متى يقل حاجباً سرادقه … هذا ابن بيض بالباب يبتسم
قد كنت أسلمت فيك مقتبلا … هيهات ادخل فأعطني سلمي
أسلمت: أسلفت مقتبلا آخذاً قبيلا أي كفيلا قال أنشدني أنصف بيت قالته العرب قلت قول ابن أبي عروبة المديني:
إني وإن كان ابن عمي عاتبا … لمزاحم من خلفه وورائه
ومفيده نصري وإن كان امرأ … متزحزحاً في أرضه وسمائه
وأكون والي سره وأصونه … حتى يحن إلي وقت أدائه
وإذا الحوادث أجحفت بسوامه … قرنت صحيحتنا إلى جربائه
وإذا دعا باسمي ليركب مركبا … صعبا قعدت له على سيسائه
وإذا أتى من وجهه بطريقة … لم أطلع فيما وراء خبائه
وإذا ارتدى ثوباً جميلا لم أقل … يا ليت أن علي حسن ردائه
قال أنشدني أقنع بيت للعرب فأنشدته قول ابن عبدل:
إني امرؤ لم أزل وذاك من … الله أديباً أعلم الأدبا
أقيم بالدار ما اطمأن بي الدار … وإن كنت نازحاً طربا
لا أحتوي خلة الصديق ولا … أتبع نفسي شيئاً إذا ذهبا
أطلب ما يطلب الكريم من … الرزق بنفسي وأجمل الطلبا
إني رأيت الفتى الكريم إذا … رغبته في صنيعه رغبا
والعبد لا يطلب العلاء ولا … يعطيك شيئاً إلا إذا رهبا
مثل الحمار الموقع السوء لا … يحسن شيئاً إلا إذا ضربا
ولم أجد عروة العلائق إلا … الدين لما اختبرت والحسبا
وقد يرزق الخافض المقيم وما … شد بعيس رحلا ولا قتبا
ويحرم الرزق ذو المطية والرحل … ومن لا يزال مغتربا
стр. 317
قال: أحسنت يا نضر وأخذ القرطاس فكتب شيئاً لا أدري ما هو ثم قال: كيف تقول افعل من التراب قلت أترب قال ومن الطين قلت طن قال فالكتاب ماذا قلت مترب مطين قال هذه أحسن من الأولى فكتب لي بخمسين ألف درهم ثم أمر الخادم أن يوصلني إلى الفضل بن سهل فمضيت معه فلما قرأ الكتاب قال يا نضر لحنت أمير المؤمنين قلت كلا ولكن هشيم لحانه فتبع أمير المؤمنين لفظه فأمر لي من عنده بثلاثين ألفاً فخرجت إلى منزلي بثمانين ألفاً.
وأخرج الخطيب عن محمد بن زياد الأعرابي قال بعث إلى المأمون فصرت إليه وهو في بستان يمشي مع يحيى بن أكثم فرأيتهما موليين فجلست فلما أقبلا قمت فسلمت عليه بالخلافة فسمعته يقول ليحيى يا أبا محمد ما أحسن أدبه رآنا موليين فجلس ثم رآنا مقبلين فقام ثم رد علي السلام فقال أخبرني عن قول هند بنت عتبة (١):
نحن بنات طارق … نمشي على النمارق
مشي قطا الهمارق
من طارق هذا فنظرت في نسبها فلم أجده فقلت يا أمير المؤمنين ما أعرفه في نسبها فقال إنما أرادت النجم وانتسبت إليه لحسنها من قول الله تعالى " والسماء والطارق " فقلت فأيده أمير المؤمنين فقال أنا بؤبؤ هذا الأمر وابن بؤبؤه ثم رمى إلي بعنبرة كان يقلبها في يده بعتها بخمسة آلاف درهم.
وأخرج عن أبي عبادة قال: كان المأمون أحد ملوك الأرض وكان يجب له هذا الاسم على الحقيقة.
وأخرج عن ابن أبي دؤاد قال دخل رجل من الخوارج على المأمون فقال له المأمون ما حملك على خلافنا قال آية في كتاب الله قال وما هي
стр. 318
قال قوله تعالى " ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون " قال ألك علم بأنها منزلة قال نعم قال وما دليلك قال إجماع الأمة قال فكما رضيت بإجماعهم في التنزيل فارض بإجماعهم في التأويل قال صدقت السلام عليك يا أمير المؤمنين.
وأخرج ابن عساكر عن محمد بن منصور قال: قال المأمون من علامة الشريف أن يظلم من فوقه ويظلمه من هو دونه.
وأخرج عن سعيد بن مسلم قال: قال المأمون لوددت أن أهل الجرائم عرفوا رأيي في العفو ليذهب عنهم الخوف ويخلص السرور إلى قلوبهم.
وأخرج عن إبراهيم بن سعيد الجوهري قال وقف رجل بين يدي المأمون قد جنى جناية فقال له والله لأقتلنك فقال يا أمير المؤمنين تأن علي فإن الرفق نصف العفو قال وكيف وقد حلفت لأقتلنك فقال لأن تلقى الله حانثاً خير من أن تلقاه قاتلا فخلى سبيله.
وأخرج الخطيب عن أبي الصلت عبد السلام بن صالح قال بت عند المأمون ليلة فنام القيم الذي كان يصلح السراج فقام المأمون وأصلحه وسمعته يقول ربما أكون في المتوضأ فيشتمني الخدام ويفترون علي ولا يدرون أنه أسمع فأعفو عنهم وأخرج الصولي عن عبد الله بن البواب قال كان المأمون يحلم حتى يغيظنا وجلس مرة يستاك على دجلة من وراء ستر ونحن قيام بين يديه فمر ملاح وهو يقول أتظنون أن هذا المأمون ينبل (١) في عيني وقد قتل أخاه قال فوالله ما زاد على أن تبسم وقال لنا ما الحيلة عندكم حتى أنبل (١) في عين هذا الرجل الجليل.
стр. 319
وأخرج الخطيب عن يحيى بن أكثم قال ما رأيت أكرم من المأمون بت عنده ليلة فأخذه سعال فرأيته يسد فاه بكم قميصه حتى لا أنتبه.
وكان يقول أول العدل أن يعدل الرجل في بطانته ثم الذين يلونهم (١) حتى يبلغ إلى الطبقة السفلى.
وأخرج ابن عساكر عن يحيى بن خالد البرمكي قال: قال لي المأمون يا يحيى اغتنم قضاء حوائج الناس فإن الفلك أدور والدهر أجور من أن يترك لأحد حالا أو يبقى لأحد نعمة.
وأخرج عن عبد الله بن محمد الزهري قال: قال المأمون غلبة الحجة احب إلي من غلبة القدرة لأن غلبة القدرة تزول بزوالها وغلبة الحجة لا يزيلها شيء.
واخرج عن العتبي قال سمعت المأمون يقول من لم يحمدك على حسن النية لم يشكر على جميل الفعل.
وأخرج عن أبي العالية قال سمعت المأمون يقول ما أقبح اللجاجة بالسلطان وأقبح من ذلك الضجر (٢) من القضاة قبل التفهم وأقبح منه سخافة الفقهاء بالدين وأقبح منه البخل بالأغنياء والمزاح بالشيوخ والكسل بالشباب والجبن بالمقاتل.
وأخرج عن علي بن عبد الرحيم المروزي قال قال المأمون أظلم الناس لنفسه من يتقرب إلى من يبعده ويتواضع لمن لا يكرمه ويقبل مدح من لا يعرفه.
وأخرج عن مخارق قال أنشدت المأمون قول أبي العتاهية:
وإني لمحتاج إلى ظل صاحب … يروق ويصفو إن كدرت عليه
стр. 320
فقال لي أعد فأعدت سبع مرات فقال لي يا مخارق خذ منى الخلافة وأعطني هذا الصاحب. وأخرج عن هدبة بن خالد قال حضرت غداء المأمون فلما رفعت المائدة جعلت ألتقط ما في الأرض فنظر إلي المأمون فقال أما شبعت؟ قلت بلى ولكن حدثني حماد بن سلمة عن ثابت البناني عن أنس سمعت رسول الله ﷺ يقول " من أكل ما تحت مائدة أمن من الفقر " فأمر لي بألف دينار.
وأخرج عن الحسن بن عبدوس الصفار قال لما تزوج المأمون بوران بنت الحسن بن سهل أهدى الناس إلى الحسن فأهدى له رجل فقير مزودين في أحدهما ملح وفي الآخر أشنان وكتب إليه جعلت فداك خفة البضاعة قصرت ببعد الهمة وكرهت أن تطوى صحيفة أهل البر ولا ذكر لي فيها فوجهت إليك بالمبتدأ به ليمنه وبركته وبالمختوم به لطيبه ونظافته فأخذ الحسن المزودين ودخل بهما على المأمون فاستحسن ذلك وأمر بهما ففرغا وملئا دنانير.
وأخرج الصولي عن محمد بن القاسم قال: سمعت المأمون يقول أنا والله ألذ العفو حتى أخاف أن لا أوجر عليه (١) ولو علم الناس مقدار محبتي للعفو لتقربوا إلي بالذنوب.
