← История

История · id 30183

تاريخ الخلفاء - ت عكاوي

الجلال السيوطي

Полный текст (580 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

فاطمة بنت أسد بن هاشم، وهي أول هاشمية ولدت هاشميا، قد أسلمت وهاجرت. وعلي ﵁ أحد العشرة المشهود لهم بالجنة، وأخو رسول اللّه ﵌ بالمؤاخاة، وصهره على فاطمة سيدة نساء العالمين ﵂، وأحد السابقين إلى الإسلام، وأحد العلماء الربانيين، والشجعان المشهورين، والزهاد المذكورين، والخطباء المعروفين، وأحد من جمع القرآن وعرضه على رسول اللّه ﵌، وعرض عليه أبو الأسود الدؤلي، وأبو عبد الرحمن السلمي، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وهو أول خليفة من بني هاشم، وأبو السبطين، أسلم قديما، بل قال ابن عباس وأنس وزيد بن أرقم وسلمان الفارسي وجماعة: إنه أول من أسلم، ونقل بعضهم الإجماع عليه. وأخرج أبو يعلى عن علي ﵁ قال: بعث رسول اللّه ﷺ يوم الاثنين وأسلمت يوم الثلاثاء، وكان عمره حين أسلم عشر سنين، وقيل: تسع، وقيل: ثمان، وقيل: دون ذلك، قال الحسن بن زيد بن الحسن: ولم يعبد الأوثان قطّ لصغره، أخرجه ابن سعد، ولما هاجر الرسول ﷺ إلى المدينة أمره أن يقيم بعده بمكة أياما حتى يؤدي عنه أمانة الودائع والوصايا التي كانت عند النبي ﵌، ثم يلحقه بأهله، ففعل ذلك، وشهد مع رسول اللّه ﵌ بدرا وأحدا وسائر المشاهد، إلا تبوك فإن النبي صلّى

стр. 177

اللّه عليه وآله وسلم استخلفه على المدينة، وله في جميع المشاهد آثار مشهورة، وأعطاه النبي ﵌ اللّواء في مواطن كثيرة، وقال سعيد بن المسيب: أصابت عليا يوم أحد ستّ عشرة ضربة، وثبت في الصحيحين «أنه ﵌ أعطاه الراية في يوم خيبر، وأخبر أن الفتح يكون على يديه» وأحواله في الشجاعة، وآثاره في الحروب مشهورة. وكان عليّ شيخا، سمينا، أصلع، كثير الشعر، ربعة إلى القصر، عظيم البطن، عظيم اللحية جدا، قد ملأت ما بين منكبيه بيضاء كأنها قطن، آدم شديد الأدمة. وقال جابر بن عبد اللّه: حمل عليّ الباب على ظهره يوم خيبر حتى صعد المسلمون عليه ففتحوها، وإنهم جرّوه بعد ذلك، فلم يحمله إلا أربعون رجلا. أخرجه ابن عساكر. وأخرج ابن إسحاق في المغازي وابن عساكر عن أبي رافع أن عليا تناول بابا عند الحصن - حصن خيبر - فتترس به عن نفسه، فلم يزل في يده وهو يقاتل حتى فتح اللّه علينا، ثم ألقاه، فلقد رأيتنا ثمانية نفر نجهد أن نقلب ذلك الباب، فما استطعنا أن نقلبه. وروى البخاري في الأدب عن سهل بن سعد قال: إن كان أحب أسماء عليّ ﵁ إليه «أبا تراب»، وإن كان ليفرح أن يدعى به، وما سماه أبا تراب إلا النبي ﵌، وذلك أنه غاضب يوما فاطمة، فخرج، فاضطجع إلى الجدار في المسجد، فجاءه النبي ﵌، وقد امتلأ ظهره ترابا، فجعل النبي ﵌ يمسح التراب عن ظهره ويقول: «اجلس أبا تراب». روي له عن رسول اللّه ﵌ خمسمائة حديث وستة وثمانون حديثا. روى عنه بنوه الثلاثة: الحسن، والحسين، ومحمد بن الحنفية، وابن مسعود، وابن عمر، وابن عباس، وابن الزبير، وأبو موسى، وأبو سعيد،

стр. 178

وزيد بن أرقم، وجابر بن عبد اللّه، وأبو أمامة، وأبو هريرة، وخلائق من الصحابة والتابعين رضوان اللّه عليهم أجمعين. فصل في الأحاديث الواردة في فضله قال الإمام أحمد بن حنبل: ما ورد لأحد من أصحاب رسول اللّه ﵌ من الفضائل ما ورد لعليّ ﵁، أخرجه الحاكم. وأخرج الشيخان عن سعد بن أبي وقاص: «أن رسول اللّه ﵌ خلف علي بن أبي طالب في غزوة تبوك، فقال: يا رسول اللّه تخلفني في النساء والصبيان؟ فقال: أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى؟ غير أنه لا نبي بعدي» أخرجه أحمد، والبزار من حديث أبي سعيد الخدري، والطبراني من حديث أسماء بنت قيس، وأم سلمة، وحبشي بن جنادة، وابن عمر، وابن عباس، وجابر بن سمرة، والبراء بن عازب، وزيد بن أرقم. وأخرجا عن سهل بن سعد: «أن رسول اللّه ﵌ قال يوم خيبر: لأعطين الراية غدا رجلا يفتح اللّه على يديه يحب اللّه ورسوله، ويحبه اللّه ورسوله، فبات الناس يدوكون ليلتهم أيهم يعطاها؟ فلما أصبح الناس غدوا على رسول اللّه ﵌ كلهم يرجو أن يعطاها، فقال: أين عليّ بن أبي طالب؟ فقيل: هو يشتكي عينيه، قال: فأرسلوا إليه، فأتي به، فبصق رسول اللّه ﵌ في عينيه، ودعا له، فبرئ حتى كأن لم يكن به وجع، فأعطاه الراية». (يدوكون: أي يخوضون ويتحدثون). وقد أخرج هذا الحديث الطبراني من حديث ابن عمر، وعلي، وابن أبي ليلى، وعمران بن حصين، والبزار من حديث ابن عباس. وأخرج مسلم عن سعد بن أبي وقّاص قال: لما نزلت هذه الآية: ﴿نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ﴾ (١) دعا رسول اللّه ﵌ عليا، وفاطمة، وحسنا، وحسينا فقال: «اللهم هؤلاء أهلي».

стр. 179

وأخرج الترمذي عن أبي سريحة، أو زيد بن أرقم، عن النبي ﵌ قال: «من كنت مولاه فعليّ مولاه». وأخرجه أحمد عن علي، وأبي أيوب الأنصاري، وزيد بن أرقم، وعمرو ذي مر، وأبو يعلي عن أبي هريرة، والطبراني عن ابن عمر، ومالك بن الحويرث، وحبشي بن جنادة، وجرير، وسعد بن أبي وقاص، وأبي سعيد الخدري، وأنس، والبزار عن ابن عباس، وعمارة، وبريدة، وفي أكثرها زيادة: «اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه». ولأحمد عن أبي الطفيل قال: جمع علي الناس سنة خمس وثلاثين في الرحبة، ثم قال لهم: أنشد باللّه كل امرئ مسلم سمع رسول اللّه ﷺ يقول يوم غدير خم ما قال لما قام، فقام إليه ثلاثون من الناس، فشهدوا أن رسول اللّه ﷺ قال: «من كنت مولاه فعليّ مولاه، اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه». وأخرج الترمذي، والحاكم وصححه، عن بريدة قال: قال رسول اللّه ﵌: «إن اللّه أمرني بحب أربعة، وأخبرني أنه يحبهم، قيل: يا رسول اللّه سمّهم لنا، قال: عليّ منهم - يقول ذلك ثلاثا - وأبو ذر، والمقداد، وسلمان». وأخرج الترمذي والنسائي وابن ماجه عن حبشي بن جنادة، قال: قال رسول اللّه ﵌: «علي مني، وأنا من علي». وأخرج الترمذي عن ابن عمر قال: آخى رسول اللّه ﵌ بين أصحابه، فجاء عليّ تدمع عيناه، فقال: يا رسول اللّه آخيت بين أصحابك، ولم تؤاخ بيني وبين أحد، فقال رسول اللّه ﵌: «أنت أخي في الدنيا والآخرة». وأخرج مسلم عن علي قال: والذي فلق الحبة وبرأ النّسمة (١) إنه لعهد النبي الأمي إليّ أنه لا يحبني إلا مؤمن، ولا يبغضني إلا منافق.

стр. 180

وأخرج الترمذي عن أبي سعيد الخدري، قال: كنا نعرف المنافقين ببغضهم عليا. وأخرج البزار، والطبراني في الأوسط عن جابر بن عبد اللّه، وأخرج الترمذي، والحاكم عن علي، قال: قال رسول اللّه ﵌: «أنا مدينة العلم، وعليّ بابها» هذا حديث حسن على الصواب، لا صحيح كما قال الحاكم، ولا موضوع كما قاله جماعة منهم ابن الجوزي والنووي، وقد بينت حاله في التعقبات على الموضوعات. وأخرج الحاكم وصححه عن علي قال: «بعثني رسول اللّه ﵌ إلى اليمن، فقلت: يا رسول اللّه، بعثتني وأنا شاب أقضي بينهم، ولا أدري ما القضاء، فضرب صدري بيده ثم قال: «اللهم اهد قلبه، وثبت لسانه» فو الذي فلق الحبة ما شككت في قضاء بين اثنين». وأخرج ابن سعد عن عليّ أنه قيل له: ما لك أكثر أصحاب رسول اللّه ﵌ حديثا؟ قال: إني كنت إذا سألته أنبأني، وإذا سكت ابتدأني. وأخرج عن أبي هريرة ﵁، قال: قال عمر بن الخطاب: علي أقضانا. وأخرج الحاكم عن ابن مسعود ﵄ قال: كنا نتحدث أن أقضى أهل المدينة عليّ. وأخرج ابن سعد عن ابن عباس، قال: إذا حدثنا ثقة عن عليّ بفتيا لا نعدوها (١). وأخرج عن سعيد بن المسيب قال: كان عمر بن الخطاب يتعوذ باللّه من معضلة ليس فيها أبو الحسن. وأخرج عنه قال: لم يكن أحد من الصحابة يقول «سلوني» إلا عليّ. وأخرج ابن عساكر عن ابن مسعود قال: أفرض أهل المدينة وأقضاها علي بن أبي طالب.

