وأخرج أحمد والحاكم بسند صحيح عن أبي سعيد الخدري: أن رسول الله ﷺ قال لعلي: "إنك تقاتل على القرآن كما قاتلت على تنزيله".
وأخرج البزار وأبو يعلى والحاكم عن علي، قال: دعاني رسول الله ﷺ : "يا علي إن فيك مثلا من عيسى، أبغضته اليهود حتى بهتوا أمه، وأحبته النصارى حتى أنزلوه بالمنزل الذي ليس به". ألا وإنه يهلك في اثنين: محب مفرط يفرطني بما ليس في، مبغض مفتر يحمله شنآني على أن يبهتني.
وأخرج الطبراني في الأوسط والصغير عن أم سلمة قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "علي مع القرآن والقرآن مع علي، ولا يفترقان حتى يردا على الحوض" (١).
وأخرج أحمد والحاكم بسند صحيح عن عمار بن ياسر أن النبي ﷺ قال لعلي: "أشقى الناس رجلان: أحيمر ثمود الذي عقر الناقة، والذي يضربك يا علي على هذه -يعني: قرنه- حتى تبتل منه هذه من الدم، يعني: لحيته". وقد ورد ذلك من حديث علي، وصهيب، وجابر بن سمرة، وغيرهم.
وأخرج الحاكم وصححه عن أبي سعيد الخدري قال: اشتكى الناس عليا فقام رسول الله ﷺ فينا خطيبا فقال: "لا تشكوا عليا، فوالله إنه لأخيشن في ذات الله، أو سبيل الله" (٢).
فصل: في مبايعة علي ﵁ بالخلافة وما نشأ عن ذلك
قال ابن سعد: بويع علي بالخلافة الغد من قتل عثمان بالمدينة فبايعه جميع من كان بها من الصحابة ﵃ وقال: إن طلحة والزبير بايعا كارهين غير طائعين، ثم خرجا إلى مكة وعائشة ﵂ بها، فأخذاها وخرجا بها إلى البصرة يطلبون بدم عثمان، وبلغ ذلك عليا فخرج إلى العراق، فلقي بالبصرة طلحة والزبير وعائشة ومن معهم، وهي وقعة الجمل، وكانت في جمادى الآخرة سنة ست وثلاثين وقتل بها طلحة والزبير وغيرهما وبلغت القتلى ثلاثة عشر ألفا، وأقام علي بالبصرة خمس عشرة ليلة، ثم انصرف إلى الكوفة، ثم خرج عليه معاوية بن أبي سفيان ومن معه بالشام، فبلغ عليا فسار إليه، فالتقوا بصفين في صفر سنة سبع وثلاثين، ودام القتال بها أياما، فرفع أهل الشام المصاحف يدعون إلى ما فيها، مكيدة من عمرو بن العاص، فكره الناس الحرب، وتداعوا إلى الصلح، وحكموا الحكمين، فحكم علي أبا موسى الأشعري، وحكم معاوية عمرو بن العاص، وكتبوا بينهم كتابا على أن يوافوا رأس الحول بأذرح، فينظروا في أمر الأمة فافترق الناس، ورجع معاوية إلى الشام، وعلي إلى الكوفة، فخرجت عليه الخوراج من أصحابه ومن كان معه وقالوا: لا حكم إلا لله، وعسكروا بحروراء، فبعث إليهم ابن عباس، فخاصمهم
стр. 142
وحجهم، فرجع منهم قوم كثير، وثبت قوم، وساروا إلى النهروان، فعرضوا للسبيل، فسار إليهم على فقتلهم بالنهروان، وقتل منهم ذا الثدية، ذلك سنة ثمان وثلاثين، اجتمع الناس بأذرح في شعبان من هذه السنة، وحضرها سعد بن أبي وقاص وابن عمر وغيرهما من الصحابة فقدم عمرو أبا موسى الأشعري مكيدة منه، فتكلم فخلع عليا، وتكلم عمرو فأقر معاوية، وبايع له، فتفرق الناس على هذا، وصار علي في خلاف مع أصحابه حتى صار يعض علي أصبعه ويقول: أعصى ويطاع معاوية؟
وانتدب ثلاثة نفر من الخوارج: عبد الرحمن بن ملجم المرادي، والبرك بن عبد الله التميمي، وعمرو بن بكير التميمي، فاجتمعوا بمكة وتعاهدوا وتعاقدوا ليقتلن هؤلاء الثلاثة: علي بن أبي طالب، ومعاوية بن أبي سفيان، وعمرو بن العاص، ويريحوا العباد منهم، فقال ابن ملجم: أنا لكم بعلي، وقال البرك: أنا لكم بمعاوية، وقال عمرو بن بكير: أنا أكفيكم عمرو بن العاص، وتعاهدوا على أن ذلك يكون في ليلة واحدة ليلة حادي عشر أو ليلة سابع عشر رمضان، ثم توجه كل منهم إلى المصر الذي فيه صاحبه، فقدم ابن ملجم الكوفة، فلقي أصحابه من الخوارج فكاتمهم ما يريدون إلى ليلة الجمعة سابع عشر رمضان سنة أربعين، فاستيقظ علي سحرا، فقال لابنه الحسن، رأيت الليلة رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله ما لقيت من أمتك من الأود واللدد؟ فقال لي: "ادع الله عليهم"، فقلت: اللهم أبدلني بهم خيرا لي منهم، وأبدلهم بي شرا لهم مني، ودخل ابن الذباح المؤذن على علي، فقال: الصلاة، فخرج علي من الباب ينادي: أيها الناس الصلاة الصلاة، فاعترضه ابن ملجم، فضربه بالسيف، فأصاب جبهته إلى قرنه ووصل إلى دماغه، فشد عليه الناس من كل جانب، فأمسك وأوثق، وأقام علي الجمعة والسبت، وتوفي ليلة الأحد وغسله الحسن والحسين، وعبد الله بن جعفر، وصلى عليه الحسن، ودفن بدار الإمارة بالكوفة ليلا، ثم قطعت أطراف ابن ملجم، وجعل في قوصرة وأحرقوه بالنار.
وهذا كله كلام ابن سعد، وقد أحسن في تلخيصه هذه الوقائع، ولم يوسع فيها الكلام كما صنع غيره؛ لأن هذا هو اللائق بهذا المقام، قال ﷺ : "إذا ذكر أصحابي فأمسكوا". وقال: "بحسب أصحابي القتل" (١).
وفي المستدرك (٢) عن السدي، قال: كان عبد الرحمن بن ملجم المرادي عشق امرأة من الخوارج يقال لها: قطام، فنكحها وأصدقها ثلاثة آلاف درهم، وقتل علي، وفي ذلك قال الفرزدق:
فلم أر مهرا ساقه ذو سماحة … كمهر قطام من فصيح وأعجم
ثلاثة آلاف وعبد وقينة … وضرب علي بالحسام المصمم
فلا مهر أغلى من علي وإن غلا … ولا فتك إلا دون فتك ابن ملجم
стр. 143
قال أبو بكر بن عياش: عمى قبر علي لئلا ينبشه الخوارج.
وقال شريك: نقله ابنه الحسن إلى المدينة.
وقال المبرد عن محمد بن حبيب: أول من حول من قبر إلى قبر علي ﵁.
وأخرج ابن عساكر عن سعيد بن عبد العزيز، قال: لما قتل علي بن أبي طالب ﵁ حملوه ليدفنوه مع الرسول ﷺ فبينما هم في مسيرهم ليلا إذ ند (١) الجمل الذي هو عليه، فلم يدر أين ذهب؟ ولم يقدر عليه، قال: فلذلك يقول أهل العراق: هو في السحاب، وقال غيره: إن البعير وقع في بلاد طيئ فأخذوه فدفنوه.
وكان لعلي حين قتل ثلاث وستون سنة، وقيل: أربع وستون، وقيل: خمس وستون، وقيل: سبع وخمسون، وقيل: ثمان وخمسون، وكان له تسع عشرة سرية.
فصل: في نبذ من أخبار علي وقضاياه وكلماته ﵁
قال سعيد بن منصور في سننه: حدثنا هشيم، حدثنا حجاج، حدثني شيخ من فزارة: سمعت عليا يقول: الحمد لله الذي جعل عدونا يسألنا عما نزل به من أمر دينه إن معاوية كتب إلي يسألني عن الخنثى المشكل، فكتبت إليه أن يورثه من قبل مباله، وقال هشيم، عن مغيرة، عن الشعبي، عن علي مثله.
وأخرج ابن عساكر عن الحسن قال: لما قدم علي البصرة قام إليه ابن الكواء، وقيس بن عباد، فقالا له: ألا تخبرنا عن مسيرك هذا الذي سرت فيه، تتولى على الأمة تضرب بعضهم ببعض؟ أعهد من رسول الله ﷺ إليك؟ فحدثنا فأنت الموثوق المأمون على ما سمعت، فقال: أما أن يكون عندي عهد من النبي ﷺ في ذلك فلا، والله لئن كنت أول من صدق به فلا أكون أول من كذب عليه، ولو كان عندي من النبي ﷺ عهد في ذلك ما تركت أخا بني تيم بن مرة وعمر بن الخطاب يقومان على منبره، ولقاتلتهما بيدي، ولو لم أجد إلا بردي هذا، ولكن رسول الله ﷺ لم يقتل قتلا، ولم يمت فجأة، مكث في مرضه أياما وليالي، يأتيه المؤذن فيؤذنه بالصلاة، فيأمر أبا بكر فيصلي بالناس وهو يرى مكاني، ولقد أرادت امرأة من نسائه أن تصرفه عن أبي بكر، فأبى وغضب، وقال: "أنتن صواحب يوسف، مروا أبا بكر يصلي بالناس"، فلما قبض الله نبيه ﷺ نظرنا في أمورنا، فاخترنا لدنيانا من رضيه نبي الله ﷺ لديننا، وكانت الصلاة أصل الإسلام، وهي أمير الدين، وقوام الدين، فبايعنا أبا بكر، وكان لذلك أهلا، ولم يختلف عليه منا اثنان، ولم يشهد بعضنا على بعض، ولم تقطع منه البراءة، فأديت إلى أبي بكر حقه، وعرفت له طاعته، وغزوت معه في جنوده، وكنت آخذ إذا أعطاني، وأغزوا إذا أغزاني، وأضرب بين يديه الحدود بسوطي، فلما قبض تولاها عمر، فأخذها بسنة صاحبه، وما يعرف من أمره، فبايعنا عمر،
стр. 144
ولم يختلف عليه منا اثنان، ولم يشهد بعضنا على بعض، ولم تقطع منه البراءة، فأديت إلى عمر حقه، وعرفت له طاعته، وغزوت معه في جيوشه، وكنت آخذ إذا أعطاني وأغزو إذا أغزاني، وأضرب بيدي الحدود بسوطي، فلما قبض تذكرت في نفسي قرابتي وسابقتي وسالفتي وفضلي، وأنا أظن ألا يعدل بي، ولكن خشى ألا يعمل الخليفة بعده ذنبا إلا لحقه في قبره، فأخرج منها نفسه وولده، ولو كانت محاباة منه لآثر بها ولده، فبرئ منها إلى رهط من قريش ستة أنا أحدهم، فلما اجتمع الرهط ظننت ألا يعدلوا بي، فأخذ عبد الرحمن بن عوف مواثيقنا على أن نسمع ونطيع لمن ولاه الله أمرنا، ثم أخذ بيد عثمان بن عفان وضرب بيده على يده، فنظرت في أمري، فإذا طاعتي قد سبقت بيعتي، وإذا ميثاقي أخذ لغيري، فبايعنا عثمان، فأديت له حقه، وعرفت له طاعته، وغزوت معه في جيوشه، وكنت آخذ إذا أعطاني وأغزوا إذا أغزاني، وأضرب بين يديه الحدود بسوطي، فلما أصيب نظرت في أمري، فإذا الخليفتان اللذان أخذاها بعهد رسول الله ﷺ إليهما بالصلاة قد مضيا، وهذا الذي قد أخذ له الميثاق قد أصيب، فبايعني أهل الحرمين، وأهل هذين المصرين، فوثب فيها من ليس مثلي، ولا قرابته كقرابتي، ولا علمه كعلمي، ولا سابقته كسابقتي، وكنت أحق بها منه.
وأخرج أبو نعيم في الدلائل عن جعفر بن محمد عن أبيه قال: عرض لعلي رجلان في خصومة، فجلس في أصل جدار، فقال له رجل: الجدار يقع، فقال علي: امض، كفى بالله حارسا، فقضى بينهما، فقام، ثم سقط الجدار.
وفي الطيوريات بسنده إلى جعفر بن محمد عن أبيه قال: قال رجل لعلي بن أبي طالب: نسمعك تقول في الخطبة: اللهم أصلحنا بما أصلحت به الخلفاء الراشدين المهديين، فمن هم؟ فاغرورقت عيناه، فقال: هم حبيباي: أبو بكر وعمر، إماما الهدى، وشيخا الإسلام، ورجلا قريش، والمقتدى بهما بعد رسول الله ﷺ من اقتدى بهما عصم، ومن اتبع آثارهما هدى الصراط المستقيم، ومن تمسك بهما فهو من حزب الله.
وأخرج عبد الرزاق عن حجر المدري قال: قال لي علي بن أبي طالب: كيف بك إذا أمرت أن تلعنني؟ قال: وكائن ذلك؟ قال: نعم، قلت: فكيف أصنع؟ قال: العني ولا تبرأ مني، قال: فأمرني محمد بن يوسف أخو الحجاج وكان أميرا على اليمن، أن ألعن عليا، فقلت: إن الأمير أمرني أن ألعن عليا فالعنوه، لعنه الله، فما فطن لها إلا رجل.
وأخرج الطبراني في الأوسط وأبو نعيم في الدلائل (١) عن زاذان: أن عليا حدث بحديث فكذبه رجل، فقال له علي: أدعو عليك إن كانت كاذبا؟ قال: ادع فدعا عليه، فلم يبرح حتى ذهب بصره.
