← История

История · id 30182

تاريخ الخلفاء - ط الباز

الجلال السيوطي

Полный текст (437 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

وأخرج ابن مردويه من طريق ميمون بن مهران عن ابن عمر، قال: كان عمر يخطب يوم الجمعة، فعرض في خطبته أن قال: يا سارية الجبل، من استرعى الذئب ظلم، فالتفت الناس بعضهم لبعض، فقال لهم علي: ليخرجن مما قال، فلما فرغ سألوه فقال: وقع في خلدي أن المشركين هزموا إخواننا وإنهم يمرون بجبل، فإن عدلوا إليه قاتلوا من وجه واحد، وإن جاوزوا هلكوا، فخرج مني ما تزعمون أنكم سمعتموه، قال: فجاء البشير بعد شهر فذكر أنهم سمعوا صوت عمر في ذلك اليوم قال: فعدلنا إلى الجبل ففتح الله علينا. وأخرج أبو نعيم في الدلائل عن عمرو بن الحارث قال: بينما عمر بن الخطاب على المنبر يخطب يوم الجمعة إذ ترك الخطبة فقال: يا سارية الجبل، مرتين أو ثلاثا، ثم أقبل على خطبته، فقال بعض الحاضرين: لقد جن! إنه لمجنون، فدخل عليه عبد الرحمن بن عوف وكان يطمئن إليه، فقال: لشد ما ألومهم عليك إنك لتجعل لهم على نفسك مقالا، بينا أنت تخطب إذ أنت تصيح يا سارية الجبل، أي شيء هذا؟ قال: إني والله ما ملكت ذلك، رأيتهم يقاتلون عند جبل يؤتون من بين أيديهم ومن خلفهم، فلم أملك أن قلت: يا سارية الجبل، ليلحقوا بالجبل، فلبثوا إلى أن جاء رسول سارية بكتابه: إن القوم لقونا يوم الجمعة، فقاتلناهم حتى إذا حضرت الجمعة ودار حاجب الشمس سمعنا مناديا ينادي: يا سارية الجبل مرتين، فلحقنا بالجبل، فلم نزل قاهرين لعدونا حتى هزمهم الله وقتلهم، فقال أولئك الذين طعنوا عليه: دعوا هذا الرجل فإنه مصنوع له. وأخرج أبو القاسم بن بشران في فوائده من طريق موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر قال: قال عمر بن الخطاب لرجل: ما اسمك؟ قال جمرة، قال ابن من؟ قال ابن شهاب: قال: ممن؟ من الحرقة، قال: أين مسكنك؟ قال الحرة، قال بأيها؟ قال: بذات لظى، فقال عمر: أدرك أهلك فقد احترقوا، فرجع الرجل فوجد أهله قد احترقوا (١). وأخرج مالك في الموطأ عن يحيى بن سعيد نحوه، وأخرجه ابن دريد في الأخبار المنثورة، وابن الكلبي في الجامع وغيرهم. وقال أبو الشيخ في كتاب العظمة، حدثنا أبو الطيب، حدثنا علي بن داود، حدثنا عبد الفتاح بن صالح، حدثنا عبد الله بن صالح، حدثنا ابن لهيعة، عن قيس بن الحجاج، عمن حدثه، قال: لما فتحت مصر أتى أهلها عمرو بن العاص حين دخل يوم من أشهر العجم، فقالوا: يا أيها الأمير إن لنيلنا هذا سنة لا يجري إلا بها، قال: وما ذاك؟ قالوا: إذا كان إحدى عشرة ليلة تخلو من هذا الشهر عمدنا إلى جارية بكر بين أبويها فأرضينا أبويها وجعلنا عليها من الثياب والحلي أفضل ما يكون ثم ألقيناها في هذا النيل، فقال لهم عمرو: إن هذا لا يكون أبدا في الإسلام، وإن الإسلام يهدم ما كان قبله، فأقاموا والنيل لا يجري

стр. 107

قليلا ولا كثيرا، حتى هموا بالجلاء، فلما رأى ذلك عمرو كتب إلى عمر بن الخطاب بذلك، فكتب له أن: قد أصبت بالذي قلت، وإن الإسلام يهدم ما كان قبله، وبعث بطاقة في داخل كتابه، وكتب إلى عمرو: إني قد بعثت إليك ببطاقة في داخل كتابي فألقها في النيل، فلما قدم كتاب عمر إلى عمرو بن العاص أخذ البطاقة ففتحها، فإذا فيها: من عبد الله عمر بن الخطاب أمير المؤمنين إلى نيل مصر: أما بعد، فإن كنت تجري من قبلك فلا تجر، وإن كان الله يجريك فأسأل الله الواحد القهار أن يجريك، فألقى البطاقة في النيل قبل الصليب بيوم، فأصبحوا وقد أجراه الله تعالى ستة عشر ذراعا في ليلة واحدة، فقطع الله تلك السنة عن أهل مصر إلى اليوم (١). وأخرج ابن عساكر عن طارق بن شهاب، قال: إن كان الرجل ليحدث عمر الحديث فيكذبه الكذبة فيقول: احبس هذه، ثم يحدثه بالحديث فيقول: احبس هذه، فيقول له: كل ما حدثتك حق إلا ما أمرتني أن أحبسه. وأخرج عن الحسن قال: إن كان أحد يعرف الكذب إذا حدث به فهو عمر بن الخطاب. وأخرج البيهقي في الدلائل عن أبي هدبة الحمصي قال: أخبر عمر بأن أهل العراق قد حصبوا (٢) أميرهم فخرج غضبان، فصلى فسها في صلاته، فلما سلم قال: اللهم إنهم قد لبسوا علي فألبس عليهم، وعجل عليهم بالغلام الثقفي يحكم فيهم بحكم الجاهلية: لا يقبل من محسنهم، ولا يتجاوز عن مسيئهم، قلت: أشار به إلى الحجاج، قال ابن لهيعة: وما ولد الحجاج يومئذ (٣). فصل: في نبذ من سيرته أخرج ابن سعد عن الأحنف بن قيس قال: كنا جلوسا بباب عمر، فمرت جارية، فقالوا: سرية أمير المؤمنين، قال: ما هي لأمير المؤمنين بسرية، ولا تحل له، إنها من مال الله، فقلنا: فماذا يحل له من مال الله تعالى؟ قال: إنه لا يحل لعمر من مال الله إلا حلتين: حلة للشتاء، وحلة للصيف، وما أحج به وأعتمر، وقوتي وقوت أهلي كرجل من قريش ليس بأغناهم ولا بأفقرهم، ثم أنا بعد رجل من المسلمين (٤). وقال خزيمة بن ثابت: كان عمر إذا استعمل عاملا كتب له، واشترط عليه ألا يركب برذونا (٥)، ولا يأكل نقيا، ولا يلبس رقيقا، ولا يغلق بابه دون ذوي الحاجات، فإن فعل فقد حلت عليه العقوبة. وقال عكرمة بن خالد وغيره: إن حفصة وعبد الله وغيرهما كلموا عمر، فقالوا: لو

стр. 108

أكلت طعاما طيبا كان أقوى لك على الحق، قال: أكلكم على هذا الرأي؟ قالوا: نعم، قال: قد علمت نصحكم، ولكني تركت صاحبي على جادة، فإن تركت جادتهما لم أدركهما في المنزل. قال: وأصاب الناس سنة، فما أكل عامئذ سمنا، ولا سمينا. وقال ابن مليكة: كلم عتبة بن فرقد عمر في طعامه، فقال: ويحك آكل طيباتي في حياتي الدنيا وأستمتع بها؟. وقال الحسن: دخل عمر على ابنه عاصم وهو يأكل لحما، فقال: ما هذا؟ قال: قرمنا (١) إليه، قال: أو كلما قرمت إلى شيء أكلته؟ كفى بالمرء سرفا أن يأكل كل ما اشتهى. وقال أسلم: قال عمر: لقد خطر على قلبي شهوة السمك الطري، قال: فرحل يرفأ (٢) راحلته، وسار أربعا مقبلا، وأربعا مدبرا، واشترى مكتلا، فجاء به، وعمد إلى الراحلة، فغسلها، فأتى عمر، فقال: انطلق حتى أنظر إلى الراحلة، فنظر وقال: أنسيت أن تغسل هذا العرق الذي تحت أذنيها، عذبت بهيمة في شهوة عمر؟! لا والله لا يذوق عمر مكتلك. وقال قتادة: كان عمر يلبس -وهو خليفة- جبة من صوف مرقوعة بعضها بأدم، ويطوف في الأسواق على عاتقه الدرة يؤدب بها الناس، ويمر بالنكث (٣) والنوى فيلتقطه ويلقيه في منازل الناس ينتفعون به. وقال أنس: رأيت بين كتفي عمر أربع رقاع في قيمصه وقال أبو عثمان النهدي: رأيت على عمر إزارا مرفوعا بأدم، وقال عبد الله بن عامر بن ربيعة: حججت مع عمر، فما ضرب فسطاطا ولا خباء، كان يلقي الكساء والنطع على الشجرة ويستظل تحته، وقال عبد الله ابن عيسى: كان في وجه عمر بن الخطاب خطان أسودان من البكاء، وقال الحسن: كان عمر يمر بالآية من ورده فيسقط حتى يعاد منها أياما، وقال أنس: دخلت حائطا فسمعت عمر يقول، وبيني وبينه جدار، عمر بن الخطاب أمير المؤمنين، بخ بخ والله لتتقين الله يابن الخطاب أو ليعذبنك الله، وقال عبد الله بن عامر بن ربيعة: رأيت عمر أخذ نبتة من الأرض فقال: ليتني كنت هذه النبتة، يا ليتني لم أكن شيئا، ليت أمي لم تلدني، وقال عبد الله بن عمر بن حفص: حمل عمر بن الخطاب قربة على عنقه، فقيل له في ذلك، فقال: إن نفسي أعجبتني فأردت أن أذلها، وقال محمد بن سيرين، قدم صهر لعمر عليه، فطلب أن يعطيه من بيت المال، فانتهره عمر، وقال: أردت أن ألقى الله ملكا خائنا؟ ثم أعطاه من صلب ماله عشرة آلاف درهم، وقال النخعي: كان عمر يتجر وهو خليفة، وقال أنس: تقرقر بطن عمر من أكل الزيت عام الرمادة، وكان قد حرم على نفسه السمن فنقر بطنه

стр. 109

بإصبعه وقال: إنه ليس عندنا غيره حتى يحيا الناس، وقال سفيان بن عيينة: قال عمر بن الخطاب: أحب الناس إلي من رفع إلي عيوبي وقال أسلم: رأيت عمر بن الخطاب يأخذ بأذن الفرس، ويأخذ بيده الأخرى أذنه، ثم ينزو على متن الفرس، وقال ابن عمر: ما رأيت عمر غضب قط فذكر الله عنده أو خوف أن قرأ عنده إنسان أية من القرآن إلا وقف عما كان يريد، وقال بلال لأسلم: كيف تجدون عمر؟ فقال: خير الناس إلا أنه إذا غضب فهو أمر عظيم، فقال بلال: لو كنت عنده إذا غضب قرأت عليه القرآن حتى يذهب غضبه، وقال الأحوص بن حكيم عن أبيه: أتى عمر بلحم فيه سمن، فأبى أن يأكلهما، وقال: كل واحد منهما أدم. وأخرج هذه الآثار كلها ابن سعد. وأخرج ابن سعد عن الحسن قال: قال عمر: هان شيء أصلح به قوما أن أبدلهم أميرا مكان أمير (١). فصل: في صفته ﵁ أخرج ابن سعد والحاكم عن ذر قال: خرجت مع أهل المدينة في يوم عيد، فرأيت عمر يمشي حافيا شيخا أصلع آدم أعسر طوالا مشرفا على الناس كأنه على دابة، قال الواقدي لا يعرف عندنا أن عمر كان آدم، إلا أن يكون رآه عام الرمادة فإنه كان تغير لونه حين أكل الزيت (٢). وأخرج ابن سعد عن ابن عمر أنه وصف عمر فقال: رجل أبيض تعلوه حمرة طوال أصلع أشيب. وأخرج عن عبيد بن عمير قال: كان عمر يفوق الناس طولا. وأخرج عن سلمة بن الأكوع قال: كان عمر رجلا أعسر يسر يعني يعتمل بيديه جميعا، وأخرج ابن عساكر عن أبي رجاء العطاردي قال: كان عمر رجلا طويلا جسيما أصلع شديد الصلع أبيض شديد الحمرة في عارضيه خفة، سبلته كبيرة، وفي أطرافها صهبة. وفي تاريخ ابن عساكر من طرق أن أم عمر بن الخطاب: حنتمة بنت هشام بنت المغيرة أخت أبي جهل بن هشام، فكان أبو جهل خاله. فصل: في خلافته ﵁ ولي الخلافة بعهد أبي بكر في جمادى الآخرة سنة ثلاث عشرة. قال الزهري: استخلف عمر يوم توفي أبو بكر، وهو يوم الثلاثاء لثمان بقين من جمادى الآخرة، أخرجه الحاكم، فقام بالأمر أتم قيام.

