وفي سنة اثنتين وأربعين زلزلت الأرض زلزلة عظيمة بتونس، وأعمالها، والري، وخراسان، ونيسابور، وطبرستان، وأصبهان، وتقطعت الجبال، وتشققت الأرض بقدر ما يدخل الرجل في الشق، ورجمت قرية السويداء بناحية مصر من السماء، ووزن حجر من الحجارة فكان عشرة أرطال، وسار جبل باليمن عليه مزارع لأهله حتى أتى مزارع آخرين، ووقع بحلب طائر أبيض دون الرخمة في رمضان فصاح: يا معشر الناس اتقوا الله، الله، الله، الله، وصاح أربعين صوتا ثم طار وجاء من الغد ففعل كذلك، وكتب البريد بذلك، وأشهد عليه خمسمائة إنسان سمعوه.
وفيها حج من البصرة إبراهيم بن مطهر الكاتب على عجلة تجرها الإبل، وتعجب الناس من ذلك.
وفي سنة ثلاث وأربعين قدم المتوكل دمشق، فأعجبته، وبنى له القصر بداريا وعزم على سكناها، فقال يزيد بن محمد المهلبي
أظن الشام تشمت بالعراق … إذا عزم الإمام على انطلاق
فإن تدع العراق وساكنيه … فقد تبلي المليحة بالطلاق
فبدا له ورجع بعد شهرين أو ثلاثة.
وفي سنة أربع وأربعين قتل المتوكل يعقوب بن السكيت الإمام في العربية فإنه ندبه إلى تعليم أولاده، فنظر المتوكل يوما إلى ولديه المعتز والمؤيد فقال لابن السكيت: من أحب إليك هما أو الحسن والحسين؟ فقال: قنبر -يعني: مولى علي- خير منهما، فأمر الأتراك فداسوا بطنه حتى مات، وقيل: أمر بسل لسانه فمات وأرسل إلى ابنه بديته، وكان المتوكل رافضيا.
وفي سنة خمس وأربعين عمت الزلازل الدنيا، فأخربت المدن والقلاع والقناطر وسقط من أنطاكية جبل في البحر، وسمع من السماء أصوات هائلة وزلزلت مصر، وسمع أهل بلبيس من ناحية مصر صيحة هائلة، فمات خلق من أهل بلبيس، وغارت عيون مكة، فأرسل المتوكل مائة ألف دينار لإجراء الماء من عرفات إليها، وكان المتوكل جودا ممدحا، يقال: ما أعطى خليفة شاعرا ما أعطى المتوكل، وفيه يقول مروان بن أبي الجنوب:
فأمسك ندى كفيك عني ولا تزد … فقد خفت أن أطغى وأن أتجبرا
فقال: لا أمسك حتى يغرقك جودي، وكان أجازه على قصيدة بمائة ألف وعشرين ألفا.
ودخل عليه علي بن الجهم يوما وبيديه درتان يقلبهما، فأنشده قصيدة له، فرمى إليه بدرة فقلبها، فقال: تستنقص بها وهي والله خير من مائة ألف؟ فقال: لا ولكني فكرت في أبيات أعملها آخذ بها الأخرى فقال: قل، فقال:
يسر من را إمام عدل … تغرف من بحره البحار
الملك فيه وفي بنيه … ما اختلفت الليل والنهار
يرجى ويخشى بكل خطب … كأنه جنة ونار
يداه في الجود ضرتان … عليه كلتاهما تغار
لم تأت من اليمن شيئا … إلا أتت مثلها اليسار
стр. 282
فرمى إليه بالدرة الأخرى.
قال بعضهم: سلم على المتوكل بالخلافة ثمانية كل واحد منهم أبوه خليفة: منصور بن المهدي، والعباس بن الهادي، وأبو أحمد بن الرشيد، وعبد الله بن الأمين، وموسى بن المأمون، وأحمد بن المعتصم، ومحمد بن الواثق، وابنه المنتصر.
وقال المسعودي: لا يعلم أحد متقدم في جد ولا هزل إلا وقد حظي في دولته، ووصل إليه نصيب وافر من المال، وكان منهمكا في اللذات والشراب، وكان له أربعة آلاف ووطئ الجميع.
وقال علي بن الجهم: كان المتوكل مشغوفا بقبيحة أم ولده المعتز لا يصبر عنها، فوقفت له يوما -وقد كتبت على خديها بالغالية جعفرا- فتأملها وأنشأ يقول:
وكاتبة المسك في الخد جعفرا … بنفسي محط المسك من حيث أثرا
لئن أودعت سطرا من المسك خدها … لقد أودعت قلبي من الحب أسطرا
وفي كتاب المحن للسلمي أن ذا النون أول من تكلم بمصر في ترتيب الأحوال ومقامات أهل الولاية، فأنكر عليه عبد الله بن الحكم -وكان رئيس مصر من جلة أصحاب مالك- وأنه أحدث علما لم يتكلم فيه السلف، ورماه بالزندقة، فدعاه أمير مصر وسأله عن اعتقاده، فتكلم، فرضي أمره، وكتب به إلى المتوكل فأمر بإحضاره، فحمل على البريد، فلما سمع كلامه أولع به وأحبه وأكرمه، حتى كان يقول: إذا ذكر الصالحون فحيهلا بذا النون.
كان المتوكل بايع بولاية العهد لابنه المنتصر، ثم المعتز، ثم المؤيد، ثم إنه أراد تقديم المعتز لمحبته لأمه، فسأل المنتصر أن ينزل عن العهد، فأبى فكان يحضره مجلس العامة، ويحط منزلته ويتهدده ويشتمه ويتوعده، واتفق أن الترك انحرفوا عن المتوكل لأمور، فاتفق الأتراك مع المنتصر على قتل أبيه، فدخل عليه خمسة وهو في جوف الليل في مجلس لهوه، فقتلوه هو ووزيره الفتح بن خاقان وذلك في خامس شوال سنة سبع وأربعين ومائتين.
ورؤي في النوم فقيل له: ما فعل الله بك؟ قال: غفر لي بقليل من السنة أحييتها، ولما قتل رثته الشعراء، ومن ذلك قول يزيد المهلبي:
جاءت منيته والعين هاجعة … هلا أتته المنايا والقنا قصد
خليفة لم ينل ما ناله أحد … ولم يضع مثله روح ولا جسد
وكان من حظاياه وصيفة تسمى محبوبة شاعرة عالمة بصنوف العلم عوادة فلما قتل ضمت إلى بغا الكبير، فأمر بها يوما للمنادمة، فجلست منكسة فقال: غني، فاعتلت فأقسم عليها وأمر بالعود، فوضع في حجرها فغنت ارتجالا:
أي عيش يلذ لي … لا أرى فيه جعفرا؟
ملك قد رأيته … في نجيع معفرا
كل من كان ذا هيام … وسقم فقد برا
غير محبوبه التي … لو ترى الموت يشترى
стр. 283
لاشترته بما حوتـ … ـه يداه لتقبرا
إن موت الحزين أطـ … يب، من أن يعمرا
فغضب بغا، وأمر بها فسجنت، فكان آخر العهد بها.
ومن الغرائب أن المتوكل قال للبحتري: قل في شعرا وفي الفتح بن خاقان فإني أحب أن يحيا معي ولا أفقده فيذهب عيشي ولا يفقدني، فقل في هذا المعنى، فقال:
يا سيدي كيف أخلفت وعدي … وتثاقلت عن وفاء بعهدي؟
لا أرتني الأيام فقدك يا فتـ … ـح ولا عرفتك ما عشت فقدي
أعظم الرزء أن تقدم قبلي … ومن الرزء أن تؤخر بعدي
حذرا أن تكون إلفا لغيري … إذ تفردت بالهوى فيك وحدي
فقتلا معا كما تقدم.
ومن أخبار المتوكل، أخرج ابن عساكر أن المتوكل رأى في النوم كأن سكرا سليما نيئا سقط عليه من السماء مكتوبا عليه جعفر المتوكل على الله، فلما بويع خاض الناس في تسميته فقال بعضهم: نسميه المنتصر، فحدث المتوكل أحمد بن أبي دؤاد بما رأى في منامه، فوجده موافقا فأمضى، وكتب به إلى الآفاق.
وأخرج عن هشام بن عمار قال: سمعت المتوكل يقول: واحسرتا على محمد بن إدريس الشافعي، كنت أحب أن أكون في أيامه فأراه وأشاهده، وأتعلم منه، فإني رأيت رسول الله ﷺ في المنام وهو يقول: أيها الناس إن محمد بن إدريس المطلبي قد صار إلى -رحمة الله- وخلف فيكم علما حسنا فاتبعوه تهدوا، ثم قال: اللهم ارحم محمد بن إدريس رحمة واسعة، وسهل علي حفظ مذهبه، وانفعني بذلك.
قلت: استفدنا من هذا أن المتوكل كان متمذهبا بمذهب الشافعي، وهو أول من تمذهب من الخلفاء.
وأخرج عن أحمد بن علي البصري قال: وجه المتوكل إلى أحمد بن المعدل وغيره من العلماء، فجمعهم في داره ثم خرج عليهم، فقام الناس كلهم له غير أحمد بن المعدل فقال المتوكل لعبيد الله: إن هذا لا يرى بيعتنا، فقال له: بلى يا أمير المؤمنين، ولكن في بصره سوءا، فقال أحمد بن المعدل: يا أمير المؤمنين ما في بصري سوء، ولكن نزهتك من عذاب الله، قال النبي ﷺ : "من أحب أن يتمثل له الرجال قياما فيلتبوأ مقعده من النار". فجاء المتوكل فجلس إلى جنبه.
وأخرج عن يزيد المهلبي قال: قال لي المتوكل: يا مهلبي، إن الخلفاء كانت تتصعب على الرعية لتطيعها وأنا ألين لهم ليحبوني ويطيعوني.
وأخرج عن عبد الأعلى بن حماد النرسي قال: دخلت على المتوكل فقال: يا أبا يحيى ما أبطأك عنا منذ ثلاث لم نرك، كنا هممنا لك بشيء، فصرفناه إلى غيرك، فقلت: يا أمير
стр. 284
المؤمنين جزاك الله عن هذا الهم خيرا، ألا أنشدك بهذا المعنى بيتين؟ قال: بلى، فأنشدته:
لأشكرنك معروفا هممت به … إن اهتمامك بالمعروف معروف
ولا ألومك إذ لم يمضه قدر … فالرزق بالقدر المحتوم مصروف
فأمر لي بألف دينار
وأخرج عن جعفر بن عبد الواحد الهاشمي قال: دخلت على المتوكل لما توفيت أمه، فقال: يا جعفر، ربما قلت البيت الواحد، فإذا جاوزته خلطت، وقد قلت:
تذكرت لما فرق لدهر بيننا … فعزيت نفسي بالنبي محمد
فأجازه بعض من حضر المجلس بقوله:
وقلت لها: إن المنايا سبيلنا … فمن لم يمت في يومه مات في
وأخرج عن الفتح بن خاقان قال: دخلت يوما على المتوكل، فرأيته مطرقا متفكرا، فقلت: يا أمير المؤمنين، ما هذا الفكر؟ فوالله ما على ظهر الأرض أطيب منك عيشا، ولا أنعم منك بالا فقال: يا فتح أطيب عيشا مني رجل له دار واسعة، وزوجة صالحة، ومعيشة حاضرة، لا يعرفنا فنؤذيه، ولا يحتاج إلينا فنزدريه.
وأخرج عن أبي العيناء قال: أهديت إلى المتوكل جارية شاعرة اسمها فضل فقال لها: أشاعرة أنت؟ قالت: هكذا زعم من باعني واشتراني، فقال: أنشدينا شيئا من شعرك، فأنشدته:
استقبل الملك إمام الهدى … عام ثلاث وثلاثينا
خلافة أفضت إلى جعفر … وهو ابن سبع بعد عشرينا
إنا لنرجو يا إمام الهدى … أن تملك الملك ثمانينا
لا قدس الله امرأ لم يقل … عند دعائي لك: آمينا
وأخرج عن علي بن الجهم قال: أهدي إلى المتوكل جارية يقال لها: محبوبة: قد نشأت بالطائف، وتعلمت الأدب، وروت الأشعار فأغرى المتوكل بها، ثم إنه غضب عليها، ومنع جواري القصر من كلامها، فدخلت عليه يوما، فقال لي: قد رأيت محبوبة في منامي كأني صالحتها وصالحتني، فقلت: خيرا يا أمير المؤمنين، فقال: قم بنا لننظر ما هي عليه، فقمنا حتى أتينا حجرتها، فإذا هي تضرب على العود وتقول:
أدور في القصر لا أرى أحدا … أشكو إليه ولا يكلمني
حتى كأني أتيت معصية … ليست له توبة تخلصني
فهل شفيع لنا إلى ملك … قد زارني في الكرى وصالحني؟
حتى إذا ما الصباح لاح لنا … عاد إلى هجره فصارمني
فصاح المتوكل، فخرجت، فأكبت على رجليه تقبلها، فقالت: يا سيدي رأيتك في
стр. 285
ليلتي هذه كأنك قد صالحتني، قال: وأنا والله قد رأيتك، فردها إلى مرتبتها، فلما قتل المتوكل صارت إلى بغا، وذكر الأبيات السابقة.