وأخرج عن زر بن حبيش قال: جلس رجلان يتغديان مع أحدهما خمسة أرغفة، ومع
стр. 145
الآخر ثلاثة أرغفة، فلما وضعا الغداء بين أيديهما مر بهما رجل، فسلم، فقالا: اجلس وتغد، فجلس وأكل معهما واستووا في أكلهم الأرغفة الثمانية، فقام الرجل وطرح إليهما ثمانية دراهم، وقال خذاها عوضا مما أكلت لكما، ونلته من طعامكما، فتنازعا، فقال صاحب الخمسة أرغفة: لي خمسة دراهم، ولك ثلاثة، وقال صاحب الأرغفة الثلاثة: لا أرضى إلا أن تكون الدراهم بيننا نصفين، فارتفعا إلى أمير المؤمنين علي، فقصا عليه قصتهما فقال لصاحب الثلاثة: قد عرض عليك صاحبك ما عرض، وخبزه أكثر من خبزك، فارض بالثلاثة، فقال: والله لا رضيت عنه إلا بمر الحق، فقال علي: ليس لك في مر الحق إلا درهم واحد، وله سبعة دراهم، فقال الرجل سبحان الله قال: هو ذلك، قال: فعرفني الوجه في مر الحق حتى أقبله، فقال علي: أليس للثمانية أرغفة أربعة وعشرون ثلثا أكلتموها وأنتم ثلاثة أنفس، ولا يعلم الأكثر منكم أكلا ولا الأقل؟ فتحملون في أكلكم على السواء، قال: فأكلت أنت ثمانية أثلاث، وإنما لك تسعة أثلاث، وأكل صاحبك ثمانية أثلاث، وله خمسة عشر ثلثا، وأكل منها ثمانية، وبقى له سبعة أكلها صاحب الدراهم وأكل لك واحدة من تسعة، فلك واحد بواحدك، وله سبعة، فقال الرجل رضيت الآن.
وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف عن عطاء قال: أتي علي برجل وشهد عليه رجلان أنه سرق، فأخذ في شيء من أمور الناس، وتهدد شهود الزور، وقال: لا أوتي بشاهد زور، إلا فعلت به كذا وكذا، ثم طلب الشاهدين، فلم يجدهما فخلى سبيله.
وقال عبد الرزاق في المصنف: حدثنا الثوري، عن سليمان الشيباني، عن رجل، عن علي: أنه أتي برجل، فقيل له: زعم هذا أنه احتلم بأمي، فقال: اذهب فأقمه بالشمس، فاضرب ظله.
وأخرجه ابن عساكر عن طريق جعفر بن محمد عن أبيه: أن خاتم علي بن أبي طالب كان من ورق نقشه: نعم القادر الله.
وأخرج عن عمرو بن عثمان بن عفان قال: كان نقش خاتم علي: الملك لله.
وأخرج عن المدائني قال: لما دخل على الكوفة دخل عليه رجل من حكماء العرب فقال: والله يا أمير المؤمنين لقد زنت الخلافة، ومازانتك، ورفعتها ومارفعتك، وهي كانت أحوج إليك منك إليها.
وأخرج عن مجمع: أن عليا كان يكنس بيت المال، ثم صلى فيه، رجاء أن يشهد له أنه لم يحبس فيه المال عن المسلمين.
وقال أبو القاسم الزجاجي في أماليه: حدثنا أبو جعفر محمد بن رستم الطبري، حدثنا أبو الحاتم السجستاني، حدثني يعقوب بن إسحاق الحضرمي، حدثنا سعيد بن سلم الباهلي، حدثنا أبي، عن جدي، عن أبي الأسود الدؤلي، أو قال: عن جدي أبي الأسود عن أبيه، قال: دخلت على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ فرأيته مطرقا مفكرا، فقلت: فيم تفكر يا أمير المؤمنين؟ قال: إني سمعت ببلدكم هذا لحنا، فأردت أن أصنع كتابا
стр. 146
في أصول العربية، فقلت: إن فعلت هذا أحييتنا، وبقيت فينا هذه اللغة، ثم أتيته بعد ثلاثة، فألقى إلي صحيفة فيها: بسم الله الرحمن الرحيم: الكلمة: اسم، وفعل، وحرف، فالاسم: ما أنبأ عن المسمى، والفعل: ما أنبأ عن حركة المسمى، والحرف: ما أنبأ عن معنى ليس باسم ولا فعل، ثم قال: تتبعه وزد فيه ما وقع لك، واعلم يا أبا الأسود أن الأشياء ثلاثة: ظاهر، ومضمر، وشيء ليس بظاهر ولا مضمر، وإنما يتفاضل العلماء في معرفة ما ليس بظاهر، ولا مضمر، قال أبو الأسود: فجمعت منه أشياء، وعرضتها عليه فكان من ذلك حروف النصب فذكرت منها: إن، أن، وليت، ولعل، وكأن، لم أذكر لكن فقال لي: لم تركتها؟ فقلت: لم أحسبها منها فقال: بل هي منها فزدها فيها.
وأخرج ابن عساكر عن ربيعة بن ناجد قال: قال علي: كونوا في الناس كالنحلة في الطير، إنه ليس في الطير شيء إلا وهو يستضعفها، ولو يعلم الطير ما في أجوافها من البركة لم يفعلوا ذلك بها، خالطوا الناس بألسنتكم وأجسادكم، وزايلوهم بأعمالكم وقلوبكم، فإن للمرء ما اكتسب، وهو يوم القيامة مع من أحب.
وأخرج عن علي قال: كونوا بقبول العمل أشد اهتماما منكم بالعمل، فإنه لن يقل عمل مع التقوى، وكيف يقل عمل يتقبل؟
وأخرج عن يحيى بن جعدة قال: قال علي بن أبي طالب: يا حملة القرآن اعملوا به، فإنما العالم من علم ثم عمل بما علم، ووافق علمه عمله، وسيكون أقوام يحملون العلم لا يجاوز تراقيهم، وتخالف سريرتهم علانيتهم، ويخالف عملهم علمهم، يجلسون حلقا فيباهي بعضهم بعضا، حتى إن الرجل يغضب على جليسه أن يجلس إلى غيره ويدعه، أولئك لا تصعد أعمالهم في مجالسهم تلك إلى الله.
وأخرج عن علي قال: التوفيق خير قائد، وحسن الخلق خير قرين، والعقل خير صاحب، والأدب خير ميراث، ولا وحشة أشد من العجب.
وأخرج عن الحارث قال: جاء رجل إلى علي فقال: أخبرني عن القدر؟ فقال: طريق مظلم لا تسلكه، قال: أخبرني عن القدر؟ قال: بحر عميق لا تلجه، قال: أخبرني عن القدر؟ قال: سر الله قد خفي عليك فلا تفتشه، قال: أخبرني عن القدر؟ قال: يا أيها السائل إن الله خلقك لما شاء أو لما شئت؟ قال: بل لما شاء، قال: فيستعملك لما شاء.
وأخرج عن علي قال: إن للنكبات نهايات ولابد أحد إذا نكب من أن ينتهي إليها، فينبغي للعاقل إذا أصابته نكبة أن ينام لها حتى تنقضي مدتها، فإن في دفعها قبل انقضاء مدتها زيادة في مكروهها.
وأخرج عن علي أنه قيل له: ما السخاء؟ قال: ما كان منه ابتداء، فأما ما كان عن مسألة فحياء وتكرم.
وأخرج عن علي: أنه أتاه رجل فأثنى عليه فأطراه، وكان قد بلغه عنه قبل ذلك، فقال له علي: إني لست كما تقول، وأنا فوق ما في نفسك.
стр. 147
وأخرج عن علي قال: جزاء المعصية الوهن في العبادة، والضيق في المعيشة، والنقص في اللذة، قيل: وما النقص في اللذة؟ قال: لا ينال شهوة حلالا إلا جاءه ما ينغصه إياها.
وأخرج عن علي بن ربيعة أن رجلا قال لعلي: ثبتك الله -وكان يبغضه- قال علي: على صدرك.
وأخرج عن الشعبي قال: كان أبو بكر يقول الشعر، وكان عمر يقول الشعر، وكان عثمان يقول الشعر، وكان علي أشعر الثلاثة:
وأخرج عن نبيط الأشجعي قال: قال علي بن أبي طالب ﵁:
إذا اشتملت على اليأس القلوب … وضاق بهمها الصدر الرحيب
وأوطنت المكاره واطمأنت … وأرست في أماكنها الخطوب
ولم ير لانكشاف الضر وجه … ولا أغنى بحيلته الأريب
أتاك على قنوط منك غوث … يجيء به القريب المستجيب
وكل الحادثات إذا تناهت … فموصول بها الفرج القريب
وأخرج عن الشعبي قال: قال علي بن أبي طالب لرجل كره له صحبة رجل:
فلا تصحب أخا الجهل … وإياك وإياه
فكم من جاهل أردى … حليما حين آخاه
يقاس المرء بالمرء … إذ ما هو ما شاه
وللشيء من الشيء … مقاييس وأشباه
قياس النعل بالنعل … إذا ما هو حاذاه
وأخرج عن المبرد قال: كان مكتوبا على سيف علي بن أبي طالب ﵁:
للناس حرص على الدنيا بتدبير … وصفوها لك ممزوج بتكدير
لم يرزقوها بعقل بعدما قسمت … لكنهم رزقوها بالمقادير
كم من أديب لبيب لا تساعده؟ … وأحمق نال دنياه بتقصير
لو كان عن قوة أو عن مغالبة … طار البزاة بأرزاق العصافير
وأخرج عن حمزة بن حبيب الزيات قال: كان علي بن أبي طالب يقول:
ولا تفش سرك إلا إليك … فإن لكل نصيح نصيحا
فإني رأيت غواة الرجال … لا يدعون أديما صحيحا
وأخرج عن عقبة بن أبي الصهباء قال: لما ضرب ابن ملجم عليا دخل عليه الحسن وهو باك فقال له علي: يا بني احفظ عني أربعا وأربعا، قال: وما هن يا أبت؟ قال: أغنى الغنى: العقل، وأكبر الفقر: الحمق، وأوحش الوحشة: العجب، و أكرم الكرم: حسن
стр. 148
الخلق، قال فالأربع الأخرى؟ قال: إياك ومصاحبة الأحمق، فإنه يريد أن ينفعك فيضرك، وإياك ومصادقة الكذاب فإنه يقرب عليك البعيد، ويبعد عليك القريب، وإياك ومصادقة البخيل فإنه يقعد عنك أحوج ما تكون إليه، وإياك ومصادقة الفاجر فإنه يبيعك بالتافه.
وأخرج ابن عساكر عن علي أنه أتاه يهودي فقال له: متى كان ربنا؟ فتمعر وجه علي وقال: لم يكن فكان، هو كان ولا كينونة، كان بلا كيف، كان ليس له قبل ولا غاية، انقطعت الغايات دونه، فهو غاية كل غاية. فأسلم اليهودي.
وأخرج الدراج في جزئه المشهور بسند مجهول عن ميسرة عن شريح القاضي قال: لما توجه علي إلى صفين افتقد درعا له، فلما انقضت الحرب ورجع إلى الكوفة أصاب الدرع في يد يهودي، فقال لليهودي: الدرع درعي لم أبع ولم أهب، فقال اليهودي: درعي وفي يدي، فقال: نصير إلى القاضي، فتقدم علي فجلس إلى جنب شريح وقال: لولا أن خصمي يهودي لاستويت معه في المجلس، ولكني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "أصغروهم من حيث أصغرهم الله". فقال شريح: قل يا أمير المؤمنين؟ فقال: نعم هذه الدرع التي في يد اليهودي درعي لم أبع ولم أهب، فقال شريح: أيش تقول يا يهودي؟ قال: درعي وفي يدي، فقال شريح: ألك بينة يا أمير المؤمنين؟ قال: نعم، قنبر والحسن يشهدان أن الدرع درعي، فقال شريح شهادة الابن لا تجوز للأب، فقال علي: رجل من أهل الجنة لا تجوز شهادته؟ سمعت رسول الله ﷺ يقول: "الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة". فقال اليهودي: أمير المؤمنين قدمني إلى قاضيه وقاضيه قضى عليه، أشهد أن هذا هو الحق وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله، وإن الدرع درعك.
فصل
وأما كلامه في تفسير القرآن فكثير، وهو مستوفي في كتابنا: التفسير المسند بأسانيده، وقد أخرج ابن سعد عن علي قال: والله ما نزلت آية إلا وقد علمت فيم نزلت، وأين نزلت، وعلى من نزلت، إن ربي وهب لي قلبا عقولا، ولسانا صادقا ناطقا (١).
وأخرج ابن سعد وغيره عن أبي الطفيل، قال علي: سلوني عن كتاب الله، فإنه ليس من آية إلا وقد عرفت بليل نزلت أم بنهار، وفي سهل أم في جبل (٢).
وأخرج ابن أبي داود عن محمد بن سيرين قال: لما توفي رسول الله ﷺ أبطأ علي عن بيعة أبي بكر، فلقيه أبو بكر فقال: أكرهت إمارتي؟ فقال: لا، ولكن آليت ألا أرتدي بردائي إلا إلى الصلاة، حتى أجمع القرآن، فزعموا أنه كتبه على تنزيله، فقال محمد: لو أصيب ذلك الكتاب كان فيه علم.
стр. 149
فصل: في نبذ من كلماته الوجيزة والمختصرة البديعة
قال علي ﵁: الحزم سوء الظن. أخرجه أبو الشيخ وابن حبان،
وقال: القريب: من قربته المودة وإن بعد نسبه، والبعيد: من باعدته العداوة وإن قرب نسبه ولا شيء أقرب من يد إلى جسد، وإن اليد إذا فسدت قطعت، وإذا قطعت حسمت، أخرجه أبو نعيم.
وقال: خمس خذوهن عني: لا يخافن أحد منكم إلا ذنبه، ولا يرجو إلا ربه، ولا يستحي من لا يعلم أن يتعلم، ولا يستحي من لا يعلم إذا سئل عما لا يعلم أن يقول: الله أعلم، وإن الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد إذا ذهب الصبر ذهب الإيمان، وإذا ذهب الرأس ذهب الجسد، أخرجه سعيد بن منصور في سننه.
وقال: الفقيه كل الفقيه من لم يقنط الناس من رحمة الله، ولم يرخص لهم في معاصي الله، ولم يؤمنهم من عذاب الله، ولم يدع القرآن رغبة عنه إلى غيره؛ لأنه لا خير في عبادة لا علم فيها ولا علم لا فهم معه ولا قراءة لا تدبر فيها، أخرجه ابن الضريس في فضائل القرآن.
