالولد المحروم، فعلى قوله إذا كانت أم امرأة وبنت وست أخوات [متفرقات] (١) وولد محروم، فللأخوات الثلث والثلثان أربعة وعشرون، وللأم السدس أربعة وللمرأة الثمن ثلاثة، فصارت سبعة فتعول إلى أحد وثلاثين.
فصل في الرد (٢)
هو ضد العول؛ إذ في العول تفضيل السهام على المخرج، وفيه تفضيل المخرج أي: الفرائض على السهام، ولأن حق أصحاب الفرائض ينتقص بالعول، ويزداد بالرد، والرد في الاصطلاح رد ما بقي من أصحاب الفروض
стр. 7553
عليهم بقدر حقوقهم عند عدم العصبة إلا على الزوجين، وبه قال عامة الصحابة والتابعين، وهو قول أصحابنا، وأحمد.
وعن ابن عباس في رواية: يرد على ذوي الفروض إلا على ثلاثة نفر: الزوجين، والجدة.
وعند ابن مسعود: يرد عليهم إلا على ستة نفر: الزوجين، وبنت الابن، مع وجود البنت الصُّلبيّة، والأخت لأب مع وجود الأخت لأب وأم وأولاد الأم مع الأم، والجدة مع ذي سهم، وبه قال [أحمد] (١) في رواية، وأصح مذهبه قول عامة [أهل] (٢) الرد.
وقال زيد بن ثابت: لا يرد ما بقي من ذوي الفروض عليهم بل لبيت المال، وهو قول الشافعي، ومالك، والأوزاعي؛ لأنه تعالى قال في الأخت: ﴿فلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ﴾ [النساء: ١٧٦]، ومن رد عليها جعل لها الكل، وهو خلاف النص، ولأنها ذات فرض مسمى فلا يرد عليها كالزوج، ولأن الباقي ما لم يكن له مستحق بالنص؛ فيوضع في بيت المال؛ كما لو لم يترك أحدًا.
ولأن الرد إما أن يكون باعتبار الفرضية، أو العصوبة، أو الرحم على مذهبكم، ولا يجوز باعتبار الرحم؛ لأن الرحم مقدم على ذوي الأرحام عندكم، ولا باعتبار العصوبة؛ لأن باعتبارها يقدم الأقرب فالأقرب، ولا باعتبار الفرضية؛ لأنه وصل إلى كل ذي فرض فرضه؛ فبطل القول به؛ فيوضع في بيت المال.
ولنا قوله تعالى: ﴿وَأُولُوا الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللهِ﴾ [الأنفال: ٧٥]، وهؤلاء من ذوي الأرحام، وقد ترجحوا بالقرب إلى الميت؛ فيكونون أولى من بيت المال.
وقال ﷺ : «مَنْ تَرَكَ مَالًا فَلِوَرَثَتِهِ وَمَنْ تَرَكَ كَلَّا فَإِلينا» متفق عليه، وهذا (٣) في جميع المال.
وعنه ﵊ أنه قال: «تُحرِزُ المرأة ثلاثة مواريث لقيطها وعتيقها والولد الذي لاعَنَتْ عليه» أخرجه ابن ماجه، فجعل لها ميراث ولدها
стр. 7554
المنفي باللعان، وخرج من ذلك ميراث غيرها من ذوي الفروض بالإجماع، بقي الباقي على مقتضى العموم.
وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أنه ﷺ ورث الملاعنة من ابنها أي: ورثها جميع المال، ولأنها من وارثه بالرحم فكانت أحق بماله من بيت المال للعصابة (١).
وأما قوله تعالى: ﴿فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ﴾ [النساء: ١٧٦] فلا ينفي أن يكون لها زيادة عليه بسبب؛ لقوله تعالى: ﴿وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ﴾ [النساء: ١١]، لا ينبغي أن يكون للأب السدس وما فضل عن البنت بجهة التعصيب؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ﴾ [النساء: ١٢] لم ينف أن يكون للزوج ما فضل إذا كان ابن عم أو مولى، وكذلك الأخ من الأم إذا كان ابن عم، والبنت وغيرها من ذوي الفروض إذا كانت معتقة، كذا هذا تستحق النصف بالفرض، والباقي بالرد.
