← История

История · id 30182

تاريخ الخلفاء - ط الباز

الجلال السيوطي

Полный текст (437 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

وفي هذه السنة أمر بتحريم القيان والخمر، وقبض على المغنين، ونفى المخانيث، وكسر آلات اللهو، وأمر ببيع المغنيات من الجواري على أنهن سواذج، وكان مع ذلك لا يصحو من السكر، ولا يفتر عن سماع الغناء. وفي سنة اثنتين وعشرين ظهرت الديلم، وذلك لأن أصحاب مرداويج دخلوا أصبهان، وكان من قواده على بن بويه، فاقتطع مالا جليلا، فانفرد عن مخدومه، ثم التقى هو ومحمد بن ياقوت نائب الخليفة، فهزم محمد، واستولى ابن بويه على فارس، وكان بويه فقيرا صعلوكا يصيد السمك، رأى كأنه بال فخرج عن ذكره عمود نار، ثم تشعب العمود حتى ملأ الدنيا، فعبرت بأن أولاده يملكون الدنيا، ويبلغ سلطانهم على قدر ما احتوت عليه النار، فمضت السنون وآل الأمر على هذا إلى أن صار قائدا لمرداويج بن زياد الديلمي، فأرسله يستخرج له مالا من الكرخ، فاستخرج خمسمائة ألف درهم، وأتى همذان ليملكها، فغلق أهلها في وجهه الأبواب، فقاتلهم وفتحها عنوة، وقيل: صلحا ثم سار إلى شيراز. ثم إنه قل ما عنده من المال، فنام على ظهره، فخرجت حية من سقف المجلس، فأمر بنقضه، فخرجت صناديق ملأى ذهبا، فأنفقها في جنده. وطلب -خياطا يخيط له شيئا، وكان أطروشا- فظن أنه قد سعى به، فقال: والله ما عندي سوى اثني عشر صندوقا، لا أعلم ما فيها، فأحضرت فوجدت فيها مالا عظيما. وركب يوما، فساخت قوائم فرسه، فحفروه، فوجدوا فيها كنزا، واستولى على البلاد وخرجت خراسان وفارس عن حكم الخلافة. وفي هذه السنة قتل القاهر إسحاق بن إسماعيل النوبختي الذي كان قد أشار بخلافة القاهر، ألقاه على رأسه في بئر وطمت، وذنبه أنه زايد القاهر قبل الخلافة في جارية، واشتراها، فحقد عليه. وفيها تحرك الجند عليه؛ لأن ابن مقلة في اختفائه كان يوحشهم منه، ويقول لهم: إنه بنى لكم المطامير ليحبسكم، وغير ذلك، فأجمعوا على الفتك به، فدخلوا عليه بالسيوف، فهرب، فأدركوه وقبضوا عليه في سادس جمادى الآخرة وبايعوا أبا العباس محمد بن المقتدر ولقبوه: الراضي بالله، ثم أرسلوا إلى القاهر الوزير والقضاة أبا الحسين بن القاضي أبي عمر، والحسن بن عبد الله بن أبي الشوارب، وأبا طالب بن البهلول، فجاءوه، فقيل له: ما تقول؟ قال: أنا أبو منصور محمد بن المعتضد، لي في أعناقهم بيعة وفي أعناق الناس، ولست أبرئكم، ولا أحللكم منها، فقوموا، فقاموا، فقال الوزير: يخلع ولا نفكر فيه، أفعاله مشهورة، وقال القاضي أبو الحسين: فدخلت على الراضي وأعدت عليه ما جرى، وأعملته أني أرى إمامته فرضا، فقال: انصرف ودعني وإياه، فأشار سيماء مقدم الحجرية على الراضي بسمله، فكحله بمسمار محمي. قال محمد الأصبهاني: كان سبب خلع القاهر سوء سيرته، وسفكه الدماء فامتنع من الخلع، فسملوا عينيه حتى سالتا على خديه.

стр. 317

وقال الصولي: كان أهوج، سفاكا للدماء، قبيح السيرة، كثير التلون والاستحالة، مدمن الخمر، ولولا جودة حاجبه سلامة لأهلك الحرث والنسل. وكان قد صنع حربة يحميها، فلا يطرحها حتى يقتل بها إنسانا. قال علي بن محمد الخراساني: أحضرني القاهر يوما والحربة بين يديه، فقال: أسألك عن خلفاء بني العباس، عن أخلاقهم وشيمهم، قلت: أما السفاح فكان مسارعا إلى سفك الدماء، واتبعه عماله على مثل ذلك، وكان مع ذلك سمحا وصولا بالمال، قال: فالمنصور؟ قلت: كان أول من أوقع الفرقة بين ولد العباس وولد أبي طالب، وكانوا قبلها متفقين، وهو أول خليفة قرب المنجمين، وأول خليفة ترجمت له الكتب السريانية والأعجمية، ككتاب كليلة ودمنة، وكتاب إقليدس، وكتاب اليونان، فنظر الناس فيها وتعلقوا بها، فلما رأى ذلك محمد بن إسحاق جمع المغازي والسير، والمنصور أول من استعمل مواليه وقدمهم على العرب، قال: فالمهدي؟ قلت: كان جوادا عادلا منصفا، رد ما أخذ أبوه من الناس غصبا، وبالغ في إتلاف الزنادقة، وبنى المسجد الحرام، ومسجد المدينة، والمسجد الأقصى، قال: فالهادي؟ قلت: كان جبارا متكبرا، فسلك عماله طريقه على قصر أيامه، قال: فالرشيد؟ قلت: كان مواظبا على الغزو والحج، وعمر القصور والبرك بطريق مكة، وبنى الثغور: كأذنة، وطرسوس، والمصيصة، ومرعش، وعم الناس إحسانه، وكان في أيامه البرامكة، وما اشتهر من كرمهم، وهو أول خليفة لعب بالصوالجة، ورمى النشاب في البرجاس ولعب بالشطرنج من بني العباس، قال: فالأمين؟ قلت: كان جوادا، إلا أنه انهمك في لذاته، ففسدت الأمور قال: فالمأمون؟ قلت: سلك طريقه، وغلب عليه النجوم والفلسفة، وكان حليما جوادا، قال: فالمعتصم؟ قلت: غلب عليه حب الفروسية والتشبه بملوك الأعاجم، واشتغل بالغزو والفتوح، قال: فالواثق؟ قلت: سلك طريقة أبيه، قال: فالمتوكل؟ قلت: خالف ما كان عليه المأمون والمعتصم والواثق من الاعتقادات، ونهى عن الجدال، والمناظرات، والأهواء، وعاقب عليها، وأمر بقراءة بالحديث وسماعه، ونهى عن القول بخلق القرآن، فأحبه الناس، ثم سأل عن باقي الخلفاء، وأنا أجيبه بما فيهم، فقال لي: سمعت كلامك، وكأني أشاهد القوم، ثم قام. وقال المسعودي: أخذ القاهر من مؤنس وأصحابه مالا عظيما، فلما خلع وسمل طولب بها فأنكر، فعذب بأنواع، فلم يقر بشيء، فأخذه الراضي بالله، فقربه وأدناه، وقال له: قد ترى مطالبة الجند بالمال، وليس عندي شيء، والذي عندك فليس بنافع لك، فاعترف به، فقال: أما إذا فعلت هذا فالمال مدفون في البستان وكان قد أنشأ بتسانا فيه أصناف الشجر، حملت إليه من البلاد، وزخرفه، وعمل فيه قصرا، وكان الراضي مغرما بالبستان والقصر، فقال: وفي أي مكان المال منه؟ فقال: أنا مكفوف، لا أهتدي إلى مكان فاحفر البستان تجده؟ فحفر الراضي البستان وأساسات القصرن وقلع الشجر، فلم يجد شيئا، فقال له: وأين المال؟ فقال: وهل عندي مال؟ وإنما كان حسرتي في جلوسك في البستان وتنعمك،

стр. 318

فأردت أن أفجعك فيه، فندم الراضي وحبسه، فأقام إلى سنة ثلاث وثلاثين، ثم أطلقوه وأهملوه، فوقف يوما بجامع المنصور بين الصفوف وعليه مبطنة بيضاء، وقال: تصدقوا علي، فأنا من قد عرفتم، وذلك في أيام المستكفي ليشنع عليه، فمنع من الخروج إلى أن مات سنة تسع وثلاثين في جمادى الأولى عن ثلاث وخمسين سنة، وكان له من الولد: عبد الصمد، وأبو القاسم، وأبو الفضل، وعبد العزيز. ومات في أيامه من الأعلام: الطحاوي شيخ الحنفية، وابن دريد، وأبو هاشم الجبائي، وآخرون.

стр. 319

الراضي بالله أبو العباس (١) الراضي بالله: أبو العباس محمد بن المقتدر بن المعتضد بن طلحة بن المتوكل. ولد سنة سبع وتسعين ومائتين، وأمه أم ولد رومية اسمه ظلوم، بويع له يوم خلع القاهر، فأمر ابن مقلة أن يكتب كتابا فيه مثالب القاهر ويقرأ على الناس. وفي هذا العام -أي عام اثنتين وعشرين وثلاثمائة- من خلافته مات مرداويج مقدم الديلم بأصبهان، وكان قد عظم أمره، وتحدثوا أنه يريد قصد بغداد، وأنه مسالم لصاحب المجوس، وكان يقول: أنا أرد دولة العجم، وأمحق دولة العرب. وفيها بعث على بن بويه إلى الراضي يقاطعه على البلاد التي استولى عليها بثمانمائة ألف ألف درهم كل سنة، فبعث له لواء وخلعا، ثم أخذ ابن بويه يماطل بحمل المال. وفيها مات المهدي صاحب المغرب، وكانت أيامه خمسا وعشرين سنة، وهو جد خلفاء المصريين الذين يسمونهم الجهلة الفاطميين، فإن المهدي هذا ادعى أنه علوي، وإنما جده مجوسي، قال القاضي أبو بكر الباقلاني: جد عبيد الله الملقب بالمهدي مجوسي، دخل عبيد الله المغرب وادعى أنه علوي، ولم يعرفه أحد من علماء النسب، وكان باطنيا خبيثا، حريصا على إزالة ملة الإسلام، أعدم العلماء والفقهاء، ليتمكن من إغواء الخلق وجاء أولاده على أسلوبه: أباحوا الخمور والفروج، وأشاعوا الرفض، وقام بالأمر بعد موت هذا ابنه القائم بأمر الله أبو القاسم محمد. وفي هذه السنة ظهر محمد بن علي الشلمغاني المعروف بأبي القراقر، وقد شاع عنه أنه يدعي الإلهية؟ وأنه يحيي الموتى، فقتل وصلب وقتل معه جماعة من أصحابه. وفيها توفي أبو جعفر السجزي أحد الحجاب، قيل: بلغ من العمر مائة وأربعين سنة وحواسه جيدة، وفيها انقطع الحج من بغدد إلى سنة سبع وعشرين. وفي سنة ثلاث وعشرين تمكن الراضي الله، وقلد ابنيه أبا الفضل وأبا جعفر المشرق والمغرب.

стр. 320

وفيها كانت واقعة شنبوذ المشهورة واستتابته عن القراءة بالشاذ والمحضر الذي كتب عليه، وذلك بحضرة الوزير أبي علي بن مقلة، وفيها في جمادى الأولى هبت ريح عظيمة ببغداد واسودت الدنيا، وأظلمت من العصر إلى المغرب. وفيها في ذي القعدة انقضت النجوم سائر الليل انقضاضا عظيما ما رؤي مثله. وفي سنة أربع وعشرين تغلب محمد بن رائق أمير واسط ونواحيها، وحكم على البلاد وبطل أمر الوزارة والدواوين، وتولى هو الجميع وكتابه، وصارت الأموال تحمل إليه، وبطلت بيوت المال، وبقي الراضي معه صورة وليس له من الخلافة إلا الاسم. وفي سنة خمس وعشرين اختل الأمر جدا، وصارت البلاد بين خارجي قد تغلب عليها أو عامل لا يحمل مالا، وصاروا مثل ملوك الطوائف، ولم يبق بيد الراضي غير بغداد والسواد مع كون يد ابن رائق عليه، ولما ضعف أمر الخلافة في هذه الأزمان ووهت أركان الدولة العباسية، وتغلبت القرامطة والمبتدعة على الأقاليم، قويت همة صاحب الأندلس الأمير عبد الرحمن بن محمد الأموي المرواني وقال: أنا أولى الناس بالخلافة، وتسمى بأمير المؤمنين الناصر لدين الله، واستولى على أكثر الأندلس، وكانت له الهيبة الزائدة والجهاد والغزو والسيرة المحمودة، استأصل المتغلبين، وفتح سبعين حصنا، فصار المسمون بأمير المؤمنين ثلاثة: العباسي ببغداد وهذا بالأندلس، والمهدي بالقيروان. وفي سنة ست وعشرين خرج بجكم على ابن رائق، فظهر عليه، واختفى ابن رائق، فدخل بجكم بغداد، فأكرمه الراضي، ورفع منزلته، ولقبه أمير الأمراء، وقلده إمارة بغداد وخراسان، وفي سنة سبع وعشرين كتب أبو علي عمر بن يحيى العلوي إلى القرمطي-وكان يحبه- أن يطلق طريق الحاج ويعطيه عن كل جمل خمسة دنانير، فأذن وحج الناس، وهي أول سنة أخذ فيها المكس من الحجاج. وفي ثمان وعشرين غرقت بغداد غرقا عظيما حتى بلغت زيادة الماء تسعة عشر ذراعا، وغرق الناس والبهائم، وانهدمت الدور. وفي سنة تسع وعشرين اعتل الراضي، ومات في شهر ربيع الآخر وله إحدى وثلاثون سنة ونصف، وكان سمحا، كريما، أديبا، شاعرا، فصيحا، محبا للعلماء، وله شعر مدون، وسمع الحديث من البغوي وغيره. قال الخطيب: للراضي فضائل: منها أنه آخر خليفة له شعر مدون، وآخر خليفة خطب يوم الجمعة، وآخر خليفة جالس الندماء، وكانت جوائزه وأموره على ترتيب المتقدمين، وآخر خليفة سافر بزي القدماء، ومن شعره: كل صفو إلى كدر … كل أمر إلى حذر ومصير الشباب للموت … فيه أو الكدر در در المشيب من … واعظ ينذر البشر أيها الآمل الذي … تاه في لجة الغرر أين من كان قبلنا؟ … ذهب الشخص والأثر رب فاغفر خطيئتي … أنت يا خير من غفر

стр. 321

ذكر أبو الحسن بن زرقويه عن إسماعيل الخطبي قال: وجه إلى الراضي ليلة الفطر، فجئت إليه، فقال يا إسماعيل قد عزمت في غد على الصلاة بالناس، فما الذي أقول إذا انتهيت إلى الدعاء لنفسي؟ فأطرقت ساعة ثم قلت: قل يا أمير المؤمنين: ﴿رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي﴾ [النمل: ١٩] فقال لي: حسبك، ثم تبعني خادم فأعطاني أربعمائة دينار. مات في أيامه من الأعلام: نفطويه، وابن مجاهد المقرئ، وابن كأس الحنفي، وابن أبي حاتم، ومبرمان، وابن عبد ربه صاحب العقد، والإصطخري شيخ الشافعية، وابن شنبوذ، وأبو بكر الأنباري.

