الزبير فارس الخلفاء وقال عمرو بن دينار: ما رأيت مصلياً أحسن صلاة من ابن الزبير وكان يصلي في الحجر والمنجنيق يصيب طرف ثوبه فما يلتفت إليه وقال مجاهد ما كان باب من العبادة يعجز الناس عنه إلا تكلفه ابن الزبير ولقد جاء سيل طبق البيت فجعل يطوف سباحة وقال عثمان بن طلحة: كان ابن الزبير لا ينازع في ثلاثة لا شجاعة ولا عبادة ولا بلاغة وكان صيتاً إذا خطب تجاوبه الجبال.
وأخرج ابن عساكر عن عروة أن النابغة الجعدي أنشد عبد الله بن الزبير:
حكيت لنا الصديق لما وليتنا … وعثمان والفاروق فارتاح معدم
وسويت بين الناس في الحق فاستوى … فعاد صباحاً حالك اللون أسحم
وأخرج عن هشام بن عروة وخبيب قال: أول من كسا الكعبة الديباج عبد الله بن الزبير وكان كسوتها المسوح والأنطاع.
وأخرج عن عمر بن قيس قال: كان لابن الزبير مائة غلام يتكلم كل غلام منهم بلغة وكان ابن الزبير يكلم كل أحد منهم بلغته وكنت إذا نظرت إليه في أمر دنياه قلت: هذا رجل لم يرد الله طرفة عين وإذا نظرت إليه في أمر آخرته قلت: هذا رجل لم يرد الدنيا طرفة عين.
وأخرج عن هشام بن عروة قال: كان أول ما أفصح به عمي عبد الله ابن الزبير وهو صغير السيف فكان لا يضعه من فيه فكان أبوه إذا سمع ذلك منه يقول أما والله ليكونن لك منه يوم وأيام.
وأخرج عن أبي عبيدة قال: جاء عبد الله بن الزبير الأسدي إلى عبد الله ابن الزبير بن العوام فقال: يا أمير المؤمنين إن بيني وبينك رحماً من قبل فلانة فقال ابن الزبير: نعم هذا كما ذكرت وإن فكرت في هذا أصبت الناس بأسرهم يرجعون إلى أب واحد وإلى أم واحدة فقال: يا أمير المؤمنين إن نفقتي
стр. 212
نفدت قال: ما كنت ضمنت لأهلك أنها تكفيك إلى أن ترجع إليهم قال يا أمير المؤمنين ناقتي قد نقبت قال أنجد بها تبرد خفها وأرفعها بسبت واخفضها بهلب وسر عليها البردين قال: يا أمير المؤمنين إنما جئتك مستحملا ولم آتك مستوصفاً لعن الله ناقة حملتني إليك فقال ابن الزبير إن وراكبها فخرج الأسدي يقول:
أرى الحاجات عند أبي خبيب … نكدن ولا أمية في البلاد
من الأعياص أو من آل حرب … أغر كغرة الفرس الجواد
وقلت لصحبتي: أدنوا ركابي … أفارق بطن مكة في سواد
وما لي حين أقطع ذات عرق … إلى ابن الكاهلية من معاد
وأخرج عبد الرزاق في مصنفه عن الزهري قال: لم يحمل إلى رسول الله ﷺ رأس إلى المدينة قط ولا يوم بدر وحمل إلى أبي بكر رأس فكره ذلك وأول من حملت إليه الرؤس عبد الله بن الزبير.
وفي أيام ابن الزبير كان خروج المختار الكذاب الذي ادعى النبوة فجهز ابن الزبير لقتاله إلى أن ظفر به في سنة سبع وستين وقتله لعنه الله.
مات في أيام ابن الزبير من الأعلام: أسيد بن حضير وعبد الله بن عمرو ابن العاص والنعمان بن بشير وسليمان بن صرد وجابر بن سمرة وزيد بن أرقم وعدي بن حاتم وابن عباس وأبو واقد الليثي وزيد بن خالد الجهني وأبو الأسود الدؤلي وآخرون.
عبد الملك بن مروان
عبد الملك بن مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس ابن عبد مناف بن قصي بن كلاب، أبو الوليد (١) ولد سنة ست وعشرين بويع بعهد من أبيه في خلافة ابن الزبير فلم تصح خلافته وبقي متغلباً على مصر والشام
стр. 213
ثم غلب على العراق وما والاها إلى أن قتل ابن الزبير سنة ثلاث وسبعين فصحت خلافته من يومئذ واستوثق له الأمر ففي هذا العام هدم الحجاج الكعبة وأعادها على ما هي عليه الآن ودس على ابن عمر من طعنه بحربة مسمومة فمرض منها ومات.
وفي سنة أربع وسبعين سار الحجاج إلى المدينة وأخذ يتعنت على أهلها ويستخف ببقايا من فيها من صحابة رسول الله ﷺ وختم في أعناقهم وأيديهم يذلهم بذلك كأنس وجابر بن عبد الله وسهل بن سعد الساعدي فإنا لله وإنا إليه راجعون.
وفي سنة خمس وسبعين حج بالناس عبد الملك الخليفة وسير الحجاج أميراً على العراق.
وفي سنة سبع وسبعين فتحت هرقلة وهدم عبد العزيز بن مروان جامع مصر وزيد فيه من جهاته الأربع.
وفي سنة اثنتين وثمانين فتح حصن سنان من ناحية المصيصة وكانت غزوة أرمينية وصنهاجة بالمغرب.
وفي سنة ثلاث وثمانين بنيت مدينة واسط بناها الحجاج.
وفي سنة أربع وثمانين فتحت المصيصة وأودية من المغرب.
وفي سنة خمس وثمانين بنيت مدينة أردبيل ومدينة برذعة بناهما عبد العزيز ابن حاتم بن النعمان الباهلي.
وفي سنة ست وثمانين فتح حصن بولق (١) وحصن الأخرم.
وفيها كان طاعون الفتيات وسمي بذلك لأنه بدأ في النساء.
وفيها مات الخليفة عبد الملك في شوال وخلف سبعة عشر ولداً قال أحمد ابن عبد الله العجلي كان عبد الملك أبخر الفم وإنه ولد لستة أشهر وقال ابن سعد:
стр. 214
كان عابداً زاهداً ناسكاً بالمدينة قبل الخلافة وقال يحيى الغساني كان عبد الملك ابن مروان كثيراً ما يجلس إلى أم الدرداء فقالت له مرة: بلغني أمير المؤمنين أنك شربت الطلاء بعد النسك والعبادة قال إي والله والدماء قد شربتها وقال نافع لقد رأيت المدينة وما بها شاب أشد تشميراً ولا أفقه ولا أنسك ولا أقرأ لكتاب الله من عبد الملك بن مروان وقال أبو الزناد: فقهاء المدينة: سعيد ابن المسيب وعبد الملك بن مروان وعروة بن الزبير وقبيصة بن ذؤيب وقال ابن عمر: ولد الناس أبناء وولد مروان أباً وقال عبدة بن نسي قيل لابن عمر: إنكم معشر أشياخ قريش يوشك أن تنقرضوا فمن نسأل بعدكم فقال: إن لمروان ابناً فيها فاسألوه وقال سحيم مولى أبي هريرة ﵁ دخل عبد الملك وهو شاب على أبي هريرة ﵁ فقال أبو هريرة هذا يملك العرب وقال عبيدة بن رياح الغساني قالت أم الدرداء لعبد الملك مازلت أتخيل هذا الأمر فيك منذ رأيتك قال وكيف ذاك قالت ما رأيت أحسن منك محدثاً ولا أعلم (١) منك مسمعاً وقال الشعبي: ما جالست أحداً إلا وجدت لي عليه الفضل إلا عبد الملك بن مروان فإني ما ذكرته حديثاً إلا وزادني فيه ولا شعراً إلا وزادني فيه.
وقال الذهبي: سمع عبد الملك من عثمان وأبي هريرة وأبي سعيد وأم سلمة وبريرة وابن عمر ومعاوية روى عنه عروة وخالد بن معدان ورجاء ابن حيوة والزهري ويونس بن ميسرة وربيعة بن يزيد وإسماعيل بن عبيد الله وحريز بن عثمان وطائفة.
وقال بكر بن عبد الله المزني: أسلم يهودي اسمه يوسف وكان قرأ الكتب فمر بدار مروان فقال: ويل لأمة محمد من أهل هذه الدار فقلت له: إلى متى؟ قال حتى تجيء رايات سود من قبل خراسان.
стр. 215
وكان صديقاً لعبد الملك بن مروان فضرب يوماً على منكبه وقال اتق الله في أمة محمد إذا ملكتهم فقال: دعني ويحك ما شأني وشأن ذلك فقال اتق الله في أمرهم قال: وجهز يزيد جيوش إلى أهل مكة فقال عبد الملك: أعوذ بالله أيبعث إلى حرم الله فضرب يوسف منكبه وقال: جيشك إليهم أعظم.
وقال يحيى الغساني: لما نزل مسلم بن عقبة المدينة زرت مسجد رسول الله ﷺ فجلست إلى جنب عبد الملك فقال لي عبد الملك أمن هذا الجيش أنت قلت نعم قال: ثكلتك أمك أتدري إلى من تسير إلى أول مولود ولد في الإسلام وإلى ابن حواري رسول الله ﷺ وإلى ابن ذات النطاقين وإلى من حنكه رسول الله ﷺ أما والله إن جئته نهاراً وجدته صائماً ولئن جئته ليلا لتجدنه قائماً فلو أن أهل الأرض أطبقوا على قتله لأكبهم الله جميعاً في النار فلما صارت الخلافة إلى عبد الملك وجهنا مع الحجاج حتى قتلناه.
وقال ابن أبي عائشة: أفضى الأمر إلى عبد الملك والمصحف في حجره فأطبقه وقال: هذا آخر العهد بك.
وقال مالك: سمعت يحيى بن سعيد يقول: أول من صلى في المسجد ما بين الظهر والعصر عبد الملك بن مروان وفتيان معه كانوا إذا صلى الإمام الظهر قاموا فصلوا إلى العصر فقيل لسعيد بن المسيب لو قمنا فصلينا كما يصلي هؤلاء فقال سعيد بن المسيب ليست العبادة بكثرة الصلاة والصوم وإنما العابدة التفكر في أمر الله والورع عن محارم الله.
وقال مصعب بن عبد الله: أول من سمى في الإسلام عبد الملك عبد الملك ابن مروان وقال يحيى بن بكير: سمعت مالكاً يقول: أول من ضرب الدنانير عبد الملك وكتب عليها القرآن وقال مصعب: كتب عبد الملك على الدنانير " قل هو الله أحد " وفي الوجه الآخر لا إله إلا الله وطوقه بطوق فضة وكتب فيه ضرب بمدينة كذا وكتب خارج الطوق محمد رسول الله أرسله بالهدى ودين الحق.