وأما الزوجان فليسا من ذوي الأرحام، وأما كون الرد مقدمًا على ذوي الأرحام؛ لما أن أصحاب الفروض ساووا ذوي الأرحام وترجحوا بالقرب، وتبين من ذلك أن الرد إنما يكون باعتبار الرحم لا بالعصوبة ولا بالفرضية، والزيادة على النص بالنص، وذلك جائز كما أن نقصان الحد الشرعي في العول جائز بالإجماع، وفي الجدة قال ابن عباس: لا يرد عليها؛ لأنها تُدْلِي (٢) بالأنثى، والإدلاء بالأنثى ليس بسبب لاستحقاق العصوبة بحال، فكذا بالرد.
ولأن استحقاق الجدة ضعيف فلا تثبت المزاحمة بينها وبين ما كان سببه قويا في المستحق بالرد، فالتعليل الأول خاص في الجدة الأمية، والثاني عام في الأبوية والأمية.
وقال ابن مسعود: لا يرد في بنت الابن أيضًا؛ لأن البنت وبنت الابن في الرد بمنزلة الابن وابن الابن؛ فيكون الأقرب مقدمًا، وكذا نقول في الأخت لأب أن ابن الأخت لأب وأم والأخت لأب في الرد بمنزلة الأخ لأب وأم
стр. 7555
والأخ لأب، فيكون ذو القرابتين مقدّمًا، وفي أولاد الأم لا يرد عليهم مع الأم كما لا تكون العصوبة لأولاد الأب مع الأب.
ولكن الصحيح قول العامة؛ لما ذكرنا أن ذا الرحم أولى من بيت المال، ثم إن كان في المسألة من يرد عليه لا غير ففي جنس واحد كبنتين أو أختين أو جدتين، فالمسألة من رؤوسهم أي: من اثنين، وفي الجنس فصاعدًا فمن سهامهم أي: في اثنين في سدسين كجدة وأختين لأم وهلم جرا، فإن كان مع الأول من لا يرد عليه أعطي فرض من لا يرد عليه من مخرجه، فإن استقام الباقي على رؤوس من يرد عليه كزوج وثلاث بنات وإلا فاضرب وفق رؤوسهم في مخرج فرض من لا يرد عليه إن وافق رؤوسهم الباقي، كزوج وست بنات، وإلا فاضرب كل رؤوسهم، والمبلغ هو التصحيح، كزوج وخمس بنات، وإن كان مع الثاني لا يرد عليه فاقسم ما بقي من مخرج فرض من لا يرد عليه، والمبلغ مخرج فرض الفريقين، كزوجة وبنتين، وجدة، ثم اضرب سهام من لا يرد عليه في مسألة من يرد عليه، وسهام من يرد فيما بقي من مخرج فرض من لا يرد عليه، ثم إن انكسر على البعض صحح المسألة كما عرف.
فصل في التصحيح
وهو تفعيل من الصحة التي هي ضد السقم، والمراد منه هاهنا إزالة الكسر الذي يقع بين رؤوس كل فريق من الورثة وبين سهامهم من أصل المسألة، ولا بد لمعرفة التصحيح من سبعة أصول: ثلاثة بين [السهام] (١) والرؤوس، وهي: الاستقامة، والموافقة، والمباينة، وأربعة بين الرؤوس، وهي: التماثل، والتداخل، والتوافق، والتباين.
أما الاستقامة: وهي أن تكون سهام كل فريق منقسمة عليهم بلا كسر.
والموافقة: أن يكون الكسر على طائفة واحدة، ولكن بين سهامهم ورؤوسهم [موافقة] (٢) فيضرب وفق عدد رؤوس من انكسر عليهم في أصل المسألة وعولها إن كانت عائلة.
صورة العادلة: أبوان وعشر بنات، فالمسألة من ستة، للأبوين السدسان،
стр. 7556
وذلك سهمان يستقيم عليهما، وللبنات الثلثان، وذلك أربعة لا تستقيم على عشر، ولكن بين العددين موافقة بالنصف؛ لأن العدد العاد لهما اثنان، وهو مخرج النصف، فيضرب نصف عدد رؤوسهم في أصل المسألة، وذلك ستة تبلغ ثلاثين، فمنه تصح المسألة.