стр. 110

وكثرت الفتوح في أيامه ففي سنة أربع عشرة فتحت دمشق ما بين صلح وعنوة، وحمص، وبعلبك صلحا، والبصرة والأبلة، كلاهما عنوة. وفيها جمع عمر الناس على صلاة التراويح، قاله العسكري في الأوائل. وفي سنة خمس عشرة فتحت الأردن كلها عنوة إلا طبرية فإنها فتحت صلحا، وفيها كانت وقعت اليرموك والقادسية. قال ابن جرير، وفيها مصر سعد الكوفة، وفيها فرض عمر الفروض، ودون الدواوين، وأعطى العطاء على السابقة. وفي سنة ست عشرة فتحت الأهواز والمدائن، وأقام بها سعد الجمعة في إيوان كسرى، وهي أول جمعة جمعت بالعراق، وذلك في صفر، وفيها كانت وقعة جلولاء، وهزم يزدجرد بن كسرى وتقهقر إلى الري، وفيها فتحت تكريت، وفيها سار عمر ففتح بيت المقدس، وخطب بالجابية خطبته المشهورة، وفيها فتحت قنسرين عنوة، وحلب، وأنطاكية، ومنبج صلحا، وسروج عنوة، وفيها فتحت قرقيسياء صلحا، وفي ربيع الأول كتب التاريخ من الهجرة بمشورة علي. وفي سنة سبع عشرة زاد عمر في المسجد النبوي، وفيها كان القحط بالحجاز، وسمي عام الرمادة واستقى عمر للناس بالعباس. أخرج ابن سعد، عن نيار الأسلمي: أن عمر لما خرج يستسقي خرج وعليه برد الرسول ﷺ (١). وأخرج عن ابن عون قال: أخذ عمر بيد العباس ثم رفعها، وقال: اللهم إنا نتوسل إليك بعم نبيك أن تذهب عنا المحل (٢)، وأن تسقينا الغيث، فلم يبرحوا حتى سقوا، فأطبقت السماء عليهم أياما (٣). وفيها فتحت الأهواز صلحا. وفي سنة ثمان عشرة فتحت جنديسابور صلحا، وحلوان عنوة، وفيها كان طاعون عمواس، وفيها فتحت الرها، وسيميساط عنوة، وحران ونصيبين وطائفة من الجزيرة عنوة وقيل: صلحا والموصل ونواحيها عنوة. وفي سنة تسع عشرة فتحت قيسارية عنوة. وفي سنة عشرين فتحت مصر عنوة، وقيل: مصر صلحا إلا الإسكندرية فعنوة، وقال

стр. 111

علي بن رباح: المغرب كله عنوة، وفيها فتحت تستر، وفيها هلك قيصر عظيم الروم، وفيها أجلى عمر اليهود عن خيبر وعن نجران، وقسم خيبر ووادي القرى. وفي سنة إحدى وعشرين فتحت الإسكندرية عنوة، ونهاوند، ولم يكن للأعاجم بعدها جماعة، وبرقة وغيرها. وفي سنة اثنتين وعشرين فتحت أذربيجان عنوة، وقيل: صلحا والدينور عنوة، وماسبذان عنوة، وهمذان عنوة، وطرابلس المغرب، والري، وعسكر، وقومس. وفي سنة ثلاث وعشرين كان فتح كرمان، وسجستان، ومكران من بلاد الجبل وأصبهان ونواحيها. مقتله ووصيته وفي آخرها كانت وفاة سيدنا عمر ﵁ بعد صدوره من الحج، شهيدا. قال سعيد بن المسيب: لما نفر عمر من منى أناخ بالأبطح، ثم استلقى ورفع يديه إلى السماء، وقال: اللهم كبرت سني، وضعفت قوتي، وانتشرت رعيتي، فاقبضني إليك غير مضيع ولا مفرط، فما انسلخ ذو الحجة حتى قتل، أخرجه الحاكم (١). وقال أبو صالح السمان: قال كعب الأحبار لعمر: أجدك في التوارة تقتل شهيدا، قال: وأنى لي بالشهادة وأنا؟ بجزيرة العرب؟! وقال أسلم: قال عمر: اللهم ارزقني الشهادة في سبيلك واجعل موتي في بلد رسولك (٢). أخرجه البخاري. وقال معدان بن أبي طلحة: خطب عمر فقال: رأيت كأن ديكا نقرني نقرة أو نقرتين، وإني لا أراه إلا حضور أجلي، وإن قوما يأمرونني أن أستخلف وإن الله لم يكن ليضيع دينه ولا خلافته، فإن عجل بي أمر فالخلافة شورى بين هؤلاء الستة الذين توفي رسول الله ﷺ وهو راض عنهم (٣). أخرجه الحاكم. وقال الزهري: كان عمر ﵁ لا يأذن لصبي قد احتلم في دخول المدينة حتى كتب إليه المغيرة بن شعبة وهو على الكوفة يذكر له غلاما عنده جملة صنائع، ويستأذنه أن يدخل المدنية، ويقول: إن عنده أعمالا كثيرة فيها منافع للناس، إنه حداد، نقاش، نجار، فأذن له عمر أن يرسله إلى المدينة، وضرب عليه المغيرة مائة درهم في الشهر، فجاء إلى عمر يشتكي شدة الخراج، فقال: ما خراجك بكثير، فانصرف ساخطا يتذمر، فلبث عمر ليالي ثم دعاه فقال: ألم أخبر أنك تقول: أو أشاء لصنعت رحى تطحن بالريح؟ فالتفت إلى عمر عابسا وقال: لأصنعن لك رحى يتحدث الناس بها، فلما ولى قال عمر لأصحابه: أوعدني

стр. 112

العبد آنفا، ثم اشتمل أبو لؤلؤة على خنجر ذي رأسين، نصابه في وسطه، فكمن بزاوية من زوايا المسجد في الغلس (١)، فلم يزل هناك حتى خرج عمر يوقظ الناس للصلاة، فلما دنى منه طعنه ثلاث طعنات (٢). أخرجه ابن سعد. وقال عمرو بن ميمون الأنصاري: إن أبا لؤلؤة عبد المغيرة طعن عمر بخنجر له رأسان، وطعن معه اثني عشر رجلا مات منهم ستة، فألقى عليه رجل من أهل العراق ثوبا، فلما اغتم فيه قتل نفسه. وقال أبو رافع: كان أبو لؤلؤة عبد المغيرة يصنع الأرحاء، وكان المغيرة يستغله كل يوم أربعة دراهم، فلقى عمر فقال: يا أمير المؤمنين إن المغيرة قد أثقل علي فكلمه، فقال: أحسن إلى مولاك، ومن نية عمر أن يكلم المغيرة فيه، فغضب، وقال: يسع الناس كلهم عدله غيري، وأضمر قتله، واتخذ خنجرا وشحذه وسمه، وكان عمر يقول: أقيموا صفوفكم قبل أن يكبر، فجاء فقام حذاءه في الصف وضربه في كتفه وفي خاصرته فسقط عمر، وطعن ثلاثة عشر رجلا معه فمات منهم ستة، وحمل عمر إلى أهله، وكادت الشمس تطلع، فصلى عبد الرحمن بن عوف بالناس بأقصر سورتين، وأتي عمر بنبيذ فشربه فخرج من جرحه فلم يتبين، فسقاه لبنا فخرج من جرحه، فقالوا: لا باس عليك، فقال: إن يكن بالقتل بأس فقد قتلت فجعل الناس يثنون عليه ويقولون: كنت، وكنت، فقال: أما والله لوددت أني خرجت منهاكفافا لا علي ولا لي، وأن صحبة رسول الله ﷺ سلمت لي، وأثنى عليه ابن عباس فقال: لو أن لي طلاع الأرض ذهبا لافتديت به من هول المطلع، وقد جعلتها شورى في عثمان، وعلي، وطلحة، والزبير، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد، وأمر صهيبا أن يصلي بالناس، وأجل الستة ثلاثا (٣). أخرجه الحاكم. وقال ابن عباس: كان أبو لؤلؤة مجوسيا. وقال عمرو بن ميمون: قال عمر: الحمد لله الذي لم يجعل منيتي بيد رجل يدعي الإسلام، ثم قال لابنه: يا عبد الله انظر ما علي من الدين، فحسبوه فوجدوه ستة وثمانين ألفا أو نحوها، فقال: إن وفى مال آل عمر فأده من أموالهم، وإلا فاسأل في بني عدي، فإن لم تف أموالهم فاسأل في قريش، اذهب إلى أم المؤمنين عائشة فقل: يستأذن عمر أن يدفن مع صاحبيه، فذهب إليها فقالت: كنت أريده -تعني المكان- لنفسي، ولأوثرنه اليوم على نفسي، فأتى عبد الله فقال: قد أذنت، فحمد الله تعالى وقيل له: أوص يا أمير المؤمنين واستخلف، قال: ما أرى أحدا أحق بهذا الأمر من هؤلاء النفر الذين توفي النبي ﷺ وهو راض عنهم، فسمى الستة، وقال: يشهد عبد الله بن عمر معهم وليس له من الأمر شيء، فإن أصابت الإمرة سعدا فهو ذاك، وإلا فليستعن به أيكم ما أمر، فإني لم أعزله من

стр. 113

عجز ولا خيانة، ثم قال: أوصي الخليفة من بعدي بتقوى الله، وأوصيه بالمهاجرين والأنصار، وأوصيه بأهل الأمصار خيرا في مثل ذلك من الوصية، فلما توفي خرجنا به نمشي، فسلم عبد الله بن عمر وقال: عمر يستأذن، فقالت عائشة: أدخلوه، فأدخل في موضع هناك مع صاحبيه، فلما فرغوا من دفنه ورجعوا اجتمع هؤلاء الرهط فقال عبد الرحمن بن عوف: اجعلوا أمركم إلى ثلاثة منكم، فقال الزبير: قد جعلت أمري إلى علي، وقال سعد: قد جعلت أمري إلى عبد الرحمن، وقال طلحة: قد جعلت أمري إلى عثمان، قال: فخلا هؤلاء الثلاثة، فقال عبد الرحمن: أنا لا أريدها، فأيكما يبرأ من هذا الأمر ونجعله إليه؟ والله عليه والإسلام لينظر أفضلهم في نفسه وليحرص على صلاح الأمة، فسكت الشيخان علي وعثمان، فقال عبد الرحمن: اجعلوه إلي، والله علي لا آلوكم عن أفضلكم، قالا: نعم، فخلا بعلي وقال: لك من القدم في الإسلام والقرابة من النبي ﷺ ما قد علمت، والله عليك لئن أمرتك لتعدلن، ولئت أمرت عليك لتسمعن ولتطيعن؟ قال: نعم، ثم خلا بالآخر فقال له كذلك، فلما أخذ ميثاقهما بايعه عثمان وبايعه علي. وفي مسند أحمد عن عمر أنه قال: إن أدركني أجلي وأبو عبيدة بن الجراح حي استخلفته، فإن سألني ربي قلت: سمعت النبي ﷺ يقول: "إن لكل نبي أمينا، وأميني أبو عبيدة بن الجراح". فإن أدركني أجلي وقد توفي أبو عبيدة استخلفت معاذ بن جبل، فإن سألني ربي: لم استخلفته؟ قلت: سمعت النبي ﷺ يقول: "إنه يحشر يوم القيامة بين يدي العلماء نبذة". وقد ماتا في خلافته (١). وفي المسند أيضا عن أبي رافع: أنه قيل لعمر عند موته في الاستخلاف، فقال: قد رأيت مع أصحابي حرصا سيئا، ولو أدركني أحد رجلين ثم جعلت هذا الأمر إليه لوثقت به: سالم مولى أبي حذيفة، وأبو عبيدة بن الجراح. أصيب عمر يوم الأربعاء لأربع بقين من ذي الحجة، ودفن يوم الأحد مستهل المحرم الحرام، وله ثلاث وستون سنة، وقيل: ست وستون سنة، وقيل: إحدى وستون، وقيل: ستون، ورجحه الواقدي وقيل: تسع وخمسون، وقيل: خمس أو أربع وخمسون، وصلى عليه صهيب في المسجد. وفي تهذيب المزني: كان نقش خاتم عمر: كفى بالموت واعظا يا عمر. وأخرج الطبراني عن طارق بن شهاد قال: قالت أم أيمن يوم قتل عمر: اليوم وهي الإسلام (٢). وأخرج عبد الرحمن بن يسار قال: شهدت موت عمر بن الخطاب، فانكسفت الشمس يومئذ. ورجاله ثقات.

стр. 114

فصل: في أوليات عمر ﵁ قال العسكري: هو أول من سمي أمير المؤمنين، وأول من كتب التاريخ من الهجرة، وأول من اتخذ بيت المال، وأول من سن قيام شهر رمضان، وأول من عس (١) بالليل، وأول من عاقب على الهجاء، وأول من ضرب في الخمر ثمانين، وأول من حرم المتعة، وأول من نهى عن بيع أمهات الأولاد، وأول من جمع الناس في صلاة الجنائز على أربع تكبيرات، وأول من اتخذ الديوان، وأول من فتح الفتوح ومسح السواد، وأول من حمل الطعام من مصر في بحر أيلة إلى المدينة، وأول من احتبس صدقة في الإسلام، وأول من أعال الفرائض وأول من أخذ زكاة الخيل، وأول من قال: أطال الله بقاءك، قاله لعلي، وأول من قال: أيدك الله قاله لعلي. هذا آخر ما ذكره العسكري. وقال النووي في تهذيبه: هو أول من اتخذ الدرة، وكذا ذكره ابن سعد في الطبقات قال: لقد قيل بعده: لدرة عمر أهيب من سيفكم، قال: وهو أول من استقضى القضاء في الأمصار، وأول من مصر الأمصار: الكوفة، والبصرة، والجزيرة، والشام، ومصر، والموصل. وأخرج ابن عساكر عن إسماعيل بن زياد قال: مر علي بن أبي طالب على المساجد في رمضان وفيها القناديل فقال: نور الله على عمر في قبره كما نور علينا في مساجدنا. فصل قال ابن سعد: اتخذ عمر دار الدقيق، فجعل فيها الدقيق، والسويق، والتمر، والزبيب، وما يحتاج إليه: يعين به المنقطع، ووضع فيما بين مكة والمدينة بالطريق ما يصلح من ينقطع به، وهدم المسجد النبوي، وزاد فيه ووسع وفرشه بالحصباء، وهو الذي أخرج اليهود من الحجاز إلى الشام، وأخرج أهل نجران إلى الكوفة، وهو الذي أخر مقام إبراهيم إلى موضعه اليوم، وكان ملصقا بالبيت (٢). فصل: في نبذ من أخباره وقضاياه أخرج العسكري في الأوائل، والطبراني في الكبير، والحاكم من طريق ابن شهاب، أن عمر بن عبد العزيز سأل أبا بكر بن سليمان بن أبي حثمة: لأي شيء كان يكتب: "من خليفة رسول الله ﷺ "، في عهد أبي بكر؟ ثم كان عمر يكتب أولا: "من خليفة أبي بكر"، فمن أول من كتب: "من أمير المؤمنين"؟ فقال حدثتني الشفاء وكانت من المهاجرات أن أبا بكر كان يكتب: "من خليفة رسول الله ﷺ "، وكان عمر يكتب: "من خليفة خليفة

стр. 115

رسول الله ﷺ "، حتى كتب عمر إلى عامل العراق أن يبعث إليه رجلين جلدين يسألهما عن العراق وأهله، فبعث إليه لبيد بن ربيعة، وعدي بن حاتم، فقدما المدينة، ودخلا، فوجدا عمرو بن العاص، فقالا: استأذن لنا على أمير المؤمنين فقال عمرو: أنتما والله أصبتما اسمه، فدخل عليه عمرو فقال: السلام عليك يا أمير المؤمين! فقال: ما بدا لك في هذا الاسم؟ لتخرجن مما قلت، فأخبره، وقال: أنت الأمير ونحن المؤمنون، فجرى الكتاب بذلك من يومئذ (١). وقال النووي في تهذيبه: سماه بهذا الاسم عدي بن حاتم ولبيد بن ربيعة حين وفدا عليه من العراق، وقيل: سماه به المغيرة بن شعبة، وقيل: إن عمر قال للناس: أنتم المؤمنون وأنا أميركم، فسمي أمير المؤمنين، وكان قبل ذلك يقال له: خليفة خليفة رسول الله ﷺ فعدلوا عن تلك العبارة لطولها. وأخرج ابن عساكر عن معاوية بن قرة قال: كان يكتب: من أبي بكر خليفة رسول الله ﷺ ، فلما كان عمر بن الخطاب أرادوا أن يقولوا: خليفة خليفة رسول الله، قال عمر: هذا يطول، قالوا: لا، ولكنا أمرناك علينا، فأنت أميرنا، قال: نعم، أنتم المؤمنون وأنا أميركم فكتب: أمير المؤمنين. وأخرج البخاري في تاريخه، عن ابن المسيب قال: أول من كتب التاريخ عمر بن الخطاب لسنتين ونصف من خلافته، فكتب لست عشرة من الهجرة بمشورة علي. وأخرج السلفي في الطيوريات بسند صحيح، عن ابن عمر، عن عمر: أنه أراد أن يكتب السنن، فاستخار الله شهرا فأصبح وقد عزم له، ثم قال: إني ذكرت قوما كانوا قبلكم كتبوا كتابا، فأقبلوا عليه وتركوا كتاب الله. وأخرج ابن سعد عن شداد قال: كان أول كلام تكلم به عمر حين صعد المنبر أن قال: اللهم إني شديد فليني، وإني ضعيف فقوني، وإني بخيل فسخني. وأخرج ابن سعد وسعيد بن منصور وغيرهما من طرق، عن عمر أنه قال: إني أنزلت نفسي من مال الله منزلة والي اليتيم من ماله: إن أيسرت استعففت، وإن افتقرت أكلت بالمعروف، فإن أيسرت قضيت. وأخرج ابن سعد عن ابن عمر: أن عمر بن الخطاب كان إذا احتاج أتى صاحب البيت، فاستقرضه، فربما أعسر فيأتيه صاحب المال يتقاضاه فيلزمه، فيحتال له عمر، وربما خرج عطاؤه، فقضاه (٢). وأخرج ابن سعد عن البراء بن معرور، أن عمر خرج يوما حتى أتى المنبر، وكان قد اشتكى شكوى، فنعت له العسل، وفي بيت المال عكة (٣)، فقال: إن أذنتم لي فيها أخذتها، وإلا فهي حرام علي، فأذنوا له (٤).