وأخرج الخطيب عن المنصور البرمكي قال للرشيد جارية وكان المأمون يهواها فبينما هي تصب على الرشيد من إبريق معها والمأمون خلفه إذ أشار إليها بقبلة فزجرته بحاجبها وأبطأت عن الصب فنظر إليها هارون الرشيد فقال ما هذا؟ فتلكأت عليه فقال إن لم تخبريني لأقتلنك فقالت أشار إلي عبد الله بقبلة فالتفت إليه وإذا هو قد نزل به من الحياء
стр. 321
والرعب ما رحمه منه فاعتنقه وقال أتحبها؟ قال نعم قال: قم فادخل بها في تلك القبة فقام فلما خرج قال له قل في هذا شعراً فقال:
ظبي كنيت بطرفي … عن الضمير إليه
قبلته من بعيد … فاعتل من شفتيه
ورد أحسن رد … بالكسر من حاجبيه
فما برحت مكاني … حتى قدرت عليه
وأخرج ابن عساكر عن أبي خليفة الفضل بن الحباب قال: سمعت بعض النخاسين يقول عرضت على المأمون جارية شاعرة فصيحة متأدبة شطرنجية فساومته في ثمنها بألفي دينار فقال المأمون إن هي أجازت بيتاً أقوله ببيت من عندها اشتريتها بما تقول وزدتك فأنشد المأمون:
ماذا تقولين فيمن شفه أرق … من جهد حبك حتى صار حيرانا؟ (١)
فأجازته:
إذا وجدنا محباً قد أضر به … داء الصبابة أوليناه إحسانا
وأخرج الصولي عن الحسين الخليع قال لما غضب على المأمون ومنعني رزقاً لي عملت قصيدة أمتدحه بها ودفعتها إلى من أوصلها إليه وأولها:
أجرني فإني قد ظمئت إلى الوعد … متى تنجز الوعد المؤكد بالعهد
أعيذك من خلف الملوك وقد ترى … تقطيع أنفاسي عليك من الوجد (٢)
أيبخل فرد الحسن عني بنائل … قليل وقد أفردته بهوى فرد (٣)
إلى أن قال:
رأى الله عبد الله خير عباده … فملكه والله أعلم بالعبد
стр. 322
ألا إنما المأمون للناس عصمة … مفرقة بين الضلالة والرشد
فقال المأمون: قد أحسن إلا أنه القائل:
أعيناي جودا وابكيا لي محمداً … ولا تذخرا دمعاً عليه وأسعدا (١)
فلا تمت الأشياء بعد محمد … ولا زال شمل الملك فيه مبددا (٢)
ولا فرح المأمون بالملك بعده … ولا زال في الدنيا طريداً مشردا
فهذا بذاك ولا شيء له عندنا فقال له الحاجب فأين عادة أمير المؤمنين في العفو فقال أما هذا فنعم فأمر له بجائزة ورد رزقه عليه.
وأخرج عن علية عن حماد بن إسحاق قال قدم المأمون بغداد جلس للمظالم كل يوم أحد إلى الظهر.
وأخرج عن محمد بن العباس قال كان المأمون يحب لعب الشطرنج شديداً ويقول هذا يشحذ الذهن واقترح فيها أشياء وكان يقول لا أسمعن أحداً يقول تعال حتى نلعب ولكن يقول نتداول أو نتناقل ولم يكن حاذقاً بها.
وكان يقول: أنا أدبر الدنيا فأتسع لذلك وأضيق عن تدبير شبرين في شبرين.
وأخرج عن ابن أبي سعيد قال هجا دعبل المأمون فقال:
إني من القوم الذين سيوفهم … قتلت أخاك وشرفتك بمقعد
شادوا بذكرك بعد طول خموله … واستنقذوك من الحضيض الأوهد
فلما سمع المأمون لم يزد على أن قال ما أقل حياء دعبل متى كنت خاملا وقد نشأت في حجر الخلفاء ولم يعاقبه.
وأخرج من طرق عدة أن المأمون كان يشرب النبيذ.
وأخرج عن الجاحظ قال: كان أصحاب المأمون يزعمون أن لون وجهه وجسده لون واحد سوى ساقيه فإنهما صفراوان كأنهما طليتا بالزعفران.
стр. 323
وأخرج عن إسحاق الموصلي قال: قال المأمون ألذ الغناء ما طرب له السامع خطأ كان أو صواباً.
وأخرج عن علي بن الحسين قال كان محمد بن حامد واقفاً على رأس المأمون وهو يشرب فاندفعت عريب فغنت بشعر النابغة الجعدي:
كحاشية البرد اليماني المسهم (١)
فأنكر المأمون أن لا تكون ابتدأت بشيء فأمسك القوم فقال نفيت من الرشيد لئن لم أصدق عن هذا لأقررن بالضرب الوجيع عليه ثم لأعاقبن عليه أشد العقوبة ولئن صدقت لأبلغن الصادق أمله فقال محمد ابن حامد أنا يا سيدي أومأت إليها بقبلة فقال الآن جاء الحق صدقت أتحب أن أزوجك بها قال نعم فقال المأمون الحمد الله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وآله الطيبين لقد زوجت محمد بن حامد عريب مولاتي ومهرتها عنه أربعمائة درهم وعلى بركة الله وسنة نبيه ﷺ خذ بيدها فقامت معه فصار المعتصم إلى الدهليز فقال له الدلالة قال لك ذاك قال دلالتي أن تغنيني الليلة فلم تزل تغنيه إلى السحر وابن حامد على الباب ثم خرجت فأخذت بيده ومضت عليه.
وأخرج عن ابن أبي دؤاد قال أهدى ملك الروم إلى المأمون هدية فيها مائتا رطل مسك ومائتا جلد سمور فقال أضعفوها له ليعلم عز الإسلام.
وأخرج عن إبراهيم بن الحسن قال قال المدائني للمأمون إن معاوية قال: بنو هاشم أسود وأجداء ونحن أكثر سيداً فقال المأمون إنه قد أقر وادعى فهو في ادعائه خصم وفي إقراره مخصوم.
وأخرج عن أبي أمامة قال حدثني بعض أصحابنا أن أحمد بن أبى خالد قرأ القصص (٢) يوماً على المأمون فقال فلان الثريدي وهو اليزيدي
стр. 324
فضحك المأمون وقال يا غلام هات الطعام لأبي العباس فإنه أصبح جائعاً فاستحيى وقال ما أنا بجائع ولكن صاحب القصة أحمق نقط الياء بنقط الثاء فقال على ذلك فجاءه بطعام فأكل حتى انتهى ثم عاد فمر في قصة فلان الحمصي فقال الخبيصي فضحك المأمون وقال يا غلام جامة فيها خبيص (١) فقال إن صاحب القصة كان أحمق فتح الميم فصارت كأنها سنتان فضحك وقال لولا حمقهما لبقيت جائعاً.
وأخرج عن أبي عباد قال: ما أظن الله خلق نفساً هي أنبل من نفس المأمون ولا أكرم.
وكان قد عرف شره أحمد بن أبي خالد (٢) فكان إذا وجهه في حاجة غداه قبل أن يرسله.
ورفع إليه في قصة إن رأى أمير المؤمنين أن يجري على ابن أبى خالد نزلا فإنه يعين الظالم بأكله فأجرى عليه المأمون ألف درهم كل يوم لمائدته.
وكان مع هذا يشره إلى طعام الناس فقال دعبل الشاعر:
شكرنا الخليفة إجراءه … على ابن أبي خالد نزله
فكف أذاه عن المسلمين … وصير في بيته شغله
وأخرج عن ابن أبي دؤاد قال سمعت المأمون يقول لرجل إنما هو غدر أو يمن قد وهبتهما لك ولا تزال تسيئ وأحسن وتذنب وأغفر حتى يكون العفو هو الذي يصلحك.
وأخرج عن الجاحظ قال قال ثمامة بن أشرس ما رأيت رجلا أبلغ من جعفر بن يحيي البرمكي والمأمون.
وأخرج السلفي في الطيوريات عن حفص المدايني قال أتى المأمون بأسود
стр. 325
قد ادعى النبوة وقال أنا موسى بن عمران فقال له المأمون إن موسى بن عمران أخرج يده من جيبه بيضاء فأخرج يدك بيضاء حتى أومن بك فقال الأسود إنما جعل ذلك لموسى لما قال له فرعون أنا ربكم الأعلى فقل أنت كما قال فرعون حتى أخرج يدي بيضاء وإلا لم تبيض.
وأخرج أيضاً أن المأمون قال ما انفتق علي فتق إلا وجدت سببه جور العمال.
وأخرج ابن عساكر عن يحيى بن أكثم قال كان المأمون يجلس للمناظرة في الفقه يوم الثلاثاء فجاء رجل عليه ثياب قد شمرها ونعله في يده فوقف على طرف البساط وقال السلام عليكم فرد عليه المأمون فقال أخبرني عن هذا المجلس الذي أنت فيه جلسته باجتماع الأمة أم بالمغالبة والقهر قال لا بهذا ولا بهذا بل كان يتولى أمر المسلمين من عقد لي ولأخي فلما صار الأمر إلي علمت أني محتاج إلى اجتماع كلمة المسلمين في المشرق والمغرب على الرضا بي رأيت أني متى خليت الأمر اضطرب حبل الإسلام ومرج أمرهم وتنازعوا وبطل الجهاد والحج وانقطعت السبل فقمت حياطة للمسلمين إلى أن يجمعوا على رجل يرضون به فأسلم إليه الأمر فمتى اتفقوا على رجل خرجت له من الأمر فقال السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وذهب. وأخرج عن محمد بن المنذر الكندي قال حج الرشيد فدخل الكوفة فطلب المحدثين فلم يتخلف إلا عبد الله بن إدريس وعيسى بن يونس فبعث إليهما الأمين والمأمون فحدثهما ابن إدريس بمائة حديث فقال المأمون يا عم أتأذني لي أن أعيدها من حفظي قال نعم افعل فأعادها فعجب من حفظه.
وقال بعضهم استخرج المأمون كتب الفلاسفة واليونان من جزيرة قبرس هكذا ذكره الذهبي مختصراً.
стр. 326
وقال الفاكهي أول من كسا الكعبة الديباج الأبيض المأمون واستمر ذلك بعده إلى أيام الخليفة الناصر إلا أن محمود بن سبكتين كساها في خلال هذه المدة ديباجاً أصفر.
ومن كلام المأمون لا نزهة ألذ من النظر في عقول الرجال وقال أعيت الحيلة في الأمر إذا أقبل أن يدبر وإذا أدبر أن يقبل وقال أحسن المجالس ما نظر فيه إلى الناس وقال الناس ثلاثة فمنهم مثل الغذاء لا بد منه على كل حال ومنهم كالدواء يحتاج إليه في حال المرض ومنهم كالداء مكروه على كل حال.
وقال ما أعياني جواب أحد مثل ما أعياني جواب رجل من أهل الكوفة قدمه أهلها فشكا عاملهم فقلت كذبت بل هو رجل عادل فقال صدق أمير المؤمنين وكذبت أنا قد خصصتنا به في هذه البلدة دون باقي البلاد خذه واستعمله على بلد آخر يشملهم من عدله وإنصافه مثل الذي شملنا فقلت قم في غير حفظ الله عزلته عنكم.
