← История

История · id 30183

تاريخ الخلفاء - ت عكاوي

الجلال السيوطي

Полный текст (580 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

للزهري: من أول من استحلف في البيعة؟ قال: معاوية استحلفهم باللّه، فلما كان عبد الملك بن مروان استحلفهم بالطلاق والعتاق. وأخرج العسكري في كتاب الأوائل عن سليمان بن عبد اللّه بن معمر قال: قدم معاوية مكة أو المدينة، فأتى المسجد فقعد في حلقة فيها ابن عمر وابن عباس وعبد الرحمن بن أبي بكر، فأقبلوا عليه، وأعرض عنه ابن عباس فقال: وأنا أحق بهذا الأمر من هذا المعرض وابن عمه، فقال ابن عباس: ولم؟ ألتقدم في الإسلام أم سابقة مع رسول اللّه ﵌ أو قرابة منه؟ قال: لا، ولكني ابن عم المقتول، قال: فهذا أحق به، يريد ابن أبي بكر، قال: إن أباه مات موتا، قال: فهذا أحق به، يريد ابن عمر، قال: إن أباه قتله كافر، قال: فذاك أدحض لحجتك، أن كان المسلمون عتبوا على ابن عمك فقتلوه. وقال عبد اللّه بن محمد بن عقيل: قدم معاوية المدينة، فلقيه أبو قتادة الأنصاري، فقال معاوية: تلقاني الناس كلهم غيركم يا معشر الأنصار، قال: لم يكن لنا دواب، قال: فأين النواضح؟ قال: عقرناها في طلبك وطلب أبيك يوم بدر. ثم قال أبو قتادة: إن رسول اللّه ﷺ قال لنا: إنكم سترون بعدي أثرة، قال معاوية: فما أمركم؟ قال: أمرنا أن نصبر، قال: فاصبروا، فبلغ ذلك عبد الرحمن بن حسان بن ثابت (١)، فقال: ألا أبلغ معاوية بن حرب … أمير المؤمنين نبا كلامي فإنا صابرون ومنظروكم … إلى يوم التغابن والخصام وأخرج ابن أبي الدنيا وابن عساكر عن جبلة بن سحيم، قال: دخلت على معاوية بن أبي سفيان - وهو في خلافته - وفي عنقه حبل، وصبي يقوده، فقلت له: يا أمير المؤمنين، أتفعل هذا؟ قال: يا لكع اسكت فإني سمعت رسول اللّه ﷺ يقول: من كان له صبي فليتصاب له، قال ابن عساكر: غريب جدا. وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف عن الشعبي قال: دخل شاب من قريش على معاوية، فأغلظ عليه، فقال له: يابن أخي، أنهاك عن السلطان؛ إن

стр. 212

السلطان يغضب غضب الصبي، ويأخذ أخذ الأسد. وأخرج عن الشعبي قال: قال زياد: استعملت رجلا، فكثر خراجه، فخشي أن أعاقبه، ففر إلى معاوية، فكتبت إليه: إن هذا أدب سوء لمن قبلي، فكتب إليّ: أنه ليس ينبغي لي ولا لك أن نسوس الناس بسياسة واحدة: أن نلين جميعا فتمرح الناس في المعصية، أو نشتدّ جميعا فنحمل الناس على المهالك، ولكن تكون للشدة والفظاظة، وأكون للين والرأفة. وأخرج عن الشعبي قال: سمعت معاوية يقول: ما تفرقت أمة قط إلا ظهر أهل الباطل على أهل الحق إلا هذه الأمة. وفي الطيوريات عن سليمان المخزومي قال: أذن معاوية للناس إذنا عاما، فلما احتفل المجلس قال: أنشدوني ثلاثة أبيات لرجل من العرب كل بيت قائم بمعناه، فسكتوا، ثم طلع عبد اللّه بن الزبير، فقال: هذا مقوال العرب وعلامتها أبو خبيب، قال: مهيم؟ قال: أنشدني ثلاثة أبيات لرجل من العرب كل بيت قائم بمعناه، قال: بثلاث مائة ألف، قال: وتساوي؟ قال: أنت بالخيار وأنت واف كاف، قال: هات، فأنشده للأفوه الأوديّ (١) قال: بلوت الناس قرنا بعد قرن … فلم أر غير ختّال وقال قال: صدق هيه، قال: ولم أر في الخطوب أشدّ وقعا … وأصعب من معاداة الرجال قال: صدق، هيه، قال: وذقت مرارة الأشياء طرّا … فما طعم أمر من السؤال قال: صدق، ثم أمر له بثلثمائة ألف. وأخرج البخاري والنسائي وابن أبي حاتم في تفسيره، واللفظ له، من طرق أن مروان خطب بالمدينة وهو على الحجاز من قبل معاوية فقال: إن اللّه قد أرى أمير

стр. 213

المؤمنين في ولده يزيد رأيا حسنا، وإن يستخلفه فقد استخلف أبو بكر وعمر - وفي لفظ: سنة أبي بكر وعمر - فقال عبد الرحمن بن أبي بكر: سنّة هرقل وقيصر، إن أبا بكر واللّه ما جعلها في أحد من ولده ولا أحد من أهل بيته، ولا جعلها معاوية إلا رحمة وكرامة لولده، فقال مروان: ألست الذي قال لوالديه أفّ لكما؟ فقال عبد الرحمن: ألست ابن اللعين الذي لعن أباك رسول اللّه ﷺ ؟ فقالت عائشة ﵂: كذب مروان، ما فيه نزلت، ولكن نزلت في فلان بن فلان، ولكن رسول اللّه ﷺ لعن أبا مروان - ومروان في صلبه - فمروان بعض من لعنه اللّه. وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف عن عروة قال: قال معاوية: لا حلم إلا التجارب. وأخرج ابن عساكر عن الشعبي قال: دهاة العرب أربعة: معاوية، وعمرو بن العاص، والمغيرة بن شعبة، وزياد، أما معاوية فللحلم والأناة، وأما عمرو فللمعضلات، وأما المغيرة فللمبادهة، وأما زياد فللكبير والصغير. وأخرج أيضا عنه قال: كان القضاة أربعة والدهاة أربعة؛ فأما القضاة: فعمر، وعليّ، وابن مسعود، وزيد بن ثابت؛ وأما الدّهاة فمعاوية، وعمرو بن العاص، والمغيرة، وزياد. وأخرج عن قبيصة بن جابر قال: صحبت عمر بن الخطاب، فما رأيت رجلا أقرأ لكتاب اللّه ولا أفقه في دين اللّه منه، وصحبت طلحة بن عبيد اللّه، فما رأيت رجلا أعطى لجزيل مال من غير مسألة منه، وصحبت معاوية، فما رأيت رجلا أثقل حلما ولا أبطأ جهلا ولا أبعد أناة منه، وصحبت عمرو بن العاص، فما رأيت رجلا أنصع طرفا ولا أحلم جليسا منه، وصحبت المغيرة بن شعبة، فلو أن مدينة لها ثمانية أبواب لا يخرج من باب منها إلا بمكر لخرج من أبوابها كلها. وأخرج ابن عساكر عن حميد بن هلال أن عقيل بن أبي طالب سأل عليا فقال: إني محتاج وإني فقير فاعطني، فقال: اصبر حتى يخرج عطائي مع المسلمين فأعطيك معهم، فألح عليه، فقال لرجل: خذ بيده وانطلق به إلى حوانيت أهل السوق فقل: دق هذه الأقفال، وخذ ما في هذه الحوانيت، قال: تريد أن تتخذني

стр. 214

سارقا؟ قال: وأنت تريد أن تتخذني سارقا؟ أن آخذ أموال المسلمين فأعطيكها دونهم، فقال: لآتين معاوية، قال: أنت وذاك، فأتى معاوية، فسأله، فأعطاه مائة ألف ثم قال: اصعد على المنبر فاذكر ما أولاك به عليّ وما أوليتك، فصعد فحمد اللّه وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناس، إني أخبركم أني أردت عليّا على دينه فاختار دينه، وأني أردت معاوية على دينه فاختارني على دينه. وأخرج ابن عساكر عن جعفر بن محمد عن أبيه أن عقيلا دخل على معاوية فقال معاوية: هذا عقيل وعمه أبو لهب، فقال عقيل: هذا معاوية وعمته حمالة الحطب. وأخرج ابن عساكر عن الأوزاعي قال: دخل خريم بن فاتك على معاوية ومئزره مشمر، وكان حسن الساقين، فقال معاوية: لو كانت هاتان الساقان لامرأة! فقال خريم: في مثل عجيزتك يا أمير المؤمنين. مات في أيام معاوية من الأعلام: صفوان بن أمية، وحفصة، وأم حبيبة، وصفية، وميمونة، وسودة، وجويرية، وعائشة، أمهات المؤمنين ﵃! ولبيد الشاعر، وعثمان بن طلحة الحجبي، وعمرو بن العاص، وعبد اللّه بن سلام الحبر، ومحمد بن مسلمة، وأبو موسى الأشعري، وزيد بن ثابت، وأبو بكرة، وكعب بن مالك، والمغيرة بن شعبة، وجرير البجلي، وأبو أيوب الأنصاري، وعمران بن حصين، وسعيد بن زيد، وأبو قتادة الأنصاري، وفضالة بن عبيد، وعبد الرحمن بن أبي بكر، وجبير بن مطعم، وأسامة بن زيد، وثوبان، وعمرو بن حزم، وحسان بن ثابت، وحكيم بن حزام، وسعد بن أبي وقاص، وأبو اليسر، وقثم بن العباس، وأخوه عبيد اللّه، وعقبة بن عامر، وأبو هريرة سنة تسع وخمسين وكان يدعو: اللهم إني أعوذ بك من رأس الستين، وإمارة الصبيان، فاستجيب له، وخلائق آخرون، ﵃!