стр. 116

وأخرج عن سالم بن عبد الله: أن عمر كان يدخل يده في دبرة البعير، ويقول: إني لخائف أن أسأل عما بك. وأخرج عن ابن عمر قال: كان عمر إذا أراد أن ينهى الناس عن شيء تقدم إلى أهله، فقال: لا أعلمن أحدا وقع في شيء مما نهيت عنه إلا أضعفت عليه العقوبة. وروينا من غير وجه: أن عمر بن الخطاب خرج ذات ليلة يطوف بالمدينة وكان يفعل ذلك كثيرا؛ إذ مر بامرأة من نساء العرب مغلقا عليها بابها، وهي تقول: تطاول هذا الليل تسري كواكبه … وأرقني أن لا ضجيع ألاعبه فوالله لولا الله تخشى عواقبه … لزحزح من هذا السرير جوانبه ولكنني أخشى رقيبا موكلا … بأنفسنا لا يفتر الدهر كاتبه مخافة ربي والحياء يصدني … وأكرم بعلي أن تنال مراتبه فكتب إلى عماله بالغزو ألا يغيب أحد أكثر من أربعة أشهر. وأخرج ابن سعد عن زاذان عن سلمان أن عمر قال له: أملك أنا أم خليفة؟ فقال له سلمان: إن أنت جبيت من أرض المسلمين درهما أو أقل أو أكثر ثم وضعته في غير حقه فأنت ملك غير خليفة، فاستعبر عمر (١). وأخرج عن سفيان بن أبي العرجاء قال: قال عمر بن الخطاب: والله ما أدري أخليفة أنا أم ملك؟ فإن كنت ملكا فهذا أمر عظيم، فقال قائل: يا أمير المؤمنين إن بينهما فرقا، قال: ما هو؟ قال: الخليفة لا يأخذ إلا حقا ولا يضعه إلا في الحق، وأنت بحمد الله كذلك، والملك يعسف الناس، فيأخذ من هذا ويعطي هذا، فسكت عمر (٢). وأخرج عن ابن مسعود ﵁ قال: ركب عمر فرسا، فانكشف ثوبه عن فخذه، فرأى أهل نجران بفخذه شامة سوداء، فقالوا: هذا الذي نجد في كتابنا أنه يخرجنا من أرضنا. وأخرج عن سعد الجاري: أن كعب الأحبار قال لعمر إنا لنجدك في كتاب الله على باب من أبواب جهنم تمنع الناس أن يقعوا فيها، فإذا مت لم يزالوا يقحمون فيها إلى يوم القيامة. وأخرج عن أبي معشر قال: حدثنا أشياخنا أن عمر قال: إن هذا الأمر لا يصلح إلا بالشدة التي لا جبرية فيها، باللين الذي لا وهن فيه. وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف عن حيكم عن عمير قال: كتب عمر بن الخطاب: ألا لا يجلدن أمير جيش ولا سرية أحدا الحد حتى يطلع الدرب لئلا تحمله حمية الشيطان أن يلحق بالكفار. وأخرج ابن أبي حاتم في تفسيره عن الشعبي قال: كتب قيصر إلى عمر بن الخطاب: إن رسلي أتتني من قبلك فزعمت أن قبلكم شجرة ليست بخليفة شيء من الشجر، تخرج مثل

стр. 117

آذان الحمير، ثم تنشق عن مثل اللؤلؤ، ثم يخضر، فيكون كالزمرد الأخضر، ثم يحمر فيكون كالياقوت الأحمر، ثم يينع فينضج فيكون كأطيب فالوذج أكل، ثم ييبس فيكون عصمة، للمقيم وزادا للمسافر، فإن تكن رسلي صدقتني فلا أدري هذه الشجرة إلا من شجر الجنة، فكتب إليه عمر: من عبد الله أمير المؤمنين إلى قيصر ملك الروم: إن رسلك قد صدقوك هذه الشجرة عندنا هي الشجرة التي أنبتها الله على مريم حين نفست بعيسى ابنها، فاتق الله ولا تتخذ عيسى إلها من دون الله، فـ ﴿إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب﴾ الآية. [آل عمران: ٥٩]. وأخرج ابن سعد عن ابن عمر: أن عمر أمر عماله فكتبوا أموالهم، منهم سعد بن أبي وقاص فشاطرهم عمر في أموالهم، فأخذ نصفا وأعطاهم نصفا. وأخرج عن الشعبي: أن عمر كان إذا استعمل عاملا كتب ماله. وأخرج عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف قال: مكث عمر زمانا لا يأكل من بيت المال شيئا، حتى دخلت عليه في ذلك خصاصة (١)، فأرسل إلى أصحاب النبي ﷺ فاستشارهم فقال: قد شغلت نفسي في هذا الأمر، فما يصلح لي منه فقال علي: غداء وعشاء، فأخذ بذلك عمر (٢). وأخرج عن ابن عمر: أن عمر حج سنة ثلاث وعشرين فأنفق في حجته ستة عشر دينارا، فقال: يا عبد الله، أسرفنا في هذا المال. وأخرج عبد الرزاق في مصنفه عن قتادة والشعبي قالا: جاءت عمر امرأة فقالت: زوجي يقوم الليل ويصوم النهار، فقال عمر: لقد أحسنت الثناء على زوجك، فقال كعب بن سوار: لقد شكت، فقال عمر: كيف؟ قال: تزعم أنه ليس لها من زوجها نصيب، قال: فإذ قد فهمت ذلك فاقض بينهما، فقال: يا أمير المؤمنين أحل الله لنا من النساء أربعا، فلها من كل أربعة أيام يوم، ومن كل أربع ليال ليلة (٣). وأخرج عن ابن جرير قال: أخبرني من أصدقه أن عمر بينما هو يطوف سمع امرأة تقول: تطاول هذا الليل واسود جانبه … وأرقني أن لا خليل ألاعبه فلولا حذار الله لا شيء مثله … لزحزح من هذا السرير جوانبه فقال عمر: ما لك؟ قالت: أغزيت زوجي منذ أشهر، وقد اشتقت إليه، فقال: أردت سوءا؟ قالت: معاذ الله، فقال: فاملكي عليك نفسك، فإنما هو البريد إليه، فبعث إليه، ثم دخل على حفصة فقال: إني سائلك على أمر قد أهمني فافرجيه عني، كم تشتاق المرأة إلى زوجها؟ فخفضت رأسها واستحيت، قال: فإن الله لا يستحيي من الحق، فأشارت بيديها ثلاثة أشهر، وإلا فأربعة أشهر، فكتب عمر ألا تحبس الجيوش فوق أربعة أشهر (٤).

стр. 118

وأخرج عن جابر بن عبد الله: أنه جاء إلى عمر يشكو إليه ما يلقى من النساء، فقال عمر: إنا لنجد ذلك، حتى إني لأريد الحاجة فتقول لي: ما تذهب إلا إلى فتيات بني فلان تنظر إليهن، فقال له عبد الله بن مسعود: أما بلغك أن إبراهيم ﵇ شكا إلى الله خلق سارة، فقيل له: إنها خلقت من ضلع، فألبسها على ما كان فيها ما لم تر عليه خربة في دينها؟ وأخرج عن عكرمة بن خالد قال: دخل ابن لعمر بن الخطاب عليه وقد ترجل ولبس ثيابا حسانا، فضربه عمر بالدرة حتى أبكاه، فقالت له حفصة: لم ضربته؟ قال: رأيته قد أعجبته نفسه، فأحببت أن أصغرها إليه (١). وأخرج عن معمر عن ليث بن أبي سليم: أن عمر بن الخطاب قال: لا تسموا الحكم ولا أبا الحكم، فإن الله هو الحكم، ولا تسموا الطريق السكة. وأخرج البيهقي في شعب الإيمان عن الضحاك قال: قال أبو بكر: والله لوددت أني كنت شجرة إلى جنب الطريق، فمر علي بعير فأخذني فأدخلني فاه فلاكني ثم ازدردني (٢) ثم أخرجني بعرا، ولم أكن بشرا، فقال عمر: ياليتني كنت كبش أهلي، سمنوني ما بدا لهم حتى إذا كنت كأسمن ما يكون زارهم من يحبون فذبحوني لهم، فجعلوا بعضي شواء وبعضي قديدا ثم أكلوني، ولم أكن بشرا (٣). وأخرج ابن عساكر عن أبي البختري قال: كان عمر بن الخطاب يخطب على المنبر، فقام إليه الحسين بن علي ﵁، فقال: انزل عن منبر أبي، فقال عمر: منبر أبيك لا منبر أبي، من أمرك بهذا؟ فقام علي فقال: والله ما أمره بهذا أحد، أما لأوجعنك يا غدر، فقال: لا توجع ابن أخي، فقد صدق، منبر أبيه. إسناده صحيح. وأخرج الخطيب في أدب الراوي عن مالك من طريقه عن ابن شهاب عن أبي سلمة بن عبد الرحمن وسعيد بن المسيب: أن عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان كانا يتنازعان في المسألة بينهما حتى يقول الناظر: إنهما لا يجتمعان أبدا، فما يفترقان إلا على أحسنه وأجمله. وأخرج ابن سعد عن الحسن قال: أول خطبة خطبها عمر، حمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد، فقد ابتليت بكم وابتليتم بي، وخلفت فيكم بعد صاحبي، فمن كان بحضرتنا بشرناه بأنفسنا، ومن غاب عنا وليناه أهل القوة والأمانة، ومن يحسن نزده حسنا، ومن يسيء نعاقبه ويغفر الله لنا ولكم (٤). وأخرج عن جبير بن الحويرث: أن عمر بن الخطاب ﵁ استشار المسلمين في تدوين الديوان، فقال له علي: تقسم كل سنة ما اجتمع إليك من مال، ولا تمسك منه شيئا،

стр. 119

وقال عثمان: أرى مالا كثيرا يسع الناس وإن لم يحصوا حتى يعرف من أخذ ممن لم يأخذ خشيت أن يلتبس الأمر، فقال له الوليد بن هشام بن المغيرة، يا أمير المؤمنين قد جئت الشام فرأيت ملوكها قد دونوا ديوانا، وجندوا جنودا فأخذ بقوله، فدعا عقيل بن أبي طالب، ومخرمة بن نوفل، وجبير بن مطعم، وكانوا من نساب قريش، فقال: اكتبوا الناس على منازلهم، فكتبوا فبدءوا ببني هاشم، ثم أتبعوهم أبا بكر وقومه، ثم عمر وقومه على الخلافة، فلما نظر فيه عمر قال: ابدءوا بقرابة النبي ﷺ الأقرب فالأقرب حتى تضعوا عمر حيث وضعه الله (١). وأخرج عن سعيد بن المسيب قال: دون عمر الديوان في المحرم سنة عشرين. وأخرج عن الحسن قال: كتب عمر إلى حذيفة: أن أعطي الناس أعطيتهم وأرزاقهم، فكتب إليه: إنا قد فعلنا وبقي شيء كثير، فكتب إليه عمر: إنه فيئهم الذي أفاء الله عليهم، ليس هو لعمر ولا لآل عمر، اقسمه بينهم. وأخرج ابن سعد عن جبير بن مطعم قال: بينما عمر واقف على جبل عرفة سمع رجلا يصرخ، ويقول: يا خليفة رسول الله ﷺ فسمعه رجل آخر وهم يعتافون فقال: ما لك! فك الله لهواتك؟ فأقبلت على الرجل فصحت عليه، فقال جبير: فإني الغد واقف مع عمر على العقبة يرميها إذ جاءت حصاة عائرة (٢) ففتقت رأس عمر فقصدت، فسمعت رجلا من الجبل يقول: أشعرت ورب الكعبة ولا يقف عمر هذا الموقف بعد العام أبدا، وقال جبير: فإذا هو الذي صرخ فينا بالأمس، فاشتد ذلك علي (٣). وأخرج عن عائشة ﵂ قالت: لما كان آخر حجة حجها عمر بأمهات المؤمنين إذ صدرنا عن عرفة مررت بالمحصب فسمعت رجلا على راحتله يقول: أين كان عمر أمير المؤمنين؟ فسمعت رجلا آخر يقول: ههنا كان أمير المؤمنين، فأناخ راحلته ثم رفع عقيرته (٤) فقال: عليك سلام من إمام وباركت … يد الله في ذاك الأديم الممزق فمن يسع أو يركب جناحي … ليدرك ما قدمت بالأمس يسبق فلم يتحرك ذلك الركب ولم يدر من هو، فكنا نتحدث أنه من الجن، فقدم عمر من تلك الحجة، فطعن بالخنجر فمات (٥).