وأخرج عن علي أن البحتري قال يمدح المتوكل فيما رفع من المحنة، ويهجو ابن أبي دؤاد بقوله:
أمير المؤمنينا لقد شكرنا … إلى آبائك الغر الحسان
رددت الدين فذا بعد أن قد … أراه فرقتين تخاصمان
قصمت الظالمين بكل أرض … فأضحى الظلم مجهول المكان
وفي سنة رمت متجبريهم … على قدر بداهية عيان
فما أبقت من ابن أبي دؤاد … سوى حسد يخاطب بالمعاني
تحير فيه سابور بن سهل … فطاوله ومناه الأماني
إذا أصحابه اصطحبوا بليل … أطالوا الخوض في خلق القرآن
وأخرج عن أحمد بن حنبل قال: سهرت ليلة ثم نمت، فرأيت في نومي كأن رجلا يعرج بي إلى السماء وقائلا يقول:
ملك يقاد إلى مليك عادل … متفضل في العفو ليس بجائر
ثم أصبحنا فجاء نعي المتوكل من سر من رأى إلى بغداد.
وأخرج عن عمرو بن شيبان الجهنمي قال: رأيت في الليلة التي قتل فيها المتوكل في المنام قائلا يقول:
يا نائم العين في أوطار جسمان … أفض دموعك يا عمرو بن شيبان
أما ترى الفئة الأرجاس ما فعلوا … بالهاشمي وبالفتح بن خاقان؟
وافى إلى الله مظلوما تضج له … أهل السموات من مثنى ووحدان
وسوف يأتيك أخي مسومة … توقعوها لها شأن من الشان
فابكوا على جعفر وارثوا خليفتكم … فقد بكاه جميع الإنس والجان
ثم رأيت المتوكل في النوم بعد أشهر، فقلت: ما فعل الله بك؟ قال: غفر لي بقليل من السنة أحييتها، قلت: فما تصنع ههنا؟ قال أنتظر محمدا ابني أخاصمه إلى الله.
أحاديث من رواية المتوكل
قال الخطيب: أخبرنا أبو الحسين الأهوازي، حدثنا محمد بن إسحاق بن إبراهيم القاضي، حدثنا محمد بن هارون الهاشمي، حدثنا محمد بن شجاع الأحمر قال: سمعت المتوكل يحدث عن يحيى بن أكثم، وعن محمد بن عبد المطلب، عن سفيان، عن الأعمش، عن موسى بن عبد الله بن يزيد، عن عبد الرحمن بن هلال، عن جرير، بن عبد الله، عن النبي ﵌ قال: "من حرم الرفق حرم الخير" (١). أخرجه الطبراني في معجمه الكبير من وجه آخر عن جرير.
стр. 286
وقال ابن عساكر: أخبرنا نصر بن أحمد بن مقاتل السوسي، حدثني جدي أبو محمد، حدثنا أبو علي الحسين بن علي الأهوازي، حدثنا أبو محمد عبد الله بن عبد الرحمن بن محمد الأزدي، حدثنا أبو الطيب محمد بن داران غندر، حدثنا هارون بن عبد العزيز بن أحمد العباسي، حدثنا أحمد بن الحسن المقرئ البزار، حدثنا أبو عبد الله محمد بن عيسى الكسائي وأحمد بن زهير وإسحاق بن إبراهيم بن إسحاق، فقالوا: حدثنا علي بن الجهم قال: كنت عند المتوكل فتذاكروا عنده الجمال، فقال: إن حسن الشعر لمن الجمال، ثم قال: حدثني المعتصم، حدثني المأمون، حدثنا الرشيد، حدثنا المهدي، حدثنا المنصور عن أبيه عن جده عن ابن عباس، قال: كانت لرسول الله ﵌ جمة (١) إلى شحمة أذنيه كأنها نظام اللؤلؤ، وكان من أجمل الناس، وكان أسمر رقيق اللون، لا بالطويل ولا بالقصير، وكان لعبد المطلب جمة إلى شحمة أذنيه وقال لنا المتوكل: كان للمعتصم جمة، وكذلك للمأمون، والرشيد، والمهدي، والمنصور، ولأبيه محمد، ولجده علي، ولأبيه عبد الله بن عباس.
قلت: هذا الحديث مسلسل من ثلاثة أوجه: بذكر الجمة، والآباء وبالخلفاء، وفي إسناده ست خلفاء.
مات في أيام خلافة المتوكل من الأعلام: أبو ثور، والإمام أحمد بن حنبل، وإبراهيم بن المنذر الخزامي، وإسحاق بن راهويه النديم، وروح المقرئ، وزهير بن حرب، وسحنون، وسليمان الشاذكوني، وأبو مسعود العسكري، وأبو جعفر النفيلي، وأبو بكر بن أبي شيبة، وأخوه، وديك الجن الشاعر، وعبد الملك بن حبيب إمام المالكية، وعبد العزيز بن يحيى الغول أحد أصحاب الشافعي، وعبيد الله بن عمر القواريري، وعلي بن المديني، ومحمد بن عبد الله بن نمير، ويحيى بن معين، ويحيى بن نكير، ويحيى بن يحيى، ويوسف الأزرق المقرئ، وبشر بن الوليد الكندي المالكي، وابن أبي دؤاد ذاك الكلب لا ﵀، وأبو بكر الهذلي العلاف شيخ الاعتزال ورأس أهل الضلال، وجعفر بن حرب من كبار المعتزلة، وابن كلاب المتكلم والقاضي يحيى بن أكثم، والحارث المحاسبي، وحرملة صاحب الشافعي، وابن السكيت، وأحمد بن منيع، وذو النون المصري الزاهد، وأبو تراب النخشبي، وأبو عمر الدوري المقرئ، ودعبل الشاعر، وأبو عثمان المازني النحوي، وخلائق آخرون.
стр. 287
المنتصر بالله محمد أبو جعفر (١)
المنتصر بالله: محمد، أبو جعفر-وقيل: أبو عبد الله- بن المتوكل بن المعتصم بن الرشيد، أمه أم ولد رومية اسمها حبشية.
وكان مليح الوجه، أسمر، أعين، أقنى، ربعة، جسيما، بطينا، مليحا، مهيبا،
стр. 288
وافر العقل، راغبا في الخير، قليل الظلم، محسنا إلى العلويين، وصولا لهم، أزال عن آل أبي طالب ما كانوا فيه من الخوف والمحنة بمنعهم من زيارة قبر الحسين، ورد على آل الحسين فدك، فقال يزيد المهلبي في ذلك:
ولقد بررت الطالبية بعدما … ذموا زمانا بعدها وزمانا
ورددت ألفة هاشم فرأيتهم … بعد العداوة بينهم إخوانا
بويع له بعد قتل أبيه في شوال سنة سبع وأربعين ومائتين، فخلع أخويه المعتز والمؤيد من ولاية العهد الذي عقده لهما المتوكل بعده، وأظهر العدل والإنصاف في الرعية، فمالت إليه القلوب مع شدة هيبتهم له، وكان كريما حليما.
ومن كلامه: لذة العفو أعذب من لذة التشفي، وأقبح أفعال المقتدر الانتقام.
ولما ولي صار يسب الأتراك ويقول: هؤلاء قتلة الخلفاء فعملوا عليه، وهموا به، فعجزوا عنه، لأنه كان مهيبا، شجاعا، فطنا، متحرزا، فتحيلوا إلي أن دسوا إليه طبيبه ابن طيفور ثلاثين ألف دينار في مرضه، فأشار بفصده ثم فصده بريشة مسمومة فمات ويقال: إن ابن طيفور نسي ذلك ومرض، فأمر غلامه ففصده بتلك الريشة، فمات أيضا، وقيل: بل سم في كمثراة، وقيل: مات بالخوانيق، ولما احتضر قال: يا أماه ذهبت مني الدنيا والآخرة، عاجلت أبي فعوجلت.
مات في خامس ربيع الآخر سنة ثمان وأربعين، عن ست وعشرين سنة أو دونها، فلم يتمتع بالخلافة إلا أشهرا معدودة دون ستة أشهر، وقيل: إنه جلس في بعض الأيام للهو، وقد استخرج من خزائن أبيه فرشا، فأمر بفرشها في المجلس، فرأى بعض البسط دائرة فيها فارس وعليه تاج وحوله كتابة فارسية، فطلب من يقرأ ذلك، فأحضر رجل، فنظره فقطب، فقال: ما هذه؟ قال: لا معنى لها، فألح عليه، فقال: أنا شيرويه بن كسرى بن هرمز، قتلت أبي لم أمتمع بالملك إلا ستة أشهر، فتغير وجه المنتصر، وأمر بإحراق البساط وكان منسوجا بالذهب.
وفي لطائف المعارف للثعالي: أعرق الخلفاء في الخلافة المنتصر، فإنه هو وآباؤه الخمسة خلفاء، وكذلك أخواه المعتز والمعتمد.
قلت: أعرق منه المعتصم الذي قتله التتار، فإن أباءه الثمانية خلفاء.
قال الثعالبي: ومن العجائب أن أعرف الأكاسرة في الملك -وهو شيرويه- قتل أباه فلم يعش بعده إلا ستة أشهر، وأعرق الخلفاء في الخلافة -وهو المنتصر- قتل أباه فلم يتمتع بعده سوى ستة أشهر
стр. 289
المستعين بالله أبو العباس (١)
المستعين بالله: أبو العباس أحمد بن المعتصم بن الرشيد، وهو أخو المتوكل.
стр. 290
ولد سنة إحدى وعشرين ومائتين، و أمه م ولد اسمها مخارق، وكان مليحا أبيض بوجهه أثر جدري ألثغ (١)، ولما مات المنتصر اجتمع القواد وتشاوروا وقالوا: متى وليتم أحدا من أولاد المتوكل لا يبقي منا باقية، فقالوا: ما لها إلا أحمد بن المعتصم ولد أستاذنا، فبايعوه وله ثمان وعشرون سنة، واستمر إلى أول سنة إحدى وخمسين، فتنكر له الأتراك، لما قتل وصيفا وبغا، ونفى باغر التركي الذي فتك بالمتوكل، ولم يكن للمستعين مع وصيف وبغا أمر حتى قيل في ذلك:
خليفة في قفص … بين وصيف وبغا
يقول ما قالا له … كما تقول الببغا
ولما تنكر له الأتراك خاف، وانحدر من سامرا إلى بغداد، فأرسلوا إليه يعتذرون ويخضعون له ويسألونه الرجوع، فامتنع، فقصدوا الحبس، وأخرجوا المعتز بالله وبايعوه، وخلعوا المستعين، ثم جهز المعتز جيشا كثيفا لمحاربة المستعين، واستعد أهل بغداد للقتال مع المستعين، فوقعت بينهما وقعات، ودام القتال أشهرا، وكثر القتل، وغلت الأسعار، وعظم البلاء، وانحل أمر المستعين، فسعوا في الصلح على خلع المستعين، وقام في ذلك إسماعيل القاضي وغيره بشروط مؤكدة، فخلع المستعين نفسه في أول سنة اثنتين وخمسين، وأشهد عليه القضاة وغيرهم، فأحدر إلى واسط، فأقام بها تسعة أشهر محبوسا موكلا به أمين، ثم رد إلى سامرا، وأرسل المعتزل إلى أحمد بن طولون أن يذهب إلى المستعين فيقتله، فقال: والله لا أقتل أولاد الخلفاء، فندب له سعيد الحاجب، فذبحه في ثالث شوال من السنة وله إحدى وثلاثون سنة.
وكان خيرا، فاضلا، بليغا، أديبا، وهو أول من أحدث لبس الأكمام الواسعة، فجعل عرضها نحو ثلاثة أشبار، وصغر القلانس وكانت قبله طوالا.