стр. 181

وأخرج عن عائشة ﵂ أن عليّا ذكر عندها، فقالت: أما إنه أعلم من بقي بالسنة. وقال مسروق: انتهى علم أصحاب رسول اللّه ﵌ إلى عمر، وعلي، وابن مسعود، وعبد اللّه ﵃! وقال عبد اللّه بن عياش بن أبي ربيعة: كان لعلي ما شئت من ضرس قاطع في العلم، وكان له البسطة في العشيرة، والقدم في الإسلام، والعهد برسول اللّه ﵌، والفقه في السنة، والنجدة في الحرب، والجود في المال. وأخرج الطبراني في الأوسط بسند ضعيف عن جابر بن عبد اللّه قال: قال رسول اللّه ﵌: «الناس من شجر شتى، وأنا وعلي من شجرة واحدة». وأخرج الطبراني وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: ما أنزل اللّه: ﴿يا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا﴾ إلا وعليّ أميرها وشريفها، ولقد عاتب اللّه أصحاب محمد في غير مكان وما ذكر عليا إلا بخير. وأخرج ابن عساكر عن ابن عباس قال: ما نزل في أحد من كتاب اللّه تعالى ما نزل في عليّ. وأخرج ابن عساكر عن ابن عباس قال: نزلت في عليّ ثلثمائة آية. وأخرج البزار عن سعد قال: قال رسول اللّه ﵌ لعليّ: «لا يحل لأحد أن يجنب في هذا المسجد غيري وغيرك». وأخرج الطبراني، والحاكم وصححه، عن أم سلمة ﵂ قالت: كان رسول اللّه ﵌ إذا غضب لم يجترئ أحد أن يكلمه إلا عليّ. وأخرج الطبراني والحاكم عن ابن مسعود ﵄ أن النبي ﷺ قال: «النظر إلى عليّ عبادة» إسناده حسن. وأخرجه الطبراني، والحاكم أيضا من حديث عمران بن حصين. وأخرجه ابن عساكر من حديث أبي بكر الصديق، وعثمان بن عفان،

стр. 182

ومعاذ بن جبل، وأنس، وثوبان، وجابر بن عبد اللّه، وعائشة، ﵃! وأخرج الطبراني في الأوسط عن ابن عباس قال: كانت لعلي ثمان عشرة منقبة (١) ما كانت لأحد من هذه الأمة. وأخرج أبو يعلى عن أبي هريرة قال: قال عمر بن الخطاب: لقد أعطي عليّ ثلاث خصال لأن تكون لي خصلة منها أحب إليّ من أن أعطى حمر النعم فسئل: وما هن؟ قال: تزوجه ابنته فاطمة، وسكناه المسجد لا يحل لي فيه ما يحل له، والراية يوم خيبر. وروى أحمد بسند صحيح عن ابن عمر نحوه. وأخرج أحمد وأبو يعلى بسند صحيح عن عليّ قال: ما رمدت (٢) ولا صدعت منذ مسح رسول اللّه ﵌ وجهي، وتفل في عيني، يوم خيبر حين أعطاني الراية. وأخرج أبو يعلى والبزار عن سعد بن أبي وقاص قال: قال رسول اللّه ﵌: «من آذى عليا فقد آذاني». وأخرج الطبراني بسند صحيح عن أم سلمة عن رسول اللّه ﵌ قال: «من أحب عليا فقد أحبني، ومن أحبني فقد أحب اللّه، ومن أبغض عليا فقد أبغضني، ومن أبغضني فقد أبغض اللّه». وأخرج أحمد، والحاكم وصححه، عن أم سلمة سمعت رسول اللّه ﷺ يقول: «من سب عليا فقد سبني». وأخرج أحمد والحاكم بسند صحيح عن أبي سعيد الخدري أن رسول اللّه ﵌ قال لعلي: «إنك تقاتل على القرآن (٣) كما قاتلت على تنزيله». وأخرج البزار وأبو يعلى والحاكم عن عليّ، قال: دعاني رسول اللّه صلّى

стр. 183

اللّه عليه وآله وسلم فقال: «يا علي إن فيك مثلا من عيسى، أبغضته اليهود حتى بهتوا أمه وأحبته النصارى حتى أنزلوه بالمنزل الذي ليس به»، ألا وإنه يهلك فيّ اثنان: محب مفرط يفرطني بما ليس فيّ، ومبغض [مفتر] يحمله شنآني على أن يبهتني. وأخرج الطبراني في الأوسط والصغير عن أم سلمة قالت: سمعت رسول اللّه ﵌ يقول: «عليّ مع القرآن والقرآن مع عليّ، لا يفترقان حتى يردا عليّ الحوض». وأخرج أحمد والحاكم بسند صحيح عن عمار بن ياسر أن النبي ﵌ قال لعليّ: «أشقى الناس رجلان: أحيمر ثمود الذي عقر الناقة، والذي يضربك يا علي على هذه - يعني قرنه - حتى تبتل منه هذه [من الدم]- يعني لحيته» وقد ورد ذلك من حديث علي، وصهيب، وجابر بن سمرة، وغيرهم. وأخرج الحاكم وصححه عن أبي سعيد الخدري قال: اشتكى الناس عليا فقام رسول اللّه ﵌ فينا خطيبا فقال: «لا تشكوا عليا؛ فو اللّه إنه لأخيشن في ذات اللّه، أو في سبيل اللّه». فصل في مبايعة علي ﵁ بالخلافة، وما نشأ عن ذلك قال ابن سعد: بويع علي بالخلافة الغد من قتل عثمان بالمدينة، فبايعه جميع من كان بها من الصحابة ﵃، ويقال: إن طلحة والزبير بايعا كارهين غير طائعين، ثم خرجا إلى مكة وعائشة ﵂ بها، فأخذاها وخرجا بها إلى البصرة يطلبون بدم عثمان، وبلغ ذلك عليّا، فخرج إلى العراق، فلقي بالبصرة طلحة والزبير وعائشة ومن معهم، وهي وقعة الجمل، وكانت في جمادى الآخرة سنة ست وثلاثين، وقتل بها طلحة، والزبير، وغيرهما، وبلغت القتلى ثلاثة عشر ألفا، وأقام عليّ بالبصرة خمس عشرة ليلة، ثم انصرف إلى الكوفة، ثم خرج عليه معاوية بن أبي سفيان ومن معه بالشام، فبلغ عليا فسار إليه، فالتقوا بصفين في

стр. 184

صفر سنة سبع وثلاثين، ودام القتال بها أياما، فرفع أهل الشام المصاحف يدعون إلى ما فيها، مكيدة من عمرو بن العاص، فكره الناس الحرب، وتداعوا إلى الصلح، وحكموا الحكمين، فحكم عليّ أبا موسى الأشعري، وحكم معاوية عمرو بن العاص، وكتبوا بينهم كتابا على أن يوافوا رأس الحول بأذرح (١)، فينظروا في أمر الأمة، فافترق الناس، ورجع معاوية إلى الشام، وعليّ إلى الكوفة، فخرجت عليه الخوارج من أصحابه ومن كان معه وقالوا: لا حكم إلا اللّه، وعسكروا بحروراء (٢)، فبعث إليهم ابن عباس، فخاصمهم وحجّهم (٣)، فرجع منهم قوم كثير، وثبت قوم، وساروا إلى النهروان، فعرضوا للسبيل، فسار إليهم عليّ فقتلهم بالنهروان، وقتل منهم ذا الثدية، وذلك سنة ثمان وثلاثين، واجتمع الناس بأذرح في شعبان من هذه السنة، وحضرها سعد بن أبي وقاص وابن عمر وغيرهما من الصحابة، فقدّم عمرو أبا موسى الأشعري مكيدة منه، فتكلم فخلع عليا، وتكلم عمرو فأقر معاوية، وبايع له، فتفرق الناس على هذا، وصار عليّ في خلاف من أصحابه حتى صار يعض على أصبعه ويقول: أعصى ويطاع معاوية؟!. وانتدب ثلاثة نفر من الخوارج: عبد الرحمن بن ملجم المرادي، والبرك بن عبد اللّه التميمي، وعمرو بن بكير التميمي، فاجتمعوا بمكة وتعاهدوا وتعاقدوا ليقتلنّ هؤلاء الثلاثة: علي بن أبي طالب، ومعاوية بن أبي سفيان، وعمرو بن العاص، ويريحوا العباد منهم، فقال ابن ملجم: أنا لكم بعلي، وقال البرك: أنا لكم بمعاوية، وقال عمرو بن بكير: أنا أكفيكم عمرو بن العاص، وتعاهدوا على أن ذلك يكون في ليلة واحدة ليلة حادي عشر أو ليلة سابع عشر رمضان، ثم توجه كل منهم إلى المصر الذي فيه صاحبه، فقدم ابن ملجم الكوفة، فلقي أصحابه من الخوارج فكاتمهم ما يريدون إلى ليلة الجمعة سابع عشر رمضان سنة أربعين، فاستيقظ عليّ سحرا، فقال لابنه الحسن: رأيت الليلة رسول اللّه ﵌، فقلت: يا رسول اللّه ما لقيت من أمتك من الأود واللدد؟

стр. 185

فقال لي: ادع اللّه عليهم، فقلت: اللهم أبدلني بهم خيرا لي منهم، وأبدلهم بي شرا لهم مني، ودخل ابن الذباح المؤذن على عليّ، فقال: الصّلاة، فخرج عليّ من الباب ينادي: أيها الناس الصلاة الصلاة، فاعترضه ابن ملجم، فضربه بالسيف، فأصاب جبهته إلى قرنه ووصل إلى دماغه، فشد عليه الناس من كل جانب، فأمسك وأوثق، وأقام عليّ الجمعة والسبت، وتوفي ليلة الأحد، وغسله الحسن والحسين، وعبد اللّه بن جعفر، وصلى عليه الحسن، ودفن بدار الإمارة بالكوفة ليلا، ثم قطعت أطراف ابن ملجم، وجعل في قوصرّة وأحرقوه بالنار، هذا كله كلام ابن سعد، وقد أحسن في تلخيصه هذه الوقائع، ولم يوسع فيها الكلام كما صنع غيره؛ لأن هذا هو اللائق بهذا المقام، قال ﵌: «إذا ذكر أصحابي فأمسكوا» وقال: «بحسب أصحابي القتل». وفي المستدرك عن السدي، قال: كان عبد الرحمن بن ملجم المرادي عشق امرأة من الخوارج يقال لها: قطام، فنكحها وأصدقها ثلاثة آلاف درهم، وقتل عليّ، وفي ذلك قال الفرزدق (١): فلم أر مهرا ساقه ذو سماحة … كمهر قطام من فصيح وأعجم (٢) ثلاثة آلاف وعبد وقينة … وضرب عليّ بالحسام المصمم فلا مهر أغلى من عليّ وإن غلا … ولا فتك إلا دون فتك ابن ملجم قال أبو بكر بن عياش: عمّي قبر عليّ لئلا ينبشه الخوارج؛ وقال شريك: نقله ابنه الحسن إلى المدينة، وقال المبرد عن محمد بن حبيب: أول من حوّل من قبر إلى قبر عليّ ﵁. وأخرج ابن عساكر عن سعيد بن عبد العزيز، قال: لما قتل عليّ بن أبي طالب ﵁! - حملوه ليدفنوه مع رسول اللّه ﵌، فبينماهم في مسيرهم ليلا إذ ندّ الجمل الذي هو عليه، فلم يدر أين ذهب؟ ولم يقدر عليه، قال: فلذلك يقول أهل العراق: هو في السحاب، وقال غيره: إن البعير وقع في بلاد طيئ فأخذوه فدفنوه.