стр. 216
وفي الأوائل للعسكري بسنده: كان عبد الملك أول من كتب في صدور الطوامير " قل هو الله أحد " وذكر النبي ﷺ مع التاريخ فكتب ملك الروم: إنكم أحدثتم في طواميركم شيئاً من ذكر نبيكم فاتركوه وإلا أتاكم من دنانيرنا ذكر ما تكرهون فعظم ذلك على عبد الملك فأرسل إلى خالد بن يزيد ابن معاوية فشاوره فقال حرم دنانيرهم واضرب للناس سككاً فيها ذكر الله وذكر رسوله ولا تعفهم مما يكرهون في الطوامير فضرب الدنانير للناس سنة خمس وسبعين قال العسكري وأول خليفة بخل عبد الملك وكان يسمى رشح الحجارة لبخله ويكنى أبا الذبان لبخره قال وهو أول من غدر في الإسلام وأول من نهى عن الكلام بحضرة الخلفاء وأول من نهى عن الأمر بالمعروف ثم أخرج بسنده عن ابن الكلبي قال كان مروان بن الحكم ولي العهد عمرو بن سعيد بن العاص بعد ابنه فقتله عبد الملك وكان قتله أول غدر في الإسلام فقال بعضهم:
يا قوم لا تغلبوا عن رأيكم فلقد … جربتم الغدر من أبناء مروانا
أمسوا وقد قتلوا عمراً وما رشدوا … يدعون غدراً بعهد الله كيسانا
ويقتلون الرجال البزل ضاحية … لكي يولوا أمور الناس ولدانا
تلاعبوا بكتاب الله فاتخذوا … هواهم في معاصي الله قرآنا
وأخرج بإسناد فيه الكديمي وهو متهم بالكذب وعن ابن جريج عن أبيه قال خطبنا عبد الملك بين مروان بالمدينة بعد قتل الزبير عام حج سنة خمس وسبعين فقال بعد حمد الله والثناء عليه أما بعد فلست بالخليفة المستضعف يعني عثمان ولا الخليفة المداهن يعين معاوية ولا الخليفة المأفون يعني يزيد ألا وإن من كان قبلي من الخلفاء كانوا يأكلون ويطعمون من هذه الأموال ألا وإني لا أداوي أدواء هذه الأمة إلا بالسيف حتى تستقيم لي قناتكم تكلفوننا أعمال المهاجرين ولا تعملون مثل أعمالهم فلن تزدادوا إلا عقوبة حتى
стр. 217
يحكم السيف بيننا وبينكم هذا عمرو بن سعيد قرابته قرابته وموضعه موضعه قال برأسه هكذا فقلنا بأسيافنا هكذا ألا وإنا نحمل لكم كل شيء إلا وثوباً على أمير أو نصب راية إلا وإن الجامعة التي جعلتها في عنق عمرو بن سعيد عندي والله لا يفعل أحد فعله إلا جعلتها في عنقه والله لا يأمرني أحد بتقوى الله بعد مقامي هذا إلا ضربت عنقه ثم نزل.
ثم قال العسكري: وعبد الملك أول من نقل الديوان من الفارسية إلى العربية وأول من رفع يديه على المنبر.
قلت: فتمت له عشرة أوائل منها خمسة مذمومة.
وقد أخرج ابن أبي شيبة في المصنف بسنده عن محمد بن سيرين قال: أول من أحدث الأذان في الفطر والأضحى بنو مروان فإما أن يكون عبد الملك أو أحداً من أولاده.
وأخرج عبد الرزاق عن ابن جريج قال: أخبرني غير واحد أن أول من كسا الكعبة بالديباج عبد الملك بن مروان وإن من أدرك ذلك من الفقهاء قالوا أصاب ما نعلم لها من كسوة أوفق منه.
وقال يوسف بن الماجشون: كان عبد الملك إذا قعد للحكم قيم على رأسه بالسيوف.
وقال الأصمعي: قيل لعبد الملك يا أمير المؤمنين عجل عليك الشيب فقال: وكيف لا وأنا أعرض عقلي على الناس في كل جمعة؟ وقال محمد بن حرب الزيادي: قيل لعبد الملك بن مروان من أفضل الناس قال من تواضع عن رفعة وزهد عن قدره وأنصف عن قوة.
وقال ابن عائشة: كان عبد الملك إذا دخل عليه رجل من أفق من الآفاق قال: أعفني من أربع وقل بعدها ما شئت لا تكذبني فإن الكذوب لا رأي له ولا تجبني فيما لا أسألك فإن فيما أسألك عنه شغلا ولا تطرني فإني أعلم بنفسي منك ولا تحملني على الرعية فإني إلى الرفق بهم أحوج.
стр. 218
وقال المدائني: لما أيقن عبد الملك بالموت قال والله لوددت أني كنت منذ ولدت إلى يومي هذا حمالا ثم أوصى بنيه بتقوى الله ونهاهم عن الفرقة والاختلاف وقال كونوا بني أم بررة وكونوا في الحرب أحراراً وللمعروف مناراً فإن الحرب لم تدن منية قبل وقتها وإن المعروف يبقى أدره وذكره وأحلوا في مرارة ولينوا في شدة وكونوا كما قال ابن عبد الأعلى الشيباني:
إن القداح إذا اجتمعن فرامها … بالكسر ذو حنق وبطش باليد
عزت فلم تكسر وإن هي بددت … فالكسر والتوهين للمتبدد
يا وليد اتق الله فيما أخلفك فيه إلى أن قال: وانظر الحجاج فأكرمه فإنه هو الذي وطأ لكم المنابر وهو سيفك يا وليد ويدك على من ناوأك فلا تسمعن فيه قول أحد وأنت إليه أحوج منه إليك وادع الناس إذا مت إلى البيعة فمن قال برأسه هكذا فقل بسيفك هكذا.
وقال غيره: لما احتضر عبد الملك دخل عليه ابنه الوليد فتمثل بهذا:
كم عائد رجلا وليس يعوده … إلا ليعلم هل يراه يموت
فبكى الوليد فقال: ما هذا؟ أنحن حنين الأمة؟ إذا أنا مت فشمر وائتزر (١) والبس جلد النمر وضع سيفك على عاتقك فمن أبدى ذات نفسه لك فاضرب عنقه ومن سكت مات بدائه.
قلت: لو لم يكن من مساوئ عبد الملك إلا الحجاج وتوليته إياه على المسلمين وعلى الصحابة ﵃ يهينهم ويذلهم قتلا وضرباً وشتماً وحبساً وقد قتل من الصحابة وأكابر التابعين ما لا يحصى فضلا عن غيرهم وختم في عنق أنس وغيره من الصحابة ختماً يريد بذلك ذلهم فلا رحمة الله ولا عفا عنه.
ومن شعر عبد الملك:
لعمري لقد عُمِّرْتُ في الدهر برهة … ودانت لي الدنيا بوقع البواتر
فأضحى الذي قد كان مما يسرني … كلمح مضى في المزمنات الغوابر
стр. 219
فيا ليتني لم أعن بالملك ساعة … ولم أله في لذات عيش نواضر
وكنت كذي طمرين عاش ببلغة … من الدهر حتى زار ضنك المقابر
وفي تاريخ ابن عساكر عن إبراهيم بن عدي قال: رأيت عبد الملك بن مروان وقد أتته أمور أربعة في ليلة فما تنكر ولا تغير وجهه قتل عبيد الله بن زياد وقتل حبيش بن دلجة بالحجاز وانتقاض ما كان بينه وبين ملك الروم وخروج عمرو بن سعيد إلى دمشق.
وفيه عن الأصمعي قال: أربعة لم يلحنوا في جد ولا هزل الشعبي وعبد الملك بن مروان والحجاج بن يوسف وابن القرية.
وأسند السلفي في الطيوريات: أن عبد الملك بن مروان خرج يوماً فلقيته امرأة فقالت: يا أمير المؤمنين قال: ما شأنك قالت توفي أخي وترك ستمائة دينار فدفع إلى من ميراثه دينار واحد فقيل هذا حقك فعمي الأمر فيها على عبد الملك فأرسل إلى الشعبي فسأله فقال نعم هذا توفي فترك ابنتين فلهما الثلثان أربعمائة وأما فلها السدس مائة وزوجة فلها الثمن خمس وسبعون واثني عشر أخاً فلهم أربعة وعشرون وبقي لهذه دينار.
وقال ابن أبي شيبة في المصنف: حدثنا أبو سفيان الحميري حدثنا خالد بن محمد القرشي قال: قال عبد الملك بن مروان من أراد أن يتخذ جارية للتلذذ فليتخذها بربرية ومن أراد أن يتخذها للولد فليتخذها فارسية ومن أراد أن يتخذها للخدمة فليتخذها رومية.
وقال أبو عبيدة: لما أنشد الأخطل كلمته لعبد الملك التي يقول فيها:
شمس العداوة حتى يستقاد لهم … وأعظم الناس أحلاماً إذا قدروا
قال: خذ بيده يا غلام فأخرجه ثم ألق عليه من الخلع ما يغمره ثم قال:
стр. 220
إن لكل قوم شاعراً وشاعر بني أمية الأخطل.
وقال الأصمعي: دخل الأخطل على عبد الملك فقال: ويحك صف لي السكر قال أوله لذة وآخره صداع وبين ذلك حالة لا أصف لك مبلغها فقال: ما مبلغها قال لملكك يا أمير المؤمنين عندها أهون على من شسع نعلي وأنشأ يقول
إذا ما نديمي علني ثم علني … ثلاث زجاجات لهن هدير
خرجت أجر الذيل تيهاً كأنني … عليك أمير المؤمنين أمير
قال الثعالبي: كان عبد الملك يقول ولدت في رمضان وفطمت في رمضان وختمت القرآن في رمضان وبلغت الحلم في رمضان ووليت في رمضان وأتتني الخلافة في رمضان وأخشى أن أموت في رمضان فلما دخل شوال وأمن مات.
وممن مات في أيام عبد الملك من الأعلام: ابن عمر وأسماء بنت الصديق وأبو سعيد بن المعلى وأبو سعيد الخدري ورافع بن خديج وسلمة بن الأكوع والعرباض بن سارية وجابر بن عبد الله وعبد الله بن جعفر بن أبي طالب والسائب بن يزيد وأسلم مولى عمر وأبو إدريس الخولاني وشريح القاضي وأبان بن عثمان بن عفان والأعشى الشاعر وأيوب بن القرية الذي يضرب به المثل في الفصاحة وخالد بن يزيد بن معاوية وزر بن حبيش وسنان بن سلمة ابن المحبق وسويد بن غفلة وأبو وائل وطارق بن شهاب ومحمد بن الحنفية وعبد الله بن شداد بن الهاد وأبو عبيدة بن عبد الله بن مسعود وعمرو بن حريث وعمرو بن سلمة الجرمي وآخرون.