стр. 215

يزيد بن معاوية، أبو خالد، الأموي (١) يزيد بن معاوية، أبو خالد، الأموي، ولد سنة خمس أو ست وعشرين، كان ضخما، كثير اللحم، كثير الشّعر، وأمه ميسون بنت بحدل الكلبية. روى عن أبيه، وعنه: ابنه خالد، وعبد الملك بن مروان، جعله أبوه ولي عهده وأكره الناس على ذلك كما تقدم. قال الحسن البصري: أفسد أمر الناس اثنان: عمرو بن العاص يوم أشار

стр. 216

على معاوية برفع المصاحف فحملت، ونال من القراء، فحكم الخوارج، فلا يزال هذا التحكيم إلى يوم القيامة، والمغيرة بن شعبة؛ فإنه كان عامل معاوية على الكوفة فكتب إليه معاوية: إذا قرأت كتابي فأقبل معزولا، فأبطأ عنه، فلما ورد عليه قال: ما أبطأ بك؟ قال: أمر كنت أوطّئه وأهيّئه، قال: وما هو؟ قال: البيعة ليزيد من بعدك! قال: أوقد فعلت؟ قال: نعم، قال: ارجع إلى عملك، فلما خرج قال له أصحابه: ما وراءك؟ قال: وضعت رجل معاوية في غرز غيّ لا يزال فيه إلى يوم القيامة، قال الحسن: فمن أجل ذلك بايع هؤلاء لأبنائهم، ولولا ذلك لكانت شورى إلى يوم القيامة. وقال ابن سيرين: وفد عمرو بن حزم على معاوية، فقال له: أذكرك اللّه في أمة محمد ﵌ بمن تستخلف عليها، فقال: نصحت وقلت برأيك، وإنه لم يبق إلا ابني وأبناؤهم، وابني أحق. وقال عطية بن قيس: خطب معاوية فقال: اللهم إن كنت إنما عهدت ليزيد لما رأيت من فضله فبلغه ما أملت وأعنه، وإن كنت إنما حملني حب الوالد لولده وأنه ليس لما صنعت به أهلا فاقبضه قبل أن يبلغ ذلك، فلما مات معاوية بايعه أهل الشام، ثم بعث إلى أهل المدينة من يأخذ له البيعة، فأبى الحسين وابن الزبير أن يبايعاه، وخرجا من ليلتهما إلى مكة. فأما ابن الزبير فلم يبايع ولا دعا إلى نفسه، وأما الحسين فكان أهل الكوفة يكتبون إليه يدعونه إلى الخروج إليهم زمن معاوية، وهو يأبي، فلما بويع يزيد أقام على ما هو مهموما يجمع الإقامة مرة (١) ويريد المسير إليهم أخرى، فأشار عليه ابن الزبير بالخروج، وكان ابن عباس يقول له: لا تفعل، وقال له ابن عمر: لا تخرج؛ فإن رسول اللّه ﵌ خيره اللّه بين الدنيا والآخرة فاختار الآخرة، وإنك بضعة منه، ولا تنالها - يعني الدنيا - واعتنقه وبكى وودعه؛ فكان ابن عمر يقول: غلبنا حسين بالخروج، ولعمري لقد رأى في أبيه وأخيه عبرة، وكلمه في ذلك أيضا جابر بن عبد اللّه وأبو سعيد وأبو واقد الليثي وغيرهم فلم يطع أحدا منهم، وصمم على المسير إلى العراق، فقال له ابن عباس: واللّه إني لأظنك

стр. 217

ستقتل بين نسائك وبناتك كما قتل عثمان، فلم يقبل منه، فبكى ابن عباس، وقال: أقررت عين ابن الزبير، ولما رأى ابن عباس عبد اللّه بن الزبير قال له: قد أتى ما أحببت، هذا الحسين يخرج ويتركك والحجاز، ثم تمثل (١): يا لك من قنبرة بمعمر … خلا لك الجو فبيضي واصفري ونقّري ما شئت أن تنقري وبعث أهل العراق إلى الحسين الرسل والكتب يدعونه إليهم، فخرج من مكة إلى العراق في عشر ذي الحجة ومعه طائفة من آل بيته رجالا ونساء وصبيانا، فكتب يزيد إلى واليه بالعراق عبيد اللّه بن زياد بقتاله، فوجّه إليه جيشا أربعة آلاف عليهم عمر بن سعد بن أبي وقاص، فخذله أهل الكوفة كما هو شأنهم مع أبيه من قبله، فلما رهقه السلاح عرض عليهم الاستسلام والرجوع والمضي إلى يزيد فيضع يده في يده، فأبوا إلا قتله، فقتل وجيء برأسه في طست حتى وضع بين يدي ابن زياد، لعن اللّه قاتله وابن زياد معه ويزيد أيضا. وكان قتله بكربلاء، وفي قتله قصة فيها طول لا يحتمل القلب ذكرها؛ فإنا للّه وإنا إليه راجعون، وقتل معه ستة عشر رجلا من أهل بيته. ولما قتل الحسين مكثت الدنيا سبعة أيام والشمس على الحيطان كالملاحف المعصفرة، والكواكب يضرب بعضها بعضا، وكان قتله يوم عاشوراء، وكسفت الشمس ذلك اليوم، واحمرت آفاق السماء ستة أشهر بعد قتله، ثم لا زالت الحمرة ترى فيها بعد ذلك ولم تكن ترى فيها قبله. وقيل: إنه لم يقلب حجر ببيت المقدس يومئذ إلا وجد تحته دم عبيط، وصار الورس الذي في عسكرهم رمادا، ونحروا ناقة في عسكرهم، فكانوا يرون في لحمها مثل النيران، وطبخوها فصارت مثل العلقم، وتكلم رجل في الحسين بكلمة، فرماه اللّه بكوكبين من السماء فطمس بصره. قال الثعالبي: روت الرواة من غير وجه عن عبد الملك بن عمير الليثي قال: رأيت في هذا القصر - وأشار إلى قصر الإمارة بالكوفة - رأس الحسين بن علي بين يدي عبيد اللّه بن زياد على ترس، ثم رأيت رأس عبيد اللّه بن زياد بين يدي

стр. 218

المختار بن أبي عبيد، ثم رأيت رأس المختار بين يدي مصعب بن الزبير، ثم رأيت رأس مصعب بين يدي عبد الملك، فحدثت بهذا الحديث عبد الملك، فتطير منه وفارق مكانه. وأخرج الترمذي عن سلمى قالت: دخلت على أم سلمة - وهي تبكي - فقلت: ما يبكيك؟ قالت: رأيت رسول اللّه ﵌ في المنام - وعلى رأسه ولحيته التراب - فقلت: ما لك يا رسول اللّه؟ قال: شهدت قتل الحسين آنفا. وأخرج البيهقي في الدلائل عن ابن عباس قال: رأيت رسول اللّه ﵌ بنصف النهار أشعث أغبر - وبيده قارورة فيها دم - فقلت: بأبي وأمي يا رسول اللّه، ما هذا؟ قال: هذا دم الحسين وأصحابه، لم أزل ألتقطه منذ اليوم، فأحصي ذلك اليوم فوجدوه قتل يومئذ. وأخرج أبو نعيم في الدلائل عن أم سلمة قالت: سمعت الجنّ تبكي على حسين وتنوح عليه. وأخرج ثعلب في أماليه عن أبي خباب الكلبي قال: أتيت كربلاء فقلت لرجل من أشراف العرب: أخبرني بما بلغني أنكم تسمعون نوح الجن، فقال: ما تلقى أحدا إلا أخبرك أنه سمع ذلك، قلت: فأخبرني بما سمعت أنت، قال: سمعتهم يقولون: مسح الرسول جبينه … فله بريق في الخدود أبواه من عليا قريش … وجدّه خير الجدود ولما قتل الحسين وبنو أبيه بعث ابن زياد برؤوسهم إلى يزيد، فسرّ بقتلهم أولا، ثم ندم لما مقته المسلمون على ذلك، وأبغضه الناس، وحقّ لهم أن يبغضوه. وأخرج أبو يعلى في مسنده بسند ضعيف عن أبي عبيدة قال: قال رسول اللّه ﷺ : لا يزال أمر أمتي قائما بالقسط، حتى يكون أول من يثلمه رجل من بني أمية يقال له: يزيد. وقال نوفل بن أبي الفرات: كنت عند عمر بن عبد العزيز، فذكر رجل

стр. 219

يزيد، فقال: قال أمير المؤمنين يزيد بن معاوية، فقال: تقول أمير المؤمنين؟ وأمر به، فضرب عشرين سوطا. وفي سنة ثلاث وستين بلغه أن أهل المدينة خرجوا عليه وخلعوه فأرسل إليهم جيشا كثيفا وأمرهم بقتالهم، ثم المسير إلى مكة لقتال ابن الزبير، فجاءوا وكانت وقعة الحرّة على باب طيبة، وما أدراك ما وقعة الحرة؟ ذكرها الحسن مرة فقال: واللّه ما كاد ينجو منهم أحد، قتل فيها خلق من الصحابة ﵃ ومن غيرهم، ونهبت المدينة، وافتضّ فيها ألف عذراء، فإنا للّه وإنا إليه راجعون! قال ﷺ : «من أخاف أهل المدينة أخافه اللّه، وعليه لعنة اللّه والملائكة والناس أجمعين» رواه مسلم. وكان سبب خلع أهل المدينة له أن يزيد أسرف في المعاصي، وأخرج الواقدي من طرق أن عبد اللّه بن حنظلة بن الغسيل قال: واللّه ما خرجنا على يزيد حتى خفنا أن نرمى بالحجارة من السماء! إنه رجل ينكح أمهات الأولاد، والبنات، والأخوات، ويشرب الخمر، ويدع الصلاة. قال الذهبي: ولما فعل يزيد بأهل المدينة ما فعل - مع شربه الخمر وإتيانه المنكرات - اشتد عليه الناس، وخرج عليه غير واحد، ولم يبارك اللّه في عمره، وسار جيش الحرة إلى مكة لقتال ابن الزبير، فمات أمير الجيش بالطريق، فاستخلف عليهم أميرا، وأتوا مكة، فحاصروا ابن الزبير وقاتلوه ورموه بالمنجنيق، وذلك في صفر سنة أربع وستين، واحترقت من شرارة نيرانهم أستار الكعبة وسقفها وقرنا الكبش الذي فدى اللّه به إسماعيل وكانا في السقف، وأهلك اللّه يزيد في نصف شهر ربيع الأول من هذا العام، فجاء الخبر بوفاته والقتال مستمر؛ فنادى ابن الزبير: يا أهل الشام إن طاغيتكم قد هلك، فانفلّوا وذلّوا وتخطّفهم الناس، ودعا ابن الزبير إلى بيعة نفسه، وتسمّى بالخلافة، وأما أهل الشام فبايعوا معاوية بن يزيد، ولم تطل مدته كما سيأتي. ومن شعر يزيد (١): آب هذا الهمّ فاكتنعا (٢) … وأثرّ النوم فامتنعا

стр. 220

راعيا (١) للنجم أرقبه (٢) … فإذا ما كوكب طلعا حام (٣) حتى إنني لأرى … أنه بالغور قد وقعا ولها بالماطرون إذا … أكل النمل الذي جمعا نزهة (٤) حتى إذا بلغت (٥) … نزلت (٦) من جلّق بيعا في قباب وسط (٧) دسكرة … حولها (٨) الزيتون قد ينعا وأخرج ابن عساكر عن عبد اللّه بن عمر قال: أبو بكر الصديق أصبتم اسمه، عمر الفاروق قرن من حديد أصبتم اسمه، ابن عفان ذو النورين قتل مظلوما يؤتى كفلين من الرحمة، معاوية وابنه ملكا الأرض المقدسة، والسفاح، وسلام، والمنصور، وجابر، والمهدي، والأمين، وأمير الغضب، كلهم من بني كعب بن لؤي، كلهم صالح لا يوجد مثله. قال الذهبي: له طرق عن ابن عمر، ولم يرفعه أحد. وأخرج الواقدي عن أبي جعفر الباقر قال: أول من كسا الكعبة الديباج يزيد بن معاوية. مات في أيام يزيد من الأعلام سوى الذين قتلوا مع الحسين، وفي وقعة الحرة: أم سلمة أم المؤمنين، وخالد بن عرفطة، وجرهد الأسلمي، وجابر بن عتيك، وبريدة بن الحصيب، ومسلمة بن مخلد، وعلقمة بن قيس النخعي الفقيه، ومسروق، والمسور بن مخرمة، وغيرهم، ﵃! وعدة المقتولين بالحرة من قريش والأنصار ثلثمائة وستة رجال.