وصورة العائلة: زوج وأبوان وست بنات، فالمسألة من اثني عشر، وتعول إلى خمسة عشر، للزوج الربع ثلاثة يستقيم عليه، وللأبوين السدسان أربعة يستقيم عليهما، وللبنات الثلثان ثمانية لا يستقيم عليهن، ولكن [بين] (١) العددين موافقة بالنصف؛ فيضرب نصف عدد رؤوسهن في أصل المسألة وعولها، وذلك خمسة عشر تبلغ خمسة وأربعين، فمنه تصح المسألة.
والثالث أن لا يكون بين سهامهم ورؤوسهم موافقة، فيضرب كل عدد رؤوس من انكسر عليهم في أصل المسألة، كزوج وخمس أخوات لأب.
أصل المسألة من ستة، وتعول إلى سبعة، للزوج النصف ثلاثة تستقيم عليه، وللأخوات الثلثان أربعة لا يستقيم عليهن، ولا موافقة بين العددين؛ فيضرب عدد رؤوسهن في أصل المسألة وعولها، وذلك سبعة تبلغ خمسة وثلاثين، فمنها تصح المسألة.
وأما الأربعة فتفسير التماثل أن يكون أحد العددين مساويا للآخر؛ لأنه تفاعل من المثل والمثلية.
والتداخل بين العددين أن يعد أقلهما الأكثر أي: يفنيه، أو يكون الأكثر منقسما على الأقل قسمة صحيحة أو يزيد على الأقل مثله أو أمثاله؛ فيساوي الأكبر، كالأربعة مع اثني عشر، فإنه إذا زيد على أربعة مثلاها يساوي الاثني عشر، وهذا من قبيل تغاير اللفظ والمعنى واحد، يعرف بالتأمل.
وتوافق العددين أن لا يعد أقلهما الأكثر بل بعدهما عدد ثالث، كالثمانية مع العشرين بعدهما أربعة، فهما متوافقان بالربع؛ لأن الأربعة مخرج الربع وعلى هذا القياس.
وتباين العددين ألا يعدهما عدد ثالث كالتسعين مع العشرة لا بعدهما إلا
стр. 7557
الواحد، وأنه ليس بعدد، وإذا عرفت ذلك فإن وقع الكسر على [طائفتين] (١) أو أكثر، ولكن بين عدد رؤوسهم مماثلة، كسِتٌ بنات وثلاث جدات وثلاثة أعمام، فالمسألة من ستة: للبنات الثلثان، وللجدات السدس، وللأعمام الباقي، فالثلثان وهو الأربعة لا يستقيم على ست بنات، ولكن بين سهامهن ورؤوسهن موافقة بالنصف، فأخذنا نصف عدد رؤوسهن، وذلك ثلاثة، وللجدات السدس واحد لا يستقيم عليهن ولا موافقة، فأخذنا جميع عدد رؤوسهن، وكذا للأعمام سهم ولا يستقيم عليهم، فأخذنا جميع عددهم حصل معنا ثلاثة وثلاثة وثلاثة يضرب أحدهما في أصل المسألة، وذلك ستة تبلغ ثمانية عشر، فمنها تصح المسألة.
ولو ترك أربع زوجات، وثلاث جدات، واثني عشر عما فالمسألة من اثني عشر، للزوجات الربع ثلاثة لا يستقيم عليهن ولا موافقة بين العددين، فأخذنا عدد رؤوسهن، وللجدات السدس اثنين لا يستقيم عليهن ولا موافقة بين السهام والرؤوس، فأخذنا جميع عدد رؤوسهن، وللأعمام الباقي وذلك سبعة لا يستقيم عليهم ولا موافقة بين السهام والرؤوس، أخذنا جميع عدد رؤوسهم، يحصل معنا ثلاثة وأربعة واثني عشر يضرب أكثر الأعداد وهو اثني عشر في أصل المسألة، وذلك اثني عشر أيضًا يبلغ مائة وأربعة وأربعين، فمنها تصح المسألة.
