قريشاً وتخطى إلى ذكر النبي ﷺ فجلس لنا مجلساً احضر فيه فقهاء زمانه واحضر الرجل فشهدنا عليه فتغير وجه الهادي ثم نكس رأسه ثم رفعه فقال سمعت أبي المهدي يحدث عن أبيه المنصور عن أبيه محمد عن أبيه على عن أبيه عبد الله بن عباس قال: من أراد هوان قريش أهانه الله وأنت يا عدو الله لم ترض بأن أردت ذلك من قريش حتى تخطيت إلى ذكر النبي ﷺ اضربوا عنقه أخرجه الخطيب من طريق الصولي والحديث هكذا في هذه الرواية موقوف وقد ورد مرفوعاً من وجه آخر.
مات في أيام الهادي من الأعلام نافع قارئ أهل المدينة وغيره.
الرشيد هارون أبو جعفر
الرشيد هارون أبو جعفر بن المهدي محمد بن المنصور عبد الله بن محمد بن علي ابن عبد الله بن العباس استخلف بعهد من أبيه عند موت أخيه الهادي ليلة السبت لأربع عشرة بقيت من ربيع الأول سنة سبعين ومائة قال الصولي: هذه الليلة ولد له فيها عبد الله المأمون ولم يكن في سائر الزمان ليلة مات فيها خليفة وقام خليفة وولد خليفة إلا هذه الليلة وكان يكنى أبا موسى فتكنى بأبي جعفر حدث عن أبيه وعن جده ومبارك بن فضالة وروى عنه ابنه المأمون وغيره وكان من أمير الخلفاء واجل ملوك الدنيا وكان كثير الغزو والحج كما قال فيه أبو المعالي الكلابي (١):
فمن يطلب لقاءك أو يرده … فبالحرمين أو أقصى الثغور
ففي أرض العدو على طمر … وفي ارض الترفه فوق كور (٢)
стр. 282
مولده بالري حين كان أبوه أميراً عليها وعلى خراسان في سنة ثمان وأربعين ومائة وأمه أم ولد تسمى الخيزران وهى أم الهادي وفيها يقول مروان ابن أبي حفصة:
يا خيزران هناك ثم هناك … أمسى يسوس العالمين ابناك
وكان أبيض طويلاً جميلا مليحاً فصيحاً له نظر في العلم والأدب.
وكان يصلي في خلافته في كل يوم مائة ركعة إلى أن مات لا يتركها إلا لعلة ويتصدق من صلب ماله كل يوم بألف درهم.
وكان يحب العلم وأهله ويعظم حرمات الإسلام ويبغض المراء في الدين والكلام في معارضة النص.
وبلغه عن بشر المريسي القول بخلق القرآن فقال: لئن ظفرت به لأضربن عنقه (١).
وكان يبكي على نفسه وعلى إسرافه وذنوبه سيما إذا وعظ وكان يحب المديح ويجيز عليه الأموال الجزيلة وله شعر.
دخل عليه مرة ابن السماك الواعظ فبالغ باحترامه فقال له ابن السماك: تواضعك في شرفك أشرف من شرفك ثم وعظه فأبكاه.
وكان يأتي بنفسه إلى بيت الفضيل بن عياض.
قال عبد الرزاق: كنت مع الفضيل بمكة فمر هارون فقال فضيل: الناس يكرهون هذا وما في الأرض أعز علي منه لو مات لرأيت أموراً عظاماً.
قال أبو معاوية الضرير: ما ذكرت النبي ﵌ بين
стр. 283
يدي الرشيد إلا قال صلى الله على سيدي وحدثه بحديثه ﵌ " ووددت أني أقاتل في سبيل الله فأقتل ثم أحي فأقتل " فبكى حتى انتحب.
وحدثته يوماً حديثاً احتج آدم وموسى وعنده رجل من وجوه قريش فقال القرشي: فأين لقيه فغضب الرشيد وقال النطع والسيف زنديق يطعن في حديث النبي ﵌.
قال أبو معاوية: فما زلت اسكنه وأقول يا أمير المؤمنين كانت منه نادرة حتى سكن.
وعن أبي معاوية أيضاً قال أكلت مع الرشيد يوماً ثم صب على يدي رجل لا أعرفه ثم قال الرشيد تدري من يصب عليك قلت لا قال أنا إجلالا للعلم وقال منصور بن عمار: ما رأيت اغزر دمعاً عند الذكر من ثلاثة الفضيل بن عياض والرشيد وآخر.
وقال عبيد الله القواريري: لما لقي الرشيد الفضيل قال له: يا حسن الوجه أنت المسئول عن هذه الأمة حدثنا ليث عن مجاهد " وتقطعت بهم الأسباب " (١) قال الوصلة التي كانت بينهم في الدنيا فجعل هارون يبكي ويشهق.
ومن محاسنه انه لما بلغه موت ابن المبارك جلس للعزاء وأمر الأعيان أن يعزوه في ابن المبارك.
قال نفطويه: كان الرشيد (٢) يقتفي آثار جده أبي جعفر إلا في الحرص فإنه لم ير خليفة قبله أعطى منه أعطى مرة سفيان بن عيينة مائة ألف وأجاز
стр. 284
إسحاق الموصلي مرة بمائتي ألف وأجاز مروان بن أبي حفصة مرة على قصيدة خمسة آلاف دينار وخلعة وفرساً من مراكبه وعشرة من رقيق الروم.
وقال الأصمعي قال لي الرشيد: يا أصمعي ما أغفلك عنا وأجفاك لنا قلت: يا أمير المؤمنين ما لاقتني بلاد بعدك حتى أتيتك فسكت فلما تفرق الناس قال ما لاقتني قلت:
كفاك كف ما تليق درهماً … جوداً وأخرى تعطي بالسيف الدما
فقال: أحسنت وهكذا فكن وقرنا في الملا وعلمنا في الخلا وأمر لي بخمسة آلاف دينار وفي مروج المسعودي قال رام الرشيد أن يوصل ما بين بحر الروم وبحر القلزم مما يلي الفرما فقال له يحيى بن خالد البرمكي كان يختطف الروم الناس من المسجد الحرام وتدخل مراكبهم إلى الحجاز فتركه.
وقال الجاحظ: اجتمع للرشيد ما لم يجتمع لغيره وزراؤه البرامكة وقاضيه أبو يوسف ﵀ وشاعره مروان بن أبي حفصة ونديمه العباس بن محمد عم أبيه وحاجبه الفضل بن الربيع أنبه الناس وأعظمهم ومغنيه إبراهيم الموصلي وزوجته زبيدة.
وقال غيره: كانت أيام الرشيد كلها خير كأنها من حسنها أعراس.
وقال الذهبي: أخبار الرشيد يطول شرحها ومحاسنه جمة وله أخبار في اللهو واللذات المحظورة والغناء سامحه الله.
مات في أيامه من الأعلام مالك بن أنس والليث بن سعد وأبو يوسف صاحب أبي حنيفة والقاسم بن معن ومسلم بن خالد الزنجي ونوح الجامع والحافظ أبو عوانة اليشكري وإبراهيم بن سعد الزهري وأبو إسحاق الفزاري وإبراهيم بن أبي يحيى شيخ الشافعي وأسد الكوفي من كبار أصحاب أبي حنيفة وإسماعيل بن عياش وبشر بن المفضل وجرير
стр. 285
ابن عبد الحميد وزياد البكائي وسليم المقرئ صاحب حمزة وسيبويه إمام العربية وضيغم الزاهد وعبد الله العمري الزاهد وعبد الله بن المبارك وعبد الله بن إدريس الكوفي وعبد العزيز بن أبي حازم والدراوردي والكسائي شيخ القراء والنحاة ومحمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة كلاهما في يوم وعلي بن مسهر وغنجار وعيسى بن يونس السبيعي والفضيل ابن عياض وابن السماك الواعظ ومروان بن أبي حفصة الشاعر والمعافي ابن عمران الموصلي ومعتمر بن سليمان والمفضل بن فضالة قاضي مصر وموسى بن ربيعة أبو الحكم المصري أحد الأولياء والنعمان بن عبد السلام الأصبهاني وهشيم ويحيى بن أبي زائدة ويزيد بن زريع ويونس ابن حبيب النحوي ويعقوب بن عبد الرحمن قارئ المدينة وصعصعة ابن سلام عالم الأندلس أحد أصحاب مالك وعبد الرحمن بن القاسم اكبر أصحاب مالك والعباس بن الحنف الشاعر المشهور وأبو بكر ابن عياش المقرئ ويوسف بن الماجشون وخلائق آخرون كبار.
ومن الحوادث في أيامه في سنة خمس وسبعين افترى عبد الله بن مصعب الزبيري على يحيى بن عبد الله بن حسن العلوي انه طلب إليه أن يخرج معه على الرشيد فباهله يحيى بحضرة الرشيد وشبك يده في يده وقال: قل اللهم إن كنت تعلم أن يحيى لم يدعني إلى الخلاف والخروج على أمير المؤمنين هذا فكلني إلى حولي وقوتي واسحتني بعذاب من عندك آمين رب العالمين فتلجلج الزبير وقالها ثم قال يحيى مثل ذلك وقاما فمات الزبيري ليومه.
وفي سنة ست وسبعين فتحت مدينة دبسة (١) على يد الأمير عبد الرحمن بن عبد الملك بن صالح العباسي.
стр. 286
وفي سنة تسع وسبعين اعتمر الرشيد في رمضان ودام على إحرامه إلى أن حج ومشى من مكة إلى عرفات.
وفي سنة ثمانين كانت الزلزلة العظمى وسقط منها رأس منارة الإسكندرية.
وفي سنة إحدى وثمانين فتح حصن الصفصاف عنوة وهو الفاتح له.
وفي سنة ثلاث وثمانين خرج الخزر على أرمينية فأوقعوا بأهل الإسلام وسفكوا وسبوا أزيد من مائة ألف نسمة وجرى على الإسلام أمر عظيم لم يسمع قبله مثله.
وفي سنة سبع وثمانين أتاه كتاب من ملك الروم نقفور بنقض الهدنة التي كانت عقدت بين المسلمين وبين الملكة ريني ملكة الروم.