ومن شعر المأمون:
لساني كتوم لأسراركم … ودمعي نموم لسري مذيع
فلولا دموعي كتمت الهوى … ولولا الهوى لم يكن لي دموع
وله في الشطرنج:
أرض مربعة حمراء من أدم … ما بين إلفين معروفين بالكرم
تذاكرا الحرب فاحتلالها حيلا … من غير أن يأثما فيها بسفك دم
هذا يغير على هذا وذاك على … هذا يغير وعين الحزم لم تنم
فانظر إلى فطن جالت بمعرفة … في عسكرين بلا طبل ولا علم
وأخرج الصولي عن محمد بن عمرو قال دخل أصرم بن حميد على المأمون وعنده المعتصم فقال يا أصرم صفني وأخي ولا تفضل واحداً منا على صاحبه فأنشد بعد قليل:
стр. 327
رأيت سفينة تجرى ببحر … إلى بحرين دونهما البحور
إلى ملكين ضوؤهما جميعاً … سواء حار دونهما البصير
كلا الملكين يشبه ذاك هذا … وذا هذا وذاك وذا أمير
فإن يك ذا وذاك هذا … فلي في ذا وذاك معاً سرور
رواق المجد ممدود على ذا … وهذا وجهه بدر منير
ذكر أحاديث من رواية المأمون: قال البهيقي سمعت الإمام أبا عبد الله الحاكم قال سمعت أبا أحمد الصيرفي وسمعت جعفر بن أبي عثمان الطيالسي يقول صليت العصر في الرصافة خلف المأمون في المقصورة يوم عرفة فلما سلم كبر الناس فرأيت المأمون خلف الدرابزين وهو يقول لا يا غوغاء لا يا غوغاء غدا سنة أبي القاسم ﷺ فلما كان يوم الأضحى حضرت إلى الصلاة فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال الله أكبر كبيراً والحمد لله كثيراً وسبحان الله بكرة وأصيلا حدثنا هشيم بن بشير وحدثنا ابن شبرمة عن الشعبي عن البراء بن عازب عن أبي بردة بن دينار قال قال رسول الله ﷺ " من ذبح قبل أن يصلي فإنما هو لحم قدمه ومن ذبح بعد أن يصلي فقد أصاب السنة " الله أكبر كبيراً والحمد لله كثيراً وسبحان الله بكرة وأصيلا اللهم أصلحني واستصلحني وأصلح على يدي قال الحاكم هذا حديث لم نكتبه إلا عن أبي أحمد وهو عندنا ثقة مأمون ولم يزل في القلب منه شيء حتى ذاكرت به أبا الحسن الدارقطني فقال هذه الرواية عندنا صحيحة عن جعفر فقلت هل من متابع فيه لشيخنا أبي أحمد فقال نعم ثم قال حدثني الوزير أبو الفضل جعفر بن الفرات حدثني أبو الحسين محمد بن عبد الرحمن الروز باذي حدثنا محمد بن عبد الملك التاريخي قال الدارقطني وما فيهم إلا ثقة مأمون حدثنا جعفر الطيالسي حدثنا يحيى بن معين قال سمعت المأمون فذكر الخطبة والحديث.
стр. 328
وقال الصولي: حدثنا جعفر الطيالسي حدثنا يحيى بن معين قال خطبنا المأمون ببغداد يوم الجمعة ووافق يوم عرفة فلما سلم كبر الناس فأنكر التكبير ثم وثب حتى أخذ بخشب المقصورة وقال يا غوغاء ما هذه التكبير في غير أيامه حدثنا هشيم عن مجالد عن الشعبي عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ ما زال يلبي حتى رمى جمرة العقبة والتكبير في غد ظهراً عند انقضاء التلبية إن شاء الله تعالى.
وقال الصولي: حدثنا أبو القاسم البغوي حدثنا أحمد بن إبراهيم الموصلي قال كنا عند المأمون فقام إليه رجل فقال يا أمير المؤمنين قال رسول الله ﷺ " الخلق عيال الله فأحب عباد الله إلى الله أنفعهم لعياله " فصاح المأمون وقال اسكت أنا أعلم بالحديث منك حدثنيه يوسف بن عطية الصفار عن ثابت عن أنس أن النبي ﷺ قال " الخلق عيال الله فأحب عباد الله أنفعهم لعياله " أخرجه من هذا الطريق ابن عساكر وأخرجه أبو يعلى الموصلي في مسنده غيره من طرق عن يوسف بن عطية.
وقال الصولي حدثنا المسيح بن حاتم العكلي حدثنا عبد الجبار بن عبد الله قال سمعت المأمون يخطب فذكر في خطبته الحياء فوصفه ومدحه ثم قال حدثنا هشيم عن منصور عن الحسن عن أبي بكرة وعمران بن حصين قالا قال رسول ﷺ " الحياء من الإيمان والإيمان في الجنة والبذاءة (١) من الجفاء والجفاء في النار " أخرجه ابن عساكر من طريق يحيى بن أكثم عن المأمون.
وقال الحاكم حدثنا الحسين بن تميم حدثنا الحسين بن فهم حدثنا يحيى بن أكثم القاضي قال: قال لي المأمون يوماً يا يحيى إني أريد أن أحدث فقلت ومن أولى بهذا من أمير المؤمنين فقال ضعوا لي منبراً فصعد وحدث فأول
стр. 329
حديث حدثنا به عن هشيم عن أبي الجهم عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال " امرؤ القيس صاحب لواء الشعراء إلى النار " ثم حدث بنحو من ثلاثين حديثاً ثم نزل فقال لي يا يحيى كيف رأيت مجلسنا قلت أجل مجلس يا أمير المؤمنين تفقه الخاصة والعامة فقال لا وحياتك ما رأيت لكم حلاوة وإنما المجلس لأصحاب الخلقان والمحابر.
وقال الخطيب حدثنا أبو الحسن علي بن القاسم الشاهد حدثنا أبو علي الحسن بن محمد بن عثمان حدثنا الحسين بن عبيد الله الأبزاري حدثنا إبراهيم ابن سعيد الجوهري قال لما فتح المأمون مصر قال له قائل الحمد الله يا أمير المؤمنين الذي كفاك أمر عدوك وأدان لك العراقين والشامات ومصر وأنت ابن عم رسول الله ﷺ فقلت له ويحك إلا أنه بقيت لي خلة وهو أن أجلس في مجلس ويستملي يحيى فيقول لي من ذكرت رضى الله عنك قأقول حدثنا الحمادان حماد بن سلمة وحماد بن زيد قالا حدثنا ثابت البناني عن أنس ابن مالك أن النبي ﷺ قال " من عال ابنتين أو ثلاثاً أو أختين أو ثلاثاً حتى يمتن أو يموت عنهن كان معي كهاتين في الجنة " وأشار بالمسبحة والوسطى.
قال الخطيب في هذا الخبر غلط فاحش ويشبه أن يكون المأمون رواه عن رجل عن الحمادين وذلك أن مولد المأمون سنة سبعين ومات حماد بن سلمة في سنة سبع وستين قبل مولده بثلاث سنين وأما حماد بن زيد فمات في تسع وسبعين.
وقال الحاكم حدثنا بن يعقوب بن إسماعيل الحافظ حدثنا محمد بن إسحاق الثقفي حدثنا محمد بن سهل بن عسكر قال وقف المأمون يوماً للأذان ونحن وقوف بين يديه إذ تقدم إليه رجل غريب بيده محبرة فقال يا أمير المؤمنين صاحب حديث منقطع به فقال له المأمون إيش تحفظ في باب كذا فلم يذكر فيه شيئاً فما زال المأمون يقول حدثنا هشيم وحدثنا الحجاج وحدثنا فلان حتى ذكر الباب ثم سأله عن باب ثان فلم يذكر فيه شيئاً فذكره المأمون ثم نظر إلى أصحابه
стр. 330
فقال يطلب أحدهم الحديث ثلاثة أيام ثم يقول أنا من أصحاب الحديث أعطوه ثلاثة دراهم.
وقال ابن عساكر: حدثنا محمد بن إبراهيم الغزي حدثنا أبو بكر محمد بن إسماعيل بن السري التفليسي وحدثنا أبو عبد الرحمن السلمي أخبرني عبيد الله ابن محمد الزاهد العكبري حدثنا عبد الله بن محمد بن مسيح حدثنا محمد بن المغلس حدثنا محمد بن السري القنطري حدثنا علي بن عبد الله قال قال يحيى بن أكثم بت ليلة عند المأمون فانتبهت في جوف الليل وأنا عطشان فتقلبت فقال يا يحيى ما شأنك قلت عطشان فوثب من مرقده فجاءني بكوز من ماء فقلت يا أمير المؤمنين ألا دعوت بخادم ألا دعوت بغلام قال لا حدثني أبي عن أبيه عن جده عن عقبة بن عامر قال: قال رسول الله ﷺ " سيد القوم خادمهم ".
وقال الخطيب حدثنا الحسن بن عثمان الواعظ حدثنا جعفر بن محمد بن الحاكم الواسطي حدثني أحمد بن الحسن الكسائي حدثنا سليمان بن الفضل النهرواني حدثني يحيى بن أكثم فذكر نحوه إلا أنه قال حدثني الرشيد حدثني المهدي حدثني المنصور عن أبيه عن عكرمة عن ابن عباس حدثني حرير ابن عبد الله سمعت رسول الله ﷺ يقول " سيد القوم خادمهم ". وقال ابن عساكر حدثنا أبو الحسن على ابن أحمد حدثنا القاضي أبو المظفر هناد بن إبراهيم النسفي حدثنا محمد بن أحمد ابن محمد بن سليمان الغنجار حدثنا أبو أحمد علي بن محمد بن عبد الله المروزي حدثنا أبو العباس عيسى بن محمد بن عيسى بن عبد الرحمن الكاتب حدثني محمد بن قدامة بن إسماعيل صاحب النضر بن شميل حدثنا أبو حذيفة البخاري قال: سمعت المأمون أمير المؤمنين يحدث عن أبيه عن جده عن ابن عباس عن النبي ﷺ قال " مولى القوم منهم " قال محمد بن قدامة فبلغ المأمون أن أبا حذيفة حدث بهذا عنه فأمر له بعشرة آلاف درهم.
стр. 331
وفي أيام المأمون أحصيت أولاد العباس فبلغوا ثلاثة وثلاثين ألفاً ما بين ذكر وأنثى وذلك في سنة مائتين.