стр. 221

معاوية بن يزيد معاوية بن يزيد بن معاوية (١)، أبو عبد الرحمن - ويقال له: أبو يزيد، ويقال: أبو ليلى - استخلف بعهد من أبيه في ربيع الأول سنة أربع وستين، وكان شابا صالحا، ولما استخلف كان مريضا، فاستمر مريضا إلى أن مات، ولم يخرج إلى الباب، ولا فعل شيئا من الأمور، ولا صلّى بالناس، وكانت مدة خلافته أربعين يوما، وقيل: شهرين، وقيل: ثلاثة أشهر، ومات وله إحدى وعشرون سنة، وقيل: عشرون سنة؛ ولما احتضر قيل له: ألا تستخلف؟ قال: ما أصبت من حلاوتها فلم أتحمل مرارتها.

стр. 222

عبد اللّه بن الزبير (١) عبد اللّه بن الزبير بن العوام بن خويلد بن أسد بن عبد العزّى بن قصي، الأسدي، كنيته أبو بكر، وقيل: أبو خبيب - بضم الخاء المعجمة - صحابي ابن صحابي. وأبوه أحد العشرة المشهود لهم بالجنة، وأمه أسماء بنت أبي بكر الصديق، ﵂! وأم أبيه صفية عمة رسول اللّه ﵌. ولد بالمدينة بعد عشرين شهرا من الهجرة - وقيل: في السنة الأولى - وهو أول مولود ولد للمهاجرين بعد الهجرة، وفرح المسلمون بولادته فرحا شديدا؛ لأن اليهود كانوا يقولون: سحرناهم فلا يولد لهم ولد، فحنّكه رسول اللّه صلّى

стр. 223

اللّه عليه وآله وسلم بتمرة لاكها، وسماه عبد اللّه، وكناه أبا بكر، باسم جده الصديق وكنيته، وكان صوّاما قوّاما، طويل الصلاة، وصولا للرحم، عظيم الشجاعة، قسم الدهر ثلاث ليال: ليلة يصلي قائما حتى الصباح، وليلة راكعا، وليلة ساجدا حتى الصباح. روي له عن النبي ﵌ ثلاثة وثلاثون حديثا، روى عنه أخوه عروة، وابن أبي مليكة، وعباس بن سهل، وثابت البناني، وعطاء، وعبيدة السلماني، وخلائق آخرون، وكان ممن أبى البيعة ليزيد بن معاوية، وفرّ إلى مكة ولم يدع إلى نفسه لكن لم يبايع، فوجد عليه يزيد وجدا شديدا، فلما مات يزيد بويع له بالخلافة، وأطاعه أهل الحجاز واليمن والعراق وخراسان، وجدّد عمارة الكعبة، فجعل لها بابين على قواعد إبراهيم، وأدخل فيها ستة أذرع من الحجر لما حدثته خالته عائشة ﵂ عن النبي ﵌، ولم يبق خارجا عنه إلا الشام ومصر فإنه بويع بهما معاوية بن يزيد، فلم تطل مدته، فلما مات أطاع أهلهما ابن الزبير وبايعوه، ثم خرج مروان بن الحكم فغلب على الشام ثم مصر، واستمر إلى أن مات سنة خمس وستين، وقد عهد إلى إبنه عبد الملك، والأصح ما قاله الذهبي أن مروان لا يعد في أمراء المؤمنين، بل هو باغ خارج على ابن الزبير، ولا عهده إلى ابنه بصحيح، وإنما صحت خلافة عبد الملك من حين قتل ابن الزبير، وأما ابن الزبير فإنه استمر بمكة خليفة إلى أن تغلب عبد الملك فجهز لقتاله الحجاج في أربعين ألفا، فحصره بمكة أشهرا ورمى عليه المنجنيق، وخذل ابن الزبير أصحابه، وتسللوا إلى الحجاج، فظفر به وقتله وصلبه، وذلك يوم الثلاثاء لسبع عشرة خلت من جمادى الأولى - وقيل: الآخرة - سنة ثلاث وسبعين. وأخرج ابن عساكر عن محمد بن زيد بن عبد اللّه بن عمر قال: إني لفوق أبي قبيس حين وضع المنجنيق على ابن الزبير، فنزلت صاعقة كأني أنظر إليها تدور كأنها حمار أحمر، فأحرقت [من] أصحاب المنجنيق نحوا من خمسين رجلا. وكان ابن الزبير فارس قريش في زمانه، له المواقف المشهودة. أخرج أبو يعلى في مسنده عن ابن الزبير أن النبي ﵌

стр. 224

احتجم، فلما فرغ قال له: يا عبد اللّه، اذهب بهذا الدم فأهرقه حيث لا يراك أحد، فلما ذهب شربه، فلما رجع قال: ما صنعت بالدم؟ قال: عمدت إلى أخفى موضع فجعلته فيه، قال: لعلك شربته! قال: نعم، قال: ويل للناس منك وويل لك من الناس! فكانوا يرون أن القوة التي به من ذلك الدم. وأخرج عن نوف البكالي قال: إني لأجد في كتاب اللّه المنزل أن ابن الزبير فارس الخلفاء، وقال عمرو بن دينار: ما رأيت مصليا أحسن صلاة من ابن الزبير، وكان يصلي في الحجر - والمنجنيق يصيب طرف ثوبه - فما يلتفت إليه، وقال مجاهد: ما كان باب من العبادة يعجز الناس عنه إلا تكلّفه ابن الزبير، ولقد جاء سيل طبق البيت فجعل يطوف سباحة، وقال عثمان بن طلحة: كان ابن الزبير لا ينازع في ثلاثة: لا شجاعة، ولا عبادة، ولا بلاغة، وكان صيّتا إذا خطب تجاوبه الجبال. وأخرج ابن عساكر عن عروة أن النابغة الجعدي (١) أنشد عبد اللّه بن الزبير: حكيت لنا الصديق لما وليتنا … وعثمان، والفاروق؛ فارتاح معدم وسوّيت بين الناس في الحق فاستوى … فعاد صباحا حالك اللون أسحم وأخرج عن هشام بن عروة وخبيب قال: أول من كسا الكعبة الديباج عبد اللّه بن الزبير، وكان كسوتها المسوح والأنطاع. وأخرج عن عمر بن قيس قال: كان لابن الزبير مائة غلام، يتكلم كل غلام منهم بلغة، وكان ابن الزبير يكلم كلّ أحد منهم بلغته، وكنت إذا نظرت إليه في أمر دنياه قلت: هذا رجل لم يرد اللّه طرفة عين، وإذا نظرت إليه في أمر آخرته قلت: هذا رجل لم يرد الدنيا طرفة عين. وأخرج عن هشام بن عروة قال: كان أول ما أفصح به عمي عبد اللّه بن الزبير - وهو صغير - السيف، فكان لا يضعه من فيه، فكان أبوه إذا سمع ذلك منه

стр. 225

يقول: أما واللّه ليكوننّ لك منه يوم ويوم وأيام. وأخرج عن أبي عبيدة قال: جاء عبد اللّه بن الزّبير الأسديّ إلى عبد اللّه بن الزبير بن العوام فقال: يا أمير المؤمنين، إن بيني وبينك رحما من قبل فلانة، فقال ابن الزبير: نعم، هذا كما ذكرت، وإن فكرت في هذا أصبت، الناس بأسرهم يرجعون إلى أب واحد وإلى أم واحدة، فقال: يا أمير المؤمنين إن نفقتي نفدت، قال: ما كنت ضمنت لأهلك أنها تكفيك إلى أن ترجع إليهم، قال: يا أمير المؤمنين ناقتي قد نقبت، قال: أنجد بها تبرد خفها، وارفعها بسبت، واخفضها بهلب، وسر عليها البردين، قال: يا أمير المؤمنين إنما جئتك مستحملا ولم آتك مستوصفا، لعن اللّه ناقة حملتني إليك! فقال ابن الزبير: إنّ وراكبها، فخرج الأسدي يقول: أرى الحاجات عند أبي خبيب … نكدن، ولا أمية في البلاد من الأعياص أو من آل حرب … أغر كغرة الفرس الجواد وقلت لصحبتي: أدنوا ركابي … أفارق بطن مكة في سواد وما لي حين أقطع ذات عرق … إلى ابن الكاهلية من معاد وأخرج عبد الرزاق في مصنفه عن الزهري قال: لم يحمل إلى رسول اللّه ﷺ رأس إلى المدينة قط، ولا يوم بدر، وحمل إلى أبي بكر رأس فكره ذلك، وأول من حملت إليه الرؤوس عبد اللّه بن الزبير. وفي أيام ابن الزبير كان خروج المختار الكذاب الذي ادعى النبوة، فجهز ابن الزبير لقتاله، إلى أن ظفر به في سنة سبع وستين، وقتله، لعنه اللّه! مات في أيام ابن الزبير من الأعلام: أسيد بن حضير، وعبد اللّه بن عمرو بن العاص، والنعمان بن بشير، وسليمان بن صرد، وجابر بن سمرة، وزيد بن أرقم، وعدي بن حاتم، وابن عباس، وأبو واقد الليثي، وزيد بن خالد الجهني، وأبو الأسود الدؤلي، وآخرون.