وصورة الكتاب من نقفور ملك الروم إلى هارون ملك العرب أما بعد فإن الملكة التي كانت قبلي أقامتك مقام الرخ وأقامت نفسها مقام البيذق فحملت إليك من أموالها أحمالا وذلك لضعف النساء وحمقهن فإذا قرأت كتابي فأردد ما حصل قبلك من أموالها وإلا فالسيف بيننا وبينك فلما قرأ الرشيد الكتاب استشاط غضباً حتى تمكن أحد أن ينظر إلى وجهه دون أن يخاطبه وتفرق جلساؤه من الخوف واستعجم الرأي (١) على الوزير فدعا الرشيد بدواة وكتب على ظهر كتابه بسم الله الرحمن الرحيم من هارون أمير المؤمنين إلى نقفور كلب الروم قد قرأت كتابك يا ابن الكافرة والجواب ما تراه لا ما تسمعه ثم سار ليومه فلم يزل حتى نازل مدينة هرقل وكانت غزوة مشهورة وفتحاً مبيناً فطلب نقفور الموادعة والتزم بخراج يحمله كل سنة فأجيب فلما رجع الرشيد إلى الرقة نقض الكلب العهد لإياسه من كرة الرشيد
стр. 287
في البرد فلم يجترئ أحد أن يبلغ الرشيد نقضه بل قال عبد الله بن يوسف التيمي (١):
نقض الذي أعطيته نقفور … فعليه دائرة البوار تدور
أبشر أمير المؤمنين فإنه … غنم أتاك به الإله كبير
وقال أبو العتاهية أبياتاً وعرضت على الرشيد فقال: أوقد فعلها فكر راجعاً في مشقة شديدة حتى أناخ بفنائه فلم يبرح حتى بلغ مراده وحاز جهاده.
وفي ذلك يقول أبو العتاهية:
ألا نادت هرقل بالخراب … من الملك الموفق للصواب
غداً هارون يرعد بالمنايا … ويبرق بالمذكرة القضاب
ورايات يحل النصر فيها … تمر كأنها قطع السحاب
وفي سنة تسع وثمانين فادى الروم حتى لم يبق بممالكهم في الأسر مسلم.
وفي سنة تسعين فتح هرقل وبث جيوشه بأرض الروم فافتتح شراحيل ابن معن بن زائدة حصن الصقالبة وافتتح يزيد بن مخلد ملقونية (٢) وسار حميد ابن معيوف إلى قبرس فهدم وحرق وسبى من أهلها ستة عشر ألفاً.
وفي سنة اثنتين وتسعين توجه الرشيد نحو خراسان فذكر محمد بن الصباح الطبري أن أباه شيع الرشيد إلى النهروان فجعل يحادثه في الطريق إلى أن قال: يا صباح لا أحسبك تراني بعدها فقلت: بل يردك الله سالماً ثم قال: ولا أحسبك تدري ما أجد فقلت: لا والله فقال: تعال حتى أريك وانحرف عن الطريق وأومأ إلى الخواص فتنحوا ثم قال: أمانة الله يا صباح أن تكتم علي وكشف عن بطنه فإذا عصابة حرير حوالي بطنه
стр. 288
فقال: هذه علة أكتمها الناس كلهم ولكل واحد من ولدي علي رقيب فمسرور رقيب المأمون وجبريل بن يختيشوع رقيب الأمين ونسيت الثالث ما منهم أحد إلا ويحصي أنفاسي ويعد أيامي ويستطيل دهري فإن أردت أن تعرف ذلك فالساعة أدعو ببرذون فيجيئون به أعجف ليزيد في علتي ثم دعا ببرذون فجاءوا به كما وصف فنظر إلى ثم ركبه وودعني وسار إلى جرجان ثم رحل منها في صفر سنة ثلاث وتسعين وهو عليل إلى طوس فلم يزل بها إلى أن مات.
وكان الرشيد بايع بولاية العهد لابنه محمد في سنة خمس وسبعين ولقبه الأمين وله يومئذ خمس سنين لحرص أمه زبيدة على ذلك قال الذهبي: فكان هذا أول وهن جرى في دولة الإسلام من حيث الإمامة ثم بايع لابنه عبد الله من بعد الأمين في سنة اثنتين وثمانين ولقبه المأمون وولاه ممالك خراسان بأسرها ثم بايع لابنه القاسم من بعد الأخوين في سنة ست وثمانين ولقبه المؤتمن وولاه الجزيرة والثغور وهو صبي فلما قسم الدنيا بين هؤلاء الثلاثة قال بعض العقلاء: لقد ألقى بأسهم بينهم وغائلة ذلك تضر بالرعية وقالت الشعراء في البيعة المدائح ثم إنه علق نسخة البيعة في البيت العتيق وفى ذلك يقول إبراهيم الموصلي:
خير الأمور مغبة … وأحق أمر بالتمام
أمر قضى أحكامه الرحمن … في البيت الحرام
وقال عبد الملك بن صالح في ذلك:
حب الخليفة حب لا يدين له … عاصي الإله وشار يلقح الفتنا
الله قلد هاروناً سياسته … لما اصطفاه فأحيا الدين والسننا
وقلد الأرض هارون لرأفته … بن أميناً ومأموناً ومؤتمنا
стр. 289
قال بعضهم: وقد زوى الرشيد الخلافة عن ولده المعتصم لكونه أمياً فساقها الله إليه وجعل الخلفاء بعده كلهم من ذريته ولم يجعل من نسل غيره من أولاد الرشيد خليفة وقال سلم الخاسر في العهد للأمين:
قل للمنازل بالكثيب الأعفر … أسقيت غادية السحاب الممطر
قد بايع الثقلان مهدي الهدى … لمحمد بن زبيدة ابنة جعفر
قد وفق الله الخليفة إذ بنى … بيت الخلافة للهجان الأزهر
فهو الخليفة عن أبيه وجده … شهدا عليه بمنظر وبمخبر
فحشت زبيده فاه جوهراً باعه بعشرين ألف دينار.
فصل في نبذ من أخبار الرشيد عفا الله عنه
أخرج السلفي في الطيوريات بسنده عن ابن المبارك قال: لما أفضت الخلافة إلى الرشيد وقعت في نفسه جارية من جواري المهدي فراودها عن نفسها فقالت: لا أصلح لك إن أباك قد طاف بي فشغف بها فأرسل إلى أبي يوسف فسأله أعندك في هذا شيء فقال يا أمير المؤمنين أو كلما ادعت أمة شيئاً ينبغي أن تصدق لا تصدقها فإنها ليست بمأمونة قال ابن المبارك: لم أدر ممن أعجب من هذا الذي قد وضع يده في دماء المسلمين وأموالهم يتحرج عن حرمة أبيه أو من هذه الأمة التي رغبت بنفسها عن أمير المؤمنين أو من هذا فقيه الأرض وقاضيها قال اهتك حرمة أبيك وقض شهوتك وصيره في رقبتي.
واخرج أيضاً عن عبد الله بن يوسف قال: قال الرشيد لأبي يوسف: إني اشتريت جارية وأريد أن أطأها الآن قبل الاستبراء فهل عندك حيلة قال نعم تهبها لبعض ولدك ثم تتزوجها.
وأخرج عن إسحاق بن راهوية قال: دعا الرشيد أبا يوسف ليلا فأفتاه بأمر له بمائة ألف درهم فقال أبو يوسف إن رأى أمير المؤمنين أمر بتعجيلها
стр. 290
قبل الصبح فقال: عجلوها فقال بعض من عنده إن الخازن في بيته والأبواب مغلقة فقال أبو يوسف: فقد كانت الأبواب مغلقة حين دعاني ففتحت.
وأسند الصولي: عن يعقوب بن جعفر قال خرج الرشيد في السنة التي ولى الخلافة فيها حتى غزا أطراف الروم وانصرف في شعبان فحج بالناس آخر السنة وفرق بالحرمين مالا كثيراً وكان رأى النبي ﵌ في النوم فقال له: إن هذا الأمر صائر إليك في هذا الشهر فاغز وحج ووسع على أهل الحرمين ففعل هذا كله.
واسند عن معاوية بن صالح عن أبيه قال: أول شعر قاله الرشيد انه حج سنة ولي الخلافة فدخل داراً فإذا في صدر بيت منها بيت شعر قد كتب على حائط:
ألا يا أمير المؤمنين أما ترى … فديتك هجران الحبيب كبيرا
فدعا بدواة وكتب تحته بخطه:
بلى والهدايا المشعرات وما مشى … بمكة مرفوع الأظل حسيرا
واخرج عن سعيد بن مسلم قال: كان فهم الرشيد فهم العلماء أنشده العماني في صفة فرس:
كأن أذنيه إذا تشوفا … قادمة أو قلماً محرفا
فقال الرشيد: دع كأن وقل تخال إذنيه حتى يستوي الشعر.
وأخرج عن عبد الله بن العباس بن الفضل بن الربيع قال: حلف الرشيد أن لا يدخل إلى جارية له أياماً وكان يحبها فمضت الأيام ولم تسترضيه فقال:
صد عني إذ رآني مفتتن … وأطال الصبر لما أن فطن
كان مملوكي فأضحى مالكي … إن هذا من أعاجيب الزمن
стр. 291
ثم أحضر أبا العتاهية فقال أجزهما فقال:
عزة الحب أرته ذلتي … في هواه وله وجه حسن
فلهذا صرت مملوكاً له … ولهذا شاع ما بي وعلن
واخرج ابن عساكر عن ابن علية قال: اخذ هارون الرشيد زنديقاً فأمر بضرب عنقه فقال له الزنديق: لم تضرب عنقي قال له أريح العباد منك قال فأين أنت من ألف حديث وضعتها على رسول الله ﵌ كلها ما فيها حرف نطق به قال فأين أنت يا عدو الله من أبي إسحاق الفزاري وعبد الله بن المبارك ينخلانها فيخرجانها حرفاً حرفاً.؟
وأخرج الصولي عن إسحاق الهاشمي قال كنا عند الرشيد فقال: بلغني أن العامة يظنون في بغض علي بن أبي طالب ووالله ما أحب أحداً حبي له ولكن هؤلاء أشد الناس بغضاً لنا وطعناً علينا وسعياً في فساد ملكنا بعد أخذنا بثأرهم ومساهمتنا إياهم ما حويناه حتى إنهم لأميل إلى بني أمية منهم إلينا فأما ولده لصلبه فهم سادة الأهل والسابقون إلى الفضل ولقد حدثني أبي المهدي عن أبيه المنصور عن محمد بن علي عن أبيه عن ابن عباس أنه سمع النبي ﵌ يقول في الحسن والحسين " من احبهما فقد احبني ومن أبغضهما فقد ابغضني " وسمعه يقول " فاطمة سيدة نساء العالمين غير مريم ابنة عمران وآسية بنة مزاحم ".