ولو ترك أربع زوجات، وثماني عشرة بنتا، وخمسة عشر جدة، وستة أعمام، فالمسألة من أربعة وعشرين للزوجات الثمن ثلاثة لا يستقيم عليهن ولا موافقة بين السهام والرؤوس، أخذنا عدد رؤوسهن أربعة، وللبنات الثلثان ستة عشر وبين السهام والرؤوس موافقة بالنصف، أخذنا نصف عدد رؤوسهن تسعة، وللجدات السدس أربعة لا يستقيم عليهن ولا موافقة بين السهام والرؤوس، أخذنا جميع عدد رؤوسهن خمسة عشر، وللأعمام الباقي سهم ولا موافقة بين السهام والرؤوس، أخذنا جميع عدد رؤوسهم ستة، حصل لنا أربعة وستة وتسعة وخمسة عشر، طلبنا الوفق بينه وبين التسعة، فوجدنا بينهما موافقة بالثلث، فيضرب ثلث أحدهما في جميع الآخر، يبلغ ستة وثلاثين، ثم طلبنا الوفق بينه وبين خمسة عشر، فوجدنا بينهما أيضًا موافقة بالثلث، فيضرب ثلث أحدهما في
стр. 7558
جميع الآخر، يبلغ ثمانية وثمانين، فيضربها في أصل المسألة أربعة وعشرين، يبلغ أربعة آلاف وثلاثمائة وعشرين، فمنها تصح المسألة.
ولو ترك امرأتين، وعشر بنات، وست جدات، وسبعة أعمام، فالمسألة من أربعة وعشرين، للمرأتين الثمن لا يستقيم عليهما ولا موافقة بين السهام والرؤوس، أخذنا عدد رؤوسهما، وللبنات الثلثين ستة عشر لا يستقيم عليهن ولكن بين السهام والرؤوس موافقة بالنصف، أخذنا نصف عدد رؤوسهن خمسة، وللجدات السدس أربعة لا يستقيم عليهن وبينهما موافقة بالنصف، أخذنا نصف عدد رؤوسهن ثلاثة، وللأعمام الباقي سهم لا ينقسم عليهم ولا موافقة بينهما، أخذنا جميع عدد رؤوسهم سبعة، فحصل معنا اثنان وثلاثة وخمسة وسبعة، وبين هذه الأعداد مباينة نصف الاثنين في الثلاثة، ثم المبلغ في الخمسة، ثم المبلغ في السبعة، ويضرب المبلغ وهو مائتان وعشرة في أصل المسألة أربعة وعشرين، تبلغ خمسة آلاف وأربعين، فمنها تصح المسألة.
ولو أردت معرفة نصيب كل فريق والواحد منهم فاضرب ما كان لكل فريق من أصل المسألة، يعني في الذي سميته المضروب، وهو إما عدد رؤوس من انكسر عليهم السهام، أو المجتمع من ضرب بعض الأعداد في البعض إذا كان الكسر على طائفتين أو أكثر، كان للمرأتين من أصل المسألة ثلاثة أسهم، اضربها في المضروب وذلك مائتان وعشرة، تبلغ ستمائة وثلاثين، فهي لهما، وللبنات ستة عشر، اضربها في المضروب مائتين وعشرة، تبلغ ثلاثة آلاف وثلاثمائة وستين، فهي للبنات، والجدات أربعة اضربها في المضروب سبع وثمانية وأربعين، فهي للجدات، وللأعمام سهما، اضربه في المضروب، يكون مائتين وعشرة فهو لهم.
ولو أردت أن تضرب نصيب كل واحد من آحاد الفريق فاقسم ما كان لكل فريق من أصل المسألة على عدد رؤوسهم، ثم اضرب الخارج في المضروب، فالحاصل نصيب كل واحد، فللمرأتين ثلاثة اقسمها عليهما، فالخارج سهم ونصف، فاضربه في المضروب وهو مائتان وعشرة، يحصل ثلاثمائة وخمسة عشر، فهي لكل واحدة منهما، وكذا في البنات، والجدات والأعمام.
فللأعمام سهم، فاقسمه عليهم، فالخارج سبع سهم، فاضربه في
стр. 7559
المضروب، يحصل ثلاثون، فهو لكل عم.
وجه آخر: أن تقسم المضروب على أي فريق شئت، ثم اضرب الخارج في نصيب الفريق الذي قسمت عليهم المضروب، فالحاصل نصيب كل واحد من آحاد ذلك الفريق، كما في هذه المسألة.
وجه آخر: وهو طريق النسبة وهو الأوضح، وهو أن ينسب سهام كل فريق من أصل المسألة إلى عدد رؤوسهم مفردًا، ثم يعطي بمثل هذه النسبة من المضروب لكل واحد من آحاد الفريقين، كما في هذه المسألة، فانسب سهام المرأتين ثلاثة إليهما، فكانت النسبة مثلًا ونصفًا، فأعط لكل واحدة منهما مثل المضروب ومثل نصفه، وذلك ثلاثمائة وخمسة عشر، وكذا في البنات، والجدات والأعمام، وإنما هو واضح؛ لأنه لا يحتاج إلى الضرب والقسمة، بخلاف الوجهين الأولين.