وفي أيامه مات من الأعلام: سفيان بن عيينة والإمام الشافعي وعبد الرحمن بن مهدي ويحيى بن سعيد القطان ويونس بن بكير راوي المغازي وأبو مطيع البلخي صاحب أبي حنيفة ﵀ ومعروف الكرخي الزاهد وإسحاق بن بشر صاحب كتاب المبتدأ وإسحاق بن الفرات قاضي مصر من أجله أصحاب مالك وأبو عمرو الشيباني اللغوي وأشهب صاحب مالك والحسن بن زياد اللؤلؤي صاحب أبى حنيفة وحماد بن أسامة الحافظ وروح بن عبادة وزيد بن الحباب وأبو داود الطيالسي والغازي ابن قيس من أصحاب مالك وأبو سليمان الداراني الزاهد المشهور وعلي الرضى ابن موسى الكاظم والفراء إمام العربية وقتيبة بن مهران صاحب الإمالة وقطرب النحوي والواقدي وأبو عبيدة معمر بن المثنى والنضر بن شميل والسيدة نفيسة وهشام أحد النحاة الكوفيين واليزيدي ويزيد بن هارون ويعقوب بن إسحاق الحضرمي قارئ البصرة وعبد الرزاق وأبو العتاهية الشاعر وأسد السنة وأبو عاصم النبيل والفريابي وعبد الملك بن الماجشون وعبد الله بن الحكم وأبو زيد الأنصاري صاحب العربية والأصمعي وخلائق آخرون.
المعتصم بالله أبو إسحاق محمد بن الرشيد
المعتصم بالله أبو إسحاق محمد بن الرشيد ولد سنة ثمانين ومائة كذا قال الذهبي وقال الصولي: في شعبان سنة ثمان وسبعين.
وأمه أم ولد من مولدات الكوفة اسمها ماردة وكانت أحظى الناس عند الرشيد.
стр. 332
روى عن أبيه وأخيه المأمون وروى عنه إسحاق الموصلي وحمدون ابن إسماعيل وآخرون. وكان ذا شجاعة وقوة وهمة وكان عرياً من العلم.
فروى الصولي عن محمد بن سعيد عن إبراهيم بن محمد الهاشمي قال كان مع المعتصم غلام في الكتاب يتعلم معه فمات الغلام فقال له الرشيد أبوه يا محمد مات غلامك قال نعم سيدي واستراح من الكتاب فقال: وإن الكتاب ليبلغ منك هذا دعوه لا تعلموه قال فكان يكتب ويقرأ قراءة ضعيفة.
وقال الذهبي: كان المعتصم من أعظم الخلفاء وأهيبهم لولا ما شان سؤدده بامتحان العلماء بخلق القرآن.
وقال نفطويه والصولي للمعتصم مناقب وكان يقال له المثمن لأنه ثامن الخلفاء من بني العباس والثامن من ولد العباس وثامن أولاد الرشيد وملك سنة ثمان عشرة وملك ثمان سنين وثمانية أشهر وثمانية أيام ومولده سنة ثمان وسبعين وعاش ثمانياً وأربعين سنة وطالعه العقرب وهو ثامن برج وفتح ثمانية فتوح وقتل ثمانية أعداء وخلف ثمانية أولاد ومن الإناث كذلك ومات لثمان بقين من ربيع الأول.
وله محاسن وكلمات فصيحة وشعر لا بأس به غير أنه إذا غضب لا يبالي من قتل.
وقال ابن أبي دؤاد كان المعتصم يخرج ساعده إلي ويقول يا أبا عبد الله عض ساعدي بأكثر قوتك فأمتنع فيقول إنه لا يضرني فأروم ذلك فإذا هو لا تعمل فيه الأسنة فضلا عن الأسنان. وقال نفطويه: وكان من أشد الناس بطشاً كان يجعل زند الرجل بين إصبعيه فيكسره.
стр. 333
وقال غيره هو أول خليفة أدخل الأتراك الديوان.
وكان يتشبه بملوك الأعاجم ويمشي مشيهم وبلغت غلمانه الأتراك بضعة عشر ألفاً.
وقال ابن يونس: هجا دعبل المعتصم ثم نذر به فخاف وهرب حتى قدم مصر ثم خرج إلى المغرب والأبيات التي هجاه بها هذه:
ملوك بني العباس في الكتب سبعة … ولم يأتنا في ثامن منهم الكتب (١)
كذلك أهل الكهف في الكهف سبعة … غداة ثووا فيها وثامنهم كلب (٢)
وإني لأزهى كلبهم عنك رغبة … لأنك ذو ذنب وليس له ذنب
لقد ضاع أمر الناس حيث يسوسهم … وصيف وأشناس وقد عظم الخطب (٣)
وإني لأرجو أن ترى من مغيبها … مطالع الشمس قد يغص بها الشرب
وهمك تركي عليه مهانة … فأنت له أم وأنت له أب
بويع له بالخلافة بعد المأمون وفي شهر رجب سنة ثمان عشرة ومائتين فسلك ما كان المأمون عليه وختم به عمره من امتحان الناس بخلق القرآن فكتب إلى البلاد بذلك وأمر المعلمين أن يعلموا الصبيان ذلك وقاسى الناس منه مشقة في ذلك وقتل عليه خلقاً من العلماء وضرب الإمام أحمد بن حنبل وكان ضربه في سنة عشرين.
وفيها تحول المعتصم من بغداد وبني سر من رأى وذلك أنه اعتنى باقتناء
стр. 334
الترك فبعث إلى سمرقند وفرغانة والنواحي في شرائهم وبذل فيهم الأموال وألبسهم أنواع الديباج ومناطق الذهب فكانوا يطردون خيلهم في بغداد ويؤذون الناس وضاقت بهم البلد فاجتمع إليه أهل بغداد وقالوا إن لم تخرج عنا بجندك حاربناك قال وكيف تحاربونني قالوا بسهام الأسحار قال لا طاقة لي بذلك فكان سبب بنائه سر من رأى وتحوله إليها.
وفي سنة ثلاث وعشرين غزا المعتصم الروم فأنكاهم نكاية عظيمة لم يسمع بمثلها الخليفة وشتت جموعهم وخرب ديارهم وفتح عمورية بالسيف وقتل منها ثلاثين ألفاً وسبى مثلهم وكان لما تجهز لغزوها حكم المنجمون أن ذلك طالع نحس وأنه يكسر فكان من نصره وظفره ما لم يخف فقال في ذلك أبو تمام قصيدته المشهورة وهي هذه:
السيف أصدق أنباء من الكتب … في حده الحد بين الجد واللعب
والعلم في شهب الأرماح لامعة … بين الخميسين لا في السبعة الشهب
أين الرواية أم أين النجوم وما … صاغوه من زخرف فيها ومن كذب
تخرصاً وأحاديثاً ملفقة … ليست بعجم إذا عدت ولا عرب
مات المعتصم يوم الخميس لإحدى عشرة ليلة بقيت من ربيع الأول سنة سبع وعشرين وكان قد ذلل العدو بالنواحي ويقال إنه قال في مرض موته " حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة " ولما احتضر جعل يقول: ذهبت الحيلة فليس حيلة وقيل جعل يقول أوخذ من بين هذا الخلق وقيل إنه قال اللهم إنك تعلم أني أخافك من قبلي ولا أخافك من قبلك وأرجوك من قبلك ولا أرجوك من قبلي ومن شعره:
قرب النحام واعجل يا غلام … واطرح السرج عليه واللجام
أعلم الأتراك أني خائض … لجة الموت فمن شاء أقام
وكان قد عزم على المسير إلى أقصى الغرب ليملك البلاد التي لم تدخل في ملك
стр. 335
بني العباس لاستيلاء الأموي عليها فروى الصولي عن أحمد بن الخصيب قال: قال لي المعتصم إن بني أمية ملكوا وما لأحد منا ملك وملكنا نحن ولهم بالأندلس هذا الأموي فقدر ما يحتاج إليه لمحاربته وشرع في ذلك فاشتدت علته ومات.
وقال الصولي سمعت المغيرة بن محمد يقول يقال إنه لم يجتمع الملوك باب أحد قط اجتماعها بباب المعتصم ولا ظفر ملك قط كظفره أسر ملك أذربيجان وملك طبرستان وملك استيسان وملك الشياصح وملك فرغانة وملك طخارستان وملك الصفة وملك كابل.
وقال الصولي: وكان نقش خاتمه الحمد الله الذي ليس كمثله شيء.
ومن أخبار المعتصم: أخرج الصولي عن أحمد اليزيدي قال لما فرغ المعتصم من بناء قصره بالميدان وجلس فيه دخل عليه الناس فعمل إسحاق الموصلي قصيدة فيه ما سمع أحد بمثلها في حسنها إلا أنه افتتحها بقوله:
يا دار غيرك البلى ومحاك … يا ليت شعري ما الذي أبلاك
فتطير المعتصم وتطير الناس وتغامزوا وتعجبوا كيف ذهب هذا على إسحاق مع فهمه وعلمه وطول خدمته للملوك وخرب المعتصم القصر بعد ذلك.
وأخرج عن إبراهيم بن العباس قال: كان المعتصم إذا تكلم بلغ ما أراد وزاد عليه.
وكان أول من ثرد الطعام وكثره حتى بلغ ألف دينار في اليوم.
وأخرج عن أبي العيناء قال: سمعت المعتصم يقول إذا نصر الهوى بطل الرأي.
وأخرج عن إسحاق قال: كان المعتصم يقول من طلب الحق بما له وعليه أدركه.
وأخرج عن محمد بن عمر الرومي قال: كان للمعتصم غلام يقال له عجيب
стр. 336
لم ير الناس مثله قط وكان مشغوفاً به فعمل فيه أبياتاً ثم دعاني وقال: قد علمت أني دون أخوتي في الأدب لحب أمير المؤمنين لي وميلي إلى اللعب وأنا حدث فلم أنل ما نالوا وقد عملت في عجيب أبياتاً فإن كانت حسنة وإلا فاصدقني حتى أكتمها ثم أنشد شعراً:
لقد رأيت عجيبا … يحكي الغزال الربيبا
الوجه منه كبدر … والقد يحكي القضيبا
وإن تناول سيفاً … رأيت ليثاً حريبا
وإن رمى بسهام … كان المجيد المصيبا
طبيب ما بي من الحب … فلا عدمت الطبيبا
إني هويت عجيباً … هوى أراه عجيبا
فحلفت له بأيمان البيعة أنه شعر مليح من أشعار الخلفاء الذين ليسوا بشعراء فطابت نفسه وأمر لي بخمسين ألف درهم.
