وقال سحبل بن محمد ما رأيت أحداً من الخلفاء أكره إليه الدماء ولا أشد عليه من هشام.
وعن هشام أنه قال: ما بقي شيء من لذات الدنيا إلا وقد نلته إلا شيئاً واحداً أخاً أرفع مؤنة التحفظ فيما بيني وبينه.
وقال الشافعي لما بنى هشام الرصافة بقنسرين أحب أن يخلو يوماً لا يأتيه فيه غم فما انتصف النهار حتى أتته ريشة بدم من بعض الثغور فأوصلت إليه فقال ولا يوماً واحداً.
وقيل: إن هذا البيت له ولم يحفظ له سواه:
إذا أنت لم تعص الهوى قادك الهوى … إلى بعض ما فيه عليك مقال
مات في ربيع الآخر سنة خمس وعشرين ومائة.
وفي سنة سبع من أيامه فتحت قيصرية الروم بالسيف وفي سنة ثمان فتحت خنجرة (١) على يد البطال الشجاع (٢) المشهور وفي سنة اثنتي عشرة فتحت خرشنة في ناحية ملطية.
وممن مات في أيامه من الأعلام: سالم بن عبد الله بن عمر وطاوس وسليمان ابن يسار وعكرمة مولى ابن عباس والقاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق وكثير عزة الشاعر ومحمد بن كعب القرظي والحسن البصري ومحمد بن سيرين وأبو الطفيل عامر بن واثلة الصحابي آخرهم موتاً وجرير والفرزدق وعطية العوفي ومعاوية بن قرة ومكحول وعطاء بن أبي رباح وأبو جعفر الباقر ووهب بن منبه وسكينة بنت الحسين والأعرج وقتادة ونافع مولى ابن عمر وابن عامر مقرئ الشام وابن كثير مقرئ مكة وثابت البناني ومالك بن دينار وابن محيصن المقرئ وابن شهاب الزهري وخلائق آخرون.
ومن أخبار هشام: أخرج ابن عساكر عن إبراهيم بن أبي عبلة قال: أراد هشام ابن عبد الملك أن يوليني خراج مصر فأبيت فغضب حتى اختلج وجهه وكان في
стр. 247
عينيه الحول فنظر إلي نظر منكر وقال لتلين طائعاً أو لتلين كارهاً فأسكت عن الكلام حتى سكن غضبه فقلت يا أمير المؤمنين أتكلم؟ قال نعم قلت: إن الله قال في كتابه العزيز " إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها " الآية فوالله يا أمير المؤمنين ما غضب عليهن إذ أبين ولا أكرههن إذ كرهن وما أنا بحقيق أن تغضب على إذ أبيت وتكرهني إذا كرهت فضحك وأعفاني.
وأخرج عن خالد بن صفوان قال: وفدت على هشام بن عبد الملك فقال: هات يا ابن صفوان قلت: إن ملكاً من الملوك خرج متنزهاً إلى الخورنق وكان ذا علم مع الكثرة والغلبة فنظر وقال لجلسائه لمن هذا قالوا للملك قال فهل رأيتم أحداً أعطي مثل ما أعطيت؟ وكان عنده رجل من بقايا حملة الحجة فقال إنك قد سألت عن أمر أفتأذن لي بالجواب قال: نعم قال: أرأيت ما أنت فيه أشيء لم تزل فيه أم شيء صار إليك ميراثاً وهو زائل عنك إلى غيرك كما صار إليك؟ قال كذا هو قال: فتعجب بشيء يسير لا تكون فيه إلا قليلا وتنقل عنه طويلا فيكون عليك حساباً قال: ويحك فأين المهرب؟ وأين المطلب؟ وأخذته قشعريرة قال: إما أن تقيم في ملكك فتعمل بطاعة الله بما ساءك وسرك وإما أن تنخلع من ملكك وتضع تاجك وتلقى عنك أطمارك وتعبد ربك قال إني مفكر الليل وأوافيك السحر فلما كان السحر قرع عليه بابه فقال إني اخترت هذا الجبل وفلوات الأرض وقد لبست علي أمساحي فإن كنت لي رفيقاً لا تخالف فلزما الجبل حتى ماتا وفيه يقول عدي بن زيد العبادي (١):
أيها الشامت المعير بالدهر … أأنت المبرأ الموفور
أم لديك العهد الوثيق من الأيام … بل أنت جاهل ومغرور
من رأيت المنون خلدن أم من … ذا عليه من أن يضام خفير
أين كسرى كسرى الملوك أبوسا … سان أم أين قبله سابور
стр. 248
وبنو الأصفر الكرام ملوك الروم … لم يبق منهم مذكور
وأخو الحضر إذ بناه وإذ دجل … ة تجبى إليه والخابور
شاده مرمراً وجلله كل … ساً فللطير في ذراه وكور
لم يهبه ريب المنون فباد ال … ملك عنه فبابه مهجور
وتذكر رب الخورنق إذ أش … رف يوماً وللهدي تذكير
سره ماله وكثرة ما يم … لك والبحر معرض والدير
فارعوي قلبه وقال وما غب … طة حي إلى الممات يصير
ثم بعد الفلاح والملك والأم … ة وارتهم هناك القبور
ثم صاروا كأنهم ورق ج … ف فألوت به الصبا والدبور
قال: فبكى هشام حتى اخضلت لحيته وأمر بابنتيه وطي فرشه ولزم قصره فأقبلت الموالي والحشم على خالد بن صفوان وقالوا ما أردت إلى أمير المؤمنين؟ أفسدت عليه لذته فقال: إليكم عني فإني عاهدت الله أن لا أخلو بملك إلا ذكرته الله تعالى.
الوليد بن يزيد بن عبد الملك
الوليد بن يزيد بن عبد الملك بن مروان بن الحكم الخليفة الفاسق أبو العباس.
ولد سنة تسعين فلما احتضر أبوه لم يمكنه أن يستخلفه لأنه صبي فعقد لأخيه هشام وجعل هذا ولي العهد من بعد هشام فتسلم الأمر عند موت هشام في ربيع الآخر سنة خمس وعشرين ومائة وكان فاسقاً شريباً للخمر منتهكاً حرمات الله أراد الحج ليشرب فوق ظهر الكعبة فمقته الناس لفسقه وخرجوا عليه فقتل في جمادى الآخر سنة ست وعشرين.
وعنه أنه لما حوصر قال: ألم أزد في أعطياتكم؟ ألم أرفع عنكم المؤن؟ ألم أعط فقراءكم؟ فقالوا: ما ننقم عليك في أنفسنا لكن ننقم عليك انتهاك ما حرم الله وشرب الخمر ونكاح أمهات أولاد أبيك واستخفافك بأمر الله.
ولما قتل وقطع رأسه وجيء به يزيد الناقص نصبه على رمح فنظر إليه
стр. 249
أخوه سليمان بن يزيد فقال: بعداً له أشهد أنه كان شروباً للخمر ماجناً فاساقاً ولقد راودني على نفسي.
وقال المعافى الجريري: جمعت شيئاً من أخبار الوليد ومن شعره الذي ضمنه ما فجر به من خرقه وسخافته وما صرح به من الإلحاد في القرآن والكفر بالله.
وقال الذهبي: لم يصح عن الوليد كفر ولا زندقة بل اشتهر بالخمر والتلوط فخرجوا عليه لذلك.
وذكر الوليد مرة عند المهدي فقال رجل كان زنديقاً المهدي مه خلافة الله عنده أجل من أن يجعلها في زنديق.
وقال مروان بن أبي حفصة: كان الوليد من أجمل الناس وأشدهم وأشعرهم.
وقيل أبو الزناد: كان الزهري يقدح أبداً عند هشام في الوليد ويعيبه ويقول ما يحل لك إلا خلعه فما يستطيع هشام ولو بقي الزهري إلى أن يملك الوليد لفتك به وقال الضحاك بن عثمان: أراد هشام أن يخلع الوليد ويجعل العهد لولده فقال الوليد:
كفرت يداً من منعم لو شكرتها … جزاك بها الرحمن بالفضل والمن (١)
رأيتك تبني جاهداً في قطيعتي … ولو كنت ذا حزم لهدمت ما تبني
أراك على الباقين تجني ضغينة … فيا ويحهم إن مت من شر ما تجني
كأني بهم يوماً وأكثر قيلهم … ألا ليت أنا حين ياليت لا تغني
وقال حماد الراوية كنت يوماً عند الوليد فدخل عليه منجمان فقالا نظرنا فيما أمرتنا فوجدناك تملك سبع سنين قال حماد فأردت أن أخدعه فقلت كذباً ونحن أعلم بالآثار وضروب العلم وقد نظرنا في هذا فوجدناك تملك أربعين سنة فأطرق ثم قال: لا ما قالا يكسرني ولا ما قلت يغرني والله لأجبين المال من حله جباية من يعيش الأبد ولأصرفنه في حقه صرف من يموت الغد.
وقد ورد في مسند أحمد حديث " ليكونن في هذه الأمة رجل يقال له الوليد لهو أشد على هذه الأمة من فرعون لقومه ".
стр. 250
وقال ابن فضل في الله المسالك: الوليد بن يزيد الجبار العنيد لقباً ما عداه ولقما (١) سلكه فما هداه فرعون ذلك العصر الذاهب والدهر المملوء بالمعائب يأتي يوم القيامة يقدم قومه فيوردهم النار ويرديهم العار وبئس الورد المورود والمورد المردى في ذلك الموقف المشهود رشق المصحف بالسهام وفسق ولم يخف الآثام.
وأخرج الصولي عن سعيد بن سليم قال: أنشد ابن ميادة الوليد بن يزيد شعره الذي يقول فيه:
فضلتم قريشاً غير آل محمد … وغير بني مروان أهل الفضائل
فقال له الوليد: أراك قد قدمت علينا آل محمد فقال ابن ميادة: ما أراه يجوز غير ذلك وابن ميادة هذا هو القائل في الوليد أيضاً من قصيدة طويلة:
هممت بقول صادق أن أقوله … وإني على رغم العداة لقائله
رأيت الوليد بن اليزيد مباركاً … شديداً بأعباء الخلافة كاهله
يزيد الناقص أبو خالد بن الوليد
يزيد الناقص أبو خالد بن الوليد بن عبد الملك لقب بالناقص لكونه نقص الجند من أعطياتهم وثب على الخلافة وقتل ابن عمه الوليد وتملك.