стр. 226

عبد الملك بن مروان عبد الملك بن مروان (١) بن الحكم بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي بن كلاب، أبو الوليد، ولد سنة ست وعشرين، بويع بعهد من أبيه في خلافة ابن الزبير، فلم تصح خلافته، وبقي متغلبا على مصر والشام ثم غلب على العراق وما والاها إلى أن قتل ابن الزبير سنة ثلاث وسبعين؛ فصحت خلافته من يومئذ، واستوثق له الأمر؛ ففي هذا العام هدم الحجاج الكعبة وأعادها على ما هي عليه الآن، ودسّ على ابن عمر من طعنه بحربة مسمومة،

стр. 227

فمرض منها ومات. وفي سنة أربع وسبعين سار الحجاج إلى المدينة، وأخذ يتعنت على أهلها، ويستخف ببقايا من فيها من صحابة رسول اللّه ﵌، وختم في أعناقهم وأيديهم، يذلهم بذلك، كأنس، وجابر بن عبد اللّه، وسهل بن سعد الساعدي، فإنا للّه وإنا إليه راجعون! وفي سنة خمس وسبعين حج بالناس عبد الملك الخليفة، وسيّر الحجاج أميرا على العراق. وفي سنة سبع وسبعين فتحت هرقلة، وهدم عبد العزيز بن مروان جامع مصر، وزيد فيه من جهاته الأربع. وفي سنة اثنتين وثمانين فتح حصن سنان من ناحية المصيصة، وكانت غزوة أرمينية، وصنهاجة بالمغرب. وفي سنة ثلاث وثمانين بنيت مدينة واسط، بناها الحجاج. وفي سنة أربع وثمانين فتحت المصيصة وأودية من المغرب. وفي سنة خمس وثمانين بنيت مدينة أردبيل، ومدينة برذعة، بناهما عبد العزيز بن حاتم بن النعمان الباهلي. وفي سنة ست وثمانين فتح حصن بولق، وحصن الأخرم. وفيها كان طاعون الفتيات، وسمي بذلك لأنه بدأ في النساء. وفيها مات الخليفة عبد الملك في شوال، وخلف سبعة عشر ولدا، قال أحمد بن عبد اللّه العجلي: كان عبد الملك أبخر الفم، وإنه ولد لستة أشهر، وقال ابن سعد: كان عابدا زاهدا ناسكا بالمدينة قبل الخلافة، وقال يحيى الغساني: كان عبد الملك بن مروان كثيرا ما يجلس إلى أم الدرداء، فقالت له مرة: بلغني يا أمير المؤمنين أنك شربت الطلاء بعد النسك والعبادة، قال: إي واللّه والدماء قد شربتها، وقال نافع: لقد رأيت المدينة وما بها شاب أشد تشميرا ولا أفقه ولا أنسك ولا أقرأ لكتاب اللّه من عبد الملك بن مروان، وقال أبو الزناد: فقهاء المدينة: سعيد بن المسيب، وعبد الملك بن مروان، وعروة بن الزبير، وقبيصة بن ذؤيب. وقال ابن عمر: ولد الناس أبناء وولد مروان أبا، وقال عبادة بن نسي:

стр. 228

قيل لابن عمر: إنكم معشر أشياخ قريش يوشك أن تنقرضوا، فمن نسأل بعدكم؟ فقال: إن لمروان ابنا فيها فاسألوه، وقال سحيم مولى أبي هريرة ﵁: دخل عبد الملك - وهو شاب - على أبي هريرة ﵁ فقال: هذا يملك العرب، وقال عبيدة بن رياح الغساني: قالت أم الدرداء لعبد الملك: ما زلت أتخيل هذا الأمر فيك منذ رأيتك، قال: وكيف ذاك؟ قالت: ما رأيت أحسن منك محدثا ولا أعلم (١) منك مستمعا، وقال الشعبي: ما جالست أحدا إلا وجدت لي عليه الفضل إلا عبد الملك بن مروان فإني ما ذكرته حديثا إلا وزادني فيه ولا شعرا إلا وزادني فيه! وقال الذهبي: سمع عبد الملك من عثمان، وأبي هريرة، وأبي سعيد، وأم سلمة، وبريرة، وابن عمر، ومعاوية، روي عنه: عروة، وخالد بن معدان، ورجاء بن حيوة، والزهري، ويونس بن ميسرة، وربيعة بن يزيد، وإسماعيل بن عبيد اللّه، وحريز بن عثمان، وطائفة. وقال بكر بن عبد اللّه المزني: أسلم يهودي اسمه يوسف، وكان قرأ الكتب، فمر بدار مروان فقال: ويل لأمة محمد من أهل هذه الدار، فقلت له: إلى متى؟ قال: حتى تجيء رايات سود من قبل خراسان. وكان صديقا لعبد الملك بن مروان، فضرب يوما على منكبه، وقال: أتق اللّه في أمة محمد إذا ملكتهم، فقال: دعني ويحك ما شأني وشأن ذلك؟ فقال: اتق اللّه في أمرهم، قال: وجهز يزيد جيشا إلى أهل مكة فقال عبد الملك: أعوذ باللّه! أيبعث إلى حرم اللّه؟ فضرب يوسف منكبه وقال: جيشك إليهم أعظم. وقال يحيى الغساني: لما نزل مسلم بن عقبة المدينة دخلت مسجد رسول اللّه ﷺ فجلست إلى جنب عبد الملك، فقال لي عبد الملك: أمن هذا الجيش أنت؟ قلت: نعم، قال: ثكلتك أمك! أتدري إلى من تسير؟ إلى أول مولود ولد في الإسلام، وإلى ابن حواريّ رسول اللّه ﵌، وإلى ابن ذات النّطاقين، وإلى من حنّكه رسول اللّه ﵌، أما واللّه إن جئته نهارا وجدته صائما، ولئن جئته ليلا لتجدنه قائما، فلو أن أهل الأرض أطبقوا على

стр. 229

قتله لأكبّهم اللّه جميعا في النار، فلما صارت الخلافة إلى عبد الملك وجّهنا مع الحجاج حتى قتلناه. وقال ابن أبي عائشة: أفضى الأمر إلى عبد الملك والمصحف في حجره، فأطبقه وقال: هذا آخر العهد بك. وقال مالك: سمعت يحيى بن سعيد يقول: [أول] من صلّى في المسجد ما بين الظهر والعصر عبد الملك بن مروان وفتيان معه، كانوا إذا صلّى الإمام الظهر قاموا فصلوا إلى العصر، فقيل لسعيد بن المسيب: لو قمنا فصلينا كما يصلي هؤلاء، فقال سعيد بن المسيب: ليست العبادة بكثرة الصلاة والصوم، وإنما العبادة في أمر اللّه والورع عن محارم اللّه. وقال مصعب بن عبد اللّه: أول من سمي في الإسلام عبد الملك عبد الملك بن مروان، وقال يحيى بن بكير: سمعت مالكا يقول: أول من ضرب الدنانير عبد الملك، وكتب عليها القرآن، وقال مصعب: كتب عبد الملك على الدنانير: ﴿قُلْ هُوَ اَللّهُ أَحَدٌ﴾ وفي الوجه الآخر «لا إله إلا اللّه» وطوقه بطوق فضة، وكتب فيه «ضرب بمدينة كذا» وكتب خارج الطوق «محمد رسول اللّه أرسله بالهدى ودين الحق». وفي الأوائل للعسكري بسند: كان عبد الملك أول من كتب في صدور الطوامير: ﴿قُلْ هُوَ اَللّهُ أَحَدٌ﴾ وذكر النبي ﵌ مع التاريخ، فكتب ملك الروم: إنكم أحدثتم في طواميركم شيئا من ذكر نبيكم، فاتركوه وإلا أتاكم من دنانيرنا ذكر ما تكرهون، فعظم ذلك على عبد الملك، فأرسل إلى خالد بن يزيد بن معاوية فشاوره، فقال: حرّم دنانيرهم، واضرب للناس سككا فيها ذكر اللّه وذكر رسوله، ولا تعفهم مما يكرهون في الطوامير، فضرب الدنانير للناس سنة خمس وسبعين، قال العسكري: وأول خليفة بخل عبد الملك، وكان يسمى «رشح الحجارة» لبخله، ويكنى «أبا الذّبّان» لبخره، قال: وهو أول من غدر في الإسلام، وأول من نهى عن الكلام بحضرة الخلفاء، وأول من نهى عن الأمر بالمعروف، ثم أخرج بسنده عن ابن الكلبي قال: كان مروان بن الحكم ولّى العهد عمرو بن سعيد بن العاص بعد ابنه، فقتله عبد الملك، وكان قتله أول غدر في الإسلام فقال بعضهم:

стр. 230

يا قوم لا تغلبوا عن رأيكم فلقد … جرّبتم الغدر من أبناء مروانا أمسوا وقد قتلوا عمرا وما رشدوا … يدعون غدرا بعهد اللّه كيسانا ويقتلون الرجال البزل ضاحية … لكي يولّوا أمور الناس ولدانا تلاعبوا بكتاب اللّه فاتخذوا … هواهم في معاصي اللّه قرآنا وأخرج بإسناد فيه الكديمي، وهو متّهم بالكذب، عن ابن جريج عن أبيه قال: خطبنا عبد الملك بن مروان بالمدينة بعد قتل ابن الزبير عام حج سنة خمس وسبعين، فقال بعد حمد اللّه والثناء عليه: أما بعد، فلست بالخليفة المستضعف - يعني عثمان - ولا الخليفة المداهن - يعني معاوية - ولا الخليفة المأفون - يعني يزيد - ألا وإن من كان قبلي من الخلفاء كانوا يأكلون ويطعمون من هذه الأموال، ألا وإني لا أداوي أدواء هذه الأمة إلا بالسيف حتى تستقيم لي قناتكم، تكلفوننا أعمال المهاجرين ولا تعملون مثل أعمالهم؟ فلن تزدادوا إلا عقوبة حتى يحكم السيف بيننا وبينكم، هذا عمرو بن سعيد قرابته قرابته وموضعه موضعه قال برأسه هكذا فقلنا بأسيافنا هكذا، ألا وإنا نحمل لكم كل شيء إلا وثوبا على أمير أو نصب راية، ألا وإن الجامعة التي جعلتها في عنق عمرو بن سعيد عندي، واللّه لا يفعل أحد فعله إلا جعلتها في عنقه، واللّه لا يأمرني أحد بتقوى اللّه بعد مقامي هذا إلا ضربت عنقه، ثم نزل. ثم قال العسكري: وعبد الملك أول من نقل الديوان من الفارسية إلى العربية، وأول من رفع يديه على المنبر. قلت: فتمت له عشرة أوائل منها خمسة مذمومة. وقد أخرج ابن أبي شيبة في المصنف بسنده عن محمد بن سيرين قال: أول من أحدث الأذان في الفطر والأضحى بنو مروان، فإما أن يكون عبد الملك أو أحدا من أولاده. وأخرج عبد الرزاق عن ابن جريج قال: أخبرني غير واحد أن أول من كسا الكعبة بالديباج عبد الملك بن مروان، وإن من أدرك ذلك من الفقهاء قالوا: أصاب، ما نعلم لها من كسوة أوفق منه. وقال يوسف بن الماجشون: كان عبد الملك إذا قعد للحكم قيم على رأسه