مات في أيامه من الأعلام: عبد بن حميد، وأبو الطاهر بن السرح، والحارث بن مسكين، والبزي المقرئ، وأبو حاتم السجستاني، والجاحظ، وآخرون.
стр. 291
المعتز بالله محمد (١)
المعتز بالله: محمد -وقيل: الزبير- أبو عبد الله بن المتوكل بن المعتصم بن الرشيد.
ولد سنة اثنتين وثلاثين ومائتين، وأمه أم ولد رومية تسمى قبيحة، وبويع له عند خلع المستعين في سنة اثنتين وخمسين، وله تسع عشرة سنة؛ ولم يل الخلافة قبله أحد أصغر منه.
وكان بديع الحسن، قال علي بن حرب، أحد شيوخ ابن المعتز في الحديث: ما رأيت خليفة أحسن منه، وهو أول خليفة أحدث الركوب بحلية الذهب، وكان الخلفاء قبل يركبون بالحلية الخفيفة من الفضة.
стр. 292
وأول سنة تولى مات أشناس الذي كان الواثق استحلفه على السلطنة، وخلف خمسمائة ألف دينار، فأخذها المعتز، وخلع خلعة الملك على محمد بن عبد الله بن طاهر، وقلده سيفين، ثم عزله وخلع خلعة الملك على أخيه -أعني: أخا المعتز أبا أحمد- وتوجه بتاج من ذهب، وقلنسوة مجوهرة، ووشاحين مجوهرين، وقلده سيفين، ثم عزله عن عامه ونفاه إلى واسط، وخلع على بغا الشرابي، وألبسه تاج الملك؛ فخرج على المعتز به سنة، فقتل وجيء إليه برأسه.
وفي رجب من هذه السنة خلع المعتز أخاه المؤيد من العهد، وضربه وقيده فمات بعد أيام، فخشى المعتز أن يتحدث عنه أنه قتله أو احتال عليه، فأحضر القضاة حتى شاهدوه وليس به أثر، وكان المعتز مستضعفا من الأتراك، فاتفق أن جماعة من كبارهم أتوه وقالوا: يا أمير المؤمنين أعطنا أرزاقنا لنقتل صالح بن وصيف، وكان المعتز يخاف منه، فطلب من أمه مالا لينفقه فيهم، فأبت عليه وشحت نفسها، ولم يكن بقى في بيوت المال شيء، فاجتمع الأتراك على خلعه، ووافقهم صالح بن وصيف، ومحمد بن بغا، فلبسوا السلاح وجاءوا إلى دار الخلافة، فبعثوا إلى المعتز أن اخرج إلينا، فبعث يقول: قد شربت دواء وأنا ضعيف، فهجم عليه الجماعة، وجروا برجله، وضربوه بالدبابيس، وأقاموه في الشمس في يوم صائف، وهم يلطمون وجهه ويقولون: اخلع نفسك، ثم أحضروا القاضي ابن أبي الشوارب والشهود وخلعوه، ثم أحضروا من بغداد إلى دار الخلافة -وهي يومئذ سامرا- محمد بن الواثق، وكان المعتز قد أبعده إلى بغداد، فسلم المعتز إليه بالخلافة وبايعه، ثم إن الملأ أخذو المعتز بعد خمس ليال من خلعه، فأدخلوه الحمام فلما اغتسل عطش، فمنعوه الماء، ثم أخرج -وهو أول ميت مات عطشا- فسقوه ماء بثلج، فشربه وسقط ميتا، وذلك في شهر شعبان المعظم سنة خمس وخمسين ومائتين، واختفت أمه قبيحة، ثم ظهرت في رمضان، وأعطت صالح بن وصيف مالا عظيما، من ذلك ألف ألف دينار وثلثمائة ألف دينار، وسفط فيه مكوك زمرد، وسفط فيه لؤلؤ حب كبار، وكيلجة ياقوت أحمر، وغير ذلك، فقومت السفاط بألفي دينار، فلما رأى ابن وصيف ذلك قال: قبحها الله؛ عرضت ابنها للقتل لأجل خمسين ألف دينار، وعندها هذا، فأخذ الجميع ونفاها إلى مكة، فبقيت بها إلى أن تولى المعتمد، فردها إلى سامرا، وماتت سنة أربع وستين.
مات في أيام المعتز من الأعلام: سري السقطي الزاهد، وهارون بن سعيد الأيلي، والدارمي صاحب المسند، والعتبي صاحب المسائل العتبية في مذهب مالك، وآخرون رحمهم الله تعالى.
стр. 293
المهتدي بالله محمد بن الواثق (١)
المهتدي بالله الخليفة الصالح: محمد أبو إسحاق -وقيل: أبو عبد الله- بن الواثق بن المعتصم بن الرشيد
стр. 294
أمه أم ولد تسمى وردة، ولد في خلافة جده سنة بضع عشرة ومائتين، وبويع بالخلافة لليلة بقيت من رجب سنة خمس وخمسين ومائتين وما قبل بيعته أحد حتى أتى بالمعتز، فقام المهتدي له وسلم عليه بالخلافة، وجلس بين يديه، فجيء بالشهود فشهدوا على المعتز أنه عاجز عن الخلافة، فاعترف بذلك ومد يده فبايع المهتدي، فارتفع حينئذ المهتدي إلى صدر المجلس.
وكان المهتدي أسمر، رقيقا، مليح الوجه، ورعا متعبدا، عادلا، قويا في أمر الله، بطلا، شجاعا لكنه لم يجد ناصرا ولا معينا.
قال الخطيب: لم يزل صائما منذ ولي إلى أن قتل، وقال هاشم بن القاسم: كنت بحضرة المهتدي عشية في رمضان، فوثبت لأنصرف، فقال لي: اجلس، فجلست، وتقدم فصلى بنا، ثم دعا بالطعام، فأحضر طبق خلاف وعليه رغيف من الخبز النقي، وفيه آنية فيها ملح طعام وخل وزيت، ودعاني إلى الأكل، فابتدأت آكل ظانا أنه سيؤتي بطعام، فنظر إلي وقال: ألم تك صائما؟ قلت: بلى، قال: أفلست عازما على الصوم؟ فقلت: كيف لا وهو رمضان؟ فقال: كل واستوف فليس ههنا من الطعام غير ما ترى، فعجبت ثم قلت: ولم يا أمير المؤمنين؛ وقد أسبغ الله نعمته عليك؟! فقال: إن الأمر ما وصفت، ولكني فكرت في أنه كان في بني أمية عمر بن عبد العزيز وكان من التقلل والتقشف على ما بلغك فغرت على بني هاشم، فأخذت نفسي بما رأيت.
وقال جعفر بن عبد الواحد: ذاكرت المهتدي بشيء، فقلت له: كان أحمد بن حنبل يقول به، ولكنه كان يخالف -أشير إلى من مضى من آبائه- فقال: رحم الله أحمد حنبل والله لو جاز لي أن أتبرأ من أبي لتبرأت منه، ثم قال لي: تكلم بالحق وقل به، فإن الرجل يتكلم بالحق فينبل في عيني.
وقال نفطويه: حدثني بعض الهاشميين أنه وجد للمهتدي سفط في جبة صوف وكساء كان يلبسه بالليل ويصلي فيه، وكان قد اطرح الملاهي، وحرم الغناء، وحسم أصحاء السلطان عن الظلم، وكان شديد الإشراف على أمر الدواوين، يجلس بنفسه، ويجلس الكتاب بين يديه، فيعملون الحساب، وكان لا يخل بالجلوس الاثنين والخميس، وضرب جماعة من الرؤساء، ونفى جعفر بن محمود إلى بغداد، وكره مكانه؛ لأنه نسب عنده إلى الرفض.
وقدم موسى بن بغا من الري يريد سامرا لقتل صالح بن وصيف بدم المعتز، وأخذ أموال أمه ومعه جيشه، فصاحت العامة على ابن وصيف: يا فرعون! قد جاءك موسى، فطلب موسى من بغا الإذن على المهتدي، فلم يأذن له، فهجم بمن معه عليه وهو جالس في دار العدل فأقاموه، وحملوه على فرس ضعيفة، وانتهبوا القصر، وأدخلوا المهتدي إلى دار ناجود وهو يقول: يا موسى اتق الله، ويحك! ما تريد؟ قال: والله ما نريد إلا خيرا، فاحلف لنا ألا تمالئ صالح بن وصيف، فحلف لهم، فبايعوه حينئذ ثم طلبوا صالحا ليناظروه على أفعاله، فاختفى، وندبهم المهتدي إلى الصلح فاتهموه أنه يدري مكانه، فجرى
стр. 295
في ذلك كلام، ثم تكلموا في خلعه، فخرج إليهم المهتدي من الغد متلقدا بسيفه، فقال: قد بلغني شأنكم، لست كمن تقدمني مثل المستعين والمعتز، والله ما خرجت إليكم إلا وأن متحنط، وقد أوصيت، وهذا سيفي، والله لأضربن ما استمسكت قائمته بيدي، أما دين، أما حياء، أما دعة؟ لم يكن الخلاف على الخلفاء والجرأة على الله؟ ثم قال: ما أعلم علم صالح، فرضوا وانفضوا، ونادى موسى بن بغا: من جاء بصالح فله عشرة آلاف دينار، فلم يظفر به أحد، واتفق أن بعض الغلمان دخل زقاقا وقت الحر، فرأى بابا مفتوحا فدخل فمشى في دهليز مظلم، فرأى صالحا نائما فعرفه -وليس عنده أحد- فجاء إلى موسى فأخبره، فبعث جماعة فأخذوه وقطعت رأسه وطيف به، وتألم المهتدي لذلك في الباطن، ثم رحل موسى ومعه بكيال إلى السن في طلب مساور، فكتب المهتدي إلى بكيال أن يقتل موسى ومفلحا أحد أمراء الأتراك أيضا أو يمسكهما، ويكون هو الأمير على الأتراك كلهم، فأوقف بكيال موسى على كتابه، وقال: إني لست أفرح بهذا، وإنما هذا يعمل علينا كلنا، فأجمعوا على قتل المهتدي، وساروا إليه، فقاتل عن المهتدي المغاربة، والفراغنة، والأشروسنية، وقتل من الأتراك في يوم أربعة آلاف، ودام القتال إلى أن هزم جيش الخليفة، وأمسك هو فعصر على خصيتيه فمات، وذلك في رجب سنة ست وخمسين، فكانت خلافته سنة إلا خمسة عشر يوما، وكان لما قامت الأتراك عليه ثار العوام، وكتبوا رقاعا وألقوها في المساجد: يا معشر المسلمين! ادعو الله لخليفتكم العدل الرضا المضاهي لعمر بن عبد العزيز أن ينصره الله على عدوه.
стр. 296
المعتمد على الله أبو العباس (١)
المعتمد على الله أبو العباس -وقيل: أبو جعفر- أحمد بن المتوكل بن المعتصم بن الرشيد ولد سنة تسع وعشرين ومائتين وأمه رومية اسمها فتيان، ولما قتل المهتدي وكان المعتمد محبوسا بالجوسق، فأخرجوه وبايعوه، ثم إنه استعمل أخاه الموفق طلحة على المشرق، وصير ابنه جعفرا ولي عهد، وولاه مصر والمغرب، لقبه المفوض إلى الله، وانهمك المعتمد في اللهو واللذات، واشتغل عن الرعية، فكرهه الناس، وأحبوا أخاه طلحة.
وفي أيامه دخلت الزنج البصرة وأعمالها وأخربوها، وبذلوا السيف وأحرقوا وخربوا وسبوا، وجرى بينهم وبين عسكره عدة وقعات وأمير عسكره في أكثرها الموفق أخوه، وأعقب ذلك الوباء الذي لا يكاد يتخلف عن الملاحم بالعراق، فمات خلق لا يحصون، ثم أعقبه هزات وزلازل، فمات تحت الردم ألوف من الناس، واستمر القتال مع الزنج من حين تولى المعتمد سنة ست وخمسين إلى سنة سبعين، فقتل فيه رأس الزنج لعنه الله واسمه بهبوذ، وكان ادعى أنه أرسل إلى الخلق فرد الرسالة وأنه مطلع على المغيبات.
وذكر الصولي أنه قتل من المسلمين ألف ألف وخمسمائة ألف آدمي، وقتل في يوم واحد
стр. 297
بالبصرة ثلاثمائة ألف، وكان له منبر في مدينته يصعد عليه ويسب عثمان، وعليا، ومعاوية، وطلحة، والزبير، وعائشة، ﵃.