وأمه شاهفرند بنت فيروز بن يزدجرد وأم فيروز بنت شيرويه بن كسرى وأم شيرويه بنت خاقان ملك الترك وأم أم فيروز بنت قيصر عظيم الروم فلهذا قال يزيد يفتخر:
أنا ابن كسرى وأبي مروان … وقيصر جدي وجدي خاقان
قال الثعالبي: أعرق الناس في الملك والخلافة من طرفيه.
ولما قتل يزيد الوليد قام خطيباً فقال أما بعد إني والله ما خرجت أشراً ولا بطراً ولا طمعاً ولا حرصاً على الدنيا ولا رغبة في الملك وإني لظلوم لنفسي إن لم يرحمني ربي ولكن خرجت غضباً لله ولدينه وداعياً إلى كتابه وسنة نبيه ﷺ
стр. 251
حين درست معالم الهدى وطفئ نور أهل التقوى وظهر الجبار المستحل الحرمة والراكب البدعة فلما رأيت ذلك أشفقت إذ غشيكم ظلمة لا تقلع عنكم على كثرة من ذنوبكم وقسوة من قلوبكم وأشفقت أن يدعو كثيراً من الناس إلى ما هو عليه فيجيبه فاستخرت الله في أمري ودعوت من أجابني من أهلي وأهل ولايتي فأراح الله منه البلاد والعباد ولاية من الله ولا حول ولا قوة إلا بالله أيها الناس إن لكم عندي إن وليت أموركم أن لا أضع لبنة على لبنة ولا حجراً على حجر ولا أنقل مالا من بلد حتى أسد ثغره وأقسم بين مصالحه ما تقوون به فإن فضل فضل رددته إلى البلد الذي يليه حتى تستقيم المعيشة وتكونوا فيه سواء فإن أردتم بيعتي على الذي بذلت لكم فأنا لكم وإن ملت فلا بيعة لي عليكم وإن رأيتم أحداً أقوى مني عليها فأردتم بيعته فأنا أول من يبايعه ويدخل في طاعته وأستغفر الله لي ولكم.
وقال عثمان بن أبي العاتكة: أول من خرج بالسلاح في العيدين يزيد بن الوليد خرج يومئذ بين من صفين من الخيل عليهم السلاح من باب الحصن إلى المصلى.
وعن أبي عثمان الليثي قال يزيد الناقص: يا بني أمية إياكم والغناء فإنه ينقص الحياء ويزد في الشهوة ويهدم المروءة وإنه لينوب عن الخمر ويفعل ما يفعل المسكر فإن كنتم لا بد فاعلين فجنبوه النساء فإن الغناء داعية الزنا.
وقال ابن عبد الحكم: سمعت الشافعي ﵀ يقول لما ولي يزيد بن الوليد دعا الناس إلى القدر وحملهم عليه وقرب أصحاب غيلان.
ولم يمتنع يزيد بالخلافة بل مات من عامه في سابع ذي الحجة فكانت خلافته ستة أشهر ناقصة وكان عمره خمساً وثلاثين سنة وقيل ستاً وأربعين سنة ويقال إنه مات بالطاعون.
إبراهيم بن الوليد بن عبد الملك
إبراهيم بن الوليد بن عبد الملك أبو إسحاق بويع بالخلافة بعد موت أخيه يزيد الناقص فقيل إنه عهد إليه وقيل لا.
قال برد بن سنان: حضرت يزيد بن الوليد وقد احتضر فأتاه قطن فقال:
стр. 252
أنا رسول من وراء بابك يسألونك بحق الله لما وليت أمرهم أخاك إبراهيم فغضب فقال أنا أولى بإبراهيم ثم قال: يا أبا العلاء إلى من ترى أعهد؟ قلت أمر نهيتك عن الدخول فيه فلا أشير عليك في آخره قال وأغمي عليه حتى حسبته قد مات فقعد قطن فافتعل كتاباً بالعهد على لسان يزيد ودعا ناساً فاستشهدهم عليه ولا والله ما عهد يزيد شيئاً.
ومكث إبراهيم في الخلافة سبعين ليلة ثم خلع خرج عليه مروان بن محمد وبويع فهرب إبراهيم ثم جاء وخلع نفسه من الأمر وسلمه إلى مروان وبايع طائعاً.
وعاش إبراهيم بعد ذلك إلى سنة اثنتين وثلاثين فقتل فيمن قتل من بني أمية في وقعة السفاح.
وفي تاريخ ابن عساكر سمع إبراهيم من الزهري وحكى عن عمه هشام وحكى عنه ابنه يعقوب وأمه أم ولد وهو أخو مروان الحمار لأمه.
وكان خلعه يوم الاثنين لأربع عشرة خلت من صفر سنة سبع وعشرين ومائة.
وقال المدائني لم يتم لإبراهيم أمر كان قوم يسلمون عليه بالخلافة وقوم يسلمون عليه بالإمرة وأبى قوم أن يبايعوا له وقال بعض شعرائهم:
نبايع إبراهيم في كل جمعة … إلا أن أمراً أنت واليه ضائع
وقال غيره كان نقش خاتم إبراهيم إبراهيم يثق بالله.
مروان الحمار
مروان الحمار آخر خلفاء بني أمية أبو عبد الملك بن محمد بن مروان ابن الحكم ويلقب بالجعدي نسبة إلى مؤدبه الجعد بن درهم وبالحمار لأنه كان لا يجف له لبد في محاربة الخارجين عليه.
كان يصل السير بالسير ويصبر على مكاره الحرب ويقال في المثل: فلان
стр. 253
أصبر من حمار في الحروب فلذلك لقب به وقيل لأن العرب تسمي كل مائة سنة حماراً فلما قارب ملك بني أمية مائة سنة لقبوا مروان بالحمار لذلك.
ولد مروان بالجزيرة وأبوه متوليها سنة اثنتين وسبعين وأمه أم ولد.
وولي قبل الخلافة ولايات جليلة وافتتح قونية سنة خمس ومائة.
وكان مشهوراً بالفروسية والإقدام والرجلة والدهاء والعسف فلما قتل الوليد وبلغه ذلك وهو على أرمينية دعا إلى بيعة من رضي المسلمون فبايعوه فلما بلغه موت يزيد أنفق الخزائن وسار فحارب إبراهيم فهزمه وبويع مروان وذلك في نصف صفر سنة سبع وعشرين واستوثق له الأمر فأول ما فعل أمر بنبش يزيد الناقص فأخرجه من قبره وصلبه لكونه قتل الوليد.
ثم أنه لم يتهن بالخلافة لكثرة من خرج عليه منكل جانب إلى سنة اثنتين وثلاثين فخرج عليه بنو العباس وعليهم عبد الله بن علي عم السفاح فسار لحربهم فالتقى الجمعان بقرب الموصل فانكسر مروان فرجع إلى الشام فتبعه عبد الله ففر مروان إلى مصر فتبعه صالح أخو عبد الله فالتقيا بقرية بوصير فقتل مروان بها في ذي الحجة من السنة.
مات في أيامه من الأعلام: السدي الكبير ومالك بن دينار الزاهد وعاصم بن أبي النجود المقري ويزيد بن أبي حبيب وشيبة بن نصاح المقري ومحمد بن المنكدر وأبو جعفر يزيد بن القعقاع مقرئ المدينة وأبو أيوب السختياني وأبو الزناد وهمام بن منبه وواصل بن عطاء المعتزلي.
وأخرج الصولي عن محمد بن صالح قال لما قتل مروان الحمار قطع رأسه ووجه به إلى عبد الله بن علي فنظر إليه وغفل فجاءت هرة فاقتلعت لسانه وجعلت تمضعه فقال عبد الله بن علي لو لم يرنا الدهر من عجائبه إلا لسان مروان في فم هرة لكفانا ذلك.
стр. 254
السفاح أول خلفاء بني العباس
السفاح أول خلفاء بني العباس أبو العباس عبد الله بن محمد بن علي ابن عبد الله بن عباس بن عبد المطلب بن هاشم.
ولد سنة ثمان ومائة وقيل: سنة أربع بالحميمة من ناحية البلقاء ونشأ بها وبويع بالكوفة وأمه ريطة الحارثية.
حدث عن أخيه إبراهيم بن محمد الإمام وروى عنه عمه عيسى بن علي وكان أصغر من أخيه المنصور.
أخرج أحمد في مسنده عن أبي سعيد الخدري " أن رسول الله ﷺ قال: يخرج رجل من أهل بيتي عند انقطاع من الزمان وظهور من الفتن يقال له السفاح فيكون إعطاؤه المال حثياً ".
وقال عبيد الله العيشي قال أبي: سمعت الأشياخ يقولون: والله لقد أفضت الخلافة إلى بني العباس وما في الأرض أحد أكثر قارئاً للقرآن ولا أفضل عابداً ولا ناسكاً منهم.
قال ابن جرير الطبري: كان بدء أمر بني العباس أن رسول الله ﷺ أعلم العباس عمه أن الخلافة تؤول إلى ولده فلم يزل ولده يتوقعون ذلك.
وعن رشدين بن كريب أن أبا هاشم عبد الله بن محمد بن الحنفية خرج إلى الشام فلقي محمد بن علي بن عبد الله بن عباس فقال يا ابن عم إن عندي علماً أريد أن أنبذه إليك فلا تطلعن عليه أحداً إن هذا الأمر الذي ترتجيه الناس فيكم قال: قد علمته فلا يسمعنه منك أحد.
وروى المدائني عن جماعة أن الإمام محمد بن علي بن عبد الله بن عباس قال لنا ثلاثة أوقات: موت يزيد بن معاوية ورأس المائة وفتق بإفريقية
стр. 255
فعند ذلك تدعو لنا دعاة ثم تقبل أنصارنا من المشرق حتى ترد خيولهم المغرب فلما قتل يزيد بن أبي مسلم بإفريقية ونقضت البربر بعث محمد الإمام رجلا إلى خراسان وأمره أن يدعو إلى الرضى من آل محمد ﷺ ولا يسمى أحداً ثم وجه أبا مسلم الخراساني وغيره وكتب إلى النقباء فقبلوا كتبه ثم لم ينشب (١) أن مات محمد فعهد إلى أبنه إبراهيم فبلغ خبره مروان فسجنه ثم قتله فعهد إلى أخيه عبد الله وهو السفاح فاجتمع إليه شيعتهم وبويع بالخلافة بالكوفة في ثالث ربيع الأول سنة اثنتين وثلاثين ومائة وصلى بالناس الجمعة وقال في الخطبة الحمد لله الذي اصطفى الإسلام (٢) لنفسه فكرمه وشرفه وعظمه واختاره لنا وأيده بنا وجعلنا أهله وكهفه وحصنه والقوام به والذابين عنه ثم ذكر قرابتهم في آيات القرآن إلى أن قال فلما قبض الله نبيه قام بالأمر أصحابه إلى أن وثب بنو حرب ومروان فجاروا واستأثروا فأملى الله لهم حيناً حتى آسفوه فانتقم منهم بأيدينا ورد علينا حقنا ليمن بنا على الذين استضعفوا في الأرض وختم بنا كما افتتح بنا وما توفيقنا أهل البيت إلا بالله يا أهل الكوفة أنتم محل محبتنا ومنزل مودتنا لم تفتروا عن ذلك ولم يثنكم عنه تحامل أهل الجور فأنتم أسعد الناس بنا وأكرمهم علينا وقد زدت في أعطياتكم مائة مائة فاستعدوا فأنا السفاح المبيح والتأثر المبير.