قال صاحب الصحائف في فرائضه: إن العلماء طوَّلوا في علم الفرائض بمحاسبات كثيرة وأعمال عسيرة تحتاج إلى الهندسة والحساب، ويلزمهم تكرير الأعمال تارة للسهام، وأخرى للمال، وإذا كثر غوامض الحساب كثر عوارض السهو والنسيان، ولا حاجة إلى تلك التكاليف والتضاعيف؛ إذ يكفي فيه طريق واضح سهل، يفهمه كل عاقل، وما بعث إلينا خاتم النبوة إلا بالحنيفية السمحة السهلة، فنذكره تذكرة للأحباب، متوكلا على العزيز الوهاب، وهو مشتمل على مقدمة وأبواب.
أما المقدمة ففي الحساب، وفيها فصول:
الأول: اعلم أن مراتب الأعداد غير متناهية، لكنها تدور على ثلاثة أصول، كل منها تسعة عقود، الآحاد من الواحد إلى التسعة، والعشرات وهي من العشرة إلى تسعين، بزيادة عشرة عشرة، والمئات وهي من المائة إلى تسعمائة، بزيادة مائة مائة، وما تتلو هذه الثلاثة يكون واحدها مضافًا إلى ألف.
يقال: آحاد ألوف، عشرات ألوف، مئات ألوف، ألوف ألوف، عشرات ألوف [الألوف] (١)، مئات ألوف ألوف، وعلى هذا إلى غير النهاية.
стр. 7560
وجعلوا آلاف مقام آحاد الألوف تحقيقًا، وكذا كل ما يقع في الأدوار بحذائها.
الثاني: كل عقد فرض في مرتبة يكون مثله في المرتبة الثانية عشر أمثاله، وفي المرتبة الثالثة مائة أمثاله، وفي المرتبة الرابعة ألف أمثاله، وعلى هذا؛ فيكون نصف مثله فالمرتبة الثانية كخمسة أمثاله، ومثله عشرين مثلا له، ونصف مثله في المرتبة الثالثة خمسين مثلا، وضعفه مائتي مثل، وعلى هذا القياس في المرتبة الباقية؛ فستون (١) عشرة أمثال ستة وثلاثون خمسة أمثالها، ومائة وعشرون عشرون مثلا.
الثالث: في القسمة هي طلب نصيب الواحد من المقسوم عليه من المقسوم، ونصيب الواحد بقدر ما في المقسوم مقدار ما في المقسوم من أمثال المقسوم عليه، إن كان معلومًا وهو المطلوب كقسمة المائة على عشرين، فإن أمثال عشرين في المائة وهو خمسة معلوم، وهو المطلوب وإن لم يكن معلومًا نأخذ من المقسوم ما يكون مقدار أمثال المقسوم عليه فيه معلوما، ونأخذ الأمثال منه ونحفظها ونعمل بالباقي كذلك إلى أن لا يبقى شيء من المقسوم، ويبقى أقل من المثل، وحينئذ تنسبه إلى المقسوم عليه، ويجمع الحاصل كقسمة المائة إلى الثمانية، فعدد الأمثال في ثمانين معلوم وهو عشرة، بقي عشرون، نأخذ الأمثال خرج اثنان من ستة عشر، وبقي أربعة تنسبها إلى الثمانية، يكون نصفا، فحصل اثني عشر ونصف، وهو المطلوب.
ولو قسم نصف المقسوم على نصف المقسوم عليه أو ثلثه على ثلثه أو ربعه على ربعه، وعلى هذا أي كسر كان يحصل المطلوب، ففي قسمة المائة على الثمانية [يكفي] (٢) قسمة خمسين على الأربعة، أو قسمة خمسة وعشرين على اثنين، وهذا [تخفيف] (٣) لطيف، ولو قسم نصف المقسوم على المقسوم عليه وضعت الحاصل، أو قسم المقسوم على نصف المقسوم عليه ونصف الحاصل حصل المطلوب، وكذا بالنسبة إلى كسور أخرى، وبعد ذلك شرع في الأبواب.