стр. 221
الوليد بن عبد الملك
الوليد بن عبد الملك أبو العباس قال الشعبي: كان أبواه يترفانه فشب بلا أدب.
قال روح بن زنباع: دخلت يوماً على عبد الملك وهو مهموم فقال: فكرت فيمن أوليه أمر العرب فلم أجده فقلت أين أنت من الوليد قال: إنه لا يحسن النحو فسمع ذلك الوليد فقام من ساعته وجمع أصحاب النحو وجلس معهم في بيت ستة أشهر ثم خرج وهو أجهل مما كان فقال عبد الملك: أما إنه قد أعذر.
وقال أبو الزناد: كان الوليد لحاناً قال على منبر المسجد النبوي يا أهل المدينة.
وقال أبو عكرمة الضبي: قرأ الوليد على المنبر يا ليتها كانت القاضية وتحت المنبر عمر بن عبد العزيز وسليمان بن عبد الملك فقال سليمان: وددتها والله وكان الوليد جباراً ظالماً.
وأخرج أبو نعيم في الحلية عن ابن شوذب قال قال عمر بن عبد العزيز وكان الوليد بالشام والحجاج بالعراق وعثمان بن حبارة بالحجاز وقرة ابن شريك بمصر امتلأت الأرض والله جوراً.
وأخرج ابن أبي حاتم في تفسيره عن إبراهيم بن أبي زرعة أن الوليد قال له: أيحاسب الخليفة؟ قال: يا أمير المؤمنين أنت أكرم على الله أم داود؟ إن الله جمع له النبوة والخلافة ثم توعده في كتابه فقال " يا داود " الآية لكنه أقام الجهاد في أيامه وفتحت في خلافته فتوحات عظيمة وكان مع ذلك يختن الأيتام ويرتب لهم المؤدبين ويرتب للزمنى من يخدمه وللاضراء من
стр. 222
يقودهم وعمر المسجد النبوي ووسعه ورزق الفقهاء والضعفاء والفقراء وحرم عليهم سؤال الناس وفرض لهم ما يكفيهم وضبط الأمور أتم ضبط.
وقال ابن أبي عبلة رحم الله الوليد وأين مثل الوليد افتتح الهند والأندلس وبني مسجد دمشق وكان يعطيني قطع الفضة (١) أقسمها على قراء مسجد بيت المقدس.
ولي الوليد الخلافة بعهد من أبيه في شوال سنة ست وثمانين ففي سنة سبع وثمانين شرع في بناء جامع دمشق وكتب بتوسيع المسجد النبوي وبنائه وفيها فتحت بيكند وبخارى وسردانية ومطمورة وقميقم وبحيرة الفرسان عنوة وفيها حج بالناس عمر بن عبد العزيز وهو أمير المدينة فوقف يوم النحر غلطاً وتألم لذلك.
وفي سنة ثمان وثمانين فتحت جرثومة وطوانة.
وفي سنة تسع وثمانين فتحت جزيرتا منورقة وميورقة.
وفي سنة إحدى وتسعين فتحت نسف وكش وشومان ومدائن وحصون من بحر أذربيجان.
وفي سنة اثنتين وتسعين فتح إقليم الأندلس بأسره ومدينة أرماييل وقتربون.
وفي سنة ثلاث وتسعين فتحت الديبل وغيرها ثم الكرح وبرهم وباجة والبيضاء وخوارزم وسمرقند والصغد.
وفي سنة أربع وتسعين فتحت كابل وفرغانة والشاش وسندرة وغيرها.
وفي سنة خمس وتسعين فتحت الموقان ومدينة الباب.
وفي سنة ست وتسعين فتحت طوس وغيرها وفيها مات الخليفة الوليد في نصف جمادى الآخرة وله إحدى وخمسون سنة.
стр. 223
قال الذهبي: أقام الجهاد في أيامه (١) وفتحت فيها الفتوحات العظيمة كأيام عمر بن الخطاب.
قال عمر بن عبد العزيز لما وضعت الوليد في لحده إذا هو يركض في أكفانه يعني ضرب الأرض برجله.
ومن كلام الوليد لولا أن الله ذكر آل لوط في القرآن ما ظننت أن أحداً يفعل هذا.
مات في أيام الوليد من الأعلام عتبة بن عبد السلمي والمقدام بن معدي كرب وعبد الله بن بشر المازني وعبد الله بن أبي أوفى وأبو العالية وجابر بن زيد وأنس بن مالك وسهل بن سعد والسائب بن يزيد والسائب بن خلاد وخبيب بن عبد الله بن الزبير وبلال بن أبي الدرداء وسعيد بن المسيب وأبو سلمة بن عبد الرحمن وسعيد بن جبير شهيداً قتله الحجاج لعنه الله وإبراهيم النخعي ومطرف وإبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف والعجاج الشاعر وآخرون.
سليمان بن عبد الملك
سليمان بن عبد الملك أبو أيوب كان من خيار ملوك بني أمية.
ولي الخلافة بعهد من أبيه بعد أخيه في جمادى الآخرة سنة ست وتسعين روى قليلا عن أبيه وعبد الرحمن بن هبيرة روى عنه ابن عبد الواحد والزهري وكان فصيحاً مفوهاً مؤثراً للعدل محباً للغزو ومولده سنة ستين.
ومن محاسنه أن عمر بن عبد العزيز كان له كالوزير فكان يمتثل
стр. 224
أوامره في الخير فعزل عمال الحجاج وأخرج من كان في سجن العراق وأحيا الصلاة لأول مواقيتها وكان بنو أمية أماتوها بالتأخير.
قال ابن سيرين: يرحم الله سليمان افتتح خلافته بإحيائه الصلاة لمواقيتها واختتمها باستخلافه عمر بن عبد العزيز.
وكان سليمان ينهى عن الغناء وكان من الأكلة المذكورين أكل في مجلس سبعين رمانة وخروفاً وست دجاجات ومكوك زبيب طائفي.
قال يحيى الغساني: نظر سليمان في المرآة فأعجبه شبابه وجماله فقال كان محمد ﷺ نبياً وكان أبو بكر صديقاً وكان عمر فاروقاً وكان عثمان حيياً وكان معاوية حليماً وكان يزيد صبوراً وكان عبد الملك سائساً وكان الوليد جباراً وأنا الملك الشاب فما دار عليه الشهر حتى مات.
وكانت وفاته يوم الجمعة عاشر صفر سنة تسع وتسعين وفتح في أيامه حرجان وحصن الحديد وسردانية وشقى (١) وطبرستان ومدينة السقالبة.
مات في أيامه من الأعلام قيس بن أبي حازم ومحمود بن لبيد والحسن بن الحسين ابن علي وكريب مولى ابن عباس وعبد الرحمن بن الأسود النخعي وآخرون.
قال عبد الرحمن بن حسان الكناني: مات سليمان غازياً بدابق فلما مرض قال لرجاء بن حيوة من لهذا الأمر بعدي استخلف ابني قال ابنك غائب قال فابني الآخر قال صغير قال فمن ترى قال أرى أن تستخلف عمر بن عبد العزيز قال أتخوف أخوتي لا يرضون قال تولى عمر ومن بعده يزيد بن عبد الملك وتكتب كتاباً وتختم عليه وتدعوهم إلى بيعته مختوماً قال لقد رأيت فدعا بقرطاس فكتب فيه العهد ودفعه إلى
стр. 225
رجاء وقال أخرج إلى الناس فليبايعوا على ما فيه مختوماً فخرج فقال إن أمير المؤمنين يأمركم أن تبايعوا لمن في هذا الكتاب قالوا ومن فيه قال هو مختوم لا تخبروا بمن فيه حتى يموت قالوا لا نبايع فرجع إليه فأخبره فقال انطلق إلى صاحب الشرط والحرس فأجمع الناس ومرهم بالبيعة فمن أبى فاضرب عنقه فبايعوا.
قال رجاء فبينما أنا راجع إذا هشام فقال لي يا رجاء قد علمت موقعك منا وأن أمير المؤمنين قد صنع شيئاً ما أدري ما هو وإني تخوفت أن يكون قد أزالها عني فإن يكن قد عدلها عني فأعلمني ما دام في الأمر نفس حتى أنظر فقلت سبحان الله يستكتمني أمير المؤمنين أمراً أطلعك عليه؟ لا يكون ذلك أبدا ثم لقيت عمر بن عبد العزيز فقال لي يا رجاء إنه قد وقع في نفسي أمر كبير من هذا الرجل أتخوف أن يكون قد جعلها إلي ولست أقوم بهذا الشأن فأعلمني ما دام في الأمر نفس لعلي أتخلص منه ما دام حياً قلت: سبحان الله يستكتمني أمير المؤمنين أمراً أطلعك عليه ثم مات سليمان وفتح الكتاب فإذا فيه العهد لعمر بن عبد العزيز فتغيرت وجوه بني عبد الملك فلما سمعوا وبعده يزيد بن عبد الملك تراجعوا فأتوا عمر فسلموا عليه بالخلافة فعقر به فلم يستطع النهوض حتى أخذوا بضبعيه فدنوا به إلى المنبر وأصعدوه فجلس طويلا لا يتكلم فقال لهم رجاء ألا تقومون إلى أمير المؤمنين فتبايعوه فبايعوه ومد يده إليهم ثم قام فحمد الله وأثنى عليه ثم قال أيها الناس أني لست بفارض (١) ولكني منفذ ولست بمبتدع ولكني متبع وإن من حولكم من الأمصار والمدن إن هم أطاعوا كما أطعتم فأنا واليكم وإن هم أبوا فلست لكم بوال ثم نزل فأتاه صاحب المراكب فقال ما هذا قال مركب الخليفة قال لا حاجة لي فيه
стр. 226
ائتوني بدابتي فأتوه بدابته وانطلق إلى منزله ثم دعا بدواة وكتب بيده إلى عمال الأمصار.
قال رجاء: كنت أظن أنه سيضعف فلما رأيت صنعه في الكتاب علمت أنه سيقوى.
يروى أن مروان بن عبد الملك وقع بينه وبين سليمان في خلافته كلام فقال له يا سليمان يا ابن اللخناء ففتح مروان فاه ليجيبه فأمسك عمر بن عبد العزيز بفيه وقال أنشدك الله إمامك وأخوك وله السن فسكت وقال قتلتني والله لقد زدت في جوفي أحر من النار فما أمسى حتى مات.