وكان عيسى بن علي إذا ذكر خروجهم من الحميمة يريدون الكوفة يقول: إن أربعة عشر رجلا خرجوا من دارهم يطلبون ما طلبنا لعظيمة هممهم شديدة قلوبهم.
ولما بلغ مروان مبايعة السفاح خرج لقتاله فانكسر كما تقدم ثم قتل وقتل في مبايعة السفاح من بني أمية وجندهم ما لا يحصى من الخلائق وتوطدت له الممالك إلى أقصى المغرب.
قال الذهبي بدولته تفرقت الجماعة وخرج عن الطاعة ما بين تاهرت
стр. 256
وطبنة إلى بلاد السودان وجميع مملكة الأندلس وخرج بهذه البلاد من تغلب عليها واستمر ذلك.
مات السفاح بالجدري في ذي الحجة سنة ست وثلاثين ومائة وكان قد عهد إلى أخيه أبي جعفر وكان في سنة أربع وثلاثين قد انتقل إلا الأنبار وصيرها دار الخلافة.
ومن أخبار السفاح قال الصولي: من كلامه إذا عظمت القدرة قلت الشهوة وقل تبرع إلا معه حق مضاع وقال: إن من أدنياء الناس ووضعائهم من عد البخل حزماً والحلم ذلا وقال إذا كان الحلم مفسدة كان العفو معجزة والصبر حسن إلا على ما أوقع الدين وأوهن السلطان والأناة محمودة إلا عند إمكان الفرصة.
قال الصولي: وكان السفاح أسخى الناس ما وعد عدة فأخرها عن وقتها ولا قام من مجلسه حتى يقضيه وقال له عبد الله بن حسن مرة سمعت بألف ألف درهم وما رأيتها قط فأمر بها فأحضرت وأمر بحملها معه إلى منزله.
قال: وكان نقش خاتمه الله ثقة عبد الله وبه يؤمن وقل ما يروى له من الشعر.
وقال سعيد بن مسلم الباهلي: دخل عبد الله بن حسن على السفاح مرة والمجلس غاص ببني هاشم والشيعة ووجوه الناس ومعه مصحف فقال يا أمير المؤمنين أعطنا حقنا الذي جعله الله لنا في هذا المصحف قال له إن علياً جدك كان خيراً مني وأعدل ولي هذا الأمر أفأعطي جديك الحسن والحسين وكانا خيراً منك شيئاً وكان الواجب أن أعطيك مثله فإن كنت فعلت فقد أنصفتك وإن كنت زدتك فما هذا جزائي منك فانصرف ولم يحر جواباً وعجب الناس من جواب السفاح.
قال المؤرخون: في دولة بني العباس افترقت كلمة الإسلام وسقط اسم العرب
стр. 257
من الديوان وأدخل الأتراك في الديوان واستولت الديلم ثم الأتراك وصارت لهم دولة عظيمة وانقسمت ممالك الأرض عدة أقسام وصار بكل قطر قائم يأخذ الناس بالعسف ويملكهم بالقهر.
قالوا وكان السفاح سريعاً إلى سفك الدماء فأتبعه في ذلك عماله بالمشرق والمغرب وكان مع ذلك جواداً بالمال.
مات في أيامه من الأعلام: زيد بن أسلم وعبد الله بن أبي بكر بن حزم وربيعة الرأي فقيه أهل المدينة وعبد الملك بن عمير ويحيى بن أبي إسحاق الحضرمي وعبد الحميد الكاتب المشهور قتل بيوصير مع مروان ومنصور ابن المعتمر وهمام بن منبه.
المنصور أبو جعفر عبد الله
المنصور أبو جعفر عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس وأمه سلامة البربرية أم ولد ولد سنة خمس وتسعين وأدرك جده ولم يرو عنه وروى عن أبيه وعن عطاء بن يسار وعنه ولده المهدي وبويع بالخلافة بعهد من أخيه وكان فحل بني العباس هيبة وشجاعة وحزماً ورأياً وجبروتاً جماعاً للمال تاركاً اللهو واللعب كامل العقل جيد المشاركة في العلم والأدب فقيه النفس قتل خلقاً كثيراً حتى استقام ملكه وهو الذي ضرب أبا حنيفة ﵀ على القضاء ثم سجنه فمات بعد أيام وقيل إنه قتله بالسم لكونه أفتى بالخروج عليه وكان فصيحاً بليغاً مفوهاً خليقاً للإمارة وكان غاية في الحرص والبخل فلقب أبا الدوانيق لمحاسبته العمال والصناع على الدوانيق والحبات.
أخرج الخطيب عن الضحاك عن ابن عباس عن النبي ﷺ قال منا السفاح ومنا المنصور ومنا المهدي.
стр. 258
قال الذهبي: منكر منقطع.
وأخرج الخطيب وابن عساكر وغيرهما من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: منا السفاح ومنا المنصور ومنا المهدي.
قال الذهبي: إسناده صالح.
وأخرج ابن عساكر من طريق إسحاق بن أبي إسرائيل عن محمد بن جابر عن الأعمش عن أبي الوداك عن أبي سعيد الخدري ﵃ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول منا القائم ومنا المنصور ومنا السفاح ومنا المهدي فأما القائم فتأتيه الخلافة ولم يهرق فيها محجمة من دم وأما المنصور فلا ترد له راية وأما السفاح فهو يسفح المال والدم وأما المهدي فيملؤها عدلا كما ملئت ظلماً.
وعن المنصور قال رأيت كأني في الحرم وكأن رسول الله ﷺ في الكعبة وبابها مفتوح فنادى مناد أين عبد الله فقام أخي أبو العباس حتى صار على الدرجة فأدخل فما لبث أن خرج ومعه قناة عليها لواء أسود قدر أربعة أذرع ثم نودي أين عبد الله فقمت على الدرجة فأصعدت وإذا رسول الله ﷺ وأبو بكر وعمر وبلال فعقد لي وأوصاني بأمته وعمني بعمامة فكان كورها ثلاثة وعشرين وقال خذها إليك أبا الخلفاء إلى يوم القيامة.
تولى المنصور الخلافة في أول سنة سبع وثلاثين ومائة فأول ما فعل أن قتل أبا مسلم الخراساني صاحب دعوتهم وممهد مملكتهم.
وفي سنة ثمان وثلاثين ومائة كان دخول عبد الرحمن بن معاوية بن هشام ابن عبد الملك بن مروان الأموي إلى الأندلس (١) واستولى عليها وامتدت أيامه وبقيت الأندلس في يد أولاده إلى بعد الأربعمائة وكان عبد الرحمن هذا من أهل العلم والعدل وأمه بربرية.
قال أبو المظفر الأبيوردي: فكانوا يقولون: ملك الدنيا ابنا بربريتين: المنصور وعبد الرحمن بن معاوية.
стр. 259
وفي سنة أربعين شرع في بناء مدينة بغداد.
وفي سنة إحدى وأربعين كان ظهور الراوندية (١) القائلين بالتناسخ قتلهم المنصور وفيها فتحت طبرستان.
قال الذهبي في سنة ثلاث وأربعين شرع علماء الإسلام في هذا العصر في تدوين الحديث والفقه والتفسير فصنف ابن جريج بمكة ومالك الموطأ بالمدينة والأوزاعي بالشام وابن أبي عروبة وحماد بن سلمة وغيرهما بالبصرة ومعمر باليمن وسفيان الثوري بالكوفة وصنف ابن إسحاق المغازي وصنف أبو حنيفة ﵀ الفقه والرأي ثم بعد يسير صنف هشيم والليث وابن لهيعة ثم ابن المبارك وأبو يوسف وابن وهب وكثر تدوين العلم وتبويبه ودونت كتب العربية واللغة والتاريخ وأيام الناس وقبل هذا العصر كان الأئمة يتكلمون من حفظهم أو يروون العلم من صحف صحيحة غير مرتبة.
وفي سنة خمس وأربعين كان خروج الأخوين محمد وإبراهيم ابني عبد الله ابن حسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب فظفر بهما المنصور فقتلهما وجماعة كثيرة من آل البيت فإنا لله وإنا إليه راجعون.
وكان المنصور أول من أوقع الفتنة بين العباسيين والعلويين وكانوا قبل شيئاً واحداً وآذى المنصور خلقاً من العلماء ممن خرج معهما أو أمر بالخروج قتلا وضرباً وغير ذلك منهم أبو حنيفة وعبد الحميد بن جعفر وابن عجلان وممن أفتى بجواز الخروج مع محمد على المنصور مالك بن أنس ﵀ وقيل له: إن في أعناقنا بيعة للمنصور فقال: إنما بايعتم مكرهين وليس على مكره يمين.
وفي سنة ست وأربعين كانت غزوة قبرس.
وفي سنة سبع وأربعين خلع المنصور عمه عيسى بن موسى من ولاية العهد وكان السفاح عهد إليه من بعد المنصور وكان عيسى هو الذي حارب له الأخوين فظفر بهما فكافأه بأن خلعه مكرهاً وعهد إلى ولده المهدي.
стр. 260
وفي سنة ثمان وأربعين توطدت الممالك كلها للمنصور وعظمت هيبته في النفوس ودانت له الأمصار ولم يبق خارجاً عنه سوى جزيرة الأندلس فقط فإنها غلب عليها عبد الرحمن بن معاوية الأموي المرواني لكنه لم يتلقب بأمير المؤمنين بل بالأمير فقط وكذلك بنوه.
وفي سنة تسع وأربعين فرغ من بناء بغداد.