стр. 120

وأخرج عن عبد الرحمن بن أبزي عن عمر أنه قال: هذا الأمر في أهل بدر ما بقي منهم أحد، ثم في أهل أحد ما بقي منهم أحد، وفي كذا كذا، وليس فيها لطليق ولا لولد طليق ولا لمسلمة الفتح شيء. وأخرج عن النخعي أن رجلا قال لعمر: ألا تستخلف عبد الله بن عمر؟ فقال: قاتلك الله! والله ما أردت الله بهذا، أستخلف رجلا لم يحسن أن يطلق امرأته؟ وأخرج عن شداد بن أوس عن كعب قال: كان في بني إسرائيل ملك إذا ذكرناه ذكرنا عمر، وإذا ذكرنا عمر ذكرناه، وكان إلى جنبه نبي يوحى إليه، فأوحى الله إلى النبي أن يقول له: اعهد عهدك، واكتب إلي وصيتك، فإنك ميت إلى ثلاثة أيام، فأخبره النبي بذلك، فلما كان اليوم الثالث وقع بين الجدار والسرير، ثم جاء إلى ربه، فقال: اللهم إن كنت تعلم أني أعدل في الحكم، وإذا اختلفت الأمور اتبعت هداك وكنت وكنت، فزد في عمري حتى يكبر طفلي وتربو أمتي، فأوحى الله إلى النبي أنه قال كذا وكذا وقد صدق وقد زدته في عمره خمس عشرة سنة، ففي ذلك ما يكبر طفله وتربو أمته، فلما طعن عمر قال كعب: لئن سأل عمر ربه ليبقينه الله، فأخبر بذلك عمر، فقال: اللهم اقبضني إليك غير عاجز ولا ملوم (١). وأخرج عن سليمان بن يسار أن الجن ناحت على عمر. وأخرج الحاكم (٢) عن مالك بن دينار قال: سمع صوت بجبل تبالة حين قتل عمر ﵁: ليبك على الإسلام من كان باكيا … فقد أوشكوا صرعي وما قدم العهد وأدبرت الدنيا وأدبر خيرها … وقد ملها من كان يوقن بالوعد وأخرج ابن أبي الدنيا عن يحيى بن أبي راشد البصري قال: قال عمر لابنه: اقتصدوا في كفني، فإنه إن كان لي عند الله خير بدلني ما هو خير منه، وإن كنت غير ذلك سلبني فأسرع سلبي، اقتصدوا في حفرتي، فإنه إن كان لي عند الله خير أوسع لي فيها مد بصري، وإن كنت على غير ذلك ضيقها علي حتى تختلف أضلاعي، ولا تخرج معي امرأة، ولا تزكوني بما ليس في، فإن الله أعلم بي، فإذا خرجتم فأسرعوا في المشي، فإنه إن كان لي عند الله خير قدمتموني إلى ما هو خير لي، وإن كنت غير ذلك ألقيتم عن رقابكم شرا تحملونه. فصل أخرج ابن عساكر عن ابن عباس: أن العباس قال: سألت الله حولا بعدما مات عمر أن يرينيه في المنام، فرأيته بعد حول، وهو يسلت العرق عن جبينه، فقلت: بأبي أنت وأمي يا أمير المؤمنين، ما شأنك؟ فقال: هذا أوان فرغت، وإن كاد عرش عمر ليهد لولا أني لقيت رءوفا رحيما.

стр. 121

وأخرج أيضا عن زيد بن أسلم: أن عبد الله بن عمرو بن العاص رأى عمر في المنام، فقال: كيف صنعت؟ قال: متى فارقتكم؟ قال: منذ اثنتي عشرة سنة، قال: إنما انفلت الآن من الحساب. وأخرج ابن سعد عن سالم بن سالم بن عبد الله بن عمر قال: سمعت رجلا من الأنصار يقول: دعوت الله أن يريني عمر في المنام، فرأيته بعد عشر سنين، وهو يمسح العرق في جبينه، فقلت: يا أمير المؤمنين ما فعلت؟! قال: الآن فرغت، ولولا رحمة ربي لهلكت (١) وأخرج الحاكم (٢) عن الشعبي، قال: رثت عاتكة بنت زيد عمرو بن نفيل عمر، فقالت: عين جودي بعبرة ونحيب … لا تملي على الإمام الصليب فجعتني المنون بالفارس … المعلم يوم الهياج والتأنيب عصمة الدين والمعين على … الدهر وغيث الملهوف والمكروب قل لأهل الضراء والبؤس: موتوا … إذ سقتنا المنون كأس شعوب فصل: فيمن مات من الصحابة ﵃ أيامه مات في أيام عمر ﵁ من الأعلام: عتبة بن غزوان، والعلاء بن الحضرمي، وقيس بن السكن، وأبو قحافة والد الصديق ﵁ وسعد بن عبادة، وسهيل بن عمرو، وابن أم مكتوم المؤذن، وعياش بن أبي ربيعة، وعبد الرحمن أخو الزبير بن العوام، وقيس بن أبي صعصعة أحد من جمع القرآن، ونوفل بن الحارث بن عبد المطلب، وأخوه أبو سفيان، ومارية أم السيد إبراهيم، وأبو عبيدة بن الجراح، ومعاذ بن جبل، ويزيد بن أبي سفيان، وشرحبيل بن حسنة، والفضل بن العباس، وأبو جندل بن سهيل، وأبو مالك الأشعري، وصفوان بن المعطل، وأبي بن كعب، وبلال المؤذن، وأسيد بن حضير، والبراء بن مالك أخو أنس، وزينب بنت جحش، وعياض بن غنم، وأبو الهيثم بن التيهان، وخالد بن الوليد، والجارود سيد بني عبد القيس، والنعمان بن مقرن، وقتادة بن النعمان، والأقرع بن حابس، وسودة بنت زمعة، وعويم بن ساعدة، وغيلان الثقفي، وأبو محجن الثقفي، وخلائق آخرون من الصحابة ﵃ أجمعين.

стр. 122

عثمان بن عفان ﵁ (١) عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن

стр. 123

مرة بن كعب بن لؤي بن غالب، القرشي، الأموي المكي، ثم المدني أبو عمرو، ويقال: أبو عبد الله، أبو ليلى. ولد في السنة السادسة من الفيل، وأسلم قديما، وهو ممن دعاه الصديق إلى الإسلام، وهاجر الهجرتين: الأولى إلى الحبشة، والثانية إلى المدينة. وتزوج رقية بنت الرسول ﷺ قبل النبوة، وماتت عنده في ليالي غزوة بدر، فتأخر عن بدر لتمريضها، بإذن رسول الله ﷺ ، وضرب له بسهمه وأجره، فهو معدود في البدريين بذلك. وجاء البشير بنصر المسلمين ببدر يوم دفنوها بالمدينة، فزوجه رسول الله ﷺ بعدها أختها أم كلثوم، وتوفيت عنده سنة تسع من الهجرة. قال العلماء: ولا يعرف أحد تزوج بنتي نبي غيره، ولذلك سمي ذو النورين: فهو من السابقين الأولين، وأول المهاجرين، وأحد العشرة المشهود لهم بالجنة، وأحد الستة الذين توفي رسول الله ﷺ وهو عنهم راض، وأحد الصحابة الذين جمعوا القرآن، بل قال ابن عباد: لم يجمع القرآن من الخلفاء إلا هو والمأمون. وقال ابن سعد: استخلفه رسول الله ﷺ على المدينة في غزوته إلى ذات الرقاع، وإلى غطفان. روي له عن رسول الله ﷺ مائة حديث، وستة وأربعون حديثا. روى عنه زيد بن خالد الجهني، وابن الزبير، والسائب بن يزيد، وأنس بن مالك، وزيد بن ثابت، وسلمة بن الأكوع، وأبو أمامة الباهلي، وابن عباس، وابن عمر، وعبد الله بن مغفل، وأبو قتادة، وأبو هريرة، وآخرون من الصحابة، ﵃، وخلائق من التابعين منهم: أبان بن عثمان، وعبيد الله بن عدي، وعمران، وغيرهم. أخرج ابن سعد عن عبد الرحمن بن حاطب، قال: ما رأيت أحدا من أصحاب رسول الله ﷺ -كان إذا حدث- أتم حديثا ولا أحسن من عثمان بن عفان، إلا أنه كان رجلا يهاب الحديث (١). وأخرج عن محمد بن سيرين قال: كان أعلمهم بالمناسك عثمان، وبعده ابن عمر. وأخرج البيهقي في سننه، عن عبد الله بن أبان الجعفي قال: قال لي خالي حسين الجعفي: تدري لم سمي عثمان ذا النورين؟ قلت: لا، قال: لم يجمع بين بنتي نبي منذ خلق الله آدم إلى أن تقوم الساعة غير عثمان، فلذلك سمي ذا النورين (٢). وأخرج أبو نعيم عن الحسن قال: إنما سمي عثمان بن عفان ذا النورين؛ لأنه لا نعلم أحدا أغلق بابه على ابنتي نبي غيره.

стр. 124

وأخرج خيثمة في فضائل الصحابة، وابن عساكر عن علي بن أبي طالب: أنه سئل عن عثمان بن عفان؟ فقال: ذاك امرؤ يدعى في الملأ الأعلى ذا النورين، كان ختن رسول الله ﷺ على ابنتيه. وأخرج الماليني بسند فيه ضعف، عن سهل بن سعد قال: قيل لعثمان: ذو النورين؛ لأنه ينتقل من منزل إلى منزل في الجنة، فتبرق له برقتين، لذلك قيل له ذلك. وقال: إنه كان يكنى في الجاهلية أبا عمرو فلما كان الإسلام ولدت له رقية عبد الله، فاكتنى به. وأمه: أروى بنت كريز بن ربيعة بن حبيب بن عبد شمس بن مناف، وأمها: أم حكيم البيضاء بنت عبد المطلب بن هاشم، وتوأمة أبي رسول الله ﷺ فأم عثمان بنت عمة النبي ﷺ . قال ابن إسحاق: وكان أول الناس إسلاما بعد أبي بكر، وعلي، وزيد بن حارثة. وأخرج ابن عساكر من طرق: أن عثمان كان رجلا ربعة: ليس بالقصير، ولا بالطويل، حسن الوجه، أبيض مشربا حمرة، بوجهه نمشات جدري، كثير اللحية، عظيم الكراديس، بعيد ما بين المنكبين، خدل الساقين، طويل الذراعين، شعره قد كسا ذراعيه، جعد الرأس أصلع، أحسن الناس ثغرا، جمته أسفل من أذنيه يخضب بالصفرة، وكان قد شد أسنانه بالذهب. وأخرج ابن عساكر عن عبد الله بن حزم المازني قال: رأيت عثمان بن عفان فما رأيت قط ذكرا ولا أنثى أحسن وجها منه. وأخرج عن موسى بن طلحة قال: كان عثمان بن عفان أجمل الناس. وأخرج ابن عساكر عن أسامة بن زيد قال: بعثني رسول الله ﷺ إلى منزل عثمان بصحفة لحم، فدخلت، فإذا رقية ﵂ جالسة، فجعلت مرة أنظر إلى وجه رقية، ومرة أنظر إلى وجه عثمان، فلما رجعت سألني رسول الله ﷺ قال لي: "دخلت عليهما؟ " قلت: نعم، قال: "فهل رأيت زوجا أحسن منهما"؟ قلت: لا، يا رسول الله. وأخرج ابن سعد عن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي، قال: لما أسلم عثمان بن عفان أخذه عمه الحكم بن أبي العاص بن أمية، فأوثقه رباطا، وقال: ترغب عن ملة آبائك إلى دين محدث؟ والله لا أدعك أبدا حتى تدع ما أنت عليه، فقال عثمان: والله لا أدعه أبدا، ولا أفارقه، فلما رأى الحكم صلابته في دينه تركه (١). وأخرج أبو يعلى عن أنس قال: أول من هاجر من المسلمين إلى الحبشة بأهله عثمان بن عفان، فقال النبي ﷺ : "صحبهما الله إن عثمان لأول من هاجر إلى الله بأهله بعد لوط" (٢).

стр. 125

وأخرج ابن عدي عن عائشة ﵂ قالت: لما زوج النبي ﷺ ابنته أم كلثوم قال لها: "إن بعلك أشبه الناس بجدك إبراهيم وأبيك محمد" (١). وأخرج ابن عدي وابن عساكر عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "إنا نشبه عثمان بأبينا إبراهيم". فصل: في الأحاديث الواردة في فضله غير ما تقدم وأخرج الشيخان عن عائشة ﵂: أن النبي ﷺ جمع ثيابه حين دخل عثمان، وقال: "ألا أستحي من رجل تستحي منه الملائكة" (٢). وأخرج البخاري عن أبي عبد الرحمن السلمي: أن عثمان حين حوصر أشرف عليهم، فقال: أنشدكم بالله، ولا أنشد إلا أصحاب النبي، ألستم تعلمون أن رسول الله ﷺ قال: "من جهز جيش العسرة فله الجنة؟ " فجهزتهم، ألستم تعلمون أن رسول الله ﷺ قال: "من حفر بئر رومة فله الجنة؟ " فحفرتها، فصدقوه بما قال (٣). وأخرج الترمذي عن عبد الرحمن بن خباب قال: شهدت النبي ﷺ وهو يحث على جيش العسرة، فقال عثمان بن عفان: يا رسول الله! علي مائة بعير بأحلاسها وأقتابها في سبيل الله، ثم حض على الجيش، فقال عثمان: يا رسول الله! علي مائتا بعير بأحلاساها وأقتابها في سبيل الله، ثم حض على الجيش، فقال عثمان: يا رسول الله علي ثلاثمائة بعير بأحلاسها وأقتابها في سبيل الله، فنزل رسول الله يقول: "ما على عثمان ما عمل بعد هذه شيء" (٤). وأخرج الترمذي عن أنس، والحاكم وصححه، عن عبد الرحمن بن سمرة قال: جاء عثمان إلى النبي ﷺ بألف دينار حين جهز جيش العسرة فنثرها في حجره فجعل النبي ﷺ يقلبها ويقول: "ما ضر عثمان ما عمل بعد اليوم" مرتين (٥). وأخرج الترمذي عن أنس قال: لما أمرنا الرسول ﷺ ببيعة الرضوان كان عثمان بن عفان رسول رسول الله ﷺ إلى أهل مكة، فبايع الناس، فقال النبي ﷺ : "إن عثمان بن عفان في حاجة الله وحاجة رسوله"، فضرب بإحدى يديه على الأخرى، فكانت يد الرسول ﷺ لعثمان خيرا من أيديهم لأنفسهم.