وقال الصولي: حدثنا عبد الواحد بن العباس الرياشي قال: كتب ملك الروم إلى المعتصم كتاباً يهدده فيه فلما قرئ عليه قال للكاتب اكتب بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فقد قرأت كتابك وسمعت خطابك والجواب ما ترى لا ما تسمع وسيعلم الكفار لمن عقبى الدار.
وأخرج الصولي عن الفضل اليزيدي قال وجه المعتصم إلى الشعراء ببابه من منكم يحسن أن يقول فينا كما قال منصور النمري في الرشيد:
إن المكارم والمعروف أودية … أحلك الله منها حيث تجتمع
من لم يكن بأمين الله معتصما … فليس بالصلوات الخمس ينتفع
إن أخلف القطر لم تخلف فواضله … أو ضاق أمر ذكرناه فيتسع
فقال أبو وهيب فينا من يقول خيراً منه فيك وقال:
ثلاثة تشرق الدنيا ببهجتها … شمس الضحى وأبو إسحاق والقمر
стр. 337
تحكي أفاعيله في كل نائبة … الليث والغيث والصمصامة الذكر
ولما مات رثاه وزيره محمد بن عبد الملك جامعاً بين العزاء والهناء فقال:
قد قلت إذ غيبوك واصطفقت … عليك أيد بالتراب والطين
اذهب فنعم الحفيظ كنت على ال … دنيا ونعم الظهير للدين
ما يجبر الله أمة فقدت … مثلك إلا بمثل هارون
حديث رواه المعتصم قال الصولي: حدثنا العلائي حدثنا عبد الملك الضحاك حدثني هاشم بن محمد حدثني المعتصم قال حدثني أبي الرشيد عن المهدي عن المنصور عن أبيه عن جده عن ابن عباس ﵄ عن أبيه أن النبي ﷺ نظر إلى قوم من بني فلان يتبخترون في مشيهم فعرف الغضب في وجهه ثم قرأ " والشجرة الملعونة في القرآن " فقيل له أي شجرة هي يا رسول الله حتى نجتثها فقال ليست بشجرة نبات إنما هم بنو أمية إذا ملكوا جاروا وإذا أؤتمنوا خانوا وضرب بيده على ظهر عمه العباس فقال: يخرج الله من ظهرك يا عم رجلا يكون هلاكهم على يده ".
قلت: الحديث موضوع وآفته العلائي.
وقال ابن عساكر: أنبأنا أبو القاسم على بن إبراهيم حدثنا عبد العزيز ابن أحمد حدثني علي بن الحسين الحافظ حدثنا أبو القاسم عبد الله بن أحمد ابن طالب البغدادي حدثنا ابن خلاد حدثنا أحمد بن محمد بن نصر الضبيعي حدثنا إسحاق بن يحيى بن معاذ قال كنت عند المعتصم أعوده فقلت أنت في عافية فقال كيف وقد سمعت الرشيد يحدث عن أبيه المهدي عن المنصور عن أبيه عن جده عن ابن عباس مرفوعاً " من احتجم في يوم الخميس فمرض فيه مات فيه ".
стр. 338
قال ابن عساكر: سقط منه رجلان بين ابن الضبيعي وإسحاق ثم أخرجه من طريق أخرى عن الضبيعي عن أحمد بن محمد الليث عن منصور بن النضر عن إسحاق.
وممن مات في أيام المعتصم من الأعلام الحميدي شيخ البخاري وأبو نعيم الفضل بن دكين وأبو غسان المهدي وقالوا المقرئ وخلاد المقرئ وآدم ابن أبي إياس وعفان والقعنبي وعبدان المروزي وعبد الله بن صالح كاتب الليث وإبراهيم بن المهدي وسليمان بن حرب وعلي بن محمد المدائني وأبو عبيد القاسم بن سلام وقرة بن حبيب وعارم ومحمد بن عيسى الطباع الحافظ وأصبغ بن الفرج الفقيه المالكي وسعدويه الواسطي وأبو عمر الجرمي النحوي ومحمد بن سلام البيكندي وسنيد وسعيد بن كثير ابن عفير ويحيى بن يحيى التميمي وآخرون.
الواثق بالله هارون
الواثق بالله هارون أبو جعفر وقيل أبو القاسم بن المعتصم بن الرشيد.
أمه أم ولد رومية اسمها قراطيس ولد لعشر بقين من شعبان سنة ست وتسعين ومائة وولي الخلافة بعهد من أبيه بويع له في تاسع عشر ربيع الأول سنة سبع وعشرين وفي سنة ثمان وعشرين استخلف على السلطنة أشناس التركي وألبسه وشاحين مجوهرين وتاجاً مجوهراً وأظن أنه أول خليفة استخلف سلطاناً فإن الترك إنما كثروا في أيام أبيه.
وفي سنة إحدى وثلاثين ورد كتابه إلى أمير البصرة يأمره أن يمتحن الأئمة والمؤذنين بخلق القرآن وكان قد تبع أباه في ذلك ثم رجع في آخر أمره.
وفي هذه السنة قتل أحمد بن نصر الخزاعي وكان من أهل الحديث
стр. 339
قائماً بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأحضره من بغداد إلى سامرا مقيداً وسأله عن القرآن فقال ليس بمخلوق وعن الرؤية في القيامة فقال: كذا جاءت الرواية وروى له الحديث فقال الواثق له تكذب فقال للواثق بل تكذب أنت فقال ويحك يرى كما يرى المحدود المتجسم ويحويه مكان ويحصره الناظر إنما كفرت برب صفته ما تقولون فيه (١)؟ فقال جماعة من الفقهاء المعتزلة الذين حوله هو حلال الضرب فدعا بالسيف وقال إذا قمت إليه فلا يقومن أحد معي فإني أحتسب خطاي إلى هذا الكافر الذي يعبد رباً لا نعبده ولا نعرفه بالصفة التي وصفه بها ثم أمر بالنطع فأجلس عليه وهو مقيد فمشى إليه فضرب عنقه وأمر بحمل رأسه إلى بغداد فصلب بها وصلبت جثته في سر من رأى واستمر ذلك ست سنين إلى أن ولي المتوكل فأنزله ودفنه ولما صلب كتب ورقة وعلقت في أذنه فيها هذا رأس أحمد بن نصر بن مالك دعاه عبد الله الإمام هارون إلى القول بخلق القرآن ونفي التشبيه فأبى إلا المعاندة فجعله الله إلى ناره ووكل بالرأس من يحفظه ويصرفه عن القبلة برمح فذكر المتوكل به أنه رآه بالليل يستدير إلى القبلة بوجهه فيقرأ سورة يس بلسان طلق ورويت هذه الحكاية من غير وجه.
وفي هذه السنة استفك من الروم ألفاً وستمائة أسير مسلم فقال ابن أبي دؤاد قبحه الله من قال من الأسارى القرآن مخلوق خلصوه وأعطوه دينارين ومن امتنع دعوه في الأسر.
قال الخطيب: كان أحمد بن أبي دؤاد قد استولى على الواثق وحمله على التشدد في المحنة ودعا الناس إلى القول بخلق القرآن ويقال إنه رجع عنه قبل موته.
وقال غيره حمل إليه رجل فيمن حمل مكبل بالحديد من بلاده فلما دخل
стр. 340
وابن أبى دؤاد حاضر قال المقيد أخبرني عن هذا الرأي الذي دعوتم الناس إليه أعلمه رسول الله ﷺ فلم يدع الناس إليه أم شيء لم يعلمه قال ابن دؤاد بل علمه قال فكان يسعه أن لا يدعو الناس إليه وأنتم لا يسعكم قال فبهتوا وضحك الواثق وقام قابضاً على فمه ودخل بيتاً ومد رجليه وهو يقول وسع النبي ﷺ أن يسكت عنه ولا يسعنا فأمر له أن يعطي ثلثمائة دينار وأن يرد إلى بلده ولم يمتحن أحداً بعدها ومقت ابن أبي داؤد من يومئذ.
والرجل المذكور هو أبو عبد الرحمن عبد الله بن محمد الأذرمي شيخ أبي داود والنسائي.
قال ابن أبي الدنيا كان الواثق أبيض وتعلوه صفرة حسن اللحية في عينيه نكتة.
قال يحيى بن أكثم ما أحسن أحد إلى آل أبي طالب ما أحسن إليهم الواثق ما مات وفيهم فقير. وقال غيره كان الواثق وافر الأدب مليح الشعر وكان يحب خادماً أهدي له من مصر فأغضبه الواثق يوماً ثم إنه سمعه يقول لبعض الخدم والله إنه ليروم أن أكلمه من أمس فما أفعل فقال الواثق:
يا ذا الذي بعذابي ظل مفتخراً … ما أنت إلا مليك جار إذ قدرا
لولا الهوى لتجارينا على قدر … وإن أفق منه يوماً ما فسوف ترى
ومن شعر الواثق في خادمه:
مهج يملك المهج … بسجي اللحظ والدعج
حسن القدر مخطف … ذو دلال وذو غنج
ليس للعين إن بدا … عنه باللحظ منعرج
وقال الصولي: كان الواثق يسمى المأمون الأصغر لأدبه وفضله وكان
стр. 341
المأمون يعظمه ويقدمه على ولده وكان الواثق أعلم الناس بكل شيء وكان شاعراً وكان أعلم الخلفاء بالغناء.
وله أصوات وألحان عملها نحو مائة صوت وكان حاذقاً بضرب العود راوية للأشعار والأخبار.
وقال الفضل اليزيدي لم يكن في خلفاء بني العباس أكثر رواية للشعر من الواثق فقيل له كان أروى من المأمون فقال نعم كان المأمون قد مزج بعلم العرب علم الأوائل من النجوم والطب والمنطق وكان الواثق لا يخلط بعلم العرب شيئاً.
وقال يزيد المهلبي كان الواثق كثير الأكل جداً.
وقال ابن فهم كان للواثق خوان من ذهب مؤلف من أربع قطع يحمل كل قطعة عشرون رجلا وكل ما على الخوان من غضارة وصحفة وسكرجة من ذهب فسأله ابن أبي دؤاد أن لا يأكل عليه للنهي عنه فأمر أن يكسر ذلك ويضرب ويحمل إلى بيت المال.