وفي سنة خمسين خرجت الجيوش الخراسانية عن الطاعة مع الأمير أستاذسيس (١) واستولى على أكثر مدن خراسان وعظم الخطب واستفحل الشر واشتد على المنصور الأمر وبلغ ضريبة الجيش الخراساني ثلثمائة ألف مقاتل ما بين فارس وراجل فعمل معهم أجشم المروزي مصافاً فقتل أجشم واستبيح عسكره فتجهز لحربهم خازم بن خزيمة (٢) في جيش عرمرم يسد الفضاء فالتقى الجمعان وصبر الفريقان وكانت وقعة مشهورة يقال: قتل فيها سبعون ألفاً وانهزم أستاذسيس فالتجأ إلى جبل وأمر الأمير خازم في العام الآتي بالأسرى فضربت أعناقهم وكانوا أربعة عشر ألفاً ثم حاصروا أستاذسيس مدة ثم سلم نفسه فقيدوه وأطلقوا أجناده وكان عددهم ثلاثين ألفاً انتهى.
وفي سنة إحدى وخمسين بني الرصافة وشيدها.
وفي سنة ثلاث وخمسين ألزم المنصور رعيته بلبس القلانس الطوال فكانوا يعلمونها بالقصب والورق ويلبسونها السواد فقال أبو دلامة:
وكنا نرجي من إمام زيادة … فزاد الإمام المصطفى في القلانس
تراها على هام الرجال كأنها … دنان يهود جللت بالبرانس
وفي سنة ثمان وخمسين أمر المنصور نائب مكة بحبس سفيان الثوري وعباد بن كثير فحبسا وتخوف الناس أن يقتلهما المنصور إذا ورد الحج فلم يوصله الله مكة سالماً بل قدم مريضاً ومات وكفاهما الله شره وكانت وفاته بالبطن
стр. 261
في ذي الحجة ودفن بين الحجون وبين بئر ميمون وقال سلم الخاسر:
قفل الحجيج وخلفوا ابن محمد … رهناً بمكة في الضريح الملحد
شهدوا المناسك كلها وإمامهم … تحت الصفائح محرماً لم يشهد
ومن أخبار المنصور أخرج ابن عساكر بسنده أن أبا جعفر المنصور كان يرحل في طلب العلم قبل الخلافة فبينا هو يدخل منزلا من المنازل قبض عليه صاحب الرصد فقال: زن درهمين قبل أن تدخل قال: خل عني فإني رجل من بني هاشم قال: زن درهمين فقال: خل عني فإني من بني عم رسول الله ﷺ قال: زن درهمين قال: خل عني فإني رجل قارئ لكتاب الله قال: زن درهمين قال: خل عني فإني رجل عالم بالفقه والفرائض قال: زن درهمين فلما أعياه أمره وزن الدرهمين فرجع ولزم جمع المال والتدنق فيه حتى لقب بأبي الدوانيق.
وأخرج عن الربيع بن يونس الحاجب قال: سمعت المنصور يقول الخلفاء أربعة أبو بكر وعمر وعثمان وعلي والملوك أربعة: معاوية وعبد الملك وهشام وأنا.
وأخرج عن مالك بن أنس قال: دخلت على أبي جعفر المنصور فقال من أفضل الناس بعد رسول الله ﷺ ؟ قلت: أبو بكر وعمر قال: أصبت وذلك رأي أمير المؤمنين.
وأخرج عن إسماعيل الفهري قال: سمعت المنصور في يوم عرفة على منبر عرفة يقول في خطبته: أيها الناس إنما أنا سلطان الله في أرضه أسوسكم بتوفيقه ورشده وخازنه على فيئه أقسمه بإرادته وأعطيه بإذنه وقد جعلني الله عليه قفلا إذا شاء أن يفتحني فتحني لإعطائكم وإذا شاء أن يقفلني عليه أقفلني فارغبوا إلى الله أيها الناس وسلوه في هذا اليوم الشريف الذي وهب لكم فيه من فضله ما أعلمكم في كتابه إذ يقول: " اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً " أن يوفقني للصواب ويسددني للرشاد ويلهمني الرأفة بكم والإحسان إليكم ويفتحني لإعطائكم وقسم أرزاقكم بالعدل فإنه سميع مجيب.
стр. 262
وأخرجه الصولي وزاد في أوله أن سبب هذه الخطبة أن الناس بخلوه وزاد في آخره: فقال بعض الناس أحال أمير المؤمنين بالمنع على ربه.
وأخرج عن الأصمعي وغيره أن المنصور صعد المنبر فقال: الحمد لله أحمده واستعينه وأومن به وأتوكل عليه وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له فقام إليه رجل فقال: يا أمير المؤمنين أذكر من أنت في ذكره فقال: مرحباً مرحباً لقد ذكرت جليلا وخوفت عظيماً وأعوذ بالله أن أكون ممن إذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالإثم والموعظة منا بدت ومن عندنا خرجت وأنت يا قائلها فأحلف بالله ما الله أردت بها وإنما أردت أن يقال: قام فقال فعوقب فصبر فاهون بها من قائلها واهتبلها من الله ويلك إني قد غفرتها وإياكم معشر الناس وأمثالها وأشهد أن محمداً عبده ورسوله فعاد إلى خطبته فكأنما يقرؤها من قرطاس.
وأخرج من طرق أن المنصور قال لابنه المهدي: يا أبا عبد الله الخليفة لا يصلحه إلا التقوى والسلطان لا يصلحه إلا الطاعة والرعية لا يصلحها إلا العدل وأولى الناس بالعفو أقدرهم على العقوبة وأنقص الناس عقلا من ظلم من هو دونه.
وقال: لا تبر من أمراً حتى تفكر فيه فإن فكرة العاقل مرآته تريه قبيحه وحسنه.
وقال: أي بني استدم النعمة بالشكر والمقدرة بالعفو والطاعة بالتألف والنصر بالتواضع والرحمة للناس.
وأخرج عن مبارك بن فضالة قال: كنا عند المنصور فدعا برجل ودعا بالسيف فقال المبارك يا أمير المؤمنين سمعت الحسن يقول قال رسول الله ﷺ إذا كان يوم القيامة قام مناد من عند الله ينادي ليقم الذين أجرهم على الله فلا يقوم إلا من عفا فقال المنصور خلوا سبيله.
وأخرج عن الأصمعي قال: أتى المنصور برجل يعاقبه فقال يا أمير المؤمنين
стр. 263
الانتقام عدل والتجاوز فضل ونحن نعيذ أمير المؤمنين بالله أن يرضى لنفسه بأوكس النصيبين دون أن يبلغ أرفع الدرجتين فعفا عنه.
وأخرج عن الأصمعي قال: لقى المنصور أعرابياً بالشام فقال: أحمد الله يا أعرابي الذي رفع عنكم الطاعون بولايتنا أهل البيت قال: إن الله لا يجمع علينا حشفاً وسوء كيل ولايتكم والطاعون.
وأخرج عن محمد بن منصور البغدادي قال: قام بعض الزهاد بين يدي المنصور فقال إن الله أعطاك الدنيا بأسرها فاشتر نفسك ببعضها واذكر ليلة تبيت في القبر لم تبت قبلها ليلة واذكر ليلة تمخض عن يوم لا ليلة بعده فأفحم المنصور وأمر له بمال فقال لو احتجت إلى مالك ما وعظتك.
وأخرج عن عبد السلام بن حرب أن المنصور بعث إلى عمرو بن عبيد فجاءه فأمر له بمال فأبى أن يقبله فقال المنصور: والله لتقبلنه فقال: والله لا أقبله فقال له المهدي: قد حلف أمير المؤمنين فقال أمير المؤمنين أقوى على كفارة اليمين من عمك فقال له المنصور: سل حاجتك؟ قال: أسألك أن لا تدعوني حتى آتيك ولا تعطيني حتى أسألك فقال: علمت أني جعلت هذا ولي عهدي فقال: يأتيه الأمر يوم يأتيه وأنت مشغول.
وأخرج عن عبد الله بن صالح قال: كتب المنصور إلى سوار بن عبد الله قاضي البصرة انظر الأرض التي تخاصم فيها فلان القائد وفلان التاجر فادفعها إلى القائد فكتب إليه سوار: إن البينة قد قامت عندي أنها للتاجر فلست أخرجها من يده إلا ببينة فكتب إليه المنصور: والله الذي لا إله إلا هو لتدفعنها إلى القائد فكتب إليه سوار والله الذي لا إله إلا هو لا أخرجتها من يد التاجر إلا بحق فلما جاءه الكتاب قال ملأتها والله عدلا وصار قضاتي تردني إلى الحق.
وأخرج من وجه آخر أن المنصور وشيء إليه بسوار فاستقدمه فعطس
стр. 264
المنصور فلم يشمته سوار فقال ما يمنعك من التشميت؟ قال: لأنك لم تحمد الله فقال: قد حمدت الله في نفسي قال شمتك في نفسي قال: ارجع إلى عملك فإنك إذ لم تحابيني لم تحاب غيري.
وأخرج عن نمير المدني قال: قدم المنصور المدينة ومحمد بن عمران الطلحي على قضائه وأنا كاتبه فاستعدى الجمالون على المنصور في شيء فأمرني أن أكتب إليه بالحضور وإنصافهم فاستعفيت فلم يعفني فكتبت الكتاب ثم ختمته وقال والله لا يمضي به غيرك فمضيت به إلى الربيع فدخل عليه ثم خرج فقال للناس: إن أمير المؤمنين يقول لكم: إني قد دعيت إلى مجلس الحكم فلا يقومن معي أحد ثم جاء هو والربيع فلم يقم له القاضي بل حل رداءه واحتبى به ثم دعا بالخصوم فادعوا فقضى لهم على الخليفة فلما فرغ قال له المنصور جزاك الله عن دينك أحسن الجزاء قد أمرت لك بعشرة آلاف دينار.
وأخرج عن محمد بن حفص العجلي قال: ولد لأبي دلامة ابنة فغدا على المنصور فأخبره وأنشد:
لو كان يقعد فوق الشمس من كرم … قول لقيل اقعدوا يا آل عباس
ثم ارتقوا في شعاع الشمس كلكم … إلى السماء فأنتم أكرم الناس
ثم أخرج أبو دلامة خريطة فقال المنصور ما هذه قال: اجعل فيها ما تأمر لي به فقال أملؤها له دراهم فوسعت ألفي درهم.