стр. 186

وكان لعلي حين قتل ثلاث وستون سنة، وقيل: أربع وستون، وقيل: خمس وستون، وقيل: سبع وخمسون، وقيل: ثمان وخمسون، وكان له تسع عشرة سرية. فصل في نبذ من أخبار علي، وقضاياه، وكلماته ﵁ قال سعيد بن منصور في سننه: حدثنا هشيم، حدثنا حجاج، حدثني شيخ من فزارة سمعت عليا يقول: الحمد للّه الذي جعل عدونا يسألنا عما نزل به من أمر دينه! إن معاوية كتب إليّ يسألني عن الخنثى المشكل، فكتبت إليه أن يورّثه من قبل مباله (١)، وقال هشيم عن مغيرة عن الشعبي عن عليّ مثله. وأخرج ابن عساكر عن الحسن قال: لما قدم عليّ البصرة قام إليه ابن الكوّاء، وقيس بن عباد، فقالا له: ألا تخبرنا عن مسيرك هذا الذي سرت فيه، تتولّى على الأمة تضرب بعضهم ببعض؟ أعهد من رسول اللّه ﵌ عهده إليك؟ فحدثنا فأنت الموثوق المأمون على ما سمعت، فقال: أما أن يكون عندي عهد من النبي ﵌ في ذلك فلا، واللّه لئن كنت أول من صدّق به فلا أكون أول من كذب عليه، ولو كان عندي من النبي ﵌ عهد في ذلك ما تركت أخا بني تيم بن مرة وعمر بن الخطاب يقومان على منبره، ولقاتلتهما بيدي، ولو لم أجد إلا بردي هذا، ولكن رسول اللّه ﷺ لم يقتل قتلا، ولم يمت فجأة؛ مكث في مرضه أياما وليالي، يأتيه المؤذن فيؤذنه بالصلاة، فيأمر أبا بكر فيصلي بالناس، وهو يرى مكاني. ولقد أرادت امرأة من نسائه أن تصرفه عن أبي بكر، فأبى وغضب، وقال: أنتنّ صواحب يوسف، مروا أبا بكر يصلي بالناس، فلما قبض اللّه نبيه ﷺ نظرنا في أمورنا، فاخترنا لدنيانا من رضيه نبي اللّه ﷺ لديننا. وكانت الصلاة أصل الإسلام، وهي أمير الدين، وقوام الدين، فبايعنا أبا بكر، وكان لذلك أهلا، لم يختلف عليه منا اثنان، ولم يشهد بعضنا على بعض، ولم تقطع منه البراءة، فأدّيت إلى أبي بكر حقه، وعرفت له طاعته، وغزوت معه في جنوده، وكنت آخذ إذا أعطاني، وأغزو إذا أغزاني، وأضرب بين يديه الحدود بسوطي، فلما قبض تولاها عمر، فأخذها بسنة

стр. 187

صاحبه، وما يعرف من أمره، فبايعنا عمر، ولم يختلف عليه منا اثنان، ولم يشهد بعضنا على بعض، ولم تقطع منه البراءة، فأدّيت إلى عمر حقه، وعرفت له طاعته، وغزوت معه في جيوشه، وكنت آخذ إذا أعطاني، وأغزو إذا أغزاني، وأضرب بين يديه الحدود بسوطي، فلما قبض تذكرت في نفسي قرابتي وسابقتي وسالفتي وفضلي، وأنا أظن أن لا يعدل بي، ولكن خشي أن لا يعمل الخليفة بعده ذنبا إلا لحقه في قبره، فأخرج منها نفسه وولده، ولو كانت محاباة منه لآثر بها ولده، فبرئ منها إلى رهط من قريش ستة أنا أحدهم، فلما اجتمع الرهط ظننت أن لا يعدلوا بي، فأخذ عبد الرحمن بن عوف، مواثيقنا على أن نسمع ونطيع لمن ولاه اللّه أمرنا، ثم أخذ بيد عثمان بن عفان، وضرب بيده على يده، فنظرت في أمري، فإذا طاعتي قد سبقت بيعتي، وإذا ميثاقي قد أخذ لغيري، فبايعنا عثمان، فأديت له حقه، وعرفت له طاعته، وغزوت معه في جيوشه، وكنت آخذ إذا أعطاني، وأغزو إذا أغزاني، وأضرب بين يديه الحدود بسوطي، فلما أصيب نظرت في أمري، فإذا الخليفتان اللذان أخذاها بعهد رسول اللّه ﷺ إليهما بالصلاة قد مضيا، وهذا الذي قد أخذ له الميثاق قد أصيب، فبايعني أهل الحرمين، وأهل هذين المصرين، فوثب فيها من ليس مثلي، ولا قرابته كقرابتي، ولا علمه كعلمي، ولا سابقته كسابقتي، وكنت أحق بها منه. وأخرج أبو نعيم في الدلائل عن جعفر بن محمد عن أبيه قال: عرض لعليّ رجلان في خصومة، فجلس في أصل جدار، فقال له رجل: الجدار يقع، فقال عليّ: امض، كفى باللّه حارسا! فقضى بينهما، فقام، ثم سقط الجدار. وفي الطيوريات بسنده إلى جعفر بن محمد عن أبيه قال: قال رجل لعليّ بن أبي طالب: نسمعك تقول في الخطبة: اللهم أصلحنا بما أصلحت به الخلفاء الراشدين المهديين، فمن هم؟ فاغرورقت عيناه، فقال: هم حبيباي أبو بكر وعمر، إماما الهدى، وشيخا الإسلام، ورجلا قريش، والمقتدى بهما بعد رسول اللّه ﷺ ، من اقتدى بهما عصم، ومن اتبع آثارهما هدي الصراط المستقيم، ومن تمسك بهما فهو من حزب اللّه. وأخرج عبد الرزاق عن حجر المدري قال: قال لي علي بن أبي طالب: كيف بك إذا أمرت أن تلعنني؟ قلت: وكائن ذلك؟ قال: نعم، قلت: فكيف

стр. 188

أصنع؟ قال: العنيّ ولا تبرأ مني، قال: فأمرني محمد بن يوسف أخو الحجاج - وكان أميرا على اليمن - أن ألعن عليا، فقلت: إن الأمير أمرني أن ألعن عليا فالعنوه، لعنه اللّه، فما فطن لها إلا رجل (١). وأخرج الطبراني في الأوسط وأبو نعيم في الدلائل عن زاذان، أن عليا حدث بحديث، فكذبه رجل، فقال له علي: أدعوا عليك إن كنت كاذبا؟ قال: ادع، فدعا عليه، فلم يبرح حتى ذهب بصره. وأخرج عن زرّ بن حبيش قال: جلس رجلان يتغديان، مع أحدهما خمسة أرغفة، ومع الآخر ثلاثة أرغفة، فلما وضعا الغداء بين أيديهما مرّ بهما رجل، فسلم، فقالا: اجلس وتغدّ، فجلس وأكل معهما واستووا في أكلهم الأرغفة الثمانية، فقام الرجل وطرح إليهما ثمانية دراهم، وقال: خذاها عوضا مما أكلت لكما، ونلته من طعامكما، فتنازعا، فقال صاحب الخمسة الأرغفة: لي خمسة دراهم، ولك ثلاثة، وقال صاحب الأرغفة الثلاثة: لا أرضى إلا أن تكون الدراهم بيننا نصفين، فارتفعا إلى أمير المؤمنين عليّ، فقصّا عليه قصتهما فقال لصاحب الثلاثة: قد عرض عليك صاحبك ما عرض، وخبزه أكثر من خبزك، فارض بالثلاثة، فقال: واللّه لا رضيت عنه إلا بمر الحق، فقال عليّ: ليس لك في مر الحق إلا درهم واحد، وله سبعة دراهم؛ فقال الرجل: سبحان اللّه! قال: هو ذلك، قال: فعرفني الوجه في مر الحق حتى أقبله، فقال علي: أليس للثمانية الأرغفة أربعة وعشرون ثلثا أكلتموها وأنتم ثلاثة أنفس، ولا يعلم الأكثر منكم أكلا ولا الأقل؟ فتحملون في أكلكم على السواء، قال: فأكلت أنت ثمانية أثلاث، وإنما لك تسعة أثلاث، وأكل صاحبك ثمانية أثلاث، وله خمسة عشر ثلثا، أكل منها ثمانية، وبقي له سبعة أكلها صاحب الدراهم وأكل لك واحدا من تسعة، فلك واحد بواحدك، وله سبعة، فقال الرجل: رضيت الآن (٢).

стр. 189

وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف عن عطاء قال: أتى عليّ برجل وشهد عليه رجلان أنه سرق، فأخذ في شيء من أمور الناس، وتهدد شهود الزور، وقال: لا أوتي بشاهد زور إلا فعلت به كذا وكذا، ثم طلب الشاهدين، فلم يجدهما، فخلى سبيله. وقال عبد الرزاق في المصنف: حدثنا الثوري، عن سليمان الشيباني، عن رجل، عن عليّ، أنه أتي برجل، فقيل له: زعم هذا أنه احتلم بأمي، فقال: اذهب فأقمه بالشمس، فاضرب ظله. وأخرج ابن عساكر من طريق جعفر بن محمد عن أبيه، أن خاتم عليّ بن أبي طالب كان من ورق نقشه: «نعم القادر اللّه». وأخرج عن عمرو بن عثمان بن عفان قال: كان نقش خاتم عليّ «الملك للّه». وأخرج عن المدائني قال: لما دخل علي الكوفة دخل عليه رجل من حكماء العرب، فقال: واللّه يا أمير المؤمنين لقد زنت الخلافة وما زانتك، ورفعتها وما رفعتك، وهي كانت أحوج إليك منك إليها. وأخرج عن مجمع أن عليا كان يكنس بيت المال، ثم يصلي فيه، رجاء أن يشهد أنه لم يحبس فيه المال عن المسلمين. وقال أبو القاسم الزجاجي في أماليه: حدثنا أبو جعفر محمد بن رستم الطبري، حدثنا أبو حاتم السجستاني، حدثني يعقوب بن إسحاق الحضرمي، حدثنا سعيد بن سلم الباهلي، حدثنا أبي، عن جدي، عن أبي الأسود الدؤلي، أو قال: عن جدي أبي الأسود، عن أبيه، قال: دخلت على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ فرأيته مطرقا مفكرا، فقلت: فيم تفكر يا أمير المؤمنين؟ قال: إني سمعت ببلدكم هذا لحنا فأردت أن أصنع كتابا في أصول العربية، فقلت: إن فعلت هذا أحييتنا، وبقيت فينا هذه اللغة، ثم أتيته بعد ثلاث، فألقى إليّ صحيفة فيها: بسم اللّه الرحمن الرحيم، الكلمة اسم (١)، وفعل، وحرف؛ فالاسم: ما أنبأ عن المسمى، والفعل: ما أنبأ عن حركة المسمى،