стр. 7561
قال شيخي العلامة الصحائفي: لم يعرف مقصود العلماء من تلك المحاسبات والأعمال، [فنشرع] (١) في طعنهم من غير روية، أو لا يتم مقصودهم إلا بتلك المحاسبات، وذلك أن غرضهم بيان نصيب كل واحد من الورثة على سبيل التحقيق والتوضيح شائعًا من غير نظر منهم إلى القسمة، وأفراد الأنصباء إذا ترك بنتا وابنا فقيل: للابن سهمان من ثلاثة، وللبنت سهم، فهذا ليس بقسمة بل بيان نصيب كل واحد منهما من التركة على الشيوع.
ثم القسمة أمر آخر بعد ذلك، ولها أحكام على حدة، ولا يتم مقصودهم في هذا البيان إلا بالطريق الذي اختاروه، فهذه الضرورة دعتهم إلى ذلك، ويبين هذا في صورة، وهي ما إذا ترك خمس بنات وجدتين وثلاثة أعمام، فسألوا عن نصيب كل فريق، فلا بد من أن يقال للبنات الثلثان، وللجدتين واحد من ستة، وللأعمام منهم واحد منها أيضًا، فإن سألوا عن نصيب كل منهم من التركة لا يستقيم أن يقال: لكل بنت أربعة أخماس من (٢) ستة، ولكل عم ثلث سهم من ستة، ولكل جدة نصف سهم، منها واحد من اثني عشر وثلث سهم، منها واحد من ثمانية عشر، وأربعة أخماس سهم، منها واحد من سبعة ونصف، أو اثنان من خمسة عشر.
وهذه مخارج مختلفة، فاضطروا إلى التجنيس ليتبين نصيب كل واحد على التحقيق من مخرج واحد بدون التلفظ بكسر، وليظهر التفاوت بين الأنصباء في نسبة واحدة؛ إذ نسبته كل إلى المخرج فرد على السواء فبلغ المخرج بالتجنيس مائة وثمانين ضرورة، فتبين بهذا أن نصيب كل بنت أربعة وعشرون من هذا المخرج، ونصيب كل واحدة من الجدتين خمسة عشر، ونصيب كل عم عشرة، وهذا ليس بقسمة، بل هو بيان الأنصباء على الشيوع، وتعريفها على السائلين.
فأما القسمة فتمييز الأنصباء، وذلك أمر آخر بعد معرفة الأنصباء، ألا ترى أنه لو أمكن لهم بيان الأنصباء من مخرج لم يعتبروا فيه أكثر من ذلك؛ لعدم دعاء الضرورة إليه.
وفي الحقيقة ما قال الصحائفي راجع إلى ما قاله العلماء يعرف بالتأمل،
стр. 7562
ولهذا قال بعض مشايخنا: لا يحتاج في الفتوى إلى ذلك، وإنما احتاج إليه القسام، فإذا أمكنه قسمة نصيب الشائع بأن تكون التركة قابلة للقسمة، قسمه على قدر الأنصباء وإن لم يمكنه بأن تكون التركة غير قابلة للقسمة، فقد بينه في كتاب القسمة، بأن يقسمه بالقيمة عند البعض، أو يتركه شائعًا على قدر الأنصباء، والله أعلم.
فصل في قسمة التركات بين الورثة والغرماء
التركة: اسم من الترك، فَعِلَة بمعنى مفعول، كالطلبة اسم من الطلب، بمعنى المطلوبة.
وفي الصحاح: تركة الميت، يراد به المتروك.