روي أن ابن السماك دخل على الرشيد يوماً فاستسقى فأتى بكوز فلما أخذه قال على رسلك يا أمير المؤمنين لو منعت هذه الشربة بكم كنت تشتريها قال بنصف ملكي قال اشرب هنأك الله تعالى فلما شربها قال: أسألك لو منعت خروجها من بدنك بماذا كنت تشتري خروجها قال: بجميع ملكي قال إن ملكاً قيمته شربة ماء وبوله لجدير أن لا ينافس فيه فبكى هارون الرشيد بكاء شديداً.
стр. 292
وقال ابن الجوزي: قال الرشيد لشيبان: غطني قال: لأن تصحب من يخوفك حتى يدركك الأمن خير لك من أن تصحب من يؤمنك حتى يدركك الخوف فقال الرشيد فسر لي هذا قال: من يقول لك: أنت مسئول عن الرعية فاتق الله أنصح لك ممن يقول أنتم أهل بيت مغفور لكم وأنتم قرابة نبيكم ﷺ فبكى الرشيد حتى رحمه من حوله.
وفي كتاب الأوراق للصولي بسنده لما ولي الرشيد الخلافة استوزر يحيى ابن خالد قال إبراهيم الموصلي:
ألم تر أن الشمس كانت مريضة … فلما أتى هارون أشرق نورها
تلبست الدنيا جمالا بملكه … فهارون واليها ويحيى وزيرها
فأعطاه مائة ألف درهم وأعطاه يحيى خمسين ألفاً.
ولداود بن رزين الواسطي فيه:
بهارون لاح النور في كل بلدة … وقام به في عدل سيرته النهج
إمام بذات الله أصبح شغله … فأكثر ما يعنى به الغزو والحج
تضيق عيون الخلق عن نور وجهه … إذا ما بدا للناس منظره البلج
تفسحت الآمال في جود كفه … فأعطى الذي يرجوه فوق الذي يرجو
وقال القاضي الفاضل في بعض رسائله: ما أعلم أن الملك رحلة قط في طلب العلم إلا للرشيد فإنه رجل بولديه الأمين والمأمون لسماع الموطأ على مالك ﵀ قال وكان أصل الموطأ بسماع الرشيد في خزانة المصريين قال ثم رحل لسماعه السلطان صلاح الدين بن أيوب إلى الإسكندرية فسمعه على ابن طاهر ابن عوف ولا أعلم لهما ثالثاً.
ولمنصور النمري فيه:
جعل القرآن إمامه ودليله … لما تخيره القرآن ذماما
وله فيه قصيدة:
إن المكارم والمعروف أودية … أحلك الله منها حيث تجتمع
стр. 293
ويقال: إنه أجازه عليها بمائة ألف.
وقال الحسين بن فهم: كان الرشيد يقول: من أحب ما مدحت به إلي:
أبو أمين ومأمون ومؤتمن … أكرم به والداً براً وما ولدا
وقال إسحاق الموصلي دخلت على الرشيد فأنشدته:
وآمره بالبخل قلت لها اقصري … فذلك شيء ما إليه سبيل
أرى الناس خلان الجواد ولا أرى … بخيلا له في العالمين خليل
وإني رأيت البخل يزري بأهله … فأكرمت نفسي أن يقال بخيل
ومن خير حالات الفتى لو علمته … إذا نال شيئاً أن يكون ينيل
عطائي عطاء المكثرين تكرماً … ومالي كما تعلمين قليل
وكيف أخاف الفقر أو أحرم الغنى … ورأى أمير المؤمنين جميل
فقال: لا كيف إن شاء الله يا فضل أعطه مائة ألف درهم لله در أبيات يأتينا بها ما أجود أصولها وأحسن فصولها فقلت: يا أمير المؤمنين كلامك أحسن من شعري فقال: يا فضل أعطه مائة ألف أخرى.
وفي الطيوريات بسنده إلى إسحاق الموصلي قال: قال أبو العتاهية لأبى النواس البيت الذي مدحت به الرشيد لوددت أني كنت سبقتك به إليه:
قد كنت خفتك ثم أمنني … من أن أخافك خوفك الله
وقال محمد بن على الخرساني: الرشيد أول خليفة لعب بالصوالجة والكرة ورمى النشاب في البرجاس وأول خليفة لعب بالشطرنج من بني العباس.
وقال الصولي هو أول من جعل للمغنين مراتب وطبقات.
ومن شعر الرشيد يرثى جاريته هيلانة أورده الصولي:
قاسيت أوجاعاً وأحزانا … لما استخص الموت هيلانا
فارقت عيشي حين فارقتها … فما أبالي كيف ما كانا
كانت هي الدنيا فلما ثوت … في قبرها فارقت دنيانا
стр. 294
قد كثر الناس ولكنني … لست أرى بعدك إنسانا
والله لا أنساك ما حركت … ريح بأعلى نجد أغصانا
وله أيضاً أنشده الصولي:
يا ربة المنزل بالفرك … وربة السلطان والملك
ترفقي بالله في قتلنا … لسنا من الدليم والترك
مات الرشيد في الغزو بطوس من خراسان ودفن بها في ثالث من جمادى الآخرة سنة ثلاث وتسعين ومائة وله خمس وأربعون سنة وصلى عليه ابنه صالح.
قال الصولي: خلف الرشيد مائة ألف ألف دينار ومن الأثاث والجواهر والورق والدواب ما قيمته ألف ألف دينار وخمسة وعشرون ألف دينار.
وقال غيره: غلط جبريل بن بختيشوع على الرشيد في علته في علاج عالجه به كان سبب منيته فهم أن يفصل أعضاءه فقال أنظرني إلى غد فإنك تصبح في عافية فمات ذلك اليوم وقيل إن الرشيد رأى مناماً أنه يموت بطوس فبكى وقال احفروا لي قبراً فحفر له ثم حمل في قبة على جمل وسيق به حتى نظر إلى القبر فقال يا ابن آدم تصير إلى هذا وأمر قوماً فنزلوا فختموا فيه ختمة وهو في محفة على شفير القبر ولما مات بويع لولده الأمين في العسكر وهو حينئذ ببغداد فأتاه الخبر فصلى الناس الجمعة وخطب ونعى الرشيد إلى الناس وبايعوه وأخذ رجاء الخادم البرد والقضيب والخاتم وسار على البريد في اثني عشر يوماً من مرو حتى قدم بغداد في نصف جمادى الآخرة فدفع ذلك إلى الأمين ولأبي الشيص يرثي الرشيد:
غربت في الشرق شمس … فلها عيني تدمع
ما رأينا قط شمساً … غربت من حيث تطلع
وقال أبو النواس جامع بين العزاء والهناء:
جرت جوار بالسعد والنحس … فنحن في مأتم وفي عرس
стр. 295
القلب يبكي والعين ضاحكة … فنحن في وحشة وفي أنس
يضحكنا القائم الأمين … ويبكينا وفاة الإمام بالأمس
بدران بدر أضحى ببغداد في الخلد … وبدر بطوس في الرمس
ومما رواه الرشيد من الحديث قال الصولي: حدثنا عبد الرحمن بن خلف حدثني جدي الحصين بن سليمان الضبي سمعت الرشيد يخطب فقال في خطبته حدثني مبارك بن فضالة عن الحسن عن أنس قال قال رسول الله ﷺ " اتقوا الله ولو بشق تمرة " حدثني محمد بن علي عن سعيد بن جبير عن ابن عباس عن علي بن أبي طالب قال قال النبي ﷺ " نظفوا أفواهكم فإنها طريق القرآن ".
الأمين محمد أبو عبد الله
الأمين محمد أبو عبد الله بن الرشيد كان ولي عهد أبيه فولي الخلافة بعده وكان من أحسن الشباب صورة أبيض طويلا جميلا ذا قوة مفرطة وبطش وشجاعة ومعرفة يقال إنه قتل مرة أسداً بيده وله فصاحة وبلاغة وأدب وفضيلة لكن كان سئ التدبير كثير التبذير ضعيف الرأي أرعن لا يصلح للإمارة فأول ما بويع بالخلافة أمر ثاني يوم ببناء ميدان جوار قصر المنصور للعب بالكرة ثم في سنة أربع وتسعين عزل أخاه القاسم عما كان الرشيد ولاه ووقعت الوحشة بينه وبين أخية المأمون وقيل إن الفضل بن الربيع علم أن الخلافة إذا أفضت إلى المأمون لم يبق عليه فأغرى الأمين به وحثه على خلعه وأن يولي العهد لابنه موسى ولما بلغ المأمون عزل أخيه القاسم قطع البريد عن الأمين وأسقط اسمه من الطرز والضرب ثم إن الأمين أرسل إليه يطلب منه أن يقدم موسى على نفسه ويذكر أنه قد سماه الناطق بالحق فرد المأمون ذلك وأباه وخامر الرسول معه وبايعه بالخلافة سراً ثم كان يكتب إليه
стр. 296
بالأخبار ويناصحه من العراق ولما رجع وأخبر الأمين بامتناع المأمون أسقط اسمه من ولاية العهد وطلب الكتاب الذي كتبه الرشيد وجعله بالكعبة فأحضره ومزقه وقويت الوحشة ونصح الأمين أولو الرأي وقال له خزيمة بن حازم يا أمير المؤمنين لن ينصحك من كذبك ولن يغشك من صدقك ولا تجزئ القواد على الخلع فيخلعوك ولا تحملهم على نكث العهد فينكثوا ببيعتك وعهدك فإن الغادر مغلول والناكث مخذول فلم ينتصح وأخذ يستميل القواد بالعطاء وبايع بولاية العهد لابنه موسى ولقبه الناطق بالحق وهو إذ ذاك طفل رضيع فقال بعض الشعراء في ذلك:
أضاع الخلافة غش الوزير … وفسق الأمير وجهل المشير
لواط الخليفة أعجوبة … وأعجب منه حلاق الوزير
فهذا يدوس وهذا يداس … كذاك لعمري خلاف الأمور
فلو يستعفان هذا بذاك … لكانا بعرضة أمر ستير
وأعجب من ذا وذا أننا … نبايع للطفل فينا الصغير
ومن ليس يحسن غسل استه … ولم يخل من بوله حجر ظير
وما ذاك إلا بفضل وبكر … يريدان طمس الكتاب المنير
وما ذان لولا انقلاب الزما … ن في العير هذان أو في النفير
ولما تيقن المأمون خلعه وتسمى بإمام المؤمنين وكوتب بذلك وولى الأمين علي بن عيسى بن ماهان بلاد الجبال همذان ونهاوند وقم وأصبهان في سنة خمس وتسعين فخرج علي بن عيسى من بغداد في نصف جمادى الآخرة ومعه الجيش لقتال المأمون في أربعين ألفاً في هيئة لم ير مثلها وأخذ معه قيد فضة ليقيد به المأمون بزعمه فأرسل المأمون لقتاله طاهر بن الحسين في أقل من أربعة آلاف فكانت الغلبة له وذبح علي وهزم جيشه وحملت رأسه إلى المأمون فطيف بها في خراسان وسلم على المأمون بالخلافة وجاء الخبر الأمين وهو يتصيد
стр. 297
السمك فقال للذي أخبره ويلك دعني فإن كوثراً صاد سمكتين وأنا ما صدت شيئاً بعد وقال عبد الله بن صالح الجرمي: لما قتل علي أرجف الناس ببغداد إرجافاً شديداً وندم الأمين على خلعه أخاه وطمع الأمراء فيه وشغبوا جندهم لطلب الأرزاق من الأمين واستمر القتال بينه وبين أخيه وبقي أمر الأمين كل يوم في الأدبار لانهماكه في اللعب والجهل وأمر المأمون في ازدياد إلى أن بايعه أهل الحرمين وأكثر البلاد بالعراق وفسد الحال على الأمين جداً وتلف أمر العسكر ونفذت خزائنه وساءت حال الناس بسبب ذلك وعظم الشر وكثر الخراب والهدم من القتال ورمي المجانيق والنفط حتى درست محاسن بغداد وعملت فيها المراثي ومن جملة ما قيل في بغداد:
بكيت دماً على بغداد لما … فقدت غضارة العيش الأنيق
أصابتها من الحساد عين … فأفنت أهلها بالمنجنيق
ودام حصار بغداد خمسة عشر شهراً ولحق غالب العباسيين وأركان الدولة بجند المأمون ولم يبق مع الأمين يقاتل عنه إلا غوغاء بغداد والحراشفة إلى أن استهلت سنة ثمان وتسعين فدخل طاهر بن الحسين بغداد بالسيف قسراً فخرج الأمين وأهله من القصر إلى مدينة المنصور وتفرق عامة جنده وغلمانه وقل عليهم القوت والماء.