стр. 190

والحرف: ما أنبأ عن معنى ليس باسم ولا فعل، ثم قال: تتبعه وزد فيه ما وقع لك، واعلم يا أبا الأسود أن الأشياء ثلاثة: ظاهر، ومضمر، وشيء ليس بظاهر ولا مضمر، وإنما يتفاضل العلماء في معرفة ما ليس بظاهر ولا مضمر، قال أبو الأسود: فجمعت منه أشياء، وعرضتها عليه، فكان من ذلك حروف النصب، فذكرت منها: إنّ، وأنّ، وليت، ولعلّ، وكأن، ولم أذكر لكن، فقال لي: لم تركتها؟ فقلت: لم أحسبها منها، فقال: بل هي منها، فزدها فيها. وأخرج ابن عساكر عن ربيعة بن ناجد قال: قال عليّ: كونوا في الناس كالنحلة في الطير، إنه ليس في الطير شيء إلا وهو يستضعفها، لو يعلم الطير ما في أجوافها من البركة لم يفعلوا ذلك بها، خالطوا الناس بألسنتكم وأجسادكم، وزايلوهم بأعمالكم وقلوبكم؛ فإن للمرء ما اكتسب، وهو يوم القيامة مع من أحب. وأخرج عن عليّ قال: كونوا بقبول العمل أشد اهتماما منكم بالعمل، فإنه لن يقل عمل مع التقوى، وكيف يقل عمل يتقبل؟ وأخرج عن يحيى بن جعدة قال: قال علي بن أبي طالب: يا حملة القرآن اعملوا به، فإنما العالم من علم ثم عمل بما علم، ووافق علمه عمله، وسيكون أقوام يحملون العلم لا يجاوز تراقيهم، وتخالف سريرتهم علانيتهم، ويخالف عملهم علمهم، يجلسون حلقا فيباهي بعضهم بعضا، حتى إن الرجل يغضب على جليسه أن يجلس إلى غيره ويدعه، أولئك لا تصعد أعمالهم في مجالسهم تلك إلى اللّه. وأخرج عن علي قال: التوفيق خير قائد، وحسن الخلق خير قرين، والعقل خير صاحب، والأدب خير ميراث، ولا وحشة أشد من العجب. وأخرج عن الحارث قال: جاء رجل إلى عليّ فقال: أخبرني عن القدر! فقال: طريق مظلم لا تسلكه، قال: أخبرني عن القدر! قال: بحر عميق لا تلجه، قال: أخبرني عن القدر! قال: سرّ اللّه قد خفي عليك فلا تفتشه، قال: أخبرني عن القدر! قال: يا أيها السائل إن اللّه خلقك لما شاء أو لما شئت؟ قال: بل لما شاء، قال: فيستعملك لما شاء.

стр. 191

وأخرج عن عليّ قال: إن للنكبات نهايات، ولا بد لأحد إذا نكب من أن ينتهي إليها، فينبغي للعاقل إذا أصابته نكبة أن ينام لها حتى تنقضي مدتها، فإن في دفعها قبل انقضاء مدتها زيادة في مكروهها. وأخرج عن عليّ أنه قيل له: ما السخاء؟ قال: ما كان منه ابتداء، فأما ما كان عن مسألة فحياء وتكرم. وأخرج عن عليّ أنه أتاه رجل فأثنى عليه فأطراه، وكان قد بلغه عنه قبل ذلك، فقال له عليّ: إني لست كما تقول، وأنا فوق ما في نفسك. وأخرج عن علي قال: جزاء المعصية الوهن في العبادة، والضيق في المعيشة، والنقص في اللذة، قيل: وما النقص في اللذة؟ قال: لا ينال شهوة حلال إلا جاءه ما ينغصه إياها. وأخرج عن علي بن ربيعة أن رجلا قال لعليّ: ثبتك اللّه! وكان يبغضه، قال عليّ: على صدرك. وأخرج عن الشعبي قال: كان أبو بكر يقول الشعر، وكان عمر يقول الشعر، وكان عثمان يقول الشعر، وكان عليّ أشعر الثلاثة. وأخرج عن نبيط الأشجعي قال: قال علي بن أبي طالب ﵁ (١): إذا اشتملت على اليأس القلوب … وضاق بهمّها الصدر الرحيب وأوطنت المكاره واطمأنت … وأرست في أماكنها الخطوب ولم ير لانكشاف الضر وجه … ولا أغنى بحيلته الأريب أتاك على قنوط منك غوث … يجيء به القريب المستجيب وكل الحادثات إذا تناهت … فموصول بها الفرج القريب وأخرج عن الشعبي قال: قال علي بن أبي طالب لرجل كره له صحبة رجل: فلا تصحب أخا الجهل … وإياك وإياه فكم من جاهل أردى … حليما حين آخاه (٢)

стр. 192

يقاس المرء بالمرء … إذا ما هو ما شاه وللشيء من الشيء … مقاييس وأشباه قياس النعل بالنعل … إذا ما هو حاذاه وللقلب على القلب … دليل حين يلقاه وأخرج عن المبرد قال: كان مكتوبا على سيف علي بن أبي طالب ﵁: للناس حرص على الدنيا بتدبير … وصفوها لك ممزوج بتكدير لم يرزقوها بعقل بعد ما قسمت … لكنهم رزقوها بالمقادير كم من أديب لبيب لا تساعده … وأحمق نال دنياه بتقصير لو كان عن قوة أو عن مغالبة … طار البزاة بأرزاق العصافير وأخرج عن حمزة بن حبيب الزيات قال: كان علي بن أبي طالب يقول: ولا تفش سرك إلا إليك … فإن لكل نصيح نصيحا فإني رأيت غواة الرجا … ل لا يدعون أديما صحيحا (١) وأخرج عن عقبة بن أبي الصبهاء قال: لما ضرب ابن ملجم عليا دخل عليه الحسن وهو باك، فقال له عليّ: يا بني احفظ عني أربعا وأربعا، قال: وما هن يا أبت؟ قال: أغنى الغنى العقل، وأكبر الفقر الحمق، وأوحش الوحشة العجب، وأكرم الكرم حسن الخلق، قال: فالأربع الأخر؟ قال: إياك ومصاحبة الأحمق فإنه يريد أن ينفعك فيضرك، وإياك ومصادقة الكذاب فإنه يقرب عليك البعيد ويبعد عليك القريب، وإياك ومصادقة البخيل فإنه يقعد عنك أحوج ما تكون إليه، وإياك ومصادقة الفاجر فإنه يبيعك بالتافه. وأخرج ابن عساكر عن علي أنه أتاه يهودي فقال له: متى كان ربنا؟ فتمعّر (٢) وجه عليّ وقال: لم يكن فكان، هو كان ولا كينونة، كان بلا كيف، كان ليس له قبل ولا غاية، انقطعت الغايات دونه فهو غاية كل غاية، فأسلم اليهودي.

стр. 193

وأخرج الدراج في جزئه المشهور بسند مجهول عن ميسرة عن شريح القاضي قال: لما توجه عليّ إلى صفّين افتقد درعا له، فلما انقضت الحرب ورجع إلى الكوفة أصاب الدرع في يد يهودي، فقال لليهودي: الدرع درعي لم أبع ولم أهب، فقال اليهودي: درعي وفي يدي، فقال: نصير إلى القاضي، فتقدم عليّ فجلس إلى جنب شريح وقال: لولا أن خصمي يهودي لاستويت معه في المجلس، ولكني سمعت رسول اللّه ﵌ يقول: «أصغروهم من حيث أصغرهم اللّه» فقال شريح: قل يا أمير المؤمنين، فقال: نعم هذه الدرع التي في يد اليهودي درعي لم أبع ولم أهب، فقال شريح: أيش تقول يا يهودي؟ قال: درعي وفي يدي، فقال شريح: ألك بينة يا أمير المؤمنين؟ قال: نعم، قنبر والحسن يشهدان أن الدرع درعي، فقال شريح: شهادة الابن لا تجوز للأب، فقال عليّ: رجل من أهل الجنة لا تجوز شهادته؟ سمعت رسول اللّه ﵌ يقول: الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة، فقال اليهودي: أمير المؤمنين قدمني إلى قاضيه، وقاضيه قضى عليه، أشهد أن هذا هو الحق، وأشهد أن لا إله إلا اللّه وأشهد أن محمدا رسول اللّه، وأن الدرع درعك. فصل: وأما كلامه في تفسير القرآن فكثير، وهو مستوفى في كتابنا التفسير المسند بأسانيده، وقد أخرج ابن سعد عن عليّ قال: واللّه ما نزلت آية إلا وقد علمت فيم نزلت، وأين نزلت، وعلى من نزلت، إن ربي وهب لي قلبا عقولا، ولسانا صادقا ناطقا. وأخرج ابن سعد وغيره عن أبي الطفيل، قال: قال عليّ: سلوني عن كتاب اللّه، فإنه ليس من آية إلا وقد عرفت بليل نزلت أم بنهار، وفي سهل أم في جبل. وأخرج ابن أبي داود عن محمد بن سيرين قال: لما توفي رسول اللّه ﵌ أبطأ علي عن بيعة أبي بكر، فلقيه أبو بكر فقال: أكرهت إمارتي؟ فقال: لا، ولكن آليت أن لا أرتدي بردائي إلا إلى الصلاة، حتى أجمع القرآن، فزعموا أنه كتبه على تنزيله، فقال محمد: لو أصيب ذلك الكتاب (١) كان فيه العلم.

стр. 194

فصل في نبذ من كلماته الوجيزة المختصرة البديعة قال عليّ ﵁: الحزم سوء الظن، أخرجه أبو الشيخ وابن حيان. وقال: القريب من قرّبته المودة وإن بعد نسبه، والبعيد من باعدته العداوة وإن قرب نسبه، ولا شيء أقرب من يد إلى جسد، وإن اليد إذا فسدت قطعت، وإذا قطعت حسمت، أخرجه أبو نعيم. وقال: خمس خذوهن عني: لا يخافن أحد منكم إلاّ ذنبه، ولا يرجو إلاّ ربه، ولا يستحيي من لا يعلم أن يتعلم، ولا يستحيي من لا يعلم إذا سئل عما لا يعلم أن يقول: اللّه أعلم، وإن الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد: إذا ذهب الصبر ذهب الإيمان، وإذا ذهب الرأس ذهب الجسد، أخرجه سعيد بن منصور في سننه. وقال: الفقيه كل الفقيه من لم يقنّط الناس من رحمة اللّه، ولم يرخّص لهم في معاصي اللّه، ولم يؤمنهم من عذاب اللّه، ولم يدع القرآن رغبة عنه إلى غيره؛ لأنه لا خير في عبادة لا علم فيها، ولا علم لا فهم معه، ولا قراءة لا تدبر فيها، أخرجه ابن الضريس في فضائل القرآن. وقال: وابردها على كبدي إذا سئلت عما لا أعلم أن أقول: اللّه أعلم. أخرجه ابن عساكر. وقال: من أراد أن ينصف الناس من نفسه فليحب لهم ما يحب لنفسه. أخرجه ابن عساكر. وقال: سبع من الشيطان: شدة الغضب، وشدة العطاس، وشدة التثاؤب، والقيء، والرعاف، والنجوى، والنوم عند الذكر. وقال: كلوا الرمان بشحمه فإنه دبغ المعدة. أخرجه الحاكم في التاريخ. وقال: يأتي على الناس زمان المؤمن فيه أذلّ من الأمة. أخرجه سعيد بن منصور.