стр. 231

بالسيوف. وقال الأصمعي: قيل لعبد الملك: يا أمير المؤمنين عجل عليك الشيب، فقال: وكيف لا وأنا أعرض عقلي على الناس في كل جمعة؟. وقال محمد بن حرب الزيادي: قيل لعبد الملك بن مروان: من أفضل الناس؟ قال: من تواضع عن رفعة، وزهد عن قدرة، وأنصف عن قوة. وقال ابن عائشة: كان عبد الملك إذا دخل عليه رجل من أفق من الآفاق قال: أعفني من أربع وقل بعدها ما شئت: لا تكذبني فإنّ الكذوب لا رأي له، ولا تجبني فيما لا أسألك فإن فيما أسألك عنه شغلا، ولا تطرني فإني أعلم بنفسي منك، ولا تحملني على الرعية فإني إلى الرفق بهم أحوج. وقال المدائني: لما أيقن عبد الملك بالموت قال: واللّه لوددت أني كنت منذ ولدت إلى يومي هذا حمالا، ثم أوصى بنيه بتقوى اللّه، ونهاهم عن الفرقة والاختلاف، وقال: كونوا بني أم بررة، وكونوا في الحرب أحرارا، وللمعروف منارا، فإن الحرب لم تدن منية قبل وقتها، وإن المعروف يبقى أجره وذكره، واحلوا في مرارة، ولينوا في شدة، وكونوا كما قال ابن عبد الأعلى الشيباني: إن القداح إذا اجتمعن فرامها … بالكسر ذو حنق وبطش باليد عزت فلم تكسر، وإن هي بدّدت … فالكسر والتوهين للمتبدّد يا وليد اتق اللّه فيما أخلفك فيه، إلى أن قال: وانظر الحجاج فأكرمه فإنه هو الذي وطّأ لكم المنابر، وهو سيفك يا وليد ويدك على من ناوأك، فلا تسمعن فيه قول أحد، وأنت إليه أحوج منه إليك، وادع الناس إذا مت إلى البيعة؛ فمن قال برأسه هكذا فقل بسيفك هكذا. وقال غيره: لما احتضر عبد الملك دخل عليه ابنه الوليد، فتمثل بهذا: كم عائد رجلا وليس يعوده … إلا ليعلم هل يراه يموت؟! فبكى الوليد، فقال: ما هذا؟ أتحن حنين الأمة؟ إذا [أنا] مت، فشمر، وائتزر، والبس جلد النمر، وضع سيفك على عاتقك، فمن أبدى ذات نفسه [لك] فاضرب عنقه، ومن سكت مات بدائه.

стр. 232

قلت: لو لم يكن من مساوئ عبد الملك إلا الحجاج وتوليته إياه على المسلمين وعلى الصحابة ﵃، يهينهم ويذلهم قتلا وضربا وشتما وحبسا، وقد قتل من الصحابة وأكابر التابعين ما لا يحصى فضلا عن غيرهم، وختم في عنق أنس وغيره من الصحابة ختما، يريد بذلك ذلهم، فلا ﵀ ولا عفا عنه! ومن شعر عبد الملك: لعمري لقد عمّرت في الدهر برهة … ودانت لي الدنيا بوقع البواتر فأضحى الذي قد كان مما يسرني … كلمح مضى في المزمنات الغوابر فيا ليتني لم أعن بالملك ساعة … ولم أله في لذّات عيش نواضر وكنت كذي طمرين عاش ببلغة … من الدهر حتى زار ضنك المقابر وفي تاريخ ابن عساكر عن إبراهيم بن عدي قال: رأيت عبد الملك بن مروان وقد أتته أمور أربعة في ليلة فما تنكر ولا تغير وجهه: قتل عبيد اللّه بن زياد، وقتل حبيش بن دلجة بالحجاز، وانتقاض ما كان بينه وبين ملك الروم، وخروج عمرو بن سعيد إلى دمشق. وفيه عن الأصمعي قال: أربعة لم يلحنوا في جدّ ولا هزل: الشعبي، وعبد الملك بن مروان، والحجاج بن يوسف، وابن القرّيّة. وأسند السلفي في الطيوريات: أن عبد الملك بن مروان خرج يوما فلقيته امرأة فقالت: يا أمير المؤمنين، قال: ما شأنك؟ قالت: توفي أخي وترك ستمائة دينار، فدفع إليّ من ميراثه دينار واحد، فقيل: هذا حقك، فعمي الأمر فيها على عبد الملك، فأرسل إلى الشعبي فسأله، فقال: نعم، هذا توفي فترك آبنتين فلهما الثلثان أربعمائة، وأما فلها السدس مائة، وزوجة فلها الثمن خمسة وسبعون، واثني عشر أخا فلهم أربعة وعشرون، وبقي لهذه دينار. وقال ابن أبي شيبة في المصنف: حدثنا أبو سفيان الحميري حدثنا خالد بن محمد القرشي قال: قال عبد الملك بن مروان: من أراد أن يتخذ جارية للتلذذ فليتخذها بربرية، ومن أراد أن يتخذها للولد فليتخذها فارسية، ومن أراد أن يتخذها للخدمة فليتخذها رومية.

стр. 233

وقل أبو عبيدة: لما أنشد الأخطل (١) كلمته لعبد الملك التي يقول فيها: شمس العداوة حتى يستقاد لهم … وأعظم الناس أحلاما إذا قدروا قال: خذ بيده يا غلام فأخرجه ثم ألق عليه من الخلع ما يغمره؛ ثم قال: إن لكل قوم شاعرا، وشاعر بني أمية الأخطل. وقال الأصمعي: دخل الأخطل على عبد الملك فقال: ويحك! صف لي السكر، قال: أوله لذة، وآخره صداع، وبين ذلك حالة لا أصف لك مبلغها، فقال: ما مبلغها؟ قال: لملكك يا أمير المؤمنين [عندها] أهون عليّ من شسع نعلي، وأنشأ يقول: إذا ما نديمي علّني ثم علني … ثلاث زجاجات لهن هدير خرجت أجرّ الذيل تيها كأنني … عليك أمير المؤمنين أمير قال الثعالبي: كان عبد الملك يقول: ولدت في رمضان، وفطمت في رمضان، وختمت القرآن في رمضان، وبلغت الحلم في رمضان، ووليت في رمضان، وأتتني الخلافة في رمضان، وأخشى أن أموت في رمضان، فلما دخل شوّال وأمن مات. وممن مات في أيام عبد الملك من الأعلام: ابن عمر، وأسماء بنت الصديق، وأبو سعيد بن المعلى، وأبو سعيد الخدري، ورافع بن خديج، وسلمة بن الأكوع، والعرباض بن سارية، وجابر بن عبد اللّه، وعبد اللّه بن جعفر بن أبي طالب، والسائب بن يزيد، وأسلم مولى عمر، وأبو إدريس الخولاني، وشريح القاضي، وأبان بن عثمان بن عفان، والأعشى الشاعر، وأيوب بن القرية الذي يضرب به المثل في الفصاحة، وخالد بن يزيد بن معاوية، وزرّ بن حبيش، وسنان بن سلمة بن المحبق، وسويد بن غفلة، وأبو وائل، وطارق بن شهاب، ومحمد بن الحنفية، وعبد اللّه بن شداد بن الهاد، وأبو عبيدة بن عبد اللّه بن مسعود، وعمرو بن حريث، وعمرو بن سلمة الجرمي، وآخرون.

стр. 234

الوليد بن عبد الملك (١) الوليد بن عبد الملك، أبو العباس، قال الشعبي: كان أبواه يترفانه، فشبّ بلا أدب. قال روح بن زنباع (٢): دخلت يوما على عبد الملك - وهو مهموم - فقال:

стр. 235

فكرت فيمن أولّيه أمر العرب، فلم أجده، فقلت: أين أنت من الوليد؟ قال: إنه لا يحسن النحو، فسمع ذلك الوليد، فقام من ساعته، وجمع أصحاب النحو، وجلس معهم في بيت ستة أشهر، ثم خرج وهو أجهل مما كان، فقال عبد الملك: أما إنه قد أعذر. وقال أبو الزناد: كان الوليد لحانا، قال على منبر المسجد النبوي: يا أهل المدينة. وقال أبو عكرمة الضبي: قرأ الوليد على المنبر، يا ليتها كانت القاضية، وتحت المنبر عمر بن عبد العزيز وسليمان بن عبد الملك، فقال سليمان: وددتها واللّه. وكان الوليد جبارا ظالما. وأخرج أبو نعيم في الحلية عن ابن شوذب قال: قال عمر بن عبد العزيز - وكان الوليد بالشام، والحجاج بالعراق، وعثمان بن حبارة بالحجاز، وقرة بن شريك بمصر -: امتلأت الأرض واللّه جورا. وأخرج ابن أبي حاتم في تفسيره عن إبراهيم بن أبي زرعة، أن الوليد قال له: أيحاسب الخليفة؟ قال: يا أمير المؤمنين، أنت أكرم على اللّه أم داود؟ إن اللّه جمع له النبوة والخلافة ثم توعده في كتابه فقال: ﴿يا داوُدُ﴾ الآية، لكنه أقام الجهاد في أيامه، وفتحت في خلافته فتوحات عظيمة، وكان مع ذلك يختن الأيتام، ويرتب لهم المؤدبين، ويرتب للزّمنى من يخدمهم، وللاضرّاء من يقودهم، وعمّر المسجد النبوي ووسعه، ورزق الفقهاء والضعفاء والفقراء، وحرّم عليهم سؤال الناس، وفرض لهم ما يكفيهم، وضبط الأمور أتمّ ضبط. وقال ابن أبي عبلة: رحم اللّه الوليد! وأين مثل الوليد؟ افتتح الهند والأندلس، وبنى مسجد دمشق، وكان يعطيني قطع الفضة (١) أقسمها على قراء مسجد بيت المقدس. ولي الوليد الخلافة بعهد من أبيه في شوّال سنة ست وثمانين، ففي سنة سبع