стр. 126

وأخرج الترمذي عن ابن عمر قال: ذكر رسول الله ﷺ فتنة فقال: "يقتل فيها هذا مظلوما" لعثمان. وأخرج الترمذي، والحاكم وصححه، وابن ماجه، عن مرة بن كعب قال: سمعت النبي ﷺ يذكر فتنة يقر بها، فمر رجل مقنع في ثوب قال: "هذا يومئذ على الهدى" فقمت إليه فإذا هو عثمان بن عفان، فأقلبت إليه بوجهي فقلت: هذا؟ قال: "نعم" (١). وأخرج الترمذي والحاكم عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: "يا عثمان، إنه لعل الله يقمصك قميصا، فإن أرادك المنافقون على خلعه فلا تخلعه حتى تلقاني". وأخرج الترمذي عن عثمان أنه قال يوم الدار: إن النبي ﷺ عهد إلي عهدا، فأنا صابر عليه. وأخرج الحاكم عن أبي هريرة قال: اشترى عثمان الجنة من النبي ﷺ مرتين: حيث حفر بئر رومة، وحيث جهز جيش العسرة. وأخرج ابن عساكر عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "عمان من أشبه أصحابي بي خلقا". وأخرج الطبراني عن عصمة بن مالك قال: لما ماتت بنت الرسول ﷺ تحت عثمان قال رسول الله ﷺ : "زوجوا عثمان، لو كان لي ثالثة لزوجته، وما زوجته إلا بالوحي من الله" (٢). وأخرج ابن عساكر عن علي ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ يقول لعثمان: "لو أن لي أربعين ابنة زوجتك واحدة بعد واحدة حتى لا يبقى منهن واحدة". وأخرج ابن عساكر عن زيد بن ثابت قال: سمعت النبي ﷺ يقول: "مر بي عثمان وعندي ملك من الملائكة فقال: شهيد يقتله قومه، إنا نستحي منه". وأخرج أبو يعلى عن ابن عمر أن النبي ﷺ قال: "إن الملائكة لتستحي من عثمان كما تستحيي من الله ورسوله". وأخرج ابن عساكر عن الحسن: أنه ذكر عنده حياء عثمان، فقال: إن كان ليكون جوف البيت والباب عليه مغلق فيضع ثوبه ليفيض عليه الماء، فيمنعه الحياء أن يرفع صلبه". فصل: في خلافته ﵁ بويع بالخلافة بعد دفن عمر بثلاث ليال، فروي: أن الناس كانوا يجتمعون في تلك الأيام إلى عبد الرحمن بن عوف يشاورونه ويناجونه فلا يخلو به رجل ذو راي فيعدل بعثمان أحدا،

стр. 127

ولما جلس عبد الرحمن للمبايعة حمد الله وأثنى عليه وقال في كلامه: إني رأيت الناس يأبون إلا عثمان، أخرجه ابن عساكر عن المسور بن مخرمة، وفي رواية: أما بعد يا علي، فإني قد نظرت في الناس فلم أرهم يعدلون بعثمان، فلا تجعلن على نفسك سبيلا، ثم أخذ بيد عثمان فقال: نبايعك على سنة الله وسنة رسوله وسنة الخليفتين بعده، فبايعه عبد الرحمن، وبايعه المهاجرون والأنصار. وأخرج ابن سعد عن أنس قال: أرسل عمر إلى أبي طلحة الأنصاري قبل أن يموت بساعة فقال: كن في خمسين من الأنصار مع هؤلاء النفر أصحاب الشورى، فإنهم فيما أحسب سيجتمعون في بيت، فقم على ذلك الباب بأصحابك فلا تترك أحدا يدخل عليهم ولا تتركهم يمضي اليوم الثالث حتى يؤمروا أحدهم (١). وفي مسند أحمد عن أبي وائل قال: قلت لعبد الرحمن بن عوف: كيف بايعتم عثمان وتركتم عليا؟ قال: ما ذنبي؟ قد بدأت بعلي فقلت: أبايعك على كتاب الله وسنة رسوله وسيرة أبي بكر وعمر؟ فقال: فيما استطعت، ثم عرضت ذلك على عثمان فقال: نعم. ويروى: أن عبد الرحمن قال لعثمان في خلوة: إن لم أبايعكم فمن تشير علي؟ قال: علي، وقال لعلي: إن لم أبايعك فمن تشير علي؟ قال: عثمان، ثم دعا الزبير فقال: إن لم أبايعك فمن تشير علي؟ قال: علي أو عثمان، فم دعا سعدا، فقال: من تشير علي؟ فأما أنا وأنت فلا نريدها، فقال عثمان، ثم استشار عبد الرحمن والأعيان فرأى هوى أكثرهم في عثمان. وأخرج ابن سعد والحاكم عن ابن مسعود ﵁ أنه قال: لما بويع عثمان أمرنا خير من بقي ولم نأل (٢). وفي هذه السنة من خلافته فتحت الري، وكانت فتحت وانتقضت، وفيها أصاب الناس رعاف كثير، فقيل لها: سنة الرعاف، وأصاب عثمان رعاف حتى تخلف عن الحج وأوصى، وفيها فتح من الروم حصون كثيرة، وفيها ولى عثمان الكوفة سعد بن أبي وقاص وعزل المغيرة. وفي سنة خمس وعشرين عزل عثمان سعدا عن الكوفة، وولى الوليد بن عقبة بن أبي معيط وهو صحابي أخو عثمان لأمه، وذلك أول ما نقم عليه؛ لأنه آثر أقاربه بالولايات، وحكى أن الوليد صلى بهم الصبح أربعا وهو سكران، ثم التفت إليهم فقال: أزيدكم؟ وفي سنة ست وعشرين زاد عثمان في البيت الحرام، ووسعه واشترى أماكن للزيادة، وفيها فتحت سابور. وفي سنة سبع وعشرين غزا معاوية قبرص، فركب البحر بالجيوش، وكان معهم عبادة بن الصامت، وزوجته أم حرام بنت ملحان الأنصارية، فسقطت عن دابتها، فماتت شهيدة هناك،

стр. 128

وكان النبي ﷺ أخبرها بهذا الجيش، ودعا لها بأن تكون منهم فدفنت بقبرص، وفيها فتحت أرجان، ودرا بجرد، وفيها عزل عثمان عمرو بن العاص عن مصر وولى عليها عبد الله بن سعد بن أبي السرح، فغزا أفريقية فافتتحها سهلا وجبلا، فأصاب كل إنسان من الجيش ألف دينار، وقيل: ثلاثة آلاف دينار، ثم فتحت الأندلس في هذا العام. فصل كان معاوية يلح على عمر بن الخطاب في غزو قبرص، وركوب البحر لها، فكتب عمر إلى عمرو بن العاص: أن صف لي البحر وراكبه، فكتب إليه: إني رأيت خلقا كبيرا يركبه خلق صغير، إن ركد خرق القلوب، وإن تحرك أراع العقول، تزداد فيه العقول قلة والسيئات كثرة، وهم فيه كدود على عود، إن مال غرق، وإن نجا فرق، فلما قرأ عمر الكتاب كتب إلى معاوية: والله لا أحمل فيه مسلما أبدا، قال ابن جرير: فغزا معاوية قبرص في أيام عثمان فصالحه أهلها على الجزية. وفي سنة تسع وعشرين فتحت إصطخر عنوة، وفسا، وغير ذلك، وفيها زاد عثمان في مسجد المدينة ووسعه، وبناه بالحجارة المنقوشة، وجعل عمده من الحجارة، وسقفه بالساج، وجعل طوله ستين ومائة ذراع، وعرضه خمسين ومائة ذراع. وفي سنة ثلاثين فتحت جور وبلاد كثيرة من أرض خراسان، وفتحت نيسابور صلحا، وقيل: عنوة، وطوس وسرخس كلاهما صلحا، وكذا مرو، وبيهق، ولما فتحت هذه البلاد الواسعة كثر الخراج على عثمان، وأتاه المال من كل وجه، حتى اتخذ له الخزائن وأدر الأرزاق وكان يأمر للرجل بمائة ألف بدرة في كل بدرة أربعة آلاف أوقية. وفي سنة إحدى وثلاثين توفي أبو سفيان بن حرب والد معاوية، وفيها مات الحكم بن أبي العاص عم عثمان ﵁. وفي سنة اثنتين وثلاثين توفي العباس بن عبد المطلب عم الرسول ﷺ وصلى عليه عثمان، وفيها توفي عبد الرحمن بن عوف أحد العشرة من السابقين الأولين، تصدق مرة بأربعين ألفا وبقافلة جاءت من الشام كما هي، وفيها مات عبد الله بن مسعود الهذلي أحد القراء الأربعة، ومن أهل السوابق في الإسلام، ومن علماء الصحابة المشهورين بسعة العلم، وفيها مات أبو الدرداء الخزرجي الزاهد الحكيم، ولي قضاء دمشق لمعاوية، وفيها توفي أبو ذر جندب بن جنادة الغفاري صادق اللهجة، وفيها مات زيد بن عبد ربه الأنصاري الذي أري الأذان. وفي سنة ثلاث وثلاثين توفي المقداد بن الأسود في أرضه بالجرف وحمل إلى المدينة، وفيه غزا عبد الله بن سعد بن أبي سرح الحبشة. وفي سنة أربع وثلاثين أخرج أهل الكوفة سعيد بن العاص ورضوا بأبي موسى الأشعري، وفي سنة خمس وثلاثين كان مقتل عثمان. قال الزهري: ولي عثمان الخلافة اثنتي عشرة سنة يعمل ست سنين لا ينقم الناس عليه

стр. 129

شيئا، وإنه لأحب إلى قريش من عمر بن الخطاب، لأن عمر كان شديدا عليها، فلما وليهم عثمان لان لهم ووصلهم، ثم توانى في أمرهم واستعمل أقرباءه وأهل بيته في الست الأواخر وكتب لمروان بخمس إفريقيه، وأعطى أقرباءه وأهل بيته المال، وتأول في ذلك الصلة التي أمر الله بها، وقال: إن أبا بكر وعمر تركا من ذلك ما هو لهما، وإني أخذته فقسمته في أقربائي، فأنكر الناس عليه ذلك. أخرجه ابن سعد. وأخرج ابن عساكر من وجه آخر عن الزهري قال: قلت لسعيد بن المسيب: هل أنت مخبري كيف كان مقتل عثمان؟ وما كان شأن الناس وشأنه؟ ولم خذله أصحاب محمد ﷺ فقال ابن المسيب: قتل عثمان مظلوما، ومن قتله كان ظالما، ومن خذله كان معذورا، فقلت: كيف كان ذلك؟ قال: إن عثمان لما ولي كره ولايته نفر من الصحابة؛ لأن عثمان كان يحب قومه، فولي الناس اثنتي عشرة سنة، وكان كثيرا ما يولي بني أمية ممن لم يكن له مع رسول الله صحبة، فكان يجيء من أمرائه ما ينكره أصحاب محمد، وكان عثمان يستعتب فيهم فلا يعزلهم، وذلك في سنة خمس وثلاثين، فلما كان في الست الأواخر استأثر بني عمه فولاهم وما أشرك معهم، وأمرهم بتقوى الله، فولى عبد الله بن أبي سرح مصر فمكث عليها سنين، فجاء أهل مصر يشكونه ويتظلمون منه، وقد كان قبل ذلك من عثمان هنات إلى عبد الله بن مسعود، وأبي ذر، وعمار بن ياسر، فكانت بنو هذيل وبنو زهرة في قلوبهم ما فيها لحال ابن مسعود، وكانت بنو غفار وأحلافها ومن غضب لأبي ذر في قلوبهم ما فيها، وكانت بنو مخزوم قد حنقت على عثمان لحال عمار بن ياسر، وجاء أهل مصر يشكون من ابن أبي سرح، فكتب إليه كتابا يتهدد فيه، فأبى ابن أبي سرح أن يقبل ما نهاه عنه عثمان، وضرب بعض من أتاه من قبل عثمان من أهل مصر ممن كان أتى عثمان فقتله، فخرج من أهل مصر سبعمائة رجل، فنزلوا المسجد وشكوا إلى الصحابة في مواقيت الصلاة ما صنع ابن أبي سرح بهم، فقام طلحة بن عبيد الله فكلم عثمان بكلام شديد، وأرسلت عائشة ﵂ إليه فقالت: تقدم إليك أصحاب محمد ﷺ وسألوك عزل هذا الرجل فأبيت؟! فهذا قد قتل منهم رجلا فأنصفهم من عاملك، ودخل عليه علي بن أبي طالب فقال: إنما يسألونك رجلا مكان رجل، وقد ادعوا قبله دما، فاعزله عنهم واقض بينهم فإن وجب عليه حق فأنصفهم منه، فقال لهم: اختاروا رجلا أوليه عليكم مكانه، فأشار الناس عليه بمحمد بن أبي بكر، فقالوا: استعمل علينا محمد بن أبي بكر، فكتب عهده وولاه وخرج معهم عدد من المهاجرين والأنصار ينظرون فيما بين أهل مصر وابن أبي سرح، فخرج محمد ومن معه، فلما كان على مسيرة ثلاثة أيام من المدينة إذا هم بغلام أسود على بعير يخبط خبطا كأنه رجل يطلب أو يطلب، فقال له أصحاب محمد ﷺ : ما قصتك وما شأنك كأنك هارب أو طالب فقال لهم: أنا غلام أمير المؤمنين، وجهني إلى عام مصر، فقال له رجل: هذا عامل مصر، قال: ليس هذا ما أريد، وأخبر بأمره محمد بن أبي بكر، فبعث في طلبه رجلا، فأخذه فجاء به إليه، فقال: غلام من أنت؟ فأقبل مرة يقول:

стр. 130

أنا غلام أمير المؤمنين، ومرة يقول: أنا غلام مروان، حتى عرفه رجل أنه لعثمان، فقال له محمد: إلى من أرسلت؟ قال: إلى عامل مصر، قال: بماذا؟ قال: برسالة، قال: معك كتاب؟ قال: لا، ففتشوه فلم يجدوا معه كتابا، وكانت معه إداوة قد يبست فيها شيء يتقلقل، فحركوه ليخرج فلم يخرج فشقوا الإداوة فإذا بها كتاب من عثمان إلى ابن أبي سرح، فجمع محمد من كان عنده من المهاجرين والأنصار وغيرهم، ثم فك الكتاب بمحضر منهم فإذا فيه: إذا أتاك محمد وفلان وفلان فاحتل في قتلهم، وأبطل كتابه، وقر على عملك حتى يأتيك رأيي، واحبس من يجيء إلي يتظلم منك ليأتيك رأيي في ذلك إن شاء الله تعالى، فلما قرءوا الكتاب فزعوا وأزمعوا، فرجعوا إلى المدينة، فجمعوا طلحة، والزبير، وعليا، وسعدا، ومن كان من أصحاب محمد ﷺ ثم فضوا الكتاب بمحضر منهم وأخبروهم بقصة الغلام وأقرءوهم الكتاب، فلم يبق أحد من أهل المدينة إلا حنق على عثمان، وزاد ذلك من كان غضب لابن مسعود وأبي ذر وعمار بن ياسر حنقا وغيظا وقام أصحاب محمد ﷺ فلحقوا بمنازلهم ما منهم أحد إلا وهو مغتم لما قرءوا الكتاب وحاصر الناس عثمان سنة خمس وثلاثين وأجلب عليه محمد بن أبي بكر ببني تيم وغيرهم، فلما رأى ذلك علي بعث إلى طلحة والزبير وسعد وعمار ونفر من الصحابة كلهم بدري، ثم دخل على عثمان ومعه الكتاب، والغلام، والبعير، فقال له علي: هذا الغلام غلامك؟ قال: نعم، قال: والبعير بعيرك؟ قال: نعم، قال: فأنت كتبت هذا الكتاب؟ قال: لا، وحلف بالله ما كتبت هذا الكتاب ولا أمرت به ولا علم لي به. قال له علي: فالخاتم خاتمك؟ قال: نعم، قال: فكيف يخرج غلامك ببعيرك وبكتاب عليه خاتمك لا تعلم به؟ فحلف بالله ما كتبت هذا الكتاب، ولا أمرت به، ولا وجهت هذا الغلام إلى مصر قط، وأما الخط فعرفوا أنه خط مروان، وشكوا في أمر عثمان وسألوه أن يدفع إليهم مروان، فأبى وكان مروان عنده في الدار فخرج أصحاب محمد ﷺ من عنده غضابا، وشكوا في أمره، وعلموا أن عثمان لا يحلف بباطل، إلا أن قوما قالوا: لن يبرأ عثمان من قلوبنا إلا أن يدفع إلينا مروان حتى نبحثه، ونعرف حال الكتاب، وكيف يأمر بقتل رجل من أصحاب محمد ﷺ بغير حق؟ فإن يكن عثمان كتبه عزلناه، وإن يكن مروان كتبه على لسان عثمان نظرنا ما يكون منا في أمر مروان، ولزموا بيوتهم، وأبى عثمان أن يخرج إليهم مروان، وخشى عليه القتل، وحاصر الناس عثمان، ومنعوه الماء، فأشرف على الناس فقال: أفيكم علي؟ فقالوا: لا، قال: أفيكم سعد؟ قالوا: لا، فسكت ثم قال: ألا أحد يبلغ عليا فيسقينا ماء؟ فبلغ ذلك عليا، فبعث إليه بثلاث قرب مملوءة ماء، فما كادت تصل إليه، وجرح بسببها عدة من موالي بني هاشم وبني أمية حتى وصل الماء إليه فبلغ عليا أن عثمان يراد قتله، فقال: إنما أردنا منه مروان، فأما قتل عثمان فلا، وقال للحسن والحسين: إذهبا بسيفيكما حتى تقوما على باب عثمان فلا تدعا أحدا يصل إليه وبعث الزبير ابنه، وبعث طلحة ابنه، وبعث عدة من