стр. 195

ولأبي الأسود الدؤلي (١) يرثي عليا ﵁: ألا يا عين ويحك أسعدينا … ألا تبكي أمير المؤمنينا وتبكي أم كلثوم عليه … بعبرتها وقد رأت اليقينا ألا قل للخوارج حيث كانوا … فلا قرّت عيون الحاسدينا أفي شهر الصيام فجعتمونا؟ … بخير الناس طرّا أجمعينا قتلتم خير من ركب المطايا … وذللها، ومن ركب السفينا ومن لبس النعال ومن حذاها … ومن قرأ المثاني والمبينا وكل مناقب الخيرات فيه … وحب رسول رب العالمينا لقد علمت قريش حيث كانت … بأنك خيرهم حسبا ودينا إذا استقبلت وجه أبي حسين … رأيت البدر فوق الناظرينا وكنا قبل مقتله بخير … نرى مولى رسول اللّه فينا (٢) يقيم الحق لا يرتاب فيه … ويعدل في العدى والأقربينا وليس بكاتم علما لديه … ولم يخلق من المتكبرينا كأن الناس إذ فقدوا عليا … نعام حار في بلد سنينا فلا تشمت معاوية بن صخر … فإن بقية الخلفاء فينا فصل فيمن مات في زمنه من الأعلام مات في أيام عليّ من الأعلام موتا وقتلا: حذيفة بن اليمان، والزبير بن العوام، وطلحة، وزيد بن صوحان، وسلمان الفارسي، وهند بن أبي هالة، وأويس القرني، وخبّاب بن الأرتّ، وعمار بن ياسر، وسهل بن حنيف،

стр. 196

وصهيب الرومي، ومحمد بن أبي بكر الصديق، وتميم الداري، وخوّات بن جبير، وشرحبيل بن السمط، وأبو ميسرة البدري، وصفوان بن عسّال، وعمرو بن عنبسة، وهشام بن حكيم، وأبو رافع مولى النبي ﵌، وآخرون.

стр. 197

الحسن بن علي بن أبي طالب، ﵁ الحسن بن علي بن أبي طالب ﵁، أبو محمد، سبط رسول اللّه ﷺ ، وريحانته، وآخر الخلفاء بنصه. أخرج ابن سعد عن عمران بن سليمان، قال: الحسن والحسين اسمان من أسماء أهل الجنة، ما سمت العرب بهما في الجاهلية. ولد الحسن ﵁ في نصف رمضان سنة ثلاث من الهجرة، وروي له عن النبي ﷺ أحاديث، وروت عنه عائشة ﵂ وخلائق من التابعين: منهم ابنه الحسن، وأبو الحوراء ربيعة بن سنان، والشعبي، وأبو وائل، وابن سيرين. وكان شبيها بالنبي ﷺ ، سماه النبي ﷺ الحسن، وعقّ عنه يوم سابعه، وحلق شعره، وأمر أن يتصدق بزنة شعره فضة، وهو خامس أهل الكساء. قال [أبو محمد] العسكري: لم يكن هذا الاسم يعرف في الجاهلية. وقال المفضل: إن اللّه حجب اسم الحسن والحسين حتى سمّى بهما النبيّ ﷺ ابنيه [الحسن والحسين]. وأخرج البخاري عن أنس قال: لم يكن أحد أشبه بالنبي ﷺ من الحسن بن علي. وأخرج الشيخان عن البراء قال: رأيت رسول اللّه ﷺ والحسن [بن علي]

стр. 198

على عاتقه وهو يقول: «اللهم إني أحبّه فأحبّه». وأخرج البخاري عن أبي بكرة قال: سمعت النبي ﷺ على المنبر والحسن إلى جنبه ينظر إلى الناس مرة وإليه مرة ويقول: «إن ابني هذا سيد، ولعل اللّه أن يصلح به بين فئتين من المسلمين». وأخرج البخاري عن ابن عمر قال: قال النبي ﵌: «هما ريحانتاي من الدنيا» يعني الحسن والحسين. وأخرج الترمذي والحاكم عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول اللّه ﷺ : «الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة». وأخرج الترمذي عن أسامة بن زيد، قال: رأيت النبي ﵌ والحسن والحسين على وركيه فقال: «هذان ابناي وابنا ابنتي، اللهم إني أحبهما فأحبهما وأحبّ من يحبهما». وأخرج عن أنس قال: سئل رسول اللّه ﷺ : أي أهل بيتك أحب إليك؟ قال: «الحسن والحسين». وأخرج الحاكم عن ابن عباس قال: أقبل النبي ﷺ وقد حمل الحسن على رقبته، فلقيه رجل فقال: نعم المركب ركبت يا غلام! فقال رسول اللّه ﷺ : «ونعم الراكب هو». وأخرج ابن سعد عن عبد اللّه بن الزبير قال: أشبه أهل النبي ﷺ به وأحبهم إليه الحسن بن علي، رأيته يجيء وهو ساجد فيركب رقبته - أو قال: ظهره - فما ينزله حتى يكون هو الذي ينزل، ولقد رأيته وهو راكع فيفرج له بين رجليه حتى يخرج من الجانب الآخر. وأخرج ابن سعد عن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال: كان رسول اللّه ﷺ يدلع لسانه للحسن بن علي، فإذا رأى الصبي حمرة اللسان يهشّ إليه (١). وأخرج الحاكم عن زهير بن الأرقم قال: قام الحسن بن علي يخطب، فقام

стр. 199

رجل من أزد شنوأة فقال: أشهد لقد رأيت رسول اللّه ﷺ واضعه في حبوته وهو يقول: «من أحبني فليحبه، وليبلغ الشاهد الغائب» ولولا كرامة رسول اللّه ﷺ ما حدثت به أحدا. كان الحسن ﵁ له مناقب كثيرة، سيدا، حليما، ذا سكينة ووقار وحشمة، جوادا، ممدوحا، يكره الفتن والسيف، تزوج كثيرا، وكان يجيز الرجل الواحد بمائة ألف. وأخرج الحاكم عن عبد اللّه بن عبيد بن عمير قال: لقد حج الحسن خمسا وعشرين حجة ماشيا، وإن النجائب (١) لتقاد معه. وأخرج ابن سعد عن عمير بن إسحاق قال: ما تكلم عندي أحد كان أحب إذا تكلم أن لا يسكت من الحسن بن علي، وما سمعت منه كلمة فحش قط إلا مرة، فإنه كان بين الحسن وعمرو بن عثمان خصومة في أرض، فعرض الحسن أمرا لم يرضه عمرو، فقال الحسن: فليس له عندنا إلا ما رغم أنفه، قال: فهذه أشد كلمة فحش سمعتها منه. وأخرج ابن سعد عن عمير بن إسحاق قال: كان مروان أميرا علينا، فكان يسبّ عليا كل جمعة على المنبر، وحسن يسمع فلا يرد شيئا، ثم أرسل إليه رجلا يقول له: بعليّ وبعليّ وبعليّ وبك وبك، وما وجدت مثلك إلا مثل البغلة، يقال لها: من أبوك؟ فتقول: أمي الفرس، فقال له الحسن: ارجع إليه فقل له: إني واللّه لا أمحو عنك شيئا مما قلت بأن أسبك، ولكن موعدي وموعدك اللّه، فإن كنت صادقا جزاك اللّه بصدقك، وإن كنت كاذبا فاللّه أشد نقمة. وأخرج ابن سعد عن زريق بن سوار قال: كان بين الحسن وبين مروان كلام، فأقبل عليه مروان، فجعل يغلظ له - والحسن ساكت - فامتخط مروان بيمينه، فقال له الحسن: ويحك! أما علمت أن اليمين للوجه، والشمال للفرج؟ أفّ لك! فسكت مروان. وأخرج ابن سعد عن أشعث بن سوار عن رجل قال: جلس رجل إلى

стр. 200

الحسن، فقال: إنك جلست إلينا على حين قيام منا، أفتأذن؟ وأخرج ابن سعد عن عليّ بن زيد بن جدعان قال: أخرج الحسن من ماله للّه مرتين، وقاسم اللّه ماله ثلاث مرّات، حتى أنه كان يعطي نعلا ويمسك نعلا، ويعطي خفا ويمسك خفا. وأخرج ابن سعد عن عليّ بن الحسين قال: كان الحسن مطلاقا للنساء، وكان لا يفارق امرأة إلا وهي تحبه، وأحصن تسعين امرأة. وأخرج ابن سعد عن جعفر بن محمد عن أبيه، قال: كان الحسن يتزوج ويطلق، حتى خشيت أن يورثنا عداوة في القبائل. وأخرج ابن سعد عن جعفر بن محمد عن أبيه، قال: قال عليّ: يا أهل الكوفة، لا تزوّجوا الحسن فإنه رجل مطلاق، فقال رجل من همدان: واللّه لنزوّجنه، فما رضي أمسك، وما كره طلق. وأخرج ابن سعد عن عبد اللّه بن حسن، قال: كان حسن رجلا كثير نكاح النساء، وكن قلّما يحظين عنده، وكان قلّ امرأة تزوّجها إلا أحبته وصبت إليه (١). وأخرج ابن عساكر عن جويرية بن أسماء قال: لما مات الحسن بكى مروان في جنازته، فقال له الحسين: أتبكيه وقد كنت تجرعه ما تجرعه؟ فقال: إني كنت أفعل ذلك إلى أحلم من هذا، وأشار بيده إلى الجبل. وأخرج ابن عساكر عن المبرّد قال: قيل للحسن بن عليّ: إن أبا ذر يقول: الفقر أحب إليّ من الغنى، والسقم أحب إليّ من الصحة، فقال: رحم اللّه أبا ذرّ! .. أما أنا فأقول: من اتكل على حسن اختيار اللّه له لم يتمنّ أنه في غير الحالة التي اختارها اللّه له، وهذا حد الوقوف على الرضا بما تصرف به القضاء. ولي الحسن ﵁ الخلافة بعد قتل أبيه بمبايعته أهل الكوفة، فأقام فيها ستة أشهر وأياما، ثم سار إليه معاوية - والأمر إلى اللّه - فأرسل إليه الحسن يبذل له تسليم الأمر إليه، على أن تكون له الخلافة من بعده، وعلى أن لا يطالب