قال محمد بن راشد أخبرني إبراهيم بن المهدي أنه كان الأمين بمدينة المنصور قال فطلبني ليلة فأتيت فقال ما ترى طيب هذه الليلة وحسن القمر وضوءه في الماء فهل لك في الشراب قلت شأنك فشربنا ثم دعا بجارية اسمها ضعف فتطيرت من اسمها فأمرها أن تغني فغنت بشعر النابغة الجعدي:
كليب لعمري كان أكثر ناصراً … وأيسر ذنباً منك ضرج بالدم
فتطير بذلك وقال: غني غير هذا فغنت:
أبكى فراقهم عيني فأرقها … إن التفرق للأحباب بكاء
стр. 298
ما زال يعدو عليهم ريب دهرهم … حتى تفانوا وريب الدهر عداء
فاليوم أبكيهم جهدي وأندبهم … حتى أؤوب وما في مقلتي ماء
فقال لها لعنك الله ما تعرفين غير هذا فقالت: ظننت أنك تحب هذا ثم غنت:
أما ورب السكون والحرك … إن المنايا كثيرة الشرك
ما اختلف الليل والنهار ولا … دارت نجوم السماء في الفلك
إلا لنقل السلطان عن ملك … قد زال سلطانه إلى ملك
وملك ذي العرش دائم أبداً … ليس بفان ولا بمشترك
فقال لها: قومي لعنك الله فقامت فعثرت في قدح بلور له قيمة فكسرته فقال: ويحك يا إبراهيم أما ترى والله ما أظن أمري إلا قرب فقلت بل يطيل الله عمرك ويعز ملكك فسمعت صوتاً من دجلة " قضي الأمر الذي فيه تستفيان " فوثب محمد مغتماً وقتل بعد ليلتين أخذ وحبس في موضع ثم أدخل عليه قوم من العجم ليلا فضربوه بالسيف ثم ذبحوه من قفاه وذهبوا برأسه إلى طاهر فنصبها على حائط بستان ونودي هذا رأس المخلوع محمد وجرت جثته بحبل ثم بعث طاهر بالرأس والبرد والقضيب والمصلى وهو من سعف مبطن إلى المأمون واشتد على المأمون قتل أخيه وكان يحب أن يرسل إليه حياً ليرى فيه رأيه فحقد بذلك على طاهر بن الحسين وأهمله نسياً منسياً إلى أن مات طريداً بعيداً وصدق قول الأمين فإنه كان كتب بخطه رقعة إلى الطاهر بن الحسين لما انتدب لحربه فيها يا طاهر ما قام لنا منذ قمنا قائم بحقنا فكان جزاؤه عندنا إلا السيف فانظر لنفسك أودع يلوح بأبي مسلم وأمثاله الذين بذلوا نفوسهم في النصح لهم فكان مآلهم القتل منهم ولإبراهيم بن المهدي في قتل الأمين:
عوجا بمغنى طلل داثر … بالخلد ذات الصخر والآجر
والمرمر المسنون يطلى به … والباب باب الذهب الناضر
стр. 299
وأبلغا عني مقالا إلى المولى … عن المأمور والآمر
قولا له يا ابن ولي الهدى … طهر بلاد الله من طاهر
لم يكفه أن حز أوداجه … ذبح الهدايا بمدى الجازر
حتى أتى يسحب أوصاله … في شطن هذا مدى السائر
قد برد الموت على جفنه … فطرفه منكسر الناظر
ومما قيل فيه:
لم نبكيك؟ لماذا للطرب … يا أبا موسى وترويج اللعب
ولترك الخمس في أوقاتها … حرصاً منك على ماء العنب
وشنيف أنا لا أبكي له … وعلى كوثر لا أخشى العطب
لم تكن تصلح للملك ولم … تعطك الطاعة بالملك العرب
لم نبكيك لما عرضتنا … للمناجيق وطوراً للسلب
ولخزيمة بن الحسن على لسان زبيدة قصيدة يقول فيها:
أتى طاهر لا طهر الله طاهراً … فما طاهر فيما أتى بمطهر
فأخرجني مكشوفة الوجه حاسراً … وأنهب أموالي وأخرب أدؤري
يعز على هارون ما قد لقيته … وما مر بي من ناقص الخلق أعور
تذكر أمير المؤمنين قرابتي … فديتك من ذي حرمة متذكر
قال ابن جرير: لما ملك الأمين ابتاع الخصيان وغالى بهم وصيرهم لخلوته ورفض النساء والجواري وقال غيره لما ملك وجه إلى البلدان في طلب الملهين وأجرى لهم الأرزاق واقتنى الوحوش والسباع والطيور واحتجب عن أهل بيته وامرأته واستخف بهم ومحق ما في بيوت الأموال وضيع الجواهر والنفائس وبنى عدة قصور للهو في أماكن وأجاز مرة من غنى له:
هجرتك حتى قلت لا يعرف القلى … وزرتك حتى قلت ليس له صبر
стр. 300
بملء زورقه ذهباً وعمل خمس حراقات جمع حراقة بالفتح والتشديد ضرب من السفن فيها مرامي نيران يرمي بها العدو على خلقة الأسد والفيل والعقاب والحية والفرس وأنفق في عملها أموالا فقال أبو النواس:
سخر الله للأمين مطايا … لم تسخر لصاحب المحراب
فإذا ما ركابه سرن براً … سار في الماء راكباً ليث غاب
أسداً باسطاً ذراعه يهوي … أهرت الشدق كالح الأنياب
قال الصولي: حدثنا أبو العيناء حدثنا محمد بن عمرو الرومي قال خرج كوثر خادم الأمين ليرى الحرب فأصابته رجمة في وجهه فجعل الأمين يمسح الدم عن وجهه ثم قال:
ضربوا قرة عيني … ومن آجلي ضربوه
أخذ الله لقلبي … من أناس أحرقوه
ولم يقدر على زيادة فأحضر عبد الله بن التيمي الشاعر فقال له قل عليهما فقال:
ما لمن أهوى شبيه … فبه الدنيا تتيه
وصله حلو ولكن … هجره مر كريه
من رأى الناس له الفضل … عليهم حسدوه
مثل ما قد حسد … القائم بالملك أخوه
فأوقر له ثلاث بغال دراهم فلما قتل الأمين جاء التيمي إلى المأمون وامتدحه فلم يأذن له فالتجأ إلى الفضل بن سهل فأوصله إلى المأمون فلما سلم عليه قال: هيه يا تيمي:
مثل ما قد حسد … القائم بالملك أخوه
فقال التيمي:
نصر المأمون عبد الله … لما ظلموه
стр. 301
نقض العهد الذي قد … كان قدماً أكدوه
لم يعامله أخوه … بالذي أوصى أبوه
فعفا عنه وأمر له بعشرة آلاف درهم.
وقيل إن سليمان بن منصور رفع إلى الأمين أن أبا النواس هجاه فقال يا عم أقتله بعد قوله:
أهدى الثناء إلى الأمين محمد … ما بعده بتجارة متربص
صدق الثناء على الأمين محمد … ومن الثناء تكذب وتخرص
قد ينقص البدر المنير إذا استوى … وبهاء نور محمد ما ينقص
وإذا بنور المنصور عد خصالهم … فمحمد ياقوتها المتخلص
قال أحمد بن حنبل: إني لأرجو أن يرحم الله الأمين بإنكاره على إسماعيل ابن علية فإنه أدخل عليه فقال له يا ابن الفاعلة أنت الذي تقول كلام الله مخلوق؟ قال المسعودي: ما ولي الخلافة إلى وقتنا هذا هاشمي ابن هاشمية سوى على ابن أبي طالب وابنه الحسن والأمين فإن أمه زبيدة بنت جعفر بن أبي جعفر المنصور واسمها أمة العزيز وزبيدة لقب لها.
وقال إسحاق الموصلي: اجتمعت في الأمين خصائل لم تكن في غيره كان أحسن الناس وجهاً وأسخاهم وأشرف الخلفاء أباً وأماً حسن الأدب عالماً بالشعر لكن غلب عليه الهوى واللعب وكان مع سخائه بالمال بخيلا بالطعام جداً.