وأخرج ابن أبي الدنيا عن زياد بن عثمان أنه دخل على سليمان بن عبد الملك لما مات ابنه أيوب فقال: يا أمير المؤمنين إن عبد الرحمن بن أبي بكر كان يقول من أحب البقاء فليوطن نفسه على المصائب.
عمر بن عبد العزيز ﵁
عمر بن عبد العزيز بن مروان الخليفة الصالح أبو حفص خامس الخلفاء الراشدين.
قال سفيان الثوري: الخلفاء خمسة: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وعمر بن عبد العزيز أخرجه أبو داود في سننه.
ولد عمر بحلوان قرية بمصر وأبوه أمير عليها سنة إحدى وقيل: ثلاث وستين وأمه أم عاصم بنت عاصم بن عمر بن الخطاب وكان بوجه عمر شجة ضربته دابة في جبهته وهو غلام فجعل أبوه يمسح الدم عنه ويقول إن كنت أشج بني أمية إنك لسعيد (١) أخرجه ابن عساكر.
стр. 227
وكان عمر بن الخطاب يقول: من ولدي رجل بوجهه شجه يملأ الأرض عدلا أخرج الترمذي في تاريخه فصدق ظن أبيه فيه.
وأخرج ابن سعد أن عمر بن الخطاب قال ليت شعري من ذو الشين (١) من ولدي الذي يملؤها عدلا كما ملئت جوراً.
وأخرج عن ابن عمر قال: كنا نتحدث أن الدنيا لا تنقضي حتى يلي رجل من آل عمر يعمل بمثل عمل عمر فكان بلال بن عبد الله بن عمر بوجهه شامة وكانوا يرون أنه هو حتى جاء الله بعمر بن عبد العزيز.
روى عمر بن عبد العزيز عن أبيه وأنس وعبد الله بن جعفر بن أبي طالب وابن قارظ ويوسف بن عبد الله بن سلام وعامر بن سعد وسعيد ابن المسيب وعروة بن الزبير وأبي بكر بن عبد الرحمن والربيع بن سمرة وطائفة.
روى عنه: الزهري ومحمد بن المنكدر ويحيى بن سعيد الأنصاري ومسلمة ابن عبد الملك ورجاء بن حيوة وخلائق كثيرون.
جمع القرآن وهو صغير وبعثه أبوه إلى المدينة يتأدب بها فمكان يختلف إلى عبيد الله بن عبد الله يسمع منه العلم فلما توفي أبوه طلبه عبد الملك إلى دمشق وزوجه ابنته فاطمة.
وكان قبل الخلافة على قدم الصلاح أيضاً إلا أنه كان يبالغ في التنعم فكان الذي يعيبونه من حساده لا يعيبونه إلا بالإفراط في التنعم والاختيال في المشية فلما ولي الوليد الخلافة أمر عمر على المدينة فوليها من سنة ست وثمانين إلى سنة ثلاث وتسعين وعزل فقدم الشام.
ثم إن الوليد عزم على أن يخلع أخاه سليمان من العهد وأن يعهد إلى ولده فأطاعه كثير من الأشراف طوعاً وكرهاً فامتنع عمر بن عبد العزيز وقال
стр. 228
لسليمان: في أعناقنا بيعة وصمم فطين عليه الوليد (١) ثم شفع فيه بعد ثلاث فأدركوه وقد مالت عنقه فعرفها له سليمان فعهد إليه بالخلافة.
قال زيد بن أسلم عن أنس ﵁: ما صليت وراء إمام بعد رسول الله ﷺ أشبه صلاة برسول الله ﷺ من هذا الفتى يعني عمر بن عبد العزيز وهو أمير على المدينة قال زيد بن أسلم فكان يتم الركوع والسجود ويخفف القيام والقعود له طرق عن أنس أخرجه البيهقي في سننه وغيره.
وسئل محمد بن علي بن الحسين عن عمر بن عبد العزيز فقال: هو نجيب بني أمية وإنه يبعث يوم القيامة أمة وحده.
وقال ميمون بن مهران: كانت العلماء مع عمر بن عبد العزيز تلامذة.
وأخرج أبو نعيم بسند صحيح عن رياح بن عبيدة قال: خرج عمر ابن عبد العزيز إلى الصلاة وشيخ متوكئ على يده فقلت في نفسي: إن هذا الشيخ جاف فلما صلى ودخل لحقته فقلت أصلح الله الأمير من الشيخ الذي كان يتكئ على يدك قال يا رياح رأيته قلت: نعم قال ما أحسبك إلا رجلا صالحاً ذاك أخي الخضر أتاني فأعلمني أني سألي أمر هذه الأمة وأني سأعدل فيها.
وأخرج أيضاً عن أبي هاشم أن رجلا جاء إلى عمر بن عبد العزيز فقال رأيت النبي ﷺ في النوم وأبو بكر عن يمينه وعمر عن شماله فإذا رجلان يختصمان وأنت بين يديه جالس فقال لك: يا عمر إذا عملت فاعمل بعمل هذين لأبي بكر وعمر فاستخلف له عمر بالله لرأيت هذا فخلف له فبكى عمر.
стр. 229
بويع بالخلافة بعهد من سليمان في صفر سنة تسع وتسعين كما تقدم فمكث فيها سنتين وخمسة أشهر نحو خلاف الصديق ﵁ عملا فيها الأرض عدلا ورد المظالم وسن السنن الحسنة ولما قرئ كتاب العهد باسمه عقر وقال: والله إن هذا الأمر ما سألته الله قط؟ وقدم إليه صاحب المراكب مركب الخليفة فأبى وقال ائتوني ببغلتي قال الحكم بن عمر: شهدت عمر بن عبد العزيز حين جاءه أصحاب المراكب يسألونه العلوفة ورزق خدمتها قال: ابعث بها إلى أمصار الشام يبيعونها فيمن يريد واجعل أثمانها في مال الله تكفيني بغلتي هذه الشهباء.
وقال عمر بن ذر: لما رجع عمر من جنازة سليمان قال له مولاه ما لي أراك مغتماً؟ قال: لمثل ما أنا فيه فليغتم ليس أحد من الأمة إلا وأنا أريد أن أوصل إليه حقه غير كاتب إلي فيه ولا طالبه مني.
وعن عمر بن مهاجر وغيره أن عمر لما استخلف قام في الناس فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس إنه لا كتاب بعد القرآن ولا نبي بعد محمد ﷺ ألا وإني لست بفارض (١) ولكني منفذ ولست بمبتدع ولكني متبع ولست بخير من أحدكم ولكني أثقلكم حملا وإن الرجل الهارب من الإمام الظالم ليس بظالم ألا لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.
وعن الزهري قال كتب عمر بن عبد العزيز إلى سالم بن عبد الله يكتب إليه بسيرة عمر بن الخطاب في الصدقات فكتب إليه بالذي سأل وكتب إليه أنك إن عملت بمثل عمل عمر في زمانه ورجاله في مثل زمانك ورجالك كنت عند الله خيراً من عمر.
وعن حماد أن عمر لما استخلف بكى فقال: يا أبا فلان أتخشى علي؟ قال: كيف حبك للدرهم؟ قال: لا أحبه قال لا تخف فإن الله سيعينك.
وعن مغيرة قال: جمع عمر حين استخلف بني مروان فقال: إن رسول الله ﷺ كانت له فدك ينفق منها ويعول منها على صغير بني هاشم
стр. 230
ويزوج منها أيمهم وإن فاطمة سألته أن يجعلها لها؟ فأبى فكانت كذلك حياة أبي بكر ثم عمر ثم أقطعها مروان ثم صارت لعمر بن عبد العزيز فرأيت أمراً منعه رسول الله ﷺ فاطمة ليس لي بحق وإن أشهدكم أني قد رددتها على ما كانت على عهد رسول الله ﷺ .
وعن الليث قال: لما ولي عمر بدأ بلحمته وأهل بيته فأخذ ما بأيديهم وسمى أموالهم مظالم.
وقال أسماء بن عبيد: دخل عنبسة بن سعيد بن العاص على عمر بن عبد العزيز فقال: يا أمير المؤمنين إن من كان قبلك من الخلفاء كانوا يعطوننا عطايا فمنعتناها ولي عيال وضيعة أفتأذن لي أن أخرج إلى ضيعتي لما يصلح عيالي؟ فقال عمر: أحبكم من كفانا مؤنته ثم قال له: أكثر ذكر الموت فإن كنت في ضيق من العيش وسعه عليك وإن كنت في سعة من العيش ضيقه عليك.
وقال فرات بن السائب: قال عمر بن عبد العزيز لامرأته فاطمة بنت عبد الملك وكان عندها جوهر أمر لها به أبوها لم ير مثله اختاري إما أن تردي حليك إلى بيت المال وإما أن تأذني لي في فراقك فإنه أكره أن أكون أنا وأنت وهو في بيت واحد قالت: لا بل اختارك عليه وعلى أضعافه فأمر به فحمل حتى وضع في بيت مال المسلمين فلما مات عمر واستخلف يريد قال لفاطمة إن شئت رددته إليك قالت لا والله لا أطيب به نفساً في حياته وأرجع فيه بعد موته.
وقال عبد العزيز (١): كتب بعض عمال عمر بن عبد العزيز إليه: إن مدينتنا قد خربت فإن رأى أمير المؤمنين أن يقطع لنا مالا نرمها به فعل فكتب إليه عمر إذا قرأت كتابي هذا فحصنها بالعدل ونق طرقها من الظلم فإنه مرمتها والسلام.
وقال إبراهيم السكوني: قال عمر بن عبد العزيز: ما كذبت منذ علمت أن الكذب شين على أهله.
وقال قيس بن جبير: مثل عمر في بني أمية مثل مؤمن آل فرعون.
стр. 231
وقال ميمون بن مهران: إن الله كان يتعاهد الناس بنبي بعد نبي وإن الله تعاهد الناس بعمر بن عبد العزيز.
وقال وهب بن منبه: إن كان في هذه الأمة مهدي فهو عمر بن عبد العزيز.
وقال محمد بن فضالة: مر عبد الله بن عمر بن عبد العزيز براهب في الجزيرة فنزل إليه الراهب ولم ينزل لأحد قبله وقال أتدري لم نزلت إليك قال لا قال: لحق أبيك إنا نجده في أئمة العدل بموضع رجب من الأشهر الحرم ففسره أيوب بن سويد بثلاثة متوالية: ذي العقدة وذي الحجة والمحرم أبي بكر وعمر وعثمان ورجب منفرد منها عمر بن عبد العزيز.