стр. 201

أحدا من أهل المدينة والحجاز والعراق بشيء مما كان أيام أبيه، وعلى أن يقضي عنه ديونه، فأجابه معاوية إلى ما طلب، فاصطلحا على ذلك، فظهرت المعجزة النبوية في قوله ﷺ : «يصلح اللّه به بين فئتين من المسلمين» ونزل له عن الخلافة، وقد استدل البلقيني بنزوله عن الخلافة - التي هي أعظم المناصب - على جواز النزول عن الوظائف، وكان نزوله عنها في سنة إحدى وأربعين، في شهر ربيع الأول - وقيل: الآخر، وقيل: في جمادى الأولى - فكان أصحابه يقولون له: يا عار المؤمنين، فيقول: العار خير من النار، وقال له رجل: السلام عليك يا مذلّ المؤمنين، فقال: لست بمذل المؤمنين، ولكني كرهت أن أقتلكم على الملك. ثم ارتحل الحسن عن الكوفة إلى المدينة فأقام بها. وأخرج الحاكم عن جبير بن نفير قال: قلت للحسن: إن الناس يقولون: إنك تريد الخلافة، فقال: قد كان جماجم العرب في يدي يحاربون من حاربت ويسالمون من سالمت، فتركتها ابتغاء وجه اللّه وحقن دماء أمة محمد ﷺ ، ثم أبتزها بأتياس أهل الحجاز (١). توفي الحسن ﵁ بالمدينة مسموما، سمته زوجته جعدة بنت الأشعث بن قيس، دسّ إليها يزيد بن معاوية أن تسمه فيتزوجها، ففعلت، فلما مات الحسن بعثت إلى يزيد تسأله الوفاء بما وعدها، فقال: إنا لم نرضك للحسن أفنرضاك لأنفسنا؟ وكانت وفاته سنة تسع وأربعين، وقيل: في خامس ربيع الأول سنة خمسين، وقيل: سنة إحدى وخمسين، وجهد به أخوه أن يخبره بمن سقاه، فلم يخبره، وقال: اللّه أشد نقمة إن كان الذي أظن، وإلا فلا يقتل بي واللّه بريء. وأخرج ابن سعد عن عمران بن عبد اللّه بن طلحة قال: رأى الحسن كأن بين عينيه مكتوبا: ﴿قُلْ هُوَ اَللّهُ أَحَدٌ﴾ (٢) فاستبشر به أهل بيته، فقصوها على سعيد بن المسيب، فقال: إن صدقت رؤياه فقلّ ما بقي من أجله، فما بقي إلا أيام حتى مات. وأخرج البيهقي وابن عساكر من طريق أبي المنذر هشام بن محمد عن أبيه

стр. 202

قال: أضاق (١) الحسن بن علي، وكان عطاؤه في كل سنة مائة ألف، فحبسها عنه معاوية في إحدى السنين، فأضاق إضاقة شديدة، قال: فدعوت بدواة لأكتب إلى معاوية لأذكره نفسي، ثم أمسكت، فرأيت رسول اللّه ﵌ في المنام، فقال: كيف أنت يا حسن؟ فقلت: بخير يا أبت، وشكوت إليه تأخر المال عني، فقال: أدعوت بدواة لتكتب إلى مخلوق مثلك تذكره ذلك؟ فقلت: نعم يا رسول اللّه، فكيف أصنع؟ فقال: قل: اللهم اقذف في قلبي رجاءك، واقطع رجائي عمن سواك، حتى لا أرجو أحدا غيرك. اللهم وما ضعفت عنه قوتي، وقصر عنه عملي، ولم تنته إليه رغبتي، ولم تبلغه مسألتي، ولم يجر على لساني مما أعطيت أحدا من الأولين والآخرين من اليقين فخصّني به يا رب العالمين، قال: فو اللّه ما ألححت به أسبوعا حتى بعث إليّ معاوية بألف ألف وخمسمائة ألف، فقلت: الحمد للّه الذي لا ينسى من ذكره، ولا يخيب من دعاه، فرأيت النبي ﵌ في المنام، فقال: يا حسن كيف أنت؟ فقلت: بخير يا رسول اللّه، وحدثته بحديثي، فقال: يا بني هكذا من رجا الخالق، ولم يرج المخلوق. وفي الطيوريات عن سليم بن عيسى قارئ أهل الكوفة قال: لما حضرت الحسن الوفاة جزع، فقال له الحسين: يا أخي ما هذا الجزع؟ إنك ترد على رسول اللّه ﵌ وعلى عليّ وهما أبواك، وعلى خديجة وفاطمة وهما أماك، وعلى القاسم والطاهر وهما خالاك، وعلى حمزة وجعفر وهما عماك، فقال له الحسن: أي أخي إني داخل في أمر من أمر اللّه تعالى لم أدخل في مثله، وأرى خلقا من خلق اللّه لم أر مثله قط. قال ابن عبد البر: وروينا من وجوه أنه لما احتضر قال لأخيه: يا أخي إن أباك استشرف لهذا الأمر، فصرفه اللّه عنه ووليها أبو بكر، ثم استشرف لها وصرفت عنه إلى عمر، ثم لم يشكّ وقت الشورى أنها لا تعدوه (٢)، فصرفت عنه إلى عثمان، فلما قتل عثمان بويع عليّ، ثم نوزع حتى جرد السيف فما صفت له، وإني واللّه ما أرى أن يجمع اللّه فينا النبوة والخلافة، فلا أعرفن ما استخلفك سفهاء

стр. 203

الكوفة فأخرجوك، وقد كنت طلبت من عائشة ﵂! - أن أدفن مع رسول اللّه ﵌، فقالت: نعم، فإذا مت فاطلب ذلك إليها، وما أظن القوم إلا سيمنعونك، فإن فعلوا فلا تراجعهم، فلما مات أتى الحسين إلى أم المؤمنين عائشة ﵂! - فقالت: نعم وكرامة، فمنعهم مروان، فلبس الحسين ومن معه السلاح حتى رده أبو هريرة، ثم دفن بالبقيع إلى جنب أمه ﵂.

стр. 204

معاوية بن أبي سفيان ﵁ (١) معاوية بن أبي سفيان صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي، الأموي، أبو عبد الرحمن، أسلم هو وأبوه يوم فتح مكة، وشهد

стр. 205

حنينا، وكان من المؤلفة قلوبهم، ثم حسن إسلامه، وكان أحد الكتاب لرسول اللّه ﷺ . روي له عن النبي ﵌ مائة حديث وثلاثة وستون حديثا، روى عنه من الصحابة: ابن عباس، وابن عمر، وابن الزبير، وأبو الدرداء، وجرير البجلي، والنعمان بن بشير، وغيرهم. ومن التابعين: ابن المسيب، وحميد بن عبد الرحمن، وغيرهما. وكان من الموصوفين بالدهاء، والحلم، وقد ورد في فضله أحاديث قلّما تثبت. أخرج الترمذي وحسّنه عن عبد الرحمن بن أبي عميرة الصحابي عن النبي ﷺ أنه قال لمعاوية: «اللهم اجعله هاديا مهديّا». وأخرج أحمد في مسنده عن العرباض بن سارية: سمعت رسول اللّه ﵌ يقول: «اللهم علم معاوية الكتاب والحساب وقه العذاب». وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف والطبراني في الكبير عن عبد الملك بن عمير قال: قال معاوية: ما زلت أطمع في الخلافة منذ قال لي رسول اللّه ﵌: «يا معاوية إذا ملكت فأحسن». وكان معاوية رجلا طويلا، أبيض، جميلا، مهيبا، وكان عمر ينظر إليه فيقول: هذا كسرى العرب، وعن عليّ قال: لا تكرهوا إمرة معاوية؛ فإنكم لو فقدتموه لرأيتم الرؤوس تندر (١) عن كواهلها، وقال المقبري: تعجبون من دهاء هرقل وكسرى وتدعون معاوية؟ وكان يضرب بحلمه المثل، وقد أفرد ابن أبي الدنيا وأبو بكر بن أبي عاصم تصنيفا في حلم معاوية. قال ابن عون: كان الرجل يقول لمعاوية: واللّه لتستقيمنّ بنا يا معاوية، أو لنقومنّك، فيقول: بماذا؟ فيقول: بالخشب، فيقول: إذن نستقيم.

стр. 206

وقال قبيصة بن جابر: صحبت معاوية، فما رأيت رجلا أثقل حلما، ولا أبطأ جهلا، ولا أبعد أناة منه. ولما بعث أبو بكر الجيوش إلى الشام سار معاوية مع أخيه يزيد بن أبي سفيان، فلما مات يزيد استخلفه على دمشق، فأقره عمر، ثم أقره عثمان وجمع له الشام كله، فأقام أميرا عشرين سنة، وخليفة عشرين سنة. قال كعب الأحبار: لن يملك أحد هذه الأمة ما ملك معاوية، قال الذهبي: توفي كعب قبل أن يستخلف معاوية، قال: وصدق كعب فيما نقله؛ فإن معاوية بقي خليفة عشرين سنة لا ينازعه أحد الأمر في الأرض، بخلاف غيره ممن بعده؛ فإنه كان لهم مخالف، وخرج عن أمرهم بعض الممالك، خرج معاوية على عليّ، كما تقدم، وتسمى بالخلافة، ثم خرج على الحسن، فنزل له الحسن عن الخلافة، فاستقر فيها من ربيع الآخر أو جمادى الأولى سنة إحدى وأربعين، فسمّي هذا العام عام الجماعة؛ لاجتماع الأمة فيه على خليفة واحد. وفيه ولّى معاوية مروان بن الحكم المدينة. وفي سنة ثلاث وأربعين فتحت الرّخّج وغيرها من بلاد سجستان، وودان من برقة، وكور من بلاد السودان. وفيها استخلف معاوية زياد بن أبيه، وهي أول قضية غير فيها حكم النبي ﵌ في الإسلام، ذكره الثعالبي وغيره. وفي سنة خمس وأربعين فتحت القيقان. وفي سنة خمسين فتحت قوهستان عنوة. وفيها دعا معاوية أهل الشام إلى البيعة بولاية العهد من بعده لابنه يزيد، فبايعوه، وهو أول من عهد بالخلافة لابنه، وأول من عهد بها في صحته، ثم إنه كتب إلى مروان بالمدينة أن يأخذ البيعة، فخطب مروان فقال: إن أمير المؤمنين رأى أن يستخلف عليكم ولده يزيد سنّة أبي بكر وعمر، فقام عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق فقال: بل سنة كسرى وقيصر، إن أبا بكر وعمر لم يجعلاها في أولادهما، ولا في أحد من أهل بيتهما. ثم حج معاوية سنة إحدى وخمسين، وأخذ البيعة لابنه، فبعث إلى ابن عمر فتشهد وقال: أما بعد يا ابن عمر، إنك كنت تحدثني أنك لا تحب أن تبيت ليلة