وأخرج عن محمد بن سلام الجمحي قال: قيل للمنصور: هل بقي من لذات الدنيا شيء لم تنله قال: بقيت خصلة أن أقعد في مصطبة وحولي أصحاب الحديث يقول المستملي من ذكرت رحمك الله قال فغدا عليه الندماء وأبناء الوزراء بالمحابر والدفاتر فقال لستم بهم إنما هم الدنسة ثيابهم
стр. 265
المشققة أرجلهم الطويلة شعورهم برد الآفاق ونقله الحديث.
وأخرج عن عبد الصمد بن علي أنه قال للمنصور: لقد هجمت بالعقوبة حتى كأنك لم تسمع بالعفو قال لأن بني مروان لم تبل رممهم وآل أبي طالب لم تغمد سيوفهم ونحن بين قوم قد رأونا أمس سوقة واليوم خلفاء فليس تتمهد هيبتنا في صدورهم إلا بنسيان العفو واستعمال العقوبة.
وأخرج عن يونس بن حبيب قال: كتب زياد بن عبد الله الحارثي إلى المنصور يسأله الزيادة في عطائه وأرزاقه وأبلغ في كتابه فوقع المنصور في القصة إن الغني والبلاغة إذا اجتمعنا في رجل أبطرتاه وأمير المؤمنين يشفق عليك من ذلك فاكتف بالبلاغة.
وأخرج عن محمد بن سلام قال: رأت جارية المنصور قميصه مرقوعاً فقالت: خليفة وقميصه مرقوع فقال ويحك أما سمعت قول ابن هرمة:
قد يدرك الشرف الفتى ورداؤه … خلق وجيب قميصه مرقوع
وقال العسكري في الأوائل: كان المنصور في ولد العباس كعبد الملك في بني أمية في بخله رأى بعضهم عليه قميصاً مرقوعاً فقال: سبحان من ابتلى أبا جعفر بالفقر في ملكه وحدا به سلم الحادي فطرب حتى كاد يسقط من الراحلة فأجازه بنصف درهم فقال لقد حدوت بهشام فأجازني بعشرة آلاف فقال ما كان له أن يعطيك ذلك من بيت المال يا ربيع وكل به من يقبضها منه فما زالوا به حتى تركه على أن يحدو به ذهاباً وإياباً بغير شيء.
وفي كتاب الأوائل للعسكري: كان ابن هرمة شديد الرغبة في الخمر فدخل على المنصور فأنشده:
له لحظات من خفا في سريرة … إذا كرها فيها عقاب ونائل
فأم الذي أمنت آمنة الردى … وأم الذي حاولت بالثكل ثاكل
стр. 266
فأعجب به المنصور وقال ما حاجتك؟ قال: تكتب إلى عاملك بالمدينة أن لا يحدني إذا وجدني سكران فقال: لا أعطل حداً من حدود الله قال: تحتال لي فكتب إلى عامله من أتاك بابن هرمة سكران فأجلده مائة واجلد ابن هرمة ثمانين.
فكان العون إذا مر به وهو سكران يقول: من يشتري مائة بثمانين؟ ويتركه ويمضي.
قال: وأعطاه المنصور في هذه المرة عشرة آلاف درهم وقال له: يا إبراهيم احتفظ بها فليس لك عندنا مثلها فقال: إني ألقاك على الصراط بها بختمة الجهبذ.
ومن شعر المنصور وشعره قليل:
إذا كنت ذا رأي فكن ذا عزيمة … فإن فساد الرأي أن تترددا
ولا تمهل الأعداء يوماً بقدرة … وبادرهم أن يملكوا مثلها غدا
وقال عبد الرحمن بن زياد بن أنعم الإفريقي: كنت أطلب العلم مع أبي جعفر المنصور قبل الخلافة فأدخلني منزله فقدم إلي طعاماً لا لحم فيه ثم قال: يا جارية عندك حلواء؟ قالت: لا قال: ولا التمر؟ قالت لا فاستلقى وقرأ " عسى ربكم أن يهلك عدوكم " الآية فلما ولي الخلافة وفدت إليه فقال: كيف سلطاني من سلطان بني أمية؟ قلت: ما رأيت في سلطانهم من الجور شيئاً إلا رأيته في سلطانك فقال إنا لا نجد الأعوان قلت: قال عمر بن عبد العزيز: إن السلطان بمنزلة السوق يجلب إليها ما ينفق فيها فإن كان براً أتوه ببرهم وإن كان فاجراً أتوه بفجورهم فأطرق.
ومن كلام المنصور: الملوك تحتمل كل شيء إلا ثلاثة خلال: إفشاء السر والتعرض للحرم والقدح في الملك أسنده الصولي.
وقال: إذا مد عدوك إليك يده فاقطعها إن أمكنك وإلا فقبلها أسنده أيضاً.
وأخرج الصولي عن يعقوب بن جعفر قال: مما يؤثر من ذكاء المنصور أنه
стр. 267
دخل المدينة فقال للربيع: أطلب لي رجلا يعرفني دور الناس فجاءه رجل فجعل يعرفه الدور إلا أنه لا يبتدئ به حتى يسأله المنصور فلما فارقه أمر له بألف درهم فطالب الرجل الربيع بها فقال: ما قال لي شيئاً وسيركب فذكره فركب مرة أخرى فجعل يعرفه ولا يرى موضعاً للكلام فلما أراد أن يفارقه قال الرجل مبتدئاً وهذه يا أمير المؤمنين دار عاتكة التي يقول فيها الأخوص:
يا بيت عاتكة الذي أتعزل … حذر العدى بك الفؤاد موكل (١)
فأنكر المنصور ابتداءه فأمر القصيدة على قلبه فإذا فيها:
وأراك تفعل ما تقول وبعضهم … مذق اللسان يقول ما لا يفعل
فضحك وقال ويلك يا ربيع أعطه ألف درهم.
وأسند الصولي عن إسحاق الموصلي قال: لم يكن المنصور يظهر لندمائه بشرب ولا غناء بل يجلس وبينه وبين الندماء ستارة وبينهم وبينها عشرون ذراعاً وبينهما وبينه كذلك وأول من ظهر للندماء من خلفاء بني العباس المهدي.
وأخرج الصولي عن يعقوب بن جعفر قال: قال المنصور لقثم بن العباس ابن عبد الله بن العباس وكان عامله على اليمامة والبحرين: ما القثم؟ ومن أي شيء أخذ فقال لا أدري فقال اسمك اسم هاشمي لا تعرفه أنت والله جاهل قال: فإن رأي أمير المؤمنين أن يفيدنيه قال: القثم الذي ينزل بعد الأكل (٢) ويقثم الأشياء: يأخذها ويثلمها.
روي أن المنصور ألح عليه ذباب فطلب مقاتل بن سليمان فسأله لم خلق الله الذباب قال ليذل به الجبارين.
وقال محمد بن علي الخراساني: المنصور أول خليفة قرب المنجمين وعمل بأحكام النجوم وأول خليفة ترجمت له الكتب السريانية والأعجمية بالعربية ككتاب كليلة ودمنة وإقليدس وهو أول من استعمل مواليه على الأعمال
стр. 268
وقدمهم على العرب وكثر ذلك بعده حتى زالت رئاسة العرب وقيادتها وهو أول من أوقع الفرقة بين ولد العباس وولد علي وكان قبل ذلك أمرهم واحداً.
أحاديث من رواية المنصور: قال الصولي: كان المنصور أعلم الناس بالحديث والأنساب مشهوراً بطلبه قال ابن عساكر في تاريخ دمشق حدثنا أبو بكر محمد بن عبد الباقي حدثنا أبو محمد الجوهري حدثنا أبو بكر محمد بن عبد الله بن الشخير حدثنا أحمد بن إسحاق أبو بكر الملحمي حدثنا أبو عقيل أنس بن سلم الأنطرطوشي حدثني محمد بن إبراهيم السلمي عن المأمون عن الرشيد عن المهدي عن المنصور عن أبيه عن جده عن ابن عباس أن النبي ﷺ " كان يتختم في يمينه " وقال الصولي: حدثنا محمد بن زكريا اللؤلؤي حدثنا جهم بن السباق الرياحي حدثني بشر بن المفضل سمعت الرشيد يقول: سمعت المهدي يقول سمعت المنصور يقول حدثني أبي عن أبيه عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ " مثل أهل بيتي مثل سفينة نوح من ركب فيها نجا ومن تأخر عنها هلك " وقال الصولي: حدثنا محمد بن موسى حدثنا سليمان بن أبي شيخ حدثنا أبو سفيان الحميري سمعت المهدي يقول حدثني أبي عن أبيه عن علي بن عبد الله بن عباس عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ " إذا أمرنا أميراً وفرضنا له فرضاً فما أصاب من شيء فهو غلول " وقال الصولي: حدثنا جبلة بن محمد حدثنا أبي عن يحيى بن حمزة الحضرمي عن أبيه قال ولأني المهدي القضاء فقال: اصلب في الحكم فإن أبي حدثني عن أبيه عن علي بن عبد الله بن عباس عن أبيه قال قال رسول الله ﷺ " يقول الله وعزتي وجلالي لأنتقمن من الظالم في عاجله وآجله ولأنتقمن ممن رأى مظلوماً يقدر أن ينصره فلم يفعل " وقال الصولي: حدثنا محمد بن العباس ابن الفرج حدثني أبي عن الأصمعي حدثني جعفر بن سليمان عن المنصور عن أبيه عن جده عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال " كل سبب ونسب ينقطع يوم القيامة إلا سببي ونسبي " وقال الصولي: حدثنا أبو إسحاق
стр. 269
محمد بن هرون بن عيسى حدثنا الحسن بن عبيد الله الحصبي حدثنا إبراهيم ابن سعيد حدثني المأمون عن الرشيد عن المهدي عن المنصور عن أبيه عن جده عن ابن عباس قال: سمعت علي بن أبي طالب يقول: لا تسافروا في محاق الشهر ولا إذا كان القمر في العقرب.