стр. 131

أصحاب النبي ﷺ أبناءهم يمنعون الناس أن يدخلوا على عثمان، ويسألونه إخراج مروان، فلما رأى الناس ذلك رموا باب عثمان بالسهام حتى خضب الحسن بن علي بالدماء على بابه، وأصاب مروان سهم وهو في الدار، وخضب محمد بن طلحة، وشج قنبر مولى علي، فخشى محمد بن أبي بكر أن يغضب بنو هاشم لحال الحسن والحسين فيثيروها فتنة، فأخذ بيد الرجلين فقال لهما: إن جاءت بنو هاشم فرأوا الدماء على وجه الحسن كشف الناس عن عثمان وبطل ما نريد، ولكن اذهبوا بنا حتى نتسور عليه الدار فنقتله من غير أن يعلم به أحد، فتسور محمد وصاحباه من دار رجل من الأنصار حتى دخلوا على عثمان، ولا يعلم أحد ممن كان معه؛ لأن كل من كان معه كانوا فوق البيوت، ولم يكن معه إلا امرأته، فقال لهما محمد: مكانكما، فإن معه امرأته حتى أبدأكما بالدخول، فإذا أن ضبطته فادخلا فتوجآه حتى تقتلاه، فدخل محمد فأخذ ١ بلحيته، فقال له عثمان: والله لو رآك أبوك لساءه مكانك مني، فتراخت يده، ودخل الرجلان عليه فتوجآه حتى قتلاه، وخرجوا هاربين من حيث دخلوا، وصرخت امرأته فلم يسمع صراخها لما كان في الدار من الجلبة، وصعدت امرأته إلى الناس فقالت: إن أمير المؤمنين قد قتل، فدخل الناس فوجدوه مذبوحا، وبلغ الخبر عليا، وطلحة، والزبير، وسعد، ومن كان بالمدينة فخرجوا وقد ذهبت عقولهم للخبر الذي أتاهم حتى دخلوا على عثمان، فوجدوه مقتولا، فاسترجعوا، وقال علي لابنيه: كيف قتل أمير المؤمنين وأنتما على الباب؟ ورفع يده فلطم الحسن وضرب صدر الحسين وشتم محمد بن طلحة، وعبد الله بن الزبير، وخرج وهو غضبان حتى أتى منزله وجاء الناس يهرعون إليه فقالوا له: نبايعك فمد يدك فلابد من أمير، فقال علي: ليس ذلك إليكم، إنما ذلك إلى أهل بدر فمن رضي به من أهل بدر فهو خليفة، فلم يبق أحد من أهل بدر إلا أتى عليا، فقالوا له: ما نرى أحدا أحق بها منك؟ مد يدك نبايعك، فبايعوه، وهرب مروان وولده وجاء علي إلى امرأة عثمان فقا لها: من قتل عثمان؟ قالت: لا أدري، دخل عليه رجلان لا أعرفهما ومعهما محمد بن أبي بكر، وأخبرت عليا والناس بما صنع محمد فدعا علي محمدا فسأله عما ذكرت امرأة عثمان؟ فقال محمد: لم تكذب، قد والله دخلت عليه وأنا أريد قتله فذكرني أبي فقمت عنه وأنا تائب إلى الله تعالى، والله ما قتلته ولا أمسكته، فقالت امرأته: صدق ولكنه أدخلهما. وأخرج ابن عساكر عن كنانة مولى صفية وغيره قالوا: قتل عثمان رجل من أهل مصر أزرق أشقر، يقال له: حمار. وأخرج أحمد عن المغيرة بن شعبة أنه دخل على عثمان وهو محصور فقال: إنك إمام العامة، وقد نزل بك ما ترى، وإني أعرض عليك خصالا ثلاثا: إحداهن: إما أن تخرج فتقاتلهم فإن معك عددا وقوة، وأنت على الحق وهم على باطل، وإما أن نخرق لك بابا سوى الباب الذي هم عليه، فتقعد على راحلتك، فتلحق بمكة، فإنهم لن يستحلوك وأنت بها، وإما أن تلحق بالشام فإنهم أهل الشام وفيهم معاوية، فقال عثمان: إما أن أخرج

стр. 132

فأقاتل فلن أكون أول من خلف رسول الله ﷺ يقول: "يلحد رجل من قريش بمكة يكون عليه نصف عذاب العالم". فلن أكون أنا وأما أن ألحق بالشام فلن أفارق دار هجرتي ومجاورة رسول الله ﷺ (١). وأخرج ابن عساكر عن أبي ثور الفهمي قال: دخلت على عثمان وهو محصور فقال: لقد اختبأت عند ربي عشرا، وإني لرابع أربعة في الإسلام، وأنكحني رسول الله ﷺ ابنته، ثم توفيت فأنكحني ابنته الأخرى، وما تغنيت، ولا تمنيت، ولا وضعت يميني على فرجي منذ بايعت النبي ﷺ وما مرت بي جمعة منذ أسلمت إلا وأنا أعتق فيها رقبة إلا أن يكون عندي شيء فأعتقها بعد ذلك، ولا زنيت في جاهلية ولا إسلام قط، ولا سرقت في جاهلية ولا إسلام قط، ولقد جمعت القرآن على عهد رسول الله ﷺ . وكان قتل عثمان في أوسط أيام التشريق من سنة خمس وثلاثين، وقيل: قتل يوم الجمعة لثماني عشرة خلت من ذي الحجة، ودفن ليلة السبت، بين المغرب والعشاء، في حش كوكب بالبقيع، وهو أول من دفن به، وقيل: كان يوم قتله يوم الأربعاء، وقيل: يوم الاثنين لست بقين من ذي الحجة، وكان له يوم قتل اثنتان وثمانون سنة، وقيل: إحدى وثمانون سنة، وقيل: أربع وثمانون وقيل: ست وثمانون، وقيل ثمان أو تسع وثمانون، وقيل: تسعون قال قتادة: صلى عليه الزبير ودفنه وكان أوصى بذلك إليه. وأخرج ابن عدي وابن عساكر من حديث أنس مرفوعا: "إن لله سيفا مغمودا في غمده ما دام عثمان حيا، فإذا قتل عثمان جرد ذلك السيف فلم يغمد إلى يوم القيامة". تفرد به عمرو بن فائد، وله مناكير. وأخرج ابن عساكر عن زيد بن أبي حبيب قال: بلغني أن عامة الركب الذين ساروا إلى عثمان عامتهم جنوا. وأخرج عن حذيفة قال: أول الفتن قتل عثمان، وآخر الفتن خروج الدجال، والذي نفسي بيده لا يموت رجل وفي قلبه مثقال حبة من حب قتل عثمان إلا تبع الدجال إن أدركه، وإن لم يدركه آمن به في قبره. وأخرج عن ابن عباس قال: لو لم يطلب الناس بدم عثمان لرموا بالحجارة من السماء. وأخرج عن الحسن قال: قتل عثمان وعلي غائب في أرض له، فلما بلغه قال: اللهم إني لم أرض ولم أمالئ. وأخرج الحاكم وصححه عن قيس بن عباد قال: سمعت عليا يوم الجمل يقول: اللهم إني أبرأ إليك من دم عثمان، ولقد طاش عقلي يوم قتل عثمان، وأنكرت نفسي وجاؤوني للبيعة فقلت: والله إني لأستحيي أن أبايع قوما قتلوا عثمان، وإني لأستحيي من الله أن أبايع وعثمان لم يدفن بعد، فانصرفوا، فلما رجع الناس فسألوني البيعة، قلت: اللهم إني مشفق مما أقدم عليه ثم جاءت عزيمة فبايعت فقالوا: يا أمير المؤمنين، فكأنما صدع قلبي،

стр. 133

وقلت: اللهم، خذ مني لعثمان حتى ترضي (١). وأخرج ابن عساكر عن أبي خلدة الحنفي قال: سمعت عليا يقول: إن بني أمية يزعمون أني قتلت عثمان، ولا والله الذي لا إله إلا هو ما قتلت ولا مالأت، ولقد نهيت فعصوني. وأخرج عن سمرة قال: إن الإسلام كان في حصن حصين، وإنهم ثلموا في الإسلام ثلمة بقتلهم عثمان لا تسد إلى يوم القيامة، وإن أهل المدينة كانت فيهم الخلافة فأخرجوها ولم تعد فيهم. وأخرج عن محمد بن سيرين قال: لم تفقد الخيل البلق (٢) في المغازي والجيوش حتى قتل عثمان، ولم يختلف في الأهلة حتى قتل عثمان، ولم تر هذه الحمرة التي في آفاق السماء حتى قتل الحسين. وأخرج عبد الرزاق في مصنفه عن حميد بن هلال قال: كان عبد الله بن سلام يدخل على محاصري عثمان فيقول: لا تقتلوه، فوالله لا يقتله رجل منكم إلا لقى الله أجذم لا يد له، وإن سيف الله لم يزل مغمودا، وإنكم والله إن قتلتموه ليسلنه الله، ثم لا يغمده عنكم أبدا، وماقتل نبي قط إلا قتل به سبعون ألفا، ولا خليفة إلا قتل به خمسة وثلاثون ألفا قبل أن يجتمعوا. وأخرج ابن عساكر عن عبد الرحمن بن مهدي قال: خصلتان لعثمان ليستا لأبي بكر ولا لعمر ﵄: صبره على نفسه حتى قتل، وجمعه الناس على المصحف. وأخرج الحاكم (٣) عن الشعبي قال: ما سمعت من مراثي عثمان أحسن من قول كعب بن مالك حيث قال: فكف يديه ثم أغلق بابه … وأيقن أن الله ليس بغافل وقال لأهل الدار لا تقتلوهم … عفا الله عن كل امرئ لم يقاتل فكيف رأيت الله صب عليهم … العداوة والبغضاء بعد التواصل؟ وكيف رأيت الخير أدبر بعده … عن الناس إدبار الرياح الجوافل؟ فصل أخرج ابن سعد عن موسى بن طلحة قال: رأيت عثمان يخرج يوم الجمعة وعليه ثوبان أصفران فيجلس على المنبر، فيؤذن المؤذن، وهو يتحدث يسأل الناس عن أسعارهم، وعن مرضاهم. وأخرج عن عبد الله الرومي قال: كان عثمان يلي وضوء الليل بنفسه، فقيل له: لو

стр. 134

أمرت بعض الخدم فكفوك، قال لا، الليل لهم يستريحون فيه. وأخرج ابن عساكر عن عمرو بن عثمان بن عفان قال: كان نقش خاتم عثمان: "آمنت بالذي خلق فسوى". وأخرج أبو نعيم في الدلائل عن ابن عمر: أن جهجاه الغفاري قام إلى عثمان وهو على المنبر يخطب، فأخذ العصا من يده فكسرها على ركبته فما حال الحول على جهجاه حتى أرسل الله في رجله الأكلة، فمات منها. فصل: في أوليات عثمان ﵁ قال العسكري في الأوائل: هو أول من أقطع القطائع، وأول من حمى الحمى، وأول من خلفض صوته بالتكبير، وأول من خلق المسجد (١)، وأول من أمر بالأذان الأول في الجمعة، وأول من رزق المؤذنين، وأول من أرتج عليه في الخطبة فقال: أيها الناس، إن أول مركب صعب، وإن بعد اليوم أياما، وإن أعش تأتكم الخطبة على وجهها، وما كنا خطباء وسيعلمنا الله. أخرجه ابن سعد، وأول من قدم الخطبة في العيد على الصلاة، وأول من فوض إلى الناس إخراج زكاتهم، وأول من ولي الخلافة في حياة أمه، وأول من اتخذ صاحب شرطة، وأول من اتخذ المقصورة في المسجد خوفا أن يصيبه ما أصاب عمر، وهذا ما ذكره العسكري، قال: وأول ما وقع الاختلاف بين الأمة فخطأ بعضهم بعضا في زمانه في أشياء نقموها عليه وكانوا قبل ذلك يختلفون في الفقه، ولا يخطئ بعضهما بعضا. قلت: بقى من أوائله أنه أول من هاجر إلى الله بأهله من هذه الأمة كما تقدم، وأول من جمع الناس على حرف واحد في القراءة. وأخرج ابن عساكر عن حكيم بن عباد بن حنيف قال: أول منكر ظهر بالمدينة حين فاضت الدنيا وانتهى سمن الناس، طيران الحمام، والرمي على الجلاهقات فاستعمل عليها عثمان من بني ليث سنة ثمان من خلافته فقصها وكسر الجلاهقات (٢). فصل: فيمن مات من الأعلام في أيام عثمان ﵁ مات في أيام عثمان من الأعلام: سراقة بن مالك بن جعشم، وجبار بن صخر، وحاطب بن أبي بلتعة، وعياض بن زهير، وأبو أسيد الساعدي، وأوس بن الصامت، والحارث بن نوفل، وعبد الله بن حذافة، وزيد بن خارجة الذي تكلم بعد الموت، ولبيد الشاعر، والمسيب والد سعيد، ومعاذ بن عمرو بن الجموح، ومعبد بن العباس، ومعيقيب

стр. 135

ابن أبي فاطمة الدوسي، وأبو لبابة بن عبد المنذر، ونعيم بن مسعود الأشجعي، وآخرون من الصحابة. ومن غير الصحابة الحطيئة الشاعر، وأبو ذؤيب الشاعر الهذلي.