وقال أبو الحسن الأحمر: كنت ربما أنسيت البيت الذي يستشهد به في النحو فينشدنيه الأمين وما رأيت في أولاد الملوك أذكى منه ومن المأمون وكان قتله في المحرم سنة ثمان وتسعين ومائة وله سبع وعشرون سنة.
مات في أيامه من الأعلام إسماعيل بن علية وغندر وشقيق البلخي الزاهد وأبو معاوية الضرير ومؤرج السدوسي وعبد الله بن كثير المقرئ
стр. 302
وأبو نواس الشاعر وعبد الله بن وهب صاحب الملك وورش المقرئ ووكيع وآخرون.
وقال علي بن محمد النوفلي وغيره لم يدع للسفاح ولا للمنصور ولا للمهدي ولا للهادي ولا للرشيد على المنابر بأوصافهم ولا كتبت في كتبهم حتى ولي الأمين فدعى له بالأمين على المنابر وكتب عنه من عبد الله محمد الأمين أمير المؤمنين وكذا قال العسكري في الأوائل أول من دعى له بلقبه على المنابر الأمين.
ومن شعره الأمين يخاطب أخاه المأمون ويعيره بأمه لما بلغه عنه أنه يعدد مثالبه ويفضل نفسه عليه أنشده الصولي:
لا تفخرن عليك بعد بقية … والفخر يكمل للفتى المتكامل
وإذا تطاولت الرجال بفضلها … فأربع فإنك لست المتطاول
أعطاك ربك ما هويت وإنما … تلقى خلاف هواك عند مراجل
تعلو المنابر كل يوم أملا … ما لست من بعدي إليه بواصل
فتعيب من يعلو عليك بفضله … وتعيد في حقي مقال الباطل
قلت: هذا نظم عال فإن كان له فهو أحسن من نظم أخيه وأبيه.
قال الصولي: ومما رواه جماعة له في خادمه كوثر وقد سقاه وهو على بساط نرجس والبدر قد طلع وقد رواه بعضهم للحسين بن الضحاك الخليع وكان نديمه لا يفارقه:
وصف البدر حسن وجهك حتى … خلت أني أراه لست أراكا
وإذا ما تنفس النرجس الغض … توهمته نسيم ثناكا
خدع للمنى تعللني فيك … بإشراق ذا ونكهة ذاكا
لأقيمن ما حييت على الشكر لهذا وذاك إذ حكياكا
وله في خادمه أيضاً:
ما يريد الناس من … صب بمن يهوى كثيب
стр. 303
كوثر ديني ودنيا … ي وسقمي وطبيبي
أعجز الناس الذي يلحى … محباً في حبيب
وله لما يئس من الملك وعلا عليه طاهر:
يا نفس قد حق الحذر … أين المفر من القدر
كل امرئ مما يخا … ف ويرتجيه على خطر
من يرتشف صفو الزما … ن يغص يوماً بالكدر
وأسند الصولي أن الأمين قال لكاتبه: اكتب من عبد الله محمد أمير المؤمنين إلى طاهر بن الحسن سلام عليك أما بعد فإن الأمر قد خرج بيني وبين أخي إلى هتك الستور وكشف الحرم ولست آمن أن يطمع في هذا الأمر السحيق البعيد لشتات ألفتنا واختلاف كلمتنا وقد رضيت أن تكتب لي أماناً لأخرج إلى أخي فإن تفضل علي فأهل لذلك وإن قتلني فمروة كسرت مروة وصمصامة قطعت صمصامة ولن يفترسني السبع أحب إلي من أن ينبحني الكلب فأبى طاهر عليه.
وأسند عن إسماعيل بن أبي محمد اليزيدي قال كان أبي يكلم الأمين والمأمون بكلام يتفصحان به ويقول كان أولاد الخلفاء من بني أمية يخرج بهم إلى البدو حتى يتفصحوا وأنتم أولى بالفصاحة منهم.
قال الصولي: ولا نعرف للأمين رواية في الحديث إلا هذا الحديث الواحد حدثنا المغيرة بن محمد المهلبي قال رأيت عند الحسين بن الضحاك جماعة من بني هاشم فيهم بعض أولاد المتوكل فسألوه عن الأمين وأدبه فوصف الحسين أدباً كثيراً قيل: فالفقه قال: كان المأمون أفقه منه قيل فالحديث قال ما سمعت منه حديثاً إلا مرة فإنه نعي إليه غلام له مات بمكة فقال: حدثني أبي عن أبيه عن المنصور عن أبيه عن علي بن عبد الله عن ابن عباس عن أبيه سمعت النبي ﷺ يقول " من مات محرماً حشر ملبياً ".
стр. 304
قال الثعالبي في لطائف المعارف: كان أبو العيناء يقول لو نشرت زبيدة ضفائرها ما تعلقت إلا بخليفة أو ولي عهد فإن المنصور جدها والسفاح أخو جدها والمهدي عمها والرشيد زوجها والأمين ابنها والمأمون والمعتصم ابنا زوجها والواثق والمتوكل ابنا ابن زوجها وأما ولاة العهود فكثيرة.
ونظيرتها من بني أمية عاتكة بنت يزيد بن معاوية يزيد أبوها ومعاوية جدها ومعاوية بن يزيد أخوها ومروان بن الحكم حموها وعبد الملك زوجها ويزيد ابنها والوليد بن يزيد ابن ابنها والوليد وهشام وسليمان بنو زوجها ويزيد وإبراهيم ابنا الوليد عبد الملك ابنا ابن زوجها.
المأمون عبد الله أبو العباس
المأمون: عبد الله أبو العباس بن الرشيد ولد سنة سبعين ومائة في ليلة الجمعة منتصف ربيع الأول وهي الليلة التي مات فيها الهادي واستخلف أبوه وأمه أم ولد اسمها مراجل ماتت في نفاسها به وقرأ العلم في صغره.
سمع الحديث من أبيه وهشيم وعباد بن العوام ويوسف بن عطية وأبي معاوية الضرير وإسماعيل بن علية وحجاج الأعور وطبقتهم.
وأدبه اليزيدي وجمع الفقهاء من الآفاق وبرع في الفقه والعربية وأيام الناس ولما كبر عني بالفلسفة وعلوم الأوائل ومهر فيها فجره ذلك إلى القول بخلق القرآن.
روى عنه: ولده الفضل ويحيى بن أكثم وجعفر بن أبي عثمان الطيالسي والأمير عبد الله بن طاهر وأحمد بن الحارث الشيعي ودعبل الخزاعي وآخرون.
وكان أفضل رجال بني العباس حزماً وعزماً وحلماً وعلماً ورأياً ودهاء وهيبة وشجاعة وسوددا وسماحة وله محاسن وسيرة طويلة لولا ما أتاه من محنة الناس في القول بخلق القرآن ولم يل الخلافة من بني العباس أعلم منه وكان فصيحاً مفوهاً وكان يقول معاوية بعمره وعبد الملك بحجاجه وأنا بنفسي وكان يقال: لبني عباس فاتحة وواسطة وخاتمة الفاتحة السفاح والواسطة المأمون والخاتمة المعتضد وقيل إنه ختم في بعض الرمضانات ثلاثاً وثلاثين
стр. 305
ختمة وكان معروفاً بالتشيع وقد حمله ذلك على خلع أخيه المؤتمن والعهد بالخلافة إلى علي الرضى كما سنذكره.
قال أبو معشر المنجم: كان المأمون أماراً بالعدل فقيه النفس يعد من كبار العلماء.
وعن الرشيد قال إني لأعرف في عبد الله حزم المنصور ونسك المهدي وعزة الهادي ولو أشاء أن أنسبه إلى الرابع يعني نفسه لنسبته وقد قدمت محمداً عليه وإني لأعلم أنه منقاد إلى هواه مبذر لما حوته يده يشاركه في رأيه الإماء والنساء ولولا أم جعفر وميل بني هاشم لقدمت عبد الله عليه.
استقل المأمون بالأمر بعد قتل أخيه سنة ثمان وتسعين وهو بخرسان واكتنى بأبي جعفر.
قال الصولي: وكانوا يحبون هذه الكنية لأنها كنية المنصور وكان لها في نفوسهم جلالة وتفاؤل بطول عمر من كني بها كالمنصور والرشيد.
وفي سنة إحدى ومائتين خلع أخاه المؤتمن من العهد وجعل ولي العهد من بعده علي الرضى بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق حمله على ذلك إفراطه في التشيع حتى قيل: إنه هم أن يخلع نفسه ويفوض الأمر إليه وهو الذي لقبه الرضى وضرب الدراهم باسمه وزوجه ابنته وكتب إلى الآفاق بذلك وأمر بترك السواد ولبس الخضرة فاشتد ذلك على بني العباس جداً وخرجوا عليه وبايعوا إبراهيم بن المهدي ولقب المبارك فجهز المأمون لقتاله وجرت أمور وحروب وسار المأمون إلى نحو العراق فلم ينشب على الرضى أن مات في سنة ثلاث فكتب المأمون إلى أهل بغداد يعلمهم أنهم ما نقموا عليه إلا ببيعته لعلي وقد مات فردوا جوابه أغلظ جواب فسار المأمون وبلغ إبراهيم بن المهدي تسلل الناس من عهده فاختفى في ذي الحجة فكانت أيامه سنتين إلا أياماً وبقي في اختفائه مدة ثمان سنين.
ووصل المأمون بغداد في صفر سنة أربع فكلمه العباسيون وغيرهم في العود إلى لبس السواد وترك الخضرة فتوقف ثم أجاب إلى ذلك.
стр. 306
وأسند الصولي أن بعض آل بيته قالت: إنك على بر أولاد علي بن أبي طالب والأمر فيك أقدر منك على برهم والأمر فيهم فقال إنما فعلت ما فعلت لأن أبا بكر لما ولي ولم يول أحداً من بني هاشم شيئاً ثم عمر ثم عثمان كذلك ثم ولي علي فولى عبد الله بن عباس البصرة وعبيد الله اليمن ومعبدا مكة وقثم البحرين وما ترك أحداً منهم حتى ولاه شيئاً فكانت هذه منة في أعناقنا حتى كافأته في ولده بما فعلت.
وفي سنة عشر تزوج المأمون بوران بنت الحسن بن سهل وبلغ جهازها ألوفاً كثيرة وقام أبوها بخلع القواد وكلفتهم مدة سبعة عشر يوماً وكتب رقاعاً فيها أسماء ضياع له ونثرها على القواد والعباسيين فمن وقعت يده رقعة باسم ضيعة تسلمها ونثر صينية ملئت جوهراً بين يدي المأمون عند ما زفت إليه.