وكان ينادي على المرأة العلوية في عسكره بدرهمين وثلاثة وكان عند الواحد من الزنج العشر من العلويات يطؤهن ويستخدمهن.
ولما قتل هذا الخبيث دخل برأسه بغداد على رمح، وعملت قباب الزينة، وضج الناس بالدعاء للموفق، ومدحه الشعراء، وكان يوما مشهودا، وأمن الناس وتراجعوا إلى المدن التي أخذها، وهي كثيرة كواسط ورامهرمز.
وفي سنة ستين من أيامه وقع غلاء مفرط بالحجاز والعراق، وبلغ كر الحنطة في بغداد مائة وخمسين دينارا، وفيها أخذت الروم بلد لؤلؤة.
وفي سنة إحدى وستين بايع المعتمد بولاية العهد بعده لابنه المفوض إلى الله جعفر، ثم من بعده لأخيه الموفق طلحة، وولى ولده المغرب، والشام، والجزيرة، وأرمينية، وولى أخاه المشرق والعراق، وبغداد، والحجاز، واليمن، وفارس، وأصبهان، والري، وخراسان، وطبرستان، وسجستان، والسند، وعقد لكل منهما لواءين: أبيض، وأسود، وشرط إن حدث به حدث أن الأمر لأخيه إن لم يكن ابنه جعفر قد بلغ، وكتب العهد وأنفذه مع قاضي القضاة ابن أبي الشوارب ليعلقه في الكعبة.
وفي سنة ست وستين وصلت عساكر الروم إلى ديار بكر، ففتكوا، وهرب أهل الجزيرة، والموصل، وفيها وثبت الأعراب على كسوة الكعبة فانتهبوها.
وفي سنة سبع وستين استولى أحمد بن عبد الله الحجابي على خراسان، وكرمان، وسجستان، وعزم على قصد العراق، وضرب السكة باسمه، وعلى الوجه الآخر اسم المعتمد، وهذا محل الغرابة، ثم إنه في آخر السنة قتله غلمانه، فكفى الله شره.
وفي سنة تسع وستين اشتد تخيل المعتمد من أخيه الموفق، فإنه كان خرج عليه في سنة أربع وستين ثم اصطلحا، فلما اشتد تخيله منه هذا العام كاتب المعتمد ابن طولون نائبه بمصر، واتفقا على أمر، فخرج ابن طولون حتى قدم دمشق، وخرج المعتمد من سامرا على وجه التنزه، وقصده دمشق، فلما بلغ ذلك الموفق كتب إلى إسحاق بن كنداج ليرده فركب ابن كنداج من نصيبين إلى المعتمد، فلقيه بين الموصل والحديثة، فقال: يا أمير المؤمنين! أخوك في وجه العدو وأنت تخرج عن مستقرك ودار ملكك، ومتى صح هذا عنده رجع عن مقاومة الخارجي، فيغلب عدوك على ديار آبائك، في كلمات أخر، ثم وكل بالمعتمد جماعة، وسم على طائفة من خواصه، ثم بعث إلى المعتمد يقول: ما هذا بمقام فارجع، فقال: المعتمد: فاحلف لي أنك تنحدر معي ولا تسلمني، فحلف له، وانحدر إلى سامرا فتلقاه صاعد بن مخلد كاتب الموفق، فسلمه إسحاق إليه، فأنزله في دار أحمد بن الخصيب، ومنعه من نزول دار الخلافة، ووكل به خمسمائة رجل يمنعون من الدخول إليه، ولما بلغ الموفق ذلك بعث إلى إسحاق بخلع وأموال، وأقطعه ضياع القواد الذين كانوا مع المعتمد،
стр. 298
ولقبه ذا السندين: ولقب صاعدا ذا الوزارتين، وأقام صاعد في خدمة المعتمد، ولكن ليس للمعتمد حل ولا ربط وقال المعتمد في ذلك:
أليس من العجائب أن مثلي … يرى ما قل ممتنعا عليه؟
وتؤخذ باسمه الدنيا جميعا … وما من ذاك شيء في يديه
إليه تحمل الأموال طرا … ويمنع بعض ما يجبى إليه
وهو أول خليفة قهر وحجر عليه ووكل به، ثم أدخل المعتمد واسط، ولما بلغ ابن طولون ذلك جمع الفقهاء، والقضاة، والأعيان، وقال: قد نكث الموفق بأمير المؤمنين فاخلعوه من العهد، فخلعوه إلا القاضي بكار بن قتيبة فإنه قال: أنت أوردت علي من المعتمد كتابا بولايته العهد فأورد علي كتابا آخر منه بخلعه، فقال: إنه محجور عليه ومقهور، فقال: لا أدري، فقال ابن طولون: غرك الناس بقولهم: ما في الدنيا مثل بكار، أنت شيخ قد خرفت، وحبسه وقيده وأخذ منه جميع عطاياه من سنين، فكانت عشرة آلاف دينار، فقيل: إنها وجدت في بيت بكار بختمها، وبلغ الموفق ذلك، فأمر بلعن ابن طولون على المنابر.
ثم في شعبان من سنة سبعين أعيد المعتمد إلى سامرا ودخل بغداد، ومحمد بن طاهر بين يديه بالحربة والجيش في خدمته كأنه لم يحجر عليه ومات ابن طولون في هذه السنة، فولى الموفق ابنه العباس أعماله، وجهزه إلى مصر في جنود العراق، وكان خمارويه بن أحمد بن طولون أقام على ولايات أبيه بعده، فوقع بينه وبين أبي العباس بن الموفق وقعة عظيمة بحيث جرت الأرض من الدماء، وكان النصر للمصريين.
وفي هذه السنة انبثق ببغداد في نهر عيسى بثق، فجاء الماء إلى الكرخ فهدم سبعة آلاف دار.
وفيها نازلت الروم طرسوس في مائة ألف، فكانت النصرة للمسلمين، وغنموا ما لا يحصى، وكان فتحا عظيما عديم المثل.
وفيها ظهرت دعوة المهدي عبيد الله بن عبيد جد بني عبيد خلفاء المصريين الروافض، في اليمن، وأقام على ذلك إلى سنة ثمان وسبعين، فحج تلك السنة واجتمع بقبيلة من كتامة، فأعجبهم حاله، فصحبهم إلى مصر، ورأى منهم طاعة وقوة فصحبهم إلى المغرب، فكان ذلك أول شأن المهدي.
وفي سنة إحدى وسبعين، قال الصولي: ولي هارون بن إبراهيم الهاشمي الحسبة فأمر أهل بغداد أن يتعاملوا بالفلوس، فتعاملوا بها على كره ثم تركوها.
وفي سنة ثمان وسبعين غار نيل مصر، فلم يبق منه شيء، وغلت الأسعار، وفيها مات الموفق، واستراح منه المعتمد.
وفيها ظهرت القرامطة (١) بالكوفة وهم نوع من الملاحدة يدعون أنه لا غسل من الجنابة،
стр. 299
وأن الخمر حلال، ويزيدون في أذانهم: وأن محمد ابن الحنفية رسول الله وأن الصوم في السنة يومان: يوم النيروز، ويوم المهرجان، وأن الحج والقبلة إلى بيت المقدس، وأشياء أخرى، ونفق قولهم على الجهال، وأهل البر، وتعب الناس بهم.
وفي سنة تسع وسبعين ضعف أمر المعتمد جدا، لتمكن أبي العباس بن الموفق من الأمور، وطاعة الجيش له، فجلس المعتمد مجلسا عاما، وأشهد فيه على نفسه أنه خلع ولده المفوض من ولاية العهد، وبايع لأبي العباس، ولقبه المعتضد، وأمر المعتضد في هذه السنة ألا يقعد في الطريق منجم ولا قصاص، واستحلف الوراقين ألا يبيعوا كتب الفلاسفة والجدل.
ومات المعتمد بعد أشهر من هذه السنة فجأة، فقيل: إنه سم، وقيل: بل نام فغم في بساط، وذلك ليلة الاثنين لإحدى عشرة بقيت من رجب، وكانت خلافته ثلاثا وعشرين سنة، إلا أنه كان مقهورا مع أخيه الموفق لاستيلائه على الأمور، ومات وهو كالمحجور عليه من بعض الوجوه من جهة المعتضد أيضا.
وممن مات في أيامه من الأعلام: البخاري، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه، والربيع الجيزي، والربيع المرادي، والمزني، ويونس بن عبد الأعلى، والزبير بن بكار، وأبو الفضل الرياشي، ومحمد بن يحيى الذهلي، وحجاج بن يوسف الشاعر، والعجلي الحافظ، وقاضي القضاة ابن أبي الشوارب، والسوسي المقرئ، وعمر بن شبة، وأبو زرعة الرازي، ومحمد بن عبد الله بن عبد الحكم، والقاضي بكار، وداود الظاهري، وابن دارة، وبقي بن مخلد، وابن قتيبة، وأبو حاتم الرازي، وآخرون.
ومن قول عبد الله بن المعتز في المعتمد يمدحه:
يا خير من تزجى المطي له … ويمر حبل العهد موثقه
أضحى عنان الملك مقتسرا … بيديك تحبسه وتطلقه
فاحكم لك الدنيا وساكنها … ما طاش سهم أنت موفقه
ومن شعر المعتمد لما حجر عليه:
أصبحت لا أملك دفعا لما … أسام من خسف ومن ذلة
تمضي أمور الناس دوني، ولا … يشعرني في ذكرها قلتي
إذا اشتهيت الشيء ولوا به … عني، وقالوا: ههنا علتي
قال الصولي: كان له وراق يكتب شعره بماء الذهب.
стр. 300
ورثاه أبو سعيد الحسن بن سعيد النيسابوري بقوله:
لقد قر طرف الزمان النكد … وكان سخيفا كليلا رمد
وبلغت الحادثات المنى … بموت إمام الهدى المعتمد
ولم يبق لي حذره بعده … فدون المصائب فلتجتهد
стр. 301
المعتضد بالله أحمد (١)
المعتضد بالله: أحمد أبو العباس ابن ولي العهد الموفق طلحة بن المتوكل بن المعتصم بن الرشيد، ولد في ذي القعدة سنة اثنتين وأربعين ومائتين، وقال الصولي: في ربيع الأول سنة ثلاث وأربعين ومائتين، وأمه أم ولد اسمها صواب -وقيل: حرز، وقيل: ضرار- وبويع له في رجب سنة تسع وسبعين ومائتين بعد عمه المعتمد، وكان ملكا شجاعا، مهيبا، ظاهر الجبروت، وافر العقل، شديد الوطأة، من أفراد خلفاء بني العباس، وكان يقدم على الأسد وحده لشجاعته، وكان قليل الرحمة: إذا غضب على قائد أمر بأن يلقى في حفرة ويطم عليه، وكان ذا سياسة عظيمة.
قال عبد الله بن حمدون: خرج المعتضد يتصيد، فنزل إلى جانب مقثأة -وأنا معه- فصاح الناطور، فقال: علي به، فأحضر، فسأله، فقال: ثلاثة غلمان نزلوا المقثأة فأخربوها، فجيء بهم فضربت أعناقهم من الغد في المقثأة، ثم كلمني بعد مدة فقال: اصدقني فيما ينكر علي الناس، قلت: الدماء، قال: والله ما سفكت دما حراما منذ وليت، قلت: فلم قتلت أحمد بن الطيب؟ قال: دعاني إلى الإلحاد، قلت: فالثلاثة الذين نزلوا المقثأة؟ قال: والله ما قتلتهم، وإنما قتلت لصوصا قد قتلوا، وأوهمت أنهم هم.
وقال إسماعيل القاضي: دخلت على المعتضد وعلى رأسه أحداث صباح الوجوه روم، فنظرت إليهم، فلما أردت القيام قال لي: أيها القاضي، والله ما حللت سراويلي على حرام قط.
ودخلت مرة، فدفع إلي كتابا، فنظرت فيه، فإذا هو قد جمع له فيه الرخص من زلل العلماء، فقلت: مصنف هذا زنديق، فقال: أمختلق؟ قلت: لا ولكن من أباح المسكر لم يبح المتعة، ومن أباح المتعة لم يبح الغناء، وما من عالم إلا وله زلة، ومن أخذ بكل زلل العلماء ذهب دينه، فأمر بالكتاب فأحرق.