стр. 236

وثمانين شرع في بناء جامع دمشق، وكتب بتوسيع المسجد النبوي وبنائه، وفيها فتحت ببكند، وبخارى، وسردانية، ومطمورة، وقميقم، وبحيرة الفرسان عنوة؛ وفيها حجّ بالناس عمر بن عبد العزيز، وهو أمير المدينة، فوقف يوم النحر غلطا، وتألم لذلك. وفي سنة ثمان وثمانين فتحت جرثومة، وطوانة. وفي سنة تسع وثمانين فتحت جزيرتا منورقة وميورقة. وفي سنة إحدى وتسعين فتحت نسف، وكش، وشومان، ومدائن، وحصون من بحر أذربيجان. وفي سنة اثنتين وتسعين فتح إقليم الأندلس بأسره، ومدينة أرماييل، وقتربون. وفي سنة ثلاث وتسعين فتحت الديبل، وغيرها، ثم الكرخ، وبرهم، وباجة، والبيضاء، وخوارزم، وسمرقند، والصفد. وفي سنة أربع وتسعين فتحت كابل، وفرغانة، والشاش، وسندرة وغيرها. وفي سنة خمس وتسعين فتحت الموقان، ومدينة الباب. وفي سنة ست وتسعين فتحت طوس، وغيرها، وفيها مات الخليفة الوليد في نصف جمادى الآخرة، وله إحدى وخمسون سنة. قال الذهبي: أقام الجهاد في أيامه، وفتحت فيها الفتوحات العظيمة، كأيام عمر بن الخطاب (١). قال عمر بن عبد العزيز: لما وضعت الوليد في لحده إذا هو يركض في أكفانه، يعني ضرب الأرض برجله. ومن كلام الوليد: لولا أن اللّه ذكر آل لوط في القرآن ما ظننت أن أحدا يفعل هذا.

стр. 237

مات في أيام الوليد من الأعلام: عتبة بن عبد السلمي، والمقدام بن معدي كرب، وعبد اللّه بن بشر المازني، وعبد اللّه بن أبي أوفى، وأبو العالية، وجابر بن زيد، وأنس بن مالك، وسهل بن سعد، والسائب بن يزيد، والسائب بن خلاد، وخبيب بن عبد اللّه بن الزبير، وبلال بن أبي الدرداء، وسعيد بن المسيب، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وسعيد بن جبير شهيدا قتله الحجاج لعنه اللّه، وإبراهيم النخعي، ومطرف، وإبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، والعجاج الشاعر، وآخرون.

стр. 238

سليمان بن عبد الملك سليمان بن عبد الملك (١)، أبو أيوب، كان من خيار ملوك بني أمية. ولي الخلافة بعهد من أبيه بعد أخيه في جمادى الآخرة سنة ست وتسعين. روى قليلا عن أبيه، وعبد الرحمن بن هبيرة، روى عنه ابنه عبد الواحد، والزهري. وكان فصيحا، مفوّها، مؤثرا للعدل، محبا للغزو، ومولده سنة ستين. ومن محاسنه: أن عمر بن عبد العزيز كان له كالوزير، فكان يمتثل أوامره في الخير، فعزل عمّال الحجاج، وأخرج من كان في سجن العراق، وأحيا الصلاة لأوّل مواقيتها، وكان بنو أمية أماتوها بالتأخير. قال ابن سيرين: يرحم اللّه سليمان! افتتح خلافته بإحيائه الصلاة لمواقيتها، واختتمها باستخلافه عمر بن عبد العزيز.

стр. 239

وكان سليمان ينهى عن الغناء، وكان من الأكلة المذكورين، أكل في مجلس سبعين رمّانة، وخروفا، وست دجاجات، ومكّوك زبيب طائفي. قال يحيى الغساني: نظر سليمان في المرآة، فأعجبه شبابه وجماله، فقال: كان محمد ﷺ نبيا، وكان أبو بكر صديقا، وكان عمر فاروقا، وكان عثمان حييّا، وكان معاوية حليما، وكان يزيد صبورا، وكان عبد الملك سائسا، وكان الوليد جبارا، وأنا الملك الشابّ؛ فما دار عليه الشهر حتى مات. وكانت وفاته يوم الجمعة عاشر صفر سنة تسع وتسعين، وفتح في أيامه جرجان، وحصن الحديد، وسردانية، وشقّى، وطبرستان، ومدينة السقالبة. مات في أيامه من الأعلام: قيس بن أبي حازم، ومحمود بن لبيد، والحسن بن الحسين بن علي، وكريب مولى ابن عباس، وعبد الرحمن بن الأسود النخعي، وآخرون. قال عبد الرحمن بن حسان الكناني: مات سليمان غازيا بدابق، فلما مرض قال لرجاء بن حيوة: من لهذا الأمر بعدي؟ أستخلف ابني؟ قال: ابنك غائب، قال: فابني الآخر؟ قال: صغير، قال: فمن ترى؟ قال: أرى أن تستخلف عمر بن عبد العزيز، قال: أتخوف إخوتي لا يرضون، فقال: تولي عمر ومن بعده يزيد بن عبد الملك، وتكتب كتابا، وتختم عليه، وتدعوهم إلى بيعته مختوما، قال: لقد رأيت، فدعا بقرطاس، فكتب فيه العهد ودفعه إلى رجاء، وقال: اخرج إلى الناس فليبايعوا على ما فيه مختوما، فخرج، فقال: إن أمير المؤمنين يأمركم أن تبايعوا لمن في هذا الكتاب، قالوا: ومن فيه؟ قال: هو مختوم، لا تخبروا بمن فيه حتى يموت؟ قالوا: لا نبايع، فرجع إليه فأخبره، فقال: انطلق إلى صاحب الشرط والحرس، فاجمع الناس ومرهم بالبيعة، فمن أبى فاضرب عنقه، فبايعوا. قال رجاء: فبينما أنا راجع إذا هشام، فقال لي: يا رجاء قد علمت موقعك منا، وأن أمير المؤمنين قد صنع شيئا ما أدري ما هو؟ وإني تخوّفت أن يكون قد أزالها عني، فإن يكن قد عدلها عني فأعلمني ما دام في الأمر نفس حتى أنظر، فقلت: سبحان اللّه! يستكتمني أمير المؤمنين أمرا أطلعك عليه؟ لا يكون ذلك أبدا، ثم

стр. 240

لقيت عمر بن عبد العزيز، فقال لي: يا رجاء، إنه قد وقع في نفسي أمر كبير من هذا الرجل، أتخوف أن يكون قد جعلها إليّ، ولست أقوم بهذا الشأن، فأعلمني ما دام في الأمر نفس لعلي أتخلص منه ما دام حيا، قلت: سبحان اللّه! يستكتمني أمير المؤمنين أمرا أطلعك عليه؟ ثم مات سليمان وفتح الكتاب، فإذا فيه العهد لعمر بن عبد العزيز، فتغيرت وجوه بني عبد الملك، فلما سمعوا «وبعده يزيد بن عبد الملك» تراجعوا، فأتوا عمر، فسلموا عليه بالخلافة، فعقر به، فلم يستطع النهوض حتى أخذوا بضبعيه، فدنوا به إلى المنبر وأصعدوه، فجلس طويلا لا يتكلم، فقال لهم رجاء: ألا تقومون إلى أمير المؤمنين فتبايعوه، فبايعوه، ومدّ يده إليهم، ثم قام، فحمد اللّه وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناس إني لست بفارض ولكني منفذ، ولست بمبتدع، ولكني متبع، وإن من حولكم من الأنصار والمدن إن هم أطاعوا كما أطعتم فأنا واليكم، وإن هم أبوا فلست لكم بوال. ثم نزل، فأتاه صاحب المراكب، فقال: ما هذا؟ قال: مركب الخليفة، قال: لا حاجة لي فيه، ائتوني بدابتي، فأتوه بدابته، وانطلق إلى منزله، ثم دعا بدواة، وكتب بيده إلى عمال الأمصار. قال رجاء: كنت أظن أنه سيضعف، فلمّا رأيت صنعه في الكتاب، علمت أنه سيقوى. يروى أن مروان بن عبد الملك وقع بينه وبين سليمان في خلافته كلام، فقال له سليمان: يا ابن اللخناء، ففتح مروان فاه ليجيبه، فأمسك عمر بن عبد العزيز بفيه، وقال: أنشدك اللّه إمامك وأخوك وله السّنّ، فسكت، وقال: قتلتني، واللّه لقد زدت في جوفي أحرّ من النار، فما أمسى حتى مات. وأخرج ابن أبي الدنيا عن زياد بن عثمان، أنه دخل على سليمان بن عبد الملك لما مات ابنه أيوب، فقال: يا أمير المؤمنين إن عبد الرحمن بن أبي بكر كان يقول: من أحبّ البقاء فليوطّن نفسه على المصائب.

стр. 241

عمر بن عبد العزيز ﵁ عمر بن عبد العزيز بن مروان (١)، الخليفة الصالح، أبو حفص، خامس الخلفاء الرّاشدين. قال سفيان الثوري: الخلفاء خمسة: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وعمر بن عبد العزيز، أخرجه أبو داود في سننه.