وقال: وأبردها على كبدي إذا سئلت عما لا أعلم أن أقول: الله أعلم. أخرجه ابن عساكر.
وقال: من أراد أن ينصف الناس من نفسه فليحب لهم ما يحب لنفسه، أخرجه ابن عساكر.
وقال: سبع من الشيطان: شدة الغضب، وشدة العطاس، وشدة التثاؤب، والقيء، والرعاف، والنجوى، والنوم عند الذكر.
وقال: كلوا الرمان بشحمه، فإنه دباغ المعدة. أخرجه الحاكم في التاريخ.
وقال: يأتي على الناس زمان المؤمن فيه أذل من الأمة. أخرجه سعيد بن منصور.
ولأبي الأسود الدؤلي يرثي عليا ﵁:
ألا يا عين ويحك أسعدينا … ألا تبكي أمير المؤمنينا
وتبكي أم كلثوم عليه … بعبرتها وقد رأت اليقينا
ألا قل للخوارج حيث كانوا … فلا قرت عيون الحاسدينا
أفي شهر الصيام فجعتمونا … بخبر الناس طرا أجمعينا؟
قتلتم خير من ركب المطايا … وذللها ومن ركب السفينا
ومن لبس النعال ومن حذاها … ومن قرأ المثاني والمبينا
وكل مناقب الخيرات فيه … وحب رسول رب العالمينا
لقد علمت قريش حيث كانت … بأنك خيرهم حسبا ودينا
стр. 150
إذا استقبلت وجه أبي حسين … رأيت البدر فوق الناظرينا
وكنا قبل مقتله بخير … نرى مولى رسول الله فينا
يقيم الحق لا يرتاب فيه … ويعدل في العدى والأقربينا
وليس بكاتم علما لديه … ولم يخلق من المتكبرينا
كأن الناس إذا فقدوا عليا … نعام حار في بلد سنينا
فلا تشمت معاوية بن صخر … فإن بقية الخلفاء فينا
فصل: فيمن مات في زمانه من الأعلام
مات في أيام علي من الأعلام موتا وقتلا: حذيفة بن اليمان، والزبير بن العوام، وطلحة، وزيد بن صوحان، وسلمان الفارسي، وهند بن أبي هالة، وأويس القرني، وخباب بن الأرت، وعمار بن ياسر، وسهل بن حنيف، وصهيب الرومي، ومحمد بن أبي بكر الصديق، وتميم الداري، وخوات بن جبير، وشرحبيل بن المسمط، وأبو ميسرة البدري، وصفوان بن عسال، وهشام بن حكيم، وأبو رافع مولى النبي ﷺ وآخرون.
الحسن بن علي بن أبي طالب ﵁ (١)
الحسن بن علي بن أبي طالب ﵁: أبو محمد، سبط رسول الله ﷺ وريحانته وآخر الخلفاء بنصه.
أخرجه ابن سعد عن عمران بن سليمان، قال: الحسن والحسين اسمان من أسماء أهل الجنة ما سمت العرب بهما في الجاهلية.
ولد الحسن ﵁ في نصف رمضان سنة ثلاث من الهجرة، وروي له عن النبي ﷺ أحاديث، وروت عنه عائشة ﵂ وخلائق من التابعين، منهم: ابنه الحسن، وأبو الحوراء ربيعة بن سنان، والشعبي، وأبو وائل، وابن سيرين.
وكان شبيها للنبي ﷺ سماه النبي ﷺ الحسن، وعق عنه يوم سابعه، وحلق شعره، وأمر أن يتصدق بزنة شعره فضة، وهو خامس أهل الكساء.
قال أبو أحمد العسكري: لم يكن هذا الاسم يعرف في الجاهلية.
وقال المفضل: إن الله حجب اسم الحسن والحسين حتى سمى بهما النبي ﷺ ابنيه.
وأخرج البخاري عن أنس قال: لم يكن أحد أشبه بالنبي ﷺ الحسن بن علي (٢).
وأخرج الشيخان عن البراء قال: رأيت رسول الله ﷺ والحسن على عاتقه وهو يقول: "اللهم إني أحبه فأحبه" (٣).
стр. 151
وأخرج البخاري عن أبي بكر قال: سمعت النبي ﷺ على المنبر والحسن إلى جانبه ينظر إلى الناس مرة وإليه مرة ويقول: "إن ابني هذا سيد، ولعل الله أن يصلح به بين فئتين من المسلمين" (١).
وأخرج البخاري عن ابن عمر قال: قال النبي ﷺ : "هما ريحانتاني من الدنيا" (٢). يعني: الحسن والحسين.
وأخرج الترمذي والحاكم عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله ﷺ : "الحسن والحسن سيدا شباب أهل الجنة" (٣).
وأخرج الترمذي عن أسامة بن زيد، قال: رأيت النبي ﷺ والحسن والحسين على وركيه فقال: "هذان ابناي وابنا ابنتي، اللهم إني أحبهما فأحبهما وأحب من يحبهما".
وأخرج عن أنس قال: سئل رسول الله ﷺ : أي أهل بيتك أحب إليك؟ قال: "الحسن والحسين".
وأخرج الحاكم عن ابن عباس قال: أقبل النبي ﷺ وقد حمل الحسن على رقبته، فلقيه رجل فقال: نعم المركب ركبت يا غلام، فقال الرسول ﷺ : "ونعم الراكب هو".
وأخرج ابن سعد عن عبد الله بن الزبير قال: أشبه أهل النبي ﷺ به وأحبهم إليه الحسن بن علي، رأيته يجيء وهو ساجد فيركب رقبته، أو قال: ظهره، فما ينزله حتى يكون هو الذي نزل، ولقد رأيته وهو راكع فيفرج له بين رجليه حتى يخرج من الجانب الآخر.
وأخرج ابن سعد عن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال: كان رسول الله يدلع لسانه للحسن بن علي، فإذا رأى الصبي حمرة اللسان يهش إليه.
وأخرج الحاكم عن زهير بن الأرقم قال: قام الحسن بن علي يخطب، فقام رجل من أزد شنوءة فقال: أشهد لقد رأيت رسول الله ﷺ واضعه في حبوته وهو يقول: "من أحبني فليحبه، وليبلغ الشاهد الغائب". ولولا كرامة رسول الله ﷺ ما حدثت به أحدا" (٤).
وكان الحسن ﵁ له مناقب كثيرة، سيدا، حليما، ذا سكينة ووقار وحشمة، جوادا، ممدوحا، يكره الفتن والسيف، تزوج كثيرا، وكان يجيز الرجل الواحد بمائة ألف.
وأخرج الحاكم عن عبد الله بن عبيد بن عمير قال: لقد حج الحسن خمسا وعشرين حجة ماشيا، وإن النجائب (٥) لتقاد معه (٦).
وأخرج ابن سعد عن عمير بن إسحاق قال: ما تكلم عندي أحد كان أحب إذا تكلم ألا
стр. 152
يسكت من الحسن بن علي، وما سمعت منه كلمة فحش قط إلا مرة، فإنه كان بين الحسن وعمرو بن عثمان خصومة في الأرض، فعرض الحسن أمرا لم يرضه عمرو، فقال الحسن، فليس له عندنا إلا ما رغم أنفه، قال: فهذه أشد كلمة فحش سمعتها منه.
وأخرج ابن سعد عن عمير بن إسحاق قال: كان مروان أميرا علينا، فكان يسب عليا كل جمعة على المنبر، وحسن يسمع فلا يرد شيئا، ثم أرسل إليه رجلا يقول له: بعلي وبعلي وبعلي وبك وبك، وما وجدت مثلك إلا مثل البغلة، يقال لها: من أبوك؟ فتقول: أمي الفرس، فقال الحسن: ارجع إليه فقل له: إني والله لا أمحو عنك شيئا مما قلت بأن أسبك ولكن موعدي وموعدك الله فإن كنت صادقا جزاك الله بصدقك وإن كنت كاذبا فالله أشد نقمة.
وأخرج ابن سعد عن زريق بن سوار قال: كان بين الحسن وبين مروان كلام، فأقبل عليه مروان، فجعل يغلظ له، والحسن ساكت فامتخط مروان بيمينه، فقال له الحسن: ويحك أما علمت أن اليمين للوجه، والشمال للفرج، أف لك فسكت مروان.
وأخرج ابن سعد عن أشعث بن سوار عن رجل قال: جلس رجل إلى الحسن، فقال: إنك جلست إلينا على حين قيام منها، أفتأذن؟
وأخرج ابن سعد عن علي بن زيد بن جدعان قال: أخرج الحسن من ماله لله مرتين، وقاسم الله ماله ثلاث مرات، حتى إنه يعطي نعلا ويمسك نعلا، ويعطي خفا ويمسك خفا.
وأخرج ابن سعد عن علي بن الحسين: قال: كان الحسن مطلاقا للنساء، وكان لا يفارق امرأة إلا وهي تحبه، وأحصن تسعين امرأة.
وأخرج ابن سعد عن جعفر بن محمد عن أبيه، قال: كان الحسن يتزوج ويطلق، حتى خشيت أن يورثنا عداوة في القبائل.
وأخرج ابن سعد عن جعفر بن محمد عن أبيه، قال: قال علي: يا أهل الكوفة، لا تزوجوا الحسن فإنه رجل مطلاق، فقال رجل من همدان والله لنزوجنه، فما رضي أمسك وما كره طلق.
وأخرج ابن سعد عن عبد الله بن حسن، قال: كان الحسن رجلا كثير نكاح النساء، وكن قلما يحظين عنده، وكان قل امرأة تزوجها إلا تحبه وصبت إليه.
وأخرج ابن عساكر عن جويرية بن أسماء قال: لما مات الحسن بكى مروان في جنازته، فقال له الحسين: أتبكيه وقد كنت تجرعه ما تجرعه؟ فقال: إني كنت أفعل ذلك إلى أحلم من هذا، وأشار بيده إلى الجبل.
وأخرج ابن عساكر عن المبرد قال: قيل للحسن بن علي: إن أبا ذر يقول: الفقر أحب إلي من الغنى، والسقم أحب إلى من الصحة، فقال: رحم الله أبا ذر، أما أنا فأقول: من اتكل على حسن اختيار الله له لم يتمن أنه في غير الحالة التي اختارها الله له، وهذا حد الوقوف على الرضا بما تصرف به القضاء.
стр. 153
مبايعة الحسن بالخلافة
ولي الحسن ﵁ الخلافة بعد قتل أبيه بمبايعته أهل الكوفة، فأقام فيها ستة أشهر وأياما، ثم سار إليه معاوية، والأمر إلى الله، فأرسل إليه الحسن يبذل له تسليم الأمر إليه، على أن تكون له الخلافة من بعده، وعلى ألا يطالب أحدا من أهل المدينة والحجاز والعراق بشيء مما كان أيام أبيه، وعلى أن يقضي ديونه، فأجاب معاوية إلى ما طلب، فاصطلحا على ذلك فظهرت المعجزة النبوية في قوله ﷺ : "يصلح الله به بين فئتين من المسلمين" ونزل له عن الخلافة، وقد استدل البلقيني بنزوله عن الخلافة، التي هي أعظم المناصب، على جواز النزول عن الوظائف، وكان نزوله عنها في سنة إحدى وأربعين، في شهر ربيع الأول، وقيل: الآخر، وقيل: في جمادى الأولى، فكان أصحابه يقولون له: يا عار المؤمنين، فيقول: العار خير من النار، وقال له رجل السلام عليك يا مذل المؤمنين، فقال: لست بمذل المؤمنين، ولكني كرهت أن أقتلكم على الملك. ثم ارتحل الحسن عن الكوفة إلى المدينة فأقام بها.
وأخرج الحاكم عن جبير بن نفير قال: قلت للحسن: إن الناس يقولون: إنك تريد الخلافة، فقال: قد كان جماجم العرب في يدي يحاربون من حاربت ويسالمون من سالمت، فتركتها ابتغاء وجه الله وحقن دماء أمة محمد ﷺ ثم أبتزها بأتياس أهل الحجاز (١).
وفاته
توفي الحسن ﵁ بالمدينة مسموما، سمته زوجته جعدة بنت الأشعث بن قيس، دس إليها يزيد بن معاوية أن تسمه فيتزوجها، ففعلت، فلما مات الحسن بعثت إلى يزيد تسأله الوفاء بما وعدها، فقال: إنا لم نرضك للحسن أفنرضاك لأنفسنا؟ وكانت وفاته سنة تسع وأربعين، وقيل: في خامس ربيع الأول سنة خمسين، وقيل: سنة إحدى وخمسين، وجهد به أخوه أن يخبره بمن سقاه، فلم يخبره، وقال: الله أشد نقمة إن كان الذي أظن وإلا فلا يقتل بي والله بريء.
وأخرج ابن سعد عن عمران بن عبد الله بن طلحة قال: رأى الحسن كأن بين عينيه مكتوبا: ﴿قل هو الله أحد﴾ [الإخلاص: ١] فاستبشر به أهل بيته، فقصوها على سعيد بن المسيب، فقال: إن صدقت رؤياه فقل ما بقي من أجله، فما بقي إلا أيام حتى مات.
وأخرج ابن عساكر والبيهقي عن طريق أبي المنذر هشام بن محمد عن أبيه قال: أضاق الحسن بن علي، وكان عطاؤه في كل سنة مائة ألف، فحبسها عنه معاوية في إحدى السنين فأضاق إضاقة شديد، قال: فدعوت بدواة لأكتب إلى معاوية لأذكره نفسي، ثم أمسكت فرأيت رسول الله ﷺ في المنام، فقال: كيف أنت يا حسن؟ فقلت: بخير يا أبت،
стр. 154
وشكوت إليه تأخر المال عني، فقال: أدعوت بدواة لتكتب إلى مخلوق مثلك تذكره ذلك؟ فقلت: نعم يا رسول الله، فكيف أصنع؟ فقال: قل: اللهم اقذف في قلبي رجاءك واقطع رجائي عمن سواك حتى لا أرجو أحدا غيرك، اللهم وما ضعفت عنه قوتي، وقصر عنه عملي، ولم تنته إليه رغبتي، ولم تبلغه مسألتي، ولم يجر على لساني مما أعطيت أحدا من الأولين والآخرين من اليقين فخصني به يا رب العالمين، قال: فوالله ما ألححت به أسبوعا حتى بعث إلي معاوية بألف ألف وخمسمائة ألف، فقلت الحمد الله الذي لا ينسى من ذكره ولا يخيب من دعاه، فرأيت النبي ﷺ في المنام، فقال: يا حسن كيف أنت؟ فقلت بخير يا رسول الله، وحدثته بحديثي، فقال: يا بني هكذا من رجا الخالق، ولم يرج المخلوق.