وفي سنة إحدى عشرة أمر المأمون بأن ينادي برئت الذمة ممن ذكر معاوية بخير وأن أفضل الخلق بعد رسول الله ﷺ علي بن أبي طالب.
وفي سنة اثنتي عشرة أظهر المأمون القول بخلق القرآن مضافاً إلى تفضيل علي على أبي بكر وعمر فاشمأزت النفوس منه وكاد البلد يفتتن ولم يلتئم له من ذلك ما أراد فكف عنه إلى سنة ثمان عشرة.
وفي سنة خمس عشرة سار المأمون إلى غزو الروم ففتح حصن قرة عنوة وحصن ماجدة ثم سار إلى دمشق ثم عاد في سنة ست عشرة إلى الروم وافتتح عدة حصون ثم عاد إلى دمشق ثم توجه إلى مصر ودخولها فهو أول من دخلها من الخلفاء العباسيين ثم عاد في سنة سبع عشرة إلى دمشق والروم.
وفي سنة ثمان عشر امتحن الناس بالقول في خلق القرآن فكتب إلى نائبه على بغداد إسحاق بن إبراهيم الخزاعي بن عم طاهر بن الحسن في امتحان العلماء كتاباً يقول (١) فيه وقد عرف أمير المؤمنين أن الجمهور الأعظم والسواد الأكبر
стр. 307
من حشوة الرعية وسفلة العامة ممن لا نظر له ولا روية ولا استضاءة بنور العلم وبرهانه أهل جهالة بالله وعمى عنه وضلالة عن حقيقة دينه وقصور أن يقدروا الله حق قدره ويعرفوه كنه معرفته ويفرقوا بينه وبين خلقه وذلك أنهم ساووا بين الله وبين ما أنزل من القرآن فأطبقوا على أنه قديم لم يخلقه الله ويخترعه وقد قال الله تعالى " إنا جعلناه قرآناً عربياً " " فكل ما جعله الله فقد خلقه كما قال الله تعالى " وجعل الظلمات والنور " وقال " كذلك نقص عليك من أنباء ما قد سبق " فأخبر أنه قصص لأمور أحدثه بعدها وقال " أحكمت آياته ثم فصلت " والله محكم كتابه ومفصله فهو خالقه ومبتدعه ثم انتسبوا إلى السنة وأظهروا أنهم أهل الحق والجماعة وأن من سواهم أهل الباطل والكفر فاستطالوا بذلك وغروا به الجهال حتى مال قوم من أهل السمت الكاذب والتخشع لغير الله إلى موافقتهم فتركوا الحق إلى باطلهم واتخذوا دون الله وليجة إلى ضلالهم إلى أن قال فرأى أمير المؤمنين أن أولئك شر الأمة المنقوصون من التوحيد حظاً وأوعية الجهالة وأعلام الكذب ولسان إبليس الناطق في أوليائه والهائل على أعدائه من أهل دين الله وأحق من يتهم في صدقه وتطرح شهادته ولا يوثق به من عمي عن رشده وحظه من الإيمان بالله وبالتوحيد وكان عما سوى ذلك أعمى وأضل سبيلا ولعمر أمير المؤمنين إن أكذب الناس من كذب على الله ووحيه وتخرص الباطل ولم يعرف الله حق معرفته فاجمع من بحضرتك من القضاة فاقرأ عليهم كتابنا وامتحنهم فيما يقولون واكشفهم عما يعتقدون في خلقه وإحداثه وأعلمهم أني غير مستعين في عملي ولا واثق بمن لا يوثق بدينه فإذا أقروا بذلك ووافقوا فمرهم بنص من بحضرتهم من الشهود ومسألتهم عن علمهم في القرآن وترك شهادة من لم يقر أنه مخلوق واكتب إلينا بما يأتيك عن قضاة أهل عملك في مسألتهم والأمر لهم بمثل ذلك.
وكتب المأمون إليه أيضاً في أشخاص سبعة أنفس وهم محمد بن سعد كاتب الواقدي ويحيى بن معين وأبو خيثمة وأبو مسلم مستملي
стр. 308
يزيد بن هارون وإسماعيل بن داود وإسماعيل بن أبي مسعود وأحمد بن إبراهيم الدورقي فأشخصوا إليه فامتحنهم بخلق القرآن فأجابوه فردهم من الرقة إلى بغداد وسبب طلبهم أنهم توقفوا أولا ثم أجابوه تقية.
وكتب إلى إسحاق بن إبراهيم بأن يحضر الفقهاء ومشايخ الحديث ويخبرهم بما أجاب به هؤلاء السبعة ففعل ذلك فأجابه طائفة وامتنع آخرون فكان يحيى بن معين وغيره يقولون أجبنا خوفاً من السيف.
ثم كتب المأمون كتاباً آخر من جنس الأول إلى إسحاق وأمره بإحضار من امتنع فأحضر جماعة منهم أحمد بن حنبل وبشر بن الوليد الكندي وأبو حسان الزيادي وعلي بن أبي مقاتل والفضل بن غانم وعبيد الله بن عمرو القواريري وعلي بن الجعد وسجادة والذيال بن الهيثم وقتيبة بن سعيد وسعدوية الواسطي وإسحاق بن أبي إسرائيل وابن الهرس (١) وابن علية الأكبر ومحمد بن نوح العجلي ويحيى بن عبد الرحمن العمري وأبو نصر التمار وأبو معمر القطيعي ومحمد بن حاتم بن ميمون وغيرهم وعرض عليهم كتاب المأمون فعرضوا ووروا ولم يجيبوا ولم ينكروا فقال لبشر بن الوليد ما تقول قال قد عرفت أمير المؤمنين غير مرة قال والآن فقد تجدد من أمير المؤمنين كتاب قال أقول كلام الله قال لم أسألك عن هذا أمخلوق هو قال (٢) ما أحسن غير ما قلت لك وقد استعهدت أمير المؤمنين أن لا أتكلم فيه ثم قال لعلي بن أبي مقاتل ما تقول قال القرآن كلام الله وإن أمرنا أمير المؤمنين بشيء سمعنا وأطعنا وأجاب أبو حسان الزيادي بنحو من ذلك ثم قال لأحمد بن حنبل ما تقول قال كلام الله قال أمخلوق هو قال هو كلام الله لا أزيد على هذا ثم امتحن الباقين وكتب بجواباتهم قال ابن البكاء الأكبر أقول القرآن مجعول ومحدث لورود النص بذلك فقال له إسحاق بن إبراهيم والمجعول مخلوق قال نعم قال فالقرآن مخلوق
стр. 309
قال لا أقول مخلوق ثم وجه بجواباتهم إلى المأمون فورد عليه كتاب المأمون بلغنا (١) ما أجاب به متصنعة أهل القبلة وملتمسو الرئاسة فيما ليسوا له بأهل فمن لم يجب أنه مخلوق فامنعه من الفتوى والرواية ويقول الكتاب: فأما ما قال بشر فقد كذب لم يكن جرى بين أمير المؤمنين وبينه عهد أكثر من إخباره أمير المؤمنين من اعتقاده كلمة الإخلاص والقول بأن القرآن مخلوق فادع به إليك فإن تاب فأشهر أمره وإن أصر على شركه ودفع أن يكون القرآن مخلوقاً بكفره وإلحاده فاضرب عنقه وابعث إلينا برأسه وكذلك إبراهيم بن المهدي فامتحنه فإن أجاب وإلا فاضرب عنقه وأما علي بن أبي مقاتل فقل له ألست القائل لأمير المؤمنين إنك تحلل وتحرم وأما الذيال فأعلمه أنه كان في الطعام الذي يسرقه من الأنبار ما يشغله وأما احمد بن يزيد أبو العوام وقوله إنه لا يحسن الجواب في القرآن فأعلمه أنه صبي في عقله لا في سنه جاهل يحسن الجواب إذا أدب ثم إن لم يفعل كان السيف من وراء ذلك وأما أحمد بن حنبل فأعلمه أن أمير المؤمنين قد عرف فحوى مقالته واستدل على جهله وأفنه بها (٢) وأما الفضل بن غانم فأعلمه أنه لم يخف على أمير المؤمنين ما كان فيه بمصر وما اكتسب من الأموال في أقل من سنة يعني ولاية القضاء وأما الزيادي فأعلمه أنه كان منتحلا ولاء أول دعى فأنكر أبو حسان أن يكون مولى لزياد ابن أبيه وذكر أنه إنما قيل له الزيادي لأمر من الأمور قال وأما أبو نصر التمار فإن أمير المؤمنين شبه خساسة عقله بخساسة متجره وأما ابن نوح والمعروف بأبي معمر وابن حاتم فأعلمهم أنهم مشاغيل بأكل الربا عن الوقوف على التوحيد وإن أمير المؤمنين لو لم يستحل محاربتهم في الله إلا لإربائهم وما نزل به كتاب الله في أمثالهم لاستحل ذلك فكيف بهم وقد جمعوا مع الإرباء شركاً وصاروا للنصارى شبهاً وأما ابن شجاع فأعلمه أنك صاحبه بالأمس والمستخرج منه ما استخرجته من
стр. 310
المال الذي كان استحله من مال علي بن هشام وأما سعدويه الواسطي فقل له قبح الله رجلا بلغ به التصنع للحديث والحرص على الرئاسة فيه أن يتمنى وقت المحنة وأما المعروف بسجادة وإنكاره أن يكون سمع ممن كان يجالس العلماء القول بأن القرآن مخلوق فأعلمه أن في شغله بإعداد النوى وحكه لإصلاح سجادته وبالودائع التي دفعها إليه علي بن يحيى وغيره ما أذهله عن التوحيد وأما القواريري ففيما تكشف من أحواله وقبوله الرشا والمصانعات ما أبان عن مذهبه وسوء طريقته وسخافة عقله ودينه وأما يحيى العمري فإن كان من ولد عمر بن الخطاب فجوابه معروف وأما محمد بن الحسن بن علي بن عاصم فإنه لو كان مقتدياً بمن مضى من سلفه لم ينتحل النحلة التي حكيت عنه وإنه بعد صبي محتاج إلى أن يعلم وقد كان أمير المؤمنين وجه إليك المعروف بأبي مسهر بعد أن نصه أمير المؤمنين عن محنته في القرآن فجمجم عنها وتلجلج فيها حتى دعا له أمير المؤمنين بالسيف فأقر ذميماً فانصصه عن إقراره فإن كان مقيماً عليه فأشهر ذلك
وأظهره ومن لم يرجع عن شركه ممن سميت بعد بشر وابن المهدي فاحملهم موثقين إلى عسكر أمير المؤمنين ليسألهم فإن لم يرجعوا فاحملهم على السيف قال فأجابوا كلهم عند ذلك إلا أحمد بن حنبل وسجادة ومحمد ابن نوح والقواريري فأمر بهم إسحاق فقيدوا ثم سألهم من الغد وهم في القيود فأجاب سجادة ثم عاودهم ثالثاً فأجاب القواريري ووجه بأحمد ابن حنبل ومحمد بن نوح إلى الروم.