стр. 242

ولد عمر بحلوان، قرية بمصر، وأبوه أمير عليها سنة إحدى، وقيل: ثلاث وستين؛ وأمه أم عاصم بنت عاصم بن عمر بن الخطاب، وكان بوجه عمر شجّة، ضربته دابة في جبهته - وهو غلام - فجعل أبوه يمسح الدم عنه، ويقول: إن كنت أشج بني أمية إنك لسعيد، أخرجه ابن عساكر. وكان عمر بن الخطاب يقول: من ولدي رجل بوجهه شجّة يملأ الأرض عدلا، أخرجه الترمذي في تاريخه، فصدّق ظنّ أبيه فيه. وأخرج ابن سعد أن عمر بن الخطاب قال: ليت شعري! من ذو الشّين (١) من ولدي الذي يملؤها عدلا كما ملئت جورا. وأخرج عن ابن عمر قال: كنا نتحدّث أن الدنيا لا تنقضي حتى يلي رجل من آل عمر، يعمل بمثل عمل عمر، فكان بلال بن عبد اللّه بن عمر بوجهه شامة، وكانوا يرون أنه هو حتى جاء اللّه بعمر بن عبد العزيز. روى عمر بن عبد العزيز عن أبيه، وأنس، وعبد اللّه بن جعفر بن أبي طالب، وابن قارظ، ويوسف بن عبد اللّه بن سلام، وعامر بن سعد، وسعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، وأبي بكر بن عبد الرحمن، والربيع بن سمرة، وطائفة. روى عنه: الزهري، ومحمد بن المنكدر، ويحيى بن سعيد الأنصاري، ومسلمة بن عبد الملك، ورجاء بن حيوة، وخلائق كثيرون. جمع القرآن وهو صغير، وبعثه أبوه إلى المدينة يتأدّب بها، فكان يختلف إلى عبيد اللّه بن عبد اللّه يسمع منه العلم، فلما توفي أبوه طلبه عبد الملك إلى دمشق وزوّجه ابنته فاطمة. وكان قبل الخلافة على قدم الصلاح أيضا، إلا أنه كان يبالغ في التنعم، فكان الذين يعيبونه من حساده لا يعيبونه إلا بالإفراط في التنعم والاختيال في المشية، فلما ولي الوليد الخلافة أمّر عمر على المدينة، فوليها من سنة ست وثمانين إلى

стр. 243

سنة ثلاث وتسعين، وعزل، فقدم الشام. ثم إن الوليد عزم على أن يخلع أخاه سليمان من العهد، وأن يعهد إلى ولده، فأطاعه كثير من الأشراف طوعا وكرها، فامتنع عمر بن عبد العزيز، وقال لسليمان: في أعناقنا بيعة، وصمّم، فطين عليه الوليد (١)، ثم شفع فيه بعد ثلاث، فأدركوه، وقد مالت عنقه، فعرفها له سليمان، فعهد إليه بالخلافة. قال زيد بن أسلم عن أنس ﵁: ما صليت وراء إمام بعد رسول اللّه ﵌ أشبه صلاة برسول اللّه ﷺ من هذا الفتى - يعني عمر بن عبد العزيز - وهو أمير على المدينة. قال زيد بن أسلم: فكان يتمّ الركوع والسجود، ويخفف القيام والقعود، له طرق عن أنس، أخرجه البيهقي في سننه وغيره. وسئل محمد بن علي بن الحسين عن عمر بن عبد العزيز، فقال: هو نجيب بني أمية، وإنه يبعث يوم القيامة أمة وحده. وقال ميمون بن مهران: كانت العلماء مع عمر بن عبد العزيز تلامذة. وأخرج أبو نعيم بسند صحيح عن رياح بن عبيدة، قال: خرج عمر بن عبد العزيز إلى الصلاة، وشيخ متوكئ على يده، فقلت في نفسي: إن هذا الشيخ جاف، فلما صلّى ودخل لحقته، فقلت: أصلح اللّه الأمير! من الشيخ الذي كان يتكئ على يدك؟ قال: يا رياح رأيته؟ قلت: نعم، قال: ما أحسبك إلا رجلا صالحا، ذاك أخي الخضر أتاني فأعلمني أني سألي أمر هذه الأمة، وأني سأعدل فيها. وأخرج أيضا عن أبي هاشم أن رجلا جاء إلى عمر بن عبد العزيز، فقال: رأيت النبي ﷺ في النوم، وأبو بكر عن يمينه، وعمر عن شماله، فإذا رجلان يختصمان وأنت بين يديه جالس، فقال لك: يا عمر إذا عملت فاعمل بعمل هذين، لأبي بكر وعمر، فاستحلف له عمر باللّه لرأيت هذا، فحلف له، فبكى عمر.

стр. 244

بويع بالخلافة بعهد من سليمان، في صفر سنة تسع وتسعين كما تقدم، فمكث فيها سنتين وخمسة أشهر نحو خلافة الصديق ﵁، ملأ فيها الأرض عدلا، وردّ المظالم، وسنّ السنن الحسنة، ولما قرئ كتاب العهد باسمه عقر وقال: واللّه إن هذا الأمر ما سألته اللّه قط؟ وقدم إليه صاحب المراكب مركب الخليفة فأبى وقال: ائتوني ببغلتي، قال الحكم بن عمر: شهدت عمر بن عبد العزيز حين جاءه أصحاب المراكب يسألونه العلوفة ورزق خدمتها؟ قال: ابعث بها إلى أمصار الشام يبيعونها فيمن يريد، واجعل أثمانها في مال اللّه، تكفيني بغلتي هذه الشهباء. وقال عمر بن ذر: لما رجع عمر من جنازة سليمان قال له مولاه: ما لي أراك مغتما؟ قال: لمثل ما أنا فيه فليغتم، ليس أحد من الأمة إلا وأنا أريد أن أوصل إليه حقه غير كاتب إليّ فيه ولا طالبه مني. وعن عمرو بن مهاجر وغيره أن عمر لما استخلف قام في الناس فحمد اللّه وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس إنه لا كتاب بعد القرآن، ولا نبي بعد محمد ﷺ ، ألا وإني لست بفارض ولكني منفذ، ولست بمبتدع، ولكني متبع، ولست بخير من أحدكم، ولكني أثقلكم حملا، وإن الرجل الهارب من الإمام الظالم ليس بظالم، ألا لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. وعن الزهري قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى سالم بن عبد اللّه يكتب إليه بسيرة عمر بن الخطاب في الصدقات؛ فكتب إليه بالذي سأل، وكتب إليه إنك إن عملت بمثل عمل عمر في زمانه ورجاله في مثل زمانك ورجالك كنت عند اللّه خيرا من عمر. وعن حماد أن عمر لما استخلف بكى فقال: يا أبا فلان، أتخشى عليّ؟ قال: كيف حبك للدرهم؟ قال: لا أحبه، قال: لا تخف فإن اللّه سيعينك. وعن مغيرة قال: جمع عمر حين استخلف بني مروان فقال: إن رسول اللّه ﷺ كانت له فدك ينفق منها ويعول منها على صغير بني هاشم ويزوج منها أيمهم، وإن فاطمة سألته أن يجعلها لها؟ فأبى، فكانت كذلك حياة أبي بكر ثم عمر، ثم أقطعها مروان، ثم صارت لعمر بن عبد العزيز، فرأيت أمرا منعه

стр. 245

رسول اللّه ﷺ فاطمة ليس لي بحق، وإني أشهدكم أني قد رددتها على ما كانت على عهد رسول اللّه ﷺ . وعن الليث قال: لما ولي عمر بدأ بلحمته وأهل بيته، فأخذ ما بأيديهم، وسمى أموالهم مظالم. وقال أسماء بن عبيد: دخل عنبسة بن سعيد بن العاص على عمر بن عبد العزيز فقال: يا أمير المؤمنين إن من كان قبلك من الخلفاء كانوا يعطوننا عطايا فمنعتناها ولي عيال وضيعة، أفتأذن لي أن أخرج إلى ضيعتي لما يصلح عيالي؟ فقال عمر: أحبكم من كفانا مؤنته، ثم قال له: أكثر ذكر الموت، فإن كنت في ضيق من العيش وسّعه عليك، وإن كنت في سعة من العيش ضيقه عليك. وقال فرات بن السائب: قال عمر بن عبد العزيز لامرأته فاطمة بنت عبد الملك - وكان عندها جوهر أمر لها به أبوها لم ير مثله - اختاري إما أن تردي حليك إلى بيت المال وإما أن تأذني لي في فراقك؛ فإني أكره أن أكون أنا وأنت وهو في بيت واحد، قالت: لا بل أختارك عليه وعلى أضعافه، فأمر به فحمل حتى وضع في بيت مال المسلمين، فلما مات عمر واستخلف يزيد قال لفاطمة: إن شئت رددته إليك، قالت: لا واللّه لا أطيب به نفسا في حياته وأرجع فيه بعد موته. وقال عبد العزيز (١): كتب بعض عمال عمر بن عبد العزيز إليه: إن مدينتنا قد خربت فإن رأى أمير المؤمنين أن يقطع لنا مالا نرمها به فعل، فكتب إليه عمر: إذا قرأت كتابي هذا فحصنها بالعدل ونقّ طرقها من الظلم فإنه مرمتها، والسلام. وقال إبراهيم السكوني: قال عمر بن عبد العزيز: ما كذبت منذ علمت أن الكذب شين على أهله. وقال قيس بن جبير: مثل عمر في بني أمية مثل مؤمن آل فرعون. وقال ميمون بن مهران: إن اللّه كان يتعاهد الناس بنبيّ بعد نبيّ، وإن اللّه تعاهد الناس بعمر بن عبد العزيز.

стр. 246

وقال وهب بن منبه: إن كان في هذه الأمة مهدي فهو عمر بن عبد العزيز. وقال محمد بن فضالة: مرّ عبد اللّه بن عمر بن عبد العزيز براهب في الجزيرة؛ فنزل إليه الراهب ولم ينزل لأحد قبله، وقال: أتدري لم نزلت إليك؟ قال: لا، قال: لحقّ أبيك، إنا نجده في أئمة العدل بموضع رجب من الأشهر الحرم، ففسره أيوب بن سويد بثلاثة متوالية: ذي القعدة، وذي الحجة، والمحرم: أبي بكر، وعمر، وعثمان، ورجب منفرد منها عمر بن عبد العزيز. وقال حسن القصاب: رأيت الذئاب ترعى مع الغنم بالبادية في خلافة عمر بن عبد العزيز، فقلت: سبحان اللّه ذئب في غنم لا يضرها! فقال الراعي: إذا صلح الرأس فليس على الجسد بأس. وقال مالك بن دينار: لما ولي عمر بن عبد العزيز قالت رعاء الشاء: من هذا الصالح الذي قام على الناس خليفة؟ عدله كف الذئاب عن شائنا. وقال موسى بن أعين: كنا نرعى الشاء بكرمان في خلافة عمر بن عبد العزيز فكانت الشاة والذئب ترعى في مكان واحد، فبينا نحن ذات ليلة إذ عرض الذئب للشاة فقلت: ما نرى الرجل الصالح إلا قد هلك، فحسبوه فوجدوه مات تلك الليلة. وقال الوليد بن مسلم: بلغنا أن رجلا كان بخراسان قال: أتاني آت في المنام فقال: إذا قام أشج بني مروان فانطلق فبايعه فإنه إمام عدل، فجعلت أسأل كلما قام خليفة، حتى قام عمر بن عبد العزيز، فأتاني ثلاث مرات في المنام، فارتحلت إليه فبايعته. وعن حبيب بن هند الأسلمي قال: قال لي سعيد بن المسيب: إنما الخلفاء ثلاثة: أبو بكر، وعمر، وعمر بن عبد العزيز، قلت له: أبو بكر وعمر قد عرفناهما، فمن عمر؟ قال: إن عشت أدركته، وإن مت كان بعدك، قلت: ومات ابن المسيب قبل خلافة عمر. وقال ابن عون: كان ابن سيرين إذا سئل عن الطلاء قال: نهى عنه إمام الهدى، يعني عمر بن عبد العزيز.