وفي الطيوريات عن سليم بن عيسى قارئ أهل الكوفة قال: لما حضرت الحسن الوفاة جزع فقال له الحسين: يا أخي ما هذا الجزع؟ إنك ترد على رسول الله ﷺ وعلى علي وهما أبواك وعلى خديجة وفاطمة وهما أماك، وعلى القاسم والطاهر وهما خالاك، وعلى حمزة وجعفر وهما عماك، فقال له الحسن: أي أخي إني داخل في أمر من أمر الله تعالى لم أدخل في مثله، وأرى خلقا من خلق الله لم أر مثله قط.
قال ابن عبد البر: وروينا من وجوه أنه لما احتضر قال لأخيه: يا أخي إن أباك استشرف لهذا الأمر، فصرف الله عنه ووليها أبو بكر، ثم استشرف لها وصرفت عنه إلى عمر، ثم لم يشك وقت الشورى أنها لا تعدوه، فصرفت عنه إلى عثمان، فلم قتل عثمان بويع علي، ثم نوزع حتى جرد السيف فما صفت له، وإني والله ما أرى أن يجمع الله فينا النبوة والخلافة، فلا أعرفن ما استخلفك سفهاء الكوفة فأخرجوك، وقد كنت طلبت من عائشة ﵂ أن أدفن مع رسول الله ﷺ فقالت: نعم، فإذا مت فاطلب ذلك إليها وما أظن القوم إلا سيمنعونك، فإن فعلوا فلا تراجعهم فلما مات أتى الحسين إلى أم المؤمنين عائشة ﵂ فقالت: نعم وكرامة، فمنعهم مروان، فلبس الحسين ومن معه السلاح حتى رده أبو هريرة، ثم دفن بالبقيع إلى جنب أمه ﵂.
стр. 155
عهد بني أمية: معاوية بن أبي سفيان ﵁ (١)
معاوية بن أبي سفيان صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي، الأموي، أبو عبد الرحمن، أسلم هو وأبوه يوم فتح مكة، وشهد حنينا وكان من المؤلفة قلوبهم، ثم حسن إسلامه، وكان أحد الكتاب لرسول الله ﷺ .
روي له عن النبي ﷺ مائة حديث وثلاثة وستون حديثا، روى عنه من الصحابة: ابن عباس، وابن الزبير، وأبو الدرداء، وجرير البجلي، والنعمان بن بشير، وغيرهم، ومن التابعين: ابن المسيب، وحميد بن عبد الرحمن وغيرهم.
стр. 156
وكان من الموصوفين بالدهاء، والحلم، وقد ورد في فضله أحاديث قلما ثبتت.
أخرج الترمذي وحسنه عن عبد الرحمن بن أبي عميرة الصحابي عن النبي ﷺ أنه قال لمعاوية: "اللهم اجعله هاديا مهديا" (١).
وأخرج أحمد في مسنده عن العرباض بن سارية: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "اللهم علم معاوية الكتاب والحساب وقه العذاب" (٢).
وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف والطبراني في الكبير عن عبد الملك بن عمير قال: قال معاوية ما زلت أطمع في الخلافة منذ قال رسول الله ﷺ : "يا معاوية إذا ملكت فأحسن" (٣).
وكان معاوية رجلا طويلا، أبيض، جميلا، مهيبا، وكان عمر ينظر إليه فيقول: هذا كسرى العرب، وعن علي قال: لا تكرهوا إمرة معاوية، فإنكم لو فقدتموه لرأيتم الرءوس تندر عن كواهلها، وقال المقبري: تعجبونه من دهاء هرقل وكسرى وتدعون معاوية؟ وكان يضرب بحلمه المثل، وقد أفرد ابن أبي الدنيا وأبو بكر بن أبي عاصم تصنيفا في حلم معاوية.
وقال ابن عون: كان الرجل يقول لمعاوية: والله لتستقيمن بنا يا معاوية، أو لنقومنك، فيقول: بالخشب، فيقول: إذن نستقيم.
وقال قبيصة بن جابر: صحبت معاوية، فما رأيت رجلا أثقل حلما، ولا أبطأ جهلا، ولا أبعد أناة منه.
ولما بعث أبو بكر الجيوش إلى الشام سار معاوية مع أخيه يزيد بن أبي سفيان فلما مات يزيد استخلفه على دمشق، فأقره عمر، ثم أقره عثمان وجمع له الشام كله، فأقام أميرا عشرين سنة، وخليفة عشرين سنة.
قال كعب الأحبار: لن يملك أحد هذه الأمة ما ملك معاوية، قال الذهبي: توفي كعب قبل أن يستخلف معاوية، قال: وصدق كعب فيما نقله، فإن معاوية بقي خليفة عشرين سنة لا ينازعه أحد الأمر في الأرض، بخلاف غيره ممن بعده، فإنه كان لهم مخالف، وخرج عن أمرهم بعض الممالك، وخرج معاوية على علي كما تقدم، وتسمى بالخلافة ثم خرج على الحسن، فنزل له الحسن عن الخلافة، فاستقر فيها من ربيع الآخر أو جمادى الأولى سنة إحدى وأربعين، فسمى هذا العام عام الجماعة، لاجتماع الأمة فيه على خليفة واحد، وفيه ولى معاوية مروان بن الحكم المدينة.
وفي سنة ثلاث وأربعين فتحت الرخج وغيرها من بلاد سجستان، وودان من برقة، وكور من بلاد السودان، وفيها استخلف معاوية زياد بن أبيه، وهي أول قضية غير فيها حكم النبي ﷺ في الإسلام، ذكره الثعالبي وغيره.
وفي سنة خمس وأربعين فتحت القيقان.
стр. 157
وفي سنة خمسين فتحت قوهستان عنوة، وفيها دعا معاوية أهل الشام إلى البيعة بولاية العهد من بعده لابنه يزيد، فبايعوه، وهو أول من عهد بالخلافة لابنه، وأول من عهد بها في صحته، ثم إنه كتب إلى مروان بالمدينة أن يأخذ البيعة، فخطب مروان فقال: إن أمير المؤمنين رأى أن يستخلف عليكم ولده يزيد سنة أبي بكر وعمر، فقام عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق فقال: بل سنة كسرى وقيصر وإن أبا بكر وعمر لم يجعلاها في أولادهما، ولا في أحد من أهل بيتهما.
ثم حج معاوية سنة إحدى وخمسين، وأخذ البيعة لابنه فبعث إلى ابن عمر فتشهد وقال: أما بعد يابن عمر، إنك كنت تحدثني أنك لا تحب أن تبيت ليلة سوداء ليس عليك فيها أمير، وإني أحذرك أن تشق عصا المسلمين أو أن تسعى في فساد ذات بينهم، فحمد ابن عمر الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد، فإنه قد كان قبلك خلفاء لهم أبناء ليس ابنك بخير من أبنائهم، فلم يروا في أبنائهم ما رأيت في ابنك، ولكنهم اختاروا للمسلمين حيث علموا الخيار، وإنك تحذرني أن أشق عصا المسلمين، ولم أكن لأفعل، وإنما أنا رجل من المسلمين، فإذا اجتمعوا على أمر فإنما أنا رجل منهم، فقال: يرحمك الله، فخرج ابن عمر، ثم أرسل إلى ابن أبي بكر فتشهد ثم أخذ في الكلام، فقطع عليه كلامه، وقال: إنك لوددت أنا وكلناك في أمر ابنك إلى الله، وإنا والله لا نفعل، والله لتردن هذا الأمر شورى في المسلمين أو لنعيدنها عليك جذعة (١)، ثم وثب ومضى، فقال معاوية: اللهم اكفنيه بما شئت، ثم قال: على رسلك أيها الرجل، لا تشرفن على أهل الشام فإني أخاف أني يسبقوني بنفسك حتى أخبر العشية أنك قد بايعت، ثم كن بعد على ما بدا لك من أمرك، ثم أرسل إلى ابن الزبير، فقال: يابن الزبير، إنما أنت ثعلب رواغ كلما خرج من جحر دخل في آخر، وإنك عمدت إلى هذين الرجلين فنفخت في مناخرهما، وحملتهما على غير رأيهما، فقال ابن الزبير: إن كنت قد مللت الإمارة فاعتزلها وهلم ابنك فلنبايعه، أرأيت إذا بايعنا ابنك معك لأيكم نسمع ونطيع؟ لا تجتمع البيعة لكما أبدا، ثم راح، فصعد معاوية المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: إنا وجدنا أحاديث الناس ذات عوار (٢)، زعموا أن ابن عمر وابن أبي بكر وابن الزبير لن يبايعوا يزيد، وقد سمعوا وأطاعوا وبايعوا له، فقال أهل الشام: والله لا نرضى حتى يبايعوا له على رءوس الأشهاد، وإلا ضربنا أعناقهم، فقال: سبحان الله ما أسرع الناس إلى قريش بالشر، لا أسمع هذه المقالة من أحد منكم بعد اليوم، ثم نزل، فقال الناس: بايع ابن عمر وابن أبي بكر، وابن الزبير، وهم يقولون: لا والله ما بايعنا، فيقول الناس: بلى، وارتحل معاوية فلحق بالشام.
وعن ابن المنكدر قال: قال ابن عمر حين بويع يزيد: إن كان خيرا رضينا، وإن كان بلاء صبرنا.
стр. 158
وأخرج الخرائطي في الهواتف عن حميد بن وهب قال: كانت هند بنت عتبة بن ربيعة عند الفاكه بن المغيرة، وكان من فتيان قريش، وكان له بيت للضيافة يغشاه الناس من غير إذن، فخلا البيت ذات يوم فقام الفاكه وهند فيه، ثم خرج الفاكه لبعض حاجاته، وأقبل رجل ممن كان يغشى البيت، فولجه، فلما رأى المرأة ولى هاربا، فأبصره الفاكه، فانتهى إليها فضربها برجله، وقال: من هذا الذي كان عندك؟ قالت: ما رأيت أحدا، ولا انتبهت حتى أنبهتني، فقال لها: الحقي بأهلك، وتكلم فيها الناس، فخلا بها أبوها فقال لها: يا بنية إن الناس قد أكثروا فيك فأنبئيني بذاك، فإن يكن الرجل صادقا دسست إليه من يقتله فتنقطع عنا المقلة، وإن يكن كاذبا حاكمته إلى بعض كهان اليمن، قال: فحلفت له بما كانوا يحلفون به في الجاهلية أنه كاذب عليها، فقال عتبة للفاكه: إنك قد رميت ابنتي بأمر عظيم فحاكمني إلى بعض كهان اليمن، فخرج الفاكه في جماعة من بني مخزوم، وخرج عتبة في جماعة من بني عبد مناف ومعهم هند ونسوة معها تأنس بهن، فلما شارفوا البلاد تنكرت حال هند وتغير وجهها، فقال لها أبوها: يا بنية إني أرى ما بك من تغير الحال، وما ذاك إلا لمكروه عندك، قالت: لا والله يا أبتاه، وما ذاك لمكروه، ولكني أعرف أنكم تأتون بشرا يخطئ ويصيب، فلا آمنه أن يسمني بسيماء تكون علي سبة في العرب، فقال لها: إني سوف أختبره لك قبل أن ينظر في أمرك، فصفر بفرسه حتى أدلى، ثم أدخل في إحليله حبة من الحنطة، وأوكأ (١) عليها بسير، وصبحوا الكاهن، فنحر لهم وأكرمهم، فلما تغدوا قال له عتبة: إنا جئناك في أمر، وقد خبأت لك خبيئا أختبرك به فانظر ما هو؟ قال: برة في كمرة (٢)، قال: أريد أبين من هذا، قال: حبة من بر في إحليل مهر، فقال عتبة: صدقت، انظر في أمر هؤلاء النسوة، فجعل يدنو من إحداهن ويضرب كتفها ويقول انهضي، حتى دنا من هند فضرب كتفها وقال: انهضي غير رسحاء (٣) ولا زانية، ولتلدين ملكا يقال له معاوية، فنظر إليها الفاكه فأخذ بيدها فنثرت يدها من يده وقالت: إليك، والله لأحرصن أن يكون ذلك من غيرك، فتزوجها أبو سفيان فجاءت بمعاوية (٤).
مات معاوية في شهر رجب سنة ستين، ودفن بين باب الجابية وباب الصغير، وقيل: إنه عاش سبعا وسبعين سنة، وكان عنده شيء من شعر رسول الله -صلى الله عليه سلم- وقلامة أظفاره فأوصى أن يجعل في فمه وعينيه، وقال: افعلوا ذلك وخلوا بيني وبين أرحم الراحمين.
فصل: في نبذ من أخباره
أخرج ابن أبي شيبة في المصنف عن سعيد بن جمهان قال: قلت لسفينة: إن بني أمية يزعمون
стр. 159
أن الخلافة فيهم، قال: كذب بنو الزرقاء، بل هم ملوك من أشر الملوك، وأول الملوك: معاوية.
وأخرج البيهقي وابن عساكر عن إبراهيم بن سويد الأرمني، قال: قلت لأحمد بن حنبل: من الخلفاء؟ قال: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي قلت: فمعاوية؟ قال: لم يكن أحق بالخلافة في زمان علي من علي.
وأخرج السلفي في الطيوريات عن عبد الله بن أحمد بن حنبل قال: سألت أبي عن علي ومعاوية، فقال: اعلم أن عليا كان كثير الأعداء، ففتش له أعداؤه عيبا فلم يجدوا فجاءوا إلى رجل قد حاربه وقاتله فأطروه كيادا منهم له.
وأخرج ابن عساكر عن الملك بن عمير قال: قدم جارية بن قدامة السعدي على معاوية، فقال: من أنت؟ قال: جارية بن قدامة، قال: وما عسيت أن تكون؟ هل أنت إلا نحلة؟ قال: لا تقل فقد شبهتني بها حامية اللسعة، حلوة البصاق، والله ما معاوية إلا كلبة تعاوي الكلاب وما أمية إلا تصغير أمة.