وكان المعتضد شهما، جلدا، موصوفا بالرجولة، قد لقى الحروب، وعرف فضله، فقام بالأمر أحسن قيام، وهابه الناس، ورهبوه أحسن رهبة، وسكنت الفتن في أيامه لفرط هيبته.
وكانت أيامه طيبة، كثيرة الأمن والرخاء.
وكان قد أسقط المكوس، ونشر العدل، ورفع الظلم عن الرعية.
وكان يسمى السفاح الثاني؛ لأنه جدد ملك بني العباس، وكان قد خلق وضعف، وكاد يزول، وكان في اضطراب من وقت قتل المتوكل، وفي ذلك يقول ابن الرومي يمدحه:
стр. 302
هنيئا بني العباس، إن إمامكم … إمام الهدى والبأس والجود أحمد
كما بأبى العباس أنشئ ملككم … كذا بأبي العباس أيضا يجدد
إمام يظل الأمس يعمل نحوه … تلهف ملهوف ويشتاقه الغد
وقال في ذلك ابن المعتز أيضا:
أما ترى ملك بني هاشم … عاد عزيزا بعد ما ذللا
يا طالبا للملك كن مثله … تستوجب الملك، وإلا فلا
وفي أول سنة استخلف فيها منع الوراقين من بيع كتب الفلاسفة وما شاكلها، ومنع القصاص والمنجمين من القعود في الطريق، وصلى بالناس صلاة الأضحى، فكبر في الأولى ستا، وفي الثانية واحدة، ولم تسمع منه الخطبة.
وفي سنة ثمانين دخل داعي المهدي إلى القيروان، وفشا أمره، ووقع القتال بينه وبين صاحب إفريقية، وصار أمره في زيادة.
وفيها ورد كتاب من الدبيل أن القمر كسف في شوال، وأن الدنيا أصبحت مظلمة إلى العصر فهبت رياح سوداء، فدامت إلى ثلث الليل، وأعقبها زلزلة عظيمة أذهبت عامة المدينة، فكان عدة من أخرج من تحت الردم مائة ألف وخمسين ألفا.
وفي سنة إحدى وثمانين فتحت مكورية في بلاد الروم.
وفيها غارت مياه الري وطبرستان، حتى بيع الماء ثلاثة أرطال بدرهم، وقحط الناس، وأكلوا الجيف.
وفيها هدم المعتضد دار الندوة بمكة، وصيرها مسجدا إلى جانب المسجد الحرام.
وفي سنة اثنتين وثمانين أبطل ما يفعل في النيروز، من وقيد النيران، وصب الماء على الناس وأزال سنة المجوس.
وفيها زفت إليه قطر الندى بنت خمارويه بن أحمد بن طولون، فدخل عليها في ربيع الأول، وكان في جهازها أربعة آلاف تكة مجوهرة، وعشر صناديق جوهر؛ وفي سنة ثلاث وثمانين كتب إلى الآفاق بأن يورث ذوو الأرحام، وأن يبطل ديوان المواريث، وكثر الدعاء للمعتضد.
وفي سنة أربع وثمانين ظهرت بمصر حمرة عظيمة حتى كان الرجل ينظر إلى وجه الرجل فيراه أحمر، وكذا الحيطان، فتضرع الناس بالدعاء إلى الله تعالى، وكانت من العصر إلى الليل.
قال ابن جرير: وفيها عزم المعتضد على لعن معاوية على المنابر، فخوفه عبيد الله الوزير اضطراب العامة، فلم يلتفت، وكتب كتابا في ذلك، ذكر فيه كثيرا من مناقب علي، ومثالب معاوية، فقال له القاضي يوسف: يا أمير المؤمنين! أخاف الفتنة عند سماعه، فقال: إن تحركت العامة وضعت السيف فيها، قال: فما تصنع بالعلويين الذين هم في كل ناحية قد خرجوا عليك؟ وإذا سمع الناس هذا من فضائل أهل البيت كانوا إليهم أميل،
стр. 303
فأمسك المعتضد عن ذلك.
وفي سنة خمس وثمانين هبت ريح صفراء بالبصرة ثم صارت خضراء، ثم صارت سوداء، وامتدت في الأمصار، ووقع عقبها برد، وزنة البردة مائة وخمسون درهما، وقلعت الريح نحو خمسمائة نخلة، ومطرت قرية حجارة سودا وبيضا.
وفي سنة ست وثمانين ظهر بالبحرين أبو سعيد القرمطي، وقويت شوكته -وهو أبو أبي طاهر سليمان الذي يأتي أنه قلع الحجر الأسود- ووقع القتال بينه وبين عسكر الخليفة، وأغار على البصرة ونواحيها، وهزم جيش الخليفة مرات.
ومن أخبار المعتضد ما أخرجه الخطيب وابن عساكر عن أبي الحسين الخصيبي، قال: وجه المعتضد إلى القاضي أبي حازم يقول: إن لي على فلان مالا، وقد بغلني أن غرماء أثبتوا عندك، وقد قسطت لهم من ماله، فاجعلنا كأحدهم، فقال أبو حازم: قل له: أمير المؤمنين -أطال الله بقاءه! - ذاكر لما قال لي وقت قلدني: إنه قد أخرج الأمر من عنقه وجعله في عنقي، ولا يجوز لي أن أحكم في مال رجل لمدع إلا ببينة، فرجع إليه فأخبره، فقال: قل له: فلان وفلان يشهدان -يعني: رجلين جليلين- فقال: يشهدان عندي، وأسأل عنهما؟ فإن زكيا قبلت شهادتهما، وإلا أمضيت ما قد ثبت عندي، فامتنع أولئك من الشهادة فزعا، ولم يدفع إلى المعتضد شيئا.
قال ابن حمدون النديم: غرم المعتضد على عمارة البحيرة ستين ألف دار، وكان يخلو فيها مع جواريه وفيهن محبوبته دريرة، فقال ابن بسام:
ترك الناس بحيره … وتخلى في البحيرة
قاعدا يضرب بالطبل … على حر دريرة
فبلغ ذلك المعتضد فلم يظهر أنه بلغه، ثم أمر بتخريب تلك العمارات ثم ماتت دريرة في أيام المعتضد، فجزع عليها جزعا شديدا، وقال يرثيها:
يا حبيبا لم يكن يعـ … ـدله عندي حبيب
أنت عن عيني بعيد … ومن القلب قريب
ليس لي بعدك في شـ … ـيء من اللهو نصيب
لك من قلبي على قلـ … ـبي وإن بنت رقيب
وخيال منك مذ غبـ … ـت خيال لا يغيب
لو تراني كيف لي بعـ … ـدك عول ونحيب؟
وفؤادي حشوه من … حرق الحزن لهيب
لتيقنت بأني … فيك محزون كئيب
ما أرى نفسي وإن سلـ … ـيتها عنك تطيب
لي دمع ليس يعصيـ … ـني وصبر ما يجيب
стр. 304
وقال بعضهم يمدح المعتضد، وهي على جزء جزء:
طيف ألم … بذي سلم
بين الخيم … يطوي الأكم
جاد نعم … يشفي السقم
ممن لثم … وملتزم
فيه هضم … إذا يضم
داوى الألم … ثم انصرم
فلم أنم … شوقا وهم
اللوم ذم … كم ثم كم
لوم الأصم؟ … أحمد لم
كل الثلم … مما انهدم
هو العلم … والمعتصم
خير النسم … خالا وعم
حوى الهمم … وما احتلم
طود أشم … سمح الشيم
جلا الظلم … كالبدر تم
رعى الذمم … حمى الحرم
فلم يؤم … خص وعم
بما قسم … له النعم
مع النقم … والخير جم
إذا ابتسم … والماء دم
واعتل المعتضد في ربيع الآخر سنة تسع وثمانين علة صعبة، كان مزاجه قد تغير من كثرة إفراطه في الجماع، ثم تماسك، فقال ابن المعتز:
طار قلبي بجناح الوجيب … جزعا من حادثات الخطوب
وحذرا أن يشاك بسوء … أسد الملك وسيف الحروب
ثم انتكس، مات يوم الاثنين لثمان بقين منه.
وحكى المسعودي قال: شكوا في موت المعتضد، فتقدم إليه الطبيب وجس نبضه ففتح عينيه، ورفس الطبيب برجله، فدحاه أذرعا فمات الطبيب ثم مات المعتضد من ساعته، ولما احتضر أنشد:
تمنع من الدنيا فإنك لا تبقى … وخذ صفوها ما إن صفت ودع الرناقا
ولا تأمنن الدهر، إني أمنته … فلم يبق لي حالا، ولم يرع لي حقا
стр. 305
قتلت صناديد الرجال فلم أدع … عدوا، ولم أمهل على ظنة خلقا
وأخليت دور الملك من كل بازل … وشتتهم غربا، ومزقتهم شرقا
فلما بلغت النجم عزا ورفعة … ودانت رقاب الخلق أجمع لي رقا
رماني الردى سهما فأخمد جمرتي … فها أنا ذا في حفرتي عاجلا ملقى
فأفسدت دنياي وديني سفاهة … فمن ذا الذي مني بمصرعه أشقى؟
فيا ليت شعري بعد موتي ما أرى … إلى نعمة لله أم ناره ألقى؟
ومن شعر المعتضد:
يا لاحظي بالفتور والدعج … وقاتلي بالدلال والغنج
أشكو إليك الذي لقيت من الـ … ـوجد فهل لي إليك من فرج؟
حللت بالظرف والجمال من الـ … ـناس محل العيون والمهج
وله، أنشد الصولي:
لم يلق من حر الفراق … أحد كما أن منه لاق
يا سائلي عن طعمه … ألفيته مر المذاق
جسمي يذوب، ومقلتي … عبري، وقلبي ذو احتراق
ما لي أليف بعدكم … إلا اكتئابي واشتياقي
فالله يحفظكم جميعا … في مقام وانطلاق
ولابن المعتز يرثيه:
يا دهر ويحك ما أبقيت لي أحدا … وأنت والد سوء تأكل الولدا
أستغفر الله، بل ذا كله قدر، … رضيت بالله ربا واحدا صمدا
يا ساكن القبر في غبراء مظلمة … بالظاهرية مقصى الدار منفردا
أين الجيوش التي قد كنت تنجبها؟ … أين الكنوز التي أحصيتها عددا؟
أين السرير الذي قد كنت تملؤه … مهابة من رأته عينه ارتعدا؟
أين الأعادي الأولى ذللت مصعبهم؟ … أين الليوث التي صيرتها بددا؟
أين الجياد التي حجلتها بدم … وكن يحملن منك الضيغم الأسدا؟
أين الرماح التي غديتها مهجا … مذ مت ما وردت قلبا ولا كبدا؟
أين الجنان التي تجري جداولها … وتستجيب إليها الطائر الغردا؟
أين الوصائف كالغزلان راتعة … يسحبن من حلل موشية جددا؟
أين الملاهي؟ وأين الراح تحسبها … ياقوتة كسيت من فضة زردا؟
أين الوثوب إلى الأعداء مبتغيا … صلاح ملك بني العباس إذ فسدا؟
ما زلت تقسر منهم كل قسورة … وتحطم العالي الجبار معتمدا
ثم انقضيت، فلا عين ولا أثر … حتى كأنك يوما لم تكن أحدا
стр. 306
مات في أيام المعتضد من الأعلام: ابن المواز المالكي، وابن أبي الدنيا، وإسماعيل القاضي، والحارث بن أبي أسامة، وأبو العيناء، والمبرد، وأبو سعيد الخراز شيخ الصوفية، والبحتري الشاعر، وخلائق آخرون.
وخلف المعتضد من الأولاد أربعة ذكور، ومن الإناث إحدى عشرة.
стр. 307
المكتفي بالله أبو محمد (١)
المكتفي بالله: أبو محمد علي بن المعتضد، ولد في غرة ربيع الآخر سنة أربع وستين ومائتين، وأمه تركية اسمها جيجك، وكان يضرب بحسنها المثل حتى قال بعضهم:
قايست بين جمالها وفعالها … فإذا الملاحة بالخيانة لا تفي
والله لا كلمتها، ولو أنها … كالشمس أو كالبدر أو كالمكتفي
وعهد إليه أبوه، فبويع في مرضه يوم الجمعة بعد العصر لإحدى عشرة بقيت من ربيع الآخر سنة تسع وثمانين.
قال الصولي: وليس من الخلفاء من اسمه علي إلا هو وعلي بن أبي طالب ﵁ ولا من يكنى أبا محمد سوى الحسن بن علي، والهادي، والمكتفي.