стр. 322

المتقي لله أبو إسحاق (١) المتقي لله: أبو إسحاق إبراهيم بن المقتدر بن المعتضد بن الموفق طلحة بن المتوكل. بويع له بالخلافة بعد موت أخيه الراضي، وهو ابن أربع وثلاثين سنة، وأمه أمة اسمها خلوب، وقيل: زهرة، ولم يغير شيئا قط، ولا تسرى على جاريته التي كانت له، وكان كثير الصوم والتعبد، ولم يشرب نبيذا قط، وكان يقول: لا أريد نديما غير المصحف، ولم يكون له سوى الاسم، والتدبير لأبي عبد الله أحمد بن علي الكوفي كاتب بجكم. وفي هذه السنة من ولايته سقطت القبة الخضراء بمدينة المنصور، وكانت تاج بغداد، ومأثرة بني العباس، وهي من بناء المنصور، وارتفاعها ثمانون ذراعا وتحتها إيوان طوله عشرون ذراعا في عشرين ذراعا، وعليها تمثال فارس بيده رمح فإذا استقبل بوجهه جهة علم أن خارجيا يظهر من تلك الجهة، فسقط رأس هذه القبة في ليلة ذات مطر ورعد. وفي هذه السنة قبل بجكم التركي، فولي إمرة الأمراء مكانه كورتكين الديلمي، وأخذ المتقي حواصل بجكم التي كانت ببغداد، وهي زيادة على ألف ألف دينار، وفي هذا العام ظهر ابن رائق، فقاتل كورتكين ببغداد، فهزم كورتكين واختفى، وولي ابن رائق إمرة الأمراء مكانه. وفي سنة ثلاثين كان الغلاء ببغداد، فبلغ كر الحنطة ثلاثمائة وستة عشر دينارا واشتد القحط وأكلو الميتات، وكان قحطا لم ير ببغداد مثله أبدا. وفيها خرج أبو الحسن علي بن محمد اليزيدي، فخرج لقتاله الخليفة وابن رائق، فهزما وهربا إلى الموصل، ونهبت بغداد ودار الخلافة، فلما وصل الخليفة إلى تكريت وجد هناك سيف الدولة أبا الحسن علي بن عبد الله بن حمدان، وأخاه الحسن، وقتل ابن رائق غيلة، فولى الخليفة مكانه الحسن بن حمدان، ولقبه ناصر الدولة، وخلع على أخيه ولقبه سيف الدولة وعاد إلى بغداد وهما معه، فهرب اليزيد إلى واسط، ثم ورد الخبر في ذي القعدة أن اليزيدي يريد بغداد، فاضطرب الناس، وهرب وجوه أهل بغداد، وخرج الخليفة ليكون مع ناصر الدولة، وسار سيف الدولة لقتال اليزيدي، فكانت بينهما وقعة هائلة بقرب المدائن،

стр. 323

وهزم اليزيدي، فعاد بالويل إلى واسط، فساق سيف الدولة إلى واسط، فانهزم اليزيدي إلى البصرة. وفي سنة إحدى وثلاثين وصلت الروم إلى أرزن، وميافارقين، ونصيبين، فقتلوا سبوا، ثم طلبوا منديلا في كنيسة الرها، يزعمون أن المسيح مسح به وجهه، فارتسمت صورته فيه على أنهم يطلقون جميع من سبوا، فأرسل إليهم وأطلقوا الأسرى. وفيها هاج الأمراء بواسط على سيف الدولة، فهرب في البريد يريد بغداد، ثم سار إلى الموصل أخوه ناصر الدولة خائفا لهرب أخيه، وسار من واسط تورون فقصد بغداد وقد هرب منه سيف الدولة إلى الموصل فدخل تورون بغداد في رمضان فخلع عليه المتقي، وولاه أمير الأمراء، ثم وقعت الوحشة بين المتقي، وتورون، فأرسل تورون أبا جعفر بن شيرزاد، من واسط إلى بغداد، فحكم عليها وأمر ونهى، فكاتب المتقي بن حمدان بالقدوم عليه، فقدم في جيش عظيم، واستتر ابن شيرزاد، فسار المتقي بأهله إلى تكريت، وخرج ناصر الدولة بجيش كثير من الأعراب والأكراد إلى قتال تورون، فالتقيا بعكبرا، فانهزم ابن حمدان والمتقي إلى الموصل، ثم تلاقوا مرة أخرى، فانهزم ابن حمدان والخليفة إلى نصيبين، فكتب الخليفة إلى الإخشيد صاحب مصر أن يحضر إليه، ثم بان له من بني حمدان الملل والضجر، فراسل الخليفة تورون في الصلح، فأجاب وبالغ في الإيمان، ثم حضر الإخشيد إلى المتقي وهو بالرقة وقد بلغه مصالحة تورون، فقال: يا أمير المؤمنين أنا عبدك وابن عبدك، وقد عرفت الأتراك وفجورهم وغدرهم، فالله الله في نفسك، سر معي إلى مصر فهي لك، وتأمن على نفسك، فلم يقبل، فرجع الإخشيد إلى بلاده، وخرج المتقي من الرقة إلى بغداد في رابع المحرم سنة ثلاث وثلاثين، وخرج للقائه تورون، فالتقيا بين الأنبار وهيت، فترجل تورون وقبل الأرض، فأمره المتقي بالركوب، فلم يفعل، ومشى بين يديه إلى المخيم الذي ضربه له، فلما نزل قبض عليه وعلى ابن مقلة ومن معه، ثم كحل الخليفة وأدخل بغداد مسمول العينين، وقد أخذ منه الخاتم والبردة والقضيب، وأحضر تورون عبد الله بن المكتفي وبايعه بالخلافة، ولقب المستكفي بالله، ثم بايعه المتقي المسمول، وأشهد على نفسه بالخلع مع ذلك لعشر بقين من المحرم -وقيل: من صفر- ولما كحل قال القاهر: صرت وإبراهيم شيخ عمى … لابد للشيخين من مصدر ما دام تورون له امرأة … مطاعة فالميل في المجمر ولم يحل الحول على تورون حتى مات، وأما المتقي فإنه أخرج إلى جزيرة مقابلة للسندية فسجن بها، فأقام بالسجن خمسا وعشرين سنة إلى أن مات في شعبان سنة سبع وخمسين. وفي أيام المتقي كان ابن حمدي اللص ضمنه ابن شيرزاد لما تغلب على بغداد اللصوصية بها بخمسة وعشرين ألف دينار في الشهر، فكان يكبس بيوت الناس بالمشعل والشمع، ويأخذ الأموال، وكان أسكورج الديلمي قد ولي شرطة بغداد، فأخذه ووسطه وذلك سنة اثنتين وثلاثين. مات في أيام المتقي من الأعلام: أبو يعقوب النهرجوري أحد أصحاب الجنيد، والقاضي أبو عبد الله المحاملي، وأبو بكر الفرغاني الصوفي، والحافظ أبو العباس بن عقدة، وابن

стр. 324

ولاد النحوي، وآخرون. ولما بلغ القاهر أنه سمل قال: صرنا اثنين نحتاج إلى ثالث، فكان كذلك، سمل المستكفي.

стр. 325

المستكفي بالله أبو القاسم (١) المستكفي بالله: أبو القاسم عبد الله بن المكتفي بن المعتضد، أمه أم ولد اسمها أملح الناس، بويع بالخلافة عند خلع المتقي، في صفر سنة ثلاث وثلاثين وعمره إحدى وأربعون سنة، ومات تورون في أيامه، ومعه كاتبه أبو جعفر بن شيرزاد فطمع في المملكة، وحلف العساكر لنفسه، فخلع عليه الخليفة، ثم دخل أحمد بن بويه بغداد فاختفى ابن شيرزاد، ودخل ابن بويه دار الخلافة، فوقف بين يدي الخليفة فخلع عليه ولقبه: معز الدولة، ولقب أخاه عليا: عماد الدولة، وأخاهما الحسن: ركن الدولة، وضرب ألقابهم على السكة، ولقب المستكفي نفسه: إمام الحق، وضرب ذلك على السكة، ثم إن معز الدولة قوي أمره وحجر على الخليفة، وقدر له كل يوم برسم النفقة خمسة آلاف درهم فقط، وهو أول من ملك العراق من الديلم، وأول من أظهر السعاة ببغداد، وأغرى المصارعين والسباحين، فانهمك شباب بغداد في تعلم المصارعة والسباحة، حتى صار السباح يسبح وعلى يده كانون وفوقه قدرة، فيسبح حتى ينضج اللحم. ثم إن معز الدولة تخيل من المستكفي، فدخل عليه في جمادى الآخرة سنة أربع وثلاثين فوقف -والناس وقوف على مراتبهم- فتقدم اثنان من الديلم إلى الخليفة فمد يديه إليهما ظنا أنهما يريدان تقبيلها، فجذباه من السرير حتى طرحاه إلى الأرض، وجراه بعمامته، وهاجم الديلم دار الخلافة إلى الحرم ونهبوها، فلم يبق فيها شيء، ومضى معز الدولة إلى منزله، وساقوا المستكفي ماشيا إليه، وخلع، وسملت عيناه يومئذ، وكانت خلافته سنة وأربعة أشهر، وأحضروا الفضل بن المقتدر وبايعوه، ثم قدموا ابن عمه المستكفي، فسلم عليه بالخلافة، وأشهد على نفسه بالخلع، ثم سجن إلى أن مات سنة ثمان وثلاثين وثلاثمائة وله ست وأربعون سنة وشهران وكان يتظاهر بالتشيع.

стр. 326

المطيع لله أبو القاسم (١) المطيع لله: أبو القاسم الفضل بن المعتضد، أمه أم ولد اسمها شغلة ولد سنة إحدى وثلاثمائة، وبويع له بالخلافة، عند خلع المستكفي في جمادى الآخرة سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة، وقرر له معز الدولة كل يوم نفقة مائة دينار فقط. وفي هذه السنة من خلافته اشتد الغلاء ببغداد حتى أكلوا الجيف، والروث وماتوا على الطرق، وأكلت لحومهم، وبيع العقار بالرغفان، ووجدت الصغار مشوية مع المساكين، واشترى لمعز الدولة كر دقيق بعشرين ألف درهم، والكر سبعة عشر قنطارا بالدمشقي. وفيها وقع بين معز والدولة وبين ناصر الدولة ابن حمدان فخرج لقتاله ومعه المطيع، ثم

стр. 327

رجع والمطيع معه كالأسير، وفيها مات الإخشيد صاحب مصر وهو محمد بن طفج الفرغاني، والإخشيد ملك الملوك، وهو لقب لكن من ملك فرغانة كما أن الأصبهذ لقب ملك طبرستان، وصول ملك جرجان، وخاقان ملك الترك، والأفشين ملك أشرو سنة، وسامان ملك سمرقند، وكان الإخشيد شجاعا مهيبا، ولي مصر من قبل القاهر، وكان له ثمانية آلاف مملوك، وهو أستاذ كافور، وفيها مات القائم العبيدي صاحب المغرب، وقام بعده ولي عهده ابنه المنصور بالله إسماعيل، وكان القائم شرا من أبيه، زنديقا ملعونا، أظهر سب الأنبياء، وكان مناديه ينادي: العنوا الغار وما حوى، وقتل خلقا من العلماء. وفي سنة خمس وثلاثين جدد معز الدولة الأيمان بينه وبين المطيع، وأزال عنه التوكيل، وأعاده إلى دار الخلافة. وفي سنة ثمان وثلاثين سأل معز الدولة أن يشرك مع في الأمر أخاه علي بن بويه عماد الدولة، ويكون من بعده، فأجابه المطيع، ثم لم ينشب أن مات عماد الدولة من عامه، فأقام المطيع أخاه ركن الدولة والد عضد الدولة. وفي سنة تسع وثلاثين أعيد الحجر الأسود إلى موضعه، وجعل له طوق فضة يشد به، ووزنه ثلاثة آلاف وسبعمائة وستون درهما ونصف. وقال محمد بن نافع الخزاعي: تأملت الحجر الأسود -وهو مقلوع- فإذا السواد في رأسه فقط، وسائره أبيض، وطوله قدر عظم الذراع. وفي سنة إحدى وأربعين ظهر قوم من التناسخية فيهم شاب يزعم أن روح علي انتقلت إليه، وامرأته تزعم أن روح فاطمة انتقلت إليها، وآخر يدعي أنه جبريل، فضربوا، فتعززوا بالانتماء إلى أهل البيت، فأمر معز الدولة بإطلاقهم لميله إلى أهل البيت؛ فكان هذا من أفعاله الملعونة، وفيها مات المنصور العبيدي صاحب المغرب بالمنصورية التي مصرها، وقام بالأمر ولي عهده ابنه معد، ولقب بالمعز لدين الله -وهو الذي بنى القاهرة- وكان المنصور حسن السيرة بعد أبيه وأبطل المظالم فأحبه الناس، وأحسن أيضا ابنه السيرة، وصفت له المغرب. وفي سنة ثلاث وأربعين خطب صاحب خراسان للمطيع، ولم يكن خطب له قبل ذلك، فبعث إليه المطيع اللواء والخلع. وفي سنة أربع وأربعين زلزلت مصر زلزلة صعبة هدمت البيوت ودامت ثلاث ساعات، وفزع الناس إلى الله بالدعاء. وفي سنة ست وأربعين نقص البحر ثمانين ذراعا، وظهر فيه جبال وجزائر وأشياء لم تعهد، وكان بالري ونواحيها زلازل عظيمة، وخسف ببلد الطالقان، ولم يفلت من أهلها إلا نحو ثلاثين رجلا، وخسف بمائة وخمسين قرية من قرى الري، واتصل الأمر إلى حلوان فخسف بأكثرها، وقذفت الأرض عظام الموتى، وتفجرت منها المياه، وتقطع بالري جبل، وعلقت قرية بين السماء والأرض بمن فيها نصف النهار، ثم خسف بها وانخرقت الأرض خروقا عظيمة، وخرج منها مياه منتنة ودخان عظيم، هكذا نقل ابن الجوزي. وفي سنة سبع وأربعين عادت الزلائل بقم وحلوان والجبال، فأتلفت خلقا عظيما، وجاء جراد طبق الدنيا، فأتى على جميع الغلات والأشجار.

стр. 328

وفي سنة خمسين بنى معز الدولة ببغداد دارا هائلة عظيمة أساسها في الأرض ستة وثلاثون ذراعا، وفيها قلد القضاء أبا العباس عبد الله بن الحسن بن أبي الشوارب، وركب بالخلع من دار معز الدولة وبين يديه الدبادب، والبوقات، وفي خدمته الجيش، وشرط على نفسه أن يحمل في كل سنة إلى خزانة معز الدولة مائتي ألف درهم، وكتب عليه بذلك سجلا، وامتنع المطيع من تقلده ومن دخوله عليه، وأمر أن لا يمكن من الدخول إليه أبدا. وفيها ضمن معز الدولة الحسبة ببغداد والشرطة، وكل ذلك عقب ضعفه ضعفها وعوفي منها، فلا كان الله عافاه، وفيها أخذت الروم جزيرة إقريطش من المسلمين، وكانت فتحت في حدود الثلاثين والمائتين وفيها توفي صاحب الأندلس الناصر لدين الله، وقام بعده ابنه الحاكم. وفي سنة إحدى وخمسين كتبت الشيعة ببغداد على أبواب المساجد لعنة معاوية، ولعنة من غصب فاطمة حقها من فدك، ومن منع الحسن أن يدفن مع جده، ولعنة من نفى أبا ذر، ثم إن ذلك محي في الليل، فأراد معزل الدولة أن يعيده فأشار عليه الوزير المهلبي أن يكتب مكان ما محي: لعن الله الظالمين لآل رسول الله ﷺ وصرحوا بلعنة معاوية فقط. وفي سنة اثنتين وخمسين يوم عاشوراء ألزم معز الدولة الناس بغلق الأسواق ومنع الطباخين من الطبيخ ونصبوا القباب في الأسواق، وعلقوا عليها المسوح، وأخرجوا النساء منتشرات الشعور يلطمن في الشوارع ويقمن المآتم على الحسين، وهذا أو يوم نيح عليه فيه ببغداد، واستمرت هذه البدعة سنين، وفي ثاني عشر ذي الحجة منها عمل عيد غدير خم، وضربت الدبادب، وفي هذه السنة بعث بعض بطارقة الأرمن إلى ناصر الدولة ابن حمدان رجلين ملتصقين عمرهما خمس وعشرون سنة، والالتصاق في الجنب، ولهما بطنان وسرتان، ومعدتان، ويختلف أوقات جوعهما وعطشهما وبولهما، ولكل واحد كفان، وذراعان ويدان وفخذان، وساقان، وإحليلان، وكان أحدهما يميل إلى النساء والآخر يميل إلى المرد، ومات أحدهما وبقى أياما وأخوه حي فأنتن، وجمع ناصر الدولة الأطباء على أن يقدروا على فصل الميت، من الحي، فلم يقدروا، ثم مرض الحي من رائعة الميت ومات. وفي سنة أربع وخمسين ماتت أخت معز الدولة، فنزل المطيع في طيارة إلى دار معز الدولة يعزيه، فخرج إليه معز الدولة، ولم يكلفه الصعود من الطيارة، وقبل الأرض مرات، ورجع الخليفة إلى داره، وفيها بنى يعقوب ملك الروم قيسارية قريبا من بلاد المسلمين، وسكنها ليغير كل وقت. وفي سنة ست وخمسين مات معز الدولة، فأقيم ابنه بختيار مكانه في السلطة ولقبه المطيع: عز الدولة. وفي سنة سبع ملك القرامطة دمشق، ولم يحج أحد فيها لا من الشام ولا من مصر، وعزموا على قصد مصر ليملكوها، فجاء العبيديون فأخذوها، وقامت دولة الرفض في الأقاليم: المغرب، ومصر، والعراق، وذلك أن كافور الإخشيدي صاحب مصر لما مات اختل النظام وقلت الأموال على الجند، فكتب جماعة إلى المعز يطلبون منه عسكرا ليسلموا إليه مصر، فأرسل مولاه جوهرا القائد في مائة ألف فارس، فملكها ونزل موضع القاهرة اليوم واختطها، وبنى دار الإمارة للمعز، وهي المعروفة الآن بالقصرين، وقطع خطبة بني

стр. 329

العباس، وألبس الخطباء البياض، وأمر أن يقال في الخطبة: اللهم صل على محمد المصطفى، وعلى علي المرتضى، وعلى فاطمة البتول، وعلى الحسن والحسين سبطي الرسول، وصل على الأئمة آباء أمير المؤمنين المعزل بالله، وذلك كله في شهر شعبان سنة ثمان وخمسين. في ثم ربيع الآخر سنة تسع وخمسين أذنوا في مصر بـ: حي على خير العمل، وشرعوا في بناء الجامع الأزهر، ففرغ في رمضان سنة إحدى وستين. وفي سنة تسع وخمسين انقض بالعراق كوكب عظيم أضاءت منه الدنيا حتى صار كأنه شعاع الشمس، وسمع بعد انقضاضه صوت كالرعد الشديد. وفي سنة ستين أعلن المؤذنون بدمشق في الأذان بـ: حي على خير العمل، بأمر من جعفر بن فلاح نائب دمشق للمعز بالله، ولم يجسر أحد على مخالفته. وفي سنة اثنتين وستين صادر السلطان بختيار المطيع، فقال المطيع: أنا ليس لي غير الخطبة فإن أحببتم اعتزلت، فشدد عليه حتى باع قماشه، وحمل أربعمائة ألف درهم وشاع في الألسنة أن الخليفة صودر، وفيها قتل رجل من أعوان الموالي ببغداد، فبعث الوزير أبو الفضل الشيرازي من طرح النار من النحاسين إلى السماكين، فاحترق حريق عظيم لم ير مثله، واحترقت الأموال وأناس كثيرون في الدور والحمامات، وهلك الوزير من عامه، ولا ﵀!. وفي رمضان من هذه السنة دخل المعز إلى مصر ومعه توابيت آبائه. وفي سنة ثلاث وستين قلد المطيع القضاء أبا الحسن محمد ابن أم شيبان الهاشمي بعد تمنع، وشرط لنفسه شروطا، منها: أن لا يرتزق على القضاء، ولا يخلع عليه، ولا يشفع إليه فيما يخالف الشرع، وقرر لكاتبه في كل شهر ثلاثمائة درهم، ولحاجبه مائة وخمسين، للفارض على بابه مائة، ولخازن ديوان الحكم والأعوان ستمائة، وكتب له عهد صورته: هذا ما عهد به عبد الله الفضل المطيع لله أمير المؤمنين إلى محمد بن صالح الهاشمي، حين دعاه إلى ما يتولاه من القضاء بين أهل مدينة السلام مدينة المنصور، والمدينة الشرقية من الجانب الشرقي، والجانب الغربي، والكوفة، وسقى الفرات وواسط، وكرخي، وطريق الفرات، ودجلة، وطريق خراسان، وحلوان، وقرميسين، وديار ربيعة، وديار بكر، والموصل، والحرمين، واليمين، ودمشق، وحمص، وجند قنسرين، والعواصم، ومصر، والإسكندرية، وجند فلسطين، والأردن، وأعمال ذلك كلها، ومن يجري من ذلك من الأشراف على من يختاره من العباسيين بالكوفة، وسقى الفرات وأعمال ذلك وما قلده إياه من قضاء القضاة، وتصفح أحوال الحكام، والاستشراف على ما يجري عليه أمر الأحكام من سائر النواحي، والأمصار التي تشتمل عليها المملكة، وتنتهي إليها الدعوة وإقرار من يحمد هديه وطريقه، والاستبدال بمن يذم شيمته وسجيته، احتياطا للخاصة والعامة، وحنوا على الملة والذمة، عن علم بأنه المقدم في بيته وشرفه، المبرز في عفافته، الزكي في دينه وأمانته، الموصوف في ورعه ونزاهته، المشار إليه بالعلم والحجى، المجمع عليه في الحلم والنهى البعيد من الأدناس، اللابس من التقى أجمل اللباس، النقي الحبيب المحبو بصفاء الغيب، العالم بمصالح الدنيا، العارف بما يفسد سلامة العقبى، أمره بتقوى الله فإنها الجنة الواقية، وليجعل كتب الله في كل ما يعمل فيه رويته، ويرتب عليه حكمه وقضيه، إمامه

стр. 330

الذي يفزع إليه، وأن يتخذ سنة رسول الله ﷺ منارا يقصده، ومثالا يتبعه، وأن يراعي الإجماع، وأن يقتدي بالأئمة الراشدين، وأن يعمل اجتهاده فيما لا يوجد فيه كتاب ولا سنة ولا إجماع، وأن يحضر مجلسه من يستظهر بعمله ورأيه، وأن يسوي بين الخصمين إذا تقدما إليه في لحظة ولفظه، ويوفي كلا منهما من إنصافه وعدله، وحتى يأمن الضعيف حيفه، وييأس القوي من ميله، وأمره أن يشرف على أعوانه وأصحابه، ومن يعتمد عليه من أمنائه وأسبابه، إشرافا يمنع من التخطي إلى السيرة المحظورة، ويدفع عن الإسفاف إلى المكاسب المحجورة. وذكر من هذا الجنس كلاما طويلا. قلت: كان الخلفاء يولون القاضي المقيم ببلدهم القضاء بجميع الأقاليم والبلاد التي تحت ملكهم، ثم يستنيب القاضي من تحت أمره من شاء في كل إقليم وفي كل بلد؛ ولهذا كان يلقب قاضي القضاة، ولا يلقب به إلا من هو بهذه الصفة، ومن عداه بالقاضي فقط أو قاضي بلد كذا وأما الآن فصار في البلد الواحد أربعة مشتركون، كل منهم يلقب قاضي القضاة، ولعل آحاد نواب أولئك كان في حكمه أضعاف ما كان في حكم الواحد من قضاة القضاة الآن، ولقد كان قاضي القضاة إذ ذاك أوسع حكما من سلاطين هذا الزمان. وفي هذه السنة -أعني: سنة ثلاث وستين- حصل للمطيع فالج، وثقل لسانه فدعاه حاجب عز الدولة الحاجب سبكتكين إلى خلع نفسه، وتسليم الأمر إلى ولده الطائع لله، ففعل، وعقد له الأمر في يوم الأربعاء ثالث عشر ذي القعدة، فكانت مدة خلافة المطيع تسعا وعشرين سنة وأشهرا، وأثبت خلعه على القاضي ابن أم شيبان، وصار بعد خلعه يسمى الشيخ الفاضل قال الذهبي: كان المطيع وابنه مستضعفين مع بني بويه، ولم يزل أمر الخلفاء في ضعف إلى أن استخلف المقتفي لله، فانصلح أمر الخلافة قليلا، وكان دست الخلافة لبني عبيد الرافضة بمصر أميز، وكلمتهم أنفذ ومملكتهم تناطح مملكة العباسيين في وقتهم، وخرج المطيع إلى واسط مع ولده، فمات في المحرم سنة أربع وستين، قال ابن شاهين: خلع نفسه غير مكره فيما صح عندي، قال الخطيب: حدثني محمد بن يوسف القطان، سمعت أبا الفضل التميمي، سمعت المطيع لله، سمعت شيخي ابن منيع، سمعت أحمد بن حنبل يقول: إذا مات أصدقاء الرجل ذل. وممن مات في أيام المطيع من الأعلام: الخرقي شيخ الحنابلة، وأبو بكر الشبلي الصوفي، وابن القاص إمام الشافعية، وأبو رجاء الأسواني، وأبو بكر الصولي، والهيثم بن كليب الشاشي، وأبو الطيب الصعلوكي، وأبو جعفر النحاس النحوي، وأبو نصر الفارابي، وأبو إسحاق المروزي إمام الشافعية، وأبو القاسم الزجاج النحوي، والكرخي شيخ الحنفية، والدينوري صاحب المجالسة، وأبو بكر الضبعي، والقاضي أبو القاسم التنوخي، وابن الحداد صاحب الفروع، وأبو علي بن أبي هريرة من كبار الشافعية، وأبو عمر الزاهد، والمسعودي صاحب مروج الذهب، وابن درستويه، وأبو علي الطبري أول من جرد الخلاف، والفاكهي صاحب تاريخ مكة، والمنتهى الشاعر، وابن حبان صاحب الصحيح، وابن شعبان من أئمة المالكية، وأبو علي القالي، وأبو الفرج صاحب الأغاني.

стр. 331

الطائع لله أبو بكر (١) الطائع لله: أبو بكر عبد الكريم بن المطيع، أمه أم ولد اسمها هزار، نزل له أبوه عن الخلافة وعمره ثلاث وأربعون سنة، فركب وعليه البردة ومعه الجيش وبين يديه سبكتكين وخلع من الغد على سبكتكين خلع السلطنة، وعقد له اللواء، ولقبه: نصر الدولة، ثم وقع بين عز الدولة وسبكتكين، فدعا سبكتكين الأتراك لنفسه فأجابوه، وجرى بينه وبين عز الدولة حروب. وفي ذي الحجة من هذه السنة -أي: سنة ثلاث وستين وثلاثمائة- أقيمت الخطبة والدعوة بالحرمين للمعز العبيدي. وفي سنة أربع وستين قدم عضد الدولة بغداد لنصرة عز الدولة على سبكتكين فأعجبته بغداد وملكها، فعمل عليها واستمال الجند، فشغبوا على عز الدولة، فأغلق بابه، وكتب عضد الدولة عن الطائع إلى الآفاق باستقرار الأمر لعضد الدولة، فوقع بين الطائع وبين عضد الدولة، فقطعت الخطبة للطائع بسبب ذلك ببغداد وغيرها من يوم العشرين من جمادى الأولى إلى أن أعيدت في عاشر رجب، وفي هذه السنة وبعدها غلا الرفض وفار بمصر، والشام، والمشرق، والمغرب، ونودي بقطع صلاة التراويح من جهة العبيدي. وفي سنة خمس وستين نزل ركن الدولة ابن بويه عما بيده من الممالك لأولاده، فجعل لعضد الدولة فارس وكرمان، ولمؤيد الدولة الري وأصبهان، ولفخر الدولة همذان والدينور. وفي رجب منها عمل مجلس الحكم في دار السلطان عز الدولة، وجلس قاضي القضاة ابن معروف وحكم؛ لأن عز الدولة التمس ذلك ليشاهد مجلس حكمه كيف هو. وفيها كانت وقعة بين عز الدولة وعضد الدولة، وأسر فيها غلام تركي لعز الدولة، فجن عليه، واشتد حزنه، وامتنع من الأكل، وأخذ في البكاء، واحتجب عن الناس، وحرم على نفسه الجلوس في الدست، وكتب إلى عضد الدولة يسأله أن يرد الغلام إليه، ويتذلل، فصار ضحكة بين الناس، وعوتب فما ارعوى لذلك، وبذل في فداء الغلام جاريتين عوديتين كان قد بذل له في الواحدة مائة ألف دينار، وقال للرسول: إن توقف عليك في رده فزد ما رأيت، ولا تفكر، فقد رضيت أن آخذه وأذهب إلى أقصى الأرض، فرده عضد الدولة عليه. وفيها أسقط الخطبة من الكوفة لعز الدولة، وأقيمت لعضد الدولة. وفيها مات المعز لدين الله العبيدي صاحب مصر، وأول من ملكها من العبيديين، وقام بالأمر بعده ابنه نزار ولقب: العزيز.

стр. 332

وفي سنة ست وستين مات المنتصر بالله الحكم بن الناصر لدين الله الأموي صاحب الأندلس، وقام بعده ابنه المؤيد بالله هشام. وفي سنة سبع وستين التقى عز الدولة، فظفر عضد الدولة، وأخذ عز الدولة أسيرا، وقتله بعد ذلك، وخلع الطائع على عضد الدولة خلع السلطنة، وتوجه بتاج مجوهر، وطوقه، وسوره، وقلده سيفا، وعقد له لواءين بيده: أحدهما مفضض على رسم الأمراء، والآخر مذهب على رسم ولاة العهود، ولم يعقد هذا اللواء الثاني لغيره قبله، وكتب له عهدا، وقرئ بحضرته، ولم يبق أحد إلا تعجب، ولم تجر العادة بذلك، إنما كان يدفع العهد إلى الولاة بحضرة أمير المؤمنين، فإذا أخذه قال أمير المؤمنين: هذا عهدي إليك فاعمل به. وفي سنة ثمان وستين أمر الطائع أن تضرب الدبادب على باب عضد الدولة في وقت الصبح والمغرب والعشاء، وأن يخطب له على منابر الحضرة. قال ابن الجوزي: وهذان أمران لم يكونا من قبله، ولا أطلقا لولاة العهود وقد كان معز الدولة أحب أن تضرب له الدبادب بمدينة السلام، فسأل المطيع في ذلك فلم يأذن له، وما حظى عضد الدولة بذلك إلا لضعف أمر الخلافة. وفي سنة تسع وستين ورد رسول العزيز صاحب مصر إلى بغداد، وسأل عضد الدولة الطائع أن يزيد في ألقابه: تاج الملة، ويجدد الخلع عليه ويلبسه التاج، فأجابه. وجلس الطائع على السرير وحوله مائة بالسيوف والزينة، وبين يديه مصحف عثمان وعلى كتفه البردة وبيده القضيب، وهو متقلد بسيف رسول الله ﷺ وضربت ستارة بعثها عضد الدولة، وسأل أن تكون حجابا للطائع حتى لا يقع عليه عين أحد من الجند قبله. ودخل الأتراك والديلم، وليس مع أحد منهم حديد، ووقف الأشراف وأصحاب المراتب من الجانبين، ثم أذن لعضد الدولة فدخل، ثم رفعت الستارة وقبل عضد الدولة الأرض، فارتاع زياد القائد لذلك، وقال لعضد الدولة: ما هذا أيها الملك؟ أهذا هو الله؟! فالتفت إليه وقال: هذا خليفة الله في الأرض. ثم استمر يمشي ويقبل الأرض سبع مرات، فالتفت الطائع إلى خالص الخادم، وقال: استدنه، فصعد عضد الدولة، فقبل الأرض مرتين، فقال له: ادن إلي، فدنا، وقبلرجله، وثنى الطائع يمينه عليه وأمره، فجلس على الكرسي بعد أن كرر عليه: اجلس، وهو يستعفي، فقال له: أقسمت عليك لتجلسن، فقبل الكرسي وجلس، فقال له الطائع: قد رأيت أن أفوض إليك ما وكل الله من أمور الرعية في شرق الأرض وغربها، وتدبيرها في جميع جهاتها سوى خاصتي وأسبابي، فتول ذلك، فقال: يعينني الله على طاعة مولانا أمير المؤمنين وخدمته، ثم أفاض عليه الخلع وانصرف. قلت: انظر إلى هذا الأمر، وهو الخليفة المستضعف الذي لم تضعف الخلافة في زمن أحد

стр. 333

ما ضعفت في زمنه، ولا قوى أمر سلطان ما قوى أمر عضد الدولة. وقد صار الأمر في زماننا إلى أن الخليفة يأتي السلطان يهنئه برأس الشهر، فأكثر ما يقع من السلطان في حقه أن ينزل عن مرتبته، ويجلسا معا خارج المرتبة، ثم يقوم الخليفة ويذهب كأحد الناس، ويجلس السطان في دست مملكته. ولقد حدثت أن السلطان الأشرف برسباي لما سافر إلى آمد لقتال العدو وصحب الخليفة معه وكان الخليفة راكبا أمامه يحجبه، والهيبة والعظمة للسلطان والخليفة كآحاد الأمراء الذين في خدمة السلطان. وفي سنة سبعين خرج من همذان عضد الدولة، وقدم بغداد، فتلقاه الطائع، ولم تجر عادة بخروج الخلفاء لتلقي أحد. فلما توفيت بنت معز الدولة ركب المطيع إليه، فعزاه، فقبل الأرض، وجاء رسول عضد الدولة يطلب من الطائع أن يتلقاه، فما وسعه التأخر. وفي سنة اثنتين وسبعين مات عضد الدولة، فولى الطائع مكانه في السلطنة ابنه صمصام الدولة، ولقبه: شمس الملة، وخلع عليه سبع خلع، وتوجه، وعقد له لواءين، ثم في سنة ثلاث وسبعين مات مؤيد الدولة أخو عضد الدولة. وفي سنة خمس وسبعين هم صمصام الدولة أن يجعل المكس على ثياب الحرير والقطن مما ينسج ببغداد ونواحيها، ووقع له ضمان ذلك ألف ألف درهم في السنة، فاجتمع الناس في جامع المنصور، وعزموا على المنع من صلاة الجمعة، وكاد البلد يفتتن، فأعفاهم من ضمان ذلك. وفي سنة ست وسبعين قصد شرف الدولة أخاه صمصام الدولة، فانتصر عليه وكحله، ومال العسكر إلى شرف الدولة، وقدم بغداد، وركب الطائع إليه يهنئه بالبلاد، وعهد إليه بالسلطنة، وتوجه، وقرئ عهده والطائع يسمع. وفي سنة ثمان وسبعين أمر شرف الدولة برصد الكواكب السبعة في سيرها كما فعل المأمون، وفيها اشتد الغلاء ببغداد جدا، وظهر الموت بها، ولحق بالبصرة حر وسموم تتساقط منه، وجاءت ريح عظيمة بفم الصلح حرقت الدجلة، حتى ذكر أنه بانت أرضها، وأغرقت كثيرا من السفن، واحتملت زورقا منحدرا وفيه دواب، فطرحت ذلك في أرض جوخى فشوهد بعد أيام. وفي سنة تسع وسبعين مات شرف الدولة، وعهد إلى أخيه أبي نصر، فجاءه الطائع إلى دار المملكة يعزيه، فقبل الأرض غير مرة، ثم ركب أبو نصر إلى الطائع وحضر الأعيان، فخلع الطائع على أبي نصر سبع خلع أعلاها سوداء، وعمامة سوداء، وفي عنقه طوق كبير، وفي يده سواران، ومشى الحجاب، بين يديه بالسيوف، ثم قبل الأرض بين يدي الطائع، وجلس على كرسي، وقرئ عهده؛ ولقبه الطائع: بهاء الدولة، وضياء الملة.

стр. 334

وفي سنة إحدى وثمانين قبض على الطائع، وسببه: أنه حبس رجلا من خواص بهاء الدولة، فجاء بهاء الدولة وقد جلس الطائع في الرواق متقلدا سيفا، فلما قرب بهاء الدولة قبل الأرض وجلس على كرسي، وتقدم أصحاب بهاء الدولة فجذبوا الطائع من سريره، وتكاثر الديلم، فلفوه في كساء وأصعد إلى دار السلطنة، وارتج البلد، ورجع بهاء الدولة، وكتب على الطائع أيمانا بخلع نفسه، وأنه سلم الأمر إلى القادر بالله ليحضر وهو بالبطيحة. واستمر الطائع في دار القادر بالله مكرما محترما في أحسن حال؛ حتى إنه حمل إليه ليلة شمعة قد أوقد نصفها، فأنكر ذلك، فحملوا إليه غيرها إلى أن مات ليلة عيد الفطر سنة ثلاث وتسعين، وصلى عليه القادر بالله في داره وشيعه الأكابر والخدم، ورثاه الشريف الرضي بقصيدة، وكان شديد الانحراف على آل أبي طالب وسقطت الهيبة في أيامه جدا حتى هجاه الشعراء. مات في أيام الطائع من الأعلام: ابن السني الحافظ، وابن عدي، والقفال الكبير، والسيرافي النحوي، وأبو سهل الصعلوكي، وأبو بكر الرازي الحنفي، وابن خالويه، والأزهري إمام اللغة، وأبو إبراهيم الفارابي صاحب ديوان الأدب، والرفاء الشاعر، وأبو زيد المروزي الشافعي، والداركي، وأبو بكر الأبهري شيخ المالكية، وأبو الليث السمرقندي إمام الحنفية، وأبو علي الفارسي النحوي وابن الجلاب المالكي.

стр. 335

القادر بالله أبو العباس (١) القادر بالله: أبو العباس أحمد إبن إسحاق بن المقتدر. ولد سنة ست وثلاثين وثلاثمائة، وأمه أمة واسمها تمنى، وقيل: دمنة. بويع له بالخلافة بعد خلع الطائع، وكان غائبا، فقدم في عاشر رمضان، وجلس الغد جلوسا عاما، وهنئ. وأنشد بين يديه الشعراء، ومن ذلك قول الشريف الرضي: شرف الخلافة يا بني العباس … اليوم جدده أبو العباس ذا الطود أبقاه الزمان ذخيرة … من ذلك الجبل العظيم الراسي قال الخطيب: وكان القادر من الستر والديانة والسيادة وإدامة التهجد بالليل وكثرة البر والصدقات وحسن الطريقة على صفة اشتهرت عنه وعرف به كل أحد، مع حسن المذهب وصحة الاعتقاد تفقه على العلامة أبي بشر الهروي الشافعي، وقد صنف كتابا في الأصول ذكر فيه فضائل الصحابة على ترتيب مذهب أصحاب الحديث، وأورد في كتابه فضائل عمر بن عبد العزيز، وإكفار المعتزلة، والقائلين بخلق القرآن، وكان ذلك الكتاب يقرأ في كل جمعة في حلقة أصحاب الحديث، بجامع المهدي، وبحضرة الناس، ترجمه ابن الصلاح في طبقات الشافعية.

стр. 336

وقال الذهبي: في شوال من سنة ولايته عقد مجلس عظيم، وحلف القادر وبهاء الدولة كل منهما لصاحبه بالوفاء، وقلده القادر ما وراء بابه مما تقام فيه الدعوة. وفيها دعا صاحب مكة أبو الفتوح الحسن بن جعفر العلوي إلى نفسه، وتلقب بالراشد بالله، وسلم عليه بالخلافة، فانزعج صاحب مصر، ثم ضعف أمر أبي الفتوح وعاد إلى طاعة العزيز العبيدي. وفي سنة اثنتين وثمانين ابتاع الوزير أبو نصر سابور بن أزدشير دارا بالكرخ وعمرها وسماها دار العلم، ووقفها على العلماء، ووقف بها كتبا كثيرة. وفي سنة أربع وثمانين عاد الحاج العراقي من الطريق، واعترضهم الأصيفر الأعرابي، ومنعهم الجواز، إلا برسمه، فعادوا ولم يحجوا، ولا حج أيضا أهل الشام ولا اليمن، إنما حج أهل مصر. وفي سنة سبع وثمانين مات السلطان فخر الدولة، وأقيم ابنه رستم مقامه في السلطنة بالري وأعمالها، وهو ابن أربع سنين ولقبه القادر: مجد الدولة. وقال الذهبي: ومن الأعجوبات هلاك تسعة ملوك على نسق في سنتي سبع وثمانين وثمان وثمانين: منصور بن نوح ملك ما وراء النهر، وفخر الدولة ملك الري والجبال، والعزيز العبيدي صاحب مصر، وفيهم يقول أبو منصور عبد الملك الثعالبي: ألم تر مذ عامين أملاك عصرنا … يصيح بهم للموت والقتل صائح فنوح بن منصور طوته يد الردى … على حسرات ضمنتها الجوانح ويا بؤس منصور، ففي يوم سرخس … تمزق عنه ملكه وهو طائح وفرق عنه الشمل بالسمل، واغتدى … أميرا ضريرا تعتريه الجوائح وصاحب مصر قد مضى بسبيله … ووالي الجبال غيبته الضرائح وصاحب جرجانية في ندامة … ترصده طرف من الحين طامح وخوارزم شاه شاه وجه نعيمه … وعن له يوم من النحس طالح وكان علا في الأرض يخطبها أبو … علي إلى أن طوحته الطوائح وصاحب بست ذلك الضيغم الذي … براثنه للمشرقين مفاتح أناخ به من صدمة الدهر كلكل … فلم تغن عنه والمقدر سافح جيوش إذا أربت على عدد الحصى … تغص بها قيعانها والصحاصح ودارت على صمصام دولة بويه … دوائر سوء سلبهن فوادح وقد جاز والي الجوزجان قناطر الـ … ـحياة فوافته المنايا الطوامح وذكر الذهبي أن العزيز صاحب مصر مات سنة ست وثمانين، وفتحت له -زيادة على آبائه- حمص، وحماة، وحلب، وخطب له بالموصل، وباليمن، وضرب اسمه فيها على السكة والأعلام، وقام بالأمر بعده ابنه منصور ولقب: الحاكم بأمر الله.

стр. 337

وفي سنة تسعين ظهر بسجستان معدن ذهب، فكانوا يصفون من التراب الذهب الأحمر. وفي سنة ثلاث وتسعين أمر نائب دمشق الأسود الحاكمي بمغربي فطيف به على حمار، ونودي عليه: هذا جزاء من يحب أبا بكر وعمر، ثم ضرب عنقه ﵀ ولا رحم قاتله، ولا أستاذه الحاكم. وفي سنة أربع وتسعين قلد بهاء الدولة الشريف أبا أحمد الحسين بن موسى الموسوي قضاء القضاة والحج والمظالم ونقابة الطالبيين، وكتب له من شيراز العهد، فلم ينظر في القضاء؛ لامتناع القادر من الإذن له. وفي سنة خمس وتسعين قتل الحاكم بمصر جماعة من الأعيان صبرا، وأمر بكتب سب الصحابة على أبواب المساجد والشوارع، وأمر العمال بالسب. وفيها أمر بقتل الكلاب، وأبطل الفقاع والمولوخيا، ونهى عن السمك الذي لا قشر له، وقتل جماعة ممن باع ذلك بعد نهيه. وفي سنة ست وتسعين أمر الناس بمصر والحرمين إذا ذكر الحاكم أن يقوموا ويسجدوا في السوق، وفي مواضع الاجتماع. وفي سنة ثمان وتسعين وقعت فتنة بين الشيعة وأهل السنة في بغداد، وكاد الشيخ أبو حامد الإسفرائيني يقتل يها، وصاح الرافضة ببغداد: يا حاكم، يا منصور فأحفظ القادر من ذلك، وأنفذ الفرسان الذين على بابه لمعاونة أهل السنة فانكسر الروافض. وفيها هدم الحاكم بيعة قمامة التي بالمقدس، وأمر بهدم جميع الكنائس التي بمصر، وأمر النصارى بأن تحمل في أعناقهم الصلبان طول الصليب ذراع ووزنه خمسة أرطال بالمصري، واليهود أن يحملوا في أعناقهم قرم الخشب في زنة الصلبان، وأن يلبسوا العمائم السود، فأسلم طائفة منهم، ثم بعد ذلك أذن في إعادة البيع والكنائس وأذن لمن أسلم أن يعود إلى دينه لكونه مكرها. وفي سنة تسع وتسعين عزل أبو عمرو قاضي البصرة، وولي القضاء أبو الحسن بن أبي الشوارب، فقال العصفري الشاعر: عندي حديث طريف … بمثله يتغنى عن قاضيين: يعزى … هذا، وهذا يهنى وذا يقول: جبرنا … وذا يقول: استرحنا ويكذبان جميعا … ومن يصدق منا وفيها وهي سلطان بني أمية بالأندلس، وانخرم نظامهم. وفي سنة أربعمائة نقصت دجلة نقصانا لم يعهد، واكتريت لأجل جزائر ظهرت، ولم يكن قبل ذلك قط. وفي سنة اثنتين نهى الحاكم عن بيع الرطب، وحرقه، وعن بيع العنب، وأباد كثيرا من الكروم.

стр. 338

وفي سنة أربع منع النساء من الخروج إلى الطرقات ليلا ونهارا، واستمر ذلك إلى أن مات. وفي سنة إحدى عشرة قتل الحاكم لعنه الله بحلوان -قرية بمصر- وقام بعده ابنه علي، ولقب بالظاهر لإعزاز دين الله، وتضعضعت دولتهم في أيامه؛ فخرجت عنهم حلب وأكثر الشام. وفي سنة اثنتين وعشرين توفي القادر بالله ليلة الاثنين عشر من ذي الحجة، عن سبع وثمانين سنة، ومدة خلافته إحدى وأربعون سنة وثلاثة أشهر. وممن مات في أيامه من الأعلام: أبو أحمد العسكري الأديب، والرماني النحوي، وأبو الحسن الماسرجسي شيخ الشافعية، وأبو عبيد الله المرزباني، والصاحب ابن عباد -وهو وزير مؤيد الدولة، وهو أول من سمي بالصاحب من الوزراء- والدارقطني الحافظ المشهور، وابن شاهين، وأبو بكر الأودني إمام الشافعية، ويوسف بن السيرافي، وابن زولاق المصري، وأبن أبي زيد المالكي شيخ المالكية، وأبو طالب المكي صاحب: قوت القلوب، وابن بطة الحنبلي، وابن سمعون الواعظ، والخطابي، والحاتمي اللغوي، والأدفوي أبو بكر، وزاهر السرخسي شيخ الشافعية، وابن غلبون المقرئ، والكشميهني راوي الصحيح، والمعافي بن زكريا النهرواني، وابن خويز منداد، وابن جني، والجوهري صاحب: الصحاح، وابن فارس صاحب: المجمل، وابن منده الحافظ، والإسماعيلي شيخ الشافعية، وأصبغ بن الفرج شيخ المالكية، وبديع الزمان أول من عمل المقامات، وابن لال، وابن أبي زمنين، وأبو حيان التوحيدي، والوأواء الشاعر، والهروي صاحب: الغريبين وأبو الفتح البستي الشاعر، والحليمي شيخ الشافعية، وابن الفارض، وأبو الحسن القابسي، والقاضي أبو بكر الباقلاني، وأبو الطيب الصعلوكي، وابن الأكفاني، وابن نباتة صاحب الخطب، والصيمري شيخ الشافعية، والحاكم صاحب المستدرك، وابن كج، والشيخ أبو حامد الإسفرائيني، وابن فورك، والشريف الرضي، وأبو بكر الرازي صاحب الألقاب، والحافظ عبد الغني بن سعيد، وابن مردويه، وهبة الله بن سلامة الضرير المفسر، وأبو عبد الرحمن السلمي شيخ الصوفية، وابن البواب صاحب الحظ، وعبد الجبار المعتزلي، والمحاملي إمام الشافعية، وأبو بكر القفال شيخ الشافعية، والأستاذ أبو إسحاق الإسفرائيني، واللالكائي، وابن الفخار عالم الأندلس، وعلي بن عيسى الربعي النحوي، وخلائق آخرون. قال الذهبي: كان في هذا العصر رأس الأشعرية: إبو إسحاق الإسفرائيني، ورأس المعتزلة: القاضي عبد الجبار، ورأس الرافضة: الشيخ المقتدر، ورأس الكرامية: محمد بن الهيضم، ورأس القراء: أبو الحسن الحمامي، ورأس المحدثين: الحافظ عبد الغني بن سعيد، ورأس الصوفية: أبو عبد الرحمن السلمي، ورأس الشعراء: أبو عمر بن دراج، ورأس المجودين: ابن البواب، ورأس الملوك: السلطان محمود بن سبكتكين. قلت: ويضم إلى هذا رأس الزنادقة: الحاكم بأمر الله، ورأس اللغويين الجوهري،

стр. 339

ورأس النحاة، ابن جني، ورأس البلغاء، البديع، ورأس الخطباء، ابن نباتة، ورأس المفسرين: أبو القاسم بن حبيب النيسابوري، ورأس الخلفاء: القادر بالله، فإنه من أعلامهم، تفقه وصنف، وناهيك بأن الشيخ تقي الدين ابن الصلاح عده من الفقهاء الشافعية، وأورده في طبقاتهم، ومدته في الخلافة أطول المدد.

стр. 340

القائم بأمر الله أبو جعفر (١) القائم بأمر الله: أبو جعفر عبد الله بن القادر بالله، ولد في نصف ذي القعدة سنة إحدى وتسعين وثلاثمائة، وأمه أم ولد أرمنية اسمها: بدر الدجى، وقيل: قطر الندى. ولي الخلافة بعد موت أبيه في يوم الاثنين الحادي عشر من ذي الحجة، سنة اثنتين وعشرين وكان ولي عهده في الحياة، وهو الذي لقبه القائم بأمر الله. وقال ابن الأثير: كان جميلا، مليح الوجه، أبيض، مشربا حمرة، حسن الجسم، ورعا، دينا، زاهدا، عالما، قوي اليقين بالله تعالى، كثير الصدقة والصبر، له عناية بالأدب، ومعرفة حسنة بالكتابة، مؤثرا للعدل والإحسان وقضاء الحوائج، لا يرى المنع من شيء طلب منه. قال الخطيب: ولم يزل أمر القائم بالله مستقيما إلى أن قبض عليه في سنة خمسين وأربعمائة، وكان السبب في ذلك أن أرسلان التركي -المعروف بالبساسيري- كان قد عظم أمره واستفحل شأنه لعدم نظارئه، وانتشر ذكره، وتهيبته أمراء العرب والعجم، ودعي له على المنابر، وجبى الأموال، وخرب القرى، ولم يكن القائم يقطع أمرا دونه، ثم صح عنده سوء عقيدته، وبلغه أنه عزم على نهب دار الخلافة والقبض على الخليفة، فكاتب الخليفة أبا طالب محمد بن ميكال سلطان الغز المعروف بطغرلبك -وهو بالري- يستنهضه في القدوم، ثم أحرقت دار البساسيري. وقدم طغرلبك في سنة سبع وأربعين، فذهب البساسيري إلى الرحبة، وتلاحق به خلق من الأتراك، وكاتب صاحب مصر، فأمده بالأموال، وكاتب تبال أخا طغرلبك، وأطمعه بمنصب أخيه، فخرج تبال واشتغل به طغرلبك. ثم قدم البساسيري بغداد في سنة خمسين ومعه الراية المصرية، ووقع القتال بينه وبين الخليفة، ودعي لصاحب مصر المستنصر بجامع المنصور، وزيد في الأذان: حي على خير العمل، ثم خطب له في كل الجوامع إلا جامع الخليفة، ودام القتال شهرا. ثم قبض البساسيري على الخليفة في ذي الحجة، وسيره إلى غابة، وحبسه بها، وأما طغرلبك فظفر بأخيه وقتله، ثم كاتب متولي غابة في رد الخليفة إلى داره مكرما، فحصل الخليفة في مقر عزه في الخامس والعشرين من ذي القعدة سنة إحدى وخمسين، ودخل بأبهة عظيمة والأمراء والحجاب بين يديه. وجهز طغرلبك جيشا فحاربوا البساسيري، فظفروا به، فقتل، وحمل رأسه إلى بغداد.

стр. 341

ولما رجع الخليفة إلى داره لم ينم بعدها إلا على فراش مصلاه، ولزم الصيام والقيام، وعفا عن كل من آذاه، ولم يسترد شيئا مما نهب من قصره إلا بالثمن، وقال: هذه أشياء احتسبناها عند الله، ولم يضع رأسه بعدها على مخدة، ولما نهب قصره لم يوجد فيه شيء من آلات الملاهي. وروي أنه لما سجنه البساسيري كتب قصته وأنفذها إلى مكة، فعلقت في الكعبة فيها: إلى الله العظيم من المسكين عبده، اللهم إنك العالم بالسرائر، المطلع على الضمائر، اللهم إنك غني بعلمك، واطلاعك على خلقك، عن إعلامي، هذا عبد قد كفر نعمك وما شكرها، وألغى العواقب وما ذكرها، أطغاه حلمك حتى تعدى علينا بغيا، وأساء إلينا عتوا وعدوا، اللهم قل الناصر، واعتز الظالم، وأنت المطلع العالم، المنصف الحاكم، بك نعتز عليه، وإليك نهرب من بين يديه، فقد تعزز علينا بالمخلوقين، ونحن نعتز بك، وقد حاكمناه إليك وتوكلنا في إنصافنا منه عليك، ورفعنا ظلامتنا هذه إلى حرمك، ووثقنا في كشفها بكرمك، فاحكم بيننا بالحق وأنت خير الحاكمين. وفي سنة ثمان وعشرين مات الظاهر العبيدي صاحب مصر، وأقيم ابنه المستنصر بعده -وهو ابن سبع سنين- فأقام في الخلافة ستين سنة وأربعة أشهر. قال الذهبي: ولا أعلم أحدا في الإسلام -لا خليفة ولا سلطان- أقام هذه المدة، وفي أيامه كان الغلاء بمصر الذي ما عهد مثله منذ زمان يوسف، فأقام سبع سنين حتى أكل الناس بعضهم بعضا، وحتى قيل: إنه بيع رغيف بخمسين دينارا. وفي سنة ثلاث وأربعين وأربعمائة قطع المعز بن باديس الخطبة للعبيدي بالمغرب وخطب لبني العباس. وفي سنة إحدى وخمسين كان عقد الصلح بين السلطان إبراهيم بن مسعود بن محمود بن سبكتكين صاحب غزنة وبين السلطان جغري بك بن سلجوق أخي طغرلبك صاحب خراسان بعد حروب كثيرة، ثم مات جغري بك في السنة، وأقيم مكانه ابنه ألب أرسلان. وفي سنة أربع وخمسين زوج الخليفة ابنته لطغرلبك بعد أن دافع بكل ممكن، وانزعج واستعفى، ثم لان لذلك برغم منه، وهذا أمر لم ينله أحد من ملوك بني بويه مع قهرهم الخلفاء وتحكمهم فيهم. قلت: والآن زوج خليفة عصرنا ابنته من واحد من مماليك السلطان، فضلا عن السلطان فإنا لله وإنا إليه راجعون. ثم قدم طغرلبك في سنة خمس وخمسين فدخل بابنة الخليفة، وأعاد المواريث والمكوس، وضمن بغداد بمائة وخمسين ألف دينار، ثم رجع إلى الري فمات بها في رمضان، فلا عفا الله عنه، وأقيم في السلطنة بعده ابن أخيه عضد الدولة ألب أرسلان صاحب خراسان، وبعث إليه القائم بالخلع والتقليد.

стр. 342

قال الذهبي: وهو أول من ذكر بالسلطان على منابر بغداد، وبلغ ما لم يبلغه أحد من الملوك، وافتتح بلادا كثيرة من بلاد النصارى، واستوزر فظلم الملك، فأبطل ما كان عليه الوزير قبله عميد الملك من سب الأشعرية، وانتصر للشافعية وأكرم إمام الحرمين، وأبا القاسم القشيري، وبنى النظامية، قيل: وهي أول مدرسة بنيت للفقهاء. وفي سنة ثمان وخمسين ولدت بباب الأزج صغيرة لها رأسان ووجهان ورقبتان على بدن واحد، وفيها ظهر كوكب كأنه دارة القمر ليلة تمامه بشعاع عظيم، وهال الناس ذلك، وأقام عشر ليال، ثم تناقص ضوؤه وغاب. في سنة تسع وخمسين فرغت المدرسة النظامية ببغداد، وقرر لتدريسها الشيخ أبو إسحاق الشيرازي، فاجتمع الناس، فلم يحضر واختفى، فدرس ابن الصباغ صاحب الشامل، ثم تلطفوا بالشيخ أبي إسحاق حتى أجاب ودرس. وفي سنة ستين كانت بالرملة الزلزلة الهائلة التي خربتها حتى طلع الماء من رءوس الآبار، وهلك من أهلها خمسة وعشرون ألفا، وأبعد البحر عن ساحله مسيرة يوم، فنزل الناس إلى أرضه يلتقطون السمك، فرجع الماء عليهم فأهلكهم. وفي سنة إحدى وستين احترق جامع دمشق، وزالت محاسنه، وتشوه منظره، وذهبت سقوفه المذهبة. وفي سنة اثنتين وستين ورد رسول أمير مكة على السلطان ألب أرسلان بأنه أقام الخطبة العباسية، وقطع خطبة المستنصر المصري، وترك الأذان بحي على خير العمل، فأعطاه السلطان ثلاثين ألف دينار وخلعا. وسبب ذلك ذلة المصريين بالقحط المفرط سنين متوالية حتى أكل الناس، وبلغ الإردب مائة دينار، وبيع الكلب بخمسة دنانير، والهر بثلاثة دنانير. وحكى صاحب المرآة أن امرأة خرجت من القاهرة ومعها مد جوهر، فقالت: من يأخذ بمدبر؟ فلم يلتفت إليها أحد. وقال بعضهم يهنئ القائم: وقد علم المصري أن جنوده … سنو يوسف فيها وطاعون عمواس أقامت به حتى استراب بنفسه … وأوجس منها خيفة أي إيجاس وفي سنة ثلاث وستين خطب بحلب القائم، والسلطان ألب أرسلان، لما رأوا قوة دولتهما وإدبار دولة المستنصر. وفيها كانت وقعة عظيمة بين الإسلام والروم، ونصر المسلمون، ولله الحمد، ومقدمتهم السلطان ألب أرسلان، وأسر ملك الروم، ثم أطلق بمال جزيل، وهادنه خمسين سنة. ولما أطلق قال للسلطان: أين جهة الخليفة؟ فأشار له، فكشف رأسه وأومأ إلى الجهة بالخدمة.

стр. 343

وفي سنة أربع وستين كان الوباء في الغنم إلى الغاية. وفي سنة خمس وستين قتل السلطان ألب أرسلان، وقام في الملك بعده ولده ملكشاه، ولقب: جلال الدولة، ورد تدبير الملك إلى نظام الملك، ولقبه: الأتابك، وهو أول من لقبه، ومعناه الأمير الوالد، وفيها اشتد الغلاء بمصر، حتى أكلت امرأة رغيفا بألف دينار، وكثر الوباء إلى الغاية. وفي سنة ست وستين كان الفرق العظيم ببغداد، وزادت دجلة ثلاثين ذراعا، ولم يقع مثل ذلك قط، وهلكت الأموال والأنفس والدواب، وركبت الناس في السفن، وأقيمت الجمعة في الطيار على وجه الماء مرتين، وقام الخليفة يتضرع إلى الله، وصارت بغداد ملقة واحدة، وانهدم مائة ألف دار أو أكثر. وفي سنة سبع وستين مات الخليفة القائم بأمر الله ليلة الخميس الثالث عشر من شعبان، وذلك أنه افتصد (١) ونام، فانحل موضع الفصد، وخرج منه دم كثير، فاستيقظ وقد انحلت قوته، فطلب حفيده ولى العهد عبد الله بن محمد، ووصاه، ثم توفي، ومدة خلافته خمس وأربعون سنة. مات في أيامه من الأعلام: أبو بكر البرقاني، وأبو الفضل الفلكي، والثعلبي المفسر، والقدوري شيخ الحنفية، وابن سينا شيخ الفلاسفة، ومهيار الشاعر، وأبو نعيم صاحب الحلية، وأبو زيد الدبوسي، والبرادعي المالكي صاحب التهذيب، وأبو الحسين البصري المعتزلي، ومكي صحاب الإعراب، والشيخ أبو محمد الجويني، والمهدوي صاحب التفسير والإفليلي، والثمانيني، وأبو عمرو الداني، والخليل صاحب الإرشاد، وسليم الرازي، وأبو العلاء المعري، وأبو عثمان الصابوني، وابن بطال شارح البخاري، والقاضي أبو الطيب الطبري، وابن شيطا المقرئ، والماوردي الشافعي، وابن باب شاذ، والقضاعي صاحب الشهاب، وابن برهان النحوي، وابن حزم الظاهري، والبيهقي، وابن سيده صاحب المحكم، وأبو يعلى بن الفراء شيخ الحنابلة، والحضرمي من الشافعية، والهذلي صاحب الكامل في القراءات، والفريابي، والخطيب البغدادي، وابن رشيق صاحب العمدة، وابن عبد البر.

стр. 344

المقتدي بأمر الله أبو القاسم (١) المقتدي بأمر الله: أبو القاسم عبد الله بن محمد بن القائم بأمر الله. مات أبوه في حياة القائم -وهو حمل- فولد بعد وفاة أبيه بستة أشهر، وأمه أم ولد، اسمها أرجوان. وبويع بالخلافة عند موت جده، وله تسع عشرة سنة وثلاثة أشهر، وكانت البيعة

стр. 345

بحضرة الشيخ أبي إسحاق الشيرازي، وابن الصباغ، والدامغاني، وظهر في أيامه خيرات كثيرة، وآثار حسنة في البلدان. وكانت قواعد الخلافة في أيامه باهرة وافرة الحرمة، بخلاف من تقدمه. ومن محاسنه أنه نفى المغنيات والخواطي ببغداد، وأمر ألا يدخل أحد الحمام إلا بمئزر، وخرب أبراج الحمام صيانة لحرم الناس. وكان دينا، خيرا، قوي النفس، عالي الهمة، ومن نجباء بني العباس. وفي هذه السنة من خلافته أعيدة الخطبة للعبيدي بمكة، وفيها جمع نظام الملك المنجمين، وجعلوا النيروز أول نقطة من الحمل، وكان قبل ذلك عند حلول الشمس نصف الحوت، وصار ما فعله النظام مبدأ التقاويم. وفي سنة ثمان وستين خطب للمقتدي بدمشق، وأبطل الأذان بحي على خير العمل، وفرح الناس بذلك. وفي سنة تسع وستين قدم بغداد أبو نصر بن الأستاذ أبي القاسم القشيري حاجا فوعظ بالنظامية، وجرى له فتنة كبيرة مع الحنابلة؛ لأنه تكلم على مذهب الأشعري، وحط عليهم، وكثر أتباعه والمتعصبون له فهاجت فتن وقتلت جماعة، وعزل فخر الدولة بن جهير من وزارة المقتدي؛ لكونه شذ عن الحنابلة. وفي سنة خمس وسبعين بعث الخليفة الشيخ أبا إسحاق الشيرازي رسولا إلى السلطان يتضمن الشكوى من العميد أبي الفتح بن أبي الليث عميد العراق. وفي سنة ست وسبعين رخصت الأسعار بسائر البلاد، وارتفع الغلاء، وفيها ولى الخليفة أبا شجاع محمد بن الحسين الوزارة، ولقبه: ظهير الدين، وأظن ذلك أول حدوث التلقيب بالإضافة إلى الدين. وفي سنة سبع وسبعين سار سليمان بن قتلمش السلجوقي صاحب قونية وأقصراء بجيوشه إلى الشام، فأخذ أنطاكية -وكانت بيد الروم من سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة- وأرسل إلى السلطان ملكشاه يبشره، قال الذهبي: وآل سلجوق هم ملوك بلاد الروم، وقد امتدت أيامهم وبقي منهم بقية إلى زمن الملك الظاهر بيبرس. وفي سنة ثمان وسبعين جاءت ريح سوداء ببغداد بعد العشاء، واشتد الرعد والبرق، وسقط رمل وتراب كالمطر، ووقعت عدة صواعق في كثير من البلاد فظن الناس أنها القيامة، وبقيت ثلاث ساعات بعد العصر، وقد شاهد هذه الكائنة الإمام أبو بكر الطرطوشي وأوردها في أماليه. وفي سنة تسع وسبعين أرسل يوسف بن تاشفين صاحب سبتة ومراكش، إلى المقتدي يطلب أن يسلطنه، وأن يلقده ما بيده من البلاد، فبعث إليه الخلع والأعلام، والتقليد، ولقبه بأمير المسلمين، ففرح بذلك، وسر به فقهاء المغرب، وهو الذي أنشأ مدينة مراكش. وفيها

стр. 346

دخل السلطان ملكشاه بغداد في ذي الحجة وهو أول دخوله إليها؛ فنزل بدار المملكة، ولعب بالكرة، وقد تقاوم الخليفة، ثم رجع إلى أصبهان، وفيها قطعت خطبة العبيدي بالحرمين، وخطب للمقتدي. وفي سنة إحدى وثمانين مات ملك غزنة المؤيد إبراهيم بن مسعود بن محمود بن سبكتكين، وقام مقامه ابنه جلال الدين مسعود. وفي سنة ثلاث وثمانين عملت ببغداد مدرسة لتاج الملك مستوفي الدولة بباب أبرز، ودر بها أبو بكر الشاشي. وفي سنة أربع وثمانين استولت الفرنج على جميع جزيرة صقلية، وهي أول ما فتحها المسلمون بعد المائتين، وحكم عليها آل الأغلب دهرا إلى أن استولى العبيدي المهدي على المغرب، وفيها قدم السلطان ملكشاه بغداد، وأمر بعمل جامع كبير بها، وعمل الأمراء حوله دورا ينزلونها، ثم رجع إلى أصبهان، وعاد إلى بغداد في سنة خمس وثمانين عازما على الشر، وأرسل إلى الخليفة يقول: لا بد أن تترك لي بغداد، وتذهب إلى أي بلد شئت، فانزعج الخليفة وقال: أمهلني ولو شهرا، قال: ولا ساعة واحدة، فأرسل الخليفة إلى وزير السلطان يطلب المهلة إلى عشرة أيام، فاتفق مرض السلطان وموته، وعد ذلك كرامة للخليفة، وقيل: إن الخليفة جعل يصوم، فإذا أفطر جلس على الرماد ودعا على ملكشاه، فاستجاب الله دعاءه، وذهب إلى حيث ألقت، ولما مات كتمت زوجته تركان خاتون موته، وأرسلت إلى الأمراء سرا، فاستحلفتهم لولده محمود -وهو ابن خمس سنين- فحلفوا له، وأرسلت إلى المقتدي في أن يسلطنه فأجاب، ولقبه: ناصر الدنيا والدين، وذلك في المحرم سنة سبع وثمانين وأربعمائة، وعمل الخليفة على تقليده، ثم مات الخليفة من الغد فجأة، فقيل: إن جاريته شمس النهار سمته، وبويع لولده المستظهر. ومن مات في أيام المقتدي من الأعلام: عبد القادر الجرجاني، وأبو الوليد الباجي، والشيخ أبو إسحاق الشيرازي، والأعلم النحوي، وابن الصباغ صاحب الشامل، والمتولي، وإمام الحرمين، والدامغاني الحنفي، وابن فضالة المجاشعي، والبزدوي شيخ الحنفية.

стр. 347

المستظهر بالله أبو العباس (١) المستظهر بالله: أبو العباس أحمد بن المقتدي بالله. ولد في شوال سنة سبعين وأربعمائة، وبويع له عند موت أبيه وله ست عشرة سنة وشهران. قال ابن الأثير: كان لين الجانب، كريم الأخلاق يحب اصطناع الناس، ويفعل الخير ويسارع في أعمال البر، حسن الحظ، جيد التوقيعات، لا يقاربه فيها أحد، يدل على فضل غزير، وعلم واسع، وسمحا، وجوادا، محبا للعلماء والصالحين، ولم تصف له الخلافة، بل كانت أيامه مضطربة كثيرة الحروب.

стр. 348

وفي هذه السنة من أيامه مات المستنصر العبيدي صاحب مصر، وقام بعده ابنه المستعلي أحمد، وفيها أخذت الروم بلنسية. وفي سنة ثمان وثمانين قتل أحمد خان صاحب سمرقند؛ لأنه ظهر منه الزندقة، فقبض عليه الأمراء وأحضروا الفقهاء؛ فأفتوا بقتله -لا ﵀ وملكوا ابن عمه. وفي سنة تسع وثمانين اجتمعت الكواكب السبعة سوى زحل في برج الحوت، فحكم المنجمون بطوفان يقارب طوفان نوح، فاتفق أن الحجاج نزلوا في دار المناقب فأتاهم سيل غرق أكثرهم. وفي سنة تسعين قتل السلطان أرسلان أرغون بن ألب أرسلان السلجوقي صاحب خراسان؛ فتملكها السلطان بركياروق، ودانت له البلاد والعباد. وفيها خطب للعبيدي بحلب وأنطاكية والمعرة وشيزر شهرا، ثم أعيدة الخطبة العباسية، وفيها جاءت الفرنج فأخذوا نيقية، وهو أول بلد أخذوه ووصلوا إلى كفرطاب واستباحوا تلك النواحي، فكان هذا أول مظهر الفرنج بالشام، قدموا في بحر القسطنطينية في جمع عظيم، وانزعجت الملوك والرعية، وعظم الخطب، فقيل: إن صاحب مصر لما رأى قوة السلجوقية واستيلائهم على الشام كاتب الفرنج يدعوهم إلى المجيء إلى الشام ليملكوها، وكثر النفير على الفرنج من كل جهة. وفي سنة اثنتين وتسعين انتشرت دعوة الباطنية بأصبهان. وفيها أخذت الفرنج لبيت المقدس بعد حصار شهر ونصف، وقتلوا به أكثر من سبعين ألفا، ومنهم جماعة من العلماء، والعباد، والزهاد، وهدموا المشاهد، وجمعوا اليهود في الكنيسة وأحرقوها عليهم، وورد المستنفرون إلى بغداد، فأوردوا كلاما أبكى العيون، واختلفت السلاطين؛ فتمكنت الفرنج من الشام، وللأبيوردي في ذلك: مزجنا دماء بالدموع السواجم … فلم يبق منا عرصة للمراحم وشر سلاح المرء دمع يفيضه … إذا الحرب شبت نارها بالصوارم فإيها بني الإسلام إن وراءكم … وقائع يلحقن الذرى بالمناسم أنائمة في ظل أمن وغبطة … وعيش كنوار الخميلة ناعم وكيف تنام العين ملء جفونها … على هبوات أيقظت كل نائم وإخوانكم بالشام يضحى مقيلهم … ظهور المذاكي أو بطون القشاعم تسومهم الروم الهوان وأنتم … تجرون ذيل الخفض فعل المسالم فكم من دماء قد أبيحت ومن دم … توارى حياء حسنها بالمعاصم بحيث السيوف البيض محمرة الظبا … وسمر العوالي داميات اللهازم يكاد لهن المستجن بطيبة … ينادي بأعلى الصوت يا آل هاشم أرى أمتي لا يشرعون إلى العدا … رماحهم والدين واهي الدعائم ويجتنبوه النار خوفا من الردى … ولا يحسبون العار ضربة لازم أترضى صناديد الأعارب بالأذى … وتغضي على ذل كماة الأعاجم فليتهم إذ لم يذودوا حمية … عن الدين ضنوا غيرة بالمحارم

стр. 349

فيها خرج محمد بن ملكشاه على أخيه السلطان بركياروق، فانتصر عليه، فقلده الخليفة ولقبه: غياث الدنيا والدين، وخطب له ببغداد، ثم جرت بينهما عدة وقعات. وفيها نقل المصحف العثماني من طبرية إلى دمشق -خوفا عليه- وخرج الناس لتلقيه، فآووه في خزانة بمقصورة الجامع. وفي سنة أربع وتسعين كثر أمر الباطنية بالعراق، وقتلهم الناس، واشتد الخطب بهم، حتى كانت الأمراء يلبسون الدروع تحت ثيابهم، وقتلوا الخلائق، منهم الروياني صاحب البحر، وفيها أخذ الفرنج بلد سروج، وحيفا، وأرسوف، وقيسارية. وفي سنة خمس وتسعين مات المستعلي صاحب مصر، وأقيم بعده الآمر بأحكام الله منصور، وهو طفل له خمس سنين. وفي سنة ست وتسعين جرت فتن للسلطان، فترك الخطباء الدعوة للسلطان، واقتصروا على الدعوة للخليفة لا غير. وفي سنة سبع وتسعين وقع الصلح بين السلطانين: محمد وبركياروق، وسببه أن الحروب لما تطاولت بينهما، وعم الفساد، وصارت الأموال منهوبة، والدماء مسفوكة، والبلاد مخربة، والسلطنة مطموعا فيها، وأصبح الملوك مقهورين بعد أن كانوا قاهرين، ودخل العقلاء بينهما في الصلح، وكتبت العهود والأيمان والمواثيق، وأرسل الخليفة خلع السلطة إلى بركياروق، وأقيمت له الخطبة ببغداد. وفي سنة ثمان وتسعين مات السلطان بركياروق، فأقام الأمراء بعده ولده جلال الدولة ملكشاه، وقلده الخليفة، وخطب له ببغداد، وله دون خمس سنين، فخرج عليه عمه محمد، واجتمعت الكلمة عليه، فقلده الخليفة، وعاد إلى أصبهان سلطانا، متمكنا مهيبا كثير الجيوش. وفيها كان ببغداد جدري مفرط، مات فيه خلق من الصبيان لا يحصون، وتبعه وباء عظيم. وفي سنة تسع وتسعين ظهر رجل بنواحي نهاوند فادعى النبوة، وتبعه خلق، فأخذ وقتل. وفي سنة خمسمائة أخذت قلعة أصبهان التي ملكها الباطنية وهدمت وقتلوا، وسلخ كبيرهم وحشي جلده تبنا، فعل ذلك السطان محمد بعد حصار شديد، فلله الحمد. وفي سنة إحدى وخمسمائة، رفع السلطان الضرائب والمكوس ببغداد، وكثر الدعاء له، وزاد في العدل وحسن السيرة. وفي سنة اثنتين عادة الباطنية فدخلوا شيرز على حين غفلة من أهلها فملكوها وملكوا القلعة، وأغلقوا الأبواب، وكان صاحبها خرج يتنزه، فعاد وأبادهم في الحال، وقتل فيها شيخ الشافعية الروياني صاحب البحر، قتله الباطنية في بغداد كما تقدم. وفي سنة ثلاث أخذت الفرنج طرابلس بعد حصار سنين. وفي سنة أربع عظم بلاء المسلمين بالفرنج، وتيقنوا استيلاءهم على أكثر الشام، وطلب المسلمون الهدنة، فامتنعت الفرنج، وصالحوهم بألوف دنانير كثيرة، فهادنوهم ثم غدروا لعنهم الله.

стр. 350

وفيها هبت بمصر ريح سوداء مظلمة، أخذت بالأنفاس حتى لا يبصر الرجل يده، ونزل على الناس رمل، وأيقنوا بالهلاك، ثم تجلى قليلا وعاد إلى الصفرة، وكان ذلك من العصر إلى ما بعد المغرب. وفيها كانت ملحمة كبيرة بين الفرنج وبين ابن تاشفين صاحب الأندلس، نصر فيها المسلمون، وقتلوا وأسروا، وغنموا ما لا يعبر عنه، وبادت شجعان الفرنج. وفي سنة سبع جاء مودود صاحب الموصل بعسكر ليقاتل ملك الفرنج الذي بالقدس، فوقعت بينهم معركة هائلة، ثم رجع مودود إلى دمشق، فصلى الجمعة يوما في الجامع، وإذا باطني وثب عليه فجرحه، فمات من يومه، فكتب ملك الفرنج إلى صاحب دمشق كتابا فيه: وإن أمة قتلت عميدها في يوم عيد في بيت معبودها لحقيق على الله أن يبيدها. وفي سنة إحدى عشرة جاء سيل عرم، غرق سنجار وسورها، وهلك خلق كثير، حتى إن السيل أخذ باب المدينة فذهب به عدة فراسخ واختفى تحت التراب الذي جره السيل، وظهر بعد سنين، وسلم طفل في سرير له حمله السيل فتعلق السرير بزيتونة وعاش وكبر. وفيها مات السلطان محمد، وأقيم بعده ابنه محمود وله أربع عشرة سنة. وفي سنة اثنتي عشرة مات الخليفة المستظهر بالله في يوم الأربعاء الثالث والعشرين من ربيع الأول؛ فكانت مدته خمسا وعشرين سنة، وغسله ابن عقيل شيخ الحنابلة، وصلى عليه ابنه المسترشد، وماتت بعده بقليل جدته أرجوان والدة المقتدي. قال الذهبي: ولا يعرف خليفة عاشت جدته بعده إلا هذا، رأت ابنها خليفة، ثم ابن ابنها، ثم ابن ابن ابنها ومن شعر المستظهر: أذاب حر الهوى في القلب ما جمدا … لما مددت إلى رسم الوداع بدا وكيف أسلك نهج الاصطبار وقد … أرى طرائق في مهوى الهوى قددا؟ إن كنت أنقض عهد الحب يا سكني … من بعد هذا فلا عاينتكم أبدا وللصارم البطائحي مدحا: أصبحت بالمستظهر بن المقتدي … بالله ابن القائم ابن القادر مستعصما أرجو نوال أكفه … وبأن يكون من مدحي بشعر سائر فوقع المستظهر بجائزتين: يخير بن الصلة والانحدار، والمقام والإدرار. وقال السلفي: قال لي أبو الخطاب بن الجراح: صليت بالمستظهر في رمضان، فقرأت: ﴿إن ابنك سرق﴾ [يوسف: ٨١] رواية رويناها عن الكسائي، فلما سلمت قلت: هذه قراءة حسنة فيها تنزيه أولاد الأنبياء عن الكذب. مات في أيامه من الأعلام: أبو المظفر السمعاني، ونصر المقدسي، وأبو الفرج، وشيذلة، والروياني، والخطيب التبريزي، والكيا الهراسي، والغزالي، والشاشي الذي صنف له كتاب الحلية وسماه المستظهري، والأبيوردي اللغوي.

стр. 351

المسترشد بالله أبو منصور (١) المسترشد بالله: أبو منصور الفضل بن المستظهر بالله، ولد في ربيع الأول سنة خمس وثمانين وأربعمائة وأمه أم ولد، وبويع له بالخلافة عند موت أبيه في ربيع الآخر سنة اثنتي عشرة وخمسمائة، وكان ذا همة عالية، وشهامة زائدة، وإقدام ورأي، وهبة شديدة، ضبط أمور الخلافة، ورتبها أحسن ترتيب، وأحيا رسم الخلافة ونظر عظامها، وشيد أركان الشريعة وطرز أكمامها، وباشر الحروب بنفسه، وخرج عدة نوب إلى الحلة والموصل وطريق خراسان إلى أن خرج النوبة الأخيرة وكسر جيشه بقرب همذان وأخذ أسيرا إلى أذربيجان، وقد سمع الحديث من أبي القاسم بن بيان، وعبد الوهاب بن هبة الله السبتي، وروى عنه محمد بن عمر بن مكي الأهوازي، ووزيره علي بن طراد، وإسماعيل بن طاهر الموصلي، وذكر ذلك ابن السمعاني، وذكره ابن الصلاح في طبقات الشافعية، وناهيك بذلك فقال: هو الذي صنف له أبو بكر الشاشي كتابه العمدة في الفقه، وبلقبه اشتهر الكتاب فإنه حينئذ يلقب عمدة الدنيا والدين، ذكره ابن السبكي في طبقات الشافعية وقال: كان في أول أمره تنسك، ولبس الصوف، وانفرد في بيت للعبادة، وكان مولده في يوم الأربعاء ثامن عشر شبعان سنة ست وثمانين وأربعمائة، وخطب له أبوه بولاية العهد، ونقش اسمه على السكة في شهر ربيع الأول سنة ثمان وثمانين، وكان مليح الخط ما كتب أحد من الخلفاء قبله مثله، يستدرك على كتابه يصلح أغاليط في كتبهم، وأما شهامته وهيبته وشجاعته وإقدامه فأمر أشهر من الشمس، ولم تزل أيامه مكدرة بكثرة التشويش والمخالفين، وكان يخرج بنفسه لدفع ذلك إلى أن خرج الخرجة الأخيرة إلى العراق، وانكسر وأخذ ورزق الشهادة. وقال الذهبي: مات السلطان محمود بن محمد بن ملكشاه سنة خمس وعشرين فأقيم ابنه داود مكانه، فخرج عليه عمه مسعود بن محمد، فاقتتلا ثم اصطلحا على الاشتراك بينهما ولكل مملكة، وخطب لمسعود بالسلطنة ببغداد ومن بعده لداود، وخلع عليهما، ثم وقعت الوحشة بين الخليفة ومسعود، فخرج لقتاله، فالتقى الجمعان، وغدر بالخليفة أكثر عساكره، فظفر به مسعود، وأسر الخليفة وخواصه، فحبسهم بقلعة قرب همذان، فبلغ أهل بغداد ذلك، فحثوا في الأسواق التراب على رءوسهم، وبكوا وضجوا وخرج النساء حاسرات يندبن الخليفة، ومنعوا الصلوات والخطبة. قال ابن الجوزي: وزلزت بغداد مرارا كثيرة، ودامت كل يوم، خمس مرات أو ستا، والناس يستغيثون فأرسل السلطان سنجر إلى ابن أخيه مسعود يقول: ساعة وقوف الولد غياث الدنيا والدين على هذا المكتوب يدخل على أمير المؤمنين، ويقبل الأرض بين يديه، ويسأله العفو والصلح، ويتنصل غاية التنصل، فقد ظهر عندنا من الآيات السماوية والأرضية ما لا طاقة لنا بسماع مثلها، فضلا عن المشاهدة من العواصف، والبروق، والزلازل، ودام

стр. 352

ذلك عشرين يوما، وتشويش العساكر، وانقلاب البلدان، وقد خفت على نفسي من جانب الله، وظهور آياته، وامتناع الناس من الصلاة في الجوامع، ومنع الخطباء ما لا طاقة لي بحمهلن فالله الله تتلافى أمرك، وتعيد أمير المؤمنين إلى مقر عزه، وتحمل الغاشية بين يديه كما جرت عادتنا وعادة آبائنا، ففعل مسعود جميع ما أمره به، وقبل الأرض، بين يدي الخليفة، ووقف يسأل العفو. ثم أرسل سنجر رسولا آخر ومعه عسكر يستحث على إعادة الخليفة إلى مقر عزه، فجاء في العسكر سبعة عشر من الباطنية، فذكر أن مسعودا ما علم بهم، وقيل: بل علم بهم، وقيل: بل هو الذي دسهم، فهجموا على الخليفة في خيمته، ففتكوا به وقتلوا معه جماعة من أصحابه، فما شعر بهم العسكر إلا وقد فرغوا من شغلهم، فأخذوهم وقتلوهم إلى لعنة الله، فاشتد ذلك على الناس، وخرجوا حفاة مخرقين في الثياب، والنساء ناشرات الشعور يلطمن ويقلن المراثي، لأن المسترشد كان محببا فيهم ببره، ولما فيه من الشجاعة والعدل والرفق بهم. وكان قتل المسترشد ﵀ بمراغة يوم الخميس سادس عشر ذي القعدة سنة تسع وعشرين، ومن شعره: أنا الأشقر المدعو بي في الملاحم … ومن يملك الدنيا بغير مزاحم ستبلغ أرض الروم خيلي، وتنتضي … بأقصى بلاد الصين بيض صوارمي ومن شعره لما أسر: ولا عجبا للأسد إن ظفرت بها … كلاب الأعادي من فصيح وأعجم فحربة وحشي سقت حمزة الردى … وموت علي من حسام ابن ملجم وله لما كسر وأشير عليه بالهزيمة فلم يفعل وثبت حتى أسر: قالوا: تقيم وقد أحا … ط بك العدو ولا تفر فأجبتهم: المرء ما … لم يتعظ بالوعظ غر لا نلت خيرا ما حييت … ولا عداني الدهر شر إن كنت أعلم أن غير … الله ينفع أو يضر قال الذهبي: وقد خطب الناس يوم عيد الأضحى، فقال: الله أكبر ما سبحت الأنواء، وأشرق الضياء، وطلعت ذكاء، وعلت على الأرض السماء، الله أكبر ما هما سحاب ولمع سراب، وأنجح طلاب، وسر قادما إياب، وذكر خطبة بليغة ثم جلس، ثم قام فخطب، وقال: اللهم أصلحني في ذريتي وأعني على ما وليتني، وأوزعني شكر نعمتك، ووفقني وانصرني، فلما أنهاها وتهيأ للنزول بدره أبو المظفر الهاشمي، فأنشده: عليك سلام الله خير من علا … على منبر قد حف أعلامه النصر

стр. 353

وأفضل من أم الأنام وعمهم … بسيرته الحسنى وكان له الأمر وأفضل أهل الأرض شرقا ومغربا … ومن جده من أجله نزل القطر لقد شنفت أسماعنا منك خطبة … وموعظة فصل يلين لها الصخر ملأت بها كل القلوب مهابة … قد رجفت من خوف تخويفها مصر وزدت بها عدنان مجدا مؤثلا … فأضحى بها بين الأنام لك الفخر وسدت بني العباس حتى لقد غدا … يباهي بك السجاد والعالم البحر فلله عصر أنت فيه إمامنا … ولله دين أنت فيه لنا الدر بقيت على الأيام والملك كلما … تقادم عصر أنت فيه أتى عصر وأصبحت بالعيد السعيد مهنأ … تشرفنا فيه صلاتك والنحر وقال وزيره جلال الدين الحسن بن علي بن صدقة يمدحه: وجدت الورى كالماء طعما مصورا … وأن أمير المؤمنين زلاله وصورت معنى العقل شخصا مصورا … وأن أمير المؤمنين مثاله ولولا مكان الدين والشرع والتقى … لقلت من الإعظام: ﷻ وفي سنة أربع وعشرين من أيامه ارتفع سحاب أمطر بلد الموصل نارا أحرقت من البلد مواضع كثيرة، وفيها قتل صاحب مصر الآمر بأحاكم الله منصور من غير عقب، وقام بعده ابن عمه الحافظ عبد المجيد بن محمد بن المنتصر. وفيها ظهر ببغداد عقارب طيارة لها شوكتان، وخاف الناس منها وقد قتلت جماعة أطفال. وممن مات في أيام المسترشد من الأعلام: شمس الأئمة أبو الفضل إمام الحنفية، وأبو الوفاء ابن عقيل الحنبلي، وقاضي القضاءة أبو الحسن الدامغاني، وابن بليمة المقرئ والطغرائي صاحب لامية العجم، وأبو علي الصدفي الحافظ، وأبو نصر القشيري، ابن القطاع اللغوي، ومحيي السنة البغوي، وابن الفحام المقرئ، والحريري صاحب المقامات والميداني صاحب الأمثال، وأبو الوليد بن رشد المالكي، والإمام أبو بكر الطرطوشي، وأبو الحجاج السرقسطي، وابن السيد البطليوسي، وأبو علي الفارقي، من الشافعية، وابن الطراوة النحوي وابن الباذش وظافر الحداد الشاعر، وعبد الغفار الفارسي، وخلائق آخرون.

стр. 354

الراشد بالله أبو جعفر الراشد بالله: أبو جعفر منصور بن المسترشد: ولد في سنة اثنتين وخمسمائة، وأمه أم ولد، ويقال: إنه ولد مسدودا فأحضروا الأطباء فأشاروا بأن يفتح له مخرج بآلة من ذهب، ففعل به ذلك فنفع. وخطب له أبوه بولاية العهد سنة ثلاث عشرة، وبويع له بالخلافة عند قتل أبيه في ذي القعدة سنة تسع وعشرين.

стр. 355

وكان فصيحا، أديبا، شاعرا، شجاعا، جوادا، سمحا، حسن السيرة، يؤثر العدل، ويكره الشر. ولما عاد السلطان مسعود إلى بغداد خرج هو إلى الموصل، فأحضروا القضاة والأعيان والعلماء وكتبوا محضرا فيه شهادة طائفة بما جرى من الراشد من الظلم وأخذ الأموال وسفك الدماء وشرب الخمر، واستفتوا الفقهاء فيمن فعل ذلك: هل تصح إمامته؟ وهل إذا ثبت فسقه يجوز لسلطان الوقت أن يخلعه ويستبدل خيرا منه؟ فأفتوا بجواز خلعه، وحكم بخلعه أبو طاهر بن الكرخي قاضي البلد، وبايعوا عمه محمد بن المستظهر ولقب المقتفي لأمر الله، وذلك في سادس عشر من ذي القعدة سنة ثلاثين. وبلغ الراشد الخلع فخرج من الموصل إلى بلاد أذربيجان وكان معه جماعة فقسطوا على مراغة مالا وعاثوا هناك ومضوا إلى همذان وأفسدوا بها، وقتلوا جماعة وصلبوا آخرين، وحلقوا لحى جماعة من العلماء، ثم مضوا إلى أصبهان فحاصروها ونهبوا القرى، ومرض الراشد بظاهر أصبهان مرضا شديدا، فدخل عليه جماعة من العجم كانوا فراشين معه، فقتلوه بالسكاكين ثم قتلوا كلهم، وذلك في سادس عشر رمضان سنة اثنتين وثلاثين، وجاء الخبر إلى بغداد فقعدوا للعزاء يوما واحدا. قال العماد الكاتب: كان للراشد الحسن اليوسفي، والكرم الحاتمي. قال ابن الجوزي: وقد ذكر الصولي أن الناس يقولون: إن كل سادس يقوم للناس يخلع، فتأملت هذا فرأيت عجبا. قلت: وقد سقت بقية كلامه في الخطبة، ولم تؤخذ البردة والقضيب من الراشد حتى قتل، فأحضر بعد قتله إلى المقتفي.
следующие страницы →