وقال الحسين بن يحيى: رأى الواثق في النوم كأنه يسأل الله الجنة وأن قائلا يقول له لا يهلك على الله إلا من قلبه مرت فأصبح فسأل الجلساء عن ذلك فلم يعرفوا معناه فوجه إلى أبي محلم وأحضره فسأله عن الرؤيا والمرت فقال أبو المحلم المرت القفر الذي لا ينبت شيئاً فالمعنى على هذا لا يهلك على الله إلا من قلبه خال من الإيمان خلو المرت من النبات فقال له الواثق أريد شاهداً من الشعر في المرت فبادر بعض من حضر فأنشد بيتاً لبني أسد:
ومرت مروتاة يحاربها القطا … ويصبح ذو علم بها وهو جاهل
فضحك أبو محلم وقال: والله لا أبرح حتى أنشدك فأنشده للعرب مائة قافيه معروفة لمائة شاعر معروف في كل بيت ذكر المرت فأمر له الواثق بمائة ألف دينار.
стр. 342
وقال حمدون بن إسماعيل: ما كان في الخلفاء أحد أحلم من الواثق ولا أصبر على أذى ولا خلاف منه.
وقال أحمد بن حمدون: دخل هارون بن زياد مؤدب الواثق إليه فأكرمه إلى الغاية فقيل له من هذا يا أمير المؤمنين الذي فعلت به هذا الفعل فقال هذا أول من فتق لساني بذكر الله وأدناني من رحمة الله.
ومن مديح علي بن الجهم فيه:
وثقت بالملك … الواثق بالله النفوس
ملك يشقى به الما … ل ولا يشقى الجليس
أسد يضحك عن شد … اته الحرب العبوس
أنس السيف به واس … توحش الطلق النفيس
يا بني العباس يأبى الل … هـ إلا أن تروسوا
مات الواثق بسر من رأى يوم الأربعاء لست بقين من ذي الحجة سنة مائتين واثنتين وثلاثين ولما احتضر جعل يردد هذين البيتين:
الموت فيه جميع الخلق مشترك … لا سوقة منهم يبقى ولا ملك
ما ضر أهل قليل في تفارقهم … وليس يغني عن الأملاك ما ملكوا
وحكي أنه لما مات ترك وحده واشتغل الناس بالبيعة للمتوكل فجاء جرذون فاستل عينه فأكلها.
مات في أيامه من الأعلام مسدد وخلف بن هشام البزاز المقرئ وإسماعيل بن سعيد الشالخي شيخ أهل طبرستان ومحمد بن سعد كاتب الواقدي وأبو تمام الطائي الشاعر ومحمد بن زياد ابن الأعرابي اللغوي والبويطي صاحب الشافعي مسجوناً مقيداً في المحنة وعلي بن المغيرة الأثرم اللغوي وآخرون.
ومن أخبار الواثق أسند الصولي عن جعفر بن الرشيد قال كنا بين
стр. 343
يدي الواثق وقد اصطبح فناوله خادمه مهج ورداً ونرجساً فأنشد في ذلك بعد يوم لنفسه:
حياك بالنرجس والورد … معتدل القامة والقد
فألهبت عيناه نار الهوى … وزاد في اللوعة والوجد
أملت بالملك له قربه … فصار ملكي سبب البعد
ورنحته سكرات الهوى … فمال بالوصل إلى الصد
إن سئل البذل ثنى عطفه … وأسبل الدمع على الخد
غر بما تجنيه ألحاظه … لا يعرف الإنجاز للوعد
مولى تشكى الظلم من عبده … فأنصفوا المولى من العبد
قال: فأجمعوا أنه ليس لأحد من الخلفاء مثل هذه الأبيات: وقال الصولي: حدثني عبد الله بن المعتز قال أنشدني بعض أهلنا للواثق وكان يهوى خادمين لهذا يوم يخدمه فيه ولهذا يوم يخدمه فيه:
قلبي قسيم بين نفسين … فمن رأى روحاً بجسمين
يغضب ذا إن جاد ذا بالرضا … فالقلب مشغول بشجوين
وأخرج عن الحزنبل قال: غني في مجلس الواثق بشعر الأخطل:
وشادن مريح بالكاس نادمني … لا بالحصور ولا فيها بسوار
فقال: أسوار أو سار؟ فوجه إلى ابن الأعرابي يسأل عن ذلك فقال سوار وثاب ويقول لا يثب على ندمائه وسار مفضل في الكأس سؤراً وقد رويا جميعاً فأمر الواثق لابن الأعرابي بعشرين ألف درهم.
وقال حدثني ميمون بن إبراهيم حدثني أحمد بن الحسين بن هشام قال تلاحى الحسين بن الضحاك ومخارق يوماً في مجلس الواثق في أبي نواس وأبي العتاهية أيهما أشعر فقال الواثق اجعلا بينكما خطراً فجعلا بينهما مائتي دينار فقال الواثق من ههنا من العلماء فقيل أبو محلم فأحضره فسئل عن
стр. 344
ذلك فقال أبو النواس أشعر واذهب في فنون العرب وأكثر افتناناً من أفانين الشعر فأمر الواثق بدفع الخطر إلى الحسين.
المتوكل على الله جعفر
المتوكل على الله جعفر أبو الفضل بن المعتصم بن الرشيد أمه أم ولد اسمها شجاع ولد سنة خمس وقيل سبع ومائتين وبويع له في ذي الحجة سنة اثنين وثلاثين ومائتين بعد الواثق فأظهر الميل إلى السنة ونصر أهلها ورفع المحنة وكتب بذلك إلى الآفاق وذلك في سنة أربع وثلاثين واستقدم المحدثين إلى سامرا وأجزل عطاياهم وأكرمهم وأمرهم بأن يحدثوا بأحاديث الصفات والرؤية وجلس أبو بكر بن أبي شيبة في جامع الرصافة فاجتمع إليه نحو من ثلاثين ألف نفس وجلس أخوه عثمان في جامع المنصور فاجتمع إليه أيضاً نحو من ثلاثين ألف نفس وتوفر دعاء الخلق للمتوكل وبالغوا في الثناء عليه والتعظيم له حتى قال قائلهم الخلفاء ثلاثة أبو بكر الصديق ﵁ في قتل أهل الردة وعمر بن عبد العزيز في رد المظالم والمتوكل في إحياء السنة وإماتة التجهم وقال أبو بكر بن الخبازة في ذلك:
وبعد فإن السنة اليوم أصبحت … معززة حتى كأن لم تذلل
تصول وتسطو إذ أقيم منارها … وحط منار الإفك والزور من عل
وولى أخو الإبداع في الدين هاربا … إلى النار يهوي مدبراً غير مقبل
شفى الله منهم بالخليفة جعفر … خليفته ذي السنة المتوكل
خليفة ربي وابن عم نبيه … وخير بني العباس من منهم ولي
وجامع شمل الدين بعد تشتت … وفاري رؤس المارقين بمنصل
أطال لنا رب العباد بقاءه … سليماً من الأهوال غير مبدل
وبوأه بالنصر للدين جنة … يجاور في روضاته خير مرسل
стр. 345
وفي هذه السنة أصاب ابن أبي داود فالج صيره حجراً ملقى فلا آجره الله.
ومن عجائب هذه السنة أنه هبت ريح بالعراق شديدة السموم ولم يعد مثلها أحرقت زرع الكوفة والبصرة وبغداد وقتلت المسافرين ودامت خمسين يوماً واتصلت بهمذان وأحرقت الزرع والمواشي واتصلت بالموصل وسنجار ومنعت الناس من المعاش في الأسواق ومن المشي بالطرقات وأهلكت خلقاً عظيماً.
وفي السنة التي قبلها جاءت زلزلة مهولة بدمشق وسقطت منها دور وهلك تحتها خلق وامتدت إلى إنطاكية فهدمتها وإلى الجزيرة فأحرقتها وإلى الموصل فيقال هلك من أهلها خمسون ألفاً. وفي سنة خمس وثلاثين ألزم المتوكل النصارى بلبس الغل.
وفي سنة ست وثلاثين أمر بهدم قبر الحسين وهدم ما حوله من الدور وأن يعمل مزارع ومنع الناس من زيارته وخرب وبقي صحراء وكان المتوكل معروفاً بالتعصب فتألم المسلمون من ذلك وكتب أهل بغداد شتمه على الحيطان والمساجد وهجاء الشعراء فما قيل في ذلك:
بالله إن كانت أمية قد أتت … قتل ابن بنت نبيها مظلوماً
فلقد أتاه بنو أبيه بمثله … هذا لعمري قبره مهدوما
أسفوا على أن لا يكونوا شاركوا … في قتله فتتبعوه رميما
وفي سنة سبع وثلاثين بعث إلى نائب مصر أن يحلق لحية قاضي القضاة بمصر: أبي بكر محمد بن أبي الليث وأن يضربه ويطوف به على حمار ففعل ونعم ما فعل فإنه كان ظالماً من رؤس الجهمية وولي القضاء بدله الحارث ابن سكين من أصحاب مالك بعد تمنع وأهان القاضي المعزول بضربه كل يوم عشرين سوطاً ليرد الظلامات إلى أهلها.
وفي هذه السنة ظهرت نار بعسقلان أحرقت البيوت والبيادر ولم تزل تحرق إلى ثلث الليل ثم كفت.
وفي سنة ثمان وثلاثين كبست الروم دمياط ونهبوا وأحرقوا وسبوا منها
стр. 346
ستمائة امرأة وولوا مسرعين في البحر.
وفي سنة أربعين سمع أهل خلاط صيحة عظيمة من جو السماء فمات منها خلق كثير ووقع برد بالعراق كبيض الدجاج وخسف بثلاث عشرة قرية بالمغرب.
وفي سنة إحدى وأربعين ماجت النجوم في السماء وتناثرت الكواكب كالجراد أكثر الليل وكان أمراً مزعجاً لم يعهد.
وفي سنة اثنتين وأربعين زلزلت الأرض زلزلة عظيمة بتونس وأعمالها والري وخراسان ونيسابور وطبرستان وأصبهان وتقطعت الجبال وتشققت الأرض بقدر ما يدخل الرجل في الشق ورجمت قرية السويداء بناحية مصر من السماء ووزن حجر من الحجارة فكان عشرة أرطال وسار جبل باليمن عليه مزارع لأهله حتى أتى مزارع آخرين ووقع بحلب طائر أبيض دون الرخمة في رمضان فصاح يا معشر الناس اتقو الله الله الله وصاح أربعين صوتاً ثم طار وجاء من الغد ففعل كذلك وكتب البريد بذلك وأشهد عليه خمسمائة إنسان سمعوه.