اعلم أن القسمة بين الغرماء على قدر حقوقهم، ثم إن فضل شيء من التركة يقسم بين الورثة، فصحح المسألة أولا كما ذكرنا، ثم إذا أردت أن تعرف نصيب كل فريق من التركة اطلب الوفق بين التصحيح وبين التركة، فإن كان بينهما مباينة فاضرب سهام كل وارث من التصحيح في جميع التركة، ثم اقسم المبلغ على جميع التصحيح، كزوج وأبوين وابن وبنتين، والتركة سبعة عشر دينارًا، فصحح المسألة أولًا من اثني عشر كما ذكرنا، تبلغ ثمانية وأربعين، للزوج اثني عشر، ولكل واحد من الأبوين ثمانية، وللابن عشرة، ولكل بنت خمسة، ثم اطلب الوفق بين ثمانية وأربعين وبين التركة، وهي سبعة عشر ولا موافقة بينهما، فاضرب سهام الزوج وهي اثني عشر في التركة وهو سبعة عشر، واقسم الحاصل وهو مائتان وأربعة على التصحيح، وذلك ثمانية وأربعون تخرج أربعة دنانير وربع دينار، وهي للزوج من التركة، ثم اضرب سهام الأب من التصحيح، وذلك ثمانية في السبعة عشر، واقسم الحاصل وهو مائة وستة وثلاثون على الثمانية والأربعين، يخرج ديناران وخمسة أسداس دينار، وهي للأب من التركة، وكذلك [للأم، ثم] (١) اضرب سهام ابن، وهي عشرة في سبعة عشر، واقسم الحاصل وهي مائة وسبعون على الثمانية والأربعين، يخرج ثلاثة دنانير ونصف دينار وطسوج، وهي للابن من التركة، ثم اضرب سهام كل بنت في
стр. 7563
سبعة عشر، واقسم الحاصل وهو خمسة وثمانون على الثمانية والأربعين، يخرج دينار وثلاثة أرباع دينار وحبة، وهي لكل بنت.
أما إذا كان [بين] (١) التصحيح من التركة موافقة، فاضرب سهام كل وارث من التصحيح في وفق التركة، ثم اقسم المبلغ على وفق التصحيح، فالخارج نصيب ذلك، هذا لمعرفة نصيب كل فرد.
أما لمعرفة نصيب كل فريق فاضرب ما كان لكل فريق من أصل المسألة على وفق التركة إن كانت موافقة بين التركة، والمسألة كما ذكرنا، ثم اضرب المبلغ على وفق المسألة، وإن كان بينهما مباينة فاضرب سهام كل فريق في كل التركة، ثم اقسم الحاصل على جميع المسألة، فالخارج نصيب ذلك الفريق.
أما في قضاء الديون إذا كانت التركة لم تف بالديون، والغريم أكثر من واحد اطلب الوفق بين مجموع الديون وبين التركة، فإن كانت بينهما مباينة فاضرب دين كل فريق في مجموع التركة، ثم اقسم الحاصل على مجموع الديون، كما لو كانت التركة سبعة عشر والديون ثمانية وأربعون دينارًا، لزيد اثني عشر، ولعمرو ستة عشر دينارًا، ولبكر عشرون دينارًا، وبين سبعة عشر وثمانية وأربعين مباينة، فاضرب دين زيد في جميع التركة، واقسم الحاصل على ثمانية وأربعين، يخرج أربعة دنانير وربع دينار، وعلى هذا إلى آخر ما ذكرنا في تصحيح التركة.
فصل في مقاسمة الجد
قال أبو بكر الصديق ﵁ ومن تابعه من الصحابة والتابعين عبد الله بن عباس، وعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن عمر، وعثمان، وعائشة، وأبي بن كعب، وأبو الدرداء، ومعاذ بن جبل، وأبو موسي الأشعري، وعمران بن الحصين، وجابر بن عبد الله، وأبو الطفيل، وعبادة بن الصامت، وأبو هريرة، وعطاء، وطاوس، وجابر بن زيد، وقتادة، وإسحاق، ونعيم بن حماد، وأبو ثور، وأبو حنيفة، وأحمد، والمزني، وابن سريج، وابن اللبان، وابن المنذر، وداود، وعبد الله بن عيينة، وعمر بن عبد العزيز، والحسن، وابن سيرين
стр. 7564
﵃: الجد يسقط جميع الإخوة والأخوات من جميع الجهات، كما يسقطهم الأب، وبقول أبي حنيفة يفتى.
وقال علي، وزيد بن ثابت، وابن مسعود ﵃: يرثون معه ولا يحجبون به، وبه قال الشافعي، ومالك، والأوزاعي، والنخعي، وأبو يوسف، ومحمد ﵏.
قال شيخ الإسلام في فرائضه: إنما المختار قول أبي بكر؛ لأنه ثبت على هذا، ولم تتعارض عنه الرواية، فأما من غيره فقد تعارضت الروايات.