مات في أيام المنصور من الأعلام: ابن المقفع وسهيل بن أبي صالح والعلاء ابن عبد الرحمن وخالد بن يزيد المصري الفقيه وداود بن أبي هند وأبو حازم سلمة بن دينار الأعرج وعطاء بن أبي مسلم الخراساني ويونس بن عبيد وسليمان الأحول وموسى بن عقبة صاحب المغازي وعمرو بن عبيد المعتزلي ويحيى بن سعيد الأنصاري والكلبي وأبو إسحاق وجعفر بن محمد الصادق والأعمش شبل بن عباد مقرئ مكة ومحمد بن عجلان المعدني الفقيه ومحمد ابن عبد الرحمن بن أبي ليلى وابن جريج وأبو حنيفة وحجاج بن أرطأة وحماد الراوية ورؤبة الشاعر والجريري وسليمان التميمي وعاصم الأحول وابن شبرمة الضبي ومقاتل بن حبان ومقاتل بن سليمان وهاشم بن عروة وأبو عمرو بن العلاء وأشعب الطماع وحمزة بن حبيب الزيات والأوزاعي وخلائق آخرون.
المهدي أبو عبد الله محمد بن المنصور
المهدي: أبو عبد الله محمد بن المنصور ولد بأيذج سنة سبع وعشرين ومائة وقيل: سنة ست وعشرين وأمه أم موسى بنت منصور الحميرية.
وكان جواداً ممدحاً مليح الشكل محبباً إلى الرعية حسن الاعتقاد تتبع الزنادقة وأفنى منهم خلقاً كثيراً وهو أول من أمر بتصنيف كتب الجدل في الرد على الزنادقة والملحدين روي الحديث عن أبيه وعن مبارك بن فضالة حدث عنه يحيى بن حمزة وجعفر بن سليمان الضبعي ومحمد بن عبد الله الرقاشي
стр. 270
وأبو سفيان سعيد بن يحيى الحميري قال الذهبي وما علمت قيل فيه جرحاً ولا تعديلا.
وأخرج ابن عدي من حديث عثمان مرفوعاً " المهدي من ولد العباس عمي " تفرد به محمد بن الوليد مولى بني هاشم وكان يضع الحديث وأورد الذهبي هنا حديث ابن مسعود مرفوعاً " المهدي بواطئ أسمه واسمي واسم أبيه اسم أبي " أخرجه أبو داود والترمذي وصححه.
ولما شب المهدي أمره أبوه على طبرستان وما والاها وتأدب وجالس العلماء وتميز ثم إن أباه عهد إليه فلما مات بويع بالخلافة ووصل الخبر إليه ببغداد فخطب الناس فقال: إن أمير المؤمنين عبد دعي فأجاب وأمر فأطاع واغرورقت عيناه فقال قد بكى رسول الله ﷺ عند فراق الأحبة ولقد فارقت عظيماً وقلدت جسيماً فعند الله أحتسب أمير المؤمنين وبه أستعين على خلافة المسلمين أيها الناس أسروا مثل ما تعلنون من طاعتنا نهبكم العافية وتحمدوا العاقبة واخفضوا جناح الطاعة لمن نشر معدلته فيكم وطوى الإصر عنكم وأهال عليكم السلامة من حيث رآه الله مقدما ذلك والله لأفننين عمري بين عقوبتكم والإحسان إليكم.
قال نفطويه: لما حصلت الخزائن في يد المهدي أخذ في رد المظالم فأخرج أكثر الذخائر ففرقها وبر أهله ومواليه.
وقال غيره: أول من هنأ المهدي بالخلافة وعزاه بأبيه أبو دلامة فقال:
عيناي واحدة ترى مسرورة … بأميرها جذلى وأخرى تذرف
تبكي وتضحك تارة ويسوؤها … ما أنكرت ويسرها ما تعرف
فيسوؤها موت الخليفة محرماً … ويسرها أن قام هذا الأرأف
ما إن رأيت كما رأيت ولا أرى … شعراً أسرحه وآخر ينتف
هلك الخليفة يا لدين محمد … وأتاكم من بعد من يخلف
أهدى لهذا الله فضل خلافة … ولذاك جنات النعيم تزخرف
стр. 271
وفي سنة تسع وخمسين بايع المهدي بولاية العهد لموسى الهادي ثم من بعده لهارون الرشيد ولديه.
وفي سنة ستين فتحت أربد (١) من الهند عنوة وفيها حج المهدي فأنهى إليه حجبة الكعبة أنهم يخافون هدمها لكثرة ما عليها من الأستار فأمر بها فجردت واقتصر على كسوة المهدي وحمل إلى المهدي الثلج إلى مكة قال الذهبي لم يتهيأ ذلك لملك قط.
وفي سنة إحدى وستين أمر المهدي بعمارة طريق مكة وبنى بها قصوراً وعمل البرك وأمر بترك المقاصير التي في جوامع الإسلام وقصر المنابر وصيرها على مقدار منبر رسول الله ﷺ .
وفي سنة ثلاث وستين وما بعدها كثرت الفتوح بالروم.
وفي سنة ست وستين تحول المهدي إلى قصره المسمى بعيساباذ (٢) وأمر فأقيم له البريد من المدينة النبوية ومن اليمن ومكة إلى الحضرة بغالا وإبلا قال الذهبي: وهو أول من عمل البريد من الحجاز إلى العراق.
وفيها وفيما بعدها جد المهدي في تتبع الزنادقة وإبادتهم والبحث عنهم في الآفاق والقتل على التهمة.
وفي سنة سبع وستين أمر بالزيادة الكبرى في المسجد الحرام وأدخل في ذلك دوراً كثيرة.
وفي سنة تسع وستين مات المهدي ساق خلف صيد فاقتحم الصيد خربة وتبعه الفرس فدق ظهره في بابها فمات لوقته وذلك لثمان بقين من المحرم وقيل إنه مات مسموماً وقال سلم الخاسر يرثيه:
стр. 272
وباكية على المهدي عبرى … كأن بها وما جنت جنونا
وقد خمشت محاسنها وأبدت … غدائرها وأظهرت القرونا
لئن بلى الخليفة بعد عز … لقد أبقى مساعي ما بلينا
سلام الله عدة كل يوم … على المهدي حين ثوى رهينا
تركنا الدين والدنيا جميعاً … بحيث ثوى أمير المؤمنينا
ومن أخبار المهدي قال الصولي لما عقد المهدي العهد لولده موسى قال مروان بن أبي حفصة:
عقدت لموسى بالرصافة بيعة … شد الإله بها عرى الإسلام
موسى الذي عرفت قريش فضله … ولها فضيلتها على الأقوام
بمحمد بعد النبي محمد … حيي الحلال ومات كل حرام
مهدي أمته الذي أمست به … للذل آمنه وللإعدام
موسى ولي عهد الخلافة بعده … جفت بذاك مواقع الأقلام
وقال آخر:
يا بن الخليفة إن أمة أحمد … تاقت إليك بطاعة أهواؤها
ولتملأن الأرض عدلا كالذي … كانت تحدث أمة علماؤها
حتى تمنى لو ترى أمواتها … من عدل حكمك ما ترى أحياؤها
فعلى أبيك اليوم بهجة ملكها … وغدا عليك إزارها ورداؤها
وأسند الصولي أن امرأة اعترضت المهدي فقال يا عصبة رسول الله ﷺ انظر في حاجتي فقال المهدي: ما سمعتها من أحد قط أقضوا حاجتها وأعطوها عشرة آلاف درهم.
وقال قريش الختلي: رفع صالح بن عبد القدوس البصري إلى المهدي في الزندقة فأراد قتله فقال أتوب إلى الله وأنشده لنفسه:
стр. 273
ما يبلغ الأعداء من جاهل … ما يبلغ الجاهل من نفسه
والشيخ لا يترك أخلاقه … حتى يواري في ثرى رمسه
فصرفه فلما قرب من الخروج رده فقال: ألم تقل والشيخ لا يترك أخلاقه قال: بلى قال فكذلك أنت لا تدع أخلاقك حتى تموت ثم أمر بقتله.
وقال زهير قدم على المهدي بعشرة محدثين: منهم فرج بن فضالة وغياث ابن إبراهيم وكان المهدي يحب الحمام فلما أدخل غياث قيل له حدث أمير المؤمنين فحدثه عن فلان عن أبي هريرة مرفوعاً لا سبق إلا في حافر أو نصل وزاد فيه أو جناح فأمر له المهدي بعشرة آلاف درهم فلما قام قال أشهد أن قفاك قفا كذاب وإنما استجلبت ذلك ثم أمر بالحمام فذبحت.
وروي أن شريكاً دخل على المهدي فقال له لا بد من ثلاث إما أن تلي القضاء أو تؤدب ولدي وتحدثهم أو تأكل عندي أكلة ففكر ساعة ثم قال الأكلة أخف علي فأمر المهدي بعمل ألوان من المخ المعقود بالسكر وغير ذلك فأكل فقال الطباخ لا يفلح بعدها قال حدثهم بعد ذلك وعلمهم العلم وولى القضاء لهم.
وأخرج البغوي في الجعديات عن حمدان الأصبهاني قال كنت عند شريك فأتاه ابن المهدي فاستند وسأل عن حديث فلم يلتفت شريك ثم أعاد فعاد فقال كأنك تستخف بأولاد الخلفاء قال لا ولكن العلم أزيد عند أهله من أن يضيعوه فجثا على ركبتيه ثم سأله فقال شريك هكذا يطلب العلم ومن شعر المهدي ما أنشده الصولي:
ما يكف الناس عنا … ما يمل الناس منا
إنما همتهم أن … ينبشوا ما قد دفنا
стр. 274
لو سكنا بطن أرض … فلكانوا حيث كنا
وهم إن كاشفونا … في الهوى يوماً مجنا
وأسند الصولي عن محمد بن عمارة قال: كان للمهدي جارية شغف بها وهي كذلك إلا أنها تتحاماه كثيراً فدس إليها من عرف ما في نفسها فقالت أخاف أن يملني ويدعني فأموت فقال المهدي في ذلك:
ظفرت بالقلب مني … غادة مثل الهلال
كلما صح لها ود … ي جاءت باعتلال
لا لحب الهجر مني … والتنائي عن وصال
بل لإبقاء على حبي … لها خوف الملال
وله في نديمه عمر بن بزيع:
رب تمم لي نعيمي … بأبى حفص نديمي
إنما لذة عيشي … في غناء وكروم
وجوار عطرات … وسماع ونعيم
قلت: شعر المهدي أرق وألطف من شعر أبيه وأولاده بكثير.