وأخرج عن الفضل بن سويد قال: وفد جارية بن قدامة على معاوية، فقال له معاوية: أنت الساعي مع علي بن أبي طالب، والموقد النار في شعلك تجوس قرى عربية (١) تسفك دماءهم؟ قال جارية: يا معاوية دع عنك عليا فما أبغضنا عليا منذ أحببناه، ولا غششناه منذ صحبناه، قال: ويحك يا جارية، ما كان أهونك على أهلك إذ سموك جارية، قال: أنت يا معاوية كنت أهون على أهلك إذ سموك معاوية، قال: لا أم لك، قال: أما ما ولدتني، وإن قوائم السيوف التي لقينانك بها بصفين في أيدينا، قال: إنك لتهددني، قال: إنك لم تملكنا قسرة، ولم تفتحنا عنوة، ولكن أعطيتنا عهودا ومواثيق، فإن وفيت لنا وفينا، وإن ترغب إلى غير ذلك فقد تركنا وراءنا رجلا مدادا وأذرعا شدادا، وأسنة حدادا فإن بسطت إلينا فترا من غدر، زلفنا إليك بباع من ختر (٢)، قال معاوية: لا أكثر الله في الناس أمثالك.
وأخرج عن أبي الطفيل عامر بن واثلة الصحابي أنه دخل على معاوية فقال له معاوية: ألست من قتلة عثمان؟ قال: لا، ولكني ممن حضره فلم ينصره، قال: وما منعك من نصره؟ قال: لم تنصره المهاجرون والأنصار، فقال معاوية: أما لقد كان حقه واجبا عليهم أن ينصروه، قال: ما منعك يا أمير المؤمنين من نصره ومعك أهل الشام؟ فقال معاوية: أما طلبي بدمه نصرة له؟ فضحك أبو الطفيل ثم قال: أنت وعثمان كما قال الشعر:
لا ألفينك بعد الموت تندبني … وفي حياتي ما زودتني زادا
وقال الشعبي: أول من خطب الناس قاعدا معاوية: وذلك حين كثر شحمه وعظم بطنه.
أخرجه ابن أبي شيبة.
стр. 160
وقال الزهري: أول من أحدث الخطبة قبل الصلاة في العيد معاوية. أخرجه عبد الرزاق في مصنفه.
وقال سعيد بن المسيب: أول من أحدث الأذان في العيد معاوية، أخرجه ابن أبي شيبة، وقال: أول من نقص التكبير معاوية، أخرج ابن أبي شيبة.
وفي الأوائل للعسكري قال: معاوية أول من وضع البريد في الإسلام، وأول من اتخذ الخصيان لخاص خدمته وأول من عبثت به رعيته، وأول من قيل له: السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته، الصلاة يرحمك الله، وأول من اتخذ ديوان الخاتم، وولاه عبيد الله بن أوس الغساني، وسلم إليه الخاتم وعلى فصه مكتوب: لكل عمل ثواب، واستمر ذلك في الخلفاء العباسيين إلى آخر الوقت، وسبب اتخاذه له أنه أمر لرجل بمائة ألف، ففك الكتاب وجعله مائتي ألف، فلما رفع الحساب إلى معاوية أنكر ذلك، واتخذ ديوان الخاتم من يومئذ، وهو أول من اتخذ المقصورة بالجامع، وأول من أذن في تجريد الكعبة، وكانت كسوتها قبل ذلك تطرح عليها شيئا فوق شيء.
وأخرج الزبير بن بكار في الموفقيات: عن ابن أخي الزهري قال: قلت للزهري: من أول من استحلف في البيعة؟ قال: معاوية: استحلفهم بالله، فلما كان عبد الملك بن مروان استحلفهم بالطلاق والعتاق.
وأخرج العسكري في كتاب الأوائل عن سليمان بن عبد الله بن معمر قال: قدم معاوية مكة أو المدينة، فأتى المسجد فقعد في حلقة فيها: ابن عمر وابن عباس وعبد الرحمن بن أبي بكر، فأقبلوا عليه وأعرض عنه ابن عباس فقال: وأنا أحق بهذا الأمر من هذا المعرض وابن عمه، فقال ابن عباس: ولم؟ ألتقدم في الإسلام أم سابقة مع رسول الله ﷺ أو قرابة منه؟ قال: لا، ولكني ابن عم المقتول، قال: فهذا أحق به يريد ابن أبي بكر قال: إن أباه مات موتا، قال: فهذا أحق به، يريد ابن عمر، قال: إن أباه قتله كافر، قال: فذاك أدحض لحجتك، إن كان المسلمون عتبوا على ابن عمك فقتلوه.
وقال عبد الله بن محمد بن عقيل: قدم معاوية المدينة، فلقيه أبو قتادة الأنصاري، فقال معاوية: تلقاني الناس كهلم غيركم يا معشر الأنصار، قال: لم يكن لنا دواب، فقال: فأين النواضح؟ قال: عقرناها في طلبك وطلب أبيك يوم بدر، ثم قال أبو قتادة: إن النبي ﷺ قال لنا: "إنكم سترون بعدي أثرة"، فقال معاوية: فما أمركم؟ قال: أمرنا أن نصبر قال: فاصبروا، فبلغ عبد الرحمن بن حسان بن ثابت، فقال:
ألا أبلغ معاوية بن حرب … أمير المؤمنين نبأ كلامي
فإنا صابرون ومنظروكم … إلى يوم التغابن والخصام
وأخرج ابن أبي الدنيا وابن عساكر عن جبلة بن سحيم، قال: دخلت على معاوية بن أبي سفيان، وهو في خلافته، وهو في عنقه حبل، وصبي يقوده، فقلت له: يا أمير المؤمنين،
стр. 161
أتفعل هذا؟ قال: يا لكع (١) اسكت، فإني سمعت النبي ﷺ يقول: "من كان له صبي فليتصاب له"، قال ابن عساكر: غريب جدا.
وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف عن الشعبي قال: دخل شاب من قريش على معاوية، فأغلظ عليه، فقال له: يابن أخي، أنهاك عن السلطان يغضب غضب الصبي ويأخذ أخذ الأسد (٢).
وأخرج عن الشعبي قال: قال زياد: استعملت رجلا، فكثر خراجه، فخشى أن أعاقبه ففر إلى معاوية، فكتبت إليه: إن هذا أدب سوء لمن قبلي، فكتب إلي: إنه ليس ينبغي لي ولا لك أن نسوس الناس بسياسة واحدة، أن نلين جميعا فتمرح الناس في المعصية أو نشتد جميعا فنحمل الناس على المهالك، ولكن تكون للشدة والفظاظة، وأكون للين والرأفة (٣).
وأخرج عن الشعبي قال: سمعت معاوية يقول: ما تفرقت أمة قط إلا ظهر أهل الباطل على أهل الحق إلا هذه الأمة.
وفي الطيوريات عن سليمان المخزومي قال: أذن معاوية للناس إذنا عاما، فلما احتفل المجلس قال: أنشدوني ثلاثة أبيات لرجل من العرب كل بيت قائم بمعناه، فسكتوا، ثم طلع عبد الله بن الزبير، فقال: هذا مقوال العرب وعلامتها أبو خبيب قال: مهيم؟ قال: أنشدني ثلاثة أبيات لرجل من العرب كل بيت قائم بمعناه، قال: بثلاثمائة ألف، قال: وتساوي؟ قال: أنت بالخيار وأنت واف كاف، قال: هات، فأنشده للأفوه الأودي:
بلوت الناس قرنا بعد قرن … فلم أر غير ختال وقال
قال: صدق، هيه، قال: … ولم أر في الخطوب أشد
وأصعب من معاداة الرجال … قال: صدق، هيه، قال:
وذقت مرارة الأشياء طرا … فما طعم أمر من السؤال
قال: صدق، ثم أمر له بثلاثمائة ألف.
وأخرج البخاري والنسائي وابن أبي حاتم في تفسيره، واللفظ له، من طرق: أن مروان خطب بالمدينة وهو على الحجاز من قبل معاوية فقال: إن الله قد أرى أمير المؤمنين في ولده يزيد رأيا حسنا وإن يستخلفه فقد استخلف أبو بكر وعمر، وفي لفظ: سنة أبي بكر وعمر، فقال عبد الرحمن بن أبي بكر: سنة هرقل وقيصر، وإن أبا بكر والله ما جعلها في أحد من ولده ولا أحد من أهل بيته، ولاجعلها معاوية إلا رحمة وكرامة لولده، فقال مروان: ألست الذي قال لوالديه أف لكما؟ فقال عبد الرحمن: ألست ابن اللعين الذي لعن أباك النبي ﷺ ؟
стр. 162
فقالت عائشة: كذب مروان، ما فيه نزلت، ولكن نزلت في فلان بن فلان، ولكن النبي ﷺ لعن أبا مروان، ومروان في صلبه، فمروان بعض من لعنه الله ورسوله ﷺ (١).
وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف عن عروة قال: قال معاوية: لا حلم إلا التجارب (٢).
وأخرج ابن عساكر عن الشعبي قال: دهاة العرب أربعة: معاوية، وعمرو بن العاص، والمغيرة بن شعبة، وزياد، فأما معاوية فللحلم والأناة، وأما عمرو فللمعضلات، وأما المغيرة فللمبادهة، وأما زياد فللكبير والصغير.
وأخرج أيضا عنه قال: كان القضاة أربعة والدهاة أربعة، فأما القضاة: فعمر، وعلي، وابن مسعود، وزيد بن ثابت، وأما الدهاة: فمعاوية، وعمرو بن العاص، والمغيرة، وزياد.
وأخرج عن قبيصة بن جابر قال: صحبت عمر بن الخطاب فما رأيت رجلا أقرأ لكتاب الله ولا أفقه في دين الله منه، وصحبت طلحة بن عبيد الله فما رأيت رجلا أعطى لجزيل مال من غير مسألة منه، وصحبت معاوية فما رأيت رجلا أثقل حلما ولا أبطأ جهلا ولا أبعد أناة منه، وصحبت عمرو بن العاص فما رأيت رجلا أنصع طرفا ولا أحلم جليسا منه، وصحبت المغيرة بن شعبة فلو أن مدينة لها ثمانية أبواب لا يخرج من باب منها إلا بمكر لخرج من أبوابها كلها.
وأخرج ابن عساكر عن حميد بن هلال: أن عقيل بن أبي طالب سأل عليا فقال: إني محتاج وإني فقير فأعطني، فقال: اصبر حتى يخرج عطائي مع المسلمين فأعطيك معهم، فألح عليه فقال الرجل: خذ بيده وانطلق به إلى حوانيت أهل السوق فقل: دق هذه الأقفال، وخذ ما في هذه الحوانيت، قال: تريد أن تتخذني سارقا، قال: وأنت تريد أن تتخذني سارقا، أن آخذ أموال المسلمين فأعطيكها دونهم، قال: لآتين معاوية، قال: أنت وذاك فأتى معاوية فسأله فأعطاه مائة ألف ثم قال: اصعد المنبر فاذكر ما أولاك به علي وما أوليتك، فصعد فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناس، إني أخبركم أني أردت عليا على دينه فاختار دينه، وأني أردت معاوية على دينه فاختارني على دينه.
وأخرج ابن عساكر عن جعفر بن محمد عن أبيه: أن عقيلا دخل على معاوية، فقال: معاوية: هذا عقيل وعمه أبو لهب فقال عقيل: هذا معاوية عمته حمالة الحطب.
وأخرج ابن عساكر عن الأوزاعي قال: دخل خريم بن فاتك على معاوية ومئزره مشمر، وكان حسن الساقين، فقال معاوية: لو كانت هاتان الساقان لامرأة فقال خريم: في مثل عجيزتك يا أمير المؤمنين.
مات أيام معاوية من الأعلام: صفوان بن أمية، وحفصة، وأم حبيبة، وصفية، وميمونة، وسودة، وجويرية، وعائشة أمهات المؤمنين ﵃ ولبيد الشاعر،
стр. 163
وعثمان بن طلحة الحجبي، وعمرو بن العاص، وعبد الله بن سلام الحبر، ومحمد بن مسلمة، وأبو موسى الأشعري، وزيد بن ثابت، وأبو بكرة، وكعب بن مالك، والمغيرة بن شعبة، وجرير البجلي، وأبو أيوب الأنصاري، وعمران بن حصين، وسعيد بن زيد، وأبو قتادة الأنصاري، وفضالة بن عبيد، وعبد الرحمن بن أبي بكر، وجبير بن مطعم، وأسامة بن زيد، وثوبان، وعمرو حزم، وحسان بن ثابت، وحكيم بن حزام، وسعد بن أبي وقاص، وأبو اليسر، وقثم بن العباس، وأخوه عبيد الله، وعقبة بن عامر، وأبو هريرة سنة تسع وخمسين وكان يدعو: اللهم إني أعوذ بك من رأس الستين، وإمارة الصبيان، فاستجيب له وخلائق آخرون، ﵃ جميعا.
стр. 164
يزيد بن معاوية أبو خالد الأموي (١)
يزيد بن معاوية، أبوخالد، ولد سنة خمس أو ست وعشرين، كان ضخما كثير اللحم كثير الشعر، وأمه ميسون بنت بحدل الكلبية.
روى عن أبيه وعنه: ابنه خالد، وعبد الملك بن مروان.
جعله أبوه ولي عهده، وأكره الناس على ذلك كما تقدم.
قال الحسن البصري: أفسد أمر الناس اثنان: عمرو بن العاص يوم أشار على معاوية برفع المصاحف فحملت، ونال من القراء، فحكم الخوارج، فلا يزال هذا التحكيم إلى يوم القيامة. والمغيرة بن شعبة، فإنه كان عامل معاوية على الكوفة فكتب إليه معاوية: إذا قرأت كتابي فأقبل معزولا، فأبطأ عنه فلما ورد عليه قال: ما أبطأ بك؟ قال: أمر كنت أوطئه وأهيئه، قال وما هو: قال: البيعة ليزيد من بعدك قال: أو قد فعلت؟ قال: نعم، قال: ارجع إلى عملك، فلما خرج قال له أصحابه؟ ما وراءك؟ قال: وضعت رجل معاوية في غرز غي لا يزال فيه إلى يوم القيامة، قال الحسن: فمن أجل ذلك بايع هؤلاء لأبنائهم، ولولا ذلك لكانت شورى إلى يوم القيامة.