وفيها حج من البصرة إبراهيم بن مطهر الكاتب على عجلة تجرها الإبل وتعجب الناس من ذلك.
وفي سنة ثلاث وأربعين قدم المتوكل دمشق فأعجبته وبنى له قصر بداريا وعزم على سكناها فقال يزيد بن محمد المهلبي:
أظن الشام تشمت بالعراق … إذا عزم الإمام على انطلاق
فإن تدع العراق وساكنيه … فقد تبلى المليحة بالطلاق
فبدا له ورجع بعد شهرين أو ثلاثة.
وفي سنة أربع وأربعين قتل المتوكل يعقوب بن السكيت الإمام في العربية فإنه ندبه إلى تعليم أولاده فنظر المتوكل يوماً إلى ولديه المعتز والمؤيد فقال لابن السكيت من أحب إليك هما أو الحسن والحسين فقال قنبر يعني مولى علي خير منهما فأمر الأتراك فداسوا بطنه حتى مات وقيل أمر بسل لسانه
стр. 347
فمات وأرسل إلى ابنه بديته وكان المتوكل رافضياً.
وفي سنة خمس وأربعين عمت الزلازل الدنيا فأخرجت المدن والقلاع والقناطر وسقط من إنطاكية جبل في البحر وسمع من السماء أصوات هائلة وزلزلت مصر وسمع أهل بلبيس من ناحية مصر صيحة هائلة فمات خلق من أهل بلبيس وغارت عيون مكة فأرسل المتوكل مائة ألف ديناراً لإجراء الماء من عرفات إليها وكان المتوكل جواداً ممدحاً يقال ما أعطى خليفة شاعراً ما أعطى المتوكل وفيه يقول مروان بن أبي الجنوب:
فأمسك ندى كفيك عني ولا تزد … فقد خفت أن أطغى وأن أتجبرا
فقال: لا أمسك حتى يغرقك جودي وكان أجازه على قصيدة بمائة ألف وعشرين ألفاً.
ودخل عليه علي بن الجهم يوماً وبيديه درتان يقلبهما فأنشده قصيدة له فرمى إليه بدرة فقلبها فقال تستنقص بها وهي والله خير من مائة ألف فقال لا ولكني فكرت في أبيات أعملها آخذ بها الأخرى فقال قل فقال:
بسر من را إمام عدل … تغرف من بحره البحار
الملك فيه وفي نبيه … ما اختلف الليل والنهار
يرجى ويخشى لكل خطب … كأنه جنة ونار
يداه في الجود ضرتان … عليه كلتاهما تغار
لم تأت منه اليمين شيئاً … ألا أتت مثلها اليسار
فرمى إليه بالدرة الأخرى.
قال بعضهم سلم على المتوكل بالخلافة ثمانية كل واحد منهم أبوه خليفة منصور بن المهدي والعباس بن الهادي وأبو أحمد بن الرشيد وعبد الله بن الأمين وموسى بن المأمون وأحمد بن المعتصم ومحمد بن الواثق وابنه المنتصر.
وقال المسعودي لا يعلم أحد متقدم في جد ولا هزل إلا وقد حظي في دولته ووصل إليه نصيب وافر من المال وكان منهمكاً في اللذات والشراب وكان له
стр. 348
أربعة آلاف سرية ووطئ الجميع. وقال علي بن الجهم كان المتوكل مشغوفاً بقبيحة أم ولده المعتز لا يصبر عنها فوقفت له يوماً وقد كتبت على خديها بالغالية جعفراً فتأملها وأنشأ يقول:
وكاتبة بالمسك في الخد جعفرا … بنفسي محط المسك من حيث أثرا
لئن أودعت سطراً من المسك خدها … لقد أودعت قلبي من الحب أسطرا
وفي كتاب المحن للسلمي أن ذا النون أول من تكلم بمصر في ترتيب الأحوال ومقامات أهل الولاية فأنكر عليه عبد الله بن عبد الحكم وكان رئيس مصر ومن جلة أصحاب مالك وأنه أحدث علماً لم يتكلم فيه السلف ورماه بالزندقة فدعاه أمير مصر وسأله عن اعتقاده فتكلم فرضي أمره وكتب به إلى المتوكل فأمر بإحضاره فحمل على البريد فلما سمع كلامه أولع به وأحبه وأكرمه حتى كان يقول إذا ذكر الصالحون فحيهلا بذي النون.
كان المتوكل بايع بولاية العهد لابنه المنتصر ثم المعتز ثم المؤيد ثم إنه أراد تقديم المعتز لمحبته لأمه فسأل المنتصر أن ينزل عن العهد فأبى فكان يحضره مجلس العامة ويحط منزلته ويتهدده ويشتمه ويتوعده واتفق أن الترك انحرفوا عن المتوكل لأمور فاتفق الأتراك مع المنتصر على قتل أبيه فدخل عليه خمسة وهو في جوف الليل في مجلس لهوه فقتلوه هو ووزيره الفتح بن خاقان وذلك في خامس شوال سنة سبع وأربعين ومائتين.
ورؤى في النوم فقيل له ما فعل الله بك قال غفر لي بقليل من السنة أحييتها ولما قتل رثته الشعراء ومن ذلك قول يزيد المهلبي:
جاءت منيته والعين هاجعة … هلا أتته المنايا والقنا قصد
خليفة لم ينل ما ناله أحد … ولم يضع مثله روح ولا جسد
وكان من حظاياه وصيفة تسمى محبوبة شاعرة عالمة بصنوف العلم عوادة فلما قتل ضمت إلى بغا الكبير فأمر بها يوماً للمنادمة فجلست منكسة فقال
стр. 349
غني فاعتلت فأقسم عليها وأمر بالعود فوضع في حجرها فغنت ارتجالا:
أي عيش يلذ لي … لا أرى فيه جعفرا
ملك قد رأيته … في نجيع معفرا
كل من كان ذا هيا … م وسقم فقد برا
غير محبوبة التي … لو ترى الموت يشترى
لا تشتريه بما حوته … يداها لتقبرا
إن الموت الحزين أط … يب من أن يعمرا
فغضب بغا أمر بها فسجنت فكان آخر العهد بها.
ومن الغرائب أن المتوكل قال للبحتري قل في شعراً وفي الفتح بن خاقان فإني أحب أن يحيا معي ولا أفقده فيذهب عيشي ولا يفقدني فقل في هذا المعنى فقال:
يا سيدي كيف أخلفت وعدي … وتثاقلت عن وفاء بعهدي (١)
لا أرتني الأيام فقدك يا فت … ح ولا عرفتك ما عشت فقدي
أعظم الرزء أن تقدم قبلي … ومن الرزء أن تؤخر بعدي
حذراً أن تكون إلفاً لغيري … إذ تفردت بالهوى فيك وحدي
فقتلا معاً كما تقدم.
ومن أخبار المتوكل أخرج ابن عساكر أن المتوكل رأى في النوم كأن سكراً سليماً نيئاً سقط عليه من السماء مكتوباً عليه جعفر المتوكل على الله فلما بويع خاض الناس في تسميته فقال بعضهم نسميه المنتصر فحدث المتوكل أحمد بن أبي دؤاد بما رأى في منامه فوجده موافقاً فأمضى وكتب به إلى الآفاق.
وأخرج عن هشام بن عمار قال سمعت المتوكل يقول واحسرتا على محمد ابن إدريس الشافعي كنت أحب أن أكون في أيامه فأراه وأشاهده وأتعلم منه فإني رأيت رسول الله ﷺ في المنام وهو يقول يا أيها الناس
стр. 350
إن محمد بن إدريس المطلبي قد صار إلى رحمة الله وخلف فيكم علماً حسناً فاتبعوه تهدوا ثم قال اللهم ارحم محمد بن إدريس رحمة واسعة وسهل على حفظ مذهبه وانفعني بذلك.
قلت استفدنا من هذا أن المتوكل كان متمذهباً بمذهب الشافعي وهو أول من تمذهب له من الخلفاء.
وأخرج عن أحمد بن علي البصري قال وجه المتوكل إلى أحمد بن المعدل وغيره من العلماء فجمعهم في داره ثم خرج عليهم فقام الناس كلهم له غير أحمد ابن المعدل فقال المتوكل لعبيد الله إن هذا لا يرى بيعتنا فقال له: بلى يا أمير المؤمنين ولكن في بصره سوءاً فقال أحمد بن المعدل يا أمير المؤمنين ما في بصري سوء ولكن نزهتك من عذاب الله قال النبي ﷺ " من أحب أن يتمثل له الرجال قياماً فليتبوأ مقعده من النار " فجاء المتوكل فجلس إلى جنبه.
وأخرج عن يزيد المهلبي قال: قال لي المتوكل: يا مهلبي إن الخلفاء كانت تتصعب على الرعية لتطيعها وأنا ألين لهم ليحبوني ويطيعوني.
وأخرج عن عبد الأعلى بن حماد النرسي قال دخلت على المتوكل فقال يا أبا يحيى ما أبطأك عنا منذ ثلاث لم نرك كنا هممنا لك بشيء فصرفناه إلى غيرك فقلت يا أمير المؤمنين جزاك الله عن هذا الهم خيراً ألا أنشدك بهذا المعنى بيتين قال بلى فأنشدته:
لأشكرنك معروفاً هممت به … إن اهتمامك بالمعروف معروف
ولا ألومك إذا لم يمضه قدر … فالرزق بالقدر المحتوم مصروف
فأمر لي بألف دينار.
وأخرج عن جعفر بن عبد الواحد الهاشمي قال دخلت على المتوكل لما توفيت أمه فقال: يا جعفر ربما قلت البيت الواحد فإذا جاوزته خلطت وقد قلت:
стр. 351
وأخرج عن الفتح بن خاقان قال: دخلت يوماً على المتوكل فرأيته مطرقاً متفكراً فقلت يا أمير المؤمنين ما هذا الفكر فوالله ما على ظهر الأرض أطيب منك عيشاً ولا أنعم منك بالا فقال يا فتح أطيب عيشاً مني رجل له دار واسعة وزوجة صالحة ومعيشة حاضرة لا يعرفنا فنؤذيه ولا يحتاج إلينا فنزدريه.