стр. 136

علي بن أبي طالب ﵁ (١) ﵁ واسم أبي طالب عبد مناف بن عبد المطلب، واسمه شيبة بن هاشم، واسمه عمرو بن عبد مناف، واسمه المغيرة بن قصي، واسم زيد بن كلاب بن بمرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن نضر بن كنانة، أبو الحسن، وأبو تراب، كناه بها الرسول ﷺ وأمه فاطمة بنت أسد بن هشام، وهي أول هاشمية ولدت هاشميا، قد أسلمت وهاجرت. وعلي ﵁ أحد العشرة المشهود لهم بالجنة وأخو رسول الله ﷺ بالمؤاخاة، وصهره على فاطمة سيدة نساء العالمين ﵂ وأحد السابقين إلى الإسلام، وأحد العلماء الربانيين، والشجعان المشهورين، والزهاد المذكورين، والخطباء المعروفين، وأحد من جمع القرآن وعرضه على رسول الله ﷺ ، وعرض عليه أبو الأسود الدؤلي وأبو عبد الرحمن السلمي، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وهو أول خليفة من بني هاشم، وأبو السبطين، أسلم قديما، بل قال ابن عباس وأنس وزيد بن الأرقم وسليمان الفارسي وجماعة: إنه أول من أسلم، ونقل بعضهم الإجماع عليه. وأخرج أبو يعلى عن علي ﵁ قال: بعث الرسول ﷺ يوم الاثنين وأسلمت يوم الثلاثاء وكان عمره حين أسلم عشر سنين، وقيل: تسع، وقيل: ثمان، وقيل: دون ذلك، قال الحسن بن زيد بن الحسن: ولم يعبد الأوثان قط لصغره، أخرجه ابن سعد (٢). ولما هاجر ﷺ إلى المدينة أمره أن يقيم بعده بمكة أياما حتى يؤدي عنه أمانة الودائع والوصايا التي كانت عند النبي ﷺ ، ثم يلحقه بأهله، ففعل ذلك، وشهد مع رسول الله ﷺ بدرا وأحدا وسائر المشاهد إلا تبوك فإن النبي ﷺ استخلفه على المدينة، وله في جميع المشاهد آثار مشهورة، وأعطاه النبي ﷺ اللواء في مواطن كثيرة، وقال سعيد بن المسيب: أصابت عليا يوم أحد ست عشرة ضربة، وثبت في الصحيحن: أنه ﷺ أعطاه الراية في يوم خيبر، وأخبر أن الفتح يكون على يديه (٣) وأحواله في الشجاعة وآثاره في الحروب مشهورة. وكان علي شيخا سمينا، أصلع، كثير الشعر، ربعة إلى القصر (٤) عظيم البطن، عظيم اللحية جدا، قد ملأت ما بين منكبيه بيضاء كأنها قطن، آدم شديد الأدمة. وقال جابر بن عبد الله: حمل علي الباب على ظهره يوم خيبر حتى صعد المسلمون عليه.

стр. 137

ففتحوها، وإنهم جروه بعد ذلك، فلم يحمله إلا أربعون رجلا، أخرجه ابن عساكر. وأخرج ابن إسحاق في المغازى وابن عساكر عن أبي رافع، أن عليا تناول بابا عند الحصن حصن خيبر فتترس به عن نفسه، فلم يزل في يده وهو يقاتل حتى فتح الله علينا، ثم ألقاه، فلقد رأيتنا ثمانية نفر نجهد أن نقلب ذلك الباب، فما استطعنا أن نقلبه. وروى البخاري في الأدب عن سهل بن سعد قال: إن كان أحب أسماء علي ﵁ إليه أبو تراب، وإن كان ليفرح أن يدعى به، وما سماه أبا تراب إلا النبي ﷺ وذلك أنه غاضب يوما فاطمة فخرج، فاضطجع إلى الجدار في المسجد، فجاءه النبي ﷺ وقد امتلأ ظهره ترابا فجعل النبي ﷺ يمسح التراب عن ظهره ويقول: "اجلس أبا تراب" (١). روي له عن الرسول ﷺ خمسمائة حديث وستة وثمانون حديثا. روى عنه بنوه الثلاثة: الحسن والحسين، ومحمد ابن الحنفية، وابن مسعود، وابن عمر، وابن عباس، وابن الزبير، وأبو موسى، وأبو سعيد، وزيد بن أرقم، وجابر بن عبد الله، وأبو أمامة، وأبو هريرة، وخلائق من الصحابة والتابعين رضوان الله عليهم أجمعين. فصل: في الأحاديث الواردة في فضله قال الإمام أحمد بن حنبل: ما ورد لأحد من أصحاب الرسول ﷺ من الفضائل ما ورد لعلي ﵁ أخرجه الحاكم. وأخرج الشيخان عن سعد بن أبي وقاص: أن رسول الله ﷺ خلف علي بن أبي طالب في غزوة تبوك، فقال: يا رسول الله تخلفني في النساء والصبيان؟ فقال: "أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى؟ غير أنه لا نبي بعدي" (٢). أخرجه أحمد والبزار من حديث أبي سعيد الخدري، والطبراني من حديث أسماء بنت قيس، وأم سلمة، وحبشي بن جنادة وابن عمر وابن عباس، وجابر بن سمرة، والبراء بن عازب، وزيد بن أرقم. وأخرجا عن سهل بن سعد: أن رسول الله ﷺ قال يوم خيبر: "لأعطين الراية غدا رجلا يفتح الله على يديه، يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله"، فبات الناس يدكون ليلتهم أيهم يعطاها؟ فلما أصبح الناس غدوا على رسول الله ﷺ كلهم يرجو أن يعطاها، فقال: "أين علي بن أبي طالب؟ " فقيل: هو يشتكي عينيه، قال: "فأرسلوا إليه"، فأتي به، فبصق رسول الله ﷺ في عينيه ودعا له، فبرئ حتى كأن لم يكن به وجع، فأعطاه الراية (٣). يدكون: أي يخوضون ويتحدثون. وقد أخرج هذا الحديث الطبراني من حديث ابن عمر، وعلي، وابن أبي ليلى وعمران بن حصين، والبزار من حديث ابن عباس.

стр. 138

وأخرج مسلم عن سعد بن أبي وقاص قال: لما نزلت هذه الآية: ﴿ندع أبناءنا وأبناءكم﴾ [آل عمران: ٦١] دعا رسول الله ﷺ عليا، وفاطمة، وحسنا، حسينا فقال: "اللهم هؤلاء أهلي" (١). وأخرج الترمذي عن أبي سريحة، وأبو زيد بن الأرقم، عن النبي ﷺ قال: "من كنت مولاه فعلي مولاه" (٢). وأخرجه أحمد عن علي، وأبي أيوب الأنصاري، وزيد بن أرقم، وعمرو ذي مر، وأبو يعلى عن أبي هريرة، والطبراني عن ابن عمر، ومالك بن الحويرث وحبشي بن جنادة، وجرير، وسعد بن أبي وقاص، وأبي سعيد الخدري، وأنس، والبزار عن ابن عباس، وعمارة، وبريدة، وفي أكثرها زيادة: "اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه". ولأحمد عن الطفيل قال: جمع على الناس سنة خمس وثلاثين في الرحبة، ثم قال لهم: أنشد بالله كل امرئ مسلم سمع رسول الله ﷺ يقول يوم غدير خم ما قال لما قام، فقام إليه ثلاثون من الناس فشهدوا أن رسول الله ﷺ قال: "من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه". وأخرج الترمذي، والحاكم وصححه، عن بريدة قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الله أمرني بحب أربعة، وأخبرني أنه يحبهم"، قيل يا رسول الله سمهم لنا؟ قال: "علي منهم -يقول ذلك ثلاثا- وأبو ذر، والمقداد، وسلمان" (٣). وأخرج الترمذي والنسائي وابن ماجه عن حبشي بن جنادة، قال: قال رسول الله ﷺ : "علي مني، وأنا من علي" (٤). وأخرج الترمذي عن ابن عمر قال: آخى رسول الله بين أصحابه، فجاء علي تدمع عيناه، فقال: يا رسول الله آخيت بين أصحابك، ولم تؤاخ بيني وبين أحد، فقال رسول الله ﷺ : "أنت أخي في الدنيا والآخرة". وأخرج مسلم عن علي قال: والذي فلق الحبة وبرأ النسمة إنه لعهد النبي الأمي إلي أنه لا يحبني إلا مؤمن، ولا يبغضني إلا منافق (٥). وأخرج الترمذي عن أبي سعيد الخدري، قال: كنا نعرف المنافقين ببغضهم عليا.

стр. 139

وأخرج البزار، والطبراني في الأوسط عن جابر بن عبد الله، وأخرج الترمذي والحاكم عن علي قال: قال رسول الله ﷺ : "أنا مدينة العلم، وعلي بابها". هذا حديث حسن على الصواب، لا صحيح كما قال الحاكم، ولا موضوع كما قاله جماعة منهم ابن الجوزي والنووي وقد بينت حاله في التعقبات على الموضوعات. وأخرج الحاكم وصححه عن علي قال: بعثني رسول الله ﷺ إلى اليمن، فقلت: يا رسول الله، بعثتني وأنا شاب أقضي بينهم، ولا أدري ما القضاء، فضرب صدري بيده ثم قال: "اللهم اهد قلبه، وثبت لسانه، فوالذي فلق الحبة ما شككت في القضاء بين اثنين". وأخرج ابن سعد عن علي أنه قيل له: مالك أكثر أصحاب رسول الله ﷺ حديثا؟ قال: إني كنت إذا سألته أنبأني، وإذا سكت ابتدأني. وأخرج عن أبي هريرة ﵁ قال: قال عمر بن الخطاب: عي أقضانا. وأخرج الحاكم عن ابن مسعود ﵄ قال: كنا نتحدث أن أقضى أهل المدينة علي. وأخرج ابن سعد عن ابن عباس قال: إذا حدثنا ثقة عن علي فتيا لا نعدوها. وأخرج عن سعيد ابن المسيب قال: كان عمر بن الخطاب يتعوذ بالله من معضلة ليس فيها أبو الحسن. وأخرج عنه قال: لم يكن أحد من الصحابة يقول: سلوني إلا علي. وأخرج ابن عساكر عن ابن مسعود قال: أفرض أهل المدينة وأقضاها علي بن أبي طالب. وأخرج عن عائشة ﵂: أن عليا ذكر عندها، فقالت: أما إنه أعلم من بقي بالسنة. وقال مسروق: انتهى علم أصحاب رسول الله ﷺ إلى عمر، وعلي، وابن مسعود، وعبد الله ﵃. وقال عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة: كان لعلي ما شئت من ضرس قاطع في العلم، وكان له البسطة في العشيرة، والقدم في الإسلام والعهد برسول الله ﷺ والفقه في السنة والنجدة في الحرب، والجود في المال. وأخرج الطبراني في الأوسط بسند ضعيف عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : "الناس من شجر شتى وأنا وعلي من شجرة واحدة" (١). وأخرج الطبراني وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: ما أنزل الله: ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ إلا وعلي أميرها وشريفها، ولقد عاتب الله أصحاب محمد في غير مكان وما ذكر عليا إلا بخير (٢).

стр. 140

وأخرج ابن عساكر عن ابن عباس قال: ما نزل في أحد من كتاب الله تعالى ما نزل في علي. وأخرج ابن عساكر عن ابن عباس قال: نزلت في علي ثلاثمائة آية. وأخرج البزار عن سعد قال: قال رسول الله ﷺ لعلي: "لا يحل لأحد أن يجنب في المسجد غيري وغيرك". وأخرج الطبراني، والحاكم وصححه، عن أم سلمة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ إذا غضب لم يجترئ أحد أن يكلمه إلا علي. وأخرج الطبراني والحاكم عن ابن مسعود ﵄ أن النبي ﷺ قال: "النظر إلى علي عبادة" (١). إسناده حسن، وأخرجه الطبراني، والحاكم أيضا من حديث عمران بن حصين. وأخرجه ابن عساكر من حديث أبي بكر الصديق، وعثمان بن عفان، ومعاذ بن جبل، وأنس، وثوبان، وجابر بن عبد الله، وعائشة ﵃. وأخرج الطبراني في الأوسط عن ابن عباس قال: كانت لعلي ثماني عشرة منقبة ما كانت لأحد من هذه الأمة. وأخرج أبو يعلى عن أبي هريرة قال: قال عمر بن الخطاب: لقد أعطي علي ثلاث خصال لأن تكون لي خصلة منها أحب إلي من أن أعطى حمر النعم، فسئل وما هن؟ قال: تزوجه ابنته فاطمة، وسكناه المسجد لا يحل لي فيه ما يحل له، والراية يوم خيبر. وروى أحمد بسند صحيح عن ابن عمر نحوه. وأخرج أحمد وأبو يعلى بسند صحيح عن علي قال: ما رمدت ولا صدعت منذ مسح رسول الله ﷺ وجهي، وتفل في عيني، يوم خيبر حين أعطاني الراية (٢). وأخرج أبو يعلى والبزار عن سعد بن أبي وقاص: قال رسول الله ﷺ : "من آذى عليا فقد آذاني". وأخرج الطبراني بسند صحيح عن أم سلمة عن رسول الله ﷺ قال: "من أحب عليا فقد أحبني، ومن أحبني فقد أحب الله، ومن أبغض عليا فقد أبغضني ومن أبغضني فقد أبغض الله" (٣). وأخرج أحمد والحاكم وصححه، عن أم سلمة قالت: سمعت النبي ﷺ يقول: "من سب عليا فقد سبني" (٤).

стр. 141

وأخرج أحمد والحاكم بسند صحيح عن أبي سعيد الخدري: أن رسول الله ﷺ قال لعلي: "إنك تقاتل على القرآن كما قاتلت على تنزيله". وأخرج البزار وأبو يعلى والحاكم عن علي، قال: دعاني رسول الله ﷺ : "يا علي إن فيك مثلا من عيسى، أبغضته اليهود حتى بهتوا أمه، وأحبته النصارى حتى أنزلوه بالمنزل الذي ليس به". ألا وإنه يهلك في اثنين: محب مفرط يفرطني بما ليس في، مبغض مفتر يحمله شنآني على أن يبهتني. وأخرج الطبراني في الأوسط والصغير عن أم سلمة قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "علي مع القرآن والقرآن مع علي، ولا يفترقان حتى يردا على الحوض" (١). وأخرج أحمد والحاكم بسند صحيح عن عمار بن ياسر أن النبي ﷺ قال لعلي: "أشقى الناس رجلان: أحيمر ثمود الذي عقر الناقة، والذي يضربك يا علي على هذه -يعني: قرنه- حتى تبتل منه هذه من الدم، يعني: لحيته". وقد ورد ذلك من حديث علي، وصهيب، وجابر بن سمرة، وغيرهم. وأخرج الحاكم وصححه عن أبي سعيد الخدري قال: اشتكى الناس عليا فقام رسول الله ﷺ فينا خطيبا فقال: "لا تشكوا عليا، فوالله إنه لأخيشن في ذات الله، أو سبيل الله" (٢). فصل: في مبايعة علي ﵁ بالخلافة وما نشأ عن ذلك قال ابن سعد: بويع علي بالخلافة الغد من قتل عثمان بالمدينة فبايعه جميع من كان بها من الصحابة ﵃ وقال: إن طلحة والزبير بايعا كارهين غير طائعين، ثم خرجا إلى مكة وعائشة ﵂ بها، فأخذاها وخرجا بها إلى البصرة يطلبون بدم عثمان، وبلغ ذلك عليا فخرج إلى العراق، فلقي بالبصرة طلحة والزبير وعائشة ومن معهم، وهي وقعة الجمل، وكانت في جمادى الآخرة سنة ست وثلاثين وقتل بها طلحة والزبير وغيرهما وبلغت القتلى ثلاثة عشر ألفا، وأقام علي بالبصرة خمس عشرة ليلة، ثم انصرف إلى الكوفة، ثم خرج عليه معاوية بن أبي سفيان ومن معه بالشام، فبلغ عليا فسار إليه، فالتقوا بصفين في صفر سنة سبع وثلاثين، ودام القتال بها أياما، فرفع أهل الشام المصاحف يدعون إلى ما فيها، مكيدة من عمرو بن العاص، فكره الناس الحرب، وتداعوا إلى الصلح، وحكموا الحكمين، فحكم علي أبا موسى الأشعري، وحكم معاوية عمرو بن العاص، وكتبوا بينهم كتابا على أن يوافوا رأس الحول بأذرح، فينظروا في أمر الأمة فافترق الناس، ورجع معاوية إلى الشام، وعلي إلى الكوفة، فخرجت عليه الخوراج من أصحابه ومن كان معه وقالوا: لا حكم إلا لله، وعسكروا بحروراء، فبعث إليهم ابن عباس، فخاصمهم