ولما بويع له عند موت أبيه كان غائبا بالرقة، فنهض بأعباء البيعة الوزير أبو الحسن القاسم بن عبيد الله، وكتب له فوافى بغداد في سابع جمادى الأولى، ومر بدجلة في سمارية وكان يوما عظيما، وسقط أبو عمر القاضي من الزحمة في الجسر، وأخرج سالما، ونزل المكتفي بدار الخلافة، وقالت الشعراء، وخلع على القاسم الوزير سبع خلع، وهدم المطامير التي اتخذها أبوه وصيرها مساجد، وأمر برد البساتين والحوانيت التي أخذها أبوه من الناس ليعملها قصرا إلى أهلها، وسار سيرة جميلة، فأحبه الناس ودعوا له.
وفي هذه السنة زلزلت بغداد زلزلة عظيمة أياما، وفيها هبت ريح عظيمة بالبصرة قلعت عامة نخلها، ولم يسمع بمثل ذلك.
وفيها خرج يحيى بن زكرويه القرمطي، فاستمر القتال بينه وبين عسكر الخليفة إلى أن قتل في سنة تسعين، فقام عوضه أخوه الحسين، وأظهر شامة في وجهه وزعم أنها آيته، وجاء ابن عمه عيسى بن مهرويه، وزعم أن لقبه المدثر، وأنه المعني في السورة، ولقب غلاما له: المطوق بالنور، وظهر على الشام، وعاث وأفسد، وتسمى بأمير المؤمنين المهدي، ودعي له على المنابر، ثم قتل الثلاثة في سنة إحدى وتسعين.
وفي هذه السنة فتحت أنطالية -باللام- من بلاد الروم عنوة، وغنم منها ما لا يحصى من الأموال.
وفي سنة اثنتين زادت دجلة زيادة لم ير مثلها حتى خربت بغداد، وبلغت الزيادة أحدا وعشرين ذراعا.
стр. 308
ومن شعر الصولي يمدح المكتفي الخليفة ويذكر القرمطي:
قد كفى المكتفي الخليفة … ما كان قد حذر
إلى أن قال:
آل عباس أنتم … سادة الناس والغرر
حكم الله أنكم … حكماء على البشر
وأولو الأمر منكم … صفوة الله والخير
من رأى أن مؤمنا … من عصاكم فقد كفر
أنزل الله ذاكم … قبل في محكم السور
قال الصولي: سمعت المكتفي يقول في علته: والله ما آسى إلا على سبعمائة ألف دينار صرفتها من مال المسلمين في أبنية ما احتجت إليها، وكنت مستغنيا عنها، أخاف أن أسأل عنها، وإني أستغفر الله منها.
مات المكتفي شابا في ليلة الأحد لاثنتي عشرة ليلة خلت من ذي القعدة سنة خمس وتسعين، وخلف ثمانية أولاد ذكور وثماني بنات.
وممن مات في أيامه من الأعلام: عبد الله بن أحمد بن حنبل، وثعلب إمام العربية، وقنبل المقرئ، وأبو عبد الله البوشنجي الفقيه، والبزار صاحب المسند، وأبو مسلم الكجي، والقاضي أبو حازم، وصالح جزرة، ومحمد بن نصر المروزي الإمام، وأبو الحسين النوري شيخ الصوفية، وأبو جعفر الترمذي شيخ الشافعية بالعراق.
ورأيت في تاريخ نيسابور لعبد الغافر عن ابن أبي الدنيا قال: لما أفضت الخلافة إلى المكتفي كتبت إليه بيتين:
إن حق التأديب حق الأبوه … عند أهل الحجي وأهل المروه
وأحق الرجال أن يحفظوا ذا … ك ويرعوه أهل البيت النبوه
قال فحمل إلي عشرة آلاف درهم، وهذا يدل على تأخر ابن أبي الدنيا إلى أيام المكتفي.
стр. 309
المقتدر بالله أبو الفضل (١)
المقتدر بالله: أبو الفضل جعفر بن المعتضد، ولد في رمضان سنة اثنتين وثمانين ومائتين، وأمه رومية -وقيل: تركية، اسمها غريب، وقيل: شغب- ولما اشتدت علة أخيه المكتفي سأل عنه، فصح عنده أنه احتلم فعهد إليه، ولم يل الخلافة قبله أصغر منه؛ فإنه وليها وله ثلاث عشرة سنة، فاستصباه الوزير العباس بن الحسن، فعمل على خلعه، ووافقه جماعة على أن يولوا عبد الله بن المعتز، فأجاب ابن المعتز بشرط ألا يكون فيها دم، فبلغ المقتدر ذلك، أصبح حال العباس، ودفع إليه أموالا أرضته، فرجع عن ذلك، وأما الباقون فإنهم
стр. 310
ركبوا عليه في العشرين من ربيع الأول سنة ست والمقتدر يلعب الأكرة، فهرب ودخل وأغلقت الأبواب، وقتل الوزير وجماعة، وأرسل إلى ابن المعتز فجاء وحضر القواد والقضاة والأعيان، وبايعوه بالخلافة ولقبوه الغالب بالله، فاستوزر محمد بن داود بن الجراح، واستقضى أبا المثنى أحمد بن يعقوب، ونفذت الكتب بخلافة ابن المعتز.
قال المعافى بن زكريا الجريري: لما خلع المقتدر وبويع ابن المعتز دخلوا على شيخنا محمد بن جرير الطبري، فقال: ما الخبر؟ قيل: بويع ابن المعتز، قال: فمن رشح للوزارة؟ قيل: محمد بن داود، قال: فمن ذكر للقضاء؟ قيل: أبو المثنى، فأطرق ثم قال: هذا الأمر لا يتم، قيل له: وكيف؟ قال: كل واحد ممن سميتهم متقدم في معناه عالي الرتبة والزمان مدبر والدنيا مولية، وما أرى هذا إلا اضمحلال، وما أرى لمدته طولا.
وبعث ابن المعتز إلى المقتدر يأمره بالانصراف إلى دار محمد بن طاهر لكي ينتقل ابن المعتز إلى دار الخلافة، فأجاب، ولم يكن بقي معه إلا طائفة يسيرة، فقالوا: يا قوم! نسلم هذا الأمر ولا نجرب نفوسنا في دفع ما نزل بنا، فلبسوا السلاح وقصدوا المخرم وبه ابن المعتز، فلما رآهم من حوله ألقى الله في قلوبهم الرعب، فانصرفوا منهزمين بلا قتال، وهرب ابن المعتز، ووزيره وقاضيه، ووقع النهب والقتل في بغداد، وقبض المقتدر على الفقهاء والأمراء الذين خلعوه، وسلموا إلى يونس الخازن فقتلهم إلا أربعة -منهم القاضي أبو عمر- سلموا من القتل، وحبس ابن المعتز، ثم أخرج فيما بعد ميتا، واستقام الأمر للمقتدر؛ فاستوزر أبا الحسن علي بن محمد بن الفرات، فسار أحسن سيرة، وكشف المظالم، حض المقتدر على العدل، ففوض إليه الأمر لصغره، واشتغل باللعب واللهو، وأتلف الخزائن.
وفي هذه السنة أمر المقتدر ألا يستخدم اليهود والنصارى، وأن يركبوا بالأكف.
وفيها غلب أمر المهدي بالمغرب، وسلم عليه بالإمامة، ودعي له بالخلافة، وبسط في الناس العدل والإحسان، فانحرفوا إليه، وتمهدت له المغرب، وعظم ملكه، وبنى المهدية، وهرب أمير إفريقية زيادة الله بن الأغلب إلى مصر، ثم أتى العراق، وخرجت المغرب عن أمر بني العباس من هذا التاريخ؛ فكانت مدة ملكهم جميع الممالك الإسلامية مائة وبضعا وستين سنة، ومن هنا دخل النقص عليهم.
قال الذهبي: اختل النظام كثيرا في أيام المقتدر لصغره.
وفي سنة ثلاثمائة ساخ جبل بالدينور في الأرض، وخرج من تحته ماء كثير أغرق القرى،
وفيها ولدت بغلة فلوا (١)، فسبحان القادر على ما يشاء!.
وفي سنة إحدى وثلاثمائة ولي الوزارة علي بن عيسى؛ فسار بعفة وعدل وتقوى، وأبطل الخمور، وأبطل المكوس (٢) ما ارتفاعه في العام خمسمائة ألف دينار، وفيها أعيد القاضي أبو عمر إلى القضاء، وركب المقتدر من داره إلى الشماسية وهي أول ركبة ركبها وظهر فيها للعامة.
стр. 311
وفيها أدخل الحسين الحلاج مشهورا على جمل إلى بغداد، فصلب حيا، ونودي عليه هذا أحد دعاة القرامطة فاعرفوه ثم حبس إلى أن قتل في سنة تسع، وأشيع عنه أنه ادعى الإلهية، وأنه يقول بحلول اللاهوت في الأشراف، ويكتب إلى أصحابه من النور الشعشعاني، ونوظر فلم يوجد عنده شيء من القرآن، ولا الحديث، ولا الفقه.
وفيها سار المهدي الفاطمي يريد مصر في أربعين ألفا من البربر، فحال النيل بينه وبينها، فرجع إلى الإسكندرية، وأفسد فيها وقتل، ثم رجع فسار إليه المقتدر إلى برقة، وجرت لهم حروب، ثم ملك الفاطمي الإسكندرية والفيوم من هذا العام.
وفي سنة اثنتين ختن المقدر خمسة من أولاده، فغرم على ختانهم ستمائة ألف دينار، وختن معهم طائفة من الأيتام، وأحسن إليهم.
وفيها صلى العيد في جامع مصر، ولم يكن يصلى فيه العيد قبل ذلك، فخطب بالناس علي بن أبي شيخة من الكتاب نظرا، وكان من غلطه أن قال: اتقو الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مشركون.
وفيها أسلم الديلم علي يد الحسن بن علي العلوي الأطروش، وكان مجوسيا.
وفي سنة أربع وقع الخوف ببغداد من حيوان يقال له: الزبزب، ذكر الناس أنهم يرونه بالليل على الأسطحة وأنه يأكل الأطفال، ويقطع ثدي المرأة، فكانوا يتحارسون ويضربون بالطاسات ليهرب، واتخذ الناس لأطفالهم مكاب، ودام عدة ليال.
وفي سنة خمس قدمت رسل ملك الروم بهدايا، وطلبت عقد هدنة؛ فعمل المقتدر موكبا عظيما، فأقام العسكر وصفهم بالسلاح -وهم مائة وستون ألفا- من باب الشماسية إلى دار الخلافة، وبعدهم الخدام وهم سبعة آلاف خادم، ويليهم الحجاب وهم سبعمائة حاجب، وكانت الستور التي نصبت على حيطان دار الخلافة ثمانية وثلاثين ألف ستر من الديباج، والبسط اثنين وعشرين ألفا، وفي الحضرة مائة وسبع في السلاسل، إلى غير ذلك.
وفي هذه السنة وردت هدايا صاحب عمان، وفيها طير أسود يتكلم بالفارسية والهندية أفصح من الببغاء.
وفي سنة ست فتح مارستان أم المقتدر، وكان مبلغ النفقة فيه في العام سبعة آلاف دينار.
وفيها صار الأمر والنهي لحرم الخليفة ولنسائه لركاكته، وآل الأمر إلى أن أمرت أم المقتدر بمثل القهرمانة أن تجلس للمظالم وتنظر في رقاع الناس كل جمعة؛ فكانت تجلس وتحضر القضاة والأعيان وتبرز التواقيع وعليها خطبها.
وفيها عاد القائم محمد بن المهدي الفاطمي إلى مصر فأخذ أكثر الصعيد.
وفي سنة ثمان غلت الأسعار ببغداد وسغبت (١) العامة لكون حامد بن العباس ضمن السواد وجدد المظالم، ووقع النهب، وركب الجند فيها، وشتتهم العامة، ودام القتال أياما، وأحرق العامة الحبس، وفتحوا السجون، ونهبوا الناس، ورجموا الوزير، واختلفت أحوال الدولة
стр. 312
العباسية جدا، وفيها ملكت جيوش القائم الجزيرة من الفسطاط، واشتد قلق أهل مصر، وتأهبوا للحروب وجرت أمور وحروب يطول شرحها.
وفي سنة تسع قتل الحلاج بإفتاء القاضي أبو عمر والفقهاء والعلماء أنه حلال الدم، وله في أحواله السنية أخبار أفردها الناس بالتصنيف.