وقال حسن القصاب: رأيت الذئاب ترعى مع الغنم بالبادية في خلافة عمر ابن عبد العزيز فقلت سبحان الله ذئب في غنم لا يضرها فقال الراعي إذا صلح الرأس فليس على الجسد بأس.
وقال مالك بن دينار لما ولي عمر عبد العزيز قالت رعاء الشاء: من هذا الصالح الذي قام على الناس خليفة عدله كف الذئاب عن شائناً.
وقال موسى بن أعين: كنا نرعى الشاء بكرمان في خلافة عمر بن عبد العزيز فكانت الشاة والذئب ترعى في مكان واحد فبينا نحن ذات ليلة إذ عرض الذئب للشاة فقلت ما نرى الرجل الصالح إلا قد هلك فحسبوه فوجدوه مات تلك الليلة.
وقال الوليد بن مسلم: بلغنا أن رجلا كان بخراسان قال: أتاني آت في المنام فقال: إذا قام أشج بني مروان فانطلق فبايعه فإنه إمام عدل فجعلت أسأل كلما قام خليفة حتى قام عمر بن عبد العزيز فأتاني ثلاث مرات في المنام فارتحلت إليه فبايعته.
وعن حبيب بن هند الأسلمي قال: قال لي سعيد بن المسيب: إنما الخلفاء ثلاثة: أبو بكر وعمر وعمر بن عبد العزيز قلت له: أبو بكر وعمر قد عرفناهما فمن
стр. 232
عمر قال إن عشت أدركته إن مت كان بعدك قلت ومات ابن المسيب قبل خلافة عمر.
وقال ابن عون: كان ابن سيرين إذا سئل عن الطلاء قال: نهى عنه إمام الهدى يعني عمر بن عبد العزيز.
وقال الحسن: إن كان مهدي فعمر بن عبد العزيز وإلا فلا مهدي إلا عيسى ابن مريم.
وقال مالك بن دينار: الناس يقولون مالك زاهد إنما الزاهد عمر بن عبد العزيز الذي أتته الدنيا فتركها.
وقال يونس بن أبي شبيب: شهدت عمر بن عبد العزيز وإن حجزه إزاره لغائبه في عكنه ثم رأيته بعد ما استخلف ولو شئت أن أعد أضلاعه من غير أن أمسها لفعلت.
وقال ولده عبد العزيز: سألني أبو جعفر المنصور كم كانت غلة أبيك حين أفضت الخلافة إليه قلت: أربعين ألف دينار قال فكم كانت حين توفي؟ قلت أربعمائة دينار ولو بقي لنقصت.
وقال مسلمة بن عبد الملك دخلت على عمر بن عبد العزيز أعوده في مرضه فإذا عليه قميص وسخ فقلت لفاطمة بنت عبد الملك ألا تغسلون قميصه قالت: والله ما له قميص غيره.
قال أبو أمية الخصي غلام عمر: دخلت يوماً على مولاتي فغدتني عدساً فقلت كل يوم عدس قالت يا بني هذا طعام مولاك أمير المؤمنين.
قال ودخل عمر الحمام يوماً فأطلى فولي عانته بيده.
قال: ولما احتضر بعثني بدينار إلى أهل الدير وقال: إن بعتموني موضع قبري وإلا تحولت عنكم فأتيتهم فقالوا: لولا أنا نكره أن يتحول عنا ما قبلناه.
وقال عون بن المعمر: دخل عمر على امرأته فقال يا فاطمة عندك درهم
стр. 233
أشتري به عنباً فقالت لا وقالت وأنت أمير المؤمنين لا تقدر على درهم تشتري به عنباً قال هذا أهون علينا من معالجة الأغلال غداً في جهنم.
وقالت فاطمة امرأته: ما أعلم أنه اغتسل لا من جنابة ولا من احتلام منذ استخلفه الله حتى قبضه.
وقال سهل بن صدقة: لما استخلف عمر سمع في منزله بكاء فسألوا عن ذلك فقالوا: إن عمر خير جواريه فقال: قد نزل بي أمر قد شغلني عنكم فمن أحب أن أعتقه أعتقته ومن أحب أن امسكه أمسكته وإن لم يكن مني إليها حاجة فبكين إياساً منه قالت فاطمة امرأته: كان إذ دخل البيت ألقى نفسه في مسجده فلا يزال يبكي ويدعو حتى تغلبه عيناه ثم يستيقظ فيفعل مثل ذلك ليلته أجمع.
وقال الوليد بن أبي السائب: ما رأيت أحداً قط أخوف من عمر.
وقال سعيد بن سويد: صلى عمر بالناس الجمعة وعليه قميص مرقوع الجيب من بين يديه ومن خلفه فقال له رجل: يا أمير المؤمنين إن الله قد أعطاك فلو لبست فنكس ملياً ثم رفع رأسه فقال: إن أفضل القصد عند الجدة وأفضل العفو عند القدرة.
وقال ميمون بن مهران سمعت عمر يقول: لو أقمت فيكم خمسين عاماً ما استكملت فيكم العدل إني لأريد الأمر وأخاف أن لا تحمله قلوبكم فأخرج معه طمعاً من الدنيا فإن أنكرت قلوبكم هذا سكنت إلى هذا.
وقال إبراهيم بن ميسرة: قلت لطاوس: هو المهدي يعني عمر بن عبد العزيز قال هو مهدي وليس به إنه لم يستكمل العدل كله.
وقال عمر بن أسيد: والله ما مات عمر حتى جعل الرجل يأتينا بالمال العظيم فيقول اجعلوا هذا حيث ترون فما يبرح بماله كله قد أغنى عمر الناس.
وقالت جويرية: دخلنا على فاطمة ابنة علي بن أبي طالب ﵂ فأثنت على عمر بن عبد العزيز وقالت لو كان بقي لنا ما احتجنا بعد إلى أحد.
стр. 234
وقال عطاء بن أبي رباح حدثتني فاطمة امرأة عمر أنها دخلت عليه وهو في مصلاه تسيل دموعه على لحيته فقالت يا أمير المؤمنين ألشيء حدث؟ قال يا فاطمة إني تقلدة من أمر أمة محمد ﷺ أسودها وأحمرها: فتفكرت في الفقير الجائع والمريض الضائع والعاري المجهود والمظلوم المقهور والغريب الأسير والشيخ الكبير وذي العيال الكثير والمال القليل وأشباههم في أقطار الأرض وأطراف البلاد فعلمت أن ربي سائلي عنهم يوم القيامة فخشيت أن لا تثبت لي حجة فبكيت.
وقال الأوزاعي: إن عمر بن عبد العزيز كان جالساً في بيته وعنده أشراف بني أمية فقال أتحبون أن أولي كل رجل منكم جنداً فقال رجل منهم: لم تعرض علينا ما لا تفعله؟ قال: ترون بساطي هذا؟ إني لأعلم أنه يصير إلى بلى وفناء وإني أكره أن تدنسوه بأرجلكم فكيف أوليكم أعراض المسلمين وأبشارهم هيهات لكم هيهات فقالوا له لم أمالنا قرابة أمالنا حق قال ما أنتم وأقصى رجل من المسلمين عندي في هذا الأمر إلا سوءاً إلا رجلا من المسلمين حبسه عني طول شقته.
وقال حميد: أملي علي الحسن رسالة إلى عمر بن عبد العزيز فأبلغ ثم شكا الحاجة والعيال فأمر بعطائه.
وقال الأوزاعي: كان عمر بن عبد العزيز إذا أراد أن يعاقب رجلا حبسه ثلاثة أيام ثم عاقبه كراهة أن يعجل في أول غضبه.
وقال جويرية بن أسماء: قال عمر بن العزيز: إن نفسي تواقة لم تعط من الدنيا شيئاً إلا تاقت إلى ما هو أفضل منه فلما أعطيت ما لا شيء فوقه من الدنيا تاقت نفسي إلى ما هو أفضل منه يعني الجنة.
وقال عمرو بن مهاجر: كانت نفقة عمر بن عبد العزيز كل يوم درهمين.
وقال يوسف بن يعقوب الكاهلي: كان عمر يلبس الفروة الكبل وكان سراج بيته على ثلاث قصبات فوقهن طين.
стр. 235
وقال عطاء الخراساني: أمر عمر غلامه أن يسخن له ماء فانطلق فسخن قمقماً في مطبخ العامة فأمر عمر أن يأخذ بدرهم حطباً يضعه في المطبخ.
وقال عمر بن مهاجر: كان عمر يسرج عليه المشعة ما كان في حوائج المسلمين فإذا فرغ من حوائجهم أطفأها ثم أسرج عليه سراجه.
وقال الحكم بن عمر: كان للخليفة ثلثمائة حرسي وثلثمائة شرطي فقال عمر للحرس إن لي عنكم بالقدر حاجزاً وبالأجل حارساً من أقام منكم فله عشرة دنانير ومن شاء فليلحق بأهله.
وقال عمرو بن مهاجر: اشتهى عمر بن عبد العزيز تفاحاً فأهدى له رجل من أهل بيته تفاحاً فقال: ما أطيب ريحه وأحسنه أرفعه يا غلام للذي أتى به واقرئ فلاناً السلام وقل له: إن هديتك وقعت عندنا بحيث نحب فقلت: يا أمير المؤمنين ابن عمك ورجل من أهل بيتك وقد بلغك أن النبي ﷺ كان يأكل الهدية فقال: ويحك إن الهدية كانت للنبي ﷺ هدية وهي لنا اليوم رشوة.
وقال إبراهيم بن ميسرة: ما رأيت عمر بن عبد العزيز ضرب أحداً في خلافته غير رجل تناول من معاوية فضربه ثلاثة أسواط.
وقال الأوزاعي لما قطع عمر بن عبد العزيز عن أهل بيته ما كان يجري عليهم من أرزاق الخاصة كلموه في ذلك فقال: لن يتسع مالي لكم وأما هذا المال فإنما حقكم فيه كحق رجل بأقصى برك الغماد.
وقال أبو عمر: كتب عمر بن عبد العزيز برد أحكام من أحكام الحجاج مخالفة لأحكام الناس.
وقال يحيى الغساني: لما ولاني عمر بن عبد العزيز الموصل قدمتها فوجدتها من أكثر البلاد سرقة ونقباً فكتبت إليه أعلمه حال البلد وأسأله آخذ الناس بالظنة وأضربهم على التهمة أو آخذهم بالبينة وما جرت عليه السنة فكتب إلى أن آخذ الناس بالبينة وما جرت عليه السنة فإن لم يصلحهم الحق فلا أصحلهم الله قال يحيى
стр. 236
ففعلت ذلك فما خرجت من الموصل حتى كانت من أصلح البلاد وأقلها سرقة ونقباً.