ثم بلغ المأمون أن الذين أجابوا إنما أجابوا مكرهين فغضب وأمر بإحضارهم إليه فحملوا إليه فبلغتهم وفاة المأمون قبل وصولهم إليه ولطف الله بهم وفرج عنهم.
وأما المأمون فمرض بالروم فلما اشتد مرضه طلب ابنه العباس ليقدم عليه وهو يظن أنه لا يدركه فأتاه وهو مجهود وقد نفذت الكتب إلى البلدان فيها
стр. 311
من عبد الله المأمون وأخيه أبي إسحاق الخليفة من بعده بهذا النص فقيل إن ذلك وقع بأمر المأمون وقيل بل كتبوا ذلك وقت غشي أصابه.
ومات المأمون يوم الخميس لاثنتي عشرة بقيت من رجب سنة ثمان عشرة بالبدندون من أقصى الروم ونقل إلى طرطوس فدفن بها.
قال المسعودي (١): كان نزل على عين البدندون فأعجبه برد مائها وصفاؤه وطيب حسن الموضع وكثرة الخضرة فرأى فيها سمكة كأنها سبيكة فضة فأعجبته فلم يقدر أحد يسبح في العين لشدة بردها فجعل لمن يخرجها سيفاً فنزل فراش فاصطادها وطلع فاضطربت وفرت إلى الماء فتنضح صدر المأمون ونحره وابتل ثوبه ثم نزل الفراش ثانية فأخذها فقال المأمون تقلى الساعة ثم أخذته رعدة فغطى باللحف وهو يرتعد ويصيح فأوقدت حوله نار فأتى بالسمكة فما ذاقها لشغله بحاله ثم أفاق المأمون من غمرته فسأل عن تفسير المكان بالعربي؟ فقيل مد رجليك فتطير به ثم سأل عن اسم البقعة فقيل الرقة وكان فيما عمل من مولده أنه يموت بالرقة فكان يتجنب نزول الرقة فرقاً من الموت فلما سمع هذا من الروم عرف وأيس وقال يا من لا يزول ملكه ارحم من قد زال ملكه ولما وردت وفاته بغداد قال أبو سعيد المخزومي:
هل رأيت النجوم أغنت عن المأمون … أو عن ملكه المأسوس (٢)
خلفوه بعرصتي طرسوس … مثل ما خلفوا أباه بطوس
قال الثعالبي: لا يعرف أب وابن من الخلفاء أبعد قبراً من الرشيد والمأمون.
قال: وكذلك خمسة من أولاد العباس تباعدت قبورهم أشد تباعد ولم
стр. 312
ير الناس مثلهم فقبر عبد الله بالطائف وعبيد الله بالمدينة والفضل بالشام وقثم بسمرقند ومعبد بإفريقية.
فصل في نبذ من أخبار المأمون
قال نفطويه: حدثنا حامد بن العباس بن الوزير قال كنا بين يدي المأمون فعطس فلم نشمته فقال لم لا تشمتونني قلنا أجللناك يا أمير المؤمنين قال لست من الملوك التي تتجال عن الدعاء. وأخرج ابن عساكر عن أبي محمد اليزيدي قال كنت أؤدب المأمون فأتيته يوماً وهو داخل فوجهت إليه بعض الخدم يعلمه بمكاني فأبطأ ثم وجهت إليه آخر فأبطأ فقلت إن هذا الفتى ربما تشاغل بالبطالة فقيل أجل ومع هذا إنه إذا فارقك تعرم على خدمه ولقوا منه أذى شديداً فقومه بالأدب فلما خرج أمرت بحمله فضربته سبع درر قال فإنه ليدلك عينيه من البكاء إذ قيل هذا جعفر بن يحيى قد أقبل فأخذ منه منديلا فمسح عينيه من البكاء وجمع ثيابه وقام إلى فرشه فقعد متربعاً ثم قال ليدخل فدخل فقمت عن المجلس وخفت أن يشكوني إليه فأقبل عليه بوجهه وحدثه حتى أضحكه ثم خرج فجئت فقلت لقد خفت أن تشكوني إلى جعفر فقال لي يا أبا محمد ما كنت أطلع الرشيد على هذه فكيف بجعفر إني احتاج إلى أدب.
وأخرج عن عبد الله بن محمد التيمي قال أراد الرشيد سفراً فأمر الناس أن يتأهبوا لذلك وأعلمهم أنه خارج بعد الأسبوع فمضى الأسبوع ولم يخرج فاجتمعوا إلى المأمون فسألوه أن يستعلم ذلك ولم يكن الرشيد يعلم أن المأمون يقول الشعر فكتب إليه المأمون:
يا خير من دبت المطي به … ومن تقدى بسرجه فرس
هل غاية في المسير نعرفها … أم أمرنا في المسير ملتبس
ما علم هذا إلا إلى ملك … من نوره في الظلام نقتبس
стр. 313
إن سرت سار الرشاد متبعاً … وإن تقف فالرشاد محتبس
فقرأها الرشيد فسر بها ووقع فيها يا بني ما أنت والشعر إنما الشعر أرفع حالات الدنى وأقل حالات السرى.
تقدى أي استمر.
وأخرج عن الأصمعي قال: كان نقش خاتم المأمون عبد الله ابن عبد الله.
وأخرج عن محمد بن عبد الله قال لم يحفظ القرآن أحد من الخلفاء إلا عثمان بن عفان والمأمون.
قلت وقد رددت هذا الحصر فيما تقدم.
وأخرج عن ابن عيينة قال جمع المأمون العلماء وجلس للناس فجاءت امرأة فقالت يا أمير المؤمنين مات أخي وخلف ستمائة دينار أعطوني ديناراً وقالوا هذا نصيبك قال فحسب المأمون ثم كسر الفريضة ثم قال لها هذا نصيبك فقال له العلماء كيف علمت يا أمير المؤمنين فقال هذا الرجل خلف ابنتين قالت نعم قال فلهن الثلثان أربعمائة وخلف والدة فلها السدس مائة وخلف زوجة فلها الثمن خمسة وسبعون وبالله ألك اثنا عشر أخاً قالت نعم قال أصابهم ديناران ديناران وأصابك دينار.
وأخرج عن محمد بن حفص الأنماطي قال تغدينا مع المأمون في يوم عيد فوضع على مائدته أكثر من ثلثمائة لون قال فكلما وضع لون نظر المأمون إليه فقال هذا نافع لكذا ضار لكذا فمن كان منكم صاحب بلغم فليجتنب هذا ومن كان منكم صاحب صفراء فليأكل من هذا ومن غلبت عليه السوداء فلا يعرض لهذا ومنقصد قلة الغذاء فليقتصر على هذا فقال له يحيى بن أكثم يا أمير المؤمنين
стр. 314
إن خضنا في الطب كنت جالينوس في معرفته أو في النجوم كنت هرمس في حسابه أو في الفقه كنت علي بن أبي طالب ﵁ في علمه أو ذكر السخاء كنت حاتم طيئ في صفته أو صدق الحديث كنت أبا ذر في لهجته أو الكرم فأنت كعب بن أمامة في فعاله أو الوفاء فأنت السموأل بن عاديا في وفائه فسر بهذا الكلام وقال إن الإنسان إنما فضل بعقله ولولا ذلك لم يكن لحم أطيب من لحم ولا دم أطيب من دم.
وأخرج عن يحيى بن أكثم قال ما رأيت أكمل من المأمون بت عنده ليلى فانتبه فقال يا يحيى انظر إيش عند رجلي فنظرت فلم أر شيئاً فقال شمعة فتبادر الفراشون فقال انظروا فنظروا فإذا تحت فراشه حية بطوله فقتلوها فقلت قد انضاف إلي كمال أمير المؤمنين علم الغيب فقال معاذ الله ولكن هتف بي هاتف الساعة وأنا نائم فقال:
يا راقد الليل انتبه … إن الخطوب لها سرى
ثقة الفتى بزمانه … ثقة محللة العرى
فانتبهت فعلمت أن قد حدث أمر إما قريب وإما بعيد فتألمت ما قرب فكان ما رأيت.