وفي سنة إحدى عشرة أمر المقتدر برد المواريث إلى ما صيرها المعتضد من توريث ذوي الأرحام.
وفي سنة اثنتي عشرة فتحت فرغانة على يد والي خراسان.
وفي سنة أربع عشرة دخلت الروم ملطية بالسيف.
وفيها جمدت دجلة بالموصل، وعبرت عليها الدواب، وهذا لم يعهد.
وفي سنة خمس عشرة دخلت الروم دمياط، وأخذوا من فيها وما فيها، وضربوا الناقوس في جامعها،
وفيها ظهرت الديلم على الري والجبال فقتل خلق وذبحت الأطفال.
وفي سنة ست عشرة بنى القرمطي دارا سماها دار الهجرة، وكان في هذه السنين قد كثر فساده وأخذه البلاد وفتكه المسلمين، واشتد الخطب به، وتمكنت هيبته في القلوب، وكثر أتباعه، وبث السرايا، وتزلزل له الخليفة، وهزم جيش المقتدر غير مرة، وانقطع الحج في هذه السنين خوفا من القرامطة، ونزح أهل مكة عنها، وقصدت الروم ناحية خلاط، وأخرجوا المنبر من جامعها وجعلوا الصليب مكانه.
وفي سنة سبع عشرة خرج مؤنس الخادم الملقب بالمظفر على المقتدر؛ لكونه بلغه أن يريد أن يولي إمرة الأمراء هارون بن غريب مكان مؤنس، وركب معه سائر الجيش والأمراء والجنود، وجاءوا إلى دار الخلافة، فهربت خواص المقتدر وأخرج المقتدر بعد العشاء، وذلك في ليلة رابع عشر المحرم من داره، وأمه، وخالته وحرمه ونهب لأمه ستمائة ألف دينار، وأشهد عليه بالخلع، وأحضر محمد بن المعتضد، وبايعه مؤنس والأمراء، ولقبوه القاهر بالله وفوضت الوزارة إلى أبي علي بن مقلة، وذلك يوم السبت وجلس القاهر يوم الأحد، وكتب الوزير عنه إلى بلاد، وعمل الموكب يوم الاثنين، فجاء العسكر يطلبون رزق البيعة ورزق السنة، ولم يكن مؤنس حاضرا، فارتفعت الأصوات، فقتلوا الحاجب ومالوا إلى دار مؤنس يطلبون المقتدر ليردوه إلى الخلافة، فحملوه على أعناقهم إلى دار مؤنس إلى قصر الخلافة، وأخذ القاهر فجيء به وهو يبكي ويقول: الله الله في نفسي فاستنداه وقبله، وقال له: يا أخي أنت والله لا ذنب لك، والله لا جرى عليك مني سوء أبدا، فطب نفسا، وسكن الناس، وعاد الوزير فكتب إلى الأقاليم بعود الخلافة إلى خلافته، وبذل المقتدر الأموال في الجند.
وفي هذه السنة سير المقتدر ركب الحاج مع منصور الديلمي، فوصلوا إلى مكة سالمين،
стр. 313
فوفاهم يوم التروية عدو الله أبو طاهر القرمطي، فقتل الحجيج في المسجد الحرام قتلا ذريعا، وطرح القتلى في بئر زمزم، وضرب الحجر الأسود بدبوس فكسره، قم اقتلعه، وأقام بها أحد عشر يوما، ثم رحلوا وبقي الحجر الأسود عندهم أكثر من عشرين سنة، ودفعه لهم فيه خمسون ألف دينار، فأبوا حتى أعيد في خلافة المطيع.
وقيل: إنهم لما أخذوه هلك تحته أربعون جملا من مكة إلى هجر، فلما أعيد حمل على قعود هزيل فسمن.
قال محمد بن الربيع بن سليمان: كنت بمكة سنة القرامطة؛ فصعد رجل لقلع الميزاب وأنا أراه: فعيل صبري وقلت: يا رب ما أحلمك، فقسط الرجل على دماغه فمات، وصعد القرمطي على باب الكعبة وهو يقول:
أنا بالله وبالله أنا … يخلق الخلق وأفنيهم أنا
ولم يفلح أبو طاهر القرمطي بعدها، وتقطع جسده بالجدري.
وفي هذه السنة هاجت فتنة كبرى ببغداد بسبب قوله تعالى: ﴿عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا﴾ [الإسراء: ٧٩] فقالت الحنابلة: معناها يقعده الله على عرشه، وقال غيرهم: بل هي الشفاعة، ودام الخصام، واقتتلوا جماعة كثيرة.
وفي سنة تسع عشرة نزل القرمطي الكوفة، وخاف أهل بغداد من دخوله إليها، فاستغاثوا ورفعوا أصواتهم والمصاحف، وسبوا المقتدر، وفيها دخلت الديلم الدينور وسبوا وقتلوا.
وفي سنة عشرين ركب مؤنس على المقتدر، فكان معظم جند مؤنس البربر، فلما التقى الجمعان رمى البربر المقتدر بحربة سقط منها إلى الأرض ثم ذبحه بالسيف، وشيل رأسه على رمح، وسلب ما عليه، وبقي مكشوف العورة حتى ستر بالجيش، ثم حفر له بالموضع ودفن، وذلك يوم الأربعاء لثلاث بقين من شوال.
وقيل: إن وزيره أخذ له ذلك اليوم طالعا، فقال له المقتدر: أي وقت هو؟ قال: وقت الزوال، فتطير وهم بالرجوع، فأشرفت خيل مؤنس، ونشبت الحرب.
وأما البربري الذي قتله فإن الناس صاحوا عليه، فسار نحو دار الخلافة ليخرج القاهر فصادفه حمل شوك فزحمه إلى دكان لحمام فعلقه كلاب، وخرج الفرس من مشواره من تحته فمات؛ فحطه الناس وأحرقوه بالحمل والشوك.
وكان المقتدر جيد العقل، صحيح الرأي لكنه كان مؤثرا للشهوات والشراب مبذرا، وكان النساء غلبن عليه، فأخرج عليهن جميع جواهر الخلافة ونفائسها، وأعطى بعض حظاياه الدرة اليتيمة ووزنها ثلاثة مثاقيل، وأعطى زيدان القهرمان سبحة جوهر لم ير مثلها، وأتلف أموالا كثيرة، وكان في داره أحد عشر ألف غلام خصيان غير الصقالبة والروم والسود، وخلف اثني عشر ولدا ذكرا، وولي الخلافة من أولاده ثلاثة: الراضي، والمتقي، و المطيع، وكذلك اتفق للمتوكل، والرشيد. وأما عبد الملك فولي الأمر من أولاده أربعة، ولا نظير لذلك إلا في الملوك، كذا قال الذهبي.
стр. 314
قلت: في زماننا ولي الخلافة من أولاد المتوكل خمسة: المستعين العباس، والمعتضد داود، والمستكفي سليمان، والقائم حمزة، والمستنجد يوسف، ولا نظير لذلك.
وفي لطائف المعارف للثعالبي نادرة: لم يل الخلافة من اسمه جعفر إلا المتوكل والمقتدر، فقتلا جميعا، المتوكل ليلة الأربعاء، والمقتدر يوم الأربعاء.
ومن محاسن المقتدر ما حكاه ابن شاهين: أن وزيره علي بن عيسى أراد أن يصلح بين ابن صاعد وبين أبي بكر بن أبي داود السجستاني، فقال الوزير: يا أبا بكر! أبو محمد أكبر منك، فلو قمت إليه، قال: لا أفعل، فقال الوزير: أنت شيخ زيف، فقال ابن أبي داود: الشيخ الزيف الكذاب على رسول الله ﷺ فقال: من؟ فقال: هذا، ثم قام ابن أبي داود وقال: تتوهم أني أذل لك لأجل أن رزقي يصل إلي على يديك؟ والله لا أخذت من يدك شيئا أبدا، فبلغ المقتدر ذلك، فصار يزن بيده، ويبعث به في طبق على يد الخادم.
مات في أيام المقتدر من الأعلام: محمد بن داود الظاهري، ويوسف بن يعقوب القاضي، وابن شريح شيخ الشافعية، والجنيد شيخ الصوفية، وأبو عثمان الحيري الزاهد، وأبو بكر البرديجي، وجعفر الفريابي، وابن بسام الشاعر، والنسائي صاحب السنن، والجبائي شيخ المعتزلة، وابن المواز النحوي، وابن الجلاء شيخ الصوفية، وأبو يعلى الموصلي صاحب المسند، والأشناني المقرئ، وابن سيف من كبار قراء مصر، وأبو بكر الروياني صاحب المسند، وابن المنذر الإمام، وابن جرير الطبري، والزجاج النحوي، وابن خزيمة، وابن زكريا الطبيب، والأخفش الصغير، وبنان الجمال، وأبو بكر بن أبي داود السجستاني، وابن السراج النحوي، وأبو عوانة صاحب الصحيح، وأبو القاسم البغوي المسند، وأبو عبيد بن حربويه، والكعبي شيخ المعتزلة، وأبو عمر القاضي، وقدامة الكتاب، وخلائق آخرون.
стр. 315
القاهر بالله أبو منصور (١)
القاهر بالله: أبو منصور محمد بن المعتضد بن طلحة بن المتوكل.
أمه أم ولد اسمها فتنة؛ لما قتل المقتدر أحضر هو ومحمد بن المكتفي، فسألوا ابن المكتفي أن يتولى، فقال: لا حاجة لي في ذلك، وعمي هذا أحق به، فكلم القاهر، فأجاب، فبويع، ولقب القاهر بالله كما لقب به في سنة سبع عشرة، فأول ما فعل أن صادر آل المقتدر، وعذبهم، وضرب أم المقتدر حتى ماتت في العذاب.
وفي سنة إحدى وعشرين شغب عليه الجند، واتفق مؤنس وابن مقلة وآخرون على خلعه بابن المكتفي، فتحيل القاهر عليه إلى أن أمسكهم وذبحهم وطين على ابن المكتفي بين حائطين، وأما ابن مقلة فاختفى، فأحرقت داره، ونهبت دور المخالفين، ثم أطلق أرزاق الجند فسكنوا، واستقام الأمر للقاهر، وعظم في القلوب، وزيد في ألقابه: المنتقم من أعداء دين الله، ونقش ذلك على السكة.
стр. 316
وفي هذه السنة أمر بتحريم القيان والخمر، وقبض على المغنين، ونفى المخانيث، وكسر آلات اللهو، وأمر ببيع المغنيات من الجواري على أنهن سواذج، وكان مع ذلك لا يصحو من السكر، ولا يفتر عن سماع الغناء.
وفي سنة اثنتين وعشرين ظهرت الديلم، وذلك لأن أصحاب مرداويج دخلوا أصبهان، وكان من قواده على بن بويه، فاقتطع مالا جليلا، فانفرد عن مخدومه، ثم التقى هو ومحمد بن ياقوت نائب الخليفة، فهزم محمد، واستولى ابن بويه على فارس، وكان بويه فقيرا صعلوكا يصيد السمك، رأى كأنه بال فخرج عن ذكره عمود نار، ثم تشعب العمود حتى ملأ الدنيا، فعبرت بأن أولاده يملكون الدنيا، ويبلغ سلطانهم على قدر ما احتوت عليه النار، فمضت السنون وآل الأمر على هذا إلى أن صار قائدا لمرداويج بن زياد الديلمي، فأرسله يستخرج له مالا من الكرخ، فاستخرج خمسمائة ألف درهم، وأتى همذان ليملكها، فغلق أهلها في وجهه الأبواب، فقاتلهم وفتحها عنوة، وقيل: صلحا ثم سار إلى شيراز.
ثم إنه قل ما عنده من المال، فنام على ظهره، فخرجت حية من سقف المجلس، فأمر بنقضه، فخرجت صناديق ملأى ذهبا، فأنفقها في جنده.
وطلب -خياطا يخيط له شيئا، وكان أطروشا- فظن أنه قد سعى به، فقال: والله ما عندي سوى اثني عشر صندوقا، لا أعلم ما فيها، فأحضرت فوجدت فيها مالا عظيما.
وركب يوما، فساخت قوائم فرسه، فحفروه، فوجدوا فيها كنزا، واستولى على البلاد وخرجت خراسان وفارس عن حكم الخلافة.