وقال رجاء بن حيوة: سمرت ليلة عند عمر فغشي السراج وإلى جانبه وصيف قلت: ألا أننهه قال: لا قلت: أفلا أقوم؟ قال ليس من مروءة الرجل استخدامه ضيفه فقام إلى بطة الزيت وأصلح السراج ثم رجع وقال: قمت وأنا عمر بن عبد العزيز ورجعت وأنا عمر بن عبد العزيز.
وقال نعيم كاتبه: قال عمر: إنه ليمنعني من كثير من الكلام مخافة المباهاة.
وقال مكحول: لو حلفت لصدقت ما رأيت أزهد ولا أخوف لله من عمر ابن عبد العزيز.
وقال سعيد بن أبي عروبة: كان عمر بن عبد العزيز إذا ذكر الموت اضطربت أوصاله.
وقال عطاء: كان عمر بن عبد العزيز يجمع في كل ليلة الفقهاء فيتذاكرون الموت والقيامة ثم يبكون حتى كان بين أيديهم جنازة.
وقال عبيد الله بن العيزار: خطبنا عمر بن عبد العزيز بالشام على منبر من طين فقال: أيها الناس أصلحوا أسراركم تصلح علانيتكم واعملوا لآخرتكم تكفوا دنياكم واعلموا أن رجلا ليس بينه وبين آدم أب حي لعرق له في الموت والسلام عليكم.
وقال وهيب بن الورد: اجتمع بنو مروان إلى باب عمر بن عبد العزيز فقالوا لابنه عبد الملك: قل لأبيك: إن من كان قبله من الخلفاء كان يعطينا ويعرف لنا موضعنا وإن أباك قد حرمنا ما في يديه فدخل على أبيه فأخبره فقال لهم إن أبي يقول لكم إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم.
وقال الأوزاعي: قال عمر بن عبد العزيز: خذوا من الرأي ما يصدق من كان قبلكم ولا تأخذوا ما هو خلاف لهم فإنهم خير منكم وأعلم.
وقال: قدم جرير فطال مقامه بباب عمر بن عبد العزيز ولم يلتفت إليه فكتب إلى عون بن عبد الله وكان خصيصاً بعمر:
стр. 237
يا أيها القارئ المرخي عمامته … هذا زمانك إني قد مضى زمني
أبلغ خليفتنا إن كنت لاقيه … أني لدي الباب كالمصفود في قرن
وقال جويرية بن أسماء: لما استخلف عمر بن عبد العزيز جاءه بلال بن أبي بردة فهنأه وقال من كانت الخلافة شرفته فقد شرفتها ومن كانت زانته فقد زنتها وأنت كما قال مالك بن أسماء:
وتزيدين أطيب الطيب طيبا … أن تمسيه أين مثلك أينا
وإذا الدر زان حسن وجوه … كان للدر حسن وجهك زينا
قال جعونة: لما مات عبد الملك بن عمر بن عبد العزيز جعل عمر يثني عليه فقال: يا أمير المؤمنين لو بقي كنت تعهد إليه؟ قال لا قال: ولم وأنت تثني عليه؟ قال أخاف أن يكون زين في عيني منه ما زين في عين الوالد من ولده.
وقال غسان عن رجل من الأزد: قال رجل لعمر بن عبد العزيز: أوصني قال: أوصيك بتقوى الله وإيثاره تخف عنك المؤنة وتحسن لك من الله المعونة.
وقال أبو عمرو: دخلت ابنة أسامة بن زيد على عمر بن عبد العزيز فقام لها ومشى إليها ثم أجلسها في مجلسه وجلس بين يديها وما ترك لها حاجة إلا قضاها.
وقال الحجاج بن عنبسة: اجتمع بنو مروان فقالوا: لو دخلنا على أمير المؤمنين فعطفناه علينا بالمزاح فدخلوا فتكلم رجل منهم فمزح فنظر إليه عمر فوصل له رجل كلامه بالمزاح فقال لهذا اجتمعتم؟ لأخس الحديث ولما يورث الضغائن؟ إذا اجتمعتم فأفيضوا في كتاب الله فإن تعديتم ذلك ففي السنة عن رسول الله ﷺ فإن تعديتم ذلك فعليكم بمعاني الحديث.
وقال إياس بن معاوية بن قرة: ما شبهت عمر بن عبد العزيز إلا برجل صناع حسن الصنعة ليس له أداة يعمل بها يعني لا يجد من يعينه.
وقال عمر بن حفص: قال لي عمر بن عبد العزيز: إذا سمعت كلمة من امرئ مسلم فلا تحملها على شيء من الشر ما وجدت لها محملا من الخير.
стр. 238
وقال يحيى الغساني: كان عمر ينهى سليمان بن عبد الملك عن قتل الحرورية ويقول: ضمنهم الحبس حتى يحدثوا توبة فآتى سليمان بحروري فقال له سليمان: هيه فقال الحروري: وماذا أقول يا فاسق بن الفاسق فقال سليمان: علي بعمر ابن عبد العزيز فلما جاء قال: اسمع مقالة هذا فأعادها الحروري فقال سليمان لعمر: ماذا ترى عليه؟ فسكت قال: عزمت عليك لتخبرني بماذا ترى عليه قال: أرى عليه أن تشتمه كما شتمك قال ليس الأمر كذلك فأمر به سليمان فضربت عنقه وخرج عمر فأدركه خالد صاحب الحرس فقال يا عمر كيف تقول لأمير المؤمنين ما أرى عليه إلا أن تشتمه كما شتمك؟ والله لقد كنت متوقعاً أن يأمرني بضرب عنقك قال ولو أمرك لفعلت؟ قال إي والله فلما أفضت الخلافة إلى عمر جاء خالد فقام مقام صاحب الحرس فقال عمر يا خالد ضع هذا السيف عنك وقال: اللهم إني قد وضعت لك خالداً فلا ترفعه أبداً ثم نظر في وجوه الحرس فدعا عمرو بن مهاجر الأنصاري وقال يا عمرو والله لتعلمن أنه ما بيني وبينك قرابة إلا قرابة الإسلام ولكن سمعتك تكثر تلاوة القرآن ورأيتك تصلي في موضع تظن أن لا يراك أحد فرأيتك تحسن الصلاة وأنت رجل من الأنصار خذ هذا السيف فقد وليتك حرسي.
وقال شعيب: حدثت أن عبد الملك بن عمر بن عبد العزيز دخل على أبيه فقال يا أمير المؤمنين ما أنت قائل لربك غداً إذا سألك فقال رأيت بدعة فلم تمتها أو سنة فلم تحيها فقال أبوه: رحمك الله وجزاك من ولد خيراً يا بني إن قومك قد شدوا هذا الأمر عقدة عقدة وعروة عروة ومتى أردت مكابرتهم على انتزاع ما في أيديهم لم آمن أن يفتقوا علي فتقاً يكثر فيه الدماء والله لزوال الدنيا أهون علي من أن يراق في سببي محجمه من دم أو ما ترضى أن لا يأتي على أبيك يوم من أيام الدنيا إلا وهو يميت فيه بدعة ويحيى فيه سنة؟.
стр. 239
وقال معمر: قال عمر بن عبد العزيز: قد أفلح من عصم من المراء والغضب والطمع.
وقال أرطأة بن المنذر: قيل لعمر بن عبد العزيز: لو اتخدت حرساً واحترزت في طعامك وشرابك فقال: اللهم إن كنت تعلم أني أخاف شيئاً دون يوم القيامة فلا تؤمن خوفي.
وقال عدي بن الفضل سمعت عمر بن عبد العزيز يخطب فقال اتقوا الله أيها الناس وأجملوا في الطلب فإنه إن كان لأحدكم رزق في رأس جبل أو حضيض أرض يأته.
وقال أزهر رأيت عمر بن عبد العزيز يخطب الناس وعليه قميص مرقوع.
وقال عبد الله بن العلاء: سمعت عمر بن عبد العزيز يخطب في الجمع بخطبة واحدة يرددها ويفتتحها بسبع كلمات الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلله فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله من يطع الله ورسوله فقد رشد ومن يعص الله ورسوله فقد غوى ثم يوصي بتقوى الله ويتكلم ثم يختم خطبته الأخيرة بهؤلاء الآيات " يا عبادي الذين أسرفوا " " إلى تمامها.
وقال حاجب بن خليفة البرجمي: شهدت عمر بن عبد العزيز يخطب وهو خليفة فقال في خطبته: ألا إن ما سن رسول الله ﷺ وصاحباه فهو دين تأخذ به وتنتهي إليه وما سن سواهما فإنا نرجئه.
أسند جميع ما قدمته أبو نعيم في الحلية.
وأخرج ابن عساكر عن إبراهيم بن أبي عبلة قال دخلنا على عمر بن عبد العزيز يوم العيد والناس يسلمون عليه ويقولون تقبل الله منا ومنك
стр. 240
يا أمير المؤمنين فيرد عليهم ولا ينكر عليهم.
قلت: هذا أصل حسن للتهنئة بالعيد والعام والشهر.
وأخرج عن جعونة قال: ولى عمر بن عبد العزيز عمرو بن قيس السكوني الصائفة فقال: أقبل من محسنهم وتجاوز عن مسيئهم ولا تكن في أولهم فتقتل ولا في آخرهم فتفشل ولكن كن وسطاً حيث يرى مكانك ويسمع صوتك.
وأخرج عن السائب بن محمد قال: كتب الجراح بن عبد الله إلى عمر بن عبد العزيز: إن أهل خراسان قوم ساءت رعيتهم وإنه لا يصلحهم إلا السيف والسوط فإن رأى أمير المؤمنين أن يأذن لي في ذلك فكتب إليه عمر أما بعد فقد بلغني كتابك تذكر أن أهل خراسان قد ساءت رعيتهم وأنه لا يصلحهم إلا السيف والسوط فقد كذبت بل يصلحهم العدل والحق فأبسط ذلك فيهم والسلام.
وأخرج عن أمية بن زيد القرشي قال: كان عمر بن عبد العزيز إذا أملى علي كتابه قال: اللهم إني أعوذ بك من شر لساني.
وأخرج عن صالح بن جبير قال: ربما كلمت عمر بن عبد العزيز في الشيء فيغضب فأذكر أن في الكتاب مكتوباً اتق غضبه الملك الشاب فأرفق به حتى يذهب غضبه فيقول لي بعد ذلك: لا يمنعك يا صالح ما ترى منا أن تراجعنا في الأمر إذا رأيته.