وقال ابن سيرين: وفد عمرو بن حزم على معاوية فقال له: أذكرك الله في أمة محمد ﷺ بمن تستخلف عليها، فقال: نصحت وقلت برأيك وإنه لم يبق إلا ابني وأبناؤهم، وابني أحق.
وقال عطية بن قيس: خطب معاوية فقال: اللهم إن كنت إنما عهدت ليزيد لما رأيت من فضله فبلغه ما أملت وأعنه، وإن كنت إنما حملني حب الوالد لولده وأنه ليس ما صنعت به أهلا فاقبضه قبل أن يبلغ ذلك.
فلما مات معاوية بايعه أهل الشام، ثم بعث أهل المدينة من يأخذ له البيعة، فأبى الحسين وابن الزبير أن يبايعاه، وخرجا من ليلتهما إلى مكة.
فأما ابن الزبير فلم يبايع ولا دعا إلى نفسه، وأما الحسين فكان أهل الكوفة يكتبون إليه
стр. 165
يدعونه إلى الخروج إليهم زمن معاوية، وهو يأبى، فلما بويع يزيد أقام على ما هو مهموما يجمع الإقامة مرة ويريد المسير إليهم مرة أخرى، فأشار عليه ابن الزبير بالخروج، وكان ابن العباس يقول له: لا تفعل، وقال له ابن عمر: لا تخرج، فإن رسول الله ﷺ خيره الله بين الدنيا والآخرة فاختار الآخرة، وإنك بضعة منه ولا تنالها -يعني: الدنيا- واعتنقه وبكى وودعه، فكان ابن عمر يقول: غلبنا الحسين بالخروج، ولعمري قد رأى في أبيه وأخيه عبرة، وكلمه في ذلك أيضا جابر بن عبد الله وأبو سعيد وأبو واقد الليثي وغيرهم، فلم يطع أحدا منهم، وصمم على المسير إلى العراق، فقال له ابن عباس: والله إني لأظنك ستقتل بين نسائك وبناتك كما قتل عثمان، فلم يقبل منه، فبكى ابن عباس، وقال: أقررت عين ابن الزبير، ولما رأى ابن عباس عبد الله بن الزبير قال له: قد أتى ما أحببت، وهذا الحسين يخرج ويتركك والحجاز، ثم تمثل:
يا لك من قنبرة بمعمر … خلا لك الجو فبيضي واصفري
ونقري ما شئت أن تنقري
وبعث أهل العراق إلى الحسين والرسل والكتب يدعونه إليهم، فخرج من مكة إلى العراق في عشر ذي الحجة ومعه طائفة من آل بيته رجالا ونساء وصبيانا، فكتب يزيد إلى واليه بالعراق عبيد الله بن زياد بقتاله، فوجه إليهم جيشا أربعة آلاف عليهم عمر بن سعد بن أبي وقاص، فخذله أهل الكوفة كما هو شأنهم مع أبيه من قبله، فلما رهقه السلاح عرض عليه الاستسلام والرجوع والمضي إلى يزيد فيضع يده في يده، فأبوا إلا قتله، فقتل وجيء برأسه في طست حتى وضع بين يدي ابن زياد، لعن الله قاتله وابن زياد معه ويزيد أيضا.
وكان قتله بكربلاء، وفي قتله قصة فيها طول لا يحتمل القلب ذكرها، فإنا لله وإنا إليه راجعون، وقتل معه ستة عشر رجلا من أهل بيته.
ولما قتل الحسين مكثت الدنيا سبعة أيام والشمس على الحيطان كالملاحف المعصفرة، والكواكب يضرب بعضها بعضا، وكان قتله يوم عاشوراء، وكسفت الشمس ذلك اليوم، واحمرت آفاق السماء ستة أشهر بعد قتله، ثم لازالت الحمرة ترى فيها بعد ذلك اليوم ولم تكن ترى فيها قبلها.
وقيل: إنه لم يقلب حجر بالبيت المقدس يومئذ إلا وجد تحته دم عبيط، وصار الورس الذي في عسكرهم رمادا، ونحروا ناقة في عسكرهم، فكانوا يرون في لحمها مثل النيران، وطبخوها فصارت مثل العلقم، وتكلم رجل في الحسين بكلمة، فرماه الله بكوكبين من السماء فطمس بصره.
قال الثعالبي: روت الرواة من غير وجه عن عبد الملك بن عمير الليثي قال: رأيت في هذا القصر -وأشار إلى قصر الإمارة بالكوفة- رأس الحسين بن علي بين يدي عبيد الله بن زياد على ترس، ثم رأيت رأس عبيد الله بن زياد بين يدي المختار بن أبي عبيد، ثم رأيت رأس المختار بين يدي مصعب بن الزبير، ثم رأيت رأس مصعب بين يدي عبد الملك، فحدثت بهذا الحديث عبد الملك فتطير منه وفارق مكانه.
стр. 166
وأخرج الترمذي عن سلمى قالت: دخلت على أم سلمة -وهي تبكي- فقلت: ما يبكيك؟ قالت: رأيت النبي ﷺ في المنام وعلى رأسه ولحيته التراب، فقلت: ما لك يا رسول الله؟ قال: شهدت قتل الحسين آنفا (١).
وأخرج البيهقي في الدلائل عن ابن عباس قال: رأيت رسول الله ﷺ بنصف النهار أشعث أغبر، وبيده قارورة فيها دم، فقلت: بأبي وأمي يا رسول الله، ما هذا؟ قال: هذا دم الحسين وأصحابه، لم أزل ألتقطه منذ اليوم، فأحصي ذلك اليوم فوجدوه قتل يومئذ (٢).
وأخرج أبو نعيم في الدلائل عن أم سلمة قالت: سمعت الجن تبكي على حسين وتنوح عليه.
وأخرج ثعلب في أماليه عن أبي خباب الكلبي قال: أتيت كربلاء فقلت لرجل من أشراف العرب، أخبرني بما بلغني أنكم تسمعون نوح الجن، فقال: ما تلقى أحدا إلا أخبرك أنه سمع ذلك، قلت: فأخبرني بما سمعت أنت، قال: سمعتهم يقولون:
مسح الرسول جبينه … فله بريق في الخدود
أبواه من عليا قريش … وجده خير الجدود
ولما قتل الحسين وبنو أبيه بعث ابن زياد برءوسهم إلى يزيد، فسر بقتلهم أولا، ثم ندم لما مقته المسملون على ذلك، وأبغضه الناس، وحق لهم أن يبغضوه.
وأخرج أبو يعلى في مسنده بسند ضعيف عن أبي عبيدة قال: قال النبي ﷺ : "لا يزال أمر أمتي قائما بالقسط، حتى يكون أول من يثلمه رجل من بني أمية يقال له: يزيد" (٣).
قال نوفل بن أبي الفرات: كنت عند عمر بن عبد العزيز، فذكر رجل يزيد، فقال: قال أمير المؤمنين يزيد بن معاوية، فقال: تقول أمير المؤمنين؟ وأمر به، فضرب عشرين سوطا.
وفي سنة ثلاث وستين بلغه أن أهل المدينة خرجوا عليه وخلعوه، فأرسل إليهم جيشا كثيفا وأمرهم بقتالهم، ثم المسير إلى مكة لقتال ابن الزبير، فجاءوا وكانت وقعة الحرة على باب طيبة، وما أدراك ما وقعة الحرة؟ ذكرها الحسن مرة فقال: والله ما كاد ينجو منهم أحد، قتل فيها خلق من الصحابة ﵃ ومن غيرهم، ونهبت المدينة، وافتض فيها ألف عذراء، فإنا لله وإنا إليه راجعون قال ﷺ : "من أخاف أهل المدينة أخافه الله، وعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين (٤) ". رواه مسلم.
وكان سبب خلع أهل المدينة له أن يزيد أسرف في المعاصي.
وأخرج الواقدي من طرق: أن عبد الله بن حنظلة الغسيل قال: والله ما خرجنا على يزيد
стр. 167
حتى خفنا أن نرمى بالحجارة من السماء إنه رجل ينكح أمهات الأولاد، والبنات، والأخوات، ويشرب الخمر، ويدع الصلاة.
قال الذهبي: ولما فعل يزيد بأهل المدينة ما فعل، مع شربه الخمر وإتيانه المنكرات، اشتد عليه الناس، وخرج عليه غير واحد، ولم يبارك الله في عمره، وسار جيش الحرة إلى مكة لقتال ابن الزبير، فمات أمير الجيش بالطريق، فاستخلف عليه أميرا، وأتوا مكة، فحاصروا ابن الزبير وقاتلوه ورموه بالمنجنيق، وذلك في صفر سنة أربع وستين، واحترقت من شرارة نيرانهم أستار الكعبة وسقفها وقرنا الكبش الذي فدى الله به إسماعيل وكانا في السقف، وأهلك الله يزيد في نصف شهر ربيع الأول من هذا العام، فجاء الخبر بوفاته والقتال مستمر، فنادى ابن الزبير: يا أهل الشام إن طاغيتكم قد أهلك، فانقلبوا وذلوا وتخطفهم الناس، ودعا ابن الزبير إلى بيعة نفسه، وتسمى بالخلافة، وأما أهل الشام فبايعوا معاوية بن يزيد، ولم تطل مدته كما سيأتي.
ومن شعر يزيد:
آب هذا الهم فاكتنعا (١) … وأمر النوم فامتنعا
راعيا للنجم أرقبه … فإذا ما كوكب طلعا
حام حتى إنني لأرى … أنه بالغور قد وقعا
ولها بالماطرون إذا … أكل النمل الذي جمعا
نزهة حتى إذا بلغت … نزلت من جلق بيعا
في قباب وسط دسكرة … حولها الزيتون قد ينعا
وأخرج ابن عساكر عن عبد الله بن عمر قال: أبو بكر الصديق أصبتم اسمه، عمر الفاروق قرن من حديد أصبتم اسمه، ابن عفان ذو النورين قتل مظلوما يؤتى كفلين من الرحمة، معاوية وابنه ملكا الأرض المقدسة، والسفاح، وسلام، والمنصور، وجابر، والمهدي، والأمين، وأمير الغضب، كلهم من بني كعب بن لؤي، كلهم صالح لا يوجد مثله.
قال الذهبي: له طرق عن ابن عمر، ولم يرفعه أحد.
وأخرجه الواقدي عن أبي جعفر الباقر قال: أول من كسا الكعبة الديباج يزيد بن معاوية.
مات في أيام يزيد من الأعلام سوى الذين قتلوا مع الحسين، وفي وقعة الحرة: أم سلمة أم المؤمنين وخالد بن عرفطة، وجرهد الأسلمي، وجابر بن عتيك، وبريدة بن الحصيب، ومسلمة بن مخلد، وعلقمة بن قيس النخعي الفقيه، ومسروق، والمسور بن مخرمة، وغيرهم ﵃، وعدة المقتولين بالحرة من قريش والأنصار ثلاثمائة وستة رجال.
стр. 168
معاوية بن يزيد (١)
معاوية بن يزيد بن معاوية، أبو عبد الرحمن -ويقال له: أبو يزيد، ويقال: أبو ليلى- استخلف بعهد من أبيه في ربيع الأول سنة أربع وستين، وكان شابا صالحا، ولما استخلف كان مريضا، فاستمر مريضا إلى أن مات، ولم يخرج إلى الباب، ولا فعل شيئا من الأمور، ولا صلى بالناس، وكانت مدة خلافته أربعين يوما، وقيل: شهرين، وقيل: ثلاثة أشهر، ومات وله إحدى وعشرون سنة، وقيل: عشرون سنة؛ ولما احتضر قيل له: ألا تستخلف؟ قال: ما أصبت من حلاوتها فلم أتحمل مرارتها؟.
стр. 169
عبد الله بن الزبير (١)
عبد الله بن الزبير بن العوام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي، الأسدي، كنيته أبو بكر، وقيل: أبو خبيب -بضم الخاء المعجمة- صحابي ابن صحابي.
وأبوه أحد العشرة المشهود لهم بالجنة، وأمه أسماء بنت أبي بكر الصديق ﵂ وأم أبيه صفية عمة النبي ﷺ .
ولد بالمدينة بعد عشرين شهرا من الهجرة، وقيل: في السنة الأولى، وهو أول مولود ولد للمهاجرين بعد الهجرة، وفرح المسلمين بولادته فرحا شديدا؛ لأن اليهود كانوا يقولون: سحرناهم فلا يولد لهم ولد، فحنكه رسول الله ﷺ بتمرة لاكها، وسماه عبد الله، وكناه أبا بكر، باسم جده الصديق وكنيته، وكان صوما قواما، طويل الصلاة، وصولا للرحم، عظيم الشجاعة، قسم الدهر ثلاث ليال: ليلة يصلي قائما حتى الصباح، وليلة راكعا، وليلة ساجدا حتى الصباح.
روي له عن النبي ﷺ ثلاثة وثلاثون حديثا، روى عنه أخوه عروة، وابن أبي مليكة، وعباس بن سهل، وثابت البناني، وعطاء، وعبيدة السلماني، وخلائق آخرون، وكان ممن أبى البيعة ليزيد بن معاوية، وفر إلى مكة، ولم يدع نفسه، لكن لم يبايع، فوجد عليه يزيد وجدا شديدا، فلما مات يزيد بويع له با لخلافة، وأطاعه أهل الحجاز واليمن والعراق وخراسان، وجدد عمارة الكعبة؛ فجعل لها بابين على قواعد إبراهيم، وأدخل فيها ستة أذرع من الحجر لما حدثته خالته عائشة ﵂ عن النبي ﷺ ولم يبق خارجا عنه إلا الشام ومصر فإنه بويع بهما معاوية بن يزيد، فلم تطل مدته، فلما مات أطاع أهلها ابن الزبير وبايعوه، ثم خرج مروان بن الحكم فغلب على الشام ثم مصر، واستمر إلى أن مات سنة خمس وستين، وقد عهد إلى ابنه عبد الملك.
والأصح ما قاله الذهبي أن مروان لا يعد في أمراء المؤمنين، بل هو باغ خارج على ابن الزبير، ولا عهده إلى ابنه بصحيح، وإنما صحت خلافة عبد الملك من حين قتل ابن الزبير، وأما ابن الزبير فإنه استمر بمكة خليفة إلى أن تغلب عبد الملك فجهز لقتاله الحجاج في أربعين
стр. 170
ألفا، فحصره بمكة أشهرا، ورمى عليه بالمنجنيق، وخذل ابن الزبير أصحابه وتسللوا إلى الحجاج، فظفر به وقتله وصلبه، وذلك يوم الثلاثاء لسبع عشرة خلت من جمادى الأولى -وقيل: الآخرة- سنة ثلاث وسبعين.