وفي هذه السنة قتل القاهر إسحاق بن إسماعيل النوبختي الذي كان قد أشار بخلافة القاهر، ألقاه على رأسه في بئر وطمت، وذنبه أنه زايد القاهر قبل الخلافة في جارية، واشتراها، فحقد عليه.
وفيها تحرك الجند عليه؛ لأن ابن مقلة في اختفائه كان يوحشهم منه، ويقول لهم: إنه بنى لكم المطامير ليحبسكم، وغير ذلك، فأجمعوا على الفتك به، فدخلوا عليه بالسيوف، فهرب، فأدركوه وقبضوا عليه في سادس جمادى الآخرة وبايعوا أبا العباس محمد بن المقتدر ولقبوه: الراضي بالله، ثم أرسلوا إلى القاهر الوزير والقضاة أبا الحسين بن القاضي أبي عمر، والحسن بن عبد الله بن أبي الشوارب، وأبا طالب بن البهلول، فجاءوه، فقيل له: ما تقول؟ قال: أنا أبو منصور محمد بن المعتضد، لي في أعناقهم بيعة وفي أعناق الناس، ولست أبرئكم، ولا أحللكم منها، فقوموا، فقاموا، فقال الوزير: يخلع ولا نفكر فيه، أفعاله مشهورة، وقال القاضي أبو الحسين: فدخلت على الراضي وأعدت عليه ما جرى، وأعملته أني أرى إمامته فرضا، فقال: انصرف ودعني وإياه، فأشار سيماء مقدم الحجرية على الراضي بسمله، فكحله بمسمار محمي.
قال محمد الأصبهاني: كان سبب خلع القاهر سوء سيرته، وسفكه الدماء فامتنع من الخلع، فسملوا عينيه حتى سالتا على خديه.
стр. 317
وقال الصولي: كان أهوج، سفاكا للدماء، قبيح السيرة، كثير التلون والاستحالة، مدمن الخمر، ولولا جودة حاجبه سلامة لأهلك الحرث والنسل.
وكان قد صنع حربة يحميها، فلا يطرحها حتى يقتل بها إنسانا.
قال علي بن محمد الخراساني: أحضرني القاهر يوما والحربة بين يديه، فقال: أسألك عن خلفاء بني العباس، عن أخلاقهم وشيمهم، قلت: أما السفاح فكان مسارعا إلى سفك الدماء، واتبعه عماله على مثل ذلك، وكان مع ذلك سمحا وصولا بالمال، قال: فالمنصور؟ قلت: كان أول من أوقع الفرقة بين ولد العباس وولد أبي طالب، وكانوا قبلها متفقين، وهو أول خليفة قرب المنجمين، وأول خليفة ترجمت له الكتب السريانية والأعجمية، ككتاب كليلة ودمنة، وكتاب إقليدس، وكتاب اليونان، فنظر الناس فيها وتعلقوا بها، فلما رأى ذلك محمد بن إسحاق جمع المغازي والسير، والمنصور أول من استعمل مواليه وقدمهم على العرب، قال: فالمهدي؟ قلت: كان جوادا عادلا منصفا، رد ما أخذ أبوه من الناس غصبا، وبالغ في إتلاف الزنادقة، وبنى المسجد الحرام، ومسجد المدينة، والمسجد الأقصى، قال: فالهادي؟ قلت: كان جبارا متكبرا، فسلك عماله طريقه على قصر أيامه، قال: فالرشيد؟ قلت: كان مواظبا على الغزو والحج، وعمر القصور والبرك بطريق مكة، وبنى الثغور: كأذنة، وطرسوس، والمصيصة، ومرعش، وعم الناس إحسانه، وكان في أيامه البرامكة، وما اشتهر من كرمهم، وهو أول خليفة لعب بالصوالجة، ورمى النشاب في البرجاس ولعب بالشطرنج من بني العباس، قال: فالأمين؟ قلت: كان جوادا، إلا أنه انهمك في لذاته، ففسدت الأمور قال: فالمأمون؟ قلت: سلك طريقه، وغلب عليه النجوم والفلسفة، وكان حليما جوادا، قال: فالمعتصم؟ قلت: غلب عليه حب الفروسية والتشبه بملوك الأعاجم، واشتغل بالغزو والفتوح، قال: فالواثق؟ قلت: سلك طريقة أبيه، قال: فالمتوكل؟ قلت: خالف ما كان عليه المأمون والمعتصم والواثق من الاعتقادات، ونهى عن الجدال، والمناظرات، والأهواء، وعاقب عليها، وأمر بقراءة بالحديث وسماعه، ونهى عن القول بخلق القرآن، فأحبه الناس، ثم سأل عن باقي الخلفاء، وأنا أجيبه بما فيهم، فقال لي: سمعت كلامك، وكأني أشاهد القوم، ثم قام.
وقال المسعودي: أخذ القاهر من مؤنس وأصحابه مالا عظيما، فلما خلع وسمل طولب بها فأنكر، فعذب بأنواع، فلم يقر بشيء، فأخذه الراضي بالله، فقربه وأدناه، وقال له: قد ترى مطالبة الجند بالمال، وليس عندي شيء، والذي عندك فليس بنافع لك، فاعترف به، فقال: أما إذا فعلت هذا فالمال مدفون في البستان وكان قد أنشأ بتسانا فيه أصناف الشجر، حملت إليه من البلاد، وزخرفه، وعمل فيه قصرا، وكان الراضي مغرما بالبستان والقصر، فقال: وفي أي مكان المال منه؟ فقال: أنا مكفوف، لا أهتدي إلى مكان فاحفر البستان تجده؟ فحفر الراضي البستان وأساسات القصرن وقلع الشجر، فلم يجد شيئا، فقال له: وأين المال؟ فقال: وهل عندي مال؟ وإنما كان حسرتي في جلوسك في البستان وتنعمك،
стр. 318
فأردت أن أفجعك فيه، فندم الراضي وحبسه، فأقام إلى سنة ثلاث وثلاثين، ثم أطلقوه وأهملوه، فوقف يوما بجامع المنصور بين الصفوف وعليه مبطنة بيضاء، وقال: تصدقوا علي، فأنا من قد عرفتم، وذلك في أيام المستكفي ليشنع عليه، فمنع من الخروج إلى أن مات سنة تسع وثلاثين في جمادى الأولى عن ثلاث وخمسين سنة،
وكان له من الولد: عبد الصمد، وأبو القاسم، وأبو الفضل، وعبد العزيز.
ومات في أيامه من الأعلام: الطحاوي شيخ الحنفية، وابن دريد، وأبو هاشم الجبائي، وآخرون.
стр. 319
الراضي بالله أبو العباس (١)
الراضي بالله: أبو العباس محمد بن المقتدر بن المعتضد بن طلحة بن المتوكل.
ولد سنة سبع وتسعين ومائتين، وأمه أم ولد رومية اسمه ظلوم، بويع له يوم خلع القاهر، فأمر ابن مقلة أن يكتب كتابا فيه مثالب القاهر ويقرأ على الناس.
وفي هذا العام -أي عام اثنتين وعشرين وثلاثمائة- من خلافته مات مرداويج مقدم الديلم بأصبهان، وكان قد عظم أمره، وتحدثوا أنه يريد قصد بغداد، وأنه مسالم لصاحب المجوس، وكان يقول: أنا أرد دولة العجم، وأمحق دولة العرب.
وفيها بعث على بن بويه إلى الراضي يقاطعه على البلاد التي استولى عليها بثمانمائة ألف ألف درهم كل سنة، فبعث له لواء وخلعا، ثم أخذ ابن بويه يماطل بحمل المال.
وفيها مات المهدي صاحب المغرب، وكانت أيامه خمسا وعشرين سنة، وهو جد خلفاء المصريين الذين يسمونهم الجهلة الفاطميين، فإن المهدي هذا ادعى أنه علوي، وإنما جده مجوسي، قال القاضي أبو بكر الباقلاني: جد عبيد الله الملقب بالمهدي مجوسي، دخل عبيد الله المغرب وادعى أنه علوي، ولم يعرفه أحد من علماء النسب، وكان باطنيا خبيثا، حريصا على إزالة ملة الإسلام، أعدم العلماء والفقهاء، ليتمكن من إغواء الخلق وجاء أولاده على أسلوبه: أباحوا الخمور والفروج، وأشاعوا الرفض، وقام بالأمر بعد موت هذا ابنه القائم بأمر الله أبو القاسم محمد.
وفي هذه السنة ظهر محمد بن علي الشلمغاني المعروف بأبي القراقر، وقد شاع عنه أنه يدعي الإلهية؟ وأنه يحيي الموتى، فقتل وصلب وقتل معه جماعة من أصحابه.
وفيها توفي أبو جعفر السجزي أحد الحجاب، قيل: بلغ من العمر مائة وأربعين سنة وحواسه جيدة، وفيها انقطع الحج من بغدد إلى سنة سبع وعشرين.
وفي سنة ثلاث وعشرين تمكن الراضي الله، وقلد ابنيه أبا الفضل وأبا جعفر المشرق والمغرب.
стр. 320
وفيها كانت واقعة شنبوذ المشهورة واستتابته عن القراءة بالشاذ والمحضر الذي كتب عليه، وذلك بحضرة الوزير أبي علي بن مقلة، وفيها في جمادى الأولى هبت ريح عظيمة ببغداد واسودت الدنيا، وأظلمت من العصر إلى المغرب.
وفيها في ذي القعدة انقضت النجوم سائر الليل انقضاضا عظيما ما رؤي مثله.
وفي سنة أربع وعشرين تغلب محمد بن رائق أمير واسط ونواحيها، وحكم على البلاد وبطل أمر الوزارة والدواوين، وتولى هو الجميع وكتابه، وصارت الأموال تحمل إليه، وبطلت بيوت المال، وبقي الراضي معه صورة وليس له من الخلافة إلا الاسم.
وفي سنة خمس وعشرين اختل الأمر جدا، وصارت البلاد بين خارجي قد تغلب عليها أو عامل لا يحمل مالا، وصاروا مثل ملوك الطوائف، ولم يبق بيد الراضي غير بغداد والسواد مع كون يد ابن رائق عليه، ولما ضعف أمر الخلافة في هذه الأزمان ووهت أركان الدولة العباسية، وتغلبت القرامطة والمبتدعة على الأقاليم، قويت همة صاحب الأندلس الأمير عبد الرحمن بن محمد الأموي المرواني وقال: أنا أولى الناس بالخلافة، وتسمى بأمير المؤمنين الناصر لدين الله، واستولى على أكثر الأندلس، وكانت له الهيبة الزائدة والجهاد والغزو والسيرة المحمودة، استأصل المتغلبين، وفتح سبعين حصنا، فصار المسمون بأمير المؤمنين ثلاثة: العباسي ببغداد وهذا بالأندلس، والمهدي بالقيروان.
وفي سنة ست وعشرين خرج بجكم على ابن رائق، فظهر عليه، واختفى ابن رائق، فدخل بجكم بغداد، فأكرمه الراضي، ورفع منزلته، ولقبه أمير الأمراء، وقلده إمارة بغداد وخراسان، وفي سنة سبع وعشرين كتب أبو علي عمر بن يحيى العلوي إلى القرمطي-وكان يحبه- أن يطلق طريق الحاج ويعطيه عن كل جمل خمسة دنانير، فأذن وحج الناس، وهي أول سنة أخذ فيها المكس من الحجاج.
وفي ثمان وعشرين غرقت بغداد غرقا عظيما حتى بلغت زيادة الماء تسعة عشر ذراعا، وغرق الناس والبهائم، وانهدمت الدور.
وفي سنة تسع وعشرين اعتل الراضي، ومات في شهر ربيع الآخر وله إحدى وثلاثون سنة ونصف، وكان سمحا، كريما، أديبا، شاعرا، فصيحا، محبا للعلماء، وله شعر مدون، وسمع الحديث من البغوي وغيره. قال الخطيب: للراضي فضائل: منها أنه آخر خليفة له شعر مدون، وآخر خليفة خطب يوم الجمعة، وآخر خليفة جالس الندماء، وكانت جوائزه وأموره على ترتيب المتقدمين، وآخر خليفة سافر بزي القدماء، ومن شعره:
كل صفو إلى كدر … كل أمر إلى حذر
ومصير الشباب للموت … فيه أو الكدر
در در المشيب من … واعظ ينذر البشر
أيها الآمل الذي … تاه في لجة الغرر
أين من كان قبلنا؟ … ذهب الشخص والأثر
رب فاغفر خطيئتي … أنت يا خير من غفر