وأخرج عن عبد الحليم بن محمد المخزومي قال: قدم جرير بن عطية بن الخطفي علي عمر بن عبد العزيز فذهب ليقول فنهاه عمر فقال: إنما أذكر رسول الله ﷺ قال: أما رسول الله ﷺ فاذكره فقال:
إن الذي ابتعث النبي محمداً … جعل الخلافة للأمير العادل
رد المظالم حقها بيقينها … عن جورها وأقام ميل المائل
стр. 241
والله أنزل في القرآن فريضة … لابن السبيل وللفقير العائل
إني لأرجو منك خيراً عاجلا … والنفس مغرمة بحب العاجل (١)
فقال له عمر: ما أجد لك في كتاب الله حقاً قال: بلى يا أمير المؤمنين إنني ابن سبيل فأمر له من خاصة ماله بخمسين ديناراً.
وفي الطويريات أن جرير بن عثمان الرحبي دخل مع أبيه على عمر بن عبد العزيز فسأله عمر عن حال ابنه ثم قال له علمه الفقه الأكبر قال وما الفقه الأكبر؟ قال القناعة وكف الأذى.
وأخرج ابن أبي حاتم في تفسيره عن محمد بن كعب القرظي قال: دعاني عمر بن عبد العزيز فقال صف لي العدل فقلت: بخ سألت عن أمر جسيم كن لصغير الناس أباً ولكبيرهم ابناً وللمثل منهم أخاً وللنساء كذلك وعاقب الناس على قدر ذنوبهم وعلى قدر أجسادهم ولا تضربن لغضبك سوطاً واحداً فتعد من العادين.
وأخرج عبد الرزاق في مصنفه عن الزهري أن عمر بن عبد العزيز كان يتوضأ مما مست النار حتى كان يتوضأ من السكر.
وأخرج عن وهيب أن عمر بن عبد العزيز قال: من عد كلامه من عمله قل كلامه.
وقال الذهبي: أظهر غيلان القدر في خلافة عمر بن عبد العزيز فاستتابه فقال: لقد كان كنت ضالا فهديتني فقال عمر: اللهم إن كان صادقاً وإلا فاصلبه واقطع يديه ورجليه فنفذت فيه دعوته فأخذ في خلافة هشام بن عبد الملك وقطعت أربعته وصلب بدمشق في القدر.
وقال غيره كان بنو أمية يسبون علي بن أبي طالب في الخطبة فلما ولي عمر ابن عبد العزيز أبطله وكتب إلى نوابه بإبطاله وقرأ مكانه " إن الله يأمر بالعدل
стр. 242
والإحسان " " الآية فاستمرت قراءتها في الخطبة إلى الآن.
وقال القالي في أماليه: حدثنا أبو بكر بن الأنباري حدثنا أحمد بن عبيد قال: قال عمر بن عبد العزيز قبل خلافته:
أنه الفؤاد عن الصبا … وعن انقياد للهوى
فلعمر ربك إن في … شيب المفارق والجلا
لك واعظاً لو كنت … تتعظ اتعاظ ذوي النهى
حتى متى لا ترعوي … وإلى متى وإلى متى؟
ما بعد أن سميت … كهلا واستلبت اسم الفتى
بلي الشباب وأنت إن … عمرت رهن للبلى
وكفى بذلك زاجراً … للمرء عن غي كفى
فائدة: قال الثعالبي في لطائف المعارف: كان عمر بن الخطاب أصلع وعثمان وعلي ومروان بن الحكم وعمر بن عبد العزيز ثم انقطع الصلع عن الخلفاء.
فائدة: قال الزبير بن بكار قال الشاعر في فاطمة بنت عبد الملك بن مروان زوجة عمر بن عبد العزيز:
بنت الخليفة والخليفة جدها … أخت الخلائف والخليفة زوجها
قال: فلم تكن امرأة تستحق هذا النسب إلى يومنا هذا غيرها.
قلت: ولا يقال في غيرها هذا إلى يومنا هذا.
ذكر مرضه ووفاته
قال أيوب: قيل لعمر بن عبد العزيز: لو أتيت المدينة فإن مت دفنت في موضع القبر الرابع مع رسول الله ﷺ فقال: والله لأن يعذبني الله بكل عذاب إلا النار أحب إلي من أن يعلم الله مني أني أراني لذلك الموضع أهلا.
стр. 243
وقال وليد بن هشام: قيل لعمر في مرضه: ألا تتداوى؟ فقال لقد علمت الساعة التي سقيت فيها ولو كان شفائي أن أمسح شحمة أذني أو أوتى بطيب فأرفعه إلى أنفي ما فعلت.
وقال عبيد بن حسان: لما احتضر عمر بن العزيز قال: اخرجوا عني فقعد مسلمة وفاطمة على الباب فسمعوه يقول مرحباً بهذه الوجوه ليست بوجوه إنس ولا جان ثم قال " تلك الدار الآخرة " الآية ثم هدأ الصوت فدخلوا فوجدوه قد قبض ﵁.
وقال هشام: لما جاء نعي عمر بن عبد العزيز قال الحسن البصري: مات خير الناس.
وقال خالد الربعي: إنا نجد في التوراة أن السموات والأرض تبكي على عمر بن عبد العزيز أربعين صباحاً.
وقال يوسف بن ماهك: بينا نحن نسوي التراب على قبر عمر بن عبد العزيز إذ سقط علينا كتاب رق من السماء فيه بسم الله الرحمن الرحيم أمان من الله لعمر بن عبد العزيز من النار.
وقال قتادة: كتب عمر بن عبد العزيز إلى ولي العهد من بعده: بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله عمر إلى يزيد بن عبد الملك سلام عليك فإني أحمد إليك الله الذي لا إلا هو أما بعد فإني كتبت وأنا دنف من وجعي وقد علمت أني مسئول عما وليت يحاسبني عليه مليك الدنيا والآخرة ولست أستطيع أن أخفي عليه من عملي شيئاً فإن رضي عني فقد أفلحت ونجوت من الهوان الطويل وإن سخط علي فيا ويح نفسي إلى ما أصبر أسأل الله الذي لا إله إلا هو أن يجيرني من النار برحمته وأن يمن علي برضوانه والجنة فعليك بتقوى الله الرعية الرعية فإنك لن تبقى بعدي إلا قليلا والسلام أسند هذا كله أبو نعيم في الحلية.
стр. 244
توفي عمر بن عبد العزيز ﵁ بدير سمعان بكسر السين من أعمال حمص لعشر بقين وقيل لخمس بقين من رجب سنة إحدى ومائة وله حينئذ تسع وثلاثون سنة وستة أشهر وكانت وفاته بالسم كانت بنو أمية قد تبرموا به لكونه شدد عليهم وانتزع من أيديهم كثيراً مما غصبوه وكان قد أهمل التحرز فسقوه السم.
قال مجاهد: قال لي عمر بن عبد العزيز ما يقول الناس في؟ قلت: يقولون مسحور قال: ما أنا بمسحور وإني لأعلم الساعة التي سقيت فيها ثم دعا غلاماً له: فقال له: ويحك ما حملك على أن تسقيني السم؟ قال: ألف دينار أعطيتها وعلى أن أعتق قال: هاتها قال: فجاء بها فألقاها في بيت المال وقال اذهب حيث لا يراك أحد.
مات في أيامه من الأعلام: أبو أمامة سعد بن سهل بن حنيف وخارجة ابن زيد بن ثابت وسالم بن أبي الجعد وبسر بن سعيد وأبو عثمان النهدي وأبو الضحى وشهر بن حوشب الشامي وحنش بن عبد الله الصنعاني ومسلم ابن يسار البصري وعيسى بن طلحة بن عبد الله القرشي التيمي أحد أشراف قريش وعقلائها وعلمائها.
يزيد بن عبد الملك بن مروان
يزيد بن عبد الملك بن مروان بن الحكم أبو خالد الأموي الدمشقي.
ولد سنة إحدى وسبعين وولي الخلافة بعد عمر بن عبد العزيز بعهد من أخيه سليمان كما تقدم.
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم لما ولي يزيد قال: سيروا بسيرة عمر بن عبد العزيز فأتى بأربعين شيخاً فشهدوا له ما على الخلفاء حساب ولا عذاب.
وقال ابن الماجشون: لما مات عمر بن عبد العزيز قال يزيد والله ما عمر
стр. 245
بأحوج إلى الله مني فأقام أربعين يوماً يسير بسيرة عمر بن عبد العزيز ثم عدل عن ذلك.
وقال سليم بن بشير: كتب عمر بن عبد العزيز إلى يزيد بن عبد الملك حين احتضر: سلام عليك أما بعد فإني لا أراني إلا لملبي فالله الله في أمة محمد فإنك تدع الدنيا لمن لا يحمدك وتقضي إلى من لا يعذرك والسلام.
وفي سنة اثنتين خرج يزيد بن المهلب على الخلافة فوجه إليه مسلمة بن عبد الملك ابن مروان فهزم يزيد وقتل وذلك بالعقير موضع بقرب كربلاء.
قال الكلبي: نشأت وهم يقولون: ضحى بنو أمية يوم كربلاء بالدين ويوم العقير بالكرم.
مات يزيد في أواخر شعبان سنة خمس ومائة.
وممن مات في خلافته من الأعلام: الضحاك بن مزاحم وعدي بن أرطاة وأبو المتوكل الناجي وعطاء بن يسار ومجاهد ويحيى بن وثاب مقرئ الكوفة وخالد بن معدان والشعبي عالم العراق وعبد الرحمن بن حسان بن ثابت وأبو قلابة الجرمي وأبو بردة بن أبي موسى الأشعري وآخرون.
هشام بن عبد الملك
هشام بن عبد الملك أبو الوليد ولد سنة نيف وسبعين واستخلف بعهد من أخيه يزيد.
قال مصعب الزبيري: رأى عبد الملك في منامه أنه بال في المحراب أربع مرات فسأل سعيد بن المسيب فقال: يملك من ولده لصلبه أربعة فكان آخرهم هشام.
وكان هشام حازماً عاقلا كان لا يدخل بيت ماله مالا حتى يشهد أربعون قسامة: لقد أخذ من حقه ولقد أعطى لكل ذي حق حقه.
وقال الأصمعي: أسمع رجل مرة هشاماً كلاماً فقال له يا هذا ليس لك أن تسمع خليفتك.
قال: وغضب مرة على رجل فقال والله لقد هممت أن أضربك سوطاً.
стр. 246
وقال سحبل بن محمد ما رأيت أحداً من الخلفاء أكره إليه الدماء ولا أشد عليه من هشام.
وعن هشام أنه قال: ما بقي شيء من لذات الدنيا إلا وقد نلته إلا شيئاً واحداً أخاً أرفع مؤنة التحفظ فيما بيني وبينه.
وقال الشافعي لما بنى هشام الرصافة بقنسرين أحب أن يخلو يوماً لا يأتيه فيه غم فما انتصف النهار حتى أتته ريشة بدم من بعض الثغور فأوصلت إليه فقال ولا يوماً واحداً.