стр. 142

وحجهم، فرجع منهم قوم كثير، وثبت قوم، وساروا إلى النهروان، فعرضوا للسبيل، فسار إليهم على فقتلهم بالنهروان، وقتل منهم ذا الثدية، ذلك سنة ثمان وثلاثين، اجتمع الناس بأذرح في شعبان من هذه السنة، وحضرها سعد بن أبي وقاص وابن عمر وغيرهما من الصحابة فقدم عمرو أبا موسى الأشعري مكيدة منه، فتكلم فخلع عليا، وتكلم عمرو فأقر معاوية، وبايع له، فتفرق الناس على هذا، وصار علي في خلاف مع أصحابه حتى صار يعض علي أصبعه ويقول: أعصى ويطاع معاوية؟ وانتدب ثلاثة نفر من الخوارج: عبد الرحمن بن ملجم المرادي، والبرك بن عبد الله التميمي، وعمرو بن بكير التميمي، فاجتمعوا بمكة وتعاهدوا وتعاقدوا ليقتلن هؤلاء الثلاثة: علي بن أبي طالب، ومعاوية بن أبي سفيان، وعمرو بن العاص، ويريحوا العباد منهم، فقال ابن ملجم: أنا لكم بعلي، وقال البرك: أنا لكم بمعاوية، وقال عمرو بن بكير: أنا أكفيكم عمرو بن العاص، وتعاهدوا على أن ذلك يكون في ليلة واحدة ليلة حادي عشر أو ليلة سابع عشر رمضان، ثم توجه كل منهم إلى المصر الذي فيه صاحبه، فقدم ابن ملجم الكوفة، فلقي أصحابه من الخوارج فكاتمهم ما يريدون إلى ليلة الجمعة سابع عشر رمضان سنة أربعين، فاستيقظ علي سحرا، فقال لابنه الحسن، رأيت الليلة رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله ما لقيت من أمتك من الأود واللدد؟ فقال لي: "ادع الله عليهم"، فقلت: اللهم أبدلني بهم خيرا لي منهم، وأبدلهم بي شرا لهم مني، ودخل ابن الذباح المؤذن على علي، فقال: الصلاة، فخرج علي من الباب ينادي: أيها الناس الصلاة الصلاة، فاعترضه ابن ملجم، فضربه بالسيف، فأصاب جبهته إلى قرنه ووصل إلى دماغه، فشد عليه الناس من كل جانب، فأمسك وأوثق، وأقام علي الجمعة والسبت، وتوفي ليلة الأحد وغسله الحسن والحسين، وعبد الله بن جعفر، وصلى عليه الحسن، ودفن بدار الإمارة بالكوفة ليلا، ثم قطعت أطراف ابن ملجم، وجعل في قوصرة وأحرقوه بالنار. وهذا كله كلام ابن سعد، وقد أحسن في تلخيصه هذه الوقائع، ولم يوسع فيها الكلام كما صنع غيره؛ لأن هذا هو اللائق بهذا المقام، قال ﷺ : "إذا ذكر أصحابي فأمسكوا". وقال: "بحسب أصحابي القتل" (١). وفي المستدرك (٢) عن السدي، قال: كان عبد الرحمن بن ملجم المرادي عشق امرأة من الخوارج يقال لها: قطام، فنكحها وأصدقها ثلاثة آلاف درهم، وقتل علي، وفي ذلك قال الفرزدق: فلم أر مهرا ساقه ذو سماحة … كمهر قطام من فصيح وأعجم ثلاثة آلاف وعبد وقينة … وضرب علي بالحسام المصمم فلا مهر أغلى من علي وإن غلا … ولا فتك إلا دون فتك ابن ملجم

стр. 143

قال أبو بكر بن عياش: عمى قبر علي لئلا ينبشه الخوارج. وقال شريك: نقله ابنه الحسن إلى المدينة. وقال المبرد عن محمد بن حبيب: أول من حول من قبر إلى قبر علي ﵁. وأخرج ابن عساكر عن سعيد بن عبد العزيز، قال: لما قتل علي بن أبي طالب ﵁ حملوه ليدفنوه مع الرسول ﷺ فبينما هم في مسيرهم ليلا إذ ند (١) الجمل الذي هو عليه، فلم يدر أين ذهب؟ ولم يقدر عليه، قال: فلذلك يقول أهل العراق: هو في السحاب، وقال غيره: إن البعير وقع في بلاد طيئ فأخذوه فدفنوه. وكان لعلي حين قتل ثلاث وستون سنة، وقيل: أربع وستون، وقيل: خمس وستون، وقيل: سبع وخمسون، وقيل: ثمان وخمسون، وكان له تسع عشرة سرية. فصل: في نبذ من أخبار علي وقضاياه وكلماته ﵁ قال سعيد بن منصور في سننه: حدثنا هشيم، حدثنا حجاج، حدثني شيخ من فزارة: سمعت عليا يقول: الحمد لله الذي جعل عدونا يسألنا عما نزل به من أمر دينه إن معاوية كتب إلي يسألني عن الخنثى المشكل، فكتبت إليه أن يورثه من قبل مباله، وقال هشيم، عن مغيرة، عن الشعبي، عن علي مثله. وأخرج ابن عساكر عن الحسن قال: لما قدم علي البصرة قام إليه ابن الكواء، وقيس بن عباد، فقالا له: ألا تخبرنا عن مسيرك هذا الذي سرت فيه، تتولى على الأمة تضرب بعضهم ببعض؟ أعهد من رسول الله ﷺ إليك؟ فحدثنا فأنت الموثوق المأمون على ما سمعت، فقال: أما أن يكون عندي عهد من النبي ﷺ في ذلك فلا، والله لئن كنت أول من صدق به فلا أكون أول من كذب عليه، ولو كان عندي من النبي ﷺ عهد في ذلك ما تركت أخا بني تيم بن مرة وعمر بن الخطاب يقومان على منبره، ولقاتلتهما بيدي، ولو لم أجد إلا بردي هذا، ولكن رسول الله ﷺ لم يقتل قتلا، ولم يمت فجأة، مكث في مرضه أياما وليالي، يأتيه المؤذن فيؤذنه بالصلاة، فيأمر أبا بكر فيصلي بالناس وهو يرى مكاني، ولقد أرادت امرأة من نسائه أن تصرفه عن أبي بكر، فأبى وغضب، وقال: "أنتن صواحب يوسف، مروا أبا بكر يصلي بالناس"، فلما قبض الله نبيه ﷺ نظرنا في أمورنا، فاخترنا لدنيانا من رضيه نبي الله ﷺ لديننا، وكانت الصلاة أصل الإسلام، وهي أمير الدين، وقوام الدين، فبايعنا أبا بكر، وكان لذلك أهلا، ولم يختلف عليه منا اثنان، ولم يشهد بعضنا على بعض، ولم تقطع منه البراءة، فأديت إلى أبي بكر حقه، وعرفت له طاعته، وغزوت معه في جنوده، وكنت آخذ إذا أعطاني، وأغزوا إذا أغزاني، وأضرب بين يديه الحدود بسوطي، فلما قبض تولاها عمر، فأخذها بسنة صاحبه، وما يعرف من أمره، فبايعنا عمر،

стр. 144

ولم يختلف عليه منا اثنان، ولم يشهد بعضنا على بعض، ولم تقطع منه البراءة، فأديت إلى عمر حقه، وعرفت له طاعته، وغزوت معه في جيوشه، وكنت آخذ إذا أعطاني وأغزو إذا أغزاني، وأضرب بيدي الحدود بسوطي، فلما قبض تذكرت في نفسي قرابتي وسابقتي وسالفتي وفضلي، وأنا أظن ألا يعدل بي، ولكن خشى ألا يعمل الخليفة بعده ذنبا إلا لحقه في قبره، فأخرج منها نفسه وولده، ولو كانت محاباة منه لآثر بها ولده، فبرئ منها إلى رهط من قريش ستة أنا أحدهم، فلما اجتمع الرهط ظننت ألا يعدلوا بي، فأخذ عبد الرحمن بن عوف مواثيقنا على أن نسمع ونطيع لمن ولاه الله أمرنا، ثم أخذ بيد عثمان بن عفان وضرب بيده على يده، فنظرت في أمري، فإذا طاعتي قد سبقت بيعتي، وإذا ميثاقي أخذ لغيري، فبايعنا عثمان، فأديت له حقه، وعرفت له طاعته، وغزوت معه في جيوشه، وكنت آخذ إذا أعطاني وأغزوا إذا أغزاني، وأضرب بين يديه الحدود بسوطي، فلما أصيب نظرت في أمري، فإذا الخليفتان اللذان أخذاها بعهد رسول الله ﷺ إليهما بالصلاة قد مضيا، وهذا الذي قد أخذ له الميثاق قد أصيب، فبايعني أهل الحرمين، وأهل هذين المصرين، فوثب فيها من ليس مثلي، ولا قرابته كقرابتي، ولا علمه كعلمي، ولا سابقته كسابقتي، وكنت أحق بها منه. وأخرج أبو نعيم في الدلائل عن جعفر بن محمد عن أبيه قال: عرض لعلي رجلان في خصومة، فجلس في أصل جدار، فقال له رجل: الجدار يقع، فقال علي: امض، كفى بالله حارسا، فقضى بينهما، فقام، ثم سقط الجدار. وفي الطيوريات بسنده إلى جعفر بن محمد عن أبيه قال: قال رجل لعلي بن أبي طالب: نسمعك تقول في الخطبة: اللهم أصلحنا بما أصلحت به الخلفاء الراشدين المهديين، فمن هم؟ فاغرورقت عيناه، فقال: هم حبيباي: أبو بكر وعمر، إماما الهدى، وشيخا الإسلام، ورجلا قريش، والمقتدى بهما بعد رسول الله ﷺ من اقتدى بهما عصم، ومن اتبع آثارهما هدى الصراط المستقيم، ومن تمسك بهما فهو من حزب الله. وأخرج عبد الرزاق عن حجر المدري قال: قال لي علي بن أبي طالب: كيف بك إذا أمرت أن تلعنني؟ قال: وكائن ذلك؟ قال: نعم، قلت: فكيف أصنع؟ قال: العني ولا تبرأ مني، قال: فأمرني محمد بن يوسف أخو الحجاج وكان أميرا على اليمن، أن ألعن عليا، فقلت: إن الأمير أمرني أن ألعن عليا فالعنوه، لعنه الله، فما فطن لها إلا رجل. وأخرج الطبراني في الأوسط وأبو نعيم في الدلائل (١) عن زاذان: أن عليا حدث بحديث فكذبه رجل، فقال له علي: أدعو عليك إن كانت كاذبا؟ قال: ادع فدعا عليه، فلم يبرح حتى ذهب بصره. وأخرج عن زر بن حبيش قال: جلس رجلان يتغديان مع أحدهما خمسة أرغفة، ومع

стр. 145

الآخر ثلاثة أرغفة، فلما وضعا الغداء بين أيديهما مر بهما رجل، فسلم، فقالا: اجلس وتغد، فجلس وأكل معهما واستووا في أكلهم الأرغفة الثمانية، فقام الرجل وطرح إليهما ثمانية دراهم، وقال خذاها عوضا مما أكلت لكما، ونلته من طعامكما، فتنازعا، فقال صاحب الخمسة أرغفة: لي خمسة دراهم، ولك ثلاثة، وقال صاحب الأرغفة الثلاثة: لا أرضى إلا أن تكون الدراهم بيننا نصفين، فارتفعا إلى أمير المؤمنين علي، فقصا عليه قصتهما فقال لصاحب الثلاثة: قد عرض عليك صاحبك ما عرض، وخبزه أكثر من خبزك، فارض بالثلاثة، فقال: والله لا رضيت عنه إلا بمر الحق، فقال علي: ليس لك في مر الحق إلا درهم واحد، وله سبعة دراهم، فقال الرجل سبحان الله قال: هو ذلك، قال: فعرفني الوجه في مر الحق حتى أقبله، فقال علي: أليس للثمانية أرغفة أربعة وعشرون ثلثا أكلتموها وأنتم ثلاثة أنفس، ولا يعلم الأكثر منكم أكلا ولا الأقل؟ فتحملون في أكلكم على السواء، قال: فأكلت أنت ثمانية أثلاث، وإنما لك تسعة أثلاث، وأكل صاحبك ثمانية أثلاث، وله خمسة عشر ثلثا، وأكل منها ثمانية، وبقى له سبعة أكلها صاحب الدراهم وأكل لك واحدة من تسعة، فلك واحد بواحدك، وله سبعة، فقال الرجل رضيت الآن. وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف عن عطاء قال: أتي علي برجل وشهد عليه رجلان أنه سرق، فأخذ في شيء من أمور الناس، وتهدد شهود الزور، وقال: لا أوتي بشاهد زور، إلا فعلت به كذا وكذا، ثم طلب الشاهدين، فلم يجدهما فخلى سبيله. وقال عبد الرزاق في المصنف: حدثنا الثوري، عن سليمان الشيباني، عن رجل، عن علي: أنه أتي برجل، فقيل له: زعم هذا أنه احتلم بأمي، فقال: اذهب فأقمه بالشمس، فاضرب ظله. وأخرجه ابن عساكر عن طريق جعفر بن محمد عن أبيه: أن خاتم علي بن أبي طالب كان من ورق نقشه: نعم القادر الله. وأخرج عن عمرو بن عثمان بن عفان قال: كان نقش خاتم علي: الملك لله. وأخرج عن المدائني قال: لما دخل على الكوفة دخل عليه رجل من حكماء العرب فقال: والله يا أمير المؤمنين لقد زنت الخلافة، ومازانتك، ورفعتها ومارفعتك، وهي كانت أحوج إليك منك إليها. وأخرج عن مجمع: أن عليا كان يكنس بيت المال، ثم صلى فيه، رجاء أن يشهد له أنه لم يحبس فيه المال عن المسلمين. وقال أبو القاسم الزجاجي في أماليه: حدثنا أبو جعفر محمد بن رستم الطبري، حدثنا أبو الحاتم السجستاني، حدثني يعقوب بن إسحاق الحضرمي، حدثنا سعيد بن سلم الباهلي، حدثنا أبي، عن جدي، عن أبي الأسود الدؤلي، أو قال: عن جدي أبي الأسود عن أبيه، قال: دخلت على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ فرأيته مطرقا مفكرا، فقلت: فيم تفكر يا أمير المؤمنين؟ قال: إني سمعت ببلدكم هذا لحنا، فأردت أن أصنع كتابا
следующие страницы →