وأخرج عن أبي العيناء قال: أهديت إلى المتوكل جارية شاعرة اسمها فضل فقال لها: أشاعرة أنت قالت هكذا زعم من باعني واشتراني فقال: أنشدينا شيئاً من شعرك فأنشدته:
استقبل الملك إمام الهدى … عام ثلاث وثلاثينا
خلافة أفضت إلى جعفر … وهو ابن سبع بعد عشرينا
إنا لنرجو يا إمام الهدى … أن تملك الملك ثمانينا
لا قدس الله امرءا لم يقل … عند دعائي لك آمينا
وأخرج عن علي بن الجهم قال أهدي إلى المتوكل جارية يقال لها محبوبة وقد نشأت بالطائف وتعلمت الأدب وروت الأشعار فأغري المتوكل بها ثم إنه غضب عليها ومنع جواري القصر من كلامها فدخلت عليه يوماً فقال لي قد رأيت محبوبة في منامي كأني قد صالحتها وصالحتني فقلت خيراً يا أمير المؤمنين فقال قم بنا لننظر ما هي عليه فقمنا حتى أتينا حجرتها فإذا هي تضرب على العود وتقول:
أدور في القصر لا أرى أحداً … أشكو إليه ولا يكلمني
حتى كأني أتيت معصية … ليست له توبة تخلصني
فهل شفيع لنا إلى ملك … قد زارني في الكرى وصالحني
حتى إذا ما الصباح لاح لنا … عاد إلى هجره فصارمني
فصاح المتوكل فخرجت فأكبت على رجليه تقبلهما فقالت يا سيدي
стр. 352
رأيتك في ليلتي هذه كأنك قد صالحتني قال وأنا والله قد رأيتك فردها إلى مرتبتها فلما قتل المتوكل صارت إلى بغا وذكر الأبيات السابقة.
وأخرج عن علي أن البحتري قال يمدح المتوكل فيما رفع من المحنة ويهجو ابن أبي دؤاد بقوله:
أمير المؤمنين لقد شكرنا … إلى آبائك الغر الحسان
رددت الدين فذاً بعد أن قد … أراه فرقتين تخاصمان
قصمت الظالمين بكل أرض … فأضحى الظلم مجهول المكان
وفي سنة رمت متجبريهم … على قدر بداهية عيان
فما أبقت من ابن أبي دؤاد … سوى حسد يخاطب بالمعاني
تحير فيه سابور بن سهل … فطاوله ومناه الأماني
إذا أصحابه اصطحبوا بليل … أطالوا الخوض في خلق القرآن
وأخرج عن أحمد بن حنبل قال سهرت ليلة ثم نمت فرأيت في نومي كأن رجلا يعرج بي إلى السماء وقائلا يقول:
ملك يقاد إلى مليك عادل … متفضل في العفو ليس بجائر
ثم أصبحنا فجاء نعي المتوكل من سر من رأى إلى بغداد (١).
وأخرج عن عمرو بن شيبان الجهني قال رأيت في الليلة التي قتل فيها المتوكل في المنام قائلا يقول:
يا نائم العين في أوطان جسمان … أفض دموعك يا عمرو بن شيبان
أما ترى الفئة الأرجاس ما فعلوا … بالهاشمي وبالفتح بن خاقان
وافى إلى الله مظلوماً تضج له … أهل السموات من مثنى ووحدان
وسوف يأتيكم أخرى مسومة … توقعوها لها شأن من الشان
فابكوا على جعفر وارثوا خليفتكم … فقد بكاه جميع الإنس والجان
ثم رأيت المتوكل في النوم بعد أشهر فقلت ما فعل الله بك قال
стр. 353
غفر لي بقليل من السنة أحييتها قلت فما تصنع ههنا؟ قال: أنتظر محمدا ابني أخاصمه إلى الله.
أحاديث من رواية المتوكل
قال الخطيب: أخبرنا أبو الحسين الأهوازي حدثنا محمد بن إسحاق ابن إبراهيم القاضي حدثنا محمد بن هارون الهاشمي حدثنا محمد بن شجاع الأحمر قال سمعت المتوكل يحدث عن يحيى بن أكثم عن محمد بن عبد المطلب عن سفيان عن الأعمش عن موسى بن عبد الله بن يزيد عن عبد الرحمن ابن هلال عن جرير بن عبد الله عن النبي ﷺ قال " من حرم الرفق حرم الخير " أخرجه الطبراني في معجمه الكبير من وجه آخر عن جرير.
وقال ابن عساكر: أخبرنا نصر بن أحمد بن مقاتل السوسي حدثني جدي أبو محمد حدثنا أبو علي الحسين بن علي الأهوازي حدثنا أبو محمد عبد الله ابن عبد الرحمن بن محمد الأزدي حدثنا أبو الطيب محمد بن جعفر بن داران غندر حدثنا هارون بن عبد العزيز بن أحمد العباسي حدثنا أحمد بن الحسن المقرئ البزار حدثنا أبو عبد الله محمد بن عيسى الكسائي وأحمد بن زهير وإسحاق بن إبراهيم بن إسحاق فقالوا حدثنا علي بن الجهم قال كنت عند المتوكل فتذاكروا عنده الجمال فقال أن حسن الشعر لمن الجمال ثم قال حدثني المعتصم حدثني المأمون حدثنا الرشيد حدثنا المهدي حدثنا المنصور عن أبيه عن جده عن ابن عباس قال كانت لرسول الله ﷺ جمة إلى شحمة أذنيه كأنها نظام اللؤلؤ وكان من أجمل الناس وكان أسمر رقيق اللون لا بالطويل ولا بالقصير وكان لعبد المطلب جمة إلى شحمة أذنيه وكان لهاشم جمة إلى شحمة أذنيه قال علي بن الجهم: وكان للمتوكل جمة إلى شحمة أذنيه وقال لنا المتوكل كان للمعتصم جمة وكذلك للمأمون والرشيد
стр. 354
والمهدي والمنصور ولأبيه محمد ولجده علي ولأبيه عبد الله بن عباس قلت: هذا الحديث مسلسل من ثلاثة أوجه بذكر الجمة والآباء وبالخلفاء ففي إسناده ست خلفاء.
مات في أيام خلافة المتوكل من الأعلام أبو ثور والإمام أحمد بن حنبل وإبراهيم بن المنذر الخزامي وإسحاق بن راهوية النديم وروح المقرئ وزهير بن حرب وسحنون وسليمان الشاذكوني وأبو مسعود العسكري وأبو جعفر النفيلي وأبو بكر بن أبي شيبة وأخوه وديك الجن الشاعر وعبد الملك بن حبيب إمام المالكية وعبد العزيز بن يحيى الغول أحد أصحاب الشافعي وعبيد الله بن عمر القواريري وعلي بن المديني ومحمد بن عبد الله بن نمير ويحيى بن معين ويحيى ابن بكير ويحيى بن يحيى ويوسف الأزرق المقرئ وبشر بن الوليد الكندي المالكي وابن أبي دؤاد ذاك الكلب لا ﵀ وأبو بكر الهذلي العلاف شيخ الاعتزال ورأس أهل الضلال وجعفر بن حرب من كبار المعتزلة وابن كلاب المتكلم والقاضي يحيى بن أكثم والحارث المحاسبي وحرملة صاحب الشافعي وابن السكيت وأحمد بن منيع وذي النون المصري الزاهد وأبو تراب النخشبي وأبو عمر الدوري المقرئ ودعبل الشاعر وأبو عثمان المازني النحوي وخلائق آخرون.
المنتصر بالله محمد أبو جعفر
المنتصر بالله محمد أبو جعفر وقيل أبو عبد الله بن المتوكل بن المعتصم ابن الرشيد أمه أم ولد رومية اسمها حبشية وكان مليح الوجه أسمر أعين أقنى ربعة جسيماً بطيناً مليحاً مهيباً وافر العقل راغباً في الخير قليل الظلم محسناً إلى العلويين وصولا لهم أزل عن آل أبي طالب ما كانوا فيه من الخوف والمحنة بمنعهم من زيارة قبر الحسين ورد على آل الحسين فدك فقال يزيد المهلبي في ذلك:
стр. 355
ولقد بررت الطالبية بعدما … ذموا زماناً بعدها وزمانا
ورددت ألفة هاشم فرأيتهم … بعد العداوة بينهم إخوانا
بويع له بعد مقتل أبيه في شوال سنة سبع وأربعين ومائتين فخلع أخويه المعتز والمؤيد من ولاية العهد الذي عقده لهما المتوكل بعده وأظهر العدل والإنصاف في الرعية فمالت إليه القلوب مع شدة هيبتهم له وكان كريماً حليماً.
ومن كلامه: لذة العفو أعذب من لذة التشفي وأقبح أفعال المقتدر الانتقام.
ولما ولي صار يسب الأتراك ويقول: هؤلاء قتلة الخلفاء فعملوا عليه وهموا به فعجزوا عنه لأنه كان مهيباً شجاعاً فطناً متحرزاً فتحيلوا إلى أن دسوا إلى طبيبه ابن طيفور ثلاثين ألف دينار في مرضه فأشار بفصده ثم فصده بريشة مسموة فمات ويقال إن ابن طيفور نسي ذلك ومرض فأمر غلامه ففصده بتلك الريشة فمات أيضاً وقيل بل سم في كمثراه وقيل مات بالخوانيق ولما احتضر قال يا أماه ذهبت مني الدنيا والآخرة عاجلت أبي فعوجلت.
مات في خامس ربيع الآخر سنة ثمان وأربعين عن ست وعشرين سنة أو دونها فلم يمتع بالخلافة إلا أشهراً معدودة دون ستة أشهر وقيل إنه جلس في بعض الأيام للهو وقد استخرج من خزائن أبيه فرشاً فأمر بفرشها في المجلس فرأى في بعض البسط دائرة فيها فارس وعليه تاج وحوله كتابة فارسية فطلب من يقرأ ذلك فأحضر رجل فنظره فقطب فقال: ما هذه؟ قال لا معنى لها فألح عليه فقال أنا شيرويه بن كسرى بن هرمز قتلت أبي فلم أتمتع بالملك إلا ستة أشهر فتغير وجه المنتصر وأمر بإحراق البساط وكان منسوجاً بالذهب.
وفي لطائف المعرف للثعالبي: أعرق الخلفاء في الخلافة المنتصر فإنه هو وآباؤه الخمسة خلفاء وكذلك أخواه المعتز والمعتمد.
قلت: أعرق منه المستعصم الذي قتله التتار فإن آباءه الثمانية خلفاء.