وقيل: إن هذا البيت له ولم يحفظ له سواه:
إذا أنت لم تعص الهوى قادك الهوى … إلى بعض ما فيه عليك مقال
مات في ربيع الآخر سنة خمس وعشرين ومائة.
وفي سنة سبع من أيامه فتحت قيصرية الروم بالسيف وفي سنة ثمان فتحت خنجرة (١) على يد البطال الشجاع (٢) المشهور وفي سنة اثنتي عشرة فتحت خرشنة في ناحية ملطية.
وممن مات في أيامه من الأعلام: سالم بن عبد الله بن عمر وطاوس وسليمان ابن يسار وعكرمة مولى ابن عباس والقاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق وكثير عزة الشاعر ومحمد بن كعب القرظي والحسن البصري ومحمد بن سيرين وأبو الطفيل عامر بن واثلة الصحابي آخرهم موتاً وجرير والفرزدق وعطية العوفي ومعاوية بن قرة ومكحول وعطاء بن أبي رباح وأبو جعفر الباقر ووهب بن منبه وسكينة بنت الحسين والأعرج وقتادة ونافع مولى ابن عمر وابن عامر مقرئ الشام وابن كثير مقرئ مكة وثابت البناني ومالك بن دينار وابن محيصن المقرئ وابن شهاب الزهري وخلائق آخرون.
ومن أخبار هشام: أخرج ابن عساكر عن إبراهيم بن أبي عبلة قال: أراد هشام ابن عبد الملك أن يوليني خراج مصر فأبيت فغضب حتى اختلج وجهه وكان في
стр. 247
عينيه الحول فنظر إلي نظر منكر وقال لتلين طائعاً أو لتلين كارهاً فأسكت عن الكلام حتى سكن غضبه فقلت يا أمير المؤمنين أتكلم؟ قال نعم قلت: إن الله قال في كتابه العزيز " إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها " الآية فوالله يا أمير المؤمنين ما غضب عليهن إذ أبين ولا أكرههن إذ كرهن وما أنا بحقيق أن تغضب على إذ أبيت وتكرهني إذا كرهت فضحك وأعفاني.
وأخرج عن خالد بن صفوان قال: وفدت على هشام بن عبد الملك فقال: هات يا ابن صفوان قلت: إن ملكاً من الملوك خرج متنزهاً إلى الخورنق وكان ذا علم مع الكثرة والغلبة فنظر وقال لجلسائه لمن هذا قالوا للملك قال فهل رأيتم أحداً أعطي مثل ما أعطيت؟ وكان عنده رجل من بقايا حملة الحجة فقال إنك قد سألت عن أمر أفتأذن لي بالجواب قال: نعم قال: أرأيت ما أنت فيه أشيء لم تزل فيه أم شيء صار إليك ميراثاً وهو زائل عنك إلى غيرك كما صار إليك؟ قال كذا هو قال: فتعجب بشيء يسير لا تكون فيه إلا قليلا وتنقل عنه طويلا فيكون عليك حساباً قال: ويحك فأين المهرب؟ وأين المطلب؟ وأخذته قشعريرة قال: إما أن تقيم في ملكك فتعمل بطاعة الله بما ساءك وسرك وإما أن تنخلع من ملكك وتضع تاجك وتلقى عنك أطمارك وتعبد ربك قال إني مفكر الليل وأوافيك السحر فلما كان السحر قرع عليه بابه فقال إني اخترت هذا الجبل وفلوات الأرض وقد لبست علي أمساحي فإن كنت لي رفيقاً لا تخالف فلزما الجبل حتى ماتا وفيه يقول عدي بن زيد العبادي (١):
أيها الشامت المعير بالدهر … أأنت المبرأ الموفور
أم لديك العهد الوثيق من الأيام … بل أنت جاهل ومغرور
من رأيت المنون خلدن أم من … ذا عليه من أن يضام خفير
أين كسرى كسرى الملوك أبوسا … سان أم أين قبله سابور
стр. 248
وبنو الأصفر الكرام ملوك الروم … لم يبق منهم مذكور
وأخو الحضر إذ بناه وإذ دجل … ة تجبى إليه والخابور
شاده مرمراً وجلله كل … ساً فللطير في ذراه وكور
لم يهبه ريب المنون فباد ال … ملك عنه فبابه مهجور
وتذكر رب الخورنق إذ أش … رف يوماً وللهدي تذكير
سره ماله وكثرة ما يم … لك والبحر معرض والدير
فارعوي قلبه وقال وما غب … طة حي إلى الممات يصير
ثم بعد الفلاح والملك والأم … ة وارتهم هناك القبور
ثم صاروا كأنهم ورق ج … ف فألوت به الصبا والدبور
قال: فبكى هشام حتى اخضلت لحيته وأمر بابنتيه وطي فرشه ولزم قصره فأقبلت الموالي والحشم على خالد بن صفوان وقالوا ما أردت إلى أمير المؤمنين؟ أفسدت عليه لذته فقال: إليكم عني فإني عاهدت الله أن لا أخلو بملك إلا ذكرته الله تعالى.
الوليد بن يزيد بن عبد الملك
الوليد بن يزيد بن عبد الملك بن مروان بن الحكم الخليفة الفاسق أبو العباس.
ولد سنة تسعين فلما احتضر أبوه لم يمكنه أن يستخلفه لأنه صبي فعقد لأخيه هشام وجعل هذا ولي العهد من بعد هشام فتسلم الأمر عند موت هشام في ربيع الآخر سنة خمس وعشرين ومائة وكان فاسقاً شريباً للخمر منتهكاً حرمات الله أراد الحج ليشرب فوق ظهر الكعبة فمقته الناس لفسقه وخرجوا عليه فقتل في جمادى الآخر سنة ست وعشرين.
وعنه أنه لما حوصر قال: ألم أزد في أعطياتكم؟ ألم أرفع عنكم المؤن؟ ألم أعط فقراءكم؟ فقالوا: ما ننقم عليك في أنفسنا لكن ننقم عليك انتهاك ما حرم الله وشرب الخمر ونكاح أمهات أولاد أبيك واستخفافك بأمر الله.
ولما قتل وقطع رأسه وجيء به يزيد الناقص نصبه على رمح فنظر إليه
стр. 249
أخوه سليمان بن يزيد فقال: بعداً له أشهد أنه كان شروباً للخمر ماجناً فاساقاً ولقد راودني على نفسي.
وقال المعافى الجريري: جمعت شيئاً من أخبار الوليد ومن شعره الذي ضمنه ما فجر به من خرقه وسخافته وما صرح به من الإلحاد في القرآن والكفر بالله.
وقال الذهبي: لم يصح عن الوليد كفر ولا زندقة بل اشتهر بالخمر والتلوط فخرجوا عليه لذلك.
وذكر الوليد مرة عند المهدي فقال رجل كان زنديقاً المهدي مه خلافة الله عنده أجل من أن يجعلها في زنديق.
وقال مروان بن أبي حفصة: كان الوليد من أجمل الناس وأشدهم وأشعرهم.
وقيل أبو الزناد: كان الزهري يقدح أبداً عند هشام في الوليد ويعيبه ويقول ما يحل لك إلا خلعه فما يستطيع هشام ولو بقي الزهري إلى أن يملك الوليد لفتك به وقال الضحاك بن عثمان: أراد هشام أن يخلع الوليد ويجعل العهد لولده فقال الوليد:
كفرت يداً من منعم لو شكرتها … جزاك بها الرحمن بالفضل والمن (١)
رأيتك تبني جاهداً في قطيعتي … ولو كنت ذا حزم لهدمت ما تبني
أراك على الباقين تجني ضغينة … فيا ويحهم إن مت من شر ما تجني
كأني بهم يوماً وأكثر قيلهم … ألا ليت أنا حين ياليت لا تغني
وقال حماد الراوية كنت يوماً عند الوليد فدخل عليه منجمان فقالا نظرنا فيما أمرتنا فوجدناك تملك سبع سنين قال حماد فأردت أن أخدعه فقلت كذباً ونحن أعلم بالآثار وضروب العلم وقد نظرنا في هذا فوجدناك تملك أربعين سنة فأطرق ثم قال: لا ما قالا يكسرني ولا ما قلت يغرني والله لأجبين المال من حله جباية من يعيش الأبد ولأصرفنه في حقه صرف من يموت الغد.
وقد ورد في مسند أحمد حديث " ليكونن في هذه الأمة رجل يقال له الوليد لهو أشد على هذه الأمة من فرعون لقومه ".
стр. 250
وقال ابن فضل في الله المسالك: الوليد بن يزيد الجبار العنيد لقباً ما عداه ولقما (١) سلكه فما هداه فرعون ذلك العصر الذاهب والدهر المملوء بالمعائب يأتي يوم القيامة يقدم قومه فيوردهم النار ويرديهم العار وبئس الورد المورود والمورد المردى في ذلك الموقف المشهود رشق المصحف بالسهام وفسق ولم يخف الآثام.
وأخرج الصولي عن سعيد بن سليم قال: أنشد ابن ميادة الوليد بن يزيد شعره الذي يقول فيه:
فضلتم قريشاً غير آل محمد … وغير بني مروان أهل الفضائل
فقال له الوليد: أراك قد قدمت علينا آل محمد فقال ابن ميادة: ما أراه يجوز غير ذلك وابن ميادة هذا هو القائل في الوليد أيضاً من قصيدة طويلة:
هممت بقول صادق أن أقوله … وإني على رغم العداة لقائله
رأيت الوليد بن اليزيد مباركاً … شديداً بأعباء الخلافة كاهله
يزيد الناقص أبو خالد بن الوليد
يزيد الناقص أبو خالد بن الوليد بن عبد الملك لقب بالناقص لكونه نقص الجند من أعطياتهم وثب على الخلافة وقتل ابن عمه الوليد وتملك.
وأمه شاهفرند بنت فيروز بن يزدجرد وأم فيروز بنت شيرويه بن كسرى وأم شيرويه بنت خاقان ملك الترك وأم أم فيروز بنت قيصر عظيم الروم فلهذا قال يزيد يفتخر:
أنا ابن كسرى وأبي مروان … وقيصر جدي وجدي خاقان
قال الثعالبي: أعرق الناس في الملك والخلافة من طرفيه.
ولما قتل يزيد الوليد قام خطيباً فقال أما بعد إني والله ما خرجت أشراً ولا بطراً ولا طمعاً ولا حرصاً على الدنيا ولا رغبة في الملك وإني لظلوم لنفسي إن لم يرحمني ربي ولكن خرجت غضباً لله ولدينه وداعياً إلى كتابه وسنة نبيه ﷺ