وأخرج ابن عساكر عن محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر قال: إني لفوق أبي قبيس حين وضع المنجنيق على ابن الزبير، فنزلت صاعقة كأني أنظر إليها تدور كأنها حمار أحمر فأحرقت من أصحاب المنجنيق نحوا من خمسين رجلا.
وكان ابن الزبير فارس قريش في زمانه، له المواقف المشهودة.
أخرج أبو يعلى في مسنده عن ابن الزبير: أن النبي ﷺ احتجم، فلما فرغ قال له: "يا عبد الله اذهب بهذا الدم فأهرقه حيث لا يراك أحد"، فلما ذهب شربه، فلما رجع قال: "ما صنعت بالدم"؟ قال: عمدت إلى أن أخفى موضع فجعلته فيه، قال: "لعلك شربته"، قال: نعم، قال: "ويل للناس منك وويل لك من الناس"، فكانوا يرون أن القوة التي به من ذلك الدم.
وأخرج عن نوف البكالي قال: إني لأجد في كتاب الله المنزل أن ابن الزبير فارس الخلفاء، وقال عمرو بن دينار: ما رأيت مصليا أحسن صلاة من ابن الزبير، وكان يصلي في الحجر، والمنجنيق يصيب طرف ثوبه فما يلتفت إليه، وقال مجاهد: ما كان باب من العبادة يعجز الناس عنه إلا تكلفه ابن الزبير، ولقد جاء سيل طبق البيت فجعل يطوف سباحة، وقال عثمان بن طلحة: كان ابن الزبير لا ينازع في ثلاثة: لا شجاعة، ولا عبادة، ولا بلاغة: وكان صيتا إذا خطب تجاوبه الجبال.
وأخرج ابن عساكر عن عروة أن النابغة الجعدي أنشد عبد الله بن الزبير:
حكيت لنا الصديق لما وليتنا … وعثمان، والفاروق، فارتاح معدم
وسويت بين الناس في الحق، فاستوى … فعاد صباحا حالك اللون أسحم
وأخرج عن هشام بن عروة وخبيب قال: أول من كسا الكعبة الديباج عبد الله بن الزبير وكان كسوتها المسوح والأنطاع.
وأخرج عن عمر بن قيس قال: كان لابن الزبير مائة غلام؛ يتكلم كل غلام منهم بلغة؛ وكان ابن الزبير يكلم كل منهم بلغته، وكنت إذا نظرت إليه في أمر دنياه، قلت: هذا رجل لم يرد الله طرفة عين، وإذا نظرت إليه في أمر آخرته قلت: هذا رجل لم يرد الدنيا طرفة عين.
وأخرج عن هشام بن عروة قال: كان أول ما أفصح به عمي عبد الله بن الزبير -وهو صغير- السيف، فكان لا يضعه من فيه، فكان أبوه إذا سمع ذلك منه يقول: أما والله ليكونن لك منه يوم ويوم وأيام.
وأخرج عن أبي عبيدة قال: جاء عبد الله بن الزبير الأسدي إلى عبد الله بن الزبير بن العوام فقال: يا أمير المؤمنين، إني بيني وبينك رحما من قبل فلانة فقال ابن الزبير: نعم، هذا كما ذكرت، وإن فكرت في هذا أصبت؛ الناس بأسرهم يرجعون إلى أب واحد وإلى أم
стр. 171
واحدة، فقال: يا أمير المؤمنين إن نفقتي نفدت، قال: ما كنت ضمنت لأهلك أنها تكفيك إلى أن ترجع إليهم، قال: يا أمير المؤمنين ناقتي قد نقبت، قال: أنجد بها تبرد خفها، وارفعها بسبت، واخفضها بهلب، وسر عليها البردين، قال: يا أمير المؤمنين إنما جئتك مستحملا ولم آتك مستوصفا، لعن الله ناقة حملتني إليك فقال ابن الزبير: إن وراكبها، فخرج الأسدي يقول:
أرى الحاجات عند أبي خبيب … نكدن، ولا أمية في البلاد
من الأعياص أو من آل حرب … أغر كغرة الفرس الجواد
وقلت لصحبتي: أدنوا ركابي … أفارق بطن مكة في سواد
ومالي حين أقطع ذات عرق … إلى ابن الكاهلية من معاد
وأخرج عبد الرزاق في مصنفه عن الزهري قال: لم يحمل إلى رسول الله ﷺ رأس إلى المدينة قط، ولا يوم بدر، وحمل إلى أبي بكر رأس فكره ذلك، وأول من حملت إليه الرءوس عبد الله بن الزبير.
وفي أيام ابن الزبير كان خروج المختار الكذاب الذي ادعى النبوة، فجهز ابن الزبير لقتاله، إلى أن ظفر به في سنة سبع وستين وقتله، لعنه الله.
مات في أيام ابن الزبير من الأعلام: أسيد بن حضير، وعبد الله بن عمرو بن العاص، والنعمان بن بشير، وسليمان بن صرد، وجابر بن سمرة، وزيد بن أرقم، وعدي بن حاتم، وابن عباس، وأبو واقد الليثي، وزيد بن خالد الجهني، وأبو الأسود الدؤلي وآخرون.
стр. 172
عبد الملك بن مروان (١)
عبد الملك بن مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي بن كلاب أبو الوليد، ولد سنة ست وعشرين، وبويع بعهد من أبيه في خلافة ابن الزبير فلم تصح خلافته، وبقي متغلبا على مصر والشام ثم غلب على العراق وما والاها إلى أن قتل ابن الزبير سنة ثلاث وسبعين؛ فصحت خلافته من يومئذ، واستوثق له الأمر.
ففي هذا العام هدم الحجاج الكعبة وأعادها على ما هي عليه الآن، ودس على ابن عمر من طعنه بحربة مسمومة، فمرض منها ومات.
وفي سنة أربع وسبعين سار الحجاج إلى المدينة، وأخذ يتعنت على أهلها، ويستخف ببقايا من فيها من صحابة رسول الله ﷺ وختم في أعناقهم وأيديهم، يذلهم بذلك، كأنس، وجابر بن عبد الله، وسهل بن سعد الساعدي، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
وفي سنة خمس وسبعين حج بالناس عبد الملك الخليفة، وسير الحجاج أميرا على العراق.
وفي سنة سبع وسبعين فتحت هرقلة، وهدم عبد العزيز بن مروان جامع مصر، وزيد فيه من جهاته الأربع.
стр. 173
وفي سنة ثلاث وثمانين فتحت حصن سنان من ناحية المصيصة، وكانت غزوة أرمينية، وصنهاجة بالمغرب.
وفي سنة ثلاث وثمانين بنيت مدينة واسط، بناها الحجاج.
وفي سنة أربع وثمانين فتحت المصيصة وأدوية من المغرب.
وفي سنة خمس وثمانين بنيت مدينة أردبيل، ومدينة برذعة، بناهما عبد العزيز بن حاتم بن النعمان الباهلي.
وفي سنة ست وثمانين فتح حصن بولق، وحصن الأخرم.
وفيها كان طاعون الفتيات، وسمي بذلك؛ لأنه بدأ في النساء.
وفيها مات الخليفة عبد الملك في شوال، وخلف سبعة عشر ولدا، قال أحمد بن عبد الله العجلي: كان عبد الملك أبخر الفم (١)، وإنه ولد لستة أشهر، وقال ابن سعد: كان عبد الملك بن مروان عابدا زاهدا ناسكا بالمدينة قبل الخلافة، وقال يحيى الغساني: كان عبد الملك بن مروان كثيرا ما يجلس إلى أم الدرداء فقالت له مرة: بلغني يا أمير المؤمنين أنك شربت الطلاء بعد النسك والعبادة، قال: إي والله، والدماء قد شربتها، وقال نافع: لقد رأيت المدينة وما بها شاب أشد تشميرا ولا أفقه ولا أنسك ولا أقرأ لكتاب الله من عبد الملك بن مروان، وقال أبو الزناد: فقهاء المدينة: سعيد بن المسيب، وعبد الملك بن مروان، وعروة بن الزبير، وقبيصة بن ذؤيب، وقال ابن عمر: ولد الناس أبناء وولد مروان أبا، وقال عبادة بن نسي: قيل لابن عمر: إنكم معشر أشياخ قريش يوشك أن تنقرضوا، فمن نسأل بعدكم؟ فقال: إن لمروان ابنا فيها فاسألوه، وقال سحيم مولى أبي هريرة ﵁: دخل عبد الملك -وهو شاب- على أبي هريرة ﵁، فقال أبو هريرة: هذا يملك العرب، وقال عبيدة بن رياح الغساني: قالت أم الدرداء لعبد الملك: ما زلت أتخيل هذا الأمر فيك منذ رأيتك، قال: وكيف ذاك؟ قالت: ما رأيت أحسن منك محدثا ولا أعلم منك مستمعا، وقال الشعبي: ما جالست أحدا إلا وجدت لي عليه الفضل، إلا عبد الملك بن مروان، فإنني ما ذكرته حديثا إلا وزادني فيه، ولا شعرا إلا وزادني فيه.
وقال الذهبي: سمع عبد الملك من عثمان، وأبي هريرة، وأبي سعيد، وأم سلمة، وبربرة، وابن عمر: ومعاوية.
روى عنه: عروة، وخالد بن معدان، ورجاء بن حيوة، والزهري، ويونس بن ميسرة، وربيعة بن يزيد، وإسماعيل بن عبيد الله، وحريز بن عثمان وطائفة.
وقال أبو بكر بن عبد الله المزني: أسلم يهودي اسمه يوسف، وكان قرأ الكتب، فمر بدار مروان، فقال: ويل لأمة محمد من أهل هذه الدار، فقلت له: إلى متى؟ قال: حتى تجيء رايات سود من قبل خراسان.
стр. 174
وكان صديقا لعبد الملك بن مروان، فضرب يوما على منكبيه، وقال: اتق الله في أمة محمد إذا ملكتهم، فقال: دعني ويحك ما شأني وشأن ذلك؟ فقال: اتق الله في أمرهم، قال: وجهز يزيد جيشا إلى أهل مكة، فقال عبد الملك: أعوذ بالله أيبعث إلى حرم الله؟ فضرب يوسف منكبه وقال: جيشك إليهم أعظم.
وقال يحيى الغساني: لما نزل مسلم بن عقبة دخلت مسجد النبي ﵊ فجلست إلى جنب عبد الملك، فقال لي عبد الملك: أمن هذا الجيش أنت؟ قلت: نعم، قال: ثكلتك أمك أتدري إلى من تسير؟ إلى أول مولود ولد في الإسلام، وإلى ابن حواري النبي ﷺ وإلى ابن ذات النطاقين، وإلى من حنكه النبي ﷺ أما والله إن جئته نهارا وجدته صائما، ولئن جئته ليلا لتجدنه قائما، فلو أن أهل الأرض أطبقوا على قتله لأكبهم الله جميعا في النار، فلما صارت الخلافة إلى عبد الملك وجهنا مع الحجاج حتى قتلناه.
وقال ابن أبي عائشة: أفضى الأمر إلى عبد الملك والمصحف في حجره، فأطبقه وقال: هذا آخر العهد بك.
وقال مالك: سمعت يحيى بن سعيد يقول: أول من صلى في المسجد ما بين الظهر والعصر عبد الملك بن مروان وفتيان معه، كانوا إذا صلى الإمام الظهر قاموا فصلوا إلى العصر، فقيل لسعيد بن المسيب: لو قمنا فصلينا كما يصلي هؤلاء، فقال سعيد بن المسيب: ليست العبادة بكثرة الصلاة والصوم، وإنما العبادة التفكر في أمر الله والورع عن محارم الله.
وقال مصعب بن عبد الله: أول من سمي في الإسلام عبد الملك: عبد الملك بن مروان، وقال يحيى بن بكير: سمعت مالكا يقول: أول من ضرب الدنانير عبد الملك، وكتب عليها القرآن، وقال مصعب: كتب عبد الملك على الدنانير: ﴿قل هو الله أحد﴾ [الإخلاص: ١] وفي الوجه الآخر: لا إله إلا الله، وطوقه بطوق من فضة، وكتب فيه: ضرب بمدينة كذا، وكتب خارج الطوق: محمد رسول الله، أرسله بالهدى ودين الحق.
وفي الأوائل للعسكري بسنده: كان عبد الملك أول من كتب في صدور الطوامير (١): ﴿قل هو الله أحد﴾ وذكر النبي ﷺ مع التاريخ، فكتب ملك الروم: إنكم أحدثتم في طواميركم شيئا من ذكر نبيكم، فاتركوه وإلا أتاكم من دنانيرنا ذكر ما تكرهون، فعظم ذلك على عبد الملك، فأرسل إلى خالد بن يزيد بن معاوية فشاوره، فقال: حرم دنانيرهم، واضرب للناس سككا فيها ذكر الله وذكر رسوله، ولا تعفهم مما يكرهون في الطوامير، فضرب الدنانير للناس سنة خمس وسبعين، وقال العسكري: وأول خليفة بخل عبد الملك، وكان يسمى: رشح الحجارة، لبخله، ويكنى: أبا الذبان، لبخره، قال: وهو أول من غدر في الإسلام، وأول من نهى عن الكلام بحضرة الخلفاء، وأول من نهي عن الأمر بالمعروف، ثم أخرج
стр. 175
بسنده عن ابن الكلبي قال: كان مروان بن الحكم ولي العهد عمرو بن سعيد بن العاص بعد ابنه، فقتله عبد الملك، وكان قتله أول غدر في الإسلام فقال بعضهم:
يا قوم لا تغلبوا عن رأيكم فلقد … جربتم الغدر من أبناء مروانا
أمسوا وقد قتلوا عمرا وما رشدوا … يدعون غدرا بعهد الله كيسانا
ويقتلون الرجال البزل ضاحية … لكي يولوا أمور الناس ولدانا
تلاعبوا بكتاب الله فاتخذوا … هواهم في معاصي الله قرآنا
وأخرج بإسناد فيه الكديمي، وهو متهم بالكذب، عن ابن جريج عن أبيه قال: خطبنا عبد الملك بن مروان بالمدينة بعد قتل ابن الزبير عام حج سنة خمس وسبعين، فقال بعد حمد الله والثناء عليه: أما بعد فلست بالخليفة المستضعف -يعني: عثمان- ولا الخليفة المداهن -يعني: معاوية- ولا الخليفة المأفون (١) -يعني: يزيد- ألا وإن من كان قبلي من الخلفاء كانوا يأكلون ويطعمون من هذه الأموال، إلا وإني لا أداوي أدواء هذه الأمة إلا بالسيف حتى تستقيم لي قناتكم، تكلفوننا أعمال المهاجرين ولا تعملون مثل أعمالهم؟ فلن تزدادوا إلا عقوبة حتى يحكم السيف بيننا وبينكم، هذا عمرو بن سعيد قرابته قرابته وموضعه موضعه قال برأسه هكذا فقلنا بأسيافنا هكذا، ألا وإنا نحمل لكم كل شيء إلا وثوبا على أمير أو نصب راية، ألا وإن الجامعة التي جعلتها في عنق عمرو بن سعيد عندي، والله لا يفعل أحد فعله إلا جعلتها في عنقه، والله لا يأمرني أحد بتقوى الله بعد مقامي هذا إلا ضربت عنقه، ثم نزل.
