← История

История · id 30182

تاريخ الخلفاء - ط الباز

الجلال السيوطي

Полный текст (437 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

المسترشد بالله أبو منصور (١) المسترشد بالله: أبو منصور الفضل بن المستظهر بالله، ولد في ربيع الأول سنة خمس وثمانين وأربعمائة وأمه أم ولد، وبويع له بالخلافة عند موت أبيه في ربيع الآخر سنة اثنتي عشرة وخمسمائة، وكان ذا همة عالية، وشهامة زائدة، وإقدام ورأي، وهبة شديدة، ضبط أمور الخلافة، ورتبها أحسن ترتيب، وأحيا رسم الخلافة ونظر عظامها، وشيد أركان الشريعة وطرز أكمامها، وباشر الحروب بنفسه، وخرج عدة نوب إلى الحلة والموصل وطريق خراسان إلى أن خرج النوبة الأخيرة وكسر جيشه بقرب همذان وأخذ أسيرا إلى أذربيجان، وقد سمع الحديث من أبي القاسم بن بيان، وعبد الوهاب بن هبة الله السبتي، وروى عنه محمد بن عمر بن مكي الأهوازي، ووزيره علي بن طراد، وإسماعيل بن طاهر الموصلي، وذكر ذلك ابن السمعاني، وذكره ابن الصلاح في طبقات الشافعية، وناهيك بذلك فقال: هو الذي صنف له أبو بكر الشاشي كتابه العمدة في الفقه، وبلقبه اشتهر الكتاب فإنه حينئذ يلقب عمدة الدنيا والدين، ذكره ابن السبكي في طبقات الشافعية وقال: كان في أول أمره تنسك، ولبس الصوف، وانفرد في بيت للعبادة، وكان مولده في يوم الأربعاء ثامن عشر شبعان سنة ست وثمانين وأربعمائة، وخطب له أبوه بولاية العهد، ونقش اسمه على السكة في شهر ربيع الأول سنة ثمان وثمانين، وكان مليح الخط ما كتب أحد من الخلفاء قبله مثله، يستدرك على كتابه يصلح أغاليط في كتبهم، وأما شهامته وهيبته وشجاعته وإقدامه فأمر أشهر من الشمس، ولم تزل أيامه مكدرة بكثرة التشويش والمخالفين، وكان يخرج بنفسه لدفع ذلك إلى أن خرج الخرجة الأخيرة إلى العراق، وانكسر وأخذ ورزق الشهادة. وقال الذهبي: مات السلطان محمود بن محمد بن ملكشاه سنة خمس وعشرين فأقيم ابنه داود مكانه، فخرج عليه عمه مسعود بن محمد، فاقتتلا ثم اصطلحا على الاشتراك بينهما ولكل مملكة، وخطب لمسعود بالسلطنة ببغداد ومن بعده لداود، وخلع عليهما، ثم وقعت الوحشة بين الخليفة ومسعود، فخرج لقتاله، فالتقى الجمعان، وغدر بالخليفة أكثر عساكره، فظفر به مسعود، وأسر الخليفة وخواصه، فحبسهم بقلعة قرب همذان، فبلغ أهل بغداد ذلك، فحثوا في الأسواق التراب على رءوسهم، وبكوا وضجوا وخرج النساء حاسرات يندبن الخليفة، ومنعوا الصلوات والخطبة. قال ابن الجوزي: وزلزت بغداد مرارا كثيرة، ودامت كل يوم، خمس مرات أو ستا، والناس يستغيثون فأرسل السلطان سنجر إلى ابن أخيه مسعود يقول: ساعة وقوف الولد غياث الدنيا والدين على هذا المكتوب يدخل على أمير المؤمنين، ويقبل الأرض بين يديه، ويسأله العفو والصلح، ويتنصل غاية التنصل، فقد ظهر عندنا من الآيات السماوية والأرضية ما لا طاقة لنا بسماع مثلها، فضلا عن المشاهدة من العواصف، والبروق، والزلازل، ودام

стр. 352

ذلك عشرين يوما، وتشويش العساكر، وانقلاب البلدان، وقد خفت على نفسي من جانب الله، وظهور آياته، وامتناع الناس من الصلاة في الجوامع، ومنع الخطباء ما لا طاقة لي بحمهلن فالله الله تتلافى أمرك، وتعيد أمير المؤمنين إلى مقر عزه، وتحمل الغاشية بين يديه كما جرت عادتنا وعادة آبائنا، ففعل مسعود جميع ما أمره به، وقبل الأرض، بين يدي الخليفة، ووقف يسأل العفو. ثم أرسل سنجر رسولا آخر ومعه عسكر يستحث على إعادة الخليفة إلى مقر عزه، فجاء في العسكر سبعة عشر من الباطنية، فذكر أن مسعودا ما علم بهم، وقيل: بل علم بهم، وقيل: بل هو الذي دسهم، فهجموا على الخليفة في خيمته، ففتكوا به وقتلوا معه جماعة من أصحابه، فما شعر بهم العسكر إلا وقد فرغوا من شغلهم، فأخذوهم وقتلوهم إلى لعنة الله، فاشتد ذلك على الناس، وخرجوا حفاة مخرقين في الثياب، والنساء ناشرات الشعور يلطمن ويقلن المراثي، لأن المسترشد كان محببا فيهم ببره، ولما فيه من الشجاعة والعدل والرفق بهم. وكان قتل المسترشد ﵀ بمراغة يوم الخميس سادس عشر ذي القعدة سنة تسع وعشرين، ومن شعره: أنا الأشقر المدعو بي في الملاحم … ومن يملك الدنيا بغير مزاحم ستبلغ أرض الروم خيلي، وتنتضي … بأقصى بلاد الصين بيض صوارمي ومن شعره لما أسر: ولا عجبا للأسد إن ظفرت بها … كلاب الأعادي من فصيح وأعجم فحربة وحشي سقت حمزة الردى … وموت علي من حسام ابن ملجم وله لما كسر وأشير عليه بالهزيمة فلم يفعل وثبت حتى أسر: قالوا: تقيم وقد أحا … ط بك العدو ولا تفر فأجبتهم: المرء ما … لم يتعظ بالوعظ غر لا نلت خيرا ما حييت … ولا عداني الدهر شر إن كنت أعلم أن غير … الله ينفع أو يضر قال الذهبي: وقد خطب الناس يوم عيد الأضحى، فقال: الله أكبر ما سبحت الأنواء، وأشرق الضياء، وطلعت ذكاء، وعلت على الأرض السماء، الله أكبر ما هما سحاب ولمع سراب، وأنجح طلاب، وسر قادما إياب، وذكر خطبة بليغة ثم جلس، ثم قام فخطب، وقال: اللهم أصلحني في ذريتي وأعني على ما وليتني، وأوزعني شكر نعمتك، ووفقني وانصرني، فلما أنهاها وتهيأ للنزول بدره أبو المظفر الهاشمي، فأنشده: عليك سلام الله خير من علا … على منبر قد حف أعلامه النصر

стр. 353

وأفضل من أم الأنام وعمهم … بسيرته الحسنى وكان له الأمر وأفضل أهل الأرض شرقا ومغربا … ومن جده من أجله نزل القطر لقد شنفت أسماعنا منك خطبة … وموعظة فصل يلين لها الصخر ملأت بها كل القلوب مهابة … قد رجفت من خوف تخويفها مصر وزدت بها عدنان مجدا مؤثلا … فأضحى بها بين الأنام لك الفخر وسدت بني العباس حتى لقد غدا … يباهي بك السجاد والعالم البحر فلله عصر أنت فيه إمامنا … ولله دين أنت فيه لنا الدر بقيت على الأيام والملك كلما … تقادم عصر أنت فيه أتى عصر وأصبحت بالعيد السعيد مهنأ … تشرفنا فيه صلاتك والنحر وقال وزيره جلال الدين الحسن بن علي بن صدقة يمدحه: وجدت الورى كالماء طعما مصورا … وأن أمير المؤمنين زلاله وصورت معنى العقل شخصا مصورا … وأن أمير المؤمنين مثاله ولولا مكان الدين والشرع والتقى … لقلت من الإعظام: ﷻ وفي سنة أربع وعشرين من أيامه ارتفع سحاب أمطر بلد الموصل نارا أحرقت من البلد مواضع كثيرة، وفيها قتل صاحب مصر الآمر بأحاكم الله منصور من غير عقب، وقام بعده ابن عمه الحافظ عبد المجيد بن محمد بن المنتصر. وفيها ظهر ببغداد عقارب طيارة لها شوكتان، وخاف الناس منها وقد قتلت جماعة أطفال. وممن مات في أيام المسترشد من الأعلام: شمس الأئمة أبو الفضل إمام الحنفية، وأبو الوفاء ابن عقيل الحنبلي، وقاضي القضاءة أبو الحسن الدامغاني، وابن بليمة المقرئ والطغرائي صاحب لامية العجم، وأبو علي الصدفي الحافظ، وأبو نصر القشيري، ابن القطاع اللغوي، ومحيي السنة البغوي، وابن الفحام المقرئ، والحريري صاحب المقامات والميداني صاحب الأمثال، وأبو الوليد بن رشد المالكي، والإمام أبو بكر الطرطوشي، وأبو الحجاج السرقسطي، وابن السيد البطليوسي، وأبو علي الفارقي، من الشافعية، وابن الطراوة النحوي وابن الباذش وظافر الحداد الشاعر، وعبد الغفار الفارسي، وخلائق آخرون.

стр. 354

الراشد بالله أبو جعفر الراشد بالله: أبو جعفر منصور بن المسترشد: ولد في سنة اثنتين وخمسمائة، وأمه أم ولد، ويقال: إنه ولد مسدودا فأحضروا الأطباء فأشاروا بأن يفتح له مخرج بآلة من ذهب، ففعل به ذلك فنفع. وخطب له أبوه بولاية العهد سنة ثلاث عشرة، وبويع له بالخلافة عند قتل أبيه في ذي القعدة سنة تسع وعشرين.

стр. 355

وكان فصيحا، أديبا، شاعرا، شجاعا، جوادا، سمحا، حسن السيرة، يؤثر العدل، ويكره الشر. ولما عاد السلطان مسعود إلى بغداد خرج هو إلى الموصل، فأحضروا القضاة والأعيان والعلماء وكتبوا محضرا فيه شهادة طائفة بما جرى من الراشد من الظلم وأخذ الأموال وسفك الدماء وشرب الخمر، واستفتوا الفقهاء فيمن فعل ذلك: هل تصح إمامته؟ وهل إذا ثبت فسقه يجوز لسلطان الوقت أن يخلعه ويستبدل خيرا منه؟ فأفتوا بجواز خلعه، وحكم بخلعه أبو طاهر بن الكرخي قاضي البلد، وبايعوا عمه محمد بن المستظهر ولقب المقتفي لأمر الله، وذلك في سادس عشر من ذي القعدة سنة ثلاثين. وبلغ الراشد الخلع فخرج من الموصل إلى بلاد أذربيجان وكان معه جماعة فقسطوا على مراغة مالا وعاثوا هناك ومضوا إلى همذان وأفسدوا بها، وقتلوا جماعة وصلبوا آخرين، وحلقوا لحى جماعة من العلماء، ثم مضوا إلى أصبهان فحاصروها ونهبوا القرى، ومرض الراشد بظاهر أصبهان مرضا شديدا، فدخل عليه جماعة من العجم كانوا فراشين معه، فقتلوه بالسكاكين ثم قتلوا كلهم، وذلك في سادس عشر رمضان سنة اثنتين وثلاثين، وجاء الخبر إلى بغداد فقعدوا للعزاء يوما واحدا. قال العماد الكاتب: كان للراشد الحسن اليوسفي، والكرم الحاتمي. قال ابن الجوزي: وقد ذكر الصولي أن الناس يقولون: إن كل سادس يقوم للناس يخلع، فتأملت هذا فرأيت عجبا. قلت: وقد سقت بقية كلامه في الخطبة، ولم تؤخذ البردة والقضيب من الراشد حتى قتل، فأحضر بعد قتله إلى المقتفي.

стр. 356

المقتفي لأمر الله أبو عبد الله (١) المقتفي لأمر الله: أبو عبد الله محمد بن المستظهر بالله. ولد في الثاني والعشرين من ربيع الأول سنة تسع وثمانين وأربعمائة، وأمه حبشية، وبويع له بالخلافة عند خلع ابن أخيه وعمره أربعون سنة، وسبب تلقيبه بالمقتفي أنه رأى في منامه قبل أن يستخلف بستة أيام رسول الله ﷺ وهو يقول له: سيصل هذا الأمر إليك فاقتف لأمر الله- فلقب المقتفي لأمر الله وبعث السلطان مسعود بعد أن أظهر العدل ومهد بغداد، فأخذ جميع ما في دار الخلافة من دواب وآثاث وذهب، وستور، وسرادق ولم يترك في اصطبل الخلافة سوى أربعة أفراس وثمانية أبغال برسم الماء، فيقال: إنهم بايعوا المقتفي على ألا يكون عنده خيل، ولا آلة سفر. ثم في سنة إحدى وثلاثين أخذ السلطان مسعود جميع تعلق الخليفة، ولم يترك له إلا العقار الخاص، وأرسل وزيره يطلب من الخليفة مائة ألف دينار، فقال المقتفي: ما رأينا

стр. 357

أعجب من أمرك؛ أنت تعلم أن المسترشد سار إليك بأمواله فجرى ما جرى، وأن الراشد ولى ففعل ما فعل، ورحل وأخذ ما تبقى، ولم يبق إلا الأثاث، فأخذته كله، وتصرفت في دار الضرب، وأخذت التركات والجوالي، فمن أي وجه نقيم لك هذا المال؟ وما بقي إلا أن نخرج من الدار، ونسلمها؛ فإني عاهدت الله ألا آخذ من المسلمين حبة ظلما، فترك السلطان الأخذ من الخليفة، وعاد إلى جباية الأملاك من الناس، وصادر التجار، فلقي الناس من ذلك شدة. ثم في جمادى الأولى أعيدت بلاد الخليفة ومعاملاته والتركات إليه. وفي هذه السنة رقب الهلال ليلة الثلاثين من شهر رمضان فلم ير فأصبح أهل بغداد صائمين لتمام العدة، فلما أمسوا رقبوا الهلال، فما رأوه أيضا، وكانت السماء جلية صاحية، ومثل هذا لم يسمع بمثله في التواريخ. وفي سنة ثلاث وثلاثين كانت ببحترة زلزلة عظيمة عشرة فراسخ في مثلها، فأهلكت خلائق، ثم خسف ببحترة، وصار مكان البلد ماء أسود، وفيها استولى الأمراء على غلات البلاد، وعجز السلطان مسعود، ولم يبق له إلا الاسم، وتضعضع أيضا أمر السلطان سنجر، فسبحان مذل الجبابرة، وتمكن الخليفة المقتفي، وزادت حرمته، وعلت كلمته، وكان ذلك مبدأ صلاح الدولة العباسية، فلله الحمد. وفي سنة إحدى وأربعين قدم السلطان مسعود بغداد، وعمل دار ضرب، فقبض الخليفة على الضراب الذي تسبب في إقامة دار الضرب، فقبض مسعود على صاحب الخليفة فغضب الخليفة، وغلق الجوامع والمساجد ثلاثة أيام، ثم أطلق الحاجب فأطلق الضراب، وسكن الأمر. وفيها جلس ابن العبادي الواعظ، فحضر السلطان مسعود، وتعرض بذكر مكس البيع وما جرى على الناس، ثم قال: يا سلطان العالم، أنت تهب في ليلة لمطرب بقدر هذا الذي يؤخذ من المسلمين فأحسبني ذلك المطرب؛ وهبه لي، واجعله شكرا لله بما أنعم عليك، فأجاب، ونودي في البلد بإسقاطه، وطيف بالألواح التي نقش عليها ترك المكوس، وبين يديه الدبادب والبوقات، وسمرت، ولم تزل إلى أن أمر الناصر لدين الله بقلع الألواح: وقال ما لنا حاجة بآثار الأعاجم. وفي سنة ثلاث وأربعين حاصرت الفرنج دمشق، فوصل إليها نور الدين محمود بن زنكي وهو صاحب حلب يومئذ، وأخوه غازي صاحب الموصل، فنصر المسملون ولله الحمد، وهزم الفرنج، واستمر نور الدين في قتال الفرنج، وأخذ ما استولوا عليه من بلاد المسلمين. وفي سنة أربع وأربعين مات صاحب مصر الحافظ لدين الله وأقيم ابنه الظافر إسماعيل، وفيها جاءت زلزلة عظيمة، وماجت بغداد نحو عشر مرات، وتقطع منها جبل بحلوان. وفي سنة خمس وأربعين جاء باليمن مطر كله دم، وصارت الأرض مرشوشة بالدم، وبقي أثره في ثياب الناس.

стр. 358

وفي سنة سبع وأربعين مات السلطان مسعود. قال ابن هبيرة، وهو وزير المقتفي: لما تطاول على المقتفي أصحاب مسعود وأساءوا الأدب ولم يكن المجاهرة بالمحاربة؛ اتفق الرأي على الدعاء عليه شهرا كما دعا النبي ﷺ على رعل وذكوان شهرا، فابتدأ هو والخليفة سرا كل واحد في موضعه يدعو سحرا من ليلة تسع وعشرين من جمادى الأولى، واستمر الأمر كل ليلة، فلما تكامل الشهر مات مسعود على سريره، ولم يزد على الشهر يوما ولا نقص يوما. واتفق العسكر على سلطنة ملكشاه، وقام بأمره خاصبك، ثم إن خاصبك قبض على ملكشاه، وطلب أخاه محمدا من خوزستان فجاءه، فسلم إليه السلطنة وأمر الخليفة حينئذ ونهى، ونفذت كلمته، وعزل من كان السلطان ولاه مدرسا بالنظامية، وبلغه أن في نواحي واسط تخبطا فسار بعسكره ومهد البلاد ودخل الحلة والكوفة ثم عاد إلى بغداد مؤيدا منصورا، وزينت بغداد. وفي سنة ثمان وأربعين خرجت الغز على السطان سنجر وأسروه وأذاقوه الذل وملكوا بلاده وأبقوا الخطبة باسمه، وبقي معهم صورة بلا معنى، وصار يبكي على نفسه، وله اسم السلطنة، وراتبه في قدر راتب سائس من ساسته. وفي سنة تسع وأربعين قتل بمصر صاحبها الظافر بالله العبيدي، وأقاموا ابنه الفائز عيسى صبيا صغيرا ووهى أمر المصريين، فكتب المقتفي عهدا لنور الدين محمد بن زنكي وولاه مصر وأمره بالمسير إليها، وكان مشغولا بحرب الفرنج وهو لا يفتر من الجهاد، وكان تملك دمشق في صفر من هذا العام، وملك عدة قلاع وحصون بالسيف وبالأمان من بلاد الروم وعظمت ممالكه وبعد صيته، فبعث إليه المقتفي تقليدا وأمره بالمسير إلى مصر ولقبه: بالملك العادل، وعظم سلطان المقتفي، واشتدت شوكته، واستظهر على المخالفين، وأجمع على قصد الجهات المخالفة لأمره، ولم يزل أمره في تزايد وعلو أن مات ليلة الأحد ثاني ربيع الأول سنة خمس وخمسين وخمسمائة. قال الذهبي: كان المقتفي من سروات الخلفاء، عالما، أديبا، شجاعا، حليما، دمث الأخلاق، كامل السؤدد، خليقا للإمامة، قليل المثل في الأئمة، لا يجري في دولته أمر -وإن صغر- إلا بتوقيعه، كتب في خلافته ثلاث ربعات، وسمع الحديث من مؤدبه أبي البركات بن أبي الفرج بن السني. قال ابن السمعاني: وسمع جزء بن عرفة مع أخيه المسترشد من أبي القاسم بن بيان، روى عنه أبو منصور الجواليقي اللغوي إمامه، والوزير ابن هبيرة وزيره وغيرهما، وقد جدد المقتفي بابا للكعبة، واتخذ من العقيق تابتوا لدفنه، وكان محمود السيرة، مشكور الدولة، يرجع إلى دين وعقل وفضل ورأي وسياسة، جدد معالم الإمامة، ومهد رسوم الخلافة، وباشر الأمور بنفسه، وغزا غيره مرة، وامتدت أيامه. وقال أبو طالب عبد الرحمن بن محمد بن عبد السميع الهاشمي في كتاب المناقب

стр. 359

العباسية: كانت أيام المقتفي نضرة بالعدل، زاهرة بفعل الخيرات، وكان على قدم العبادة قبل إفضاء الأمر إليه، وكان أول أمره متشاغلا بالدين ونسخ العلوم وقراءة القرآن، ولم ير -مع سماحته ولين جانبه ورأفته بعد المعتصم- خليفة في شهامته وصرامته وشجاعته مع ما خص به من زهده وورعه وعبادته، ولم تزل جيوشه منصورة حيث يممت. وقال ابن الجوزي: في أيام المقتفي عادت بغداد والعراق إلى يد الخلفاء، ولم يبق له منازع قبل ذلك من دولة المقتدر إلى وقته كان الحكم للمتغلبين من الملوك وليس للخليفة معهم إلا اسم الخلافة ومن سلاطين دولته السلطان سنجر صاحب خراسان، والسلطان نور الدين محمود صاحب الشام، وكان جوادا، كريما، محبا للحديث وسماعه، معتنيا بالعلم مكرما لأهله. قال ابن السمعاني: حدثنا أبو منصور الجواليقي، حدثنا المقتفي لأمر الله أمير المؤمنين، حدثنا أبو البركات أحمد بن عبد الوهاب حدثنا أبو محمد الصيرفيني، حدثنا المخلص، حدثنا إسماعيل الوراق، حدثنا حفص بن عمرو الربالي، حدثنا أبو سحيم، حدثنا عبد العزيز بن صهيب، عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يزداد الأمراء إلا شدة، ولا الناس إلا شحا ولا تقوم الساعة إلا على شرار الناس". ولما أعاد المقتفي الإمام أبو منصور الجواليقي النحوي ليجعله إماما يصلي به دخل عليه، فما زاد على أن قال: السلام على أمير المؤمنين ورحمة الله -وكان ابن التلميذ النصراني الطبيب قائما- فقال: ما هكذا يسلم على أمير المؤمنين يا شيخ، فلم يلتفت إليه ابن الجواليقي، وقال: يا أمير المؤمنين سلامي هو ما جاءت به السنة النبوية وروى الحديث، ثم قال: يا أمير المؤمنين لو حلف حالف أن نصرانيا أو يهوديا لم يصل إلى قلبه نوع من أنواع العلم على الوجه لما لزمته كفارة، لأن الله ختم على قلوبهم ولن يفك ختم الله إلا الإيمان، فقال المقتفي: صدقت وأحسنت، وكأنما ألجم ابن التلميذ بحجر مع غزارة أدبه. وممن مات في أيام المقتفي من الأعلام: ابن الأبرش النحوي، ويونس بن مغيث، وجمال الإسلام بن المسلم الشافعي، وأبو القاسم الأصفهاني صاحب الترغيب وابن برجان، والمازري المالكي صاحب كتاب المعلم بفوائد مسلم، والزمخشري والرشاطي صاحب الأنساب والجواليقي -وهو إمامه- وابن عطية صاحب التفسير، وأبو السعادات بن الشجري، والإمام أبو بكر بن العربي، وناصح الدين الأرجاني الشاعر، والقاضي عياض، والحافظ أبو الوليد بن الدباغ، وأبو الأسعد هبة الرحمن القشيري، وابن علام الفرس المقرئ، والرفاء الشاعر، والشهرستاني صاحب الملل والنحل، والقيسراني الشاعر، ومحمد بن يحيى تلميذ الغزالي، وأبو الفضل بن ناصر الحافظ، وأبو الكرم الشهرزوري المقرئ، والوأواء الشاعر، وابن الجلاء إمام الشافعية. وخلائق آخرون.

стр. 360

المستنجد بالله أبو المظفر (١) المستنجد بالله: أبو المظفر يوسف بن المقتفي.

стр. 361

ولد سنة ثماني عشرة وخمسمائة، وأمه أم ولد كرجية اسمها طاوس، خطب له أبوه بولاية العهد سنة سبع وأربعين. وبويع له يوم موت أبيه، وكان موصوفا بالعدل والرفق، أطلق من المكوس شيئا كثيرا بحيث لم يترك بالعراق مكسا، وكان شديدا على المفسدين، سجن رجلا كان يسعى بالناس مدة، فحضره رجل وبذل فيه عشرة آلاف دينار، فقال: أنا أعطيك عشرة آلاف دينار ودلني على آخر مثله لأحبسه وأكف شره عن الناس. قال ابن الجوزي: كان المستنجد موصوفا بالفهم الثاقب، والرأي الصائب، والذكاء الغالب، والفضل الباهر، له نظم بديع، ونثر بليغ، ومعرفة بعمل آلات الفلك والإسطرلاب، وغير ذلك. من شعره: عيرتني بالشيب وهو وقار … ليتها عيرت بما هو عار إن تكن شابت الذوائب … فالليالي تزينها الأقمار وله في بخيل: وباخل أشعل في بيته … تكرمة منه لنا شمعه فما جرت من عينها دمعه … حتى جرت من عينه دمعة وفيه في وزيره ابن هبيرة وقد رأى منه ما يعجبه من تدبير مصالح المسلمين: صفت نعمتان خصتاك وعمتا … بذكرهما حتى القيامة تذكر جودك والدنيا إليك فقيرة … وجودك والمعروف في الناس منكر فلو رام يا يحيى مكانك جعفر … ويحيى لكفا عنه يحيى وجعفر ولم أر من ينوي لك السوء يا … أبا المظفر إلا كنت أنت المظفر مات في ثمان من ربيع الآخرة سنة ست وستين. وكان في أول سنة من خلافته مات الفائز صاحب مصر، وقام بعده العاضد لدين الله آخر خلفاء بني عبيد. وفي سنة اثنتين وستين جهز السلطان نور الدين الأمير أسد الدين شيركوه في ألفي فارس إلى مصر، فنزل بالجيزة وحاصر مصر نحو شهرين، فاستنجد صاحبها بالفرنج، فدخلوا من دمياط لنجدته، فرحل أسد الدين إلى الصعيد، ثم وقعت بينه وبين المصريين حرب انتصر فيها على قلة عسكره وكثرة عدوه، وقتل من الفرنج ألوفا، ثم جبا أسد الدين خراج الصعيد، وقصد الفرنج الإسكندرية، وقد أخذها صلاح الدين يوسف بن أيوب -وهو ابن أخي أسدالدين- فحاصروها أربعة أشهر، فتوجه أسد الدين إليهم، فرحلوا عنها، فرجع إلى الشام.

стр. 362

وفي سنة أربع وستين قصدت الفرنجة الديار المصرية في جيش عظيم، فملكوا بلبيس وحاصروا القاهرة، فأحرقها صاحبها خوفا منهم ثم كاتب السلطان نور الدين يستنجد به فجاء أسد الدين بجيوشه فرحل الفرنج عن القاهرة لما سمعوا بوصوله، ودخل أسد الدين فولاه العاضد صاحب مصر الوزارة وخلع عليه، فلم يلبث أسد الدين أن مات بعد خمسة وستين يوما، فولى العاضد مكانه ابن أخيه صلاح الدين يوسف بن أيوب، وقلده الأمور، ولقبه الملك الناصر فقام بالسلطنة أتم قيام. ومن أخبار المستنجد: قال الذهبي: ما زلت الحمرة الكثيرة تعرض في السماء منذ مرض، وكان يرى ضوؤها على الحيطان. وممن مات في أيامه من الأعلام: الديلمي صاحب مسند الفردوس، والعمراني صاحب البيان من الشافعية، وابن البزري شافعي أهل الجزيرة، والوزير ابن هبيرة، والشيخ عبد القادر الجبلي، والإمام أبو سعيد السمعاني، وأبو النجيب السهروردي، وأبو الحسن بن هذيل المقرئ، وآخرون.

стр. 363

المستضيء بأمر الله الحسن (١) المستضيء بأمر الله: الحسن أبو محمد بن المستنجد بالله. ولد سنة ست وثلاثين وخمسمائة، وأمه أم ولد أرمنية اسمها غضة، بويع له بالخلافة يوم موت أبيه. قال ابن الجوزي: فنادى برفع المكوس ورد المظالم، وأظهر من العدل والكرم ما لم نره في أعمارنا، وفرق مالا عظيما على الهاشميين والعلويين والعلماء والمدارس والربط، وكان دائم البذل للمال، ليس له عنده وقع، ذا حلم وأناة ورأفة، ولما استخلف خلع على أرباب الدولة وغيرهم، فحكى خياط المخزن أنه فصل ألفا وثلاثمائة قباء إبريسم، وخطب له على منابر بغداد، ونثرت الدنانير كما جرت العادة، وولى روح بن الحديثي القضاء، وأمر سبعة عشر مملوكا وللحيص بيص فيه: يا إمام الهدى علوت على الجو … د بمال وفضة ونضار فوهبت الأعمار والأمن والبلدان … في ساعة مضت من نهار فبماذا يثني عليك وقد جا … وزت فضل الحور والأمطار إنما أنت معجز مستقل … خارق للعقول والأفكار جمعت نفسك الشريفة بالبأ … س وبالجود بين ماء ونار قال ابن الجوزي: واحتجب المستضيء عن أكثر الناس، فلم يركب إلا مع الخدم، ولا يدخل عليه غيرهم. وفي خلافته انقضت دولة بني عبيد، وخطب له بمصر، وضربت السكة باسمه، وجاء

стр. 364

البشير بذلك، فغلقت الأسواق ببغداد، وعملت القباب، وصنفت كتابا سميته: النصر على مصر، هذا كلام ابن الجوزي. وقال الذهبي: في أيامه ضعف الرفض ببغداد ووهى، وأمن الناس ورزق سعادة عظيمة في خلافته، وخطب له باليمن، وبرقة، وتوزر، ومصر إلى أسوان، ودانت الملوك بطاعته، وذلك سنة سبع وستين. وقال العماد الكاتب: استفتح السلطان صلاح الدين بن أيوب سنة سبع بجامع مصر كل طاعة وسمع، وهو إقامة الخطبة في الجمعة العباسية في الجمعة الأولى منها بمصر لبني العباس وعفت البدعة وصفت الشرعة وأقيمت الخطبة العباسية في الجمعة الثانية بالقاهرة وأعقب ذلك موت العاضد في يوم عاشوراء، وتسلم صلاح الدين القصر بما فيه من الذخائر والنفائس، بحيث استمر البيع فيه عشر سنين، غير ما اصطفاه صلاح الدين لنفسه، وسير السلطان نور الدين بهذه البشارة شهاب الدين المطهر ابن العلامة شرف الدين بن أبي عصرون إلى بغداد وأمرني بإنشاء بشارة عامة تقرأ في سائر بلاد الشام. فأنشأت بشارة أولها: الحمد لله معلي الحق ومعلنه، وموهي الباطل وموهنه، ومنها: ولم يبق بتلك البلاد منبرا إلا وقد أقيمت عليه الخطبة لمولانا الإمام المستضيء بأمر الله أمير المؤمنين، وتمهدت جوامع الجمع، وتهدمت صوامع البدع -إلى أن قال: وطالما مرت عليها الحقب الخوالي، وبقيت مائتين وثماني سنين، ممنوة بدعوة المبطلين، مملوءة بحزب الشياطين فملكنا الله تلك البلاد ومكن لنا في الأرض وأقدرنا على ما كنا نؤمل من إزالة الإلحاد والرفض، وتقدمنا إلى من استنبناه أن يقيم الدعوة العباسية هنالك، ويورد الأدعياء ودعاة الإلحاد بها المهالك، وللعماد قصيدة في ذلك منها: قد خطبنا للمستضيء بمصر … نائب المصطفى إمام العصر وخذلنا لنصره العضد العا … ضد والقاصر الذي بالقصر وتركنا الدعي يدعو ثبورا … وهو بالذل تحت حجر وحصر وأرسل الخليفة في جواب البشارة الخلع والتشريفات لنور الدين وصلاح الدين وأعلاما وبنودا للخطباء بمصر، وسير للعماد الكاتب خلعه مائة دينار، فعمل قصيدة أخرى منها: أدالت بمصر لداعي الهداة … وانتقمت من دعي اليهود وقال ابن الأثير: السبب في إقامة الخطبة العباسية بمصر أن صلاح الدين يوسف بن أيوب لما ثبت قدمه وضعف أمر العاضد كتب إليه نور الدين محمود بن زنكي يأمره بذلك، فاعتذر بالخوف من وثوب المصريين، فلم يصغ إلى قوله، وأرسل إليه يلزمه بذلك، واتفق أن العاضد مرض، فاستشار صلاح الدين أمراءه فمنهم من وافق ومنهم من خاف، وكان قد دخل مصر أعجمي يعرف بالأمير العالم، فلما رأى ما هم فيه من الإحجام قال: أنا أبتديء

стр. 365

بها، فلما كان أول جمعة من المحرم، صعد المنبر قبل الخطيب ودعا للمستضيء، فلم ينكر ذلك أحد، فلما كان الجمعة الثانية أمر صلاح الدين الخطباء بقطع خطبة العاضد، ففعل ذلك، ولم ينتطح فيها عنزان -والعاضد شديد المرض، فتوفي في يوم عاشوراء. وفي سنة تسع وستين أرسل نور الدين إلى الخليفة بتقادم وتحف منها حمار مخطط وثوب عتابي، وخرج الخلق للفرجة عليه، وكان فيهم رجل عتابي كثير الدعاوى، وهو بليد ناقص الفضيلة، فقال رجل: إن كان قد بعث إلينا حمار عتابي فنحن عندنا عتابي حمار. وفيه وقع برد بالسواد كالنارنج، هدم الدور وقتل جماعة وكثيرا من المواشي، وزادت دجلة زيادة عظيمة بحيث غرقت بغداد وصليت الجمعة خارج السور، وزادت الفرات أيضا وأهلكت قرى ومزارع، وابتهل الخلق إلى الله تعالى، ومن العجائب أن هذا الماء على هذه الصفة ودجيل قد هلكت مزارعه بالعطش. وفيها مات السلطان نور الدين -وكان صاحب دمشق- وابنه الملك الصالح إسماعيل -وهو صبي- فتحركت الفرنج بالسواحل فصولحوا بمال وهودنوا. وفيها أراد جماعة من شيعة العبيديين ومحبيهم إقامة الدعوة وردها إلى آل العاضد ووافقهم جماعة من أمراء صلاح الدين، فاطلع صلاح الدين على ذلك، فصلبهم بين القصرين. وفي سنة اثنتين وسبعين أمر صلاح الدين ببناء السور الأعظم المحيط بمصر والقاهرة، وجعل على بنائه الأمير بهاء الدين قراقوش. قال ابن الأثير: دوره تسعة وعشرون ألف ذراع وثلاثمائة ذراع بالهاشمي. وفيها أمر بإنشاء قلعة بجبل المقطم -وهي التي صارت دار السلطنة- ولم تتم إلا في أيام السلطان الملك الكامل ابن أخي صلاح الدين وهو أول من سكنها. وفيها بنى صلاح الدين تربة الإمام الشافعي. وفي سنة أربع وسبعين هبت ببغداد ريح شديدة نصف الليل، وظهرت أعمدة مثل النار في أطراف السماء، واستغاث الناس استغاثة شديدة، وبقي الأمر على ذلك إلى السحر. وفي سنة خمس وسبعين مات الخليفة المستضيء في سلخ شوال، وعهد إلى ابنه أحمد. وممن مات في أيام المستضيء من الأعلام: ابن الخشاب النحوي، وملك النحاة أبو نزار الحسن بن صافي، والحافظ أبو العلاء الهمذاني، وناصح الدين بن الدهان النحوي، والحافظ الكبير ابن عساكر من حفدة الشافعي، والحيص بيص الشاعر، والحافظ أبو بكر بن خير، وآخرون.

стр. 366

الناصر لدين الله أحمد (١) الناصر لدين الله: أحمد أبو العباس بن المستضيء بأمر الله، ولد يوم الاثنين عاشر

стр. 367

رجب سنة ثلاث وخمسين وخمسمائة، وأمه أم ولد تركية اسمها زمرد، بويع له عند موت أبيه في مستهل ذي القعدة سنة خمس وسبعين، وأجاز له جماعة: منهم أبو الحسين عبد الحق اليوسفي، وأبو الحسن علي بن عساكر البطايحي، وشهده، وأجاز هو لجماعة فكانوا يحدثون عنه في حياته، ويتنافسون في ذلك رغبة في الفخر لا في الإسناد. وقال الذهبي: ولم يل الخلافة أحد أطول مدة منه، فإنه أقام فيها سبعة وأربعين سنة ولم تزل مدة حياته في عز وجلالة وقمع الأعداء واستظهار على الملوك، ولم يجد ضيما، ولا خرج عليه خارجي إلا قمعه، ولا مخالف إلا دفعه، وكل من أضمر له سوءا رماه الله بالخذلان، وكان -مع سعادة جده- شديد الاهتمام بمصالح الملك، لا يخفى عليه شيء من أحوال رعيته كبارهم وصغارهم، وأصحاب أخباره في أقطار البلاد يوصلون إليه أحوال الملوك الظاهرة والباطنة، وكانت له حيل لطيفة ومكائد غامضة وخدع لا يفطن لها أحد، يوقع الصداقة بين ملوك متعادين وهم لا يشعرون، ويوقع العداوة بين ملوك متفقين وهم لا يفطنون، ولما دخل رسول صاحب مازندران بغداد كانت تأتيه ورقة كل صباح بما عمل في الليل، فصار يبالغ في التكتم والورقة تأتيه بذلك، فاختلى ليلة بامرأة دخلت من باب السر فصبحته الورقة بذلك، وفيها: كان عليكم دواج فيه صورة الفيلة، فتحير وخرج من بغداد وهو لا يشك أن الخليفة يعلم الغيب؛ لأن الإمامية يعتقدون أن الإمام المعصوم يعلم ما في بطن الحامل وما وراء الجدار، وأتى رسول خوارزم شاه برسالة مخيفة، وكتاب مختوم، فقيل له: ارجع فقد عرفنا ما جئت به، فرجع وهو يظن أنهم يعلمون الغيب. قال الذهبي: قيل: إن الناصر كان مخدوما من الجن. ولما ظهر خوارزم شاه بخراسان وما وراء النهر، وتجبر وطغى، واستعبد الملوك الكبار، وأباد أمما كثيرة، وقطع خطبة بني العباس من بلاده، وقصد بغداد، فوصل إلى همذان، فوقع عليهم ثلج عظيم عشرين يوما، فغطاهم في غير أوانه، فقال له بعض خواصه: إن ذلك غضب من الله حيث قصدت بيت الخلافة. وبلغه أن أمم الترك قد تألبوا عليه، وطمعوا في البلاد لبعده عنها، فكان ذلك سبب رجوعه، وكفى الناصر شره بلا قتال. وكان الناصر إذا أطعم أشبع، وإذا ضرب أوجع، وله مواطن يعطى فيها عطاء من لا يخاف الفقر. ووصل إليه رجل معه ببغاء تقرأ: ﴿قل هو الله أحد﴾ تحفة للخليفة من الهند، فأصبحت ميتة، وأصبح حيران، فجاءه فراش يطلب منه الببغاء، فبكى وقال: الليلة ماتت، فقال: قد عرفنا، هاتها ميتة، وقال: كم كان ظنك أن يعطيك الخليفة؟ قال: خمسمائة دينار، قال: هذه خمسمائة دينار، خذها، فقد أرسلها إليك الخليفة فإنه أعلم بحالك منذ خرجت من الهند. وكان صدرجهان قد صار إلى بغداد، ومعه جماعة من الفقهاء، وواحد منهم لما خرج من

стр. 368

داره من سمرقند على فرس جميلة، فقال له أهله: لو تركتها عندنا لئلا تؤخذ منك في بغداد، فقال الخليفة لا يقدر أن يأخذها مني، فأمر بعض القوادين أنه حين يدخل بغداد يضربه، ويأخذها منه، ويهرب في الزحمة، ففعل، فجاء الفقيه يستغيث فلا يغاث، فلما رجعوا من الحج خلع على صدرجهان وأصحابه، وخلع على ذلك الفقيه، وقدمت له فرسه وعليها سرج من ذهب وطوق، وقيل له: لم يأخذ فرسك الخليفة، إنما أخذها أتوني، فخر مغشيا عليه وأسجل بكرامتهم. وقال الموفق عبد اللطيف: كان الناصر قد ملأ القلوب هيبة وخيفة، فكان يرهبه أهل الهند ومصر كما يرهبه أهل بغداد، فأحيا بهيبته الخلافة، وكانت قد ماتت بموت المعتصم، ثم ماتت بموته. وكان الملوك والأكابر بمصر والشام إذا جرى ذكره في خلواتهم خفضوا أصواتهم هيبة وإجلالا، وورد بغداد تاجر ومعه قناع دمياط المذهب، فسألوه عنه فأنكر، فأعطي علامات فيه: من عدده، وألوانه، وأصنافه، فازداد إنكاره، فقيل له: من العلامات أنك نقمت على مملوكك التركي فلان، فأخذته إلى سيف بحر دمياط في خلوة وقتلته ودفنته هناك، ولم يشعر بذلك أحد. قال ابن النجار: دانت السلاطين للناصر، ودخل في طاعته من كان من المخالفين وذلت له العتاة والطغاة، وانقهرت بسيفه الجبابرة، واندحض أعداؤه، وكثر أنصاره، وفتح البلاد العديدة، وملك من المماليك ما لم يملكه أحد ممن تقدمه من الخلفاء والملوك، وخطب له ببلاد الأندلس وبلاد الصين، وكان أشد بني العباس، تتصدع لهيبته الجبال، وكان حسن الخلق، لطيف الخلق، كامل الظرف، فصيح اللسان، بليغ البيان، له التوقيعات المسددة، والكلمات المؤيدة، وكانت أيامه غرة في وجه الدهر، ودرة في تاج الفخر. وقال ابن واصل: كان الناصر شهما شجاعا، ذا فكرة صائبة، وعقل رصين، ومكر ودهاء، وله أصحاب أخبار في العراق وسائر الأطراف، يطالعونه بجزئيات الأمور، حتى ذكر أن رجلا ببغداد عمل دعوة وغسل يده قبل أضيافه، فطالع صاحب الخبر الناصر بذلك، فكتب في جواب ذلك: سوء أدب من صاحب الدار، وفضول من كاتب المطالعة، قال: وكان مع ذلك رديء السيرة في الرعية، مائلا إلى الظلف والعسف، ففارق أهل البلاد بلادهم، وأخذ أموالهم وأملاكهم، وكان يفعل أفعالا متضادة، وكان يتشيع ويميل إلى مذهب الإمامية بخلاف آبائه، حتى إن ابن الجوزي سئل بحضرته: من أفضل الناس بعد رسول الله، ﷺ ؟ فقال: أفضلهم بعده من كانت ابنته تحته، ولم يقدر أن يصرح بتفضيل أبي بكر ﵁ وقال ابن الأثير: كان الناصر سيئ السيرة، خربت في أيامه العراق مما أحدثه من الرسوم وأخذ أموالهم وأملاكهم، وكان يفعل الشيء وضده، وكان يرمي بالبندق، ويغوى الحمام. وقال الموفق عبد اللطيف: وفي وسط ولايته اشتغل برواية الحديث، واستناب نوابا في الإجازة عنه والتسميع، وأجرى عليهم جرايات، وكتب للملوك والعلماء إجازات، وجمع كتابا وسبعين حديثا، ووصل إلى حلب، وسمعه الناس.

стр. 369

قال الذهبي: أجاز الناصر لجماعة من الأعيان، فحدثوا عنه: منهم ابن سكينة، وابن الأخضر، وابن النجار، وابن الدامغاني، وآخرون. قال أبو المظفر سبط ابن الجوزي وغيره: قل بصر الناس في آخر عمره، وقيل: ذهب كله، ولم يشعر بذلك أحد من الرعية، حتى الوزير وأهل الدار، وكان له جارية قد علمها الخط بنفسه، فكانت تكتب مثل خطه، فتكتب على التواقيع. وقال شمس الدين الجزري: كان الماء الذي يشربه الناصر تأتي به الدواب من فوق بغداد بسبعة فراسخ، ويغلى سبع غلوات كل يوم غلوة، ثم يحبس في الأوعية سبعة أيام، ثم يشرب منه، ومع هذا ما مامت حتى سقى المرقد مرات، وشق ذكره، وأخرج منه الحصى، ومات منه يوم الأحد سلخ رمضان سنة اثنتين وعشرين وستمائة. ومن لطائفه أن خادما له اسمه يمن كتب إليه ورقة فيها عتب، فوقع فيها: بمن يمن يمن … بمن ثمن ثمن ولما تولى الخليفة بعث إلى السطلان صلاح الدين بالخلع والتقليد، وكتب إليه السلطان كتابا يقول فيه: والخادم -ولله الحمد- يعدد سوابق في الإسلام، والدولة العباسية لا يعمرها أولية أبي مسلم؛ لأنه والى ثم وارى، ولا آخرية طغرلبك؛ لأنه نصر ثم حجر، والخادم خلع من كان ينازع الخلافة رداءها، وأساغ الغصة التي أذخر الله للإساغة في سيفه ماءها، فرجل الأسماء الكاذبة الراكبة على المنابر، وأعز بتأييد إبراهيم فكسر الأصنام الباطنة بسيفه الطاهر. ومن الحوادث في أيامه منشورة في سنة سبع وسبعين وخمسمائة، أرسل الملك الناصر يعاتب السلطان صلاح الدين في تسميته بالملك الناصر مع علمه أن الخليفة اختار هذه التسمية لنفسه. وفي سنة ثمانين جعل الخليفة مشهد موسى الكاظم أمنا لمن لاذ به، فالتجأ إليه خلق، وحصل بذلك مفاسد. وفي سنة إحدى وثمانين ولد بالعلث ولد طول جبهته شبر وأربع أصابع، وله أذن واحدة، وفيها وردت الأخبار بأنه خطب للناصر بمعظم بلاد المغرب. وفي سنة اثنتين وثمانين اجتمع الكواكب الستة في الميزان، فحكم المنجمون بخراب العالم في جميع البلاد بطوفان الريح، فشرع الناس في حفر مغارات في التخوم وتوثيقها، وسد منافسها على الريح، ونقلوا إليها الماء والزاد، وانتقلوا إليها، وانتظروا الليلة التي وعدوا فيها بريح كريح عاد، وهي الليلة التاسعة من جمادى الآخرة، فلم يأت فيها شيء، ولا هب فيها نسيم، بحيث أوقدت الشموع، فلم يتحرك فيها ريح تطفئها، وعملت الشعراء في ذلك، فمما قيل فيه قول أبي الغنائم محمد بن المعلم: قل لأبي الفضل قول معترف … مضى جمادى وجاءنا رجب وما جرت زعزع كما حكموا … ولابدا كوكب له ذنب

стр. 370

كلا ولا أظلمت ذكاء ولا … بدت إذن في قرونها الشهب يقضي عليها من ليس يعلم ما … يقضي عليه هذا هو العجب قد بان كذب المنجمين وفي … أي مقال قالوا فما كذبوا؟ وفي سنة ثلاث وثمانين اتفق أن أول يوم في السنة كان أول أيام الأسبوع، وأول السنة الشمسية، وأول سني الفرس، والشمس والقمر في أول البروج، وكان ذلك من الاتفاقات العجيبة. وفيها كانت الفتوحات الكثيرة، أخذ السلطان صلاح الدين كثيرا من البلاد الشامية التي كانت بيد الفرنج، وأعظم ذلك بيت المقدس، وكان بقاؤه في يد الفرنج إحدى وتسعين سنة، وأزال السلطان ما أحدثه الفرنج من الآثار، وهدم ما أحدثوه من الكنائس، وبنى موضع كنيسة منها مدرسة للشافعية، فجزاه الله عن الإسلام خيرا، ولم يهدم القمامة اقتداء بعمر ﵁ حيث لم يهدمها لما فتح بيت المقدس، وقال في ذلك محمد بن أسعد النسابة: أترى مناما ما بعيني أبصر … القدس يفتح، والنصارى تكسر؟ وقمامة قمت من الرجس الذي … بزواله وزوالها يتطهر ومليكهم في القيد مصفود، ولم … ير قبل ذلك لهم مليك يؤسر قد جاء نصر الله والفتح الذي … وعد الرسول فسبحوا واستغفروا يا يوسف الصديق أنت لفتحها … فاروقها عمر الإمام الأطهر ومن الغرائب أن ابن برجان ذكر في تفسيره: ﴿الم، غلبت الروم﴾ [الروم: ١، ٢] أن بيت المقدس يبقى في يد الروم إلى سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة، ثم يغلبون ويفتح ويصير دار إسلام إلى آخر الأبد، أخذا من حساب الآية، فكان كذلك. قال أبو شامة، وهذا الذي ذكره ابن برجان من عجائب ما اتفق، وقد مات ابن برجان قبل ذلك بدهر، فإن وفاته سنة ست وثلاثين وخمسمائة. وفي سنة تسع وثمانين مات السلطان صلاح الدين ﵀ فوصل إلى بغداد الرسول في صحبته لأمة الحرب التي لصلاح الدين وفرسه، ودينار واحد، وستة وثلاثون درهما، لم يخلف من المال سواها، واستقرت مصر لابنه عماد الدين عثمان الملك العزيز، ودمشق لابنه الملك الأفضل نور الدين علي، وحلب لابنه الملك الظاهر غياث الدين غازي. وفي سنة تسعين مات السلطان طغرلبك شاه ابن أرسلان بن طغرلبك بن محمد بن ملك شاه، وهو آخر ملوك السلجوقية. قال الذهبي: كان عددهم نيفا وعشرين ملكا، أولهم طغرلبك الذي أعاد القائم إلى بغداد، ومدة دولتهم مائة وستون سنة. وفي سنة خمسمائة واثنتين وتسعين هبت ريح سوداء بمكة، عمت الدنيا، ووقع على

стр. 371

الناس رمل أحمر، ووقع من الركن اليماني قطعة. وفيها عسكر خوارزم شاه، فعدا جيحون في خمسين ألفا، وبعث إلى الخليفة يطلب السلطنة، وإعادة دار السلطنة إلى ما كانت، وأن يجيء إلى بغداد، ويكون الخليفة من تحت يده، كما كانت الملوك السلجوقية، فهدم الخليفة دار السلطنة، ورد رسوله بلا جواب، ثم كفى شره كما تقدم. وفي سنة ثلاث وتسعين انقض كوكب عظيم سمع لانقضاضه صوت هائل، واهتزت الدور والأماكن فاستغاث الناس، وأعلنوا بالدعاء، وظنوا ذلك من أمارات القيامة. وفي سنة خمس وتسعين مات الملك العزيز بمصر، وأقيم ابنه المنصور بدله، فوثب الملك العادل سيف الدين أبو بكر بن أيوب وتملكها، ثم أقام بها ابنه الملك الكامل. وفي سنة ست وتسعين توقف النيل بمصر بحيث كسرها، ولم يكمل ثلاثة عشر ذراعا، وكان الغلاء المفرط بحيث أكلوا الجيف والآدميين، وفشا أكل بني آدم واشتهر، ورؤي من ذلك العجب العجاب، وتعدوا إلى حفر القبور وأكل الموتى، وتمزق أهل مصر كل ممزق، وكثر الموت من الجوع بحيث كان الماشي لا يقع قدمه أو بصره إلا على ميت أو من هو في السياق، وهلك أهل القرى قاطبة بحيث إن المسافر يمر بالقرية فلا يرى فيها نافخ نار، ويجد البيوت مفتوحة وأهلها موتى. وقد حكى الذهبي في ذلك حكايات يقشعر الجلد من سماعها، قال: وصارت الطرق مزرعة بالموتى، وصارت لحومها الطير والسباع، وبيعت الأحرار والأولاد بالدراهم اليسيرة، واستمر ذلك إلى أثناء سنة ثمان وتسعين. وفي سنة سبع وتسعين جاءت زلزلة كبرى بمصر والشام والجزيرة، فأخرجت أماكن كثيرة وقلاعا، وخسفت قرية من أعمال بصرى. وفي سنة تسع وتسعين في سلخ المحرم ماجت النجوم، وتطايرت تطاير الجراد، ودام ذلك إلى الفجر، وانزعج الخلق، وضجوا إلى الله تعالى، ولم يعهد ذلك إلا عند ظهور رسول الله، ﷺ . وفي سنة ستمائة هجم الفرنج إلى النيل من رشيد، ودخلوا بلدة فوه فنهبوها واستباحوها ورجعوا. وفي سنة إحدى وستمائة تغلبت الفرنج على القسطنطينية، وأخرجوا الروم منها، وكانت بأيدي الروم من قبل الإسلام، واستمرت بيد الفرنج إلى سنة ستين وستمائة فاستطلقها منهم الروم. وفيها -أي: سنة إحدى وستمائة- ولدت امرأة بقطيعاء ولدا برأسين ويدين وأربعة أرجل، ولم يعش. وفي سنة ست وستمائة كان ابتداء أمر التتار، وسيأتي شرح حالهم. وفي سنة خمس عشرة أخذت الفرنج من دمياط برج السلسلة.

стр. 372

قال أبو شامة: وهذا البرج كان قفل الديار المصرية، وهو برج عال في وسط النيل ودمياط بحذائه من شرقيه، والجزيرة بحذائه من غربيه، وفي نحايته سلسلتان تمتد إحداهما على النيل إلى دمياط، والأخرى على النيل إلى الجزيرة تمنعان عبوب المراكب من البحر المالح. وفي سنة ست عشرة أخذت الفرنج دمياط بعد حروب ومحاصرات، وضعف الملك الكامل عن مقاومتهم، فبدعوا فيها، وجعلوا الجامع كنيسة، فابتنى الملك الكامل مدينة عند مفرق البحرين سموها المنصورة، وبنى عليها سورا ونزلها بجيشه. وفي هذه السنة كاتبه قاضي القضاة ركن الدين الظاهر وكان الملك المعظم صاحب دمشق في نفسه منه، فأرسل له بقجة فيها قباء وكلوته وأمره بلبسها بين الناس في مجلس حكمه، فلم يمكنه الامتناع، ثم قام ودخل داره ولزم بيته، ومات بعد أشهر قهرا، ورمى قطعا من كبده، وتأسف الناس لذلك، واتفق أن الملك المعظم أرسل في عقب ذلك إلى الشرف بن عنين حين تزهد خمرا وبردا، وقال: سبح بهذا فكتب إليه يقول: يا أيها الملك المعظم سنة … أحدثتها تبقى على الآباد تجري الملوك على طريقك بعدها … خلع القضاة وتحفة الزهاد وفي سنة ثماني عشرة استردت دمياط من الفرنج فلله الحمد. وفي سنة إحدى وعشرين بنيت دار الحديث الكاملية بالقاهرة بين القصرين وجعل شيخها أبا الخطاب بن دحية، وكانت الكعبة تكسى الديباج الأبيض من أيام المأمون إلى الآن فكساها الناصر ديباجا أخضر، ثم كساها ديباجا أسود فاستمر إلى الآن. وممن مات في أيام الناصر من الأعلام: الحافظ أبو طاهر السلفي، وأبو الحسن بن القصار اللغوي، والكمال أبو البركات بن الأنباري، والشيخ أحمد بن الرفاعي الزاهد، وابن بشكوال، ويونس والد يونس الشافعي، وأبو بكر بن طاهر الأحدب النحوي، وأبو الفضل والد الرافعي وابن ملقون النحوي وعبد الحق الإشبيلي صاحب: الأحكام، وأبو زيد السهلي صاحب: الروض الأنف، والحافظ أبو موسى المديني، وابن بري اللغوي، والحافظ أبو بكر الحازمي، والشرف بن أبي عصرون، وأبو القاسم البخاري، والعتابي صاحب: الجامع الكبير، من كبار الحنفية، والنجم الحبوشاني المشهور بالصلاح، وأبو القاسم بن فيرة الشاطبي صاحب القصيدة، وفخر الدين أبو شجاع محمد بن علي بن شعيب بن الدهان الفرضي، أول من وضع الفرائض على شكل المنبر، والبرهاني المرغيناني صاحب: الهداية، من الحنفية، وقاضيخان صاحب الفتاوى منهم، وعبد الرحيم بن حجون الزاهد بالصعيد، وأبو الوليد بن رشد صاحب العلوم الفلسفية، وأبو بكر بن زهر الطبيبي، والجمال بن فضلان من الشافعية، والقاضي الفاضل صاحب الإنشاء والترسل، والشهاب الطوسي، وأبو الفرج بن الجوزي، والعماد الكاتب، وابن عظيمة المقرئ، والحافظ عبد الغني المقدسي صاحب: العمدة، والبركي الطاوسي صاحب الخلاف، وتميم الحلي، وأبو ذر الخشني النحوي، والإمام فخر الدين الرازي، وأبو السعادات بن الأثير صاحب: جامع الأصول، ونهاية الغريب، والعماد

стр. 373

ابن يونس صاحب: شرح الوجيز، والشرف صاحب: التنبيه، والحافظ أبو الحسن بن المفضل، وأبو محمد بن حوط الله، وأخوه أبو سليمان، والحافظ عبد القادر الرهاوي، والزاهد أبو الحسن بن الصباغ بقنا، والوجيه بن الدهان النحوي وتقي الدين بن المقترح، وأبو اليمن الكندي النحوي، والمعين الحاجري صاحب: الكفاية، من الشافعية، والركن العميدي صاحب الطريقة في الخلاف، وأبو البقاء العكبري صاحب: الإعراب، وابن أبي أصيبعة الطيب، وعبد الرحيم بن السمعاني، ونجم الدين العكبري، وابن أبي الصيف اليمني، وموفق الدين بن قدامة الحنبلي، وفخر الدين بن عساكر، وخلائق آخرون.

стр. 374

الظاهر بأمر الله أبو نصر (١) الظاهر بأمر الله: أبو نصر محمد بن الناصر لدين الله. ولد سنة إحدى وسبعين وخمسمائة، وبايع له أبوه بولاية العهد، واستخلف عند موت والده وهو ابن اثنتين وخمسين سنة، فقيل له: ألا تتفسح؟ قال: لقد يبس الزرع، فقيل: يبارك الله في عمرك! قال: من فتح دكانا بعد العصر إيش يكسب؟! ثم إنه أحسن إلى الرعية، وأبطل المكوس، وأزال المظالم، وفرق الأموال، ذكر ذلك أبو شامة. وقال ابن الأثير في الكامل: لما ولي الظاهر الخلافة أظهر من العدل والإحسان ما أعاد به سنة العمرين، فلو قيل: إنه ما ولي الخلافة بعد عمر بن عبد العزيز مثله لكان القائل صادقا، فإنه أعاد من الأموال المغصوبة والأموال المأخوذة في أيام أبيه وقبلها شيئا كثيرا، وأبطل المكوس في البلاد جميعها وأمر بإعادة الخراج القديم في جميع العراق وبإسقاط جميع ما جدده أبوه، وكان ذلك كثيرا لا يحصى، فمن ذلك أن قرية يعقوبا كان يحصل منها قديما عشرة آلاف دينار، فلما استخلف الناصر كان يؤخذ منها في السنة ثمانون ألف دينار فاستغاث أهلها، فأعادها الظاهر إلى الخراج الأول. ولما أعاد الخراج الأصلي على البلاد حضر خلق، وذكروا أن أملاكهم قد يبست أكثر أشجارها وخربت، فأمر ألا يؤخذ إلا من كل شجرة سالمة. ومن عدله أن صنجة الخزانة كانت راجحة نصف قيراط في المثقال يقبضون بها ويعطون بصنجة البلد، فخرج خطه إلى الوزير وأوله: ﴿ويل للمطففين﴾ الآيات [المطففين: ١] وفيه: قد بلغنا أن الأمر كذا وكذا، فتعاد صنجة الخزانة إلى ما يتعامل به الناس، فكتبوا إليه أن في هذا تفاوتا كثيرا، وقد حسبنا في العام الماضي فكان خمسة وثلاثين ألف دينار، فأعاد الجواب ينكر على القائل ويقول: يبطل ولو أنه ثلاثمائة ألف وخمسون ألف دينار. ومن عدله أن صاحب الديوان قدم من واسط، ومعه أزيد من مائة ألف دينار من ظلم، فردها على أربابها، أخرج أهل الحبوس، وأرسل إلى القاضي عشرة آلاف دينار ليوفيها عمن

стр. 375

أعسر، وفرق ليلة عيد النحر على العلماء والصلحاء مائة ألف دينار، وقيل له: هذا الذي تخرجه من الأموال لا تسمح نفس ببعضه، فقال أنا فتحت الدكان بعد العصر فاتركوني أفعل الخير، فكم بقيت أعيش؟!. ووجد في بيت من داره ألوف الرقاع كلها مختومة، فقيل له: لم لا تفتحها؟ قال: لا حاجة لنا فيها، كلها سعايات، وهذا كله كلام ابن الأثير. وقال سبط ابن الجوزي: لما دخل إلى الخزائن قال له خادم: كانت في أيام آباك تمتلئ، فقال: ما جعلت الخزائن لتمتلئ، بل تفرغ وتنفق في سبيل الله، فإن الجمع شغل التجار. وقال ابن واصل: أظهر العدل، وأزال المكس، وظهر للناس، وكان أبوه لا يظهر إلا نادرا. توفي ﵀ في ثالث عشر رجب سنة ثلاث وعشرين، فكانت خلافته تسع أشهر وأياما. وقد رى الحديث عن والده بالإجازة، وروى عنه أبو صالح نصر بن عبد الرزاق ابن الشيخ عبد القادر الجيلي. ولما توفي اتفق خسوف القمر مرتين في السنة، فجاء ابن الأثير نصر الله رسولا من صاحب الموصل برسالة في التعزية، أولها: ما لليل والنهار لا يعتذران وقد عظم حادثهما، وما للشمس والقمر لا ينكسفان وقد فقد ثالثهما: فيا وحشة الدنيا وكانت أنيسة … ووحدة من فيها لمصرع واحد وهو سيدنا ومولانا الإمام الظاهر أمير المؤمنين، الذي جعلت ولايته رحمة للعالمين، إلى آخر الرسالة.

стр. 376

المستنصر بالله (١) المستنصر بالله: أبو جعفر منصور بن الظاهر بأمر الله، ولد في صفر سنة ثمان وثمانين وخمسمائة، وأمه جارية تركية. قال ابن النجار: وبويع بعد موت أبيه في رجب سنة ثلاث وعشرين وستمائة، فنشر العدل في الرعايا، وبذل الإنصاف في القضايا، وقرب أهل العلم والدين، وبنى المساجد والربط والمدارس والمارستانات، وأقام منار الدين، وقمع المتمردة، ونشر السنن، وكف الفتن، وحمل الناس على أقوم سنن، وقام بأمر الجهاد أحسن قيام، وجمع الجيوش لنصر الإسلام، وحفظ الثغور، وافتتح الحصون. وقال الموفق عبد اللطيف: بويع أبو جعفر فسار السيرة الجميلة، وعمر طرق المعروف

стр. 377

الدائرة، وأقام شاعر الدين، ومنار الإسلام، واجتمعت القلوب على محبته، والألسن على مدحه، ولم يجد أحد من المتعنتة فيه معابا. وكان جده الناصر يقربه ويسميه القاضي لهداه وعقله وإنكار ما يجده من المنكر. وقال الحافظ زكي الدين عبد العظيم المنذري: كان المستنصر راغبا في فعل الخير، مجتهدا في تكثير البر، وله في ذلك آثار جميلة، وأنشأ المدرسة المستنصرية، ورتب فيها الرواتب الحسنة لأهل العلم. وقال ابن واصل: بنى المستنصر على دجلة من الجانب الشرقي مدرسة ما بني على وجه الأرض أحسن منها، ولا أكثر منها وقوفا، وهي بأربعة مدرسين على المذاهب الأربعة، وعمل فيها مارستانا، ورتب فيها مطبخا للفقهاء، ومزملة للماء البارد، ورتب لبيوت الفقهاء الحصر، والبسط، والزيت، والورق، والحبر، وغير ذلك، وللفقيه بعد ذلك في الشهر دينارا، ورتب لهم حماما، وهو أمر لم يسبق إلى مثله، واستخدم عساكر عظيمة لم يستخدم مثلها أبوه ولا جده، وكان ذا همة عالية وشجاعة، وإقدام عظيم، وقصدت التتار البلد، فلقيهم عسكره، فهزموا التتار هزيمة عظيمة، وكان له أخ يقال له الخفاجي فيه شهامة زائدة وكان يقول: لئت وليت لأعبرن بالعسكر نهر جيحون، وآخذ البلاد من أيدي التتار وأستأصلهم، فلما مات المستنصر لم ير الدويدار ولا الشرابي تقليد الخفاجي خوفا منه، وأقاما ابنه أبا أحمد للينه وضعف رأيه ليكون لهما الأمر ليقضي الله أمر كان مفعولا من هلاك المسلمين في مدته، وتغلب التتار، فإنا لله وإنا إليه راجعون. قال الذهبي: وقد بلغ ارتفاع وقوف المستنصرية في العالم نيفا وسبعين ألف مثقال، وكان ابتداء عمارتها في سنة خمس وعشرين، وتمت في سنة إحدى وثلاثين، ونقل إليها الكتب وهي مائة وستون حملا من الكتب النفيسة، وعدد فقهائها مائتان وثمانية وأربعون فقيها من المذاهب الأربعة، وأربعة مدرسين، وشيخ حديث، وشيخ نحو، وشيخ طب، وشيخ فرائض، ورتب فيها الخبز والطبيخ، والحلاوة، والفاكهة، وجعل فيها ثلاثين يتما، ووقف عليها ما لا يعبر عنه كثرة -ثم سرد الذهبي القرى والرباع الموقوفة عليها- وقال: وفتحت يوم الخميس في رجب، وحضر القضاة والمدرسون والأعيان وسائر الدولة، وكان يوما مشهودا. ومن الحوادث في أيام المستنصر: في سنة ثمان وعشرين أمر الملك الأشرف صاحب دمشق ببناء دار الحديث الأشرفية، وفرغت في سنة ثلاثين. وفي سنة اثنتين وثلاثين أمر المستنصر بضرب الدراهم الفضية ليتعامل بها بدلا عن قراضة الذهب، فجلس الوزير وأحضر الولاة والتجار والصيارفة، وفرشت الأنطاع، وأفرغ عليها الدراهم، وقال الوزير: قد رسم مولانا أمير المؤمنين لمعاملتكم بهذه الدراهم، عوضا عن قراضة الذهب رفقا بكم وإنقاذا لكم من التعامل بالحرام من الصرف الربوي، فأعلنوا بالدعاء، ثم أديرت بالعراق، وسعرت كل عشرة بدينار، فقال الموفق أبو المعالي القاسم بن أبي الحديد. لا عدمنا جميل رأيك فينا … أنت باعدتنا عن التطفيف

стр. 378

ورسمت اللجين حتى ألفناه … وما كان قبل بالمألوف ليس للجمع كان منعك للصر … ف ولكن للعدل والتعريف وفي سنة خمس وثلاثين وستمائة ولي قضاء دمشق شمس الدين أحمد الجوني، وهو أول قاضي رتب مراكز الشهود بالبلد، وكان قبل ذلك يذهب الناس إلى بيوت العدول يشهدونهم. وفيها مات الأخوان السلطان الأشرف صاحب دمشق، والكامل صاحب مصر بعده بشهرين، وتسلطن بمصر ولد الكامل قلامة ولقب بالعادل، ثم خلع وتملك أخوه الصالح أيوب نجم الدين. وفي سنة سبع وثلاثين وستمائة، ولي خطابة دمشق الشيخ عز الدين بن عبد السلام، فخطب خطبة عرية من البدع، وأزال الأعلام المذهبة، وأقام هو عوضها سودا بأبيض، ولم يؤذن قدامه سوى مؤذن واحد، وفيها قدم رسول الأمين الذي تملك اليمن نور الدين عمر بن علي بن رسول التركماني إلى الخليفة يطلب تقليد السلطنة باليمن بعد موت الملك المسعود ابن الملك الكامل، وبقي الملك في بيته إلى سنة خمس وستين وثمانمائة. وفي سنة تسع وثلاثين وستمائة بنى الصالح صاحب مصر المدرسة التي بين القصرين والقلعة التي بالروضة، ثم أخرب غلمانه القلعة المذكورة سنة إحدى وخمسين وستمائة. وفي سنة أربعين وستمائة توفي المستنصر يوم الجمعة عاشر جمادى الآخرة، ورثاه الشعراء، فمن ذلك قول صفي الدين عبد الله بن جميل. ومن مناقب المستنصر أن الوجيه القيرواني مدحه بقصيدة يقول فيها: لو كنت في يوم السقيفة حاضرا … كنت المقدم والإمام الأورعا فقال له قائل بحضرته: أخطأت قد كان حاضرا العباس جد أمير المؤمنين، ولم يكن المقدم إلا أبا بكر، فأقر ذلك المستنصر وخلع على قائل ذلك خلعة، وأمر بنفي الوجيه، فخرج إلى مصر. حكاها الذهبي. وممن مات في أيام المستنصر من الأعلام: الإمام أبو القاسم الرافعي، والجمال المصري، وابن معزوز النحوي، وياقوت الحموي، والسكاكي صاحب: المفتاح، والحافظ أبو الحسن بن القطان، ويحيى بن معطي صاحب: الألفية، في النحو، والموفق عبد اللطيف البغدادي، والحافظ أبو بكر بن نقطة، والحافظ عز الدين علي بن الأثير صاحب التاريخ والأنساب وأسد الغابة، وابن عتبي الشاعر، والسيف الآمدي، وابن فضلان، وعمر بن الفارض صاحب التائية، والشهاب السهرودي صاحب عوارف المعارف، والبهاء بن شداد، وأبو العباس العوفي صاحب المولد النبوي، والعلامة أبو الخطاب بن دحية، وأخوه أبو عمر، والحافظ أبو الربيع بن سالم صاحب الاكتفاء، في المغازي، وابن الشواء الشاعر، والحافظ ذكي الدين البرزالي، والجمال الحصري شيخ الحنفية، والشمس الجوبي، والحراني، وأبو عبد الله الزيني، وأبو البركات بن المستوفى، والضياء بن الأثير صاحب: المثل السائر، وابن عربي صاحب: الفصوص، والكمال بن يونس شارح: التنبيه، وخلائق آخرون.

стр. 379

المستعصم بالله أبو أحمد بن المستنصر بالله (١) المستعصم بالله: أبو أحمد بن عبد الله بن المستنصر بالله، آخر الخلفاء العراقيين. ولد سنة تسع وستمائة، وأمه أم ولد اسمها هاجر، وبويع له بالخلافة عند موت أبيه، وأجاز له على يد ابن النجار المؤيد الطوسي وأبو روح الهروي وجماعة، وروى عنه بالإجازة جماعة: منهم النجم البادرائي، والشرف الدمياطي، وخرج له الدمياطي أربعين حديثا رأيته بخطه، وكان كريما حليما، سليم الباطن، حسن الديانة. قال الشيخ قطب الدين: كان متدينا، متمسكا بالسنة كأبيه وجده، ولكنه لم يكن مثلهما في التيقظ والحزم، وعلو الهمة، وكان للمستنصر أخ يعرف بالخفاجي يزيد عليه في الشجاعة والشهامة، كان يقول: إن ملكني الله الأمر لأعبرن بالجيوش نهر جيحون، وأنتزع البلاد من التتار وأستأصلهم، فلما توفي المستنصر لم ير الدويدار والشرابي والكبار تقليد الخفاجي الأمر، وخافوا منه، وآثروا المستعصم للينه وانقياده؛ ليكون لهم الأمر فأقاموه، ثم ركن المستعصم إلى وزيره مؤيد الدين العلقمي الرافضي، فأهلك الحرث والنسل، ولعب بالخليفة كيف أراد، وباطن التتار، وناصحهم، وأطمعهم في المجيء إلى العراق، وأخذ بغداد، وقطع الدولة العباسية، ليقيم خليفة من آل علي، وصار إذا جاء خبر منهم كتمه عن الخليفة ويطالع بأخبار الخليفة التتار إلى أن حصل ما حصل. وفي سنة سبع وأربعين من أيامه أخذت الفرنج دمياط، والسلطان الملك الصالح مريض، فمات ليلة نصف شعبان، فأخفت جاريته أم خليل المسماة شجرة الدر موته، وأرسلت إلى ولده توران شاه الملك المعظم، فحضر، ثم لم يلبث أن قتل في المحرم سنة ثمان وأربعين وستمائة، وثب عليه غلمان أبيه فقتلوه، وأمروا عليه جارية أبيه شجرة الدر وحلف لها الأتراك ولنائبها عز الدين أيبك التركماني، فشرعت شجرة الدر في الخلع للأمراء والأعطيات. ثم استقل عز الدين بالسلطنة في ربيع الآخر ولقب بالملك المعز ثم تنصل منها، وحلف العسكر للملك الأشرف ابن صلاح الدين يوسف بن المسعود بن الكامل، وله ثماني سنين، وبقي عز الدين أتابكه، وخطب لهما، وضربت السكة باسمهما. وفي هذه السنة -أعني سنة ثمان- استردت دمياط من الفرنج. وفي سنة اثنتين وخمسين وستمائة ظهرت نار في أرض عدن، وكان يطير شررها في الليل إلى البحر، ويصعد منها دخان عظيم في النهار، وفيها أبطل المعز اسم الملك الأشرف، واستقل بالسلطنة. وفي سنة أربع وخمسين ظهرت النار بالمدينة النبوية. قال أبو شامة: جاءنا كتب من المدينة فيها: لما كانت ليلة الأربعاء، ثالث جمادى الآخرة

стр. 380

ظهر بالمدينة دوي عظيم، ثم زلزلة عظيمة، فكانت ساعة بعد ساعة إلى خامس الشهر، فظهرت نار عظيمة في الحرة قريبا من قريظة نبصرها من دورنا من داخل المدينة كأنها عندنا، وسالت أودية منها إلى وادي شطا سيل الماء، وطلعنا نبصرها، فإذا الجبال تسيل نارا، وسارت هكذا وهكذا بين نيران كأنها الجبال، وطار منها شرر كالقصر إلى أن أبصر ضوؤها من مكة ومن الفلاة جميعها، واجتمع الناس كلهم إلى القبر الشريف مستغفرين تائبين، واستمرت هكذا أكثر من شهر. قال الذهبي: أمر هذه النار متواتر، وهي مما أخبر به المصطفى ﷺ حيث قال: "لا تقوم الساعة حتى تخرج نار من أرض الحجاز، تضيء لها أعناق الإبل ببصرى" (١)، وقد حكى غير واحد ممن كان ببصرى في الليل ورأى أعناق الإبل في ضوئها. وفي سنة خمس وخمسين وستمائة مات المعز أيبك سلطان مصر، قتلته زوجته شجرة الدر، وسلطنوا بعده ولده الملك المنصور على هذا، والتتار جائلون في البلاد، وشرهم متزايد، ونارهم تستعر، والخليفة والناس في غفلة عما يراد بهم، والوزير العلقمي حريص على إزالة الدولة العباسية ونقلها إلى العلوية، والرسل في السر بينه وبين التتار، والمستعصم تائه في لذاته، لا يطلع على الأمور، ولا له غرض في المصلحة. وكان أبوه المستنصر قد استكثر من الجند جدا، وكان مع ذلك يصانع التتار ويهادنهم ويرضيهم، فلما استخلف المستعصم كان خليا من الرأي والتدبير، فأشار إليه الوزير بقطع أكثر الجند، وأن مصانعة التتار وإكرامهم يحصل به المقصود، ففعل ذلك. ثم إن الوزير كاتب التتار، وأطمعهم في البلاد، وسهل عليهم ذلك، وطلب أن يكون نائبهم، فوعدوه بذلك، وتأهبوا لقصد بغداد. شرح حال التتار ملخصا قال الموفق عبد اللطيف في خبر التتار: هو حديث يأكل الأحاديث، وخبر يطوي الأخبار، وتاريخ ينسي التواريخ، ونازلة تصغر كل نازلة، وفادحة تطبق الأرض، وتملؤها ما بين الطول والعرض. وهذه الأمة لغتهم مشوبة بلغة الهند، لأنهم في جوارهم، وبينهم وبين مكة أربعة أشهر، وهم بالنسبة إلى الترك عراض الوجوه واسعوا الصدور، خفاف الأعجاز، صغار الأطراف، سمر الألوان، سريعوا الحركة في الجسم والرأي، تصل إليهم أخبار الأمم، ولا تصل أخبارهم إلى الأمم، وقلما يقدر جاسوس أن يتمكن منهم؛ لأن الغريب لا يتشبه بهم، وإذا أرادوا جهة كتموا أمرهم، ونهضوا دفعة واحدة، فلا يعلم بهم أهل بلد حتى يدخلوه، ولا عسكر حتى يخالطوه، فلهذا تفسد على الناس وجوه الحيل، وتضيق طرق الهرب، ونساؤهم

стр. 381

يقاتلن كرجالهم، والغالب على سلاحهم النشاب، وأكلهم أي لحم وجد، وليس في قتلهم استثناء، ولا إبقاء، يقتلون الرجال والنساء والأطفال، وكان قصدهم إفناء النوع، وإبادة العالم، لا قصد الملك والمال. وقال غيره: أرض التتار بأطراف بلاد الصين، وهم سكان براري، ومشهورون بالشر والغدر. وسبب ظهورهم أن إقليم الصين متسع، دوره ستة أشهر، وهو ست ممالك، ولهم ملك حاكم على الممالك الست هو القان الأكبر المقيم بطمغاج، وهو كالخليفة للمسلمين. وكان سلطان إحدى الممالك الست وهو: دوش خان، قد تزوج بعمة جنكز خان، فحضر زائرا لعمته، وقد مات زوجها، وكان قد حضر مع جنكز خان كشلوخان، فأعلمتهما أن الملك لم يخلف ولدا، وأشارت على ابن أخيها أن يقوم مقامه، فقام، وانضم إليه خلق من المغول، ثم سير التقادم إلى القان الأكبر، فاستشاط غيظا، وأمر بقطع أذناب الخيل التي أهديت، وطردها، وقتل الرسل؛ لكون التتار لم يتقدم لهم سابقة بتملك، وإنما هم بادية الصين، فلما سمع جنكزخان، وصاحبه كشلوخان تحالفا على التعاضد وأظهرا الخلاف للقان، وأتتهما أمم كثيرة من التتار، وعلم القان قوتهم وشرهم فأرسل يؤانسهم ويظهر مع ذلك أن ينذرهم ويهددهم، فلم يغن ذلك شيئا، ثم قصدهم وقصدوه، فوقع بينهم ملحمة عظيمة، فكسروا القان الأعظم، وملكوا بلاده، واستفحل شرهم، واستمر الملك بين جنكزخان وكشلوخان على المشاركة. ثم سار إلى بلاد شاقون من نواحي الصين فملكاها، فمات كشلوخان، فقام مقامه ولده، فاستضعفه جنكز خان فوثب وظفر به، واستقل جنكز خان، ودانت له التتار، وانقادت له، واعتقدوا فيه الإلهية، وبالغوا في طاعته. ثم كان أول خرجوهم في سنة ست وستمائة من بلادهم إلى نواحي الترك وفرغانة، فأرسل خوارزم شاة محمد بن تكش صاحب خراسان الذي أباد الملوك وأخذ الممالك، وعزم على قصد الخليفة، فلم يتهيأ له كما تقدم، فأمر أهل فرغانة والشاش وكاسان وتلك البلاد النزهة العامرة بالجلاء والجفلى إلى سمرقند وغيرها، ثم خربها جميعا خوفا من التتار أن يملكوها، لعلمه أنه لا طاقة لهم به. ثم صارت التتار يتخطفون وينتقلون إلى سنة خمس عشرة، فأرسل فيها جنكزخان إلى السلطان خوارزم شاه رسلا وهدايا، وقال الرسول: القان الأعظم يسلم عليك ويقولك لك: ليس يخفى علي عظم شأنك، وما بلغت من سطانك ونفوذ حكمك على الأقاليم، وأنا أرى مسالمتك من جملة الواجبات، وأنت عندي مثل أعز أولادي، وغير خاف أنني تملكت الصين، وأنت أخبر الناس ببلادي وأنها مثارات العساكر والخيول، ومعادن الذهب والفضة، وفيها كفاية عن غيرها، فإن رأيت أن تقعد بيننا المودة، وتأمر التجار بالسفر لتعلم المصلحتين فعلت، فأجابه خوارزم شاه إلى ملتمسه، وبشر جنكزخان بذلك، واستمر الحال

стр. 382

على المهادنة إلى أن وصل بلاده تجار. وكان خال خوارزم شاه ينوب على بلاد ما وراء النهر، ومعه عشرون ألف فارس، فشرهت نفسه إلى أموال التجار، وكاتب السلطان يقول: إن هؤلاء القوم قد جاءوا بزي التجار، وما قصدهم إلا التجسس، فإن أذنت لي فيهم، فأذن له بالاحتياط عليهم، فقبض عليهم وأخذ أموالهم، فوردت رسل جنكزخان إلى خوارزم شاه تقول: إنك أعطيت أمانك التجار فغدرت، والغدر قبيح، وهو من سلطان الإسلام أقبح، فإن زعمت أن الذي فعله خالك بغير أمرك فسلمه إلينا، وإلا سوف تشاهد مني ما تعرفني به، فحصل عند خوارزم شاه من الرعب ما خامر عقله، فتجلد، وأمر بقتل الرسل، فقتلوا. فيا لها من حركة لما أهدرت من دماء المسلمين وأجرت بكل نقطة سيلا من الدم. ثم سار جنكزخان إليه، فانجفل خوارزم شاه عن جيحون إلى نيسابور، ثم ساق إلى برج همذان رعبا من التتار، فأحدق به العدو، فقتلوا كل من معه، ونجا هو بنفسه، فخاض الماء إلى جزيرة، ولحقته علة ذات الجنب، فمات بها وحيدا فريدا، وكفن في شاش فراش كان معه، وذلك في سنة سبع عشرة، وملكوا جميع مملكة خوارزم شاه. قال سبط ابن الجوزي: كان أول ظهور التتار بما وراء النهر سنة خمس عشرة، فأخذوا بخارى وسمرقند، وقتلوا أهلها، وحاصروا خوارزم شاه، ثم بعد ذلك عبروا النهر، وكان خوارزم شاه قد أباد الملوك من مدن خراسان فلم تجد التتار أحدا في وجههم، فطاروا في البلاد قتلا وسبيا، وساقوا إلى أن وصلوا إلى همذان وقزوين في هذه السنة. وقال ابن الأثير في كامله: حادثة التتار من الحوادث العظمى والمصائب الكبرى، التي عقمت الدهور عن مثلها عمت الخلائق، وخصت المسلمين، فلو قال قائل: إن العالم منذ خلقه الله تعالى إلى اليوم إلى الآن لم يبتلوا بمثلها لكان صادقا، فإن التواريخ لا تتضمن ما يقاربها. ومن أعظم ما يذكرون فعل بختنصر ببني إسرائيل بالبيت المقدس، وما البيت المقدس بالنسبة إلى ما خرب هؤلاء الملاعين من مدن الإسلام؟ وما بنوا إسرائيل بالنسبة إلى ما قتلوا؟ فهذه الحادثة التي استطار شرها، وعم ضررها، وسارت في البلاد كالسحاب، استدبرته الريح، فإن قوما خرجوا من أطراف الصين، فقصدوا بلاد تركستان مثل كاشغر وبلاد شاغرق ثم منها إلى بخارى وسمرقند فيملكونها، ويبيدون أهلها، ثم تعبر طائفة منهم إلى خراسان، فيفرغون منها هلكا وتخريبا وقتلا وإبادة، وإلى الري وهمذان إلى حد العراق، ثم يقصدون أذربيجان ونواحيها ويخربونها ويستبيحونها في أقل من سنة، أمر لم يسمع بمثله، ثم صاروا من أذربيجان إلى دربند شروان، فملكوا مدنها وعبروا من عندها إلى بلاد اللان، واللكز، فقتلوا وأسروا، ثم قصدوا بلاد قفجاق، وهم أكثر من الترك عددا، فقتلوا من وقف وهرب الباقون، واستولى التتار عليها. ومضت طائفة أخرى غير هؤلاء إلى غزنة وأعمالها، وسجستان، وكرمان، ففعلوا مثل هؤلاء، بل أشد.

стр. 383

هذا لم يطرق الأسماع مثله، فإن الإسكندر الذي ملك الدنيا لم يملكها في هذه السرعة، وإنما ملكها في نحو عشر سنين، ولم يقتل أحدا، وإنما رضي بالطاعة، وهؤلاء قد ملكوا أكثر المعمور من الأرض وأحسنه وأعمره في نحو سنة، ولم يبق أحد في البلاد التي لم يتركوها إلا وهو خائف يترقب وصولهم إليه. ثم إنهم لم يحتاجوا إلى ميرة (١)، ومددهم يأتيهم، فإن معهم الأغنام والبقر والخيل يأكلون لحومها، لا غير. وأما خيلهم فإنها تحفر الأرض بحوافرها، وتأكل عروق النبات، ولا تعرف الشعير. وأما ديانتهم فإنهم يسجدون للشمس عند طلوعها، ولا يحرمون شيئا، ويأكلون جميع الدواب، وبني آدم، ولا يعرفون نكاحا، بل المرأة يأتيها غير واحد. ولما دخلت سنة ست وخمسين وصل التتار إلى بغداد، وهم مائتا ألف، ويقدمهم هولاكوا، فخرج إليهم عسكر الخليفة، فهزم العسكر. ودخلوا بغداد يوم عاشوراء، فأشار الوزير -لعنه الله- على المستعصم بمصانعتهم وقال: أخرج إليهم أنا في تقرير الصلح، فخرج وتوثق بنفسه منهم، وورد إلى الخليفة، وقال: إن الملك قد رغب في أن يزوج ابنته بابنك الأمير أبي بكر ويبقيك في منصب الخلافة كما أبقى صاحب الروم في سلطنته، ولا يريد ألا أن تكون الطاعة كما كان أجدادك مع السلاطين السلجوقية، وينصرف عنك بجيوشه، فليجب مولانا إلى هذا فإن فيه حقن دماء المسلمين، ويمكن بعد ذلك أن تفعل ما تريد، والرأي أن تخرج إليه، فخرج إليه في جمع من الأعيان، فأنزل في خيمة. ثم دخل الوزير فاستدعى الفقهاء والأماثل ليحضروا العقد، فخرجوا من بغداد، فضربت أعناقهم، وصار كذلك: تخرج طائفة بعد طائفة فتضرب أعناقهم، حتى قتل جميع من هناك من العلماء والأمراء والحجاب والكبار. ثم مد الجسر، وبذل السيف في بغداد، واستمر القتال فيها نحو أربعين يوما، فبلغ القتلى أكثر من ألف ألف نسمة، ولم يسلم إلا من اختفى في بئر أو قناة، وقتل الخليفة رفسا. قال الذهبي: وما أظنه دفن، وقتل معه جماعة من أولاده وأعمامه، وأسر بعضهم، وكانت بلية لم يصب الإسلام بمثلها، ولم يتم للوزير ما أراد، وذاق من التتار الذل والهوان، ولم تطل أيامه بعد ذلك، وعملت الشعراء قصائد مراثي بغداد وأهلها وتمثل بقول سبط التعاويذي: بادت وأهلوها معا فبيوتهم … ببقاء مولانا الوزير خراب وقال بعضهم:

стр. 384

يا عصبة الإسلام نوحي واندبي … حزنا على ما تم للمستعصم دست الوزارة كان قبل زمانه … لابن الفرات فصار لابن العلقمي وكان آخر خطبة خطبت ببغداد، قال الخطيب في أولها: الحمد لله الذي هدم بالموت مشيد الأعمار، وحكم بالفناء على أهل هذه الدار، هذا والسيف قائم بها، ولتقي الدين بن أبي السير قصيدة مشهورة في بغداد، وهي هذه: لسائل الدمع عن بغداد أخبار … فما وقوفك والأحباب قد ساروا يا زائرين إلى الزوراء لا تغدو … فما بذاك الحمى والدار ديار تاج الخلافة والربع الذي شرفت … بها المعالم قد عفاه إقفار أحضى لعصف البلى في ربعه أثر … وللدموع على الآثار آثار يا نار قلبي من نار لحرب وغى … شبت عليه ووافى الربع إعصار علا الصليب على أعلى منابرها … وقام بالأمر من يحويه زنار وكم حريم سبته الترك غاصبة … وكان من دون ذاك الستر أستار وكم بدور على البدرية انخسفت … ولم يعد لبدور منه أبدار؟ وكم ذخائر أضحت وهي شائعة … من النهاب وقد حازته كفار وكم حدود أقيمت من سيوفهم … على الرقاب وحطت فيه أوزار ناديت والسبي مهتوك تجر بهم … إلى السفاح من الأعداء دعار ولما فرغ هولاكو من قتل الخليفة وأهل بغداد، وأقام على العراق نوابه، وكان ابن العلقمي حسن لهم أن يقيموا خليفة علويا، فلم يوافقوه واطرحوه وصار معهم في صورة بعض الغلمان ومات كمدا لا ﵀ ولا عفا عنه. ثم أرسل هلاكو إلى الناصر صاحب دمشق كتابا صورته: يعلم السلطان الملك الناصر طال بقاؤه أنه لما توجهنا إلى العراق وخرج إلينا جنودهم، فقتلناهم بسيف الله، ثم خرج إلينا رؤساء البلد ومقدموها، فكان قصارى كلامهم سببا لهلاك نفوس تستحق الإهلاك، وأما ما كان من صاحب البلدة فإنه خرج إلى خدمتنا، ودخل تحت عبوديتنا، فسألناه عن أشياء كذبنا فيها، فاستحق الإعدام، وكان كذبه ظاهرا، ووجدوا ما عملوا حاضرا، أجب ملك البسيطة ولا تقولن: قلاعي المانعات، ورجالي المقاتلات، وقد بلغنا أن شذرة من العسكر التجأت إليك هاربة، وإلى جانبك لائذة: أين المفر ولا مفر لهارب … ولنا البسيطان الثرى والماء فساعة وقوفك على كتابنا تجعل قلاع الشام سماءها أرضا، وطولها عرضا، والسلام. ثم أرسل له كتابا ثانيا يقول فيه: خدمة ملك ناصر طال عمره أما بعد: فإنا فتحنا بغداد، واستأصلنا ملكها وملكها، وكان قد ظن -وقد فتن الأموال، ولم ينافس في الرجال- أن

стр. 385

ملكه يبقى على ذلك الحال، وقد علا ذكره ونمى قدره، فخسف في الكمال بدره: إذا تم أمر بدا نقصه … توقع زوالا إذا قيل تم ونحن في طلب الازدياد، على ممر الآباد، فلا تكن كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم، وأبد ما في نفسك: إما إمساك بمعروف، أو تسريح بإحسان، أجب دعوة ملك البسيطة تأمن شره، وتنل بره، واسع إليه بأموالك ورجالك، ولا تعوق رسلنا، والسلام. ثم أرسل إليه كتابا ثالثا يقول فيه: أما بعد، فنحن جنود الله، بنا ينتقم ممن عتا وتجبر، وطغى وتكبر، وبأمر الله ما ائتمر، إن عوتب تنمر، وإن روجع استمر، ونحن قد أهلكنا البلاد، وأبدنا العباد، وقتلنا النسوان والأولاد فيا أيها الباقون، أنتم بمن مضى لاحقون، ويا أيها الغافلون أنتم إليها تساقون، ونحن جيوش الهلكة، لا جيوش الملكة مقصودنا الانتقام، وملكنا لا يرام، ونزيلنا لا يضام، وعدلنا في مكنا قد اشتهر، ومن سيوفنا أين المفر. أين المفر ولا مفر لهارب … ولنا البسيطان الثرى والماء ذلت لهيبتنا الأسود، وأصبحت … في قبضتي الأمراء والخلفاء ونحن إليكم صائرون، ولكم الهرب وعلينا الطلب: ستعلم ليلى أي دين تداينت؟ … وأي غريم بالتقاضي غريمها؟ دمرنا البلاد، وأيتمنا الأولاد، وأهلكنا العباد وأذقناهم العذاب، وجعلنا عظيمهم صغيرا، وأميرهم أسيرا، تحسبون أنكم منا ناجون أو متخلصون، وعن قليل سوف تعلمون على ما تقدمون، وقد أعذر من أنذر. ثم دخلت سنة سبع وخمسين والدنيا بلا خليفة. وفيها نزل التتار على آمد، وكان صاحب مصر المنصور على بن المعز صبيا، وأتابكه الأمير سيف الدين قطز المعزي مملوك أبيه، وقدم الصاحب كمال الدين بن العديم إليهم رسولا يطلب النجدة على التتار، فجمع قطز الأمراء، والأعيان، فحضر الشيخ عز الدين بن عبد السلام -وكان المشار إليه بالكلام- فقال الشيخ عز الدين: إذا طرق العدو البلاد وجب على العالم كلهم قتالهم، وجاز أن يؤخذ من الرعية ما يستعان به على جهازهم، بشرط ألا يبقى في بيت المال شيء، وأن تبيعوا ما لكم من الحوائص والآلات، ويقتصر كل منكم على فرسه وسلاحه، وتتساووا في ذلك أنتم والعامة، وأما أخذ الأموال العامة مع بقاء ما في أيدي الجند من الأموال والآلات الفاخرة فلا. ثم بعد أيام يسيرة قبض قطز على ابن أستاذه المنصور، وقال: هذا صبي، والوقت صعب، ولابد من أن يقوم رجل شجاع ينتصب للجهاد، وتسلطن قطز، ولقب بـ: الملك المظفر. ثم دخلت سنة ثمان وخمسين، والوقت أيضا بلا خليفة. وفيها قطع التتار الفرات، ووصلوا إلى حلب، وبذلوا السيف فيها، ثم وصلوا إلى دمشق وخرج المصريون في شعبان متوجهين إلى الشام لقتال التتار، فأقبل المظفر بالجيوش

стр. 386

وشاليشه ركن الدين بيبرس البندقداري، فالتقوا هم والتتار عند عين جالوت، ووقع المصاف وذلك يوم الجمعة خامس عشر من رمضان، فهزم التتار شر هزيمة، وانتصر المسملون ولله الحمد وقتل من التتار مقتلة عظيمة، وولوا الأدبار، وطمع الناس فيهم يتخطفونهم وينهبونهم، وجاء كتاب المظفر إلى دمشق بالنصر، فطار الناس فرحا، ثم دخل المظفر إلى دمشق مؤيدا منصورا، وأحبه الخلق غاية المحبة، وساق بيبرس وراءه التتار إلى بلاد حلب وطردهم عن البلاد، ووعده السلطان بحلب، ثم رجع عن ذلك فتأثر بيبرس من ذلك، وكان ذلك مبدأ الوحشة، وكان المظفر عزم على التوجه إلى حلب لينظف آثار البلاد من التتار، فبلغه أن بيبرس تنكر له وعمل عليه، فصرف وجهه عن ذلك، ورجع إلى مصر وقد أضمر الشر لبيبرس، وأسر ذلك إلى بعض خواصه، فأطلع على ذلك بيبرس، فساروا إلى مصر وكل منهما محترس من صاحبه، فاتفق بيبرس وجماعة من الأمراء على قتل المظفر، فقتلوه في الطريق في ثالث عشر من شهر ذي القعدة، وتسلطن بيبرس ولقب بالملك القاهر، ودخل مصر، وأزال عن أهلها ما كان المظفر قد أحدثه عليهم من المظالم، وأشار عليه الوزير زين الملة والدين ابن الزبير بأن يغير هذا اللقب وقال: ما لقب به أحد فأفلح، لقب به القاهر بن المعتضد، فخلع بعد قليل وسمل، ولقب ابن صاحب الموصل فسم، فأبطل السلطان هذا اللقب وتلقب بالملك الظاهر. ثم دخلت سنة تسع وخمسين، والوقت أيضا بلا خليفة إلى رجب، فأقيمت بمصر الخلافة، وبويع المستنصر كما سنذكره، كان مدة انقطاع الخلافة ثلاث سنين ونصفا. وممن مات في أيام المستعصم من الأعلام: الحافظ تقي الدين الصريفيني، والحافظ أبو القاسم بن الطيلسان، وشمس الأئمة الكردي من كبار الحنفية، والشيخ تقي الدين بن الصلاح، والعلم السخاوي، والحافظ محب الدين بن النجار مؤرخ بغداد، ومنتخب الدين شارح المفصل، وابن يعيش النحوي، وأبو الحجاج الأقصري الزاهد، وأبو علي الشلوبيني النحوي وابن البيطار صاحب المفردات، والعلامة جمال الدين بن الحاجب إمام المالكية، وأبو الحسن بن الدباج النحوي، والقفطي صاحب تاريخ النحاة، وأفضل الدين الخونجي صاحب المنطق، والأزدي، والحافظ يوسف بن خليل، والبهاء ابن بنت الحميري، والجمال بن عمرون النحوي، والرضي الصغاني اللغوي صاحب العباب وغيره، والكمال عبد الواحد الزملكاني صاحب المعاني والبيان، وإعجاز القرآن، والشمس الخسرو شاهي، والمجد ابن تيمية ويوسف سبط ابن الجوزي، صاحب مرآة الزمان، وابن باطيش من كبار الشافعية، والنجم البادرائي، وابن أبي الفضل موسى صاحب التفسير، وخلائق آخرون. فصل: ومات في مدة الخلافة من الأعلام: الزكي عبد العظيم المنذري، والشيخ أبوالحسن الشاذلي شيخ الطائفة الشاذلية، وشعبة المقرئ، والفاسي شارح الشاطبية، وسعد الدين بن العزي الشاعر، والصرصوري الشاعر، وابن الآبار مؤرخ الأندلس، وآخرون.

стр. 387

العباسيون في مصر: المستنصر بالله أحمد بن الظاهر بأمر الله (١) المسنتصر بالله: أحمد أبو القاسم بن الظاهر بأمر الله أبي نصر محمد بن الناصر لدين الله أحمد. قال الشيخ قطب الدين: كان محبوسا ببغداد، فلما أخذت التتار بغداد أطلق فهرب، وصار إلى عرب العراق، فلما تسلطن الملك الظاهر بيبرس، وفد عليه في رجب ومعه عشرة من بني مهارش، فركب السلطان للقائه ومعه القضاة والدولة، فشق القاهرة، ثم أثبت نسبه على يد قاضي القضاة تاج الدين ابن بنت الأعز، ثم بويع له بالخلافة، فأول من بايعه السلطان، ثم قاضي القضاة تاج الدين، ثم الشيخ عز الدين بن عبد السلام، ثم الكبار على مراتبهم، وذلك في ثالث عشر رجب، ونقش اسمه على السكة، وخطب له، ولقب بلقب أخيه، وفرح الناس، وركب يوم الجمعة وعليه السواد إلى جامع القلعة، وصعد المنبر وخطب خطبة ذكر فيها شرف بني العباس، ودعا فيها للسلطان والمسلمين، ثم صلى بالناس، ثم رسم بعمل خلعة خليفة السلطان، وبكتابة تقليد له، ثم نصب خيمة بظاهر القاهرة، وركب المستنصر بالله والسلطان يوم الاثنين رابع شعبان إلى الخيمة، وحضر القضاة والأمراء والوزير، فألبس الخليفة السلطان الخلعة بيده وطوقه، ونصب منبر فصعد عليه فخر الدين بن لقمان فقرأ التقليد، ثم ركب السلطان بالخلعة، ودخل من باب النصر، وزينت القاهرة، وحمل الصاحب التقليد على رأسه راكبا والأمراء مشاة. ورتب السلطان للخيفة أتابكا، واستادارا، وشرابيا، وخازندارا، وحاجبا، وكاتبا، وعين له خزانة، وجملة مماليك، مائة فرس، وثلاثين بغلا، وعشرة قطارات جمال، إلى مثل ذلك. قال الذهبي: ولم يل الخلافة أحد بعد ابن أخيه إلا هذا والمقتفي. وأما صاحب حلب الأمير شمس الدين أقوش، فإنه أقام بحلب خليفة ولقبه الحاكم بأمر الله، وخطب له، ونقش اسمه على الدراهم. ثم إن المستنصر هذا عزم على التوجه إلى العراق، فخرج معه السلطان يشيعه إلى أن دخلوا دمشق، ثم جهز السلطان الخليفة وأولاد صاحب الموصل، وغرم عليه وعليهم من الذهب ألف ألف دينار وستين درهم، فسار الخليفة ومعه ملوك الشرق وصاحب سنجار، فاجتمع به الخليفة الحلبي الحاكم، ودان له، ودخل تحت طاعته، ثم سار ففتح الحديثة، ثم هيت، فجاءه عسكر من التتار، فتصافوا له، فقتل من المسلمين جماعة، وعدم الخليفة المستنصر، فقيل: قتل وهو الظاهر، وقيل: سلم وهرب فأضمرته البلاد، وذلك في الثالث من المحرم

стр. 388

سنة ستين، فكانت خلافته دون ستة أشهر، وتولى بعده بسنة الحاكم الذي كان بويع بحلب في حياته.

стр. 389

الحاكم بأمر الله أبو العباس بن الحسن (١) الحاكم بأمر الله: أبو العباس أحمد بن أبي علي الحسن بن أبي بكر بن الحسن بن علي القبي -بضم القاف وتشديد الباء الموحدة- ابن الخليفة المسترشد بالله بن المستظهر بالله. كان قد اختفى وقت أخذ بغداد ونجا، ثم خرج منها وفي صحبته جماعة، فقصد حسين بن فلاح أمير بني خفاجة، فأقام عنده مدة، ثم توصل مع العربي إلى دمشق، وأقام عند الأمير عيسى بن مهنا مدة، فطالع به الناصر صاحب دمشق، فأرسل يطلبه فبغته مجيء التتار، فلما جاء الملك المظفر دمشق سير في طلبه الأمير قلج البغدادي، فأجمع به وبايعه بالخلافة وتوجه في خدمته جماعة من أمراء العرب، فافتتح الحاكم غانة بهم، والحديثة، وهيت، والأنبار، وصاف التتار، وانتصر عليهم، ثم كاتبه علاء الدين طيبرس نائب دمشق يومئذ والملك الظاهر يستدعيه، فقدم دمشق في صفر، فبعثه إلى السلطان، وكان المستنصر بالله قد سبقه بثلاثة أيام إلى القاهرة، فما رأى أن يدخل إليها خوفا من أن يمسك، فرجع إلى حلب فبايعه صاحبها ورؤساؤها منهم عبد الحليم بن تيمية، وجمع خلقا كثيرا، وقصد غانة، فلما رجع المستنصر وافاه بغانة، فانقاد الحاكم له ودخل تحت طاعته، فلما عدم المستنصر في الوقعة المذكورة في ترجمته قصد الحاكم الرحبة وجاء إلى عيسى بن مهنا، فكاتب الملك الظاهر بيبرس فيه، فطلبه، فقدم إلى القاهرة ومعه ولده وجماعة، فأكرمه الملك الظاهر وبايعوه بالخلافة، وامتدت أيامه، وكانت خلافته نفيا وأبعين سنة، وأنزله الملك الظاهر بالبرج الكبير بالقلعة وخطب بجامع القلعة مرات. قال الشيخ قطب الدين: في يوم الخميس ثامن المحرم سنة إحدى وستين جلس السلطان مجلسا عاما، وحضر الحاكم بأمر الله راكبا إلى الإيواء الكبير بقلعة الجبل، وجلس مع السلطان، وذلك بعد ثبوت نسبه، فأقبل عليه السلطان وبايعه بإمرة المؤمنين، ثم أقبل هو على السلطان وقلده الأمور، ثم بايعه الناس على طبقاتهم، فلما كان من الغد يوم الجمعة خطب خطبة ذكر فيها الجهاد والإمامة، وتعرض إلى ما جرى من هتك حرمة الخلافة، ثم قال وهذا السلطان الملك الظاهر قد قام بنصر الإمامة عند قلة الأنصار، وشرد جيوش الكفر بعد أن جاسوا خلال الديار، وأول الخطبة: الحمد الله الذي أقام لآل العباس ركنا وطيدا ثم كتب بدعوته إلى الآفاق. وفي هذه السنة وبعدها تواتر مجيء جماعة من التتار مسلمين مستأمنين، فأعطوا أخبازا وأرزاقا، فكان ذلك مبدأ كفاية شرهم.

стр. 390

وفي سنة اثنتين وستين فرغت المدرسة الظاهرية بين القصرين وولي بها تدريس الشافعية التقي ابن رزين، وتدريس الحديث الشريف الدمياطي، وفيها زلزلت مصر زلزلة عظيمة. وفي سنة ثلاث وستين انتصر سلطان المسلمين بالأندلس أبو عبد الله بن الأحمر على الفرنج، واسترجع من أيديهم اثنتين: من جملتها إشبيلية ومرسية. وفيها كثر الحريق بالقاهرة في عدة مواضع، ووجدت لفائف فيها النار والكبريت على الأسطحة، وفيها حضر السلطان بحر أشمون، وعمل فيه بنفسه والأمراء، وفيها مات طاغية التتار هولاكو، وملك بعده ابنه أبغا. وفيها سلطن السلطان ولده الملك السعيد وعمره أربع سنين، وركبه بأبهة الملك في قلعة الجبل، وحمل الغاشية بنفسه بين يدي ولده من باب السر إلى باب السلسلة، ثم عاد وركب إلى القاهرة والأمراء مشاة بين يديه. وفيها جدد بالديار المصرية القضاة الأربعة، من كل مذهب قاض، وسبب ذلك توقف القاضي تاج الدين ابن بنت الأعز عن تنفيذ كثير من الأحكام، وتعطلت الأمور، وأبقى للشافي النظر في أموال الأيتام، وأمور بيت المال، ثم فعل ذلك بدمشق. وفي رمضان منها حجب السلطان الخليفة، ومنعه الناس لكون أصحابه كانوا يخرجون إلى البلد ويتكلمون في أمر الدولة. وفي سنة خمس وستين وستمائة أمر السلطان بعمل الجامع بالحسنية، وتم في سنة سبع وستين، وقرر له خطيب حنفي. وفي سنةأربع وسبعين وجه السلطان جيشا إلى النوبة ودنقلة، فانتصروا وأسر ملك النوبة، وأرسل به إلى الملك الظاهر، ووضعت الجزية على أهل دنقلة، ولله الحمد. قال الذهبي: وأول ما غزيت النوبة في سنة إحدى وثلاثين من الهجرة، غزاها عبد الله بن أبي سرح في خمسة آلاف فارس ولم يفتحها، فهادنهم ورجع، ثم غزيت في زمن هشام، ولم تفتح، ثم في زمن المنصور، ثم غزاها تكن الزنكي، ثم كافور الإخشيدي، ثم ناصر الدولة ابن حمدان، ثم توران شاه أخو السلطان صلاح الدين في سنة ثمان وستين وخمسمائة، ولم تفتح إلا هذا العام، وقال في ذلك ابن عبد الظاهر: هذا هو الفتح لا شيء سمعت به … في شاهد العين لا ما في الأسانيد وفي سنة ست وسبعين مات الملك الظاهر بدمشق في المحرم، واستقل ابنه الملك السعيد محمد بالسلطنة وله ثماني عشرة سنة. وفيها جمع التقي ابن رزين بين قضاة مصر والقاهرة، وكان قضاء مصر قبل ذلك مفردا عن قضاء القاهرة، ثم لم يفرد بعد ذلك قضاء مصر عن قضاة القاهرة. وفي سنة ثمان وسبعين خلع الملك السعيد من السلطنة، وسير إلى الكرك سلطانا بها، فمات من عامه، وولوا مكانه بمصر أخاه بدر الدين سلامش -وله سبع سنين- ولقبوه بالملك
следующие страницы →