стр. 247

وقال الحسن: إن كان مهدي فعمر بن عبد العزيز، وإلا فلا مهدي إلا عيسى ابن مريم. وقال مالك بن دينار: الناس يقولون: ما لك زاهد، إنما الزاهد عمر بن عبد العزيز الذي أتته الدنيا فتركها. وقال يونس بن أبي شبيب: شهدت عمر بن عبد العزيز وإن حجزة إزاره لغائبة في عكنه، ثم رأيته بعد ما استخلف ولو شئت أن أعد أضلاعه من غير أن أمسها لفعلت. وقال ولده عبد العزيز: سألني أبو جعفر المنصور: كم كانت غلة أبيك حين أفضت الخلافة إليه؟ قلت: أربعين ألف دينار؟ قال: فكم كانت حين توفي؟ قلت: أربعمائة دينار، ولو بقي لنقصت. وقال مسلمة بن عبد الملك: دخلت على عمر بن عبد العزيز أعوده في مرضه فإذا عليه قميص وسخ، فقلت لفاطمة بنت عبد الملك: ألا تغسلون قميصه؟ قالت: واللّه ما له قميص غيره. قال أبو أمية الخصي غلام عمر: دخلت يوما على مولاتي فغدّتني عدسا، فقلت: كل يوم عدس؟ قالت: يا بني هذا طعام مولاك أمير المؤمنين. قال: ودخل عمر الحمام يوما فاطلى فولى عانته بيده. قال: ولما احتضر بعثني بدينار إلى أهل الدير، وقال: إن بعتموني موضع قبري وإلا تحولت عنكم، فأتيتهم فقالوا: لولا أنا نكره أن يتحول عنا ما قبلناه. وقال عون بن المعمر: دخل عمر على امرأته فقال: يا فاطمة عندك درهم أشتري به عنبا؟ فقالت: لا، وقالت: وأنت أمير المؤمنين لا تقدر على درهم تشتري به عنبا؟ قال: هذا أهون علينا من معالجة الأغلال غدا في جهنم. وقالت فاطمة امرأته: ما أعلم أنه اغتسل لا من جنابة ولا من احتلام منذ استخلفه اللّه حتى قبضه. وقال سهل بن صدقة: لما استخلف عمر سمع في منزله بكاء، فسألوا عن

стр. 248

ذلك، فقالوا: إن عمر خيّر جواريه فقال: قد نزل بي أمر قد شغلني عنكم، فمن أحب أن أعتقه أعتقته، ومن أحب أن أمسكه أمسكته، وإن لم يكن مني إليها حاجة، فبكين إياسا منه، قالت فاطمة امرأته: كان إذا دخل البيت ألقى نفسه في مسجده فلا يزال يبكي ويدعو حتى تغلبه عيناه ثم يستيقظ فيفعل مثل ذلك ليلته أجمع. وقال الوليد بن أبي السائب: ما رأيت أحدا قط أخوف من عمر. وقال سعيد بن سويد: صلى عمر بالناس الجمعة - وعليه قميص مرقوع الجيب من بين يديه ومن خلفه - فقال له رجل: يا أمير المؤمنين، إن اللّه قد أعطاك، فلو لبست، فنكس مليّا ثم رفع رأسه فقال: إن أفضل القصد عند الجدة، وأفضل العفو عند القدرة. وقال ميمون بن مهران: سمعت عمر يقول: لو أقمت فيكم خمسين عاما ما استكملت فيكم العدل، إني لأريد الأمر وأخاف أن لا تحمله قلوبكم فأخرج معه طمعا من الدنيا، فإن أنكرت قلوبكم هذا سكنت إلى هذا. وقال إبراهيم بن ميسرة: قلت لطاووس: هو المهدي - يعني عمر بن عبد العزيز - قال: هو مهدي، وليس به، وإنه لم يستكمل العدل كله. وقال عمر بن أسيد: واللّه ما مات عمر حتى جعل الرجل يأتينا بالمال العظيم فيقول: اجعلوا هذا حيث ترون، فما يبرح بماله كله، قد أغنى عمر الناس. وقالت جويرية: دخلنا على فاطمة ابنة علي بن أبي طالب ﵂ فأثنت على عمر بن عبد العزيز وقالت: لو كان بقي لنا ما احتجنا بعد إلى أحد! وقال عطاء بن أبي رباح: حدثتني فاطمة امرأة عمر أنها دخلت عليه وهو في مصلاّه تسيل دموعه على لحيته، فقالت: يا أمير المؤمنين ألشيء حدث؟ قال: يا فاطمة إني تقلدت من أمر أمة محمد ﷺ أسودها وأحمرها؛ فتفكرت في الفقير الجائع، والمريض الضائع، والعاري المجهود، والمظلوم المقهور، والغريب الأسير، والشيخ الكبير، وذي العيال الكثير والمال القليل، وأشباههم في أقطار الأرض وأطراف البلاد؛ فعلمت أن ربي سائلي عنهم يوم القيامة؛ فخشيت أن لا

стр. 249

تثبت لي حجة؛ فبكيت. وقال الأوزاعي: إن عمر بن عبد العزيز كان جالسا في بيته وعنده أشراف بني أمية فقال: أتحبون أن أولّي كل رجل منكم جندا؟ فقال رجل منهم: لم تعرض علينا ما لا تفعله؟ قال: ترون بساطي هذا؟ إني لأعلم أنه يصير إلى بلى وفناء وإني أكره أن تدنسوه بأرجلكم، فكيف أوليكم أعراض المسلمين وأبشارهم؟ هيهات لكم هيهات! فقالوا له: لم؟ أما لنا قرابة؟ أما لنا حق؟ قال: ما أنتم وأقصى رجل من المسلمين عندي في هذا الأمر إلا سواء، إلا رجلا من المسلمين حبسه عني طول شقته. وقال حميد: أملى عليّ الحسن رسالة إلى عمر بن عبد العزيز فأبلغ، ثم شكا الحاجة والعيال، فأمر بعطائه. وقال الأوزاعي: كان عمر بن عبد العزيز إذا أراد أن يعاقب رجلا حبسه ثلاثة أيام، ثم عاقبه، كراهة أن يعجل في أول غضبه. وقال جويرية بن أسماء: قال عمر بن عبد العزيز: إن نفسي توّاقة، لم تعط من الدنيا شيئا إلا تاقت إلى ما هو أفضل منه، فلما أعطيت ما لا شيء فوقه من الدنيا تاقت نفسي إلى ما هو أفضل منه - يعني الجنة -. وقال عمرو بن مهاجر: كانت نفقة عمر بن عبد العزيز كل يوم درهمين. وقال يوسف بن يعقوب الكاهلي: كان عمر يلبس الفروة الكبل، وكان سراج بيته على ثلاث قصبات فوقهن طين. وقال عطاء الخراساني: أمر عمر غلامه أن يسخّن له ماء، فانطلق فسخن قمقما في مطبخ العامة، فأمر عمر أن يأخذ بدرهم حطبا يضعه في المطبخ. وقال عمرو بن مهاجر: كان عمر يسرج عليه الشمعة ما كان في حوائج المسلمين، فإذا فرغ من حوائجهم أطفأها، ثم أسرج عليه سراجه. وقال الحكم بن عمر: كان للخليفة ثلثمائة حرسي وثلثمائة شرطي، فقال عمر للحرس: إن لي عنكم بالقدر حاجزا، وبالأجل حارسا، من أقام منكم فله

стр. 250

عشرة دنانير، ومن شاء فليلحق بأهله. وقال عمرو بن مهاجر: اشتهى عمر بن عبد العزيز تفاحا، فأهدى له رجل من أهل بيته تفاحا، فقال: ما أطيب ريحه وأحسنه! ارفعه يا غلام للذي أتى به وأقرئ فلانا السلام وقل له: إن هديتك وقعت عندنا بحيث نحب، فقلت: يا أمير المؤمنين ابن عمك، ورجل من أهل بيتك، وقد بلغك أن النبي ﵌ كان يأكل الهدية، فقال: ويحك! إن الهدية كانت للنبي ﵌ هدية، وهي لنا اليوم رشوة. وقال إبراهيم بن ميسرة: ما رأيت عمر بن عبد العزيز ضرب أحدا في خلافته، غير رجل واحد تناول من معاوية، فضربه ثلاثة أسواط. وقال الأوزاعي: لما قطع عمر بن عبد العزيز عن أهل بيته ما كان يجري عليهم من أرزاق الخاصة كلموه في ذلك، فقال: لن يتسع مالي لكم، وأما هذا المال فإنما حقكم فيه كحق رجل بأقصى برك الغماد. وقال أبو عمر: كتب عمر بن عبد العزيز برد أحكام من أحكام الحجاج مخالفة لأحكام الناس. وقال يحيى الغساني: لما ولاّني عمر بن عبد العزيز الموصل قدمتها فوجدتها من أكثر البلاد سرقة ونقبا، فكتبت إليه أعلمه حال البلد وأسأله: آخذ الناس بالظنة وأضربهم على التهمة أو آخذهم بالبينة وما جرت عليه السنة، فكتب إليّ أن آخذ الناس بالبينة وما جرت عليه السنة؛ فإن لم يصلحهم الحق فلا أصلحهم اللّه؛ قال يحيى: ففعلت ذلك فما خرجت من الموصل حتى كانت من أصلح البلاد وأقلها سرقة ونقبا. وقال رجاء بن حيوة: سمرت ليلة عند عمر، فغشي السراج - وإلى جانبه وصيف - قلت: ألا أنبهه؟ قال: لا، قلت: ألا أقوم؟ قال: ليس من مروءة الرجل استخدامه ضيفه، فقام إلى بطة الزيت وأصلح السراج، ثم رجع، وقال: قمت وأنا عمر بن عبد العزيز ورجعت وأنا عمر بن عبد العزيز. وقال نعيم كاتبه: قال عمر: إنه ليمنعني من كثير من الكلام مخافة المباهاة.
следующие страницы →