ثم قال العسكري: وعبد الملك أول من نقل الديوان من الفارسية إلى العربية وأول من رفع يديه على المنبر.
قلت: فتمت له عشرة أوائل منها خمسة مذمومة.
وقد أخرج ابن أبي شيبة في المصنف بسنده عن محمد بن سيرين قال: أول من أحدث الأذان في الفطر والأضحى بنو مروان، فإما أن يكون عبد الملك أو أحدا من أولاده (٢).
وقد أخرج عبد الرزاق عن ابن جريج قال: أخبرني غير واحد أن أول من كسا الكعبة بالديباج عبد الملك بن مروان، وإن من أدرك ذلك من الفقهاء قالوا: أصاب، ما نعلم لها من كسوة أوفق منه.
وقال يوسف بن الماجشون، كان عبد الملك إذا قعد للحكم قيم على رأسه بالسيوف.
وقال الأصمعي: قيل لعبد الملك: يا أمير المؤمنين عجل عليك الشيب، فقال: وكيف لا وأنا أعرض عقلي على الناس في كل جمعة؟.
وقال محمد بن حرب الزيادي: قيل لعبد الملك بن مروان: من أفضل الناس؟ قال: من تواضع عن رفعة، وزهد في قدرة، وأنصف عن قوة.
стр. 176
وقال ابن عائشة: كان عبد الملك إذا دخل عليه رجل من أفق من الآفاق قال: أعفني من أربع وقل بعدها ما شئت: لا تكذبني فإن الكذوب لا رأي له، ولا تجبني فيما لا أسألك فإن فيما أسألك عنه شغلا، ولا تطرني فإني أعلم بنفسي منك، ولا تحملني على الرعية فإني إلى الرفق بهم أحوج.
وقال المدائني: لما أيقن عبد الملك بالموت قال: والله لوددت أني كنت منذ ولدت إلى يومي هذا حمالا، ثم أوصى بنيه بتقوى الله، ونهاهم عن الفرقة والاختلاف، وقال: كونوا بني أم بررة، وكونوا في الحرب أحرارا، وللمعروف منارا، فإن الحرب لم تدن منية قبل وقتها، وإن المعروف يبقى أجره وذكره، واحلوا في مرارة، ولينوا في شدة، وكونوا كما قال ابن عبد الأعلى الشيباني:
إن القداح إذا اجتمعن فرامها … بالكسر ذو حنق وبطش باليد
عزت فلم تكسر، وإن هي بددت … فالكسر والتوهين للمتبدد
يا وليد اتق الله فيما أخلفك فيه، إلى أن قال: وانظر الحجاج فأكرمه فإنه هو الذي وطأ لكم المنابر، وهو سيفك يا وليد ويدك على من ناوأك، فلا تسمعن فيه قول أحد، وأنت إليه أحوج منه إليك، وادع الناس إذا مت إلى البيعة، فمن قال برأسه هكذا فقل بسيفك هكذا.
وقال غيره: لما احتضر عبد الملك دخل عليه ابنه الوليد، فتمثل بهذا:
كما عائد رجلا وليس يعوده … إلا ليعلم هل يراه يموت
فبكى الوليد، قال: ما هذا؟ أتحن حنين الأمة؟ إذا أنا مت، فشمر، وائترز، والبس جلد النمر، وضع سيفك على عاتقك، فمن أبدى ذات نفسه لك فاضرب عنقه، ومن سكت مات بدائه.
قلت: لو لم يكن من مساوي عبد الملك إلا الحجاج وتوليته إياه على المسلمين وعلى الصحابة ﵃ يهينهم ويذلهم قتلا وضربا وشتما وحبسا، وقد قتل من الصحابة وأكابر التابعين ما لا يحصى، فضلا عن غيرهم، وختم في عنق أنس وغيره من الصحابة ختما، يريد بذلك ذلهم، فلا ﵀ ولا عفا عنه.
ومن شعر عبد الملك:
لعمري لقد عمرت في الدهر برهة … ودانت لي الدنيا بوقع البواتر
فأضحى الذي قد كان مما يسرني … كلمح مضى في المزمنات الغوابر
فيا ليتني لم أعن بالملك ساعة … ولم أله لي لذات عيش نواضر
وكنت كذي طمرين عاش ببلغة … من الدهر حتى زار ضنك المقابر
وفي تاريخ ابن عساكر عن إبراهيم بن عدي قال: رأيت عبد الملك بن مروان وقد أتته أمور أربعة في ليلة فما تنكر ولا تغير وجهه: قتل عبيد الله بن زياد، وقتل حبيش بن دلجة
стр. 177
بالحجاز، وانتقاض ما كان بينه وبين ملك الروم، وخروج عمرو بن سعيد إلى دمشق.
وفيه عن الأصمعي قال: أربعة لم يلحنوا في جد ولا هزل: الشعبي، وعبد الملك بن مروان، والحجاج بن يوسف، وابن القرية.
وأسند السلفي في الطيوريات: أن عبد الملك بن مروان خرج يوما، فلقيته امرأة فقالت: يا أمير المؤمنين، قال: ما شأنك؟ قالت: توفي أخي وترك ستمائة دينار، فدفع إلي من ميراثه دينار واحد، فقيل، هذا حقك، فعمي الأمر فيها على عبد الملك فأرسل إلى الشعبي فسأله، فقال: نعم، هذا توفي فترك ابنتين فلهما الثلثان أربعمائة دينار، وأما فلها السدس مائة، وزوجة فلها الثمن خمسة وسبعون، واثني عشر أخا فلهم أربعة وعشرون، فبقى لهذه دينار.
وقال ابن أبي شيبة في المصنف: حدثنا أبو سفيان الحميري حدثنا خالد بن محمد القرشي، قال: قال عبد الملك بن مرون، من أراد أن يتخذ جارية للتلذذ فليتخذها بربرية، ومن أراد أن يتخذها للولد فليتخذها فارسية، ومن أراد أن يتخذها للخدمة فليتخذها رومية (١).
وقال أبو عبيدة: لما أنشد الأخطل كلمته لعبد الملك التي يقول فيها:
شمس العداوة حتى يستقاد لهم … وأعظم الناس أحلاما إذا قدروا
قال: خذ بيده يا غلام فأخرجه، ثم ألق عليه من الخلع ما يغمره، ثم قال: إن لكل قوم شاعرا، وشاعر بني أمية الأخطل.
وقال الأصمعي: دخل الأخطل على عبد الملك، فقال: ويحك صف لي السكر، قال: أوله لذة، وآخره صداع، وبين ذلك حالة لا أصف لك مبلغها، فقال: ما مبلغها؟ قال: لملكك يا أمير المؤمنين عندها أهون على من شسع نعلي، وأنشأ يقول:
إذا ما نديمي علني ثم علني … ثلاث زجاجات لهن هدير
خرجت أجر الذيل تيها كأنني … عليك أمير المؤمنين أمير
قال الثعالبي: كان عبد الملك يقول: ولدت في رمضان، وفطمت في رمضان، وختمت القرآن في رمضان وبلغت الحلم في رمضان، ووليت في رمضان، وأتتني الخلافة في رمضان، وأخشى أن أموت في رمضان، فلما دخل شوال وأمن مات.
وممن مات في أيام عبد الملك من الأعلام: ابن عمر، وأسماء بنت الصديق، وأبو سعيد بن المعلى، وأبو سعيد الخدري، ورافع بن خديج، وسلمة بن الأكوع، والعرباض بن سارية، وجابر بن عبد الله، وعبد الله بن جعفر بن أبي طالب، والسائب بن يزيد، وأسلم مولى عمر، وأبو إدريس الخولاني، وشريح القاضي، وأبان بن عثمان بن عفان، والأعشى الشاعر، وأيوب بن القرية الذي يضرب به المثل في الفصاحة، وخالد بن يزيد بن معاوية،
стр. 178
وذر بن حبيش، وسنان بن سلمة بن المحبق، وسويد بن غفلة، وأبو وائل، وطارق بن شهاب، ومحمد ابن الحنفية، وعبد الله بن شداد بن الهاد، وأبو عبيد بن عبد الله بن مسعود، وعمرو بن حريث، وعمرو بن سلمة الجرمي، وآخرون.
стр. 179
الوليد بن عبد الملك (١).
الوليد بن عبد الملك، أبو العباس، قال الشعبي: كان أبواه يترفانه، فشب بلا أدب.
قال روح بن زبناع: دخلت يوما على عبد الملك -وهو مهموم- فقال: فكرت فيمن أوليه أمر العرب، فلم أجده، فقلت أين أنت من الوليد؟ قال: إنه لا يحسن النحو، فسمع ذلك الوليد، فقام من ساعته، وجمع أصحاب النحو، وجلس معهم في بيت ستة أشهر، ثم خرج وهو أجهل مما كان، فقال عبد الملك: أما إنه قد أعذر.
وقال أبو الزناد: كان الوليد لحانا، قال على منبر المسجد النبوي: يا أهل المدينة.
وقال أبو عكرمة الضبي؟ قرأ الوليد على المنبر: يا ليتها كانت القاضية، وتحت المنبر عمر بن عبد العزيز وسليمان بن عبد الملك، فقال سليمان: وددتها والله.
وكان الوليد جبارا، ظالما.
وأخرج أبو نعيم في الحلية عن ابن شوذب قال: قال عمر بن عبد العزيز -وكان الوليد بالشام، والحجاج بالعراق، وعثمان بن جبارة بالحاجز، وقرة بن شريك بمصر-: امتلأت الأرض والله جورا (٢).
وأخرج ابن أبي حاتم في تفسيره عن إبراهيم بن أبي زرعة، أن الوليد قال له: أيحاسب الخليفة؟ قال: يا أمير المؤمنين، أنت أكرم على الله أم داود؟ إن الله جمع له النبوة والخلافة ثم توعده في كتابه فقال: ﴿يا داوود﴾ الآية [ص: ٢٦]، لكنه أقام الجهاد في أيامه، وفتحت في خلافته فتوحات عظيمة، وكان ذلك يختن الأيتام، ويرتب لهم المؤدبين، ويرتب للزمني من يخدمهم، وللأضراء من يقودهم، وعمر المسجد النبوي ووسعه، ورزق الفقهاء والضعفاء والفقراء، وحرم عليهم سؤال الناس، وفرض لهم ما يكفيهم، وضبط الأمور أتم ضبط.
وقال ابن أبي عبلة: رحم الله الوليد وأين مثل الوليد؟ افتتح الهند والأندلس، وبنى مسجد دمشق، وكان يعطيني قطع الفضة أقسمها على قراء مسجد بيت المقدس.
ولي الوليد الخلافة بعهد من أبيه في شوال سنة ست وثمانين، ففي سنة سبع وثمانين شرع في بناء جامع دمشق، وكتب بتوسيع المسجد النبوي وبنائه، وفيها فتحت بيكند، وبخارى، وسردانية، ومطمورة، وقميقم، وبحيرة الفرسان عنوة، وفيها حج بالناس عمر بن عبد العزيز، وهو أمير المدينة، فوقف يوم النحر غلطا، وتألم لذلك.
وفي سنة ثمان وثمانين فتحت جرثومة، وطوانة.
стр. 180
وفي سنة تسع وثمانين فتحت جزيرتا منورقة وميورقة.
وفي سنة إحدى وتسعين فتحت نسف، وكش، وشومان، ومدائن وحصون من بحر أذربيجان.
وفي سنة اثنتين وتسعين فتح الأندلس بأسره، ومدينة أرامبيل وقتربون.
وفي سنة ثلاث وتسعين فتحت الديبل، وغيرها ثم الكرخ، وبرهم، وباجة، والبيضاء، وخوارزم، وسمرقند، والصغد.
وفي سنة أربع وتسعين فتحت كابل، وفرغانة، والشاش، وسندرة، وغيرها.
وفي سنة ست وتسعين فتحت طوس، وغيرها، وفيها مات الخليفة الوليد في نصف جمادى الآخرة، وله إحدى وخمسون سنة.
قال الذهبي: أقام الجهاد في أيامه، وفتحت فيها الفتوحات العظيمة، كأيام عمر بن الخطاب.
قال عمر بن عبد العزيز: لما وضعت الوليد في لحده إذا هو يركض بين أكفانه، يعني ضرب الأرض برجله.
ومن كلام الوليد: لولا أن الله ذكر آل لوط في القرآن ما ظننت أن أحدا يفعل هذا.
مات في أيام الوليد من الأعلام: عتبة بن عبد السلمي، والمقدام بن معد يكرب، وعبد الله بن بشر المازني، وعبد الله بن أبي أوفى، وأبو العالية، وجابر بن زيد، وأنس بن مالك، وسهل بن سعد، والسائب بن يزيد، والسائب بن خلاد، وخبيب بن عبد الله بن الزبير، وبلال بن أبي الدرداء، وسعيد بن المسيب، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وسعيد بن جبير شهيدا، قتله الحجاج لعنه الله، وإبراهيم النخعي، ومطرف، وإبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، والعجاج الشاعر، وآخرون.