قال عبيدة السلماني: حفظت عن عمر في الجد سبعين قضية يخالف بعضها بعضًا، وفي رواية عنه أن عمر قضى في الجد بمائتي قضية، وفي رواية أن عمر جمع الصحابة في بيت فقال: لا بد لكم أن تتفقوا في الجد على شيء، فسقطت حية من سقف البيت وحملت عليهم فخرجوا مذعورين وتفرقوا، فقال عمر: فأبى الله ارتفاع هذا الخلاف.
واجتمعت الصحابة على أن عمر مات وليس له في الجد قول، ولاختلاف الصحابة امتنع بعض العلماء عن الفتوى في الجد، وكره الكلام فيه، وأما عامة العلماء فأفتوا فيه، فأفتى فيه محمد بن سلمة بالاصطلاح، وأبو نصير الدبوسي بأن الإخوة أولى، والمرغيناني بأن الجد أولى، وبه قال محمد بن إبراهيم الميداني، والفقيه أبو إسحاق الضرير، واختار شمس الأئمة السرخسي قولهما.
قال التمرتاشي: الأفضل عندي ما اختاره الفضلي، أن يدفع إليه ما اجتمعت عليه الصحابة وهو السدس، ويصطلح منه عن الباقي، واحتج من ورثهم مع الجد بما روي عن علي ﵁ أنه شبه الأخوين بشجرة أنبتت غصنين، والجد مع النافلة شجرة نبت منها غصن، ثم نبت من غصنها غصن، فالفرق (١) [بين] (٢) غصني الشجرة أظهر من الفرق بين أصلي الشجرة والغصن النابت من غصنها؛ لأن بين الغصنين مجاورة بغير واسطة، وبين الغصن الثاني وأصل
стр. 7565
الشجرة مجاورة بواسطة الغصن الأول، فعلى هذا ينبغي أن يُقدَّمَ الأخ على الجد؛ لأن العصوبة تبنى على القرب، إلا أن في جانب الجد معنى آخر وهو الولاد، فتأبد بذلك المعنى اتصاله بالنافلة، وبالولاد يستحق الفريضة وهو السدس من له اسم الأبوة، قال تعالى: ﴿وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ﴾ [النساء: ١١] فلا يستقيم نصيب الجد عن السدس باعتبار الولاد بحال، وتأبد بهذا الولاد وقرابته من الميت؛ فيكون مزاحمًا للإخوة يقاسمهم إذا كانت المقاسمة خيرًا له من السدس.
وعن زيد أنه شبه الأخوين بواد يتشعب منه نهران، والجد مع النافلة بواد يتشعب منه نهر، ثم يتشعب من النهر جدول، فالقرب بين النهرين أظهر منه بين الجدول وأصل الوادي، وهذا التشبيه من حيث المعنى نظير التشبيه من الشجرة، يقول: ابن الأخ والجد إذا استويا في الإدلاء إذ كل واحد يدلي إلى الميت بواسطة الأب، ثم للأخ زيادة ترجيح من وجه وهو الإدلاء بالبنوة، وللجد بالأبوة، والبنوة في العصوبة مقدمة على الأبوة، ولكن للجد ترجيح آخر وهو الولاء، فإنه مقدم في استحقاق الميراث على غير الولاد، ولهذا يقدم البنون على الإخوة في العصوبة، والبنات على الأخوات في الفرض، وبذلك الولاد استحق الجد الفريضة، وصاحب الفرض مقدم على العصبة.
فقلنا: في الفرض المستحق بالولاد يجعل الجد مقدما، وإذا آل الأمر إلى العصوبة يعتبر الولاد، وهو مستوفي في ذلك، ولكل واحد منهما ترجيح، فيقع التعارض ويكون المال بينهما بالمقاسمة، ولهذا لا يثبت المزاحمة لأولاد الأم مع الجد؛ لأن إدلاءهم بالأم، ولا تأثير لقرابة الأم في استحقاق العصوبة بها.
واحتج من ذهب إلى مذهب أبي بكر ﵁ بقوله ﷺ : «أَلْحِقُوا الفَرائِضَ بأهلها» وما بقي فلأولى عصبة ذكر، والجد أولى من الأخ، أولى في العصوبة؛ لما ذكرنا أن قرابته قرابة الولاد والبعضية.
وبما نقل عن ابن عباس ﵄ أنه قال: ألا يتقي الله زيد، يجعل ابن الابن ابنا أي: في سقوط الأخ (١)، ولا يجعل أب الأب أبا، معناه ابن الابن يحجب