وأخرج عن عمارة بن عقيل قال: قال لي ابن أبي حفصة الشاعر أعلمت أن المأمون لا يبصر الشعر فقلت من ذا يكون أفرس منه والله إنا للنشد أول البيت فيسبق إلى آخره من غير أن يكون سمعه قال إني أنشدته بيتا أجدت فيه لم أراه تحرك له وهو هذا:
أضحى إمام الهدى المأمون مشتغلا … بالدين والناس في الدنيا مشاغيل
فقلت له: ما زدت على أن جعلته عجوزاً في محرابها في يدها سبحة فمن يقوم بأمر الدنيا إذا كان مشغولا عنها وهو المطوق لها ألا قلت كما قال عمك في الوليد (١):
стр. 315
فلا هو في الدنيا يضيع نصيبه … ولا عرض الدنيا عن الدين شاغله
قال ابن عساكر أخبرنا أبو العز بن كادش حدثنا محمد بن الحسن حدثنا المعافى بن زكريا حدثنا محمد بن محمود بن أبي الأزهر الخزاعي حدثنا الزبير بن بكار حدثني النضر بن شميل قال دخلت على المأمون بمرو وعلي أطمار فقال لي يا نضر أتدخل على أمير المؤمنين في مثل هذه الثياب فقلت يا أمير المؤمنين إن حر مرو لا يدفع إلا بمثل هذه الأخلاق قال لا ولكنك تتقشف فتجارينا الحديث فقال المأمون حدثني هشيم بن بشير عن مجالد عن الشعبي عن ابن عباس ﵄ قال قال رسول الله ﷺ " إذا تزوج الرجل المرأة لدينها وجمالها كان فيه سداد من عوز " قلت صدق قول أمير المؤمنين عن هشيم حدثني عوف الأعرابي عن الحسن أن النبي ﷺ قال " إذا تزوج الرجل المرأة لدينها وجمالها كان فيه سداد بالكسر من عوز " وكان المأمون متكئاً فاستوى جالساً وقال السداد لحن يا نضر قلت نعم ههنا وإنما لحن هشيم وكان لحاناً فقال ما الفرق بينهما قلت السداد بالفتح القصد في السبيل والسداد بالكسر البلغة وكل ما سددت به شيئاً فهو سداد قال أفتعرف العرب ذلك قلت نعم هذا العرجي من ولد عثمان بن عفان يقول:
أضاعوني وأي فتى أضاعوا … ليوم كريهة وسداد ثغر
فأطرق المأمون ملياً ثم قال قبح الله من لا أدب له ثم قال أنشدني يا نضر أخلب بيت للعرب قلت: قول ابن بيض في الحكم بن مروان:
تقول لي العيون هاجعة … أقيم علينا يوما فلم أقم
أي الوجوه انتجعت قلت لها … لأي وجه إلا إلى الحكم (١)
стр. 316
متى يقل حاجباً سرادقه … هذا ابن بيض بالباب يبتسم
قد كنت أسلمت فيك مقتبلا … هيهات ادخل فأعطني سلمي
أسلمت: أسلفت مقتبلا آخذاً قبيلا أي كفيلا قال أنشدني أنصف بيت قالته العرب قلت قول ابن أبي عروبة المديني:
إني وإن كان ابن عمي عاتبا … لمزاحم من خلفه وورائه
ومفيده نصري وإن كان امرأ … متزحزحاً في أرضه وسمائه
وأكون والي سره وأصونه … حتى يحن إلي وقت أدائه
وإذا الحوادث أجحفت بسوامه … قرنت صحيحتنا إلى جربائه
وإذا دعا باسمي ليركب مركبا … صعبا قعدت له على سيسائه
وإذا أتى من وجهه بطريقة … لم أطلع فيما وراء خبائه
وإذا ارتدى ثوباً جميلا لم أقل … يا ليت أن علي حسن ردائه
قال أنشدني أقنع بيت للعرب فأنشدته قول ابن عبدل:
إني امرؤ لم أزل وذاك من … الله أديباً أعلم الأدبا
أقيم بالدار ما اطمأن بي الدار … وإن كنت نازحاً طربا
لا أحتوي خلة الصديق ولا … أتبع نفسي شيئاً إذا ذهبا
أطلب ما يطلب الكريم من … الرزق بنفسي وأجمل الطلبا
إني رأيت الفتى الكريم إذا … رغبته في صنيعه رغبا
والعبد لا يطلب العلاء ولا … يعطيك شيئاً إلا إذا رهبا
مثل الحمار الموقع السوء لا … يحسن شيئاً إلا إذا ضربا
ولم أجد عروة العلائق إلا … الدين لما اختبرت والحسبا
وقد يرزق الخافض المقيم وما … شد بعيس رحلا ولا قتبا
ويحرم الرزق ذو المطية والرحل … ومن لا يزال مغتربا
стр. 317
قال: أحسنت يا نضر وأخذ القرطاس فكتب شيئاً لا أدري ما هو ثم قال: كيف تقول افعل من التراب قلت أترب قال ومن الطين قلت طن قال فالكتاب ماذا قلت مترب مطين قال هذه أحسن من الأولى فكتب لي بخمسين ألف درهم ثم أمر الخادم أن يوصلني إلى الفضل بن سهل فمضيت معه فلما قرأ الكتاب قال يا نضر لحنت أمير المؤمنين قلت كلا ولكن هشيم لحانه فتبع أمير المؤمنين لفظه فأمر لي من عنده بثلاثين ألفاً فخرجت إلى منزلي بثمانين ألفاً.
وأخرج الخطيب عن محمد بن زياد الأعرابي قال بعث إلى المأمون فصرت إليه وهو في بستان يمشي مع يحيى بن أكثم فرأيتهما موليين فجلست فلما أقبلا قمت فسلمت عليه بالخلافة فسمعته يقول ليحيى يا أبا محمد ما أحسن أدبه رآنا موليين فجلس ثم رآنا مقبلين فقام ثم رد علي السلام فقال أخبرني عن قول هند بنت عتبة (١):
نحن بنات طارق … نمشي على النمارق
مشي قطا الهمارق
من طارق هذا فنظرت في نسبها فلم أجده فقلت يا أمير المؤمنين ما أعرفه في نسبها فقال إنما أرادت النجم وانتسبت إليه لحسنها من قول الله تعالى " والسماء والطارق " فقلت فأيده أمير المؤمنين فقال أنا بؤبؤ هذا الأمر وابن بؤبؤه ثم رمى إلي بعنبرة كان يقلبها في يده بعتها بخمسة آلاف درهم.
وأخرج عن أبي عبادة قال: كان المأمون أحد ملوك الأرض وكان يجب له هذا الاسم على الحقيقة.
وأخرج عن ابن أبي دؤاد قال دخل رجل من الخوارج على المأمون فقال له المأمون ما حملك على خلافنا قال آية في كتاب الله قال وما هي
стр. 318
قال قوله تعالى " ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون " قال ألك علم بأنها منزلة قال نعم قال وما دليلك قال إجماع الأمة قال فكما رضيت بإجماعهم في التنزيل فارض بإجماعهم في التأويل قال صدقت السلام عليك يا أمير المؤمنين.
وأخرج ابن عساكر عن محمد بن منصور قال: قال المأمون من علامة الشريف أن يظلم من فوقه ويظلمه من هو دونه.
وأخرج عن سعيد بن مسلم قال: قال المأمون لوددت أن أهل الجرائم عرفوا رأيي في العفو ليذهب عنهم الخوف ويخلص السرور إلى قلوبهم.
وأخرج عن إبراهيم بن سعيد الجوهري قال وقف رجل بين يدي المأمون قد جنى جناية فقال له والله لأقتلنك فقال يا أمير المؤمنين تأن علي فإن الرفق نصف العفو قال وكيف وقد حلفت لأقتلنك فقال لأن تلقى الله حانثاً خير من أن تلقاه قاتلا فخلى سبيله.
وأخرج الخطيب عن أبي الصلت عبد السلام بن صالح قال بت عند المأمون ليلة فنام القيم الذي كان يصلح السراج فقام المأمون وأصلحه وسمعته يقول ربما أكون في المتوضأ فيشتمني الخدام ويفترون علي ولا يدرون أنه أسمع فأعفو عنهم وأخرج الصولي عن عبد الله بن البواب قال كان المأمون يحلم حتى يغيظنا وجلس مرة يستاك على دجلة من وراء ستر ونحن قيام بين يديه فمر ملاح وهو يقول أتظنون أن هذا المأمون ينبل (١) في عيني وقد قتل أخاه قال فوالله ما زاد على أن تبسم وقال لنا ما الحيلة عندكم حتى أنبل (١) في عين هذا الرجل الجليل.
стр. 319
وأخرج الخطيب عن يحيى بن أكثم قال ما رأيت أكرم من المأمون بت عنده ليلة فأخذه سعال فرأيته يسد فاه بكم قميصه حتى لا أنتبه.
وكان يقول أول العدل أن يعدل الرجل في بطانته ثم الذين يلونهم (١) حتى يبلغ إلى الطبقة السفلى.
وأخرج ابن عساكر عن يحيى بن خالد البرمكي قال: قال لي المأمون يا يحيى اغتنم قضاء حوائج الناس فإن الفلك أدور والدهر أجور من أن يترك لأحد حالا أو يبقى لأحد نعمة.
وأخرج عن عبد الله بن محمد الزهري قال: قال المأمون غلبة الحجة احب إلي من غلبة القدرة لأن غلبة القدرة تزول بزوالها وغلبة الحجة لا يزيلها شيء.
واخرج عن العتبي قال سمعت المأمون يقول من لم يحمدك على حسن النية لم يشكر على جميل الفعل.
وأخرج عن أبي العالية قال سمعت المأمون يقول ما أقبح اللجاجة بالسلطان وأقبح من ذلك الضجر (٢) من القضاة قبل التفهم وأقبح منه سخافة الفقهاء بالدين وأقبح منه البخل بالأغنياء والمزاح بالشيوخ والكسل بالشباب والجبن بالمقاتل.
وأخرج عن علي بن عبد الرحيم المروزي قال قال المأمون أظلم الناس لنفسه من يتقرب إلى من يبعده ويتواضع لمن لا يكرمه ويقبل مدح من لا يعرفه.
وأخرج عن مخارق قال أنشدت المأمون قول أبي العتاهية:
وإني لمحتاج إلى ظل صاحب … يروق ويصفو إن كدرت عليه
стр. 320
فقال لي أعد فأعدت سبع مرات فقال لي يا مخارق خذ منى الخلافة وأعطني هذا الصاحب. وأخرج عن هدبة بن خالد قال حضرت غداء المأمون فلما رفعت المائدة جعلت ألتقط ما في الأرض فنظر إلي المأمون فقال أما شبعت؟ قلت بلى ولكن حدثني حماد بن سلمة عن ثابت البناني عن أنس سمعت رسول الله ﷺ يقول " من أكل ما تحت مائدة أمن من الفقر " فأمر لي بألف دينار.
وأخرج عن الحسن بن عبدوس الصفار قال لما تزوج المأمون بوران بنت الحسن بن سهل أهدى الناس إلى الحسن فأهدى له رجل فقير مزودين في أحدهما ملح وفي الآخر أشنان وكتب إليه جعلت فداك خفة البضاعة قصرت ببعد الهمة وكرهت أن تطوى صحيفة أهل البر ولا ذكر لي فيها فوجهت إليك بالمبتدأ به ليمنه وبركته وبالمختوم به لطيبه ونظافته فأخذ الحسن المزودين ودخل بهما على المأمون فاستحسن ذلك وأمر بهما ففرغا وملئا دنانير.
وأخرج الصولي عن محمد بن القاسم قال: سمعت المأمون يقول أنا والله ألذ العفو حتى أخاف أن لا أوجر عليه (١) ولو علم الناس مقدار محبتي للعفو لتقربوا إلي بالذنوب.
وأخرج الخطيب عن المنصور البرمكي قال للرشيد جارية وكان المأمون يهواها فبينما هي تصب على الرشيد من إبريق معها والمأمون خلفه إذ أشار إليها بقبلة فزجرته بحاجبها وأبطأت عن الصب فنظر إليها هارون الرشيد فقال ما هذا؟ فتلكأت عليه فقال إن لم تخبريني لأقتلنك فقالت أشار إلي عبد الله بقبلة فالتفت إليه وإذا هو قد نزل به من الحياء