وأسند الصولي عن ابن أبي كريمة قال: دخل المهدي إلى حجرة جارية على غفلة فوجدها وقد نزعت ثيابها وأرادت لبس غيرها فلما رأته غطت بيدها فقصرت كفها عنه فضحك وقال:
نظرت في القصر عيني … نظرة وافق حيني
ثم خرج فرأى بشاراً فأخبره وقال أجز فقال بشار:
سترته إذ رأتني … دونه بالراحتين
فبدا لي منه فضل … تحت طي العكنتين
وأسند عن إسحاق الموصلي قال: كان المهدي في أول أمره يحتجب عن
стр. 275
الندماء تشبيهاً بالمنصور نحواً من سنة ثم ظهر لهم فأشير عليه أن يحتجب فقال إنما اللذة مع مشاهدتهم.
وأسند عن مهدي بن سابق قال: صاح رجل بالمهدي وهو في موكبه:
قل للخليفة: حاتم لك خائن … فخف الإله وأعفنا من حاتم
إن العفيف إذا استعان بخائن … كان العفيف شريكه في المأتم
فقال المهدي: يعزل كل عامل لنا يدعى حاتماً.
وأسند عن أبي عبيدة قال كان المهدي يصلي بنا الصلوات الخمس في المسجد الجامع بالبصرة لما قدمها فأقيمت الصلاة يوماً فقال أعرابي لست على طهر وقد رغبت في الصلاة خلفك فأمر هؤلاء بانتظاري فقال: انتظروه ودخل المحراب فوقف إلى أن قبل قد جاء الرجل فكبر فعجب الناس من سماحة أخلاقه.
وأسند عن إبراهيم بن نافع أن قوماً من أهل البصرة تنازعوا إليه في نهر من أنهار البصرة فقال: إن الأرض لله في أيدينا للمسلمين فما لم يقع له ابتياع منها يعود ثمنه على كافتهم وفي مصلحتهم فلا سبيل لأحد عليه فقال القوم: هذا النهر لنا بحكم رسول الله ﵌ لأنه قال: " من أحيا أرضاً ميتة فهي له " وهذه موات فوثب المهدي عند ذكر النبي ﷺ حتى ألصق خده بالتراب وقال: سمعت لما قال وأطعت ثم عاد وقال بقي أن تكون هذه الأرض مواتاً حتى لا أعرض فيها وكيف تكون مواتاً والماء المحيط بها من جوانبها فإن أقاموا البينة على هذا سلمت.
وأسند عن الأصمعي قال: سمعت المهدي على منبر البصرة يقول إن الله أمركم بأمر بدأ فيه بنفسه وثنى بملائكته فقال " إن الله وملائكته يصلون على النبي " الآية " آثره بها من بين الرسل إذ خصكم بها من بين الأمم.
стр. 276
قلت: وهو أول من قال ذلك في الخطبة وقد استسنها الخطباء إلى اليوم.
ولما مات قال أبو العتاهية وقد علقت المسوح على قباب حرمه:
رحن في الموشي وأصبحن … عليهم المسوح
كل نطاح من الدهر … له يوم نطوح
لست بالباقي ولو عمرت … ما عمر نوح
نح على نفسك يا … مسكين إن كنت تنوح
ذكر أحاديث من رواية المهدي
قال الصولي: حدثني احمد بن محمد ابن صالح التمار حدثنا يحيى بن محمد القرشي حدثنا أحمد بن هشام حدثنا أحمد ابن عبد الرحمن بن مسلم المدائني وهو ثقة صدوق قال سمعت المهدي يخطب فقال: حدثنا شعبة عن علي بن زيد عن أبي النضرة عن أبي سعيد الخدري قال خطبنا رسول الله ﵌ خطبة من العصر إلى مغيربان الشمس حفظها من حفظها ونسيها من نسيها فقال " إلا إن الدنيا حلوة خضرة " الحديث بطوله.
وقال الصولي: حدثنا إسحاق بن إبراهيم القزاز حدثنا إسحاق بن إبراهيم ابن حبيب بن الشهيد حدثني أبو يعقوب بن حفص الخطابي سمعت المهدي يقول حدثني أبي عن أبيه عن علي بن عبد الله بن عباس عن أبيه أن وفداً من العجم قدموا على رسول الله ﵌ وقد أحفوا لحاهم وأعفوا شواربهم فقال النبي ﵌ " خالفوهم أعفوا لحاكم وأحفوا شواربكم " وإحفاء الشارب أخذ ما سقط على الشفة منه ووضع المهدي يده على أعلى شفته.
وقال منصور بن مزاحم ومحمد بن يحيى بن حمزة عن يحيى بن حمزة قال: صلى بنا المهدي المغرب فجهر بسم الله الرحمن الرحيم فقلت: يا أمير المؤمنين
стр. 277
ما هذا قال حدثني أبي عن أبيه عن ابن إسحاق أن النبي ﵌ جهر بسم الله الرحمن الرحيم فقلت للمهدي: نأثره عنك؟ قال: نعم قال الذهبي: هذا إسناد متصل لكن ما علمت أحدا احتج بالمهدي ولا بأبيه في الأحكام تفرد به محمد بن الوليد مولى بني هاشم وقال ابن عدي: كان يضع الحديث.
قلت: لم ينفرد به بل وجدت له متابعاً مات في أيام المهدي من الأعلام شعبة وابن أبي ذئب وسفيان الثوري وإبراهيم بن ادهم الزاهد وداود الطائي الزاهد وبشار بن برد أول شعراء المحدثين وحماد بن سلمة وإبراهيم بن طهمان والخليل بن أحمد صاحب العروض.
الهادي أبو محمد موسى بن المهدي
الهادي أبو محمد موسى بن المهدي بن المنصور وأمه أم ولد بربرية اسمها الخيزران ولد بالري سنة سبع وأربعين ومائة وبويع بالخلافة بعد أبيه بعهد منه قال الخطيب: ولم يل الخلافة قبله أحد في سنة فأقام فيها سنة وأشهراً وكان أبوه أوصاه بقتل الزنادقة فجد في أمرهم وقتل منهم خلقاً كثيراً وكان يسمى موسى أطبق لأن شفته العليا كانت تقلص فكان أبوه وكل به في صغره خادماً كلما رآه مفتوح الفم قال موسى: أطبق فيفيق على نفسه ويضم شفتيه فشهر بذلك. قال الذهبي: وكان يتناول المسكر ويلعب ويركب حماراً فارهاً ولا يقيم أبهة الخلافة وكان مع ذلك فصيحاً قادراً على الكلام أديباً تعلوه هيبة وله سطوة وشهامة.
стр. 278
وقال غيره: كان جباراً وهو أول من مشت الرجال بين يديه بالسيوف المرهفة والأعمدة والقسي الموترة فاتبعه عماله به في ذلك وكثر السلاح في عصره.
مات في ربيع الآخر سنة سبعين ومائة واختلف في سبب موته فقيل إنه دفع نديماً له من جرف على أصول قصب قد قطع فتعلق النديم به فوقع فدخلت قصبة في منخره فماتا جميعاً وقيل أصابته قرحة في جوفه وقيل سمته أمه الخيزران لما عزم على قتل الرشيد ليعهد إلى ولده وقيل كانت أمه حاكمة مستبدة بالأمور الكبار وكانت المواكب تغدو إلى بابها فزجرهم عن ذلك وكلمها بكلام وقح وقال: لئن وقف ببابك أمير لأضربن عنقه أما لك مغزل يشغلك أو مصحف يذكرك أو سبحة فقامت ما تعقل من الغضب فقيل إنه بعث إليها بطعام مسموم فأطعمت منه كلباً فانتثر فعملت على قتله لما وعك بأن غموا وجهه ببساط جلسوا على جوانبه وخلف سبعة بنين. ومن شعر الهادي في أخيه هارون لما امتنع من خلع نفسه:
نصحت لهارون فرد نصيحتي … وكل امرئ لا يقبل النصح نادم
وأدعوه للأمر المؤلف بيننا … فيبعد عنه وهو في ذاك ظالم
ولولا انتظاري منه يوماً إلى غد … لعاد إلى ما قلته وهو راغم
ومن أخبار الهادي أخرج الخطيب عن الفضل قال: غضب الهادي على رجل فكلم فيه فرضى فذهب يعتذر فقال له الهادي إن الرضا قد كفاك مؤنة الاعتذار وأخرج عن عبد الله بن مصعب قال: دخل مروان بن أبي حفصة على الهادي فأنشده مديحاً له حتى إذا بلغ قوله:
تشابه يوماً بأسه ونواله … فما أحد يدري لأيهما الفضل
стр. 279
فقال له الهادي: أيما أحب إليك ثلاثون ألف معجلة أو مائة ألف تدور في الديوان؟ قال: تعجل الثلاثون ألفاً وتدور المائة ألف قال: بل تعجلان لك جميعاً فحمل له ذلك.
وقال الصولي: لا تعرف امرأة ولدت خليفتين إلا الخيزران أم الهادي والرشيد وولادة بنت العباس العبسية زوج عبد الملك بن مروان ولدت الوليد وسليمان وشاهفرند بنت فيروز بن يزدجرد بن كسرى ولدت للوليد بن عبد الملك يزيد الناقص وإبراهيم وولياً الخلافة.
قلت: يزاد على ذلك بأي خاتون سرية المتوكل الأخير ولدت العباس وحمزة وولياً الخلافة وكزل سريته أيضاً ولدت داود وسليمان وولياها.
ثم قال الصولي: لا يعرف خليفة ركب البريد إلا الهادي من جرجان إلى بغداد قال: وكان نقش خاتمه الله ثقة موسى وبه يؤمن.
قال الصولي: ولسلم الخاسر في الهادي يمدحه
موسى المطر … غيث بكر
ثم انهمر … ألوى المرر
كم اعتسر … وكم قدر
ثم غفر … عدل السير
باقي الأثر … خير وشر
نفع وضر … خير البشر
فرع مضر … بدر بدر
لمن نظر … هو الوزر
لمن حضر … والمفتحر لمن غبر
стр. 280
قال: وهذا على جزء جزء مستفعلن مستفعلن وهو أول من عمله ولم نسمع لمن قبله شعراً على جزء جزء.
وأسند الصولي: عن سعيد بن سلم قال: إني لأرجو أن يغفر الله للهادي بشيء رأيته منه حضرته يوماً وأبو الخطاب السعدي ينشده قصيدة في مدحه إلى أن قال:
يا خير من عقدت كفاه حجزته … وخير من قلدته أمرها مضر
فقال له الهادي: إلا من ويلك قال سعيد: ولم يكن استثنى في شعره فقلت: يا أمير المؤمنين إنما يعني من أهل هذا الزمان ففكر الشاعر فقال:
إلا النبي رسول الله إن له … فضلا وأنت بذاك الفضل تفتخر
فقال: الآن أصبت وأحسنت وأمر له بخمسين ألف درهم.
وقال المدائني: عزى الهادي رجلاً في ابن له فقال: سرك وهو فتنة وبلية ويحزنك وهو ثواب ورحمة.
وقال الصولي: قال سلم الخاسر في الهادي جامعاً بين العزاء والهناء:
لقد قام موسى بالخلافة والهدى … ومات أمير المؤمنين محمد
فمات الذي غم البرية فقده … وقام الذي يكفيك من يتفقد
وقال مروان بن أبي حفصة كذلك:
لقد أصبحت تختال في كل بلدة … بقبر أمير المؤمنين المقابر
ولو لم تسكن بابنه بعد موته … لما برحت تبكي عليه المنابر
ولو لم يقم موسى عليها لرجعت … حنيناً كما حن الصفايا العشائر
حديث من رواية الهادي: قال الصولي: حدثني محمد بن زكريا هو الغلابي حدثني محمد بن عبد الرحمن المكي حدثنا قسورة بن السكن الفهري حدثنا المطلب بن عكاشة المري قال قدمنا على الهادي شهوداً على رجل شتم
стр. 281
قريشاً وتخطى إلى ذكر النبي ﷺ فجلس لنا مجلساً احضر فيه فقهاء زمانه واحضر الرجل فشهدنا عليه فتغير وجه الهادي ثم نكس رأسه ثم رفعه فقال سمعت أبي المهدي يحدث عن أبيه المنصور عن أبيه محمد عن أبيه على عن أبيه عبد الله بن عباس قال: من أراد هوان قريش أهانه الله وأنت يا عدو الله لم ترض بأن أردت ذلك من قريش حتى تخطيت إلى ذكر النبي ﷺ اضربوا عنقه أخرجه الخطيب من طريق الصولي والحديث هكذا في هذه الرواية موقوف وقد ورد مرفوعاً من وجه آخر.
مات في أيام الهادي من الأعلام نافع قارئ أهل المدينة وغيره.
الرشيد هارون أبو جعفر
الرشيد هارون أبو جعفر بن المهدي محمد بن المنصور عبد الله بن محمد بن علي ابن عبد الله بن العباس استخلف بعهد من أبيه عند موت أخيه الهادي ليلة السبت لأربع عشرة بقيت من ربيع الأول سنة سبعين ومائة قال الصولي: هذه الليلة ولد له فيها عبد الله المأمون ولم يكن في سائر الزمان ليلة مات فيها خليفة وقام خليفة وولد خليفة إلا هذه الليلة وكان يكنى أبا موسى فتكنى بأبي جعفر حدث عن أبيه وعن جده ومبارك بن فضالة وروى عنه ابنه المأمون وغيره وكان من أمير الخلفاء واجل ملوك الدنيا وكان كثير الغزو والحج كما قال فيه أبو المعالي الكلابي (١):
فمن يطلب لقاءك أو يرده … فبالحرمين أو أقصى الثغور
ففي أرض العدو على طمر … وفي ارض الترفه فوق كور (٢)
стр. 282
مولده بالري حين كان أبوه أميراً عليها وعلى خراسان في سنة ثمان وأربعين ومائة وأمه أم ولد تسمى الخيزران وهى أم الهادي وفيها يقول مروان ابن أبي حفصة:
يا خيزران هناك ثم هناك … أمسى يسوس العالمين ابناك
وكان أبيض طويلاً جميلا مليحاً فصيحاً له نظر في العلم والأدب.
وكان يصلي في خلافته في كل يوم مائة ركعة إلى أن مات لا يتركها إلا لعلة ويتصدق من صلب ماله كل يوم بألف درهم.
وكان يحب العلم وأهله ويعظم حرمات الإسلام ويبغض المراء في الدين والكلام في معارضة النص.
وبلغه عن بشر المريسي القول بخلق القرآن فقال: لئن ظفرت به لأضربن عنقه (١).
وكان يبكي على نفسه وعلى إسرافه وذنوبه سيما إذا وعظ وكان يحب المديح ويجيز عليه الأموال الجزيلة وله شعر.
دخل عليه مرة ابن السماك الواعظ فبالغ باحترامه فقال له ابن السماك: تواضعك في شرفك أشرف من شرفك ثم وعظه فأبكاه.
وكان يأتي بنفسه إلى بيت الفضيل بن عياض.
قال عبد الرزاق: كنت مع الفضيل بمكة فمر هارون فقال فضيل: الناس يكرهون هذا وما في الأرض أعز علي منه لو مات لرأيت أموراً عظاماً.
قال أبو معاوية الضرير: ما ذكرت النبي ﵌ بين
стр. 283
يدي الرشيد إلا قال صلى الله على سيدي وحدثه بحديثه ﵌ " ووددت أني أقاتل في سبيل الله فأقتل ثم أحي فأقتل " فبكى حتى انتحب.
وحدثته يوماً حديثاً احتج آدم وموسى وعنده رجل من وجوه قريش فقال القرشي: فأين لقيه فغضب الرشيد وقال النطع والسيف زنديق يطعن في حديث النبي ﵌.
قال أبو معاوية: فما زلت اسكنه وأقول يا أمير المؤمنين كانت منه نادرة حتى سكن.
وعن أبي معاوية أيضاً قال أكلت مع الرشيد يوماً ثم صب على يدي رجل لا أعرفه ثم قال الرشيد تدري من يصب عليك قلت لا قال أنا إجلالا للعلم وقال منصور بن عمار: ما رأيت اغزر دمعاً عند الذكر من ثلاثة الفضيل بن عياض والرشيد وآخر.
وقال عبيد الله القواريري: لما لقي الرشيد الفضيل قال له: يا حسن الوجه أنت المسئول عن هذه الأمة حدثنا ليث عن مجاهد " وتقطعت بهم الأسباب " (١) قال الوصلة التي كانت بينهم في الدنيا فجعل هارون يبكي ويشهق.
ومن محاسنه انه لما بلغه موت ابن المبارك جلس للعزاء وأمر الأعيان أن يعزوه في ابن المبارك.
قال نفطويه: كان الرشيد (٢) يقتفي آثار جده أبي جعفر إلا في الحرص فإنه لم ير خليفة قبله أعطى منه أعطى مرة سفيان بن عيينة مائة ألف وأجاز
стр. 284
إسحاق الموصلي مرة بمائتي ألف وأجاز مروان بن أبي حفصة مرة على قصيدة خمسة آلاف دينار وخلعة وفرساً من مراكبه وعشرة من رقيق الروم.
وقال الأصمعي قال لي الرشيد: يا أصمعي ما أغفلك عنا وأجفاك لنا قلت: يا أمير المؤمنين ما لاقتني بلاد بعدك حتى أتيتك فسكت فلما تفرق الناس قال ما لاقتني قلت:
كفاك كف ما تليق درهماً … جوداً وأخرى تعطي بالسيف الدما
فقال: أحسنت وهكذا فكن وقرنا في الملا وعلمنا في الخلا وأمر لي بخمسة آلاف دينار وفي مروج المسعودي قال رام الرشيد أن يوصل ما بين بحر الروم وبحر القلزم مما يلي الفرما فقال له يحيى بن خالد البرمكي كان يختطف الروم الناس من المسجد الحرام وتدخل مراكبهم إلى الحجاز فتركه.
وقال الجاحظ: اجتمع للرشيد ما لم يجتمع لغيره وزراؤه البرامكة وقاضيه أبو يوسف ﵀ وشاعره مروان بن أبي حفصة ونديمه العباس بن محمد عم أبيه وحاجبه الفضل بن الربيع أنبه الناس وأعظمهم ومغنيه إبراهيم الموصلي وزوجته زبيدة.
وقال غيره: كانت أيام الرشيد كلها خير كأنها من حسنها أعراس.
وقال الذهبي: أخبار الرشيد يطول شرحها ومحاسنه جمة وله أخبار في اللهو واللذات المحظورة والغناء سامحه الله.
مات في أيامه من الأعلام مالك بن أنس والليث بن سعد وأبو يوسف صاحب أبي حنيفة والقاسم بن معن ومسلم بن خالد الزنجي ونوح الجامع والحافظ أبو عوانة اليشكري وإبراهيم بن سعد الزهري وأبو إسحاق الفزاري وإبراهيم بن أبي يحيى شيخ الشافعي وأسد الكوفي من كبار أصحاب أبي حنيفة وإسماعيل بن عياش وبشر بن المفضل وجرير
стр. 285
ابن عبد الحميد وزياد البكائي وسليم المقرئ صاحب حمزة وسيبويه إمام العربية وضيغم الزاهد وعبد الله العمري الزاهد وعبد الله بن المبارك وعبد الله بن إدريس الكوفي وعبد العزيز بن أبي حازم والدراوردي والكسائي شيخ القراء والنحاة ومحمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة كلاهما في يوم وعلي بن مسهر وغنجار وعيسى بن يونس السبيعي والفضيل ابن عياض وابن السماك الواعظ ومروان بن أبي حفصة الشاعر والمعافي ابن عمران الموصلي ومعتمر بن سليمان والمفضل بن فضالة قاضي مصر وموسى بن ربيعة أبو الحكم المصري أحد الأولياء والنعمان بن عبد السلام الأصبهاني وهشيم ويحيى بن أبي زائدة ويزيد بن زريع ويونس ابن حبيب النحوي ويعقوب بن عبد الرحمن قارئ المدينة وصعصعة ابن سلام عالم الأندلس أحد أصحاب مالك وعبد الرحمن بن القاسم اكبر أصحاب مالك والعباس بن الحنف الشاعر المشهور وأبو بكر ابن عياش المقرئ ويوسف بن الماجشون وخلائق آخرون كبار.
ومن الحوادث في أيامه في سنة خمس وسبعين افترى عبد الله بن مصعب الزبيري على يحيى بن عبد الله بن حسن العلوي انه طلب إليه أن يخرج معه على الرشيد فباهله يحيى بحضرة الرشيد وشبك يده في يده وقال: قل اللهم إن كنت تعلم أن يحيى لم يدعني إلى الخلاف والخروج على أمير المؤمنين هذا فكلني إلى حولي وقوتي واسحتني بعذاب من عندك آمين رب العالمين فتلجلج الزبير وقالها ثم قال يحيى مثل ذلك وقاما فمات الزبيري ليومه.
وفي سنة ست وسبعين فتحت مدينة دبسة (١) على يد الأمير عبد الرحمن بن عبد الملك بن صالح العباسي.