стр. 207

سوداء ليس عليك فيها أمير، وإني أحذرك أن تشقّ عصا المسلمين أو تسعى في فساد ذات بينهم، فحمد ابن عمر اللّه وأثنى عليه ثم قال: أما بعد؛ فإنه قد كان قبلك خلفاء لهم أبناء ليس ابنك بخير من أبنائهم، فلم يروا في أبنائهم ما رأيت في ابنك، ولكنهم اختاروا للمسلمين حيث علموا الخيار، وإنك تحذرني أن أشق عصا المسلمين، ولم أكن لأفعل، وإنما أنا رجل من المسلمين؛ فإذا اجتمعوا على أمر فإنما أنا رجل منهم، فقال: يرحمك اللّه! فخرج ابن عمر، ثم أرسل إلى ابن أبي بكر فتشهد ثم أخذ في الكلام فقطع عليه كلامه، وقال: إنك لوددت أنا وكلناك في أمر ابنك إلى اللّه، وإنا واللّه لا نفعل، واللّه لتردّنّ هذا الأمر شورى في المسلمين أو لنعيدنّها عليك جذعة، ثم وثب ومضى، فقال معاوية: اللهم اكفنيه بما شئت، ثم قال: على رسلك أيها الرجل، لا تشرفن على أهل الشام فإني أخاف أن يسبقوني بنفسك حتى أخبر العشية أنك قد بايعتنا، ثم كن بعد على ما بدا لك من أمرك، ثم أرسل إلى ابن الزبير، فقال: يا ابن الزبير، إنما أنت ثعلب روّاغ كلما خرج من جحر دخل في آخر، وإنك عمدت إلى هذين الرجلين فنفخت في مناخرهما وحملتهما على غير رأيهما، فقال ابن الزبير: إن كنت قد مللت الإمارة فاعتزلها، وهلم ابنك فلنبايعه، أرأيت إذا بايعنا ابنك معك لأيكما نسمع ونطيع؟ لا تجتمع البيعة لكما أبدا، ثم راح، فصعد معاوية المنبر فحمد اللّه وأثنى عليه ثم قال: إنا وجدنا أحاديث الناس ذات عوار، زعموا أن ابن عمر وابن أبي بكر وابن الزبير لن يبايعوا يزيد، وقد سمعوا وأطاعوا وبايعوا له، فقال أهل الشام: واللّه لا نرضى حتى يبايعوا له على رؤوس الأشهاد، وإلا ضربنا أعناقهم، فقال: سبحان اللّه! ما أسرع الناس إلى قريش بالشر، لا أسمع هذه المقالة من أحد منكم بعد اليوم، ثم نزل، فقال الناس: بايع ابن عمر وابن أبي بكر وابن الزبير، وهم يقولون: لا واللّه ما بايعنا، فيقول الناس: بلى، وارتحل معاوية فلحق بالشام. وعن ابن المنكدر قال: قال ابن عمر حين بويع يزيد: إن كان خيرا رضينا، وإن كان بلاء صبرنا. وأخرج الخرائطي في الهواتف عن حميد بن وهب قال: كانت هند بنت عتبة بن ربيعة عند الفاكه بن المغيرة، وكان من فتيان قريش، وكان له بيت للضيافة يغشاه الناس من غير إذن، فخلا البيت ذات يوم، فقام الفاكه وهند فيه، ثم خرج

стр. 208

الفاكه لبعض حاجاته، وأقبل رجل ممن كان يغشى البيت، فولجه، فلما رأى المرأة ولى هاربا، فأبصره الفاكه، فانتهى إليها فضربها برجله وقال: من هذا الذي كان عندك؟ قالت: ما رأيت أحدا، ولا انتبهت حتى أنبهتني، فقال لها: الحقي بأهلك، وتكلم فيها الناس، فخلا بها أبوها فقال لها: يا بنية إن الناس قد أكثروا فيك فأنبئيني بذاك، فإن يكن الرجل صادقا دسست إليه من يقتله فتنقطع عنا المقالة، وإن يكن كاذبا حاكمته إلى بعض كهّان اليمن، قال: فحلفت له بما كانوا يحلفون به في الجاهلية أنه كاذب عليها، فقال عتبة للفاكه: إنك قد رميت ابنتي بأمر عظيم فحاكمني إلى بعض كهان اليمن، فخرج الفاكه في جماعة من بني مخزوم، وخرج عتبة في جماعة من بني عبد مناف ومعهم هند ونسوة معها تأنس بهن، فلما شارفوا البلاد تنكرت حال هند وتغير وجهها، فقال لها أبوها: يا بنية إني قد أرى ما بك من تغير الحال، وما ذاك إلا لمكروه عندك، قالت: لا واللّه يا أبتاه، وما ذاك لمكروه، ولكني أعرف أنكم تأتون بشرا يخطئ ويصيب، فلا آمنه أن يسمني بسيماء تكون عليّ سبة في العرب، فقال لها: إني سوف أختبره لك قبل أن ينظر في أمرك، فصفر بفرسه حتى أدلى، ثم أدخل في إحليله حبة من الحنطة، وأوكأ عليها بسير، وصبحوا الكاهن، فنحر لهم وأكرمهم، فلما تغدوا قال له عتبة: إنا قد جئناك في أمر، وقد خبأت لك خبيئا أختبرك به فانظر ما هو؟ قال: برة في كمرة، قال: أريد أبين من هذا، قال: حبة من بر في إحليل مهر، فقال عتبة: صدقت، انظر في أمر هؤلاء النسوة، فجعل يدنو من إحداهن ويضرب كتفها ويقول: انهضي، حتى دنا من هند فضرب كتفها وقال: انهضي غير رسحاء ولا زانية، ولتلدنّ ملكا يقال له معاوية، فنظر إليها الفاكه فأخذ بيدها فنثرت يدها من يده وقالت: إليك، واللّه لأحرصنّ أن يكون ذلك من غيرك، فتزوجها أبو سفيان فجاءت بمعاوية. مات معاوية في شهر رجب سنة ستين، ودفن بين باب الجابية وباب الصغير، وقيل: إنه عاش سبعا وسبعين سنة، وكان عنده شيء من شعر رسول اللّه ﷺ وقلامة أظفاره، فأوصى أن تجعل في فمه وعينيه، وقال: افعلوا ذلك وخلوا بيني وبين أرحم الراحمين.

стр. 209

فصل في نبذ من أخباره أخرج ابن أبي شيبة في المصنف عن سعيد بن جمهان قال: قلت لسفينة: إن بني أمية يزعمون أن الخلافة فيهم، قال: كذب بنو الزرقاء، بل هم ملوك من أشد الملوك، وأول الملوك معاوية. وأخرج البيهقي وابن عساكر عن إبراهيم بن سويد الأرمني، قال: قلت لأحمد بن حنبل: من الخلفاء؟ قال: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي. قلت: فمعاوية؟ قال: لم يكن أحق بالخلافة في زمان عليّ من عليّ. وأخرج السلفي في الطيوريات عن عبد اللّه بن أحمد بن حنبل قال: سألت أبي عن عليّ، ومعاوية، فقال: اعلم أن عليّا كان كثير الأعداء، ففتش له أعداؤه عيبا فلم يجدوا، فجاءوا إلى رجل قد حاربه وقاتله فأطروه كيادا منهم له. وأخرج ابن عساكر عن عبد الملك بن عمير قال: قدم جارية بن قدامة السعدي على معاوية، فقال: من أنت؟ قال: جارية بن قدامة، قال: وما عسيت أن تكون؟ هل أنت إلا نحلة؟ قال: لا تقل (١) فقد شبهتني بها حامية اللسعة، حلوة البصاق، واللّه ما معاوية إلا كلبة تعاوي الكلاب؟ وما أمية إلا تصغير أمة. وأخرج عن الفضل بن سويد قال: وفد جارية بن قدامة على معاوية، فقال له معاوية: أنت الساعي مع علي بن أبي طالب، والموقد النار في شعلك تجوس قرى عربية تسفك دماءهم؟ قال جارية: يا معاوية دع عنك عليّا فما أبغضنا عليّا منذ أحببناه، ولا غششناه منذ صحبناه، قال: ويحك يا جارية! ما كان أهونك على أهلك إذ سموك جارية! قال: أنت يا معاوية كنت أهون على أهلك إذ سموك معاوية، قال: لا أم لك، قال: أم ما ولدتني، إن قوائم السيوف التي لقيناك بها بصفين في أيدينا، قال: إنك لتهددني، قال: إنك لم تملكنا قسرة، ولم تفتتحنا عنوة، ولكن أعطيتنا عهودا ومواثيق، فإن وفيت لنا وفينا، وإن ترغب إلى غير ذلك فقد تركنا وراءنا رجالا مدادا، وأدرعا شدادا، وأسنّة حدادا، فإن بسطت

стр. 210

إلينا فترا من غدر، زلفنا إليك بباع من ختر، قال معاوية: لا أكثر اللّه في الناس أمثالك! وأخرج عن أبي الطفيل عامر بن واثلة الصحابي أنه دخل على معاوية فقال له معاوية: ألست من قتلة عثمان؟ قال: لا، ولكني ممن حضره فلم ينصره، قال: وما منعك من نصره؟ قال: لم تنصره المهاجرون والأنصار، فقال معاوية: أما لقد كان حقه واجبا عليهم أن ينصروه، قال: فما منعك يا أمير المؤمنين من نصره ومعك أهل الشام؟ فقال معاوية: أما طلبي بدمه نصرة له؟ فضحك أبو الطفيل ثم قال: أنت وعثمان كما قال الشاعر (١) لا ألفينّك بعد الموت تندبني … وفي حياتي ما زوّدتني زادا وقال الشعبي: أول من خطب الناس قاعدا معاوية، وذلك حين كثر شحمه وعظم بطنه، أخرجه ابن أبي شيبة. وقال الزهري: أول من أحدث الخطبة قبل الصلاة في العيد معاوية، أخرجه عبد الرزاق في مصنفه. وقال سعيد بن المسيب: أول من أحدث الأذان في العيد معاوية، أخرجه ابن أبي شيبة، وقال: أول من نقص التكبير معاوية، أخرجه ابن أبي شيبة. وفي الأوائل للعسكري قال: معاوية أول من وضع البريد في الإسلام، وأول من اتخذ الخصيان لخاصّ خدمته، وأول من عبثت به رعيته، وأول من قيل له: السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة اللّه وبركاته، الصّلاة يرحمك اللّه، وأول من اتخذ ديوان الخاتم، وولاه عبيد اللّه بن أوس الغساني، وسلم إليه الخاتم وعلى فصه مكتوب: لكل عمل ثواب، واستمر ذلك في الخلفاء العبّاسيين إلى آخر وقت، وسبب اتخاذه له أنه أمر لرجل بمائة ألف، ففك الكتاب وجعله مائتي ألف، فلما رفع الحساب إلى معاوية أنكر ذلك، واتخذ ديوان الخاتم من يومئذ، وهو أول من اتخذ المقصورة بالجامع، وأول من أذن في تجريد الكعبة، وكانت كسوتها قبل ذلك تطرح عليها شيئا فوق شيء. وأخرج الزبير بن بكار في الموفقيات عن ابن أخي الزهري قال: قلت

стр. 211

للزهري: من أول من استحلف في البيعة؟ قال: معاوية استحلفهم باللّه، فلما كان عبد الملك بن مروان استحلفهم بالطلاق والعتاق. وأخرج العسكري في كتاب الأوائل عن سليمان بن عبد اللّه بن معمر قال: قدم معاوية مكة أو المدينة، فأتى المسجد فقعد في حلقة فيها ابن عمر وابن عباس وعبد الرحمن بن أبي بكر، فأقبلوا عليه، وأعرض عنه ابن عباس فقال: وأنا أحق بهذا الأمر من هذا المعرض وابن عمه، فقال ابن عباس: ولم؟ ألتقدم في الإسلام أم سابقة مع رسول اللّه ﵌ أو قرابة منه؟ قال: لا، ولكني ابن عم المقتول، قال: فهذا أحق به، يريد ابن أبي بكر، قال: إن أباه مات موتا، قال: فهذا أحق به، يريد ابن عمر، قال: إن أباه قتله كافر، قال: فذاك أدحض لحجتك، أن كان المسلمون عتبوا على ابن عمك فقتلوه. وقال عبد اللّه بن محمد بن عقيل: قدم معاوية المدينة، فلقيه أبو قتادة الأنصاري، فقال معاوية: تلقاني الناس كلهم غيركم يا معشر الأنصار، قال: لم يكن لنا دواب، قال: فأين النواضح؟ قال: عقرناها في طلبك وطلب أبيك يوم بدر. ثم قال أبو قتادة: إن رسول اللّه ﷺ قال لنا: إنكم سترون بعدي أثرة، قال معاوية: فما أمركم؟ قال: أمرنا أن نصبر، قال: فاصبروا، فبلغ ذلك عبد الرحمن بن حسان بن ثابت (١)، فقال: ألا أبلغ معاوية بن حرب … أمير المؤمنين نبا كلامي فإنا صابرون ومنظروكم … إلى يوم التغابن والخصام وأخرج ابن أبي الدنيا وابن عساكر عن جبلة بن سحيم، قال: دخلت على معاوية بن أبي سفيان - وهو في خلافته - وفي عنقه حبل، وصبي يقوده، فقلت له: يا أمير المؤمنين، أتفعل هذا؟ قال: يا لكع اسكت فإني سمعت رسول اللّه ﷺ يقول: من كان له صبي فليتصاب له، قال ابن عساكر: غريب جدا. وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف عن الشعبي قال: دخل شاب من قريش على معاوية، فأغلظ عليه، فقال له: يابن أخي، أنهاك عن السلطان؛ إن

стр. 212

السلطان يغضب غضب الصبي، ويأخذ أخذ الأسد. وأخرج عن الشعبي قال: قال زياد: استعملت رجلا، فكثر خراجه، فخشي أن أعاقبه، ففر إلى معاوية، فكتبت إليه: إن هذا أدب سوء لمن قبلي، فكتب إليّ: أنه ليس ينبغي لي ولا لك أن نسوس الناس بسياسة واحدة: أن نلين جميعا فتمرح الناس في المعصية، أو نشتدّ جميعا فنحمل الناس على المهالك، ولكن تكون للشدة والفظاظة، وأكون للين والرأفة. وأخرج عن الشعبي قال: سمعت معاوية يقول: ما تفرقت أمة قط إلا ظهر أهل الباطل على أهل الحق إلا هذه الأمة. وفي الطيوريات عن سليمان المخزومي قال: أذن معاوية للناس إذنا عاما، فلما احتفل المجلس قال: أنشدوني ثلاثة أبيات لرجل من العرب كل بيت قائم بمعناه، فسكتوا، ثم طلع عبد اللّه بن الزبير، فقال: هذا مقوال العرب وعلامتها أبو خبيب، قال: مهيم؟ قال: أنشدني ثلاثة أبيات لرجل من العرب كل بيت قائم بمعناه، قال: بثلاث مائة ألف، قال: وتساوي؟ قال: أنت بالخيار وأنت واف كاف، قال: هات، فأنشده للأفوه الأوديّ (١) قال: بلوت الناس قرنا بعد قرن … فلم أر غير ختّال وقال قال: صدق هيه، قال: ولم أر في الخطوب أشدّ وقعا … وأصعب من معاداة الرجال قال: صدق، هيه، قال: وذقت مرارة الأشياء طرّا … فما طعم أمر من السؤال قال: صدق، ثم أمر له بثلثمائة ألف. وأخرج البخاري والنسائي وابن أبي حاتم في تفسيره، واللفظ له، من طرق أن مروان خطب بالمدينة وهو على الحجاز من قبل معاوية فقال: إن اللّه قد أرى أمير

стр. 213

المؤمنين في ولده يزيد رأيا حسنا، وإن يستخلفه فقد استخلف أبو بكر وعمر - وفي لفظ: سنة أبي بكر وعمر - فقال عبد الرحمن بن أبي بكر: سنّة هرقل وقيصر، إن أبا بكر واللّه ما جعلها في أحد من ولده ولا أحد من أهل بيته، ولا جعلها معاوية إلا رحمة وكرامة لولده، فقال مروان: ألست الذي قال لوالديه أفّ لكما؟ فقال عبد الرحمن: ألست ابن اللعين الذي لعن أباك رسول اللّه ﷺ ؟ فقالت عائشة ﵂: كذب مروان، ما فيه نزلت، ولكن نزلت في فلان بن فلان، ولكن رسول اللّه ﷺ لعن أبا مروان - ومروان في صلبه - فمروان بعض من لعنه اللّه. وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف عن عروة قال: قال معاوية: لا حلم إلا التجارب. وأخرج ابن عساكر عن الشعبي قال: دهاة العرب أربعة: معاوية، وعمرو بن العاص، والمغيرة بن شعبة، وزياد، أما معاوية فللحلم والأناة، وأما عمرو فللمعضلات، وأما المغيرة فللمبادهة، وأما زياد فللكبير والصغير. وأخرج أيضا عنه قال: كان القضاة أربعة والدهاة أربعة؛ فأما القضاة: فعمر، وعليّ، وابن مسعود، وزيد بن ثابت؛ وأما الدّهاة فمعاوية، وعمرو بن العاص، والمغيرة، وزياد. وأخرج عن قبيصة بن جابر قال: صحبت عمر بن الخطاب، فما رأيت رجلا أقرأ لكتاب اللّه ولا أفقه في دين اللّه منه، وصحبت طلحة بن عبيد اللّه، فما رأيت رجلا أعطى لجزيل مال من غير مسألة منه، وصحبت معاوية، فما رأيت رجلا أثقل حلما ولا أبطأ جهلا ولا أبعد أناة منه، وصحبت عمرو بن العاص، فما رأيت رجلا أنصع طرفا ولا أحلم جليسا منه، وصحبت المغيرة بن شعبة، فلو أن مدينة لها ثمانية أبواب لا يخرج من باب منها إلا بمكر لخرج من أبوابها كلها. وأخرج ابن عساكر عن حميد بن هلال أن عقيل بن أبي طالب سأل عليا فقال: إني محتاج وإني فقير فاعطني، فقال: اصبر حتى يخرج عطائي مع المسلمين فأعطيك معهم، فألح عليه، فقال لرجل: خذ بيده وانطلق به إلى حوانيت أهل السوق فقل: دق هذه الأقفال، وخذ ما في هذه الحوانيت، قال: تريد أن تتخذني

стр. 214

سارقا؟ قال: وأنت تريد أن تتخذني سارقا؟ أن آخذ أموال المسلمين فأعطيكها دونهم، فقال: لآتين معاوية، قال: أنت وذاك، فأتى معاوية، فسأله، فأعطاه مائة ألف ثم قال: اصعد على المنبر فاذكر ما أولاك به عليّ وما أوليتك، فصعد فحمد اللّه وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناس، إني أخبركم أني أردت عليّا على دينه فاختار دينه، وأني أردت معاوية على دينه فاختارني على دينه. وأخرج ابن عساكر عن جعفر بن محمد عن أبيه أن عقيلا دخل على معاوية فقال معاوية: هذا عقيل وعمه أبو لهب، فقال عقيل: هذا معاوية وعمته حمالة الحطب. وأخرج ابن عساكر عن الأوزاعي قال: دخل خريم بن فاتك على معاوية ومئزره مشمر، وكان حسن الساقين، فقال معاوية: لو كانت هاتان الساقان لامرأة! فقال خريم: في مثل عجيزتك يا أمير المؤمنين. مات في أيام معاوية من الأعلام: صفوان بن أمية، وحفصة، وأم حبيبة، وصفية، وميمونة، وسودة، وجويرية، وعائشة، أمهات المؤمنين ﵃! ولبيد الشاعر، وعثمان بن طلحة الحجبي، وعمرو بن العاص، وعبد اللّه بن سلام الحبر، ومحمد بن مسلمة، وأبو موسى الأشعري، وزيد بن ثابت، وأبو بكرة، وكعب بن مالك، والمغيرة بن شعبة، وجرير البجلي، وأبو أيوب الأنصاري، وعمران بن حصين، وسعيد بن زيد، وأبو قتادة الأنصاري، وفضالة بن عبيد، وعبد الرحمن بن أبي بكر، وجبير بن مطعم، وأسامة بن زيد، وثوبان، وعمرو بن حزم، وحسان بن ثابت، وحكيم بن حزام، وسعد بن أبي وقاص، وأبو اليسر، وقثم بن العباس، وأخوه عبيد اللّه، وعقبة بن عامر، وأبو هريرة سنة تسع وخمسين وكان يدعو: اللهم إني أعوذ بك من رأس الستين، وإمارة الصبيان، فاستجيب له، وخلائق آخرون، ﵃!

стр. 215

يزيد بن معاوية، أبو خالد، الأموي (١) يزيد بن معاوية، أبو خالد، الأموي، ولد سنة خمس أو ست وعشرين، كان ضخما، كثير اللحم، كثير الشّعر، وأمه ميسون بنت بحدل الكلبية. روى عن أبيه، وعنه: ابنه خالد، وعبد الملك بن مروان، جعله أبوه ولي عهده وأكره الناس على ذلك كما تقدم. قال الحسن البصري: أفسد أمر الناس اثنان: عمرو بن العاص يوم